Полный текст (5 658 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِيمَا كتبه على أمالي القالي: هَذَا رُجُوع من قَوْله الأول إِلَى مَا هُوَ أصح.
وَقَالَ ابْن جني عِنْد تَوْجِيه قِرَاءَة الْأَعْرَج وَغَيره: يَا حسره على الْعباد من سُورَة يس سَاكِنة الْهَاء: قَالُوا فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: لَا يؤاخذْكم اللَّه باللَّغْوِ فِي أيمانِكُم: هُوَ كَقَوْلِك: لَا وَالله وبلى وَالله.
فَأَيْنَ سرعَة اللَّفْظ بِذكر اسْم الله تَعَالَى هُنَا من التثبت فِيهِ والإشباع لَهُ والمماطلة عَلَيْهِ من قَول فو الله لَا أنسى قَتِيلا رزئته)
الْبَيْت.
أَفلا ترى إِلَى تنطعك هَذِه اللَّفْظَة فِي النُّطْق هُنَا بهَا وتمطيك لإشباع معنى الْقسم عَلَيْهَا.
وَكَذَلِكَ أَيْضا قد ترى إِلَى إطالة الصَّوْت بقوله من بعده: بلَى إنّها تَعْفُو الكلوم ... ... ... ... الْبَيْت أَفلا ترَاهُ لما أكذب نَفسه وتدارك مَا كَانَ أفرط فِيهِ لَفظه أَطَالَ الْإِقَامَة على قَوْله بلَى رُجُوعا إِلَى الْحق عِنْده وانتكائاً عَمَّا كَانَ عقد عَلَيْهِ يَمِينه.
فَأَيْنَ قَوْله هُنَا فو الله وَقَوله بلَى مِنْهُمَا فِي قَوْله: لَا وَالله وبلى وَالله. وَعَلِيهِ قَوْله تَعَالَى: وَلَكِن يؤاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّتم الْأَيْمَان أَي: وكدتموها وحققتموها. انْتهى كَلَامه.
стр. 2312
وَقَوله: وَلم أدر من ألْقى عَلَيْهِ رِدَاءَهُ الخ قَالَ ابْن جني: فِي إِعْرَاب الحماسة: من هُنَا اسْتِفْهَام وخبرها ألْقى. وَيجوز أَن تكون مَوْصُولَة
فَتكون مَنْصُوبَة الْموضع بأدري على حد قَوْلك: مَا دَريت بِهِ ثمَّ تحذف حرف الْجَرّ.
وَلَا يحسن أَن تكون نكرَة وَألقى صفة لَهَا لِأَنَّهُ يصير الْمَعْنى لم أدر إنْسَانا ألْقى عَلَيْهِ رِدَاءَهُ.
وَهَذَا رُبمَا أوهم أَنه لم يلق أحد مِنْهُم رِدَاءَهُ. وَالْأَمر بضد ذَلِك. اه.
وَقَوله: على أَنه قد سل قَالَ التبريزي: مَوضِع على نصب على الْحَال كَأَنَّهُ قَالَ: لَا أدريه مسلولاً عَن ماجد مَحْض.
وروى فِي الحماسة: سوى أَنه وَهُوَ اسْتثِْنَاء مُنْقَطع وَالْمعْنَى لَا أعرف اسْمه وَنسبه لكنه ولد كريم بِمَا ظهر من فعله.
قَالَ الْقَارِي: لما صرع خرَاش ألْقى عَلَيْهِ رجل ثِيَابه فواراه وشغلوا بقتل عُرْوَة فنجا خرَاش.
وَالرجل الَّذِي ألْقى عَلَيْهِ ثَوْبه من أَزْد شنُوءَة فَقَالَ: لَا أَدْرِي من ألْقى عَلَيْهِ ثِيَابه وَلكنه سل عَن ماجد مَحْض يَعْنِي الرِّدَاء. والماجد الْمَحْض أَي: خَالص النّسَب هُوَ الَّذِي ألْقى عَلَيْهِ ثَوْبه. اه.
فالمسلول على هَذَا هُوَ الرِّدَاء لَا الْوَالِد كَمَا قَالَ التبريزي.
وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فَمَا كتبه على أمالي القالي: فِي هَذَا الْبَيْت ثَلَاثَة أَقْوَال: قَالَ قوم: إِن عُرْوَة لما قتل ألْقى عَلَيْهِ رِدَاءَهُ رجل من الْقَوْم فَكَفنهُ بِهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بل الَّذِي ألْقى عَلَيْهِ الرجل هُوَ خرَاش وَذَلِكَ
стр. 2313
أَن رجلا من ثمالة ألْقى عَلَيْهِ رِدَاءَهُ ليخفى عَلَيْهِم وَقد شغل الْقَوْم بقتل عُرْوَة فَقَالَ: اهرب. وَعطف الْقَوْم عَلَيْهِ فَلم يروه. وَقيل: بل)
ألْقى رجل على خرَاش رِدَاءَهُ إِجَارَة لَهُ وَكَذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ.
وَهَذَا مثل قَول بَعضهم يذكر رجلا من عَلَيْهِ: الطَّوِيل
انْتهى.
وَقد تقدم هَذَا الْأَخير عَن الْمبرد.
وَقَوله: وَلم يَك مثلوج الْفُؤَاد الخ قَالَ الْقَارِي: أَي: لم يكن مثلوج الْفُؤَاد ضعيفه أَي: بَارِد الْفُؤَاد.
والمثلوج: الْبَارِد. يُقَال: للرجل إِذا لم يكن ذَا رَأْي وحزم: مَا أبرد فُؤَاده وَمَا أخلاه من ذَاك.
وَقَالَ التبريزي: كَأَنَّهُ أصَاب فُؤَاده ثلج فبردت حرارته. والمهبج بِفَتْح الْمُوَحدَة الْمُشَدّدَة بعْدهَا جِيم قَالَ الْقَارِي: هُوَ المثقل الْكثير اللَّحْم المنتفخ الْوَجْه.
وَقَالَ التبريزي: هُوَ المرهل اللَّحْم الْمُتَغَيّر اللَّوْن. والربيلة بِفَتْح الرَّاء الْمُهْملَة بعْدهَا مُوَحدَة قَالَ الْقَارِي: يُقَال إِنَّهَا النِّعْمَة وَالْخصب. وَإنَّهُ لربل اللَّحْم إِذا كَانَ رطب اللَّحْم.
وَلَيْسَ عِنْدِي كَمَا قَالُوا لبيت سمعته وَهُوَ:
стр. 2314
الطَّوِيل
(ربلنا على الأعدا لنبتغي البوا ... وَلَا من وترنا يستقاد وتير)
ف الربيلة: الْكَثْرَة والشدة. يُقَال: رل بَنو فلَان إِذا كَثُرُوا. والوتير: الموتور. والبواء: أَن يقتل الرجل بِالرجلِ. اه.
وَقَالَ التبريزي: الربيلة: الرُّطُوبَة وَالسمن. يُقَال: رجل ربل. وَمعنى الشّعْر أَنه رَجَعَ إِلَى صفة عُرْوَة فَقَالَ: كَانَ ذكي الْفُؤَاد شهماً لم يكن مِمَّن ضيع شبابه فِي صَلَاح الْبدن. وَهَذَا أولى لشيئين: أَحدهمَا: قَوْله وَلم يَك لِأَنَّهُ يدل ظَاهره على أَنه نعت فَائت. وَالْآخر: وَصفه بأوصاف لَا يُوصف بهَا من لَا يعرف. وَلَا يعدل عَن هَذَا الْوَجْه وَإِن كَانَ قد ذكر أَنه من صِفَات الَّذِي أنجى خراشاً. اه.
والخفض: الدعة والراحة.
وَقَوله: وَلكنه قد نازعته الخ قَالَ التبريزي: ويروى: وَلكنه قد لوحته مخامص. ولوحته: غيرته.
والمخامص: جمع مَخْمَصَة وَهِي خلاء الْبَطن من الطَّعَام جوعا. والمجاوع مثل المخامص وَإِنَّمَا أثرت فِيهِ المجاوع لِأَنَّهُ إِذا سَافر آثر صَحبه على نَفسه بزاده ويجوع.
وَقَوله: صَادِق النهض يَعْنِي النهوض للمكارم والعلا لَا يكذب فِيهَا إِذا نَهَضَ لَهَا.
стр. 2315
هَذَا مَا أوردهُ صَاحب الحماسة وَغَيره وَزَاد أَبُو بكر الْقَارِي والمبرد فِي الْكَامِل بعد هَذَا)
بَيْتَيْنِ وهما:
(كأنّهم يشّبّثون بطائرٍ ... خَفِيف المشاش عظمه غير ذِي نحض)
قَالَ الْقَارِي: يَقُول: هَؤُلَاءِ الَّذين يعدون خلف خرَاش كَأَنَّهُمْ يتعلقون بطائر خَفِيف المشاش أَي: لَيْسَ بِكَثِير اللَّحْم. يُقَال لكل مَا استخف وخف: إِنَّه لخفيف المشاش بِضَم الْمِيم. والطائر: الْعقَاب. ثمَّ قَالَ: عظمه غير ذِي نحض أَي: هُوَ خَفِيف لَيْسَ بمثقل. والنحض: اللَّحْم. اه.
وروى الْمبرد: كَأَنَّهُمْ يسعون فِي إِثْر طَائِر. وَهَذَا الْبَيْت يُؤَيّد مَا اخْتَارَهُ التبريزي من أَن الْكَلَام فِي وصف خرَاش.
(يُبَادر جنح اللّيل فَهُوَ مهابذٌ ... يحثّ الْجنَاح بالتّبسّط وَالْقَبْض)
قَالَ الْقَارِي: فَهُوَ مهابذ يَعْنِي الطَّائِر والمهابذ: السَّرِيع فَهُوَ جاد نَاجٍ. وَأَصله من مر يهذب إهذاباً وَلكنه قلب. وَالْقَبْض: أَن يقبض جناحيه.
وَقَالَ لي الْأَصْمَعِي: سَمِعت ابْن أبي طرفَة ينشد مهابذ وَإِنَّمَا أَرَادَ مهاذب فقلبه فَقَالَ: مهابذ.
يُقَال: مر يهذب إهذاباً إِذا عدا عدوا شَدِيدا. وَقد سَمِعت غَيره يَقُول مهابذ أَي: جاد. اه.
قَالَ الْمبرد: وَقَوله فَهُوَ مهابذ يَقُول: مُجْتَهد. وهذيل فِيهَا سعي شَدِيد وَفِي جمَاعَة من الْقَبَائِل الَّتِي تحل بِأَكْنَافِ الْحجاز.
стр. 2316
وَأنْشد بعده: الْخَفِيف
(إنّ من يدْخل الْكَنِيسَة يَوْمًا ... يلق فِيهَا جآذراً وظباء)
على أَن اسْم إِن ضمير شَأْن مَحْذُوف وَالْجُمْلَة بعْدهَا خَبَرهَا وَإِنَّمَا لم يَجْعَل من اسْمهَا لِأَنَّهَا شَرْطِيَّة بِدَلِيل جزمها الْفِعْلَيْنِ وَالشّرط لَهُ الصَّدْر فِي جملَته فَلَا يعْمل فِيهِ مَا قبله.
وَقد تقدم الْكَلَام على هَذَا الْبَيْت فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالسبْعين.
الشَّاهِد السَّابِع بعد الأربعمائة وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الْخَفِيف
(إنّ من لَام فِي بني بنت حسّا ... ن ألمه وأعصه فِي الخطوب)
على أَن اسْم إِن ضمير شَأْن مَحْذُوف.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب مَا يكون فِيهِ الْأَسْمَاء الَّتِي يجازى بهَا بِمَنْزِلَة الَّذِي وَذَلِكَ
قَوْلك: إِن من يأتيني آتيه وَكَانَ من يأتيني آتيه وَلَيْسَ من يأتيني آتيه. وَإِنَّمَا أذهبت الْجَزَاء هُنَا لِأَنَّك اعملت كَانَ وَإِن وَلم يسغْ لَك أَن تدع كَانَ وإشباهه معلقَة لَا تعملها فِي شَيْء فَلَمَّا أعملتهن ذهب الْجَزَاء وَلم يكن من موَاضعه.
أَلا ترى أَنَّك لَو جِئْت بإن وَمَتى تُرِيدُ إِن إِن وَإِن مَتى
стр. 2317
كَانَ محالاً. وَإِن شغلت هَذِه الْحُرُوف بِشَيْء جازيت.
فَمن ذَلِك قَوْله: إِنَّه من يأتنا نأته وَقَالَ جلّ وَعز: إِنَّه مَنْ يأتِ ربَّهُ مُجْرِماً فإنَّ لَهُ جَهَنَّم وَكنت من يأتني آته.
وَتقول: كَانَ من يأتنا نعطه وَلَيْسَ من يأتنا نعطه إِذا أضمرت الِاسْم فِي كَانَ أَو فِي لَيْسَ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَة لست وَكنت. فَإِن لم تضمر فَالْكَلَام على مَا وصفتا وَقد جَاءَ فِي الشّعْر: إِن من قَالَ الْأَعْشَى: إنّ من لَام فِي بني بنت حسّان ... ... ... ... ... ... الْبَيْت فَزعم الْخَلِيل أَنه إِنَّمَا جازى حَيْثُ أضمر الْهَاء فَأَرَادَ إِنَّه. وَلَو لم يرد الْهَاء كَانَ محالاً. اه.
فَعلم أَن حذف اسْم إِن فِي هَذَا مَخْصُوص بِالضَّرُورَةِ.
وَكَذَلِكَ قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي جعل من للجزاء مَعَ إِضْمَار مَنْصُوب إِن ضَرُورَة.
وَقَالَ النّحاس: يقدره سِيبَوَيْهٍ على حذف الْهَاء وَهُوَ قَبِيح. وَفِيمَا كتبته عَن أبي إِسْحَاق: لم يجز إِن من يأتني آته من جِهَتَيْنِ لِأَن من إِذا كَانَت شرطا واستفهاماً لم يعْمل فِيهَا مَا قبلهَا وَلِأَن تقديرها تَقْدِير إِن فِي المجازاة فَكَمَا لَا يجوز: إِن إِن تأتنا نكرمك كَذَا لَا يجوز هَذَا. فَإِذا جَاءَ فِي الشّعْر فعلى إِضْمَار الْهَاء.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس فِي الشَّرْح: وَأَجَازَ الزيَادي: إِن من يأتنا نأته على غير ضمير فِي أَن. وَهَذَا لَا يجوز لِامْتِنَاع الْجَزَاء من أَن يعْمل فِيهِ مَا قبله. اه.)
стр. 2318
وَلَام: فَاعله ضمير من الشّرطِيَّة وَالْجُمْلَة فِي مَحل جزم لِأَنَّهُ شَرط وألمه مجزوم وَالْأَصْل ألومه فحذفت الْوَاو للساكن وَهُوَ جَزَاء الشَّرْط وَالْهَاء ضمير من. وأعصه مَعْطُوف على ألمه وَأَصله أعصيه فحذفت الْيَاء لما ذكرنَا فِي ألمه. والخطوب: جمع خطب وَهُوَ الْأَمر والشأن.
من يلمني على بني بنت حسّان الخ وَعَلِيهِ لَا شَاهد فِيهِ.
وَهُوَ من قصيدة لَهُ مدح بهَا قيسا أَبَا الْأَشْعَث بن قيس الْكِنْدِيّ.
وأولها:
(من ديارٍ هضبٌ كهضب القليب ... فاض مَاء الشؤون فيض الْغُرُوب)
(أخلفتني بهَا قتيلة ميعا ... دي وَكَانَت للوعد غير كذوب)
إِلَى أَن قَالَ:
(من يلمني على بني بنت حسّا ... ن ألمه وأعصه فِي الخطوب)
(إنّ قيسا قيس الفعال أَبَا الأش ... عث أمست أعداؤه لشعوب)
...
стр. 2319
(ذاكم الْمَاجِد الْجواد أَبُو الأش ... عث أهل النّدى وَأهل السّيوب)
(كلّ عامٍ يمدّني بجمومٍ ... عِنْد ترك الْعَنَان أَو بنجيب)
(تِلْكَ خيلي مِنْهُ وَتلك ركابي ... هنّ صفرٌ أَوْلَادهَا كالزّبيب)
قَوْله: من ديار الخ من تعليلية. والهضب الأول: الْمَطَر يُقَال: هضبتهم السَّمَاء أَي: مطرتهم.
وهضب القليب: مَاء لبني قنفذ من بني سليم. كَذَا قَالَ الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم. وَهُوَ فِي والقليب: الْبِئْر لِأَنَّهُ قلب ترابها. والشؤون: جمع شَأْن وَهُوَ مجْرى الدمع فِي الْعين. والغروب: جمع غرب بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمُهْملَة: الدَّلْو الْعَظِيمَة.
وَقتيلَة بِالتَّصْغِيرِ: اسْم امْرَأَة. وَقَوله: بني بنت حسان وَحسان أحد تبابعة الْيمن.
وَقَوله: إِن قيسا الخ هُوَ قيس بن معد يكرب الْكِنْدِيّ مَاتَ فِي الْجَاهِلِيَّة وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّانِي بعد الْمِائَتَيْنِ وَكَانَ يكنى بِابْنِهِ الْأَشْعَث.
стр. 2320
والأشعث اسْمه معد يكرب كَانَ أبدا أَشْعَث الرَّأْس فَسُمي الْأَشْعَث.
وَهُوَ من الصَّحَابَة وَفد على النَّبِي ﷺ َ سنة عشر وَأسلم وَكَانَ شريفاً مُطَاعًا جواداً شجاعاً. وَهُوَ أول من مشت الرِّجَال فِي خدمته وَهُوَ رَاكب.)
وَكَانَ من أَصْحَاب عَليّ ﵁ فِي وقْعَة صفّين وَقد قَاتل قتالاً شَدِيدا حَتَّى هجم على أَصْحَاب مُعَاوِيَة ودفعهم عَن مَاء الْفُرَات وَأَخذه مِنْهُم بعد أَن منع مِنْهُ أَصْحَاب عَليّ ﵁ بليلة. وَصلى عَلَيْهِ الْحسن بن عَليّ ﵄ وَله من الْعُمر ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة.
والفعال بِفَتْح الْفَاء: الْكَرم والجود. وشعوب بِالْفَتْح: علم للمنية.
والسيوب: جمع سيب بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة وَهُوَ الْعَطاء.
يمدني من الْإِمْدَاد. والجموم بِفَتْح الْجِيم: الْفرس الْكثير الجري. وَقَوله: عِنْد ترك الْعَنَان أَي: عِنْد تَركك تحريكه فِي الجري يعطيك مَا عِنْده من الجري عفوا. والنجيب: الْجمل الْكَرِيم.
وَقَوله: تِلْكَ خيلي مِنْهُ أَي: من قيس. والركاب: الْإِبِل لَا وَاحِد لَهُ من لَفظه وَإِنَّمَا يعبر عَن وَاحِد بالراحلة. وصفر: جمع أصفر بِمَعْنى أسود.
وَقد اسْتشْهد بِهِ الْبَيْضَاوِيّ عِنْد تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: صفراءُ فاقعٌ لَوْنهَا من سُورَة الْبَقَرَة. قَالَ: عَن الْحسن الْبَصْرِيّ: صفراء: سَوْدَاء شَدِيدَة السوَاد وَبِه فسر قَوْله تَعَالَى: جِمالاتٌ صُفْر.
وَقَالَ الْأَعْشَى: تِلْكَ خيلي مِنْهُ وَتلك ركابي ... ... ... ... ... . . الْبَيْت
стр. 2321
وَلَعَلَّه عبر بالصفرة عَن السوَاد لِأَنَّهَا من مقدماته أَو لِأَن سَواد الْإِبِل يعلوه صفرَة. وَفِيه نظر لِأَن الصُّفْرَة بِهَذَا الْمَعْنى لَا تؤكد بالفقوع. انْتهى.
وَهَذَا اعْتِرَاض على تَفْسِير الصُّفْرَة فِي الْآيَة بِالسَّوَادِ. وَأما الْبَيْت فَسكت عَنهُ.
وَاعْتَرضهُ صَاحب الْكَشْف من وَجْهَيْن: الأول أَن الزَّبِيب الْغَالِب عِنْد الْعَرَب الطَّائِفِي وَهُوَ إِلَى الصُّفْرَة أقرب مِنْهُ إِلَى الْحمرَة. وَالثَّانِي جَوَاز أَن يُرَاد: هن صفر وَأَوْلَادهَا سود.
وَأجِيب عَن الأول بِأَن تَشْبِيه الشَّيْء بالزبيب صَار علما فِي الْوَصْف بِالسَّوَادِ فِي لِسَان وَعَن الثَّانِي بِأَن الظَّاهِر من الْعبارَة كَون أَوْلَادهَا فَاعِلا لصفر أَو كَون هن صفر جملَة وَأَوْلَادهَا كالزبيب أُخْرَى فبعيد لَا يتَبَادَر إِلَى الْفَهم السَّلِيم.
وترجمة الْأَعْشَى قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعِشْرين من أَوَائِل الْكتاب.
وَأنْشد بعده
الشَّاهِد الثَّامِن بعد الأربعمائة وَهُوَ من أَبْيَات الْمفصل:
стр. 2322
الطَّوِيل فَلَو أنّك فِي يَوْم الرّخاء سَأَلتنِي تَمَامه: طَلَاقك لم أبخل وَأَنت صديق على أَن إِعْمَال أَن المخففة فِي الضَّمِير البارز شَاذ. وَفِيه شذوذ آخر وَهُوَ كَون الضَّمِير غير ضمير الشَّأْن لأَنهم قَالُوا: إِن أَن إِذا خففت وَجب أَن يكون اسْمهَا ضميراً غَائِبا وَأَن يكون ضمير شَأْن. قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي الْبَاب السَّابِق بعد قَول الْأَعْشَى: الْبَسِيط
(فِي فتيةٍ كسيوف الْهِنْد قد علمُوا ... أَن هالكٌ كلّ من يحفى وينتعل)
يُرِيد معنى الْهَاء وَلَا يُخَفف أَن إِلَّا عَلَيْهِ كَمَا قَالَ: قد علمت أَن لَا يَقُول
أَي: أَنه لَا يَقُول وَقَالَ تَعَالَى: أفَلا يَرَوْنَ ألَاّ يرجعُ إِلَيْهِم قولا وَلَيْسَ هَذَا بِقَوي فِي الْكَلَام كقوة أَن لَا يَقُول لِأَن لَا عوض من ذهَاب الْعَلامَة. أَلا ترى أَنهم لَا يكادون يَتَكَلَّمُونَ بِغَيْر الْهَاء فَيَقُولُونَ قد علمت أَن عبد الله منطلق. انْتهى.
وَقَالَ الْفراء فِي تَفْسِيره من سُورَة الْحجر عِنْد الْكَلَام على حذف نون الْوِقَايَة: وَقد خففت الْعَرَب النُّون من أَن الناصبة ثمَّ أنفذوا لَهَا عَملهَا وَهِي أَشد من ذَا.
قَالَ الشَّاعِر:
стр. 2323
الطَّوِيل
(فَلَو أَنَّك فِي يَوْم الرّخاء سَأَلتنِي ... فراقك لم أبخل وَأَنت صديق)
(فَمَا ردّ تزويجٌ عَلَيْهِ شهادةٌ ... وَلَا ردّ من بعد الْحرار عَتيق)
وَقَالَ الآخر: المتقارب
(وَقد علم الضّيف والمرملون ... إِذا اغبرّ أفقٌ وهبّت شمالا)
(بأنك ربيعٌ وغيثٌ مريعٌ ... وقدماً هُنَاكَ تكون الثّمالا)
انْتهى.
وَظَاهره أَنَّهَا تعْمل مُطلقًا كالمثقلة. وَنقل ابْن المستوفي عَنهُ فِي شرح أَبْيَات الْمفصل لم يسمع من الْعَرَب تَخْفيف أَن وإعمالها إِلَّا مَعَ المكني لِأَنَّهُ لَا يتَبَيَّن فِيهِ الْإِعْرَاب فَأَما مَعَ الظَّاهِر فَلَا. وَلَكِن وَمِنْه تعلم أَن نقل ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي عَن الْكُوفِيّين أَنهم زَعَمُوا أَنَّهَا إِذا خففت لَا تعْمل شَيْئا)
غير صَحِيح. وتحريره أَن اسْمهَا إِذا كَانَ ظَاهرا لَا تعْمل شَيْئا.
وَالْبَيْت خطاب لزوجته فِي طلبَهَا الطَّلَاق وَيُرِيد بِيَوْم الرخَاء قبل إحكام عقد النِّكَاح بِدَلِيل الْبَيْت الثَّانِي
стр. 2324
وَبِه يسْقط قَول الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة على الْمُغنِي: إِن الشَّاعِر خَاطب امْرَأَته واصفاً نَفسه بالجود.
وَقَوله: فِي يَوْم الرخَاء من التتميم.
وَكَذَا قَوْله: وَأَنت صديق لوُقُوع كل مِنْهُمَا فِي كَلَام لَا يُفِيد خلاف الْمَقْصُود مُفِيدا لنكتة وَهِي الْمُبَالغَة فِي الاتصاف بالجود.
وَيحْتَمل أَن يكون مُرَاده وصف نَفسه بمحبته هَذِه الْمَرْأَة وَأَنه قد يُؤثر مَا تختاره هِيَ على مَا يختاره هُوَ حرصاً على رِضَاهَا وَحُصُول مرادها. انْتهى.
وَتَبعهُ الْعَيْنِيّ فَقَالَ: إِنَّه يصف نَفسه بالجود حَتَّى لَو سَأَلَهُ الحبيب الْفِرَاق مَعَ حبه لأجابه إِلَى ذَلِك وَإِن كَانَ فِي الدعة والراحة كَرَاهَة رد السَّائِل.
وَإِنَّمَا خص يَوْم الرخَاء لِأَن الْإِنْسَان رُبمَا يُفَارق الأحباب فِي يَوْم الشدَّة. هَذَا كَلَامه.
وَزعم بَعضهم أَن الْخطاب لمذكر وروى: فراقك بدل: طَلَاقك. وَهَذَا كُله نَاشِئ من عدم الِاطِّلَاع على الْبَيْت الثَّانِي. وَيَوْم الرخَاء مُتَعَلق بسألتني وطلاقك مَفْعُوله الثَّانِي وَالْجُمْلَة خبر أَن المخففة وَلم أبخل جَوَاب لَو وَجُمْلَة: أَنْت صديق حَال من ضمير أبخل.
فَإِن قلت: كَانَ الْوَاجِب أَن يَقُول: وَأَنت صديقَة قلت: قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق فِي شرح الشافية عِنْد الْكَلَام على جمع الصّفة جمع تكسير: وَقد جَاءَ شَيْء من فعيل بِمَعْنى فَاعل مستوياً فِيهِ الْمُذكر والمؤنث حملا على فعيل بِمَعْنى مفعول نَحْو: جَدِيد وسديس وريح خريق وَرَحْمَة الله قريب. وَيلْزم ذَلِك فِي سديس وخريق. انْتهى.
وَقَالَ صَاحب الْعباب: قد يُقَال للْوَاحِد وَالْجمع والمؤنث قَالَ الله تَعَالَى: أَو صديقكم أَي: أصدقائكم.
وَقَالَ:
стр. 2325
الطَّوِيل
(نصبن الْهوى ثمّ ارتمين قُلُوبنَا ... بأعين أعداءٍ وهنّ صديق)
وَأنْشد اللَّيْث: الطَّوِيل)
(إِذْ النّاس ناسٌ والزّمان بعزّةٍ ... وَإِذ أمّ عمّارٍ صديقٌ مساعف)
انْتهى.
والبيتان أنشدهما الْفراء وَلم يعزهما لأحد.
стр. 2326
٣ - (اسْم الْإِشَارَة)
أنْشد فِيهِ الشَّاهِد التَّاسِع بعد الأربعمائة وَهُوَ من أَبْيَات الْمفصل: الْكَامِل
(ذمّ الْمنَازل بعد منزلَة اللّوى ... والعيش بعد أُولَئِكَ الأيّام)
على أَن أولاء يشار بِهِ إِلَى جمع عَاقِلا كَانَ أَو غَيره كَمَا فِي الْبَيْت فَإِن أولاء أُشير بِهِ إِلَى الْأَيَّام وَهُوَ جمع لغير من يعقل. وَكَذَا قَوْله تَعَالَى: إنَّ السَّمعَ والبَصَر والفُؤَادَ كُلُّ أولئكَ كَانَ عنهُ مسؤُولا.
قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد: ويروى الأقوام بدل الْأَيَّام فَلَا شَاهد فِيهِ. وَزعم ابْن عَطِيَّة أَن هَذِه الرِّوَايَة هِيَ الصَّوَاب وَأَن الطَّبَرِيّ غلط إِذْ أنْشدهُ الْأَيَّام وَأَن الزّجاج تبعه فِي هَذَا الْغَلَط.
انْتهى.
قلت: رَوَاهُ مُحَمَّد بن حبيب فِي النقائض وَمُحَمّد بن الْمُبَارك فِي مُنْتَهى الطّلب من أشعار الْعَرَب: الأقوام كَمَا قَالَ ابْن عَطِيَّة.
стр. 2327
ومطلعها:
(سرت الهموم فبتن غير نيام ... وأخو الهموم يروم كلّ مرام)
ذمّ الْمنَازل بعد منزلَة اللّوى ... ... ... ... الْبَيْت وَقَالَ بعد بَيْتَيْنِ:
(فَإِذا وقفت على الْمنَازل باللّوى ... فاضت دموعي غير ذَات نظام)
(طرقتك صائدة الْقُلُوب وَلَيْسَ ذَا ... حِين الزّيارة فارجعي بِسَلام)
(تجْرِي السّواك على أغرّ كأنّه ... بردٌ تحدّر من متون غمام)
(لَوْلَا مراقبة الْعُيُون أريننا ... مقل المها وسوالف الآرام)
ثمَّ بعد أَن تغزل بِأَبْيَات شرع فِي هجو الفرزدق فَقَالَ:)
(إنّ ابْن آكِلَة النّخالة قد جنى ... حَربًا عَلَيْهِ ثَقيلَة الأجرام)
(خلق الفرزدق سوءةً فِي مَالك ... ولخلف ضبّة كَانَ شرّ غُلَام)
...
стр. 2328
(مهلا فرزدق إنّ قَوْمك فيهم ... خور الْقُلُوب وخفّة الأحلام)
(الظّاعنون على الْعَمى بجميعهم ... النّازلون بشرّ دَار مقَام)
(لَو غَيْركُمْ علق الزّبير بحبله ... أدّى الْجوَار إِلَى بني العوّام)
وَبعده بيتان هما آخر القصيدة.
وَقَوله: ذمّ الْمنَازل الخ قَالَ ابْن هِشَام: الْأَرْجَح فِيهِ كسر الْمِيم الَّذِي هُوَ وَاجِب إِذا فك الْإِدْغَام على لُغَة الْحجاز ودونه الْفَتْح للتَّخْفِيف وَهُوَ لُغَة بني أَسد وَالضَّم ضَعِيف وَوَجهه إِرَادَة الِاتِّبَاع. والمنازل: جمع منزلَة أَو منزلَة. فَهُوَ كالمساجد والمحامد.
وَهَذَا أولى لقَوْله منزلَة اللوى. وَبعد إِمَّا حَال من الْمنَازل أَو ظرف. والعيش عطف على الْمنَازل. وَالْأَيَّام صفة لاسم الْإِشَارَة أَو عطف بَيَان.
وَقَوله: طرقتك صائدة الخ هَذَا الْتِفَات من التَّكَلُّم إِلَى الْخطاب. والطروق: الْإِتْيَان لَيْلًا.
قَالَ ابْن هِشَام: قد عيب عَلَيْهِ طرد خيال محبوبته. وَأجِيب بِأَنَّهُ طرقه فِي حَال السّفر فأشفق عَلَيْهِ من الْخطر.
وَقَوله: تجْرِي السوالك على أغر أَي: على ثغر أغر.
стр. 2329
وَقَوله: لَوْلَا مراقبة الْعُيُون أَي: الرقباء جمع عين وَهُوَ الجاسوس.
وَقَوله: إِن ابْن آكِلَة النحالة يَعْنِي البعيث. وَأَرَادَ بآكلة النخالة الْخِنْزِير والبعيث شَاعِر من بَين مجاشع. والجرم بِكَسْر الْجِيم: الْجَسَد يُقَال: رَمَاه بأجرامه أَي: بجسده.
وَالْخلف بِسُكُون اللَّام: الرَّدِيء من النَّاس وَغَيرهم وَبِفَتْحِهَا: الْجيد من النَّاس وَمن كل شَيْء.
وَقَوله: الظاعنون الخ مَعْنَاهُ: أَنهم يركبون مَا لَا ينالون غَايَته وينزلون شَرّ الْبِقَاع لنذالتهم لَا يمكنون من مَوضِع جيد.
وَقَوله: لَو غَيْركُمْ علق الزبير الخ الْحَبل هُنَا: الذِّمَّة. والجوار: الْمُجَاورَة والذمة. وعلق الشَّيْء بِكَذَا من بَاب تَعب وَتعلق بِهِ إِذا نشب بِهِ واستمسك.
يُرِيد أَن قوم الفرزدق غدروا بالزبير بن الْعَوام فَقَتَلُوهُ. يَقُول: لَو كَانَ فِي ذمَّة غَيْركُمْ لَأَدَّى ذمَّته إِلَى بني الْعَوام وَلم يغدر بِهِ.)
وَمُلَخَّص سَبَب قَتله أَن الزبير لما جَاءَ مَعَ عَائِشَة فِي وقْعَة الْجمل ذكره عَليّ ﵁ بقول النَّبِي ﵊ ُ: إِنَّك ستحاربه وَأَنت ظَالِم لَهُ فَاسْتَرْجع وَقَالَ: أذكرتني شَيْئا أنسانيه الدَّهْر.
ثمَّ فَارق المعركة آخِذا طَرِيق مَكَّة فَنزل على قوم من بني تَمِيم فَقَامَ إِلَيْهِ عَمْرو ابْن جرموز الْمُجَاشِعِي فأضافه ثمَّ قَالَ لَهُ: يَا أَبَا عبد الله حَدثنِي عَن خِصَال أَسأَلك عَنْهَا. قَالَ: هَات.
قَالَ: خذلك عُثْمَان وبيعتك عليا وإخراجك أم الْمُؤمنِينَ وصلاتك خلف ابْنك ورجوعك عَن هَذِه الْحَرْب. فَظن بِي كل شَيْء إِلَّا الْجُبْن.
فَانْصَرف وَهُوَ يَقُول: وَا لهفي على ابْن صَفِيَّة أضرمها نَارا ثمَّ أَرَادَ أَن يلْحق بأَهْله قتلني الله إِن لم أَقتلهُ.
стр. 2330
ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ كالمستنصح. قَالَ: يَا أَبَا عبد الله دون أهلك فيافي فَخذ نجيبي هَذَا وخل فرسك ودرعك فَإِنَّهُمَا شَاهِدَانِ عَلَيْك بِمَا تكره.
وَلم يزل بِهِ حَتَّى ترك عِنْده فرسه وَدِرْعه وَخرج مَعَه إِلَى وَادي السبَاع وَأرَاهُ أَنه يُرِيد مسايرته ومؤانسته فَقتله غيلَة وَهُوَ يُصَلِّي وأتى بِسَيْفِهِ إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأخْبرهُ بقتْله فبشره عَليّ بالنَّار.
ثمَّ خرج ابْن جرموز على عَليّ مَعَ أهل النهروان فَقتل مَعَ من قتل هُنَاكَ.
وَهَذَا الْبَيْت أوردهُ الْمبرد فِي الْكَامِل إِلَّا أَنه رَوَاهُ بِنصب غَيْركُمْ قَالَ: تصب بِفعل مُضْمر يفسره مَا بعده لِأَنَّهَا للْفِعْل. وَهُوَ فِي التَّمْثِيل: لَو علق الزبير غَيْركُمْ. انْتهى.
وَأوردهُ أَيْضا أَبُو بكر بن السراج فِي الْأُصُول فِي بَاب أَن الْمَفْتُوحَة قَالَ: إِن الْأَسْمَاء تقع بعد لَو على تَقْدِير تَقْدِيم الْفِعْل الَّذِي بعْدهَا.
فمما وَليهَا من الْأَسْمَاء قَول الله : لَو أَنْتُم تملِكُون وَقَالَ جرير: لَو غَيْركُمْ علق الزّبير بحبله الْبَيْت. انْتهى.
وَالظَّاهِر أَن الرِّوَايَة عِنْده بِالرَّفْع وَهُوَ الصَّحِيح لِأَن علق لَا يتَعَدَّى إِلَى مفعول صَرِيح.
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْن هِشَام فِي مُغنِي اللبيب عِنْد الْكَلَام على لَو غَيْركُمْ
стр. 2331
بِالرَّفْع. وَيرد عَلَيْهِ أَن هَذَا لَا يَصح لِأَن الْمُتَعَلّق بالحبل الزبير لَا غَيْركُمْ. وَقد يُوَجه بِأَن التَّعَلُّق من الطَّرفَيْنِ: من الزبير بنزوله عِنْدهم وَمن الْغَيْر بِحِفْظ الذمام. وَفِيه تعسف وَالظَّاهِر أَن هَذَا مِمَّا حذف فِيهِ كَانَ الشأنية كَقَوْلِه: الْبَسِيط)
لَو فِي طهيّة أحلامٌ لما عرضوا وَجُمْلَة غَيْركُمْ علق الزبير بحبله من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر خبر كَانَ الشانية المحذوفة. أَو يكون غَيْركُمْ اسْم كَانَ المحذوفة النَّاقِصَة وَجُمْلَة علق الزبير فِي مَحل نصب على أَنه خَبَرهَا.
وَإِنَّمَا أطنبت فِي شرح هَذَا الْبَيْت لِأَنِّي لم أر أحدا وَفِي حَقه من الشُّرَّاح حَتَّى إِن الدماميني مَعَ جلالته مَا فهم مَعْنَاهُ قَالَ فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة على الْمُغنِي: وَالَّذِي يظْهر أَن غَرَض الشَّاعِر ذمّ مخاطبيه بِأَنَّهُم لَا قُوَّة لَهُم يحكمون بهَا من التجأ إِلَى جوارهم.
يَقُول: لَو تمسك الزبير بِذِمَّة غَيْركُمْ لم يلْتَفت إِلَى جوَار قومه واستمسك بهؤلاء الَّذين استجار بهم لكَوْنهم من الحماية لَهُ بِحَيْثُ يفوقون عصبَة قومه.
يَعْنِي: وَأما أَنْتُم فلستم بِهَذِهِ المثابة فَلَا يعْتد الزبير باعتصامكم بل هُوَ مستمسك بجوار قومه لَا يرد عَلَيْهِم لافتقاره إِلَيْهِ وضعفكم.
هَذَا كَلَامه على الْبَيْت بحذافيره وَلَا يخفى أَن هَذَا لَا مساس لَهُ بِالْبَيْتِ ومنشوء عدم الِاطِّلَاع وَقَوله: كَانَ الْعَنَان على أَبِيك محرما الخ أَرَادَ عنان الْفرس. والكير: كور الْحداد. يُرِيد أَنهم لَيْسُوا بفرسان وَأَن أَبَاهُ قين أَي: حداد.
وَقد عَارضه الفرزدق بقصيدة مِنْهَا هَذِه الأبيات:
стр. 2332
الْكَامِل
(قَالَ ابْن صانعة الزّروب لِقَوْمِهِ ... لَا أَسْتَطِيع رواسي الْأَعْلَام)
(قَالَت تجاوبه المراغة أمّه ... قد رمت ويل أَبِيك غير مرام)
(وَوجدت قَوْمك فقؤوا من لؤمهم ... عَيْنَيْك عِنْد مَكَارِم الأقوام)
(صغر دلاؤءهم فَمَا ملؤوا بهَا ... حوضاً وَلَا شهدُوا غَدَاة زحام)
(أشبهت أمّك إِذْ تعاض دارماً ... بأدقّةٍ متقاعسين لئام)
(وحسبت بَحر بني كليبٍ مصدرا ... فغرقت حِين وَقعت فِي القمقام)
(فِي لجّةٍ غمرت أَبَاك بحورها ... فِي الجاهليّة كَانَ وَالْإِسْلَام)
إِلَى هُنَا كَلَام أم جرير لَهُ. وَمن هُنَا شرع يفتخر فَقَالَ:
(إنّ الأقارع والحتات وغالباً ... وَأَبا هنيدة دافعوا لمقامي)
...
стр. 2333
(بمناكبٍ سبقت أَبَاك صدورها ... ومآثرٍ لمتوّجين كرام)
(إنّي وجدت أبي بنى لي بَيته ... فِي دوحى الرؤساء والحكّام))
(منّا الَّذِي جمع الْمُلُوك وَبينهمْ ... حربٌ يشبّ وقودها بضرام)
(خَالِي الَّذِي ترك النّجيع برمحه ... يَوْم النّقا شرقاً على بسطَام)
(وَأبي صعصعة بن ليلى غالبٌ ... غلب الْمُلُوك ورهطه أعمامي)
وَيَأْتِي إِن شَاءَ الله شرح جَمِيع هَذَا عِنْد الْكَلَام على قَوْله: فِي لجّة غمرت أَبَاك بحورها فَإِنَّهُ من شَوَاهِد هَذَا الْكتاب فِي بَاب الْأَفْعَال النَّاقِصَة.
وَأنْشد بعده الشَّاهِد الْعَاشِر بعد الأربعمائة الوافر
(تجلّد لَا يقل هَؤُلَاءِ هَذَا ... بَكَى لمّا بَكَى أسفا وغيظا)
стр. 2334
على أَن هَؤُلَاءِ بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الْوَاو مخفف هَؤُلَاءِ بِحَذْف ألف هَا وقلب همزَة أولاء واواً.
وَقَالَ ابْن جني فِي الخاطريات: الأَصْل هَؤُلَاءِ فحذفت الْألف ثمَّ شبه هؤل بعضد فسكن ثمَّ أبدل الْهمزَة واواً وَإِن كَانَت سَاكِنة بعد فَتْحة تَنْبِيها على حركتها الْأَصْلِيَّة.
وَمثله فِي المعتل قَول بَعضهم فِي بئس: بيس بياء سَاكِنة بعد الْبَاء.
وأسهل من ذَلِك أَن يُقَال: أبدل الْهمزَة من هَؤُلَاءِ واوا على غير قِيَاس ثمَّ استثقلت الضمة على الْوَاو فأسكنت فحذفت الْألف لالتقاء الساكنين.
وَقَالَ الشلوبين فِي حَاشِيَته على الْمفصل: كثر هَؤُلَاءِ فِي كَلَامهم حَتَّى خففوه فَقَالُوا هولاء.
قَالَ الشَّاعِر: الوافر
(تجلّد لَا يقل هولاء هَذَا ... بكلا لمّا بَكَى أسفا عليكا)
فالقافية فِي رِوَايَة الشلوبين كَافِيَة. وَلم أدر أَي الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيحَة لِأَنِّي لم أَقف على شَيْء بِأَكْثَرَ من هَذَا. وَالله أعلم.
وتجلد: فعل أَمر من الجلادة وَهُوَ التحفظ من الْجزع. ويقل مجزوم بِلَا الناهية.
وَأنْشد بعده
الشَّاهِد الْحَادِي عشر بعد الأربعمائة الطَّوِيل
(فَقلت لَهُ والرّمح يأطر مَتنه ... تأمّل خفافاً إنّني أَنا ذلكا)
стр. 2335
على أَن الْإِشَارَة فِيهِ من بَاب عَظمَة الْمشَار إِلَيْهِ أَي: أَنا ذَلِك الْفَارِس الَّذِي سَمِعت بِهِ. نزل بعد دَرَجَته ورفعة مَحَله منزلَة بعد الْمسَافَة. وَكَذَا القَوْل فِي قَوْله : آلم ذَلِك الكتابُ.
وَقَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل نقلا عَن ابْن عَبَّاس وَتَبعهُ ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف قَالَا: قد يَأْتِي اسْم الْإِشَارَة الْبعيد بِمَعْنى الْقَرِيب كَمَا يكون ذَلِك بِمَعْنى هَذَا. قَالَ تَعَالَى: آلم ذَلِك الكتابُ.
وَقَالَ خفاف بن ندبة.
تأمّل خفافاً إنّني أَنا ذلكا أَي: هَذَا. وَأقرهُ أَبُو الْوَلِيد الْقرشِي فِي شرح الْكَامِل وَقَالَ: وَأقرب متأوّلاً من ذَا وَذَاكَ فِي قَول خفاف وَأولى بالتأويل أَن يُرِيد أَي: أَنا خفاف فكنى عَنهُ بقوله أَنا ذَلِك كَمَا يَقُول لَك الْقَائِل: أَنْت زيد فَتَقول لَهُ: أَنا ذَلِك الَّذِي تُرِيدُ. انْتهى.
وَالْبَيْت من أَبْيَات لخفاف بن ندبة الصَّحَابِيّ وَهِي:
(فَإِن تَكُ خيلي قد أُصِيب عميدها ... فإنّي على عمدٍ تيمّمت هَالكا)
(نصبت لَهُ علوى وَقد خام صحبتي ... لأبني مجداً أَو لأثأر هَالكا)
(لدن ذرّ قرن الشّمس حتّى رَأَيْتهمْ ... سرَاعًا على خيل تؤمّ المسالكا)
(فلمّا رَأَيْت الْقَوْم لَا ودّ بَينهم ... شريجين شتّى مِنْهُم ومواشكا)
(تيمّمت كَبْش الْقَوْم لمّا رَأَيْته ... وجانبت شبّان الرّجال الصّعالكا)
...
стр. 2336
(فجادت لَهُ يمنى يديّ بطعنةٍ ... كست متنتيه أسود اللّون حالكا)
(أَنا الْفَارِس الحامي حَقِيقَة وَالِدي ... بِهِ تدْرك الأوتار قدماً كذلكا)
قَوْله: إِن تَكُ خيلي الخ أَرَادَ بِالْخَيْلِ هُنَا الفرسان. والعميد: السَّيِّد الَّذِي يعمد أَي: يقْصد أَي: إِن قتل سيد الفرسان. وروى: صميمها والصميم: الشريف والخالص.
وَأَرَادَ بِهَذَا السَّيِّد الَّذِي قتل ابْن عَمه وَهُوَ مُعَاوِيَة بن عَمْرو بن الشريد وَهُوَ أَخُو صَخْر والخنساء الصحابية الشاعرة. وتيممت: قصدت. وَمَالك هُوَ ابْن حمَار. وَهُوَ سيد بني شمخ بن فَزَارَة.)
وَكَانَ من خَبره أَن خفاف بن ندبة غزا مَعَ مُعَاوِيَة بن عَمْرو مرّة وفزارة فَعمد ابْنا حَرْمَلَة: دُرَيْد وهَاشِم المريان عمد مُعَاوِيَة فاستطرد لَهُ أَحدهمَا فَحمل عَلَيْهِ مُعَاوِيَة فطعنه فِي عضده وَحمل الآخر على مُعَاوِيَة فطعنه مُتَمَكنًا فَلَمَّا تنادوا:
قتل مُعَاوِيَة قَالَ خفاف: قتلني الله إِن بَرحت مَكَاني حَتَّى أثأر بِهِ فَحمل على مَالك الْمَذْكُور فطعنه فَقتله. وَإِنَّمَا تيَمّمه لِأَنَّهُ عدل مُعَاوِيَة.
وَقَوله: نصبت لَهُ علوى الخ ويروى: وقفت لَهُ علوى وَهُوَ بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام وبالقصر: اسْم فرس خفاف أوردهُ القالي فِي
стр. 2337
الْمَقْصُور والممدود.
وخام بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة بِمَعْنى ارْتَدَّ. يُقَال: أخام الرجل يَده عَن الطَّعَام إِذا رفع يَده عَنهُ.
والصحبة: مصدر صَحبه يَصْحَبهُ. وَأَرَادَ بِهِ الْأَصْحَاب. وَالْمجد: الشّرف. وأثأر هَالكا أَي: آخذ بثأر هَالك يَعْنِي مُعَاوِيَة.
وَقَوله: لدن ذرّ قرن الخ يُقَال: ذَر قرن الشَّمْس ذروراً بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة من بَاب قعد: طلعت. وقرنها: أول مَا يظْهر مِنْهَا. ولدن: ظرف لقَوْله نصبت لَهُ علوى.
وَقَوله: شريجين: مثنى شريج بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء وَآخره جِيم حَال من الْقَوْم أَي: صنفين. وشتى ومواشكا: يدل من شريجين. وشتى: جمع شتيت كجرحى جمع جريح.
ومواشك: اسْم فَاعل بِمَعْنى مسرع. يَعْنِي رَأَيْت الْقَوْم قسمَيْنِ: فريق مِنْهُم رَجَعَ وتشتت عَن مُعَاوِيَة قبل قَتله كَمَا يَأْتِي فِي خبر مَقْتَله وفريق هارب مسرع بعد قَتله.
وَقَوله: تيممت كَبْش الخ هُوَ جَوَاب لما. وكبش الْقَوْم: رئيسهم وسيدهم. وَإِنَّمَا جَانب الشَّبَاب وَلم يقتل مِنْهُم لأَنهم لَيْسُوا بكفء لمعاوية. والصعالك: جمع صعلوك وَالْقِيَاس الصعاليك وهم الْفُقَرَاء.
وَقَوله: فجادت لَهُ أَي: لمَالِك. والمتنة: مثل الْمَتْن كَمَا جَاءَ بِهِ فِي الْبَيْت بعده.
قَالَ ابْن فَارس: المتنان: مكتنفا الصلب من العصب وَاللَّحم. ومتنت الرجل متْنا
من بَابي وضر وَقتل إِذا ضربت مَتنه. وَأَرَادَ بأسود اللَّوْن الدَّم. والحالك: الشَّديد السوَاد.
стр. 2338
وَقَوله: وَقلت لَهُ الخ مَعْطُوف على جَادَتْ والعاطف هُوَ الْوَاو لَا الْفَاء كَمَا فِي الشَّرْح. وَالضَّمِير لمَالِك وَجُمْلَة وَالرمْح يأطر مَتنه: حَال من الْهَاء وَحَملَة تَأمل خفافاً مقول القَوْل. ويأطر: يحنو ويثني. يُقَال: أطره أطراً من بَاب ضرب إِذا عطفه وَمِنْه إطار المنخل. وَمَتنه مفعول يأطر أَي:)
يعْطف ظهر مَالك.
وَتَأمل فعل أَمر خطاب لمَالِك من تَأَمَّلت الشَّيْء إِذا تدبرته وَهُوَ إعادتك النّظر فِيهِ مرّة بعد أُخْرَى حَتَّى تعرفه. وخفاف بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وفاءين كغراب: اسْم الشَّاعِر.
وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ ذَلِك ليعرفه أَنه هُوَ الَّذِي قَتله.
روى الْأَخْفَش فِي شرح ديوَان الخنساء أَن خفافاً لما قَالَ لَهُ ذَلِك قَالَ مَالك: أَنْت ابْن ندبة يُرِيد أَنْت ابْن جَارِيَة سَوْدَاء يعيره بذلك.
وَقَوله: إِنَّنِي أَنا ذَلِك اسْتِئْنَاف بياني كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: هَل أَنْت مِمَّا يتَأَمَّل إِنَّمَا أَنْت ابْن ندبة فَقَالَ لَهُ: إِنَّنِي أَنا ذَلِك الشجاع الَّذِي سَمِعت بِهِ. وَأَنا إِمَّا تَأْكِيد للياء كَمَا تقدم وَجهه فِي الشَّرْح فِي بَابه وَإِمَّا مُبْتَدأ خَبره لَك وَالْجُمْلَة خبر إِنَّنِي وَالْألف فِي ذَلِك للإطلاق وَكَذَلِكَ فِي جَمِيع هَذِه القوافي.
وَقَوله: أَنا الْفَارِس الخ اسْتِئْنَاف نحوي وَهُوَ ابْتِدَاء كَلَام لَا علاقَة لَهُ بِمَا قبله معنى ابْتَدَأَ بِهِ وَحَقِيقَة وَالِده هُنَا: أَخذ ثأر ابْن أَخِيه لِأَنَّهُ يحِق على وَالِده أَن يَأْخُذ ثأر مُعَاوِيَة. قَالَ عَامر بن الطُّفَيْل قَاتله الله: الطَّوِيل
(لقد علمت عليا هوَازن أنّني ... أَنا الْفَارِس الحامي حَقِيقَة جَعْفَر)
стр. 2339
وجعفر هَذَا أَبُو جده لِأَنَّهُ عَامر بن الطُّفَيْل بن مَالك بن جَعْفَر بن كلاب.
وَقَوله: بِهِ تدْرك الأوتار الخ أَي: إِنَّمَا تدْرك الأوتار بالحمي بِالدَّال عَلَيْهِ الحامي لَا بِغَيْرِهِ. أَو الضَّمِير رَاجع للحامي يُقَال: حميت الْمَكَان من النَّاس حمياً من بَاب رمى وحمية بِالْكَسْرِ إِذا منعته عَنْهُم. والحماية اسْم مِنْهُ.
وتدرك بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول. والأوتار: جمع وتر بِالْكَسْرِ وَهُوَ الثأر والذحل أَي: الحقد.
وَقَوله: قدماً كَذَلِك أَي: كَذَلِك تدْرك الأوتار قدماً بِكَسْر الْقَاف. قَالَ صَاحب الصِّحَاح: يُقَال قدماً كَانَ كَذَا وَكَذَا وَهُوَ اسْم من الْقدَم جعل اسْما من أَسمَاء الزَّمَان.
وروى صَاحب الأغاني كَذَا:
(أَنا الْفَارِس الحامي الْحَقِيقَة وَالَّذِي ... بِهِ أدْرك الْأَبْطَال قدماً لذلكا)
وَزَاد بعده وَهُوَ:
(وَإِن ينج مِنْهَا هاشمٌ فبطعنةٍ ... كسته نجيعاً من دم الْجوف صائكا))
وخفاف بن ندبة هُوَ خفاف بن عُمَيْر بن الْحَارِث بن الشريج بن ريَاح ابْن يقظة بن عصية بن خفاف بن امْرِئ الْقَيْس بن بهثة بن سليم بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة ابْن خصفة.
стр. 2340
وخفاف بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَهُوَ بِمَعْنى الْخَفِيف يُقَال: رجل خفاف وخفيف بِمَعْنى كطوال وطويل. والخف بِالْكَسْرِ بِمَعْنى الْخَفِيف أَيْضا.
وَعُمَيْر: مصغر عَمْرو. والشريد اسْمه عَمْرو. ورياح بِكَسْر الرَّاء بعْدهَا مثناة تحتية. ويقظة هُوَ ضد النّوم. وَعصيَّة: مصغر عَصا. وبهثة بِضَم الْمُوَحدَة وَسُكُون الْهَاء بعْدهَا ثاء مُثَلّثَة. وسليم بِالتَّصْغِيرِ.
وَأما ندبة فَهُوَ اسْم أمه كَانَ سباها الْحَارِث بن الشريد حِين أغار على بني الْحَارِث بن كَعْب فَوَهَبَهَا لِابْنِهِ عُمَيْر فَولدت لَهُ خفافاً وَكَانَت امْرَأَة سَوْدَاء. كَذَا فِي الأغاني.
وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ فِي الْأَنْسَاب: ندبة هِيَ بنت الشَّيْطَان بن قنان بن سَلمَة ابْن وهب بن عبد الله بن ربيعَة بن كَعْب. انْتهى.
وَقَالَ صَاحب الْعباب: ندبة هَذِه كَانَت سَوْدَاء حبشية وَهِي بِفَتْح النُّون وَسُكُون الدَّال بعْدهَا بَاء مُوَحدَة مَأْخُوذ من قَوْلهم: رجل ندب أَي: خَفِيف فِي الْحَاجة وَامْرَأَة ندبة. وَفرس ندب أَي: مَاض. وَندب مثل شجع شجاعة أَي: خف فِي الْعَمَل.
وقنان بِفَتْح الْقَاف بعْدهَا نونان خفيفتان.
وخفاف بن ندبة مخضرم أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وَشهد فتح مَكَّة وَكَانَ مَعَه لِوَاء بني سليم واللواء الآخر مَعَ الْعَبَّاس بن مرداس. وَشهد حنيناً والطائف وَثَبت على إِسْلَامه فِي الرِّدَّة وَبَقِي إِلَى زمن عمر بن الْخطاب
стр. 2341
وكنيته أَبُو خراشة. وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة يهاجي الْعَبَّاس بن مرداس وَله يَقُول الْعَبَّاس: الْبَسِيط
(أَبَا خراشة أمّا كنت ذَا نفرٍ ... فإنّ قومِي لم تأكلهم الضّبع)
وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ.
وخفاف هُوَ أحد فرسَان قيس وشعرائها الْمَذْكُورين. قَالَ الْأَصْمَعِي: خفاف ودريد بن الصمَّة أشعر الفرسان وَهُوَ أحد أغربة الْعَرَب أَي: سودانهم لِأَنَّهُ كَانَ أسود حالكاً وَهُوَ الْقَائِل:
(كِلَانَا يسوّده قومه ... على ذَلِك النّسب المظلم)
يَعْنِي: السودَان.)
وأغربة الْعَرَب هم: عنترة بن شَدَّاد وسليك بن السلكة وَأَبُو عَمْرو بن الْحباب وخفاف بن ندبة وَهِشَام بن عقبَة بن أبي معيط.
وَأما مُعَاوِيَة الْمَذْكُور فَهُوَ ابْن عمر خفاف وَهُوَ أَخُو الخنساء الصحابية وأخو صَخْر. وَقد قتل روى هِشَام عَن أَبِيه قَالَ: كَانَ عُمَيْر ابْن الْحَارِث بن الشريد يَأْخُذ بيد ابنيه صَخْر وَمُعَاوِيَة فِي الْمَوْسِم فَيَقُول: أَنا أَبُو خيري مُضر فَمن أنكر ذَلِك فليغير فَمَا يُغير ذَلِك عَلَيْهِ أحد.
وَهَذَا خبر مقتل مُعَاوِيَة.
روى صَاحب الأغاني عَن أبي عُبَيْدَة قَالَ: إِن مُعَاوِيَة وافى عكاظ فِي
стр. 2342
موسم من مواسم الْعَرَب فَبَيْنَمَا هُوَ يمشي بسوق عكاظ إِذْ لَقِي أَسمَاء المرية وَكَانَت جميلَة وَزعم أَنَّهَا كَانَت بغياً فَدَعَاهَا إِلَى نَفسه فامتنعت عَلَيْهِ وَقَالَت: أما علمت أَنِّي عِنْد سيد الْعَرَب هَاشم بن حَرْمَلَة فأغضبته فَقَالَ: أما وَالله لأقارعنه عَنْك.
قَالَت: شَأْنك وشأنه. فَرَجَعت إِلَى هَاشم فَأَخْبَرته بِمَا جرى فَقَالَ هَاشم: لَا نريم أَبْيَاتنَا حَتَّى نَنْظُر مَا يكون من جهده.
قَالَ: فَلَمَّا خرج الشَّهْر الْحَرَام وتراجع النَّاس من عكاظ خرج مُعَاوِيَة غازياً يُرِيد بني مرّة وَبني فَزَارَة فِي فرسَان أَصْحَابه من سليم حَتَّى إِذا كَانَ بمَكَان يدعى الْحَوْزَة أَو الجوزة وَالشَّكّ من أبي عُبَيْدَة سنح لَهُ ظَبْي فتطير مِنْهُ وَرجع فِي أَصْحَابه فَبلغ ذَلِك هَاشم بن حَرْمَلَة فَقَالَ: مَا مَنعه من الْإِقْدَام إِلَّا الْجُبْن.
قَالَ: فَلَمَّا كَانَ فِي السّنة الْمُقبلَة غزاهم حَتَّى إِذا كَانَ فِي ذَلِك الْمَكَان سنح لَهُ ظَبْي وغراب فتطير فَرجع وَمضى أَصْحَابه وتخلف فِي تِسْعَة عشر فَارِسًا مِنْهُم لَا يُرِيدُونَ قتالاً إِنَّمَا تخلف من عظم الْجَيْش رَاجعا إِلَى بِلَاده فَوَرَدُوا مَاء وَإِذا عَلَيْهِ بَيت شعر فصاحوا بأَهْله فَخرجت إِلَيْهِم امْرَأَة فَقَالُوا: مِمَّن أَنْت قَالَت: امْرَأَة من جُهَيْنَة أحلاف لبني سهم بن مرّة بن غطفان.
فَوَرَدُوا المَاء فانسلت فَأَتَت هَاشم بن حَرْمَلَة فَأَخْبَرته أَنهم غير بعيد وعرفته بِعدَّتِهِمْ وَقَالَت: لَا أرى إِلَّا مُعَاوِيَة فِي الْقَوْم فَقَالَ: يَا لكاع أمعاوية فِي تِسْعَة عشر رجلا شبهت وأبطلت قَالَت: بل قلت الْحق وَإِن شِئْت لأصفهم لَك رجلا رجلا. قَالَ: هَاتِي.
قَالَت: رَأَيْت فيهم شَابًّا عَظِيم الجمة جَبهته قد خرجت من تَحت مغفره
стр. 2343
صبيح الْوَجْه عَظِيم الْبَطن على فرس غراء. قَالَ: نعم هَذِه صفة مُعَاوِيَة وفرسه السَّمَاء.
قَالَت: وَرَأَيْت رجلا شَدِيد الأدمة شَاعِرًا ينشدهم. قَالَ: ذَلِك خفاف بن ندبة.)
قَالَت: وَرَأَيْت رجلا لَيْسَ يبرح وَسطهمْ إِذا نادوه رفعوا لَهُ أَصْوَاتهم. قَالَ: ذَلِك عَبَّاس الْأَصَم.
قَالَت: وَرَأَيْت رجلا طَويلا يكنونه أَبَا حبيب ورأيتهم أَشد شَيْء لَهُ توقيراً قَالَ: ذَاك نُبَيْشَة بن حبيب.
قَالَت: وَرَأَيْت شَابًّا جميلاً لَهُ وفرة حنسة. قَالَ: ذَلِك الْعَبَّاس بن مرداس.
قَالَت: وَرَأَيْت شَيخا لَهُ ضفيرتان فَسَمعته يَقُول لمعاوية: بِأبي أَنْت أطلت الْوُقُوف. قَالَ: ذَلِك قَالَ: فَنَادَى هَاشم فِي قومه وَخرج وَزعم أَن المري لم يخرج إِلَيْهِم إِلَّا فِي عدتهمْ من بني مرّة.
قَالَ: فَلم يشْعر السلميون حَتَّى طلعوا عَلَيْهِم فثاروا إِلَيْهِم فلقوهم فَقَالَ لَهُم خفاف: لَا تنازلوهم رجلا رجلا فَإِن خيلهم تثبت للطراد وَتحمل ثقل السِّلَاح وخيلكم قد أنهكها الْغَزْو وأصابها الحفاء.
قَالَ: فَاقْتَتلُوا سَاعَة فَانْفَرد هَاشم ودريد ابْنا حَرْمَلَة لمعاوية فاستطرد لَهُ أَحدهمَا فَشد مُعَاوِيَة عَلَيْهِ وشغله واغتره الآخر فطعنه فَقتله. وَاخْتلفُوا أَيهمَا استطرد لَهُ وَأيهمَا قَتله وَكَانَت بِالَّذِي استطرد لَهُ طعنة طعنه إِيَّاهَا مُعَاوِيَة وَيُقَال: هُوَ هَاشم
стр. 2344
وَقَالَ آخَرُونَ: بل دُرَيْد أَخُو هَاشم.
قَالَ: وَشد خفاف بن ندبة على مَالك بن حمَار سيد بني شمخ بن فَزَارَة فَقتله.
وَلما دخل الشَّهْر الْحَرَام من السّنة الْمُقبلَة خرج صَخْر أَخُو مُعَاوِيَة حَتَّى أَتَى بني مرّة فَوقف على ابْني حَرْمَلَة فَإِذا أَحدهمَا بِهِ طعنة فِي عضده زعم خفاف فِي شعره أَنه هَاشم.
فَقَالَ صَخْر: أيكما قتل أخي مُعَاوِيَة فسكتا فَلم يحيرا إِلَيْهِ شَيْئا. ثمَّ قَالَ الصَّحِيح للجريح: مَا لَك لَا تجيبه فَقَالَ: وقفت لَهُ فطعنني هَذِه الطعنة فِي عضدي
وَشد أخي عَلَيْهِ فَقتله فأينا قتلت أدْركْت ثأرك إِلَّا أَنا لم نسلب أَخَاك.
قَالَ: فَمَا فعلت فرسه السَّمَاء قَالَ: هَا هِيَ تِلْكَ خُذْهَا. فَأَخذهَا فَرجع فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَام الْمقبل غزاهم صَخْر وَهُوَ على فرسه السَّمَاء فَقَالَ: أَخَاف أَن يعرفوني ويعرفوا غرَّة السَّمَاء فيتأهبوا. فحمم غرتها.
فَلَمَّا أشرف على الْحَيّ رأوها فَقَالَت فتاة مِنْهُم: هَذِه وَالله السَّمَاء فَنظر هَاشم فَقَالَ: السَّمَاء غراء وَهَذِه بهيم فَلم يشعروا إِلَّا وَالْخَيْل عَلَيْهِم فَاقْتَتلُوا فَقتل صَخْر دريداً وَأصَاب)
بني مرّة فَقَالَ: الْكَامِل
(وَلَقَد قتلتكم ثَنَاء وموحداً ... وَتركت مرّة مثل أمس الْمُدبر)
(وَلَقَد دفعت إِلَى دريدٍ طعنةً ... نجلاء تزغل مثل عطّ المنحر)
تزغل: تخرج الدَّم قطعا قطعا. قَالَ: والزغلة: الدفعة الْوَاحِدَة من الدَّم وَالْبَوْل.
стр. 2345
وَقَالَ صَخْر أَيْضا فِيمَن قتل من بني مرّة: الوافر
(قتلت الخالدين بِهِ وبشراً ... وعمراً يَوْم حوزة وَابْن بشر)
(وَمن شمخٍ قتلت رجال صدقٍ ... وَمن بدرٍ فقد أوفيت نذري)
(ومرّة قد صبحناها المنايا ... فروّينا الأسنّة غير فَخر)
(وَمن أفناء ثَعْلَبَة بن سعدٍ ... قتلت وَمَا أبيئهم بِوتْر)
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: ثمَّ إِن هَاشم بن حَرْمَلَة خرج غازياً فَلَمَّا كَانَ بِبِلَاد جشم بن بكر بن هوَازن نزل منزلا وَأخذ صفنا وخلا لِحَاجَتِهِ بَين شجر وَرَأى غفلته قيس بن الأمرار الْجُشَمِي فَتَبِعَهُ وَقَالَ: هَذَا قَاتل مُعَاوِيَة لَا نجت نَفسِي إِن نجا فَلَمَّا قعد لِحَاجَتِهِ تكمن لَهُ بَين الشّجر حَتَّى إِذا كَانَ خَلفه أرسل عَلَيْهِ معبلةً فَقتله.
فَقَالَت الخنساء فِي ذَلِك: الوافر
(فدَاء الْفَارِس الجشميّ نَفسِي ... وأفديه بِمن لي من حميم)
...
стр. 2346
(خصصت بهَا أَخا الأمرار قيسا ... فَتى فِي بَيت مكرمةٍ كريم)
(أفدّيه بكلّ بني سليمٍ ... بظاعنهم وبالأنس الْمُقِيم)
(كَمَا من هاشمٍ أَقرَرت عَيْني ... وَكَانَت لَا تنام وَلَا تنيم)
انْتهى كَلَام الأغاني.
وروى الْأَخْفَش فِي ديوَان الخنساء عَن ابْن الْأَعرَابِي أَن قيسا كَانَ رجلا رَاعيا فَأَغَارَ عَلَيْهِ هَاشم بن حَرْمَلَة فَأَخذهُم وَقَالَ: أتيتكم بِهَذَا الرَّاعِي وغنمه. فاغتفله الرَّاعِي فَرَمَاهُ فَقتله.
وللخنساء مراث كَثِيرَة فِي أَخِيهَا مُعَاوِيَة وصخر.
وَالسَّمَاء الَّتِي هِيَ اسْم فرس مُعَاوِيَة هِيَ بِلَفْظ السَّمَاء خلاف الأَرْض.
وَقد روى ابْن عبد ربه فِي العقد الفريد عَن أبي عُبَيْدَة أَيْضا خبر مقتل مُعَاوِيَة
على غير هَذَا الْوَجْه الَّذِي نَقَلْنَاهُ عَن الأغاني تَرَكْنَاهُ لطوله وَمن أَرَادَ الِاطِّلَاع عَلَيْهِ فلينظره فِي بَاب أَيَّام الْعَرَب)
من العقد الفريد. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده الشَّاهِد الثَّانِي عشر بعد الأربعمائة وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:
стр. 2347
الْبَسِيط تعلّمن هَا لعمر الله ذَا قسما هَذَا صدر وعجزه: فاقدر بذرعك وَانْظُر أَيْن تنسلك على أَن الْفَصْل بَين هَا وَبَين ذَا بِغَيْر إِن وأخواته كالقسم قَلِيل كَمَا هُنَا.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب مَا يكون مَا قبل الْمَحْلُوف بِهِ عوضا من اللَّفْظ بِالْوَاو: قَوْلك إِي هَا الله ذَا يثبت ألفها لِأَن الَّذِي بعْدهَا مدغم.
وَمن الْعَرَب من يَقُول إِي هَا الله ذَا فيحذف الْألف الَّتِي بعد الْهَاء وَلَا يكون فِي الْمقسم هَا هُنَا إِلَّا الْجَرّ لِأَن قَوْلهم هَا صَار عوضا من اللَّفْظ بِالْوَاو فحذفت تَخْفِيفًا على اللِّسَان.
وَأما قَوْلهم ذَا فَزعم الْخَلِيل أَنه الْمَحْلُوف عَلَيْهِ كَأَنَّهُ قَالَ: إِي وَالله لِلْأَمْرِ هَذَا فَحذف الْأَمر لِكَثْرَة استعمالهم هَذَا فِي كَلَامهم وَقدم هَا كَمَا قدم قوم هَا هُوَ ذَا وَهَا أَنا ذَا. وَهَذَا قَول الْخَلِيل.
وَقَالَ زُهَيْر: تعلّمن هَا لعمر الله ذَا قسما ... ... ... ... ... ... الْبَيْت انْتهى.
قَالَ النّحاس: قَالَ الْخَلِيل فِي ذَا: إِنَّه الْمَحْلُوف عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِي وَالله الْأَمر هَذَا فَحذف الْأَمر وَقدم هَا كَمَا قدم قوم هَا هُوَ ذَا. وَعند غَيره أَن الْمَعْنى: هَذَا مَا أقسم بِهِ. وقسماً مصدر فِي الْقَوْلَيْنِ وَمَا قبله يدل على الْفِعْل. انْتهى.
وَقَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ تَقْدِيم هَا الَّتِي للتّنْبِيه على ذَا وَقد حَال بَينهمَا بقوله لعمر الله.
وَالْمعْنَى: لعمر الله هَذَا مَا أقسم بِهِ وَنصب قسما على الْمصدر
стр. 2348
الْمُؤَكّد لما قبله لِأَن مَعْنَاهُ أقسم فَكَأَنَّهُ قَالَ: أقسم لعمر الله قسما. وَمعنى تعلمن اعْلَم وَلَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي الْأَمر.
وَقَالَ أَيْضا فِي شرح الْأَشْعَار السِّتَّة قَوْله: تعلمن أَي: اعْلَم وَهَا تَنْبِيه. وَأَرَادَ: هَذَا مَا أقسم)
بِهِ. فَفرق بَين ذَا وَهَا بقوله لعمر الله وَنصب قسما على الْمصدر الْمُؤَكّد بِهِ معنى الْيَمين.
وَقَالَ شَارِح ديوَان زُهَيْر صعُودًا وَكَانَ ضَعِيفا فِي النَّحْو: وَقَوله تعلمنها أَي: اعلمها وَالْمعْنَى تعلمن هَذَا وصل هَا بالنُّون من تعلمن وَفرق بَين هَا وَذَا وَنصب قسما بتَعَلُّم يُرِيد: يَا هَذَا كَمَا تَقول: اعْلَم زيد أَنِّي زائرك أَي: يَا زيد.
قَالَ الْأَصْمَعِي: وَقد رويت ذَا قسم فَذا حِينَئِذٍ نصب على الْحَال وَهِي ذُو الَّتِي تتصرف وتصرفها فِي الْإِعْرَاب نَحْو ذُو مَال وَذَا ثوب وَذي قوم.
وَبَعْضهمْ يَقُول: تعلمنها لعمر الله ذَا ثمَّ ينصب قسما على كلامين كَأَنَّهُ قَالَ: تعلم قسما فاقصد بذرعك أَي: اعرف قدرك. هَذَا كَلَامه. وَكله خلاف الصَّوَاب
وَإِنَّمَا نَقَلْنَاهُ للتعجب.
وَقَوله: فاقدر بذرعك الخ قَالَ الأعلم فِي شرح الْأَشْعَار السِّتَّة: أَي قدر لخطوك. والذرع: قدر الخطو. وَهَذَا مثل وَالْمعْنَى لَا تكلّف مَا لَا تطِيق مني يتوعده بذلك.
كَذَلِك قَوْله: وَانْظُر أَيْن تنسلك. والانسلاك: الدُّخُول فِي الْأَمر وَأَصله من سلوك الطَّرِيق.
وَالْمعْنَى لَا تدخل نَفسك فِيمَا لَا يَعْنِيك وَلَا يجدي عَلَيْك. اه.
стр. 2349
وَالْأَحْسَن أَن يكون: اقدر من قدرت قدرا من بَابي ضرب وَقتل وَقدرته تَقْديرا بِمَعْنى.
وَالِاسْم الْقدر بِفتْحَتَيْنِ ومفعوله مَحْذُوف تَقْدِيره: فاقدر خطوك بذرعك. وذرع الْإِنْسَان: طاقته الَّتِي يبلغهَا.
وروى: فاقصد بذرعك من قصد فِي الْأَمر قصدا من بَاب ضرب إِذا توَسط وَطلب الْأسد وَلم يُجَاوز الْحَد. فالباء بِمَعْنى فِي. والذرع: بِمَعْنى الطَّاقَة أَيْضا.
وَالْبَيْت من قصيدة لزهير بن أبي سلمى عدتهَا ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ بَيْتا قَالَ الْأَصْمَعِي: لَيْسَ فِي الأَرْض قصيدة على الْكَاف أَجود من قصيدة زُهَيْر الَّتِي مطْلعهَا: الْبَسِيط
(بَان الخليط وَلم يأووا لمن تركُوا ... وزوّدوك اشتياقاً أيّةً سلكوا)
وَمن قصيدة أَوْس بن حجر الَّتِي أَولهَا: الْبَسِيط
(زعمتم أنّ غولاً والرّجام لنا ... ومنعجاً فاذكروا وَالْأَمر مُشْتَرك)
وَهَذِه القصيدة هدد بهَا زُهَيْر الْحَارِث بن وَرْقَاء أَخا بني الصيداء بن عَمْرو بن
قعين الْأَسدي فَإِنَّهُ كَانَ أغار على طَائِفَة من بني سليم بن مَنْصُور فَأصَاب سبياً ثمَّ انْصَرف رَاجعا فَوجدَ غُلَاما لزهير حَبَشِيًّا يُقَال لَهُ: يسَار فِي إبل لزهير وَهُوَ آمن فِي نَاحيَة أَرضهم فَسَأَلَهُ: لمن أَنْت)
قَالَ: لزهير بن أبي سلمى.
فاستاقه وَهُوَ لَا يحرم ذَلِك عَلَيْهِ لحلف أَسد وغَطَفَان فَبلغ ذَلِك زهيراً فَبعث إِلَيْهِ أَن رد مَا أخذت. فَأبى فَقَالَ زُهَيْر فِي ذَلِك هَذِه القصيدة يهدده
стр. 2350
بِأَنَّهُ يهجوه إِن لم يُرْسل مَا أَخذه.
وَهَذَا أول الْكَلَام مَعَه بعد التغزل:
(فَلَنْ يَقُولُوا بحبلٍ واهنٍ خلق ... لَو كَانَ قَوْمك فِي أَسبَابه هَلَكُوا)
(يَا حَار لَا أرمين مِنْكُم بداهيةٍ ... لم يلقها سوقةٌ قبلي وَلَا ملك)
(ارْدُدْ يساراً وَلَا تعنف عَلَيْهِ وَلَا ... تمعك بعرضك إنّ الغادر المعك)
(وَلَا تكونن كأقوامٍ عَلَّمْتهمْ ... يلوون مَا عِنْدهم حتّى إِذا نهكوا)
(طابت نُفُوسهم عَن حقّ خصمهم ... مَخَافَة الشّرّ فارتدّوا لما تركُوا)
تعلّمن هَا لعمر الله ذَا قسما ... ... ... ... ... ... الْبَيْت
(لَئِن حللت بجوٍّ فِي بني أسدٍ ... فِي دين عَمْرو وحالت بَيْننَا فدك)
(ليأتينّك منّي منطقٌ قذعٌ ... باقٍ كَمَا دنّس القبطيّة الودك)
هَذَا آخر القصيدة: قَوْله: هلا سَأَلت بني الصيداء الخ بَنو الصيداء: قوم من بني أَسد وهم
следующие страницы →