Полный текст (5 658 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.
стр. 2346
(خصصت بهَا أَخا الأمرار قيسا ... فَتى فِي بَيت مكرمةٍ كريم)
(أفدّيه بكلّ بني سليمٍ ... بظاعنهم وبالأنس الْمُقِيم)
(كَمَا من هاشمٍ أَقرَرت عَيْني ... وَكَانَت لَا تنام وَلَا تنيم)
انْتهى كَلَام الأغاني.
وروى الْأَخْفَش فِي ديوَان الخنساء عَن ابْن الْأَعرَابِي أَن قيسا كَانَ رجلا رَاعيا فَأَغَارَ عَلَيْهِ هَاشم بن حَرْمَلَة فَأَخذهُم وَقَالَ: أتيتكم بِهَذَا الرَّاعِي وغنمه. فاغتفله الرَّاعِي فَرَمَاهُ فَقتله.
وللخنساء مراث كَثِيرَة فِي أَخِيهَا مُعَاوِيَة وصخر.
وَالسَّمَاء الَّتِي هِيَ اسْم فرس مُعَاوِيَة هِيَ بِلَفْظ السَّمَاء خلاف الأَرْض.
وَقد روى ابْن عبد ربه فِي العقد الفريد عَن أبي عُبَيْدَة أَيْضا خبر مقتل مُعَاوِيَة
على غير هَذَا الْوَجْه الَّذِي نَقَلْنَاهُ عَن الأغاني تَرَكْنَاهُ لطوله وَمن أَرَادَ الِاطِّلَاع عَلَيْهِ فلينظره فِي بَاب أَيَّام الْعَرَب)
من العقد الفريد. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده الشَّاهِد الثَّانِي عشر بعد الأربعمائة وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:
стр. 2347
الْبَسِيط تعلّمن هَا لعمر الله ذَا قسما هَذَا صدر وعجزه: فاقدر بذرعك وَانْظُر أَيْن تنسلك على أَن الْفَصْل بَين هَا وَبَين ذَا بِغَيْر إِن وأخواته كالقسم قَلِيل كَمَا هُنَا.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب مَا يكون مَا قبل الْمَحْلُوف بِهِ عوضا من اللَّفْظ بِالْوَاو: قَوْلك إِي هَا الله ذَا يثبت ألفها لِأَن الَّذِي بعْدهَا مدغم.
وَمن الْعَرَب من يَقُول إِي هَا الله ذَا فيحذف الْألف الَّتِي بعد الْهَاء وَلَا يكون فِي الْمقسم هَا هُنَا إِلَّا الْجَرّ لِأَن قَوْلهم هَا صَار عوضا من اللَّفْظ بِالْوَاو فحذفت تَخْفِيفًا على اللِّسَان.
وَأما قَوْلهم ذَا فَزعم الْخَلِيل أَنه الْمَحْلُوف عَلَيْهِ كَأَنَّهُ قَالَ: إِي وَالله لِلْأَمْرِ هَذَا فَحذف الْأَمر لِكَثْرَة استعمالهم هَذَا فِي كَلَامهم وَقدم هَا كَمَا قدم قوم هَا هُوَ ذَا وَهَا أَنا ذَا. وَهَذَا قَول الْخَلِيل.
وَقَالَ زُهَيْر: تعلّمن هَا لعمر الله ذَا قسما ... ... ... ... ... ... الْبَيْت انْتهى.
قَالَ النّحاس: قَالَ الْخَلِيل فِي ذَا: إِنَّه الْمَحْلُوف عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِي وَالله الْأَمر هَذَا فَحذف الْأَمر وَقدم هَا كَمَا قدم قوم هَا هُوَ ذَا. وَعند غَيره أَن الْمَعْنى: هَذَا مَا أقسم بِهِ. وقسماً مصدر فِي الْقَوْلَيْنِ وَمَا قبله يدل على الْفِعْل. انْتهى.
وَقَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ تَقْدِيم هَا الَّتِي للتّنْبِيه على ذَا وَقد حَال بَينهمَا بقوله لعمر الله.
وَالْمعْنَى: لعمر الله هَذَا مَا أقسم بِهِ وَنصب قسما على الْمصدر
стр. 2348
الْمُؤَكّد لما قبله لِأَن مَعْنَاهُ أقسم فَكَأَنَّهُ قَالَ: أقسم لعمر الله قسما. وَمعنى تعلمن اعْلَم وَلَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي الْأَمر.
وَقَالَ أَيْضا فِي شرح الْأَشْعَار السِّتَّة قَوْله: تعلمن أَي: اعْلَم وَهَا تَنْبِيه. وَأَرَادَ: هَذَا مَا أقسم)
بِهِ. فَفرق بَين ذَا وَهَا بقوله لعمر الله وَنصب قسما على الْمصدر الْمُؤَكّد بِهِ معنى الْيَمين.
وَقَالَ شَارِح ديوَان زُهَيْر صعُودًا وَكَانَ ضَعِيفا فِي النَّحْو: وَقَوله تعلمنها أَي: اعلمها وَالْمعْنَى تعلمن هَذَا وصل هَا بالنُّون من تعلمن وَفرق بَين هَا وَذَا وَنصب قسما بتَعَلُّم يُرِيد: يَا هَذَا كَمَا تَقول: اعْلَم زيد أَنِّي زائرك أَي: يَا زيد.
قَالَ الْأَصْمَعِي: وَقد رويت ذَا قسم فَذا حِينَئِذٍ نصب على الْحَال وَهِي ذُو الَّتِي تتصرف وتصرفها فِي الْإِعْرَاب نَحْو ذُو مَال وَذَا ثوب وَذي قوم.
وَبَعْضهمْ يَقُول: تعلمنها لعمر الله ذَا ثمَّ ينصب قسما على كلامين كَأَنَّهُ قَالَ: تعلم قسما فاقصد بذرعك أَي: اعرف قدرك. هَذَا كَلَامه. وَكله خلاف الصَّوَاب
وَإِنَّمَا نَقَلْنَاهُ للتعجب.
وَقَوله: فاقدر بذرعك الخ قَالَ الأعلم فِي شرح الْأَشْعَار السِّتَّة: أَي قدر لخطوك. والذرع: قدر الخطو. وَهَذَا مثل وَالْمعْنَى لَا تكلّف مَا لَا تطِيق مني يتوعده بذلك.
كَذَلِك قَوْله: وَانْظُر أَيْن تنسلك. والانسلاك: الدُّخُول فِي الْأَمر وَأَصله من سلوك الطَّرِيق.
وَالْمعْنَى لَا تدخل نَفسك فِيمَا لَا يَعْنِيك وَلَا يجدي عَلَيْك. اه.
стр. 2349
وَالْأَحْسَن أَن يكون: اقدر من قدرت قدرا من بَابي ضرب وَقتل وَقدرته تَقْديرا بِمَعْنى.
وَالِاسْم الْقدر بِفتْحَتَيْنِ ومفعوله مَحْذُوف تَقْدِيره: فاقدر خطوك بذرعك. وذرع الْإِنْسَان: طاقته الَّتِي يبلغهَا.
وروى: فاقصد بذرعك من قصد فِي الْأَمر قصدا من بَاب ضرب إِذا توَسط وَطلب الْأسد وَلم يُجَاوز الْحَد. فالباء بِمَعْنى فِي. والذرع: بِمَعْنى الطَّاقَة أَيْضا.
وَالْبَيْت من قصيدة لزهير بن أبي سلمى عدتهَا ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ بَيْتا قَالَ الْأَصْمَعِي: لَيْسَ فِي الأَرْض قصيدة على الْكَاف أَجود من قصيدة زُهَيْر الَّتِي مطْلعهَا: الْبَسِيط
(بَان الخليط وَلم يأووا لمن تركُوا ... وزوّدوك اشتياقاً أيّةً سلكوا)
وَمن قصيدة أَوْس بن حجر الَّتِي أَولهَا: الْبَسِيط
(زعمتم أنّ غولاً والرّجام لنا ... ومنعجاً فاذكروا وَالْأَمر مُشْتَرك)
وَهَذِه القصيدة هدد بهَا زُهَيْر الْحَارِث بن وَرْقَاء أَخا بني الصيداء بن عَمْرو بن
قعين الْأَسدي فَإِنَّهُ كَانَ أغار على طَائِفَة من بني سليم بن مَنْصُور فَأصَاب سبياً ثمَّ انْصَرف رَاجعا فَوجدَ غُلَاما لزهير حَبَشِيًّا يُقَال لَهُ: يسَار فِي إبل لزهير وَهُوَ آمن فِي نَاحيَة أَرضهم فَسَأَلَهُ: لمن أَنْت)
قَالَ: لزهير بن أبي سلمى.
فاستاقه وَهُوَ لَا يحرم ذَلِك عَلَيْهِ لحلف أَسد وغَطَفَان فَبلغ ذَلِك زهيراً فَبعث إِلَيْهِ أَن رد مَا أخذت. فَأبى فَقَالَ زُهَيْر فِي ذَلِك هَذِه القصيدة يهدده
стр. 2350
بِأَنَّهُ يهجوه إِن لم يُرْسل مَا أَخذه.
وَهَذَا أول الْكَلَام مَعَه بعد التغزل:
(فَلَنْ يَقُولُوا بحبلٍ واهنٍ خلق ... لَو كَانَ قَوْمك فِي أَسبَابه هَلَكُوا)
(يَا حَار لَا أرمين مِنْكُم بداهيةٍ ... لم يلقها سوقةٌ قبلي وَلَا ملك)
(ارْدُدْ يساراً وَلَا تعنف عَلَيْهِ وَلَا ... تمعك بعرضك إنّ الغادر المعك)
(وَلَا تكونن كأقوامٍ عَلَّمْتهمْ ... يلوون مَا عِنْدهم حتّى إِذا نهكوا)
(طابت نُفُوسهم عَن حقّ خصمهم ... مَخَافَة الشّرّ فارتدّوا لما تركُوا)
تعلّمن هَا لعمر الله ذَا قسما ... ... ... ... ... ... الْبَيْت
(لَئِن حللت بجوٍّ فِي بني أسدٍ ... فِي دين عَمْرو وحالت بَيْننَا فدك)
(ليأتينّك منّي منطقٌ قذعٌ ... باقٍ كَمَا دنّس القبطيّة الودك)
هَذَا آخر القصيدة: قَوْله: هلا سَأَلت بني الصيداء الخ بَنو الصيداء: قوم من بني أَسد وهم
стр. 2351
رَهْط الْحَارِث بن وَرْقَاء. وَأي مَنْصُوب بأمتسك. وَالْحَبل: الْعَهْد والميثاق.
قَالَ صعوداء: إِنَّمَا يَعْنِي الْحلف الَّذِي بَين مزينة وغَطَفَان وصهره فِي بني الغدير.
والواهن: الضَّعِيف. والخلق: بِفتْحَتَيْنِ: الذائب. وَجُمْلَة: لَو كَانَ قَوْمك الخ من الْمَقُول الْمَنْفِيّ.
يَقُول: سلهم كَيفَ كنت أفعل لَو استجرت بهم فَإِنِّي كنت أستوثق وَلَا أتعلق إِلَّا بِحَبل متين.
وَقَوله: لَو كَانَ قَوْمك الخ أَي: فِي أَسبَاب ذَلِك الْحَبل. يَقُول: هُوَ حَبل شَدِيد مُحكم فَمن تمسك بِهِ نجا وَلَيْسَ بِحَبل ضَعِيف من تعلق بأسبابه هلك.
وَقَوله: يَا حَار الخ هُوَ مرخم الْحَارِث بن وَرْقَاء. وَلَا ناهية وأرمين بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول مُؤَكد بالنُّون الْخَفِيف. والسوقة: الرّعية. وَهَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد علم الْعرُوض.
وَقَوله: ارْدُدْ يساراً الخ هُوَ عبد زُهَيْر كَانَ الْحَارِث أسره. وتعنف بِضَم النُّون من العنف وَهُوَ فعل الشَّيْء على غير وَجهه والتجاوز فِيهِ. والمعك: المطل وماضيه ومضارعه بِفَتْح الْعين. والمعك بِكَسْر الْعين: الَّذِي يماطل. يَقُول: مَا تمطلني فمطلك غدر وَكلما مطلتني لحق ذَلِك)
بعرضك. وَإِنَّمَا يتوعده بالهجو.
وَقَوله: وَلَا تكونن كأقوام الخ يُقَال: لواه يلويه لياً ولياناً أَي: مطله. يمطلون بِمَا عَلَيْهِم من الدَّين.
وَمعنى نهكوا شتموا وبولغ فِي هجائهم وَأَصله من نهكته الْحمى إِذا بلغت من جِسْمه وهزلته.
стр. 2352
وَقَوله: فَارْتَدُّوا لما تركُوا أَي: لما أوذوا بالهجاء دفعُوا الْحق إِلَى صَاحبه وَارْتَدوا إِلَى عَطاء مَا كَانُوا تَرَكُوهُ ومنعوه من الْحق مَخَافَة من الشَّرّ وإبقاءً على عرضهمْ.
وَقَوله: لَئِن حللت بجو الْبَيْتَيْنِ اللَّام الأولى موطئة وَالثَّانيَِة جَوَاب الْقسم. جو بِالْجِيم: اسْم وَاد.
وَدين عَمْرو بِالْكَسْرِ: طَاعَته وسلطانه. وَعَمْرو هُوَ عَمْرو بن هِنْد ملك الْعَرَب. وفدك بِفَتْح
والقذع بِفَتْح الْقَاف والذال الْمُعْجَمَة: اسْم بِمَعْنى السب البليغ. يُقَال: أقذع فلَان لفُلَان أَي: استقبله بِكَلَام قَبِيح. وباق أَي: يبْقى على الدَّهْر بجريانه على أَفْوَاه النَّاس.
والقبطية بِضَم الْقَاف وَكسرهَا: ثِيَاب بيض تصنع بِالشَّام وَقد يَقع على كل ثوب أَبيض.
والودك: الدسم.
يَقُول: لَئِن نزلت بِحَيْثُ لَا أدركك ليردن عَلَيْك هجوي ولأدنسن بِهِ عرضك كَمَا يدنس الدسم الثِّيَاب الْبيض.
وَقَالَ أَبُو حَاتِم: فَلَمَّا أَتَت القصيدة الْحَارِث بن وَرْقَاء لم يلْتَفت إِلَيْهَا فَقَالَ زُهَيْر: الوافر
(تعلّم أنّ شرّ النّاس حيٌّ ... يُنَادي فِي شعارهم يسَار)
(وَلَوْلَا عسبه لرددتموه ... وشرّ منيحةٍ عسبٌ معار)
(إِذا جمحت نِسَاؤُكُمْ إِلَيْهِ ... أشظّ كأنّه مسدٌ مغار)
(يبربر حِين يعدو من بعيدٍ ... إِلَيْهَا وَهُوَ قبقابٌ قطار)
(كطفلٍ ظلّ يهدج من بعيدٍ ... ضئيل الْجِسْم يعلوه انبهار)
(إِذا أبزت بِهِ يَوْمًا أهلّت ... كَمَا تبزي الصّعائد والعشار)
(فأبلغ إِن عرضت لَهُم رَسُولا ... بني الصّيداء إِن نفع الحوار)
وَقَوله: تعلم أَن شَرّ النَّاس الخ الشعار: عَلامَة الْقَوْم فِي سفرهم وغزوهم وحربهم نَحْو: يَا أَفْلح وَيَا سَلامَة فَيصير كل قوم إِلَى داعيهم وَكَانَ شعار رَسُول الله ﷺ َ يَوْم حنين يَا أهل الْقُرْآن.
فَلَمَّا انهزم النَّاس صَاح الْعَبَّاس: يَا أهل الْقُرْآن فَرجع النَّاس وَكَانَ الْفَتْح ويسار: عبد زُهَيْر.)
والعسب: الضراب وَالْجِمَاع. يَقُول: لَوْلَا حَاجَة نِسَائِكُم إِلَيْهِ لرددتموه عَليّ. والمنيحة: الْعَارِية.
وجمحت: مَالَتْ. وأشظ: قَامَ مَتَاعه وصلب وَاشْتَدَّ. والمسد: الْحَبل. والمغار: الشَّديد الفتل. يُقَال: أغرت الْحَبل أَي: فتلته محكماً.
ويبربر: يصوت مثل بربرة الْفَحْل إِذا أَرَادَ النَّاقة والتيس إِذا أَرَادَ الشَّاة. والقبقاب: المصوت من القبقبة وَهِي هدير الْفَحْل. والقطار بِضَم الْقَاف: الْقَائِم المنتصب الرَّأْس يقطر إحليله من الشَّهْوَة.
والهدجان: مقاربة الخطو فِي سرعَة والانبهار: علو النَّفس عِنْد التَّعَب. شبهه فِي عدوه على أَربع إِلَيْهَا عِنْد إِرَادَة الْفَاحِشَة وعلو نَفسه من الْحِرْص والشهوة بطفل صَغِير يحبو بَينهم لضَعْفه.
стр. 2353
والإبزاء بِالْمُوَحَّدَةِ والزاء الْمُعْجَمَة من جَمِيع الْإِنَاث: أَن ترفع استها إِلَى الْفَحْل. وأهلت: رفعت صَوتهَا. والصعائد: جَمِيع صعُود وَهِي النَّاقة الَّتِي تخدج على سَبْعَة أشهر أَو ثَمَانِيَة فتعطف وَقيل: هِيَ الَّتِي مَاتَ وَلَدهَا فعطفت على وَلَدهَا الأول والعشار: جمع عشراء وَهِي الَّتِي أَتَى عَلَيْهَا مذ حملت عشرَة اشهر وَرُبمَا بَقِي الِاسْم عَلَيْهَا بعد ذَلِك. وَعَلِيهِ مخرج الْبَيْت لِأَنَّهُ شبه النِّسَاء فِي حاجتهن إِلَى الْجِمَاع وإبرازهن أعجازهن وإهلالهن عِنْد ذَلِك باحتياج الصعائد الَّتِي أَلْقَت أَوْلَادهَا لغير التَّمام والعشار الَّتِي ولدت ثمَّ حنت إِلَى الْفَحْل وَلذَلِك وَصفه بالبربرة والقبقبة وهما صَوت الْفَحْل وهديره عِنْد الضراب. والحوار بِكَسْر الْمُهْملَة: المحاورة والمجاوبة.
وَقَالَ أَبُو حَاتِم: فَلَمَّا بلغتهم الأبيات قَالُوا لِلْحَارِثِ بن وَرْقَاء: اقْتُل يساراً.
فَأبى عَلَيْهِم وكساه وَأحسن إِلَيْهِ ورده مَعَ الْإِبِل إِلَى زُهَيْر فمدحه زُهَيْر بعد ذَلِك.
وَلَوْلَا خوف الإطالة لأوردت جملَة مِمَّا قَالَ فِيهِ.
وترجمة زُهَيْر تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده
الشَّاهِد الثَّالِث عشر بعد الأربعمائة وَهُوَ من أَبْيَات الْمفصل:
стр. 2354
الْبَسِيط هَا إنّ تا عذرةٌ إِن لم تكن نَفَعت هُوَ صدر وعجزه: على أَن الْفَصْل بَين هَا وَبَين تا بِغَيْر إِن وَأَخَوَاتهَا قَلِيل سَوَاء كَانَ الْفَاصِل قسما كَمَا تقدم أَو غَيره كَمَا هُنَا فَإِن الْفَاصِل هُنَا إِن.
وتا: اسْم إِشَارَة لمؤنث بِمَعْنى هَذِه. وروى: هَا إِن ذِي عذرة. وروى أَبُو عُبَيْدَة: وَإِن هَا عذرة فَلَا شَاهد فِيهِ على رِوَايَته.
وَهَذَا الْبَيْت آخر قصيدة للنابغة الذبياني مدح بهَا النُّعْمَان بن الْمُنْذر ملك الْحيرَة وَاعْتذر إِلَيْهِ فِيهَا مِمَّا افتري عَلَيْهِ.
وَقد بَينا سَبَب اعتذاره فِي تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة وَتقدم شرح أَبْيَات مِنْهَا.
وَقَبله:
(نبّئت أنّ أَبَا قَابُوس أوعدني ... وَلَا قَرَار على زأرٍ من الْأسد)
هَا إنّ تا عذرة ... ... ... ... ... . . الْبَيْت نبئت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول بِمَعْنى أخْبرت. وروى أنبئت. وَأَبُو قَابُوس: كنية النُّعْمَان بن الْمُنْذر.
وقابوس مُعرب كاوس على وزن طَاوس: اسْم ملك من مُلُوك الْعَجم. وأوعد بِالْألف لَا يكون إِلَّا فِي الشَّرّ بِمَعْنى هددني
стр. 2355
وزأر: مصدر زأر الْأسد بِالْهَمْز يزئر ويزأر زأراً إِذا صَوت بحنق. وَهَذَا تَمْثِيل لغضبه.
وَقَوله: هَا إِن تا الخ هَا للتّنْبِيه وتا: اسْم إِشَارَة لما ذكره فِي قصيدته من يَمِينه على أَنه لم يَأْتِ بِشَيْء يكرههُ. وَهِي مُبْتَدأ خَبره عذرة. وَقَالَ بَعضهم: إِن عذرتي هَذِه عذرة.
وَقَالَ الْخَطِيب التبريزي فِي شَرحه لهَذِهِ القصيدة: الْإِشَارَة للقصيدة أَي: إِن هَذِه القصيدة ذَات عذرة. والعذرة بِكَسْر الْعين اسْم للْعُذْر وَبِضَمِّهَا قَالَ صَاحب الصِّحَاح: يُقَال عذرته فِيمَا صنع أعذره عذرا وعذراً. وَالِاسْم المعذرة والعذرى. وَكَذَلِكَ الْعذرَة وَهِي مثل الرّكْبَة والجلسة. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَقَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: عذرته فِيمَا صنع عذرا من بَاب ضرب: رفعت عَنهُ اللوم فَهُوَ)
مَعْذُور أَي: غير ملوم. وَالِاسْم الْعذر وتضم الذَّال للإتباع وتسكن وَقَوله: إِن لم تكن نَفَعت روى أَيْضا: إِلَّا تكن نَفَعت.
وَقَوله: إِن صَاحبهَا أَي: صَاحب الْعذرَة وَيَعْنِي بِهِ نَفسه. وتاه: الْإِنْسَان فِي الْمَفَازَة يتيه تيهاً: ضل عَن الطَّرِيق وتاه يتوه توهاً لُغَة. وَقد تيهته وتوهته وَمِنْه يستعار لمن رام أمرا فَلم يُصَادف الصَّوَاب فَيُقَال إِنَّه تائه. كَذَا فِي الْمِصْبَاح.
والبلدك الْأَثر وَالْأَرْض وَقيل هُنَا بِمَعْنى الْمَفَازَة فَإِن من تحير فِي الْمَفَازَة يهْلك. وَقَالَ شَارِح ديوانه: مَعْنَاهُ لَا أُفَارِق بلدك مَا دمت ساخطاً عَليّ. وَالْمعْنَى عِنْدِي: إِن لم تقبل عُذْري وترضى عَليّ فَإِنِّي أختل حَتَّى إِنِّي أضلّ فِي الْبَلدة الَّتِي أَنا فِيهَا لما أَنا فِيهِ من عظم الدهشة الْحَاصِلَة لي من وعيدك. فَتَأمل.
стр. 2356
وَأنْشد بعده الشَّاهِد الرَّابِع عشر بعد الأربعمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س: الطَّوِيل
(وَنحن اقْتَسَمْنَا المَال نِصْفَيْنِ بَيْننَا ... فَقلت لَهُم: هَذَا لَهَا هَا وَذَا ليا)
على أَن الْفَصْل بِالْوَاو بَين هَا وَذَا قَلِيل وَالْأَصْل: وَهَذَا ليا.
نقل بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات الْمفصل عَن صدر الأفاضل: إِنَّمَا جَازَ تَقْدِيم هَا على الْوَاو لِأَن هَا تبنبيه والتنبيه قد يدْخل على الْوَاو إِذا عطفت جملَة على أُخْرَى كَقَوْلِك: أَلا إِن زيدا خَارج أَلا وَإِن عمرا مُقيم. اه.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب استعمالهم عَلامَة الْإِضْمَار الَّذِي لَا يُوقع موقع مَا يضمر فِي الْفِعْل قَالَ: وَكَذَلِكَ هَا أَنا ذَا وَهَا نَحن أولاء وَهَا هُوَ ذَاك وَهَا أَنْت ذَا وَهَا أَنْتُم أولاء وَهَا أنتن أولاء وَإِنَّمَا اسْتعْملت هَذِه الْحُرُوف هُنَا لِأَنَّك لَا تقدر على شَيْء من الْحُرُوف الَّتِي تكون عَلامَة فِي الْفِعْل وَلَا على الْإِضْمَار الَّذِي فِي فعل.
وَزعم الْخَلِيل أَن هَا هُنَا هِيَ الَّتِي مَعَ ذَا إِذا قلت هَذَا وَإِنَّمَا أَرَادوا أَن يَقُولُوا: هَذَا أَنْت وَلَكنهُمْ جعلُوا أَنْت بَين هَا وَذَا وَأَرَادُوا أَن يَقُولُوا: أَنا هَذَا وَهَذَا أَنا فقدموا هَا وَصَارَت أَنا بَينهمَا.
وَزعم أَبُو الْخطاب أَن الْعَرَب الموثوق بهم تَقول: أَنا هَذَا وَهَذَا أَنا. وَمثل مَا قَالَ الْخَلِيل فِي هَذَا قَول الشَّاعِر:)
وَنحن اقْتَسَمْنَا المَال نِصْفَيْنِ بَيْننَا ... ... ... ... ... . . الْبَيْت
стр. 2357
كَأَنَّهُ أَرَادَ أَن يَقُول: وَهَذَا لي فصير الْوَاو بَين هَا وَذَا. وَزعم أَن مثل ذَلِك: إِي هَا الله ذَا أَي: إِنَّمَا هُوَ هَذَا. وَقد تكون هَا فِي هَا أَنْت ذَا غير مُقَدّمَة وَلكنهَا تكون بمنزلتها فِي هَذَا.
ويدلك على هَذَا قَوْله : هَا أَنْتُم هَؤُلَاءِ فَلَو كَانَت هَا هُنَا هِيَ الَّتِي تكون أَولا إِذا قلت هَؤُلَاءِ لم تعد هَا هَا هُنَا بعد أَنْتُم.
وَحدثنَا يُونُس أَيْضا تَصْدِيقًا لقَوْل أبي الْخطاب أَن الْعَرَب تَقول: هَذَا أَنْت تَقول كَذَا وَكَذَا. لم يرد بقوله هَذَا أَنْت أَن يعرفهُ نَفسه كَأَنَّهُ يُرِيد أَن يُعلمهُ أَنه لَيْسَ غَيره. هَذَا محَال وَلكنه أَرَادَ أَن ينبهه كَأَنَّهُ قَالَ: الْحَاضِر عندنَا أَنْت إِذْ الْحَاضِر الْقَائِل كَذَا وَكَذَا أَنْت.
وَإِن شِئْت لم تقدم هَا فِي هَذَا الْبَاب قَالَ : ثمَّ أنتمْ هَؤُلَاءِ تَقتُلون أنفُسَكم.
هَذَا نَص سِيبَوَيْهٍ ونقلناه بِطُولِهِ لِكَثْرَة فَوَائده.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي فَصله بَين هَا وَذَا بِالْوَاو وَنصب نِصْفَيْنِ على الْحَال. وَفِي هَذَا حجَّة لما أجَازه سِيبَوَيْهٍ من الْحَال فِي قَول ذِي الرمة: الطَّوِيل
(ترى خلقهَا نصفٌ قناةٌ قويمةٌ ... ونصفٌ نقاً يرتجّ أَو يتمرمر)
وَأطَال على الْمبرد فِي إبِْطَال جَوَازه فَإِنَّهُ قَالَ: سِيبَوَيْهٍ رفع نصف وَمَا بعده على الْقطع والابتداء وَلَو نصب على الْبَدَل أَو على الْحَال لجَاز.
стр. 2358
وغلطه الْمبرد وَزعم أَن نصفا معرفَة لِأَنَّهُ فِي نِيَّة الْإِضَافَة فَكَأَنَّهُ قَالَ ترى خلفهَا نصفه كَذَا وَنصفه كَذَا.
وَالْحجّة لسيبويه أَنه نكرَة وَإِن كَانَ متضمناً لِمَعْنى الْإِضَافَة وَلَيْسَ من بَاب كل وَبَعض لِأَن الْعَرَب قد أدخلت عَلَيْهِ الْألف وَاللَّام وثنته وَجمعته وَلَيْسَ شَيْء من ذَلِك فِي كل وَبَعض.
وصف امْرَأَة فَجعل أَعْلَاهَا فِي اللطافة كالقناة وأسفلها فِي امتلائه كالنقا المرتج المتمرمر أَي: يجْرِي بعضه فِي بعض. انْتهى.
وَمعنى الْبَيْت الشَّاهِد وَاضح.
وَنسبه الأعلم إِلَى لبيد وَكَذَلِكَ نسبه الأندلسي فِي شرح الْمفصل إِلَيْهِ. وَأَنا لم أره فِي ديوانه.
وَكَذَلِكَ قَالَ قبلي ابْن المستوفي فِي شرح أَبْيَات الْمفصل: إِنَّه لم يره فِي ديوانه. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده: الْكَامِل
هَذَا صدر وعجزه:)
وبدا الَّذِي كَانَت نوار أجنّت على أَن هُنَا فِيهِ بِمَعْنى الزَّمَان أَي: لات حِين حنت فَهِيَ ظرف زمَان لأضافتها إِلَى الْجُمْلَة.
قد تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ مفصلا فِي الشَّاهِد الثَّالِث والثمانين بعد الْمِائَتَيْنِ.
والحنين: نزاع النَّفس إِلَى شَيْء. ونوار اسْم امرأةٍ مَبْنِيّ على الْكسر فِي لُغَة الْجُمْهُور وَعند تَمِيم مُعرب لَا ينْصَرف. وأجنت بِالْجِيم بِمَعْنى أخفت وسترت وتاؤه وتاء حنت مكسورتان للوزن.
стр. 2359
بَاب الْمَوْصُول أنْشد فِيهِ الشَّاهِد الْخَامِس عشر بعد الأربعمائة الطَّوِيل
(وإنّي لراجٍ نظرةً قبل الَّتِي ... لعلّي وَإِن شطّت نَوَاهَا أزورها)
على أَن جملَة لعَلي الخ صلَة الَّتِي بِتَقْدِير القَوْل أَي: الَّتِي أَقُول لعَلي أزورها.
وَإِنَّمَا قدر أَقُول لِأَنَّهَا إنشائية لَا يَصح وُقُوعهَا صلَة فَقدر القَوْل لتَكون خبرية. وَيَنْبَغِي أَن يَقُول وَهَذَا تَخْرِيج أبي عَليّ الْفَارِسِي فِي التَّذْكِرَة القصرية قَالَ فِيهَا: قَول الفرزدق: وإنّي لراجٍ نظرةً قبل الَّتِي هُوَ على غير الظَّاهِر وتأويله الْحِكَايَة كَأَنَّهُ قَالَ: الَّتِي أَقُول فِيهَا هَذَا القَوْل. وإضمار القَوْل شَائِع كثير والحكاية مستعملة إِذا كَانَ عَلَيْهَا دَلِيل وَالدّلَالَة هُنَا قَائِمَة وَهِي أَن الصِّلَة إِيضَاح وَمَا عدا الْخَبَر لَا يُوضح.
وَقَالَ أَيْضا فِي إِيضَاح الشّعْر: جَاءَ فِي هَذَا الْبَيْت للفرزدق الصِّلَة غير الْخَبَر والصلة لَا تكون إِلَّا خَبرا كَمَا أَن الصّفة كَذَلِك.
стр. 2360
فَإِن قلت: فقد جَاءَ من الموصولة مَا وصل بِغَيْر الْخَبَر نَحْو مَا قَالُوهُ: كتبت إِلَيْهِ: أَن قُم وَبِأَن قُم قلت: ذَلِك وَإِن جَاءَ فِي أَن لَا يَسْتَقِيم فِي الَّذِي وَنَحْوه من الْأَسْمَاء لِأَن الَّذِي يَقْتَضِي الْإِيضَاح بصلته وَلَيْسَت أَن كَذَلِك. أَلا ترى أَنَّهَا حرف وَأَنه لَا يرجع إِلَيْهَا ذكر من الصِّلَة.
وَهَذَا وَإِن جَاءَ فِي الْبَيْت فَإِن النَّحْوِيين يجْعَلُونَ لَعَلَّ ك لَيْت فِي أَن الْفَاء لَا تدخل على خَبَرهَا فَلَا يجيزون: لَعَلَّ الَّذِي فِي الدَّار فمنطلق كَمَا لَا يجيزكون ذَلِك فِي لَيْت.)
فَإِن قلت: أحمل لَعَلَّ على الْمَعْنى لِأَنَّهُ طمع كَأَنَّهُ قَالَ: أطمع فِي زيارتها قيل لَك: فَصله أَيْضا بالتمني وَقل: الْمَعْنى الَّذِي أَتَمَنَّى وَصله بالاستفهام والنداء وَجَمِيع مَا لم يكن خَبرا وَقل: الْمَعْنى وَيجوز فِيهِ أَن تقدر قبل لعَلي فعلا وتحذفه لطول الْكَلَام فَيكون الصِّلَة الْفِعْل الَّذِي هُوَ أَقُول فِيهَا وَهُوَ خبر لَا إِشْكَال فِيهِ. وَحسن الْحَذف لطول الْكَلَام. اه.
وَأوردهُ ابْن هِشَام فِي الْجُمْلَة المعترضة من الْبَاب الثَّانِي من الْمُغنِي على أَن جملَة: وَإِن شطت نَوَاهَا مُعْتَرضَة بَين لعَلي وَبَين أزورها. وصلَة الَّتِي قَول مَحْذُوف كَمَا ذكرنَا.
وَذكره الْخفاف فِي شرح جمل الزجاجي على أَن أزورها صلَة الَّتِي وَفصل بَينهمَا بلعل وَإِن شطت على وَجه الِاعْتِرَاض وَيكون خبر لَعَلَّ
стр. 2361
محذوفاً تَقْدِيره: لعَلي أبلغ ذَلِك. والفصل بَين الصِّلَة والموصول بجمل الِاعْتِرَاض جَائِز.
قَالَ الشَّاعِر: الْكَامِل ذَاك الَّذِي وَأَبِيك يعرف مَالِكًا ففصل بالقسم بَين الصِّلَة والموصول.
وَتَبعهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي فَقَالَ: ويحتم أَن هَذَا الْبَيْت من قبيل الِاعْتِرَاض بَين الْمَوْصُول وصلته على أَن تَقْدِير الصِّلَة أزورها وَيقدر خبر لعَلي محذوفاً أَي: لعَلي أفعل ذَلِك.
وَهَذَا التَّخْرِيج مَأْخُوذ من كَلَام أبي عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر وَمَا ارتضى ظَاهره بل وَجهه فَقَالَ: فَإِن قلت: أَرَادَ بأزورها التَّقْدِيم كَأَنَّهُ قَالَ: الَّتِي أزورها قُلْنَا إِن ذَلِك لَا يَسْتَقِيم لِأَنَّهُ وَاقع وَالْوَجْه فِيهِ أَنه لما جرى أزورها خَبرا ل لَعَلَّ سد أزورها مسد الصِّلَة الَّتِي يجب أَن تكون خَبرا فَكَأَنَّهُ أَرَادَ الَّتِي أزورها فأغنى ذكر أزورها خَبرا ل لَعَلَّ عَن ذكره لَهَا قبل لَعَلَّ وَالْمعْنَى على التَّقْدِيم.
وأشبه هَذَا قَوْلهم: لَو أَن زيدا جَاءَنِي فِي أَن الْفِعْل الْجَارِي فِي الصِّلَة سد مسد الْفِعْل الَّذِي يَقع قبل أَن بعد لَو وَلَوْلَا هَذَا الْفِعْل لم يجز.
أَلا ترى أَنه لَا يجوز لَو مجيئك. فَكَذَلِك سد ذكره بعد لعَلي مسد ذكره قبل لعَلي. فَهَذَا وَجهه.
وَلَا يَنْبَغِي أَن يُقَاس على هَذَا وَلَا يُؤْخَذ بِهِ وَكَأن الَّذِي حسن هَذَا طول الْكَلَام وَذكر الْخَبَر فِي الصِّلَة. وَقد رَأَيْت طول الصِّلَة يجوز فِيهِ مَا لَا يجوز إِذا لم تطل. اه.)
وَلم يكْتب الدماميني وَلَا شَارِح شَوَاهِد الْمُغنِي على هَذَا الْبَيْت شَيْئا.
стр. 2362
هَذَا. وَآخر الْبَيْت مغير عَن أَصله وَالرِّوَايَة الصَّحِيحَة: لعلّي وَإِن شقّت عليّ أنالها وَالْبَيْت من قصيدة لامية كَمَا يَأْتِي بَعْضهَا. وَحِينَئِذٍ يَأْتِي فِي أنالها مَا قيل فِي أزورها بل يتحتم إِضْمَار القَوْل.
(وقاتلةٍ لي لم يُصِبْنِي سهامها ... رمتني على سوداءٍ قلبِي نبالها)
(وإنّي لرامٍ رميةً قبل الَّتِي ... لعلّي وَإِن شقّت عليّ أنالها)
(أَلا لَيْت حظّي من عليّة أنّني ... إِذا نمت لَا يسري إليّ خيالها)
(فَلَا يلبث اللّيل الموكّل دونهَا ... عَلَيْهِ بتكرار اللّيالي زَوَالهَا)
وَبعد هَذَا شرع فِي مدحه.
وَقَوله: وقاتلة لي الخ هُوَ من الْقَتْل يَقُول: رب امْرَأَة قتلتني مَعَ أَنَّهَا لم تصبني بسهامها الْحَقِيقِيَّة لَكِنَّهَا رمت سويداء قلبِي بِنِبَالٍ عيونها فقتلتني.
وَقَوله: رمتني جَوَاب رب.
وَقَوله: وَإِنِّي لرام الخ يُقَال: رمى نظره نَحْو كَذَا أَي: توجه نَحوه وَرمى نَحوه رميةً إِذا قَصده قصدا.
وَمِنْه الحَدِيث: لَيْسَ وَرَاء الله مرمىً أَي: مقصد ترامى إِلَيْهِ الآمال وَيُوجه نَحوه الرَّجَاء.
وشطت من بَابي ضرب وَقتل. يُقَال: شطت الدَّار أَي: بَعدت. ونواها: فَاعل شطت.
стр. 2363
والنوى مُؤَنّثَة لَا غير وَهِي الْوَجْه الَّذِي ينويه الْمُسَافِر
من قرب أَو بعد. وَيجوز أَن يكون فَاعل شطت ضمير الَّتِي ونواها مَنْصُوب بِتَقْدِير فِي. هَذَا على الرِّوَايَة الأولى.
وَأما شقَّتْ على الرِّوَايَة الثَّانِيَة ففاعله ضمير رمية من شقّ الْأَمر عَلَيْهِ إِذا اشْتَدَّ وَثقل عَلَيْهِ.
وَمِنْه حَدِيث: لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة. وأنالها: مضارع نَالَ خيرا نيلاً أَي: أَصَابَهُ.
وَقَوله: فَلَا يلبث اللَّيْل الخ قَالَ شَارِح ديوانه: يَقُول زَالَت فَذَهَبت فزوالها يهدي إِلَيّ خيالها كل لَيْلَة وزوالها لَا يحبس اللَّيْل عني فَلَا يلبث زَوَالهَا أَن يُعِيد خيالها.
وَقَالَ الحرمازي: يَقُول: لَيْت حظي مِنْهَا أَن لَا يلبث اللَّيْل الْمُوكل على زَوَالهَا بالتكرار أَي: بكر)
زَوَالهَا عَليّ اللَّيْل يَجْعَل اللَّيْلَة ليَالِي.
وَهُوَ مثل قَوْله: الوافر
(كأنّ اللّيل يحْبسهُ علينا ... ضرارٌ أَو يكرّ إِلَى نذور)
أَي: كَأَنَّهُ يغور كلما كَاد يفنى. اه.
وترجمة الفرزدق تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ.
وَأنْشد بعده: الرجز جاؤوا بمذقٍ هَل رَأَيْت الذّئب قطّ على أَن الْجُمْلَة الاستفهامية وَقعت صفة ل مذق بِتَقْدِير: تَقول عِنْد رُؤْيَته: هَل رَأَيْت الخ.
стр. 2364
(مَا زلت أسعى مَعَهم وأختبط ... حتّى إِذا جنّ الظّلام وَاخْتَلَطَ)
جاؤوا بمذق الخ. يُقَال: خبطت فلَانا وأختبطته أَي: سَأَلته بِغَيْر وسيلةٍ مَا شكا قوما وَقَالَ: لم أزل طول النَّهَار أسعى مَعَهم وأسألهم شَيْئا حَتَّى إِذا أظلم اللَّيْل وَاخْتَلَطَ الظلام جاؤوني بِلَبن مخلوط بِمَاء كثير يضْرب لَونه لِكَثْرَة مَائه إِلَى لون الذِّئْب فَكل من رَآهُ يستفهم عَن رُؤْيَته الذِّئْب لِأَنَّهُ بلونه يحمل رائيه على السُّؤَال عَن الذِّئْب.
وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَن الذِّئْب مَوْصُوف بِالْوَرَقَةِ وَاللَّبن إِذا كثر مَاؤُهُ يصير أَوْرَق. والورقة بِالضَّمِّ: لون أَبيض يخالطه سَواد.
وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ مفصلا فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالتسْعين.
وَأنْشد بعده: الحافظو عَورَة الْعَشِيرَة هُوَ بعض بَيت أَصله:
(الحافظو عَورَة الْعَشِيرَة لَا ... يَأْتِيهم من ورائهم وكف)
على أَنه حذف بعض الصِّلَة تَخْفِيفًا وَهُوَ النُّون وَالْأَصْل الحافظون عَورَة الْعَشِيرَة. ف أل مَوْصُول اسْمِي بِمَعْنى الَّذين وَالْوَصْف الْمَجْمُوع صلته وَقد حذف بَعْضهَا وَهُوَ النُّون.
стр. 2365
وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ مفصلا فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالتسْعين بعد الْمِائَتَيْنِ من بَاب الْإِضَافَة.
والعورة: الْمَكَان الَّذِي يخَاف مِنْهُ الْعَدو وَقَالَ ثَعْلَب: كل مخوف عَورَة. وَقَالَ كرَاع: عَورَة الرجل فِي الْحَرْب: ظَهره وَالْعشيرَة: الْقَبِيلَة.)
والوكف بِفَتْح الْوَاو وَالْكَاف ويروى بدله نطف بِفَتْح النُّون والطاء الْمُهْملَة وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى الْعَيْب أَي: يحفظون الْعَشِيرَة أَن يصيبهم مَا يعابون بِهِ وَلَا يضيعون مَا استحفظوا فَيلْحق الْعَشِيرَة عيب بذلك.
وَأنْشد بعده الشَّاهِد السَّادِس عشر بعد الأربعمائة الطَّوِيل
(بسودٍ نَوَاصِيهَا وحمرٍ أكفّها ... وصفرٍ تراقيها وبيضٍ خدودها)
على أَن رُجُوع الضَّمِير من نَوَاصِيهَا على الْمَوْصُوف بسود الْمُقدر خَاص بِالضَّرُورَةِ وَالْقِيَاس: بنساء سود نَوَاصِيهَا.
وَهَذَا على رِوَايَة الْبَيْت كَذَا وَأما على مَا سَيَأْتِي فمرجع الضَّمِير وصف مَذْكُور فِي بَيت قبله. ...
стр. 2366
(لقد كنت جلدا قبل أَن توقد النّوى ... على كَبِدِي نَارا بطيئاً خمودها)
(وَقد كنت أَرْجُو أَن تَمُوت صبابتي ... إِذا قدمت أيّامها وعهودها)
(فقد جعلت فِي حبّة الْقلب والحشا ... عهاد الْهوى تولى بشوقٍ يُعِيدهَا)
بسودٍ نَوَاصِيهَا ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . . الْبَيْت
(مخصّرة الأوساط زانت عقودها ... بِأَحْسَن ممّا زيّنتها عقودها)
(يمنّيننا حتّى ترفّ قُلُوبنَا ... رفيف الخزامى بَات طلٌّ يجودها)
قَالَ أَمِين الدَّين الطبرسي فِي شرح الحماسة تبعا للخطيب التبريزي: يَقُول: كنت حمولاً لحوادث الزَّمَان صبوراً عَلَيْهَا حَتَّى منيت بِفِرَاق الْأَحِبَّة وَكنت أَرْجُو أَن تسكن صبابتي وتنصرم إِذا مَال عَلَيْهَا الدَّهْر وتقادمت أَيَّامهَا أَي: أَيَّام الصبابة.
والعهود: جمع عهد وَهُوَ اللِّقَاء هَا هُنَا والعهاد: جمع عهد وَهُوَ الْمَطَر فِي أول السّنة. وَرُوِيَ بِالنّصب وَالرَّفْع فالنصب على أَنه مفعول أول لجعلت وَتَوَلَّى بشوق فِي مَوضِع الْمَفْعُول الثَّانِي وَيُعِيدهَا صفة شوق.
وَمعنى تولى: تمطر الْوَلِيّ وَالْوَلِيّ: المطرة الثَّانِيَة بعد الوسمي أَي: صيرت فِي حَبَّة الْقلب وأحشائه أمطار الْهوى تتجدد وتتبع بولِي من الشوق يردهَا كَمَا كَانَت.)
وَالضَّمِير فِي يُعِيدهَا يرجع إِلَى عهاد. يُرِيد أَن الشوق لَا يَنْقَضِي. وَالرَّفْع على أَن يكون جعلت بِمَعْنى طفقت وَأَقْبَلت فَيكون غير مُتَعَدٍّ
стр. 2367
ويرتفع عهاد الْهوى بِهِ.
ويروى: يولي بِالْيَاءِ. وبعيدها بِالْبَاء فَاعل يولي أَي: فقد طفقت أَوَائِل هَواهَا يمطر أبعدها بشوق يجددها.
وَالْبَاء فِي قَوْله: بسود يجوز أَن يتَعَلَّق بقوله: تَمُوت صبابتي وَيجوز أَن يتَعَلَّق بجعلت إِذا ارْتَفَعت عهاد الْهوى بِهِ. يُرِيد جعلت العهاد تفعل ذَلِك بِسَبَب نسَاء بِهَذِهِ الصِّفَات.
مخصرة الأوساط أَي: دقيقة الخصور وقلائدهن تكتسب من التزين بِهن إِذا علقت عَلَيْهِنَّ أَكثر مِمَّا يكتسبن مِنْهَا إِذا تحلين بهَا اه.
وَالْأَقْرَب أَن تتَعَلَّق الْبَاء فِي بسود بقوله: يُعِيدهَا وَهُوَ الْأَنْسَب من جِهَة الْمَعْنى.
وَقَالَ الْخَطِيب التبريزي: وَإِنَّمَا جَازَ أَن يجمع حمر وسود وَغَيرهمَا وَإِن ارْتَفع مَا بعْدهَا بهَا لِأَن هَذِه الجموع لَهَا نَظَائِر فِي الْأَسْمَاء المفردة وَلَو كَانَت مَا لَا نَظِير لَهُ فِي الْوَاحِد لما جَازَ جمعه تَقول: مَرَرْت بِرِجَال ظراف آباؤهم وَلَو قلت: بِرِجَال ظريفين آباؤهم لم يجز.
وَقَوله: يمنيننا يصف حسن مواعيدهن وتقريبهن أَمر الْوِصَال. حَتَّى ترف قُلُوبنَا أَي: تهتز نشاطاً وترتاح وتفرح. والخزامى بِضَم أَوله وَالْقصر: خيري الْبر. ورفيفها: اهتزازها.
والطل: أثر الندى فِي الأَرْض من الْمَطَر. وَإِنَّمَا جعل الطل يجود جوداً لِأَنَّهُ يفعل فِي ري الخزامى ونعمتها مَا يفعل الْجُود فِي نَبَات الأَرْض. يُقَال: رف يرف إِذا اهتز نعْمَة ونضارة.
стр. 2368
وَقد أورد هَذِه الأبيات بِأَكْثَرَ من هَذَا مَعَ بعض تَغْيِير السَّيِّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ قَالَ: أخبرنَا أَبُو عبد الله المرزباني قَالَ: أنشدنا عَليّ بن سُلَيْمَان الْأَخْفَش قَالَ: أنشدنا أَحْمد بن يحيى ثَعْلَب للحسين بن مطير: الطَّوِيل
(لقد كنت جلدا قبل أَن يُوقد الْهوى ... على كَبِدِي نَارا بطيئاً خمودها)
(وَلَو تركت نَار الْهوى لتضرّمت ... ولكنّ شوقاً كلّ يومٍ يزيدها)
(وَقد كنت أَرْجُو أَن تَمُوت صبابتي ... إِذا قدمت أيّامها وعهودها)
(فقد جعلت فِي حبّة الْقلب والحشا ... عهاد الْهوى تلوي بشوقٍ يُعِيدهَا)
(بمرتجّة الأرداف هيفٍ خصورها ... عذابٍ ثناياها عجافٍ قيودها)
(وصفرٍ تراقيها وحمرٍ أكفّها ... وسودٍ نَوَاصِيهَا وبيضٍ خدودها))
(يمنّيننا حتّى ترفّ قُلُوبنَا ... رفيف الخزامى بَات طلٌّ يجودها)
اه.
وَكَذَا روى هَذِه الأبيات القالي فِي أَمَالِيهِ عَن ابْن دُرَيْد وَعَن ابْن الْأَعرَابِي.
وَكتب الشريف المرتضى على قَوْله بمرتجة الأرداف ... . الْبَيْت يَعْنِي أَنَّهَا عجاف اللثات.
وأصول الْأَسْنَان هِيَ قيودها.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاس ثَعْلَب: خفض عجاف لحن لِأَنَّهُ لَيْسَ من صفة النِّسَاء وسبيله أَن يكون نصبا لِأَنَّهُ حَال من الثنايا. اه.
أَقُول: إِنَّمَا قَالَ ثَعْلَب ذَلِك لِأَن الضَّمِير فِي قيودها للثنايا وَهَذَا عجب مِنْهُ فَإِن بَاب جَرَيَان الصّفة على غير من هِيَ لَهُ وَاسع.
стр. 2369
وَالْبَاء فِي قَوْله: بمرتجة مُتَعَلقَة بقوله: يُعِيدهَا وَيجوز أَن تتَعَلَّق بجعلت أَو بتموت. ومرتجة الأرداف هُوَ مرجع الضمائر الْآتِيَة بعده فَلَا يرد مَا أوردهُ الشَّارِح الْمُحَقق فِي الْبَيْت الشَّاهِد.
وَقَوله: مخصرة الأوساط بِالْجَرِّ وَيجوز النصب وَالرَّفْع على الْمَدْح.
وَكَذَلِكَ قَوْله: وصفر تراقيها وَالْبَيْت مَأْخُوذ من قَول مَالك بن أَسمَاء بن خَارِجَة: الْخَفِيف
(وتزيدين أطيب الطّيب طيبا ... أَن تمسّيه أَيْن مثلك أَيّنَا)
(وَإِذا الدّرّ زَان حسن وجوهٍ ... كَانَ للدّرّ حسن وَجهك زينا)
وَقَوله: وصفر تراقيها بِالتَّنْوِينِ فِي الْمَوَاضِع الْأَرْبَعَة وتراقيها: فَاعل صفر وَكَذَلِكَ أكفها ونواصيها.
والتراقي: جمع ترقوة وَهِي أعالي الصَّدْر. وصفهَا بالصفرة من الطّيب كالزعفران وَأَرَادَ بحمرة أكفها الخضاب.
وَهَذَا الْبَيْت أوردهُ ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة فِي بَاب الْمُطَابقَة قَالَ: أنْشد غير وَاحِد من الْعلمَاء: بسود نَوَاصِيهَا الْبَيْت.
وَرَوَاهُ ابْن الْأَعرَابِي فِي نسق أَبْيَات: وصفر تراقيها وحمر أكفها ... إِلَخ. وَهَذِه الرِّوَايَة أشكل فِي الصَّنْعَة.
وروى أَبُو تَمام فِي الحماسة للحسين بن مطير أَيْضا. وَيُشبه أَن يكون الْجَمِيع من قصيدة وَاحِدَة:
(وَكنت أذود الْعين أَن ترد البكا ... فقد وَردت مَا كنت عَنهُ أذودها))
стр. 2370
(خليليّ مَا بالعيش عيبٌ لَو انّنا ... وجدنَا لأيّام الصّبا من يُعِيدهَا)
وروى أَبُو تَمام أَيْضا لغيره وَبَعض الروَاة يَرْوِيهَا لِابْنِ مطير أَيْضا:
(ولي نظرةٌ بعد الصّدود من الجوى ... كنظرة ثَكْلَى قد أُصِيب وليدها)
(هَل الله عافٍ عَن ذنوبٍ تسلّفت ... أم الله إِن لم يعف عَنْهَا معيدها)
وحسين بن مطير هُوَ كَمَا قَالَ فِي الأغاني حُسَيْن بن مطير بن مكمل مولى لبني أَسد بن خُزَيْمَة ثمَّ لبني سعد بن مَالك بن ثَعْلَبَة بن دودان بن
أَسد. وَكَانَ جده مكمل عبدا فَأعْتقهُ مَوْلَاهُ وحسين من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية. شَاعِر مُتَقَدم فِي القصيد وَالرجز فصيح قد مدح بني أُميَّة وَبني الْعَبَّاس وَكَانَ زيه وَكَلَامه يشبه مَذَاهِب الْأَعْرَاب وَأهل الْبَادِيَة ووفد على معن بن زَائِدَة لما ولي الْيمن فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ أنْشدهُ:
стр. 2371
الطَّوِيل
(أَتَيْتُك إِذْ لم يبْق غَيْرك جابرٌ ... وَلَا واهبٌ يُعْطي اللهى والرّغائبا)
فَقَالَ لَهُ معن: يَا أَخا بني أَسد لَيْسَ هَذَا بمدح إِنَّمَا الْمَدْح قَول نَهَار بن توسعة فِي مسمع بن مَالك بن مسمع: الْخَفِيف
(قلّدته عرى الْأُمُور نزارٌ ... قبل أَن يهْلك السّراة البحور)
قَالَ: وَأول هَذَا الشّعْر: الْخَفِيف
(اظعني من هراة قد مرّ فِيهَا ... حججٌ مذ سكنتها وشهور)
(اظعني نَحْو مسمعٍ تجديه ... نعم ذَا المنثني وَنعم المزور)
(سَوف يَكْفِيك إِن نبت بك أرضٌ ... بخراسان إِذْ جفاك أَمِير)
(من بني الْحصن عَامل بن بريحٍ ... لَا قَلِيل النّدى وَلَا منزور)
(وَالَّذِي يفزع الكماة إِلَيْهِ ... حِين تدمى من الطّعان النّحور)
(فَاصْطَنع يَا ابْن مالكٍ آل بكرٍ ... واجبر الْعظم إنّه مكسور)
стр. 2372
(سلّ سيوفاً مُحدثا صقالها ... صاب على أعدائه وبالها)
وَعند معن ذِي النّدى أَمْثَالهَا فاستحسنها وأجزل صلته.
قَالَ الْمفضل الضَّبِّيّ: كنت يَوْمًا مُحْتَاجا إِلَى دِرْهَم وَعلي عشرَة آلَاف دِرْهَم إِذْ جَاءَنِي رَسُول الْمهْدي فَقَالَ: أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ فتخوفته لِأَنِّي كنت خرجت عَلَيْهِ مَعَ إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن)
الْحسن فتطهرت ولبست ثَوْبَيْنِ نظيفين وصرت إِلَيْهِ.
فَلَمَّا مثلت بَين يَدَيْهِ سلمت فَرد عَليّ وَأَمرَنِي بِالْجُلُوسِ فَلَمَّا سكن جأشي قَالَ لي: يَا مفضل أَي بَيت قالته الْعَرَب أَفْخَر فشككت سَاعَة ثمَّ قلت: بَيت الخنساء.
وَكَانَ مُسْتَلْقِيا فَاسْتَوَى جَالِسا ثمَّ قَالَ: وَأي بَيت هُوَ قلت: قَوْلهَا: الْبَسِيط
(وإنّ صخراً لتأتمّ الهداة بِهِ ... كأنّه علمٌ فِي رَأسه نَار)
فَأَوْمأ إِلَى إِسْحَاق بن بزيع ثمَّ قَالَ: قد قلت لَهُ ذَلِك فَأبى.
فَقلت: الصَّوَاب مَا قَالَه أَمِير الْمُؤمنِينَ. ثمَّ قَالَ: يَا مفضل أسهرني البارحة قَول ابْن مطير الْأَسدي: الطَّوِيل
(وَقد تغدر الدّنيا فيضحي فقيرها ... غنيّاً ويغنى بعد بؤسٍ فقيرها)
ثمَّ قَالَ: ألهذين الْبَيْتَيْنِ ثَالِث قلت: نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ.
стр. 2373
(وَكم قد رَأينَا من تغيّر عيشةٍ ... وَأُخْرَى صفا بعد اكدرار غديرها)
وَكَانَ الْمهْدي رَقِيقا فاستعبر ثمَّ قَالَ: يَا مفضل كَيفَ حالك قلت: كَيفَ يكون حَال من هُوَ مَأْخُوذ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم فَأمر لي بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم وَقَالَ: اقْضِ دينك واصلح شَأْنك فقبضتها وانصرفت.
وَدخل ابْن مطير يَوْمًا على الْمهْدي فأنشده: الْبَسِيط
(لَو يعبد النّاس يَا مهديّ أفضلهم ... مَا كَانَ فِي النّاس إلاّ أَنْت معبود)
(أضحت يَمِينك من جودٍ مصوّرةً ... لَا بل يَمِينك مِنْهَا صوّر الْجُود)
(من حسن وَجهك تبدو الأَرْض مشرقةً ... وَمن بنانك يجْرِي المَاء فِي الْعود)
(لَو أنّ من نوره مِثْقَال خردلةٍ ... فِي السّود طرّاً إِذا لابيضّت السّود)
فَأمر لَهُ لكل بَيت بِأَلف دِرْهَم.
وَالْبَيْت الثَّالِث رَأَيْته مجروراً كَمَا هُوَ.
وَمن قصيدة لَهُ فِي مدح الْمهْدي: الطَّوِيل
(إِذا شَاهد القوّاد سَار أمامهم ... جريءٌ على مَا يتّقون وثوب)
...
стр. 2374
(يعفّ ويستحيي إِذا كَانَ خَالِيا ... كَمَا عفّ واستحيا بِحَيْثُ رَقِيب)
وَمن شعره الْمَشْهُور فِي رثاء معن بن زَائِدَة: الطَّوِيل)
(ألمّا بمعنٍ ثمّ قولا لقبره ... سقيت الغوادي مربعًا ثمّ مربعًا)
(أيا قبر معنٍ كنت أوّل حفرةٍ ... من الأَرْض خطّت للمكارم مضجعا)
(أيا قبر معنٍ كَيفَ واريت جوده ... وَقد كَانَ مِنْهُ البرّ وَالْبَحْر مترعا)
(بلَى قد وسعت الْجُود والجود ميتٌ ... وَلَو كَانَ حيّاً ضقت حتّى تصدّعا)
(أَبى ذكر معنٍ أَن تَمُوت فعاله ... وَإِن كَانَ قد لَاقَى حَماما ومصرعا)
هَذَا مَا انتخبته من الأغاني.
وروى السَّيِّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ بِسَنَدِهِ عَن مُحَمَّد بن حميد قَالَ: كُنَّا عِنْد الْأَصْمَعِي فأنشده رجل أَبْيَات دعبل: الْكَامِل
(أَيْن الشّباب وأيّةً سلكا ... لَا أَيْن يطْلب ضلّ بل هلكا)
...
стр. 2375
(لَا تعجبي يَا سلم من رجلٍ ... ضحك المشيب بِرَأْسِهِ فَبكى)
(يَا سلم مَا بالشّيب منقصةٌ ... لَا سوقة يبْقى وَلَا ملكا)
(قصر الغواية عَن هوى قمرٍ ... وجد السّبيل إِلَيْهِ مُشْتَركا)
(لَا تأخذا بظلامتي أحدا ... قلبِي وطرفي فِي دمي اشْتَركَا)
فاستحسنها كل من كَانَ حَاضرا فِي الْمجْلس وَأَكْثرُوا التَّعَجُّب من قَوْله: ضحك المشيب بِرَأْسِهِ فَبكى قَالَ الْأَصْمَعِي: إِنَّمَا أَخذ هَذَا من قَول ابْن مطير الْأَسدي: الْخَفِيف
(أَيْن أهل القباب بالدّهناء ... أَيْن جيراننا على الأحساء)
(جاورونا وَالْأَرْض ملبسةٌ نو ... ر الأقاحي تجاد بالأنواء)
(كلّ يومٍ بأقحوانٍ جديدٍ ... تضحك الأَرْض من بكاء السّماء)
(ذهبٌ حَيْثُ مَا ذَهَبْنَا ودرٌّ ... حَيْثُ درنا وفضّةٌ فِي الفضاء)
وَقد أَخذه مُسلم فِي قَوْله:
(مستعبرٌ يبكي على دمنةٍ ... وَرَأسه يضْحك مِنْهُ المشيب)
قَالَ السَّيِّد المرتضى قدس الله روحه: وَلأبي الحجناء نصيب الْأَصْغَر مثل هَذَا الْمَعْنى: الْكَامِل
(فَبكى الْغَمَام بِهِ فَأصْبح روضه ... جذلان يضْحك بالجميم ويزهر)
стр. 2376
وَلابْن المعتز مثله: الطَّوِيل)
(ألحّت عَلَيْهِ كلّ طخياء ديمةٍ ... إِذا مَا بَكت أجفانها ضحك الزذهر)
(تبسّم المزن وانهلّت مدامعه ... فأضحك الرّوض جفن الضّاحك الباكي)
(وغازل الشّمس نورٌ ظلّ يلحظها ... بِعَين مستعبرٍ بالدّمع ضحّاك)
وَرُوِيَ عَن أبي الْعَبَّاس الْمبرد أَنه قَالَ: أَخذ ابْن مطير قَوْله: تضحك الأَرْض من بكاء السذماء من قَول دُكَيْن الراجز: الرجز
(جنّ النّبات فِي ذراها وزكا ... وَضحك المزن بِهِ حتّى بَكَى)
انْتهى مَا أوردهُ السَّيِّد فِي أَمَالِيهِ.
وَهَذَا الْخَبَر الْمسند إِلَى الْأَصْمَعِي رَوَاهُ صَاحب الأغاني بِسَنَدِهِ إِلَى أبي الْمثنى أَحْمد بن يَعْقُوب ابْن أُخْت أبي بكر الْأَصَم وَإِنَّمَا اخترنا رِوَايَة السَّيِّد لِأَنَّهَا اشْتَمَلت على فَوَائِد.
وَلم يحك صَاحب الأغاني فِي رِوَايَته إِلَّا قَوْله: لَا تعجبي يَا سلم من رجل ... ... ... ... ... . . الْبَيْت
стр. 2377
مَعَ أَبْيَات ابْن مطير.
وَأنْشد بعده
الشَّاهِد السَّابِع عشر بعد الأربعمائة
(وَقد يخرج اليربوع من نافقائه ... وَمن جُحْره بالشّيحة اليتقصّع)
(يَقُول الخنى وَأبْغض الْعَجم ناطقاً ... إِلَى ربّنا صَوت الْحمار اليجدّع)
على أَن أل الموصولة قد وصلت بالمضارع فِي ضَرُورَة الشّعْر كَمَا فِي اليتقصع واليجدع ببنائهما للْمَفْعُول.
وهما من مَقْطُوعَة هِيَ سَبْعَة أَبْيَات لذِي الْخرق الطهوي قد شرحناها فِي أول شَاهد من شَوَاهِد الشَّرْح.
وَالْبَيْت الثَّانِي هُوَ ثَانِي الأبيات وَالْأول هُوَ خَامِسهَا. وَكَأَنَّهُ نقل الْبَيْتَيْنِ
من سر الصِّنَاعَة لِابْنِ جني فَإِنَّهُمَا كَذَا وَقعا فِيهِ وَالصَّوَاب أَيْضا فيستخرج اليربوع بِالْفَاءِ كَمَا مر.
وَقد ذكر الشَّارِح الْمُحَقق هُنَا أَن حق الْإِعْرَاب فِي نَحْو الضَّارِب والمضروب إِنَّمَا هُوَ ل أل الموصولة لَكِن لما كَانَت فِي صُورَة الْحَرْف نقل إعرابها إِلَى صلتها عَارِية كَمَا فِي إِلَّا بِمَعْنى غير.
وحقق أَن أَصلهمَا الضَّرْب وَالضَّرْب فكرهوا إِدْخَال اللَّام الاسمية المشابهة للحرفية لفظا وَمعنى على صُورَة الْفِعْل.
فَظَاهر هَذَا الْكَلَام أَن إعرابها ينْقل أَيْضا إِلَى صلتها إِذا كَانَ فعلا لِأَن عِلّة
стр. 2378
النَّقْل مَوْجُودَة بل وَلَو كَانَت الصِّلَة جملَة اسمية. وَعَلِيهِ فجملة: يجدع ويتقصع فِي مَحل جر على الوصفية للحمار.
فَإِن قلت: أل مَبْنِيَّة وَالْبناء يُقَابل الْإِعْرَاب فَأَي إِعْرَاب نقل مِنْهَا إِلَى مَا بعْدهَا قلت: أَرَادَ أَنَّهَا فِي مَحل لَو كَانَ بدلهَا مُعرب لظهر إعرابه فإعرابها محلي.
وَقد صرح ابْن هِشَام فِي تَذكرته أَن الْجُمْلَة الْوَاقِعَة صلَة لَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب تطرد فِيمَا عدا نَحْو قَوْله: إنّي لَك الينذر من نيرانها فاصطل وَقَوله: من الْقَوْم الرّسول الله مِنْهُم لِأَنَّهَا فِي هَذِه حَالَة مَحل الْمُفْرد المعرب من قَوْلك: الضَّارِب والمضروب.
وَبحث مثله الدماميني فِي شرح التسهيل فَقَالَ: أطْلقُوا القَوْل بِأَن جملَة الصِّلَة لَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب وَيَنْبَغِي أَن يسْتَثْنى من ذَلِك الْجُمْلَة الَّتِي تقع صلَة ل أل لِأَنَّهَا وَاقعَة موقع الْمُفْرد.)
وَتعقبه الشمني بِأَنا لَا نسلم أَن كل جملَة وَاقعَة موقع الْمُفْرد لَهَا مَحل من
الْإِعْرَاب وَإِنَّمَا ذَلِك للواقعة موقع الْمُفْرد بِالْأَصَالَةِ وَالْوَاقِع بعد أل لَيْسَ مُفردا بطرِيق الْأَصَالَة لأَنهم قَالُوا: إِن صلَة أل فعل فِي صُورَة الِاسْم وَلِهَذَا يعْمل
стр. 2379
بِمَعْنى الْمَاضِي وَلَو سلم فَإِنَّمَا ذَلِك للواقعة موقع الْمُفْرد الَّذِي لَهُ مَحل والمفرد الَّذِي هُوَ صلَة أل لَا مَحل لَهُ وَالْإِعْرَاب الَّذِي فِيهِ بطرِيق الْعَارِية من أل فَإِنَّهَا لما وعَلى هَذَا الْكَلَام أَيْضا يرد أَن عِلّة النَّقْل مَوْجُودَة.
وَقد خطر لي بِتَوْفِيق الله تَعَالَى مَا أَرْجُو أَن يكون سديداً وَهُوَ أَن أل لما كَانَت مَبْنِيَّة وَكَانَ الْوَصْف بعْدهَا من جِنْسهَا وَهُوَ الاسمية وَكَانَ صَالحا لظُهُور الْإِعْرَاب فِيهِ حَيْثُ كَانَ غير مَشْغُول بإعراب عَامل من حَيْثُ كَونه صلَة وَكَانَ الْغَرَض ظُهُور إعرابها الْمحلي نقل إعرابها إِلَى الْوَصْف على سَبِيل الْعَارِية.
وَفِي اليجدع لما كَانَ الْفِعْل مُخَالفا لَهَا فِي جِنْسهَا وَكَانَ مَشْغُولًا بإعراب عَامله وَهُوَ التجرد كَانَ غير صَالح لظُهُور إِعْرَاب آخر فِيهِ.
وَلَو نقل إعرابها إِلَى الْجُمْلَة لما كَانَ يظْهر لَفظهَا لكَونه غير صَالح لَهُ.
وَلَو نقلوه إِلَى محلهَا لنافى الْغَرَض وَكَانَ نقل إِعْرَاب مِمَّا لَا يظْهر فِيهِ إِلَى مَا لَا يظْهر فِيهِ وَهَذَا لَا وَجه لَهُ.
فَظهر الْفرق بَين نقل إعرابها إِلَى الْوَصْف دون الْمُضَارع وَالْجُمْلَة. وَللَّه الْحَمد والْمنَّة وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
وَأنْشد بعده
الشَّاهِد الثَّامِن عشر بعد الأربعمائة
(لعمري لأَنْت الْبَيْت أكْرم أَهله ... وأقعد فِي أفيائه بالأصائل)
стр. 2380
على أَن الْكُوفِيّين جوزوا أَن يكون الِاسْم الجامد الْمُعَرّف بِاللَّامِ مَوْصُولا كَمَا قَالُوا فِي هَذَا: إِن التَّقْدِير لأَنْت الَّذِي أكْرم أَهله لكنه مَوْصُول غير مُبْهَم كَسَائِر الْأَسْمَاء الموصولة. وَعند الْبَصرِيين اللَّام غير مَقْصُود قَصده والمضارع صفة لَهُ. وَفِيه أُمُور: الأول: كَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول: لأَنْت الْبَيْت الَّذِي أكْرم أَهله فَإِن صَنِيعه يُوهم أَن الْبَيْت عِنْد الْكُوفِيّين بِمَعْنى الَّذِي وَهُوَ بَاطِل لم يقل بِهِ أحد وَإِنَّمَا الْمَوْصُول مَفْهُوم من اسْم الْجِنْس الْمُعَرّف بِاللَّامِ إِذا وَقع بعده فعل أَو ظرف أَو مجرور.
الثَّانِي: قَوْله لكنه مَوْصُول غير مُبْهَم لم يَنْقُلهُ أحد عَنْهُم وَلَو كَانَ قَوْلهم لما رد بِهِ البصريون عَلَيْهِم كَمَا يَأْتِي.
الثَّالِث: كَون الْجَواب عِنْد الْبَصرِيين بِجعْل اللَّام للْجِنْس وَالْجُمْلَة المضارعية صفة للبيت غير منحصر فِيهِ عِنْدهم كَمَا يَأْتِي أَيْضا.
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف: ذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَن الِاسْم الْمُعَرّف بِاللَّامِ يُوصل كَالَّذي وَاسْتَدَلُّوا بقوله: لعمري لأَنْت الْبَيْت أكْرم أَهله ورد البصريون عَلَيْهِم بِأَنَّهُ لَا يجوز ذَلِك لِأَن الِاسْم الظَّاهِر يدل على معنى مَخْصُوص فِي نَفسه وَلَيْسَ كَالَّذي لِأَنَّهُ لَا يدل على معنى مَخْصُوص إِلَّا بصلَة توضحه لِأَنَّهُ مُبْهَم وَإِذا لم يكن فِي مَعْنَاهُ فَلَا يجوز أَن يُقَام مقَامه.
стр. 2381
وَأما الْبَيْت الْمَذْكُور فَلَا حجَّة لَهُم فِيهِ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون الْبَيْت خبر الْمُبْتَدَأ الَّذِي هُوَ أَنْت وَأكْرم خَبرا آخر.
وَالثَّانِي: أَن يكون الْبَيْت مُبْهما لَا يدل على مَعْهُود وأكر وَصفا لَهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ:
لأَنْت بَيت أكْرم أَهله كَمَا تَقول: إِنِّي لأمر بِالرجلِ غَيْرك وَمثلك وَخير مِنْك. انْتهى.
وَاقْتصر الْخفاف فِي شرح الْجمل على الخبرية فَقَالَ: لَا حجَّة لَهُم فِيهِ لاحْتِمَال أَن يكون خَبرا ثَانِيًا لأَنْت وَيكون قَوْله: أَنْت الْبَيْت تَعْظِيمًا لَهُ أَي: الْبَيْت الْمُعظم بِمَنْزِلَة قَوْلك: أَنْت الرجل أَي: الرجل الْعَظِيم.)
وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح سقط الزند: أكْرم أَهله عِنْد الْكُوفِيّين صلَة للبيت وَعند الْبَصرِيين جملَة فِي مَوضِع الْحَال أَو فِي مَوضِع خبر مُبْتَدأ مُضْمر كَأَنَّهُ قَالَ: أَنا أكْرم أَهله وَلَو ظهر النصب فِي هَذِه الْحَال لَقلت: مكرماً أَهله أَنا لِأَنَّهَا تصير حَالا جرت على غير من هِيَ لَهُ فَيلْزم ظُهُور الْفَاعِل الْمُضمر وَالْعَامِل فِي هَذِه الْحَال مَا فِي قَوْله: لأَنْت الْبَيْت من معنى التَّعْظِيم كَمَا أَن الْعَامِل يَا جارتا مَا أَنْت جَاره مَا فِي قَوْله: مَا أَنْت من معنى التَّعْظِيم. انْتهى.
وَأَجَازَ ابْن الْأَنْبَارِي أَن يكون أكْرم أَهله صلَة لموصول مَحْذُوف لَا للبيت كَأَنَّهُ قَالَ: لأَنْت الْبَيْت الَّذِي أكْرم أَهله لَكِن الْمَوْصُول حذف ضَرُورَة.
стр. 2382
وَهَذَا الْوَجْه جَار على مَذْهَب الْكُوفِيّين إِذْ يجيزون حذف الْموصل دون صلته فِي غير ضَرُورَة وَهَذَا يأباه البصريون.
قَالَ أَبُو عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر: لَا يجوز أَن تحذف الْمَوْصُول وَتَدَع الصِّلَة لِأَنَّهَا تذكر للتخصيص والإيضاح للموصول. وَنَظِيره: أَجْمَعُونَ فِي التوكيد لَا يجوز أَن تذكره وتحذف الْمُؤَكّد.
فَإِن قلت: لم لَا يكون كالصفة والموصوف فِي جَوَاز حذف الْمَوْصُوف وَذكر الصّفة قيل: لم تكن الصِّلَة كالوصف إِذا كَانَ مُفردا أَلا ترى أَن الْوَصْف إِذا كَانَ مُفردا كَانَ كالموصوف فِي الْإِفْرَاد وَإِذا كَانَ مثله جَازَ وُقُوعه مواقع الْمَوْصُوف من حَيْثُ كَانَ مُفردا مثله مَعَ استقباح لذَلِك.
فَأَما الصِّلَة فَلَا تقع مواقع الْمُفْرد من حَيْثُ كَانَت جملا كَمَا لم يجز أَن تبدل الْجُمْلَة من الْمُفْرد من حَيْثُ كَانَ الْبَدَل فِي تَقْدِير تَكْرِير الْعَامِل وَالْعَامِل فِي الْمُفْرد لَا يعْمل فِي لفظ الْجُمْلَة.
فَأَما من تَأَول قَوْله: لعمري لأَنْت الْبَيْت أكْرم أَهله على تَقْدِير: لأَنْت الْبَيْت الَّذِي أكْرم أَهله وَحذف الْمَوْصُول فَلَيْسَ فِي الْبَيْت دلَالَة على هَذَا الَّذِي تَأَوَّلَه وَذَلِكَ أَنه يجوز أَن يكون أكْرم أَهله جملَة مستأنفة معطوفة على الأولى وَلم يحْتَج إِلَى حرف الْعَطف لما فِي الثَّانِيَة من ذكر مَا فِي الأولى كَقَوْلِه تَعَالَى: أُولَئِكَ أصحابُ النَّار هُم فِيهَا خالدُون.
وَيجوز أَن يكون قَوْله: لأَنْت الْبَيْت على جِهَة التَّعْظِيم فَأجرى عَلَيْهِ اسْم الْجِنْس لهَذَا كَمَا تَقول: أَنْت الرجل تُرِيدُ بِهِ الْكَمَال وَالْجَلد فَكَذَلِك يكون المُرَاد بِالْبَيْتِ.
أَلا ترى أَنهم قد يَقُولُونَ: لَهُ بَيت وَشرف: وَإِذا كَانَ كَذَلِك جَازَ أَن يكون أكْرم أَهله فِي مَوضِع)
حَال مِمَّا فِي الْبَيْت من معنى الْفِعْل كَمَا أَن علما فِي قَوْلك: أَنْت الرجل علما وفهماً
стр. 2383
ينْتَصب عَمَّا فِي الرجل من معنى الْكَمَال. وكما أَن جَارة فِي قَوْله: يَا جارتا مَا أَنْت جَاره ينْتَصب عَمَّا فِي مَا أَنْت من معنى التَّعْظِيم كَأَنَّهُ قَالَ: كملت فِي جال علمك وبذك غَيْرك.
فَإِن قلت: فَهَل يجوز أَن يكون الْبَيْت بَدَلا من أَنْت وَيكون أكْرم فِي مَوضِع خبر
الْمُبْتَدَأ كَأَنَّهُ قَالَ: إِذا أبدل الْبَيْت من أَنْت: أَنْت أكْرم أَهله أَو الْبَيْت أكْرم أَهله قلت: إِن قِيَاس قَول سِيبَوَيْهٍ عِنْدِي أَنه لَا يجوز هَذَا.
أَلا ترى أَنه لم يجز فِي قَوْلهم: بِي الْمِسْكِين كَانَ الْأَمر بدل الْمِسْكِين من الْيَاء. وَإِنَّمَا لم يجز ذَلِك لِأَن الْبَدَل إِنَّمَا يذكر لضرب من التَّبْيِين فَإِذا لم يفد ذَلِك لم يستجز.
والمتكلم فِي غَايَة التَّخْصِيص والتبيين فَلم يحْتَج لذَلِك فِيهِ إِلَى بدل وَإِذا كَانَ كَذَلِك فالمخاطب فِي هَذَا كالمتكلم. انْتهى كَلَام أبي عَليّ ولكثرة فَوَائده نَقَلْنَاهُ بجملته.
وَقَوله: لعمري اللَّام للابتداء وعمري: مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره قسمي. أقسم بعمره.
وَجُمْلَة: لأَنْت الْبَيْت الخ جَوَاب الْقسم. وَأكْرم فعل مضارع وَأَهله مفعول.
стр. 2384
وَكتب بعض من عاصرناه فِي حَاشِيَته على شرح الْقطر للفاكهي: كَأَن الدَّاعِي للكوفيين على جعل الْبَيْت اسْما مَوْصُولا أَنه لَا يَصح الْإِخْبَار بِهِ عَن أَنْت على الظَّاهِر بجعله اسْما مُعَرفا بأل.
وَيُمكن أَن يُجَاب بِأَنَّهُ على حذف مُضَاف أَي: أَنْت صَاحب الْبَيْت وَنَحْوه.
وَقَوله: أكْرم فعل مضارع لِأَن الصِّلَة لَا تكون إِلَّا جملَة. فَمَا فِي بعض النّسخ من ضَبطه على صِيغَة أفعل التَّفْضِيل وإضافته إِلَى أَهله لَيْسَ كَمَا يَنْبَغِي. هَذَا كَلَامه.
وَهُوَ من ضيق العطن وَعدم الِاطِّلَاع على الْمَعْنى فَإِن الْبَيْت مُسْتَعْمل فِي حَقِيقَته وَالْخطاب لَهُ فَإِن الشَّاعِر وَهُوَ أَبُو ذُؤَيْب الْهُذلِيّ.
وَتَقَدَّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالسِّتِّينَ بعد أَن تغزل بِأَبْيَات خَاطب دَار حبيبته.
قَالَ الإِمَام المرزوقي فِي شرح أشعار الهذليين: قَوْله: لعمري لأَنْت الْبَيْت الخ هَذَا رُجُوع من أبي ذُؤَيْب إِلَى ذكر الْبَيْت لتعظيم شَأْن أَهله. وَأَشَارَ بقوله: وأقعد فِي أفيائه إِلَى مَا كَانَ يَنَالهُ مِنْهُم فيدوم لذَلِك ملازمته لَهُ وحبه وإكرامه لسكانه.
قَالَ: ويروى: وأجلس فِي أفيائه. وَلَا فضل بَين أقعد وأجلس فِي الْمَعْنى وَإِن كَانَ لكل مِنْهُمَا من)
التَّصَرُّف مَا يستبد بِهِ دون صَاحبه.
أَلا ترى أَنه لَا يُقَال مَعَ الْقيام إِلَّا الْقعُود وَأَنه يُقَال للزمن: هُوَ مقْعد وَبِه قعاد وَلَا يبْنى لَهُ من الْجُلُوس
стр. 2385
مثل ذَلِك وَأَنه حُكيَ عَن أَعْرَابِي يصف رجلا: هُوَ كريم النّحاس جميل الْجلاس.
وَيُقَال: فلَان الجليس بِمَعْنى النديم وهم جلساء الْملك. وَلم يكثر لهَذَا الْمَعْنى مثل هَذَا الْبناء من الْقعُود وَإِن كَانَ الْخَلِيل قد حكى: قعيد الرجل: جليسه. ونظائر هَذَا فِي اللُّغَة كَثِيرَة.
وَالْبَيْت من قصيدة عدتهَا أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ بَيْتا فَلَا بَأْس أَن تشرح فَإِن فِيهَا شَوَاهِد وَهِي هَذِه: الطَّوِيل
(أساءلت رسما الدّار أم لم تسائل ... عَن السّكن أم عَن عَهده بالأوائل)
(لمن طللٌ بالمنتضى غير حَائِل ... عَفا بعد عهدٍ من قطارٍ ووابل)
(عَفا بعد عهد الحيّ مِنْهُم وَقد يرى ... بِهِ دعس آثَار ومبرك جامل)
(وإنّ حَدِيثا مِنْك لَو تبذلينه ... جنى النّحل فِي ألبان عوذٍ مطافل)
(مطافيل أبكارٍ حديثٍ نتاجها ... يشاب بماءٍ مثل مَاء المفاصل)
...
следующие страницы →