← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

وَأما الْبَيْت الْمَذْكُور فَلَا حجَّة لَهُم فِيهِ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون الْبَيْت خبر الْمُبْتَدَأ الَّذِي هُوَ أَنْت وَأكْرم خَبرا آخر. وَالثَّانِي: أَن يكون الْبَيْت مُبْهما لَا يدل على مَعْهُود وأكر وَصفا لَهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ: لأَنْت بَيت أكْرم أَهله كَمَا تَقول: إِنِّي لأمر بِالرجلِ غَيْرك وَمثلك وَخير مِنْك. انْتهى. وَاقْتصر الْخفاف فِي شرح الْجمل على الخبرية فَقَالَ: لَا حجَّة لَهُم فِيهِ لاحْتِمَال أَن يكون خَبرا ثَانِيًا لأَنْت وَيكون قَوْله: أَنْت الْبَيْت تَعْظِيمًا لَهُ أَي: الْبَيْت الْمُعظم بِمَنْزِلَة قَوْلك: أَنْت الرجل أَي: الرجل الْعَظِيم.) وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح سقط الزند: أكْرم أَهله عِنْد الْكُوفِيّين صلَة للبيت وَعند الْبَصرِيين جملَة فِي مَوضِع الْحَال أَو فِي مَوضِع خبر مُبْتَدأ مُضْمر كَأَنَّهُ قَالَ: أَنا أكْرم أَهله وَلَو ظهر النصب فِي هَذِه الْحَال لَقلت: مكرماً أَهله أَنا لِأَنَّهَا تصير حَالا جرت على غير من هِيَ لَهُ فَيلْزم ظُهُور الْفَاعِل الْمُضمر وَالْعَامِل فِي هَذِه الْحَال مَا فِي قَوْله: لأَنْت الْبَيْت من معنى التَّعْظِيم كَمَا أَن الْعَامِل يَا جارتا مَا أَنْت جَاره مَا فِي قَوْله: مَا أَنْت من معنى التَّعْظِيم. انْتهى. وَأَجَازَ ابْن الْأَنْبَارِي أَن يكون أكْرم أَهله صلَة لموصول مَحْذُوف لَا للبيت كَأَنَّهُ قَالَ: لأَنْت الْبَيْت الَّذِي أكْرم أَهله لَكِن الْمَوْصُول حذف ضَرُورَة.

стр. 2382

وَهَذَا الْوَجْه جَار على مَذْهَب الْكُوفِيّين إِذْ يجيزون حذف الْموصل دون صلته فِي غير ضَرُورَة وَهَذَا يأباه البصريون. قَالَ أَبُو عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر: لَا يجوز أَن تحذف الْمَوْصُول وَتَدَع الصِّلَة لِأَنَّهَا تذكر للتخصيص والإيضاح للموصول. وَنَظِيره: أَجْمَعُونَ فِي التوكيد لَا يجوز أَن تذكره وتحذف الْمُؤَكّد. فَإِن قلت: لم لَا يكون كالصفة والموصوف فِي جَوَاز حذف الْمَوْصُوف وَذكر الصّفة قيل: لم تكن الصِّلَة كالوصف إِذا كَانَ مُفردا أَلا ترى أَن الْوَصْف إِذا كَانَ مُفردا كَانَ كالموصوف فِي الْإِفْرَاد وَإِذا كَانَ مثله جَازَ وُقُوعه مواقع الْمَوْصُوف من حَيْثُ كَانَ مُفردا مثله مَعَ استقباح لذَلِك. فَأَما الصِّلَة فَلَا تقع مواقع الْمُفْرد من حَيْثُ كَانَت جملا كَمَا لم يجز أَن تبدل الْجُمْلَة من الْمُفْرد من حَيْثُ كَانَ الْبَدَل فِي تَقْدِير تَكْرِير الْعَامِل وَالْعَامِل فِي الْمُفْرد لَا يعْمل فِي لفظ الْجُمْلَة. فَأَما من تَأَول قَوْله: لعمري لأَنْت الْبَيْت أكْرم أَهله على تَقْدِير: لأَنْت الْبَيْت الَّذِي أكْرم أَهله وَحذف الْمَوْصُول فَلَيْسَ فِي الْبَيْت دلَالَة على هَذَا الَّذِي تَأَوَّلَه وَذَلِكَ أَنه يجوز أَن يكون أكْرم أَهله جملَة مستأنفة معطوفة على الأولى وَلم يحْتَج إِلَى حرف الْعَطف لما فِي الثَّانِيَة من ذكر مَا فِي الأولى كَقَوْلِه تَعَالَى: أُولَئِكَ أصحابُ النَّار هُم فِيهَا خالدُون. وَيجوز أَن يكون قَوْله: لأَنْت الْبَيْت على جِهَة التَّعْظِيم فَأجرى عَلَيْهِ اسْم الْجِنْس لهَذَا كَمَا تَقول: أَنْت الرجل تُرِيدُ بِهِ الْكَمَال وَالْجَلد فَكَذَلِك يكون المُرَاد بِالْبَيْتِ. أَلا ترى أَنهم قد يَقُولُونَ: لَهُ بَيت وَشرف: وَإِذا كَانَ كَذَلِك جَازَ أَن يكون أكْرم أَهله فِي مَوضِع) حَال مِمَّا فِي الْبَيْت من معنى الْفِعْل كَمَا أَن علما فِي قَوْلك: أَنْت الرجل علما وفهماً

стр. 2383

ينْتَصب عَمَّا فِي الرجل من معنى الْكَمَال. وكما أَن جَارة فِي قَوْله: يَا جارتا مَا أَنْت جَاره ينْتَصب عَمَّا فِي مَا أَنْت من معنى التَّعْظِيم كَأَنَّهُ قَالَ: كملت فِي جال علمك وبذك غَيْرك. فَإِن قلت: فَهَل يجوز أَن يكون الْبَيْت بَدَلا من أَنْت وَيكون أكْرم فِي مَوضِع خبر الْمُبْتَدَأ كَأَنَّهُ قَالَ: إِذا أبدل الْبَيْت من أَنْت: أَنْت أكْرم أَهله أَو الْبَيْت أكْرم أَهله قلت: إِن قِيَاس قَول سِيبَوَيْهٍ عِنْدِي أَنه لَا يجوز هَذَا. أَلا ترى أَنه لم يجز فِي قَوْلهم: بِي الْمِسْكِين كَانَ الْأَمر بدل الْمِسْكِين من الْيَاء. وَإِنَّمَا لم يجز ذَلِك لِأَن الْبَدَل إِنَّمَا يذكر لضرب من التَّبْيِين فَإِذا لم يفد ذَلِك لم يستجز. والمتكلم فِي غَايَة التَّخْصِيص والتبيين فَلم يحْتَج لذَلِك فِيهِ إِلَى بدل وَإِذا كَانَ كَذَلِك فالمخاطب فِي هَذَا كالمتكلم. انْتهى كَلَام أبي عَليّ ولكثرة فَوَائده نَقَلْنَاهُ بجملته. وَقَوله: لعمري اللَّام للابتداء وعمري: مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره قسمي. أقسم بعمره. وَجُمْلَة: لأَنْت الْبَيْت الخ جَوَاب الْقسم. وَأكْرم فعل مضارع وَأَهله مفعول.

стр. 2384

وَكتب بعض من عاصرناه فِي حَاشِيَته على شرح الْقطر للفاكهي: كَأَن الدَّاعِي للكوفيين على جعل الْبَيْت اسْما مَوْصُولا أَنه لَا يَصح الْإِخْبَار بِهِ عَن أَنْت على الظَّاهِر بجعله اسْما مُعَرفا بأل. وَيُمكن أَن يُجَاب بِأَنَّهُ على حذف مُضَاف أَي: أَنْت صَاحب الْبَيْت وَنَحْوه. وَقَوله: أكْرم فعل مضارع لِأَن الصِّلَة لَا تكون إِلَّا جملَة. فَمَا فِي بعض النّسخ من ضَبطه على صِيغَة أفعل التَّفْضِيل وإضافته إِلَى أَهله لَيْسَ كَمَا يَنْبَغِي. هَذَا كَلَامه. وَهُوَ من ضيق العطن وَعدم الِاطِّلَاع على الْمَعْنى فَإِن الْبَيْت مُسْتَعْمل فِي حَقِيقَته وَالْخطاب لَهُ فَإِن الشَّاعِر وَهُوَ أَبُو ذُؤَيْب الْهُذلِيّ. وَتَقَدَّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالسِّتِّينَ بعد أَن تغزل بِأَبْيَات خَاطب دَار حبيبته. قَالَ الإِمَام المرزوقي فِي شرح أشعار الهذليين: قَوْله: لعمري لأَنْت الْبَيْت الخ هَذَا رُجُوع من أبي ذُؤَيْب إِلَى ذكر الْبَيْت لتعظيم شَأْن أَهله. وَأَشَارَ بقوله: وأقعد فِي أفيائه إِلَى مَا كَانَ يَنَالهُ مِنْهُم فيدوم لذَلِك ملازمته لَهُ وحبه وإكرامه لسكانه. قَالَ: ويروى: وأجلس فِي أفيائه. وَلَا فضل بَين أقعد وأجلس فِي الْمَعْنى وَإِن كَانَ لكل مِنْهُمَا من) التَّصَرُّف مَا يستبد بِهِ دون صَاحبه. أَلا ترى أَنه لَا يُقَال مَعَ الْقيام إِلَّا الْقعُود وَأَنه يُقَال للزمن: هُوَ مقْعد وَبِه قعاد وَلَا يبْنى لَهُ من الْجُلُوس

стр. 2385

مثل ذَلِك وَأَنه حُكيَ عَن أَعْرَابِي يصف رجلا: هُوَ كريم النّحاس جميل الْجلاس. وَيُقَال: فلَان الجليس بِمَعْنى النديم وهم جلساء الْملك. وَلم يكثر لهَذَا الْمَعْنى مثل هَذَا الْبناء من الْقعُود وَإِن كَانَ الْخَلِيل قد حكى: قعيد الرجل: جليسه. ونظائر هَذَا فِي اللُّغَة كَثِيرَة. وَالْبَيْت من قصيدة عدتهَا أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ بَيْتا فَلَا بَأْس أَن تشرح فَإِن فِيهَا شَوَاهِد وَهِي هَذِه: الطَّوِيل (أساءلت رسما الدّار أم لم تسائل ... عَن السّكن أم عَن عَهده بالأوائل) (لمن طللٌ بالمنتضى غير حَائِل ... عَفا بعد عهدٍ من قطارٍ ووابل) (عَفا بعد عهد الحيّ مِنْهُم وَقد يرى ... بِهِ دعس آثَار ومبرك جامل) (وإنّ حَدِيثا مِنْك لَو تبذلينه ... جنى النّحل فِي ألبان عوذٍ مطافل) (مطافيل أبكارٍ حديثٍ نتاجها ... يشاب بماءٍ مثل مَاء المفاصل) ...

стр. 2386

(رَآهَا الْفُؤَاد فاستضلّ ضلاله ... نيافاً من الْبيض الحسان العطابل) (فَإِن وصلت حَبل الصّفاء فدم لَهَا ... وَإِن صرمته فَانْصَرف عَن تجامل) لعمري لأَنْت الْبَيْت أكْرم أَهله ... ... ... ... الْبَيْت (وَمَا ضربٌ بَيْضَاء يأوي مليكها ... إِلَى طنفٍ أعيا براقٍ ونازل) (تهال الْعقَاب أَن تمرّ بريده ... وَتَرْمِي دروءٌ دونه بالأجادل) (تنمّى بهَا اليعسوب حتّى أقرّها ... إِلَى مألفٍ رحب المباءة عاسل) (فَلَو كَانَ حبلاً من ثَمَانِينَ قامةً ... وَتِسْعين باعاً نالها بالأنامل) (تدلّى عَلَيْهَا بالحبال موثّقاً ... شَدِيد الوصاة نابلٌ وَابْن نابل) (إِذا لسعته النّحل لم يرج لسعها ... وحالفها فِي بَيت نوبٍ عوامل) ...

стр. 2387

(فحطّ عَلَيْهَا والضّلوع كَأَنَّهَا ... من الْخَوْف أَمْثَال السّهام النّواصل) (فشرّجها من نطفةٍ رجبيّةٍ ... سلاسلةٍ من ماءٍ لصبٍ سلاسل) (بماءٍ شنان زعزعت مَتنه الصّبا ... وجادت عَلَيْهِ ديمةٌ بعد وابل) (ويأشبني فِيهَا الألاء يلونها ... وَلَو علمُوا لم يأشبوني بطائل)) (وَلم أنّ مَا عِنْد ابْن بجرة عِنْدهَا ... من الْخمر لم تبلل لهاتي بناطل) (فَتلك الَّتِي لَا يبرح الْقلب حبّها ... وَلَا ذكرهَا مَا أرزمت أمّ حَائِل) (وحتّى يؤوب القارظان كِلَاهُمَا ... وينشر فِي الهلكي كليبٌ لِوَائِل) قَوْله: أساءلت رسم الدَّار الخ المساءلة: مفاعلة تكون من اثْنَيْنِ وَهَذَا اتساع على عَادَتهم. والسكن: جمع سَاكن مثل تَاجر وتجر. وَتَقْدِيره أساءلت رسم الدَّار عَن السكن أم عَن عَهده بالوائل أم لم تسائل إِذا جعلت عَن السكن مُتَعَلقَة بِالْفِعْلِ الأول. خَاطب نَفسه على طَرِيق التحزن والتوجع

стр. 2388

فَقَالَ: أباحثت رسم الدَّار فَمَا وقفت عَلَيْهَا عَن أَخْبَار سكانها كَيفَ انتقلوا وَإِلَى ايْنَ صَارُوا أَو عَن مُدَّة عَهده بهم ومذ كم ارتحلوا وَمَتى سَارُوا أَو لَا. وَالسُّؤَال عَن السكن أنفسهم غير السُّؤَال عَن مُدَّة الْعَهْد بهم فَلهَذَا فرق. والأوائل هم السكن وَلَكِن فخم شَأْنهمْ بِأَن أعَاد اسمهم الظَّاهِر وَلم يقل عَن عَهده بهم ودعته القافية إِلَيْهِ أَيْضا. وَحسن ذَلِك لما لم يهجنه التكرير اخْتِلَافهمَا. وَيجوز أَن يُرِيد بالسكن الْوَحْش الَّتِي استبدلتها من قطانها قبل وَتلك الْحَالة من الدَّار مِمَّا يزِيد (يعزّ عليّ أَن يرى عوض الدّمى ... بحافاته هامٌ وبومٌ وهجرس) وَقَوله: لمن طلل الخ هَذَا وَجه آخر من التحزّن كَأَنَّهُ استنكر أَن تكون دَارهم بالحالة الَّتِي رَآهَا فَجعل سُؤَاله سُؤال من لَا يثبتها تَعْظِيمًا لِلْأَمْرِ. والمنتصي: ملتقى الواديين حَيْثُ يناصي أَحدهمَا صَاحبه. وَقَالَ الْبَاهِلِيّ: المنتصي: مَوضِع. وروى أَبُو عَمْرو: المنتضي بالضاد مُعْجمَة وَقَالَ: هُوَ مَوضِع. وَقَوله: غير حَائِل قَالَ الْبَاهِلِيّ: أَرَادَ عَفا بعد عهد من قطار ووابل وَلم يمر حول. وَالْمَشْهُور أَن يُقَال: أحَال الشَّيْء. إِذا أى عَلَيْهِ حول إِلَّا أَن بَعضهم حكى أَن حَال لُغَة فِيهِ. وَيجوز أَن يكون حَائِل بِمَعْنى متغير يُقَال: حَال الشَّيْء واحتال إِذا تغير كَأَنَّهُ كَانَ دارس الْبَعْض بَاقِي الْبَعْض فَلم يعد ذَلِك تغيراً كَامِلا وَمَتى كَانَت الرسوم بِهَذِهِ الصّفة ذكرت العهود أَشد وجددت الغموم أجد. وَلذَلِك تمنى بعض الشُّعَرَاء شُمُول الدُّرُوس عَلَيْهَا ليستريح مِنْهَا فَقَالَ: الوافر (أَلا لَيْت الْمنَازل قد بلينا ... فَلَا يرمين عَن شزن حَزينًا)

стр. 2389

وَقَوله: بعد عهد يجوز أَن يريج بعد إِلْمَام وَيجوز أَن يكون مصدر عهِدت الرَّوْضَة إِذا أَتَى عَلَيْهَا الْعَهْد وَهُوَ كل مطر بعد مطر وَجمعه عهاد. وَقَوله: عَفا بعد عهد الْحَيّ الخ ابْتَدَأَ يبين كَيفَ عَفا وَالْمعْنَى: عَفا الطلل وَالْمَكَان بعد أَن كَانَ للحي فِيهِ عهد. والعهد: الْمنزل الَّذِي لَا يزالون إِذا بعدوا عَنهُ يرجعُونَ إِلَيْهِ كَأَنَّهُمْ تركُوا النُّزُول بِهِ وفارقوه فَعَفَا يُرِيد عَفا مِنْهُم بعد عَهدهم أَي: بعد أَن كَانُوا يعهدونه وَقد بَقِي من آثَارهم ومبارك إبلهم مَا يسْتَدلّ بِهِ على أَنه ربعهم. والدعس: شدَّة الْوَطْء. وَقَالَ أَبُو نصر: هُوَ تتَابع الْآثَار. والجامل: اسْم للْجمع يَقع على الذُّكُور وَالْإِنَاث كَالْإِبِلِ وَإِن كَانَ من لفظ الْجمل. وَقَوله: عَفا غير نؤي الخ عفت آثَار الدَّار وانمحت إِلَّا نؤياً لَا يستبان مِنْهَا وأقطاعاً من خوص الْمقل تمزقت لقدمها فتفرقت فِي الساحات وَكَثُرت بترديد الرِّيَاح لَهَا. . والنؤي: حاجز يمْنَع بِهِ السَّيْل عَن الْبَيْت والطفي واحدتها طفية. وَمعنى عَفا: درس. وعفت فِي المعاقل: كثرت. وَهَذَا من الأضداد يُقَال: عَفا الْمَكَان إِذا درس عفاءً وعفواً وعفته الرِّيَاح عفاء وعفواً. وَعَفا الشَّيْء عفوا: كثر وعفوته أَنا. والمعاقل: جمع المعقل وَهُوَ هَا هُنَا الْمنزل الَّذِي نزلوه وحفظوا مَا لَهُم فِيهِ. وَالْعقل: الْحِفْظ. وَقَوله: وَإِن حَدِيثا مِنْك الخ ترك وصف الدَّار ودروسها وَعطف إِلَى خطابها يغازلها. يَقُول: إِن حلاوة حَدِيثك لَو تفضلت بِهِ حلاوة الْعَسَل مشوباً

стр. 2390

بِاللَّبنِ. والجنى أَصله الثَّمر المجتنى فاستعاره. والعوذ: الحديثات النِّتَاج وَاحِدهَا عَائِذ. ومطافل: جمع مطفل وَهِي الَّتِي مَعهَا طفلها. وَإِنَّمَا نكر قَوْله حَدِيثا مِنْك ليبين أَن موقع كَلَامهَا مِنْهُ على كل وَجه ذَلِك الْموقع. وَدلّ بقوله: لَو تبذلينه على تمنعها وَتعذر ذَلِك من جِهَتهَا. وَقَوله: مطافيل أبكار الخ مطافيل بدل من قَوْله عوذ مطافل وَأَشْبع فِي الْفَاء للزومها فَحدثت الْيَاء. والأبكار: الَّتِي وضعت بَطنا وَاحِدًا لِأَن ذَلِك أول نتاجها فَهِيَ أبكار وَأَوْلَادهَا أبكار ولبنها أطيب وأشهى فَلذَلِك خصّه وَجعله مزاجاً. ويشاب صفة لألبان أَي: مشوبة بِمَاء متناه فِي الصفاء. وَقيل فِي المفاصل إِنَّهَا الْمَوَاضِع الَّتِي ينْفَصل فِيهَا السهل من الْجَبَل حَيْثُ يكون الرضراض فَيَنْقَطِع المَاء بِهِ ويصفو إِذا جرى فِيهِ.) وَهَذَا قَول الْأَصْمَعِي وَأبي عَمْرو. وَاعْترض عَلَيْهِ فَقيل: هلا قَالَ بِمَاء من مياه المفاصل وَمَاله يُشبههُ بِهِ وَلَا يَجعله مِنْهُ فَقيل: هَذَا كَمَا يُقَال مثل فلَان لَا يفعل كَذَا وَالْمرَاد أَنه فِي نَفسه لَا يفعل لِأَنَّهُ أثبت لَهُ مثل يَنْتَفِي ذَلِك عَنهُ. أَلا ترى أَنه لَو جعل ذَلِك لنظيره لَكَانَ الْمَدْح لَا يعلق بِهِ وَقد علم أَن الْقَصْد إِلَى مدح. وعَلى هَذَا قد حمل قَوْله تَعَالَى: لَيْسَ كمثله شَيْء. وَقَالَ أَبُو نصر: أَرَادَ بالمفاصل مفاصل الْجَبَل حَيْثُ يقطر الوشل وَذَلِكَ أصفى من مياه المناقع والعيون. وَقيل: أَرَادَ يشاب بِمَاء كالدمع صفاء فالمفاصل شؤون الرَّأْس وَهِي تسمى مفاصل ومواصل والدمع مِنْهَا يخرج. وَهَذَا كَمَا يُقَال: جئْتُك بخمرة كَمَاء الْعين وأصفى من الدمع فالتشبيه حَاصِل فِي هَذَا الْوَجْه وَهُوَ عِنْدِي حسن وَالْمرَاد بِمَاء

стр. 2391

الْعين الدمع لَا غير. وَقَالَ أَبُو سعيد: مَاء المفاصل الدَّم وَأَرَادَ بِالْمَاءِ الْخمر وَشبههَا بِهِ. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: مَاء المفاصل مَاء اللَّحْم الَّتِي شبه حمرته بحمرته. وعهدة هذَيْن الْقَوْلَيْنِ عَلَيْهِمَا. وَقَوله: رَآهَا الْفُؤَاد الخ أضَاف الرُّؤْيَة إِلَى الْفُؤَاد تَحْقِيقا لِلْأَمْرِ لِأَن الْعين رائد الْقلب فَكَأَنَّهَا أدْركْت بِالْعينِ أَولا ثمَّ تؤولت بالفكر فِي محاسنها ثَانِيًا فَتمكن الْحبّ بِإِعَادَة النّظر وَبسط الْفِكر. وَقَوله: فاستضل ضلاله قَالَ الْأَصْمَعِي: هُوَ كَمَا يُقَال: جن جُنُونه. وكشف هَذَا أَن للنَّفس شَهْوَة فِي المستحسنات قد تضل بهَا عِنْدهَا فتسمى تِلْكَ الشَّهْوَة ضلالا لكَونهَا سَببا فِيهِ ثمَّ إِذا غلب عَلَيْهَا شَيْء يستتبع تِلْكَ الشَّهْوَة قيل استضل ضلال فلَان أَي: طلب مِنْهُ أَن يضل فضل. وَقَالَ بَعضهم: أَرَادَ استزيد ضلاله أَي: زيد ضلاله ضلالا كَأَنَّهُ لما تفكر فِي محاسنها وَقَالَ الْأَخْفَش: هَذَا كَمَا يُقَال: خرجت خوارجه وَالْمعْنَى دواخله فسماها بِمَا آلت بِهِ فَكَذَلِك أَرَادَ استضل رشاده فَقَالَ: ضلاله لرجوعه إِلَيْهِ. وَمثله: الْبَسِيط يدعونَ حمساً وَلم يرتع لَهُم فزع أَي: لم يرتع أَمنهم. وَهَذَا كثير. وَقَوله: نيافاً نصب على الْحَال. والنياف: الطَّوِيلَة المشرفة وَمِنْه أناف على كَذَا أَي: أشرف. والعطابل: جمع عطبول بِحَذْف الزِّيَادَة مِنْهُ كَأَنَّهُ كَانَ عطبلاً وَهِي الطَّوِيلَة الْأَعْنَاق.) وَقَوله: فَإِن وصلت حَبل الخ يسْأَل عَن موقع هَذَا الْكَلَام مِمَّا قبله وَعَن زهده المسرف فِي هَذَا الْبَيْت بعد ضلاله المفرط فِي الْبَيْت الْمُتَقَدّم وَكَيف

стр. 2392

وَجه التئامهما على تقاربهما وَهل يجوز أَن يتجلد فِي هَذَا ثمَّ يَقُول بعقبه: لعمري لأَنْت الْبَيْت أكْرم أَهله وَالْجَوَاب أَن هَذَا وفْق مَا تقدمه وَغير مُخَالف لَهُ لكنه أظهر الاستسلام لَهَا ولرأيها فَإِن وصلت حبله دَامَ على مصافاتها لَا يُشْرك أحدا فِي ودها وَإِن صرمت وده وقف عِنْد محدودها فِي الِانْصِرَاف ومرسومها لَا يسْتَعْمل مُنْكرا وَلَا يتعاطى رفثاً وَلَا هجراً. وَهَذَا من الْآدَاب المحمودة فِيمَا يجْرِي عَلَيْهِ المتحابان. وَيدل على مَا قُلْنَا إِن أَبَا ذُؤَيْب أَمر نَفسه بالدوام إِن رَأَتْ الْوَصْل والدوام على الْوَصْل زِيَادَة عَلَيْهِ وثبات فِيهِ وبالانصراف عَنْهَا على أجمله إِن رَأَتْ الصرم إِلَى أَن ترى غَيره. وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَمَا أظهر زهداً فِيهَا. وَقَوله: وَمَا ضرب بَيْضَاء الخ عاود وصف الْمَرْأَة. وَالضَّرْب: الشهدة وَيُقَال: استضرب الْعَسَل إِذا خثر فصلب. وَهُوَ ضرب وضريب. وَالْعَسَل فِي لغتهم مُؤَنّثَة فَلذَلِك قَالَ بَيْضَاء. وَقَوله: يأوي مليكها أَرَادَ بِهِ اليعسوب وَهُوَ قَائِد النَّحْل وأضاف المليك إِلَى الْعَسَل توسعاً وَإِنَّمَا هُوَ مليك النَّحْل المعسلة. والطنف بِفَتْح الطَّاء وَضمّهَا: حيد نَادِر من الْجَبَل. وَالْمعْنَى: مَا عسل بَيْضَاء يأوي نحلهَا إِلَى أنف من الْجَبَل يعيي الراقي إِلَيْهِ والنازل مِنْهُ. وَقَوله: تهال الْعقَاب الخ قَالَ الْبَاهِلِيّ: الريد: شِمْرَاخ فِي الْجَبَل. وَقَالَ أَبُو نصر: الريد: مَا نتأ من الْجَبَل فَخرج مِنْهُ حرف. والدروء: جمع الدرء وَهُوَ الحيد يدْفع مَا يلاقيه. وَمِنْه تدارأ الرّجلَانِ إِذا تدافعا. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: هُوَ الْأنف المعوج. وَالْمعْنَى: أَن ذَلِك الْجَبَل تهاب الْعقَاب من الْمُرُور بحرفه لإشرافه وعلوه واعوجاج أَطْرَافه وأنوفه.

стр. 2393

وَقَوله: تنمى بهَا اليعسوب الخ ضمير بهَا للنحل وَلم يجر لَهَا ذكر لِأَنَّهُ يسْتَدلّ عَلَيْهَا بالقصة. يَعْنِي أَن اليعسوب يرْتَفع بالنحل حَتَّى يسكنهَا فِي مجمع لَهَا ألفته وَاسع ذِي عسل. وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَن النَّحْل تتبع قائدها فتطير بطيرانه وَترجع بِرُجُوعِهِ. والمباءة: مرجع الْإِبِل ومبيتها الَّذِي تتبوأ فِيهِ وتأوي إِلَيْهِ فاستعاره هَا هُنَا. وَقَوله: أقرها إِلَى مألف عداهُ بإلى لِأَنَّهُ فِي معنى آواها وألجأها وهم يحملون النظير فِي التَّعْدِيَة) على النظير والنقيض على النقيض كثيرا. وَقَوله: فَلَو كَانَ حبلاً من ثَمَانِينَ الْبَيْتَيْنِ الضَّمِير الْمُؤَنَّث فِي نالها وَعَلَيْهَا للخلية المفهومة من الْمقَام وفاعل نالها. شَدِيد الوصاة وَجُمْلَة تدلى: حَال بِتَقْدِير قد وَالتَّقْدِير: نالها بالأنامل شَدِيد الوصاة نابل وَابْن نابل متدلياً عَلَيْهَا بالحبال. وَيكون موثقًا حَالا من الضَّمِير فِي تدلى. وَيجوز أَن تكون جملَة تدلى اعتراضاً بَين الْفِعْل وَالْفَاعِل وَيحسن الِاعْتِرَاض أَنه تَفْسِير لنيل المشتار للعسل كَيفَ كَانَ وعَلى أَي وَجه توصل. وروى تَقْدِيم بَيت تدلى عَلَيْهَا على بَيت فَلَو كَانَ حبلاً وَبِه يحسن الانتظام وَيصير قَوْله فَلَو كَانَ حبلاً من ثَمَانِينَ قامة وَاقعا فِي موقعه وبياناً لحذق المشتار وَحسن تَأتيه فِيمَا يعانيه حَتَّى لَا يمْتَنع عَلَيْهِ شاق منيع. وَعَلِيهِ يكون شَدِيد الوصاة فَاعل تدلى وموثقاً حَال. قَالَ الْأَصْمَعِي: أَرَادَ بشديد الوصاة الشَّديد الْحفاظ بِمَا أوصِي بِهِ. قَالَ أَبُو نصر: بَيَانه شَدِيد عِنْد الوصاة لَا يسترخي فِيهَا وَلَا يتجوز. وَقَوله: نابل وَابْن

стр. 2394

نابل أَي: حاذق وَابْن حاذق يَعْنِي أَنه ورث صناعته عَن أسلافه ثمَّ نَشأ عَلَيْهَا وبرع فِيهَا. وَقَوله: فَلَو كَانَ حبلاً تَقْدِيره: لَو كَانَ الْحَبل الَّذِي تدلى بِهِ حبلاً طوله ثَمَانُون قامة وَتسْعُونَ باعاً. وَالْمعْنَى تدلى عَلَيْهَا وَلَو كَانَت أشق مِنْهَا مطلباً وَأبْعد منالاً لاحتال فِيهَا حَتَّى ينالها بِيَدِهِ. وَقَوله: إِذا لسعته النَّحْل الخ يرْوى: إِذا لسعته الدبر وَهُوَ كالنحل وزنا وَمعنى. يَقُول: إِذا لسعت النَّحْل هَذَا المشتار لم يخف لسعها وَلم يبال بهَا ولازمها فِي بَيتهَا حَتَّى قضى وطره من معسلها. وَمعنى لم يرج لم يخف من قَول الله تَعَالَى: إنّهم كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَاباً. وكما وضعُوا الرَّجَاء مَوضِع الْخَوْف وضعُوا الْخَوْف مَوضِع الرَّجَاء. وَقَوله: وحالفها قَالَ الْأَصْمَعِي: أَي: صَار حليفها فِي بَيتهَا وَهِي نوب. وَلم يرد حالفها فِي بَيت غَيرهَا. وروى أَبُو عَمْرو: وخالفها بِالْخَاءِ مُعْجمَة. قَالَ: يُرِيد جَاءَ إِلَى عسلها من وَرَائِهَا لما سرحت فِي المراعي. والنوب: النَّحْل وَلَا وَاحِد لَهُ. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: هُوَ جمع نوبي سَموهَا بذلك لسوادها. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: هُوَ جمع نَائِب كعائذ وعوذ. يُرِيد أَنَّهَا تخْتَلف وتجيء وَتذهب أَي: تنتاب المراعي ثمَّ تعود. وعوامل أَي:) وَقَوله: فحط عَلَيْهَا الخ يَقُول: انحدر المشتار على الخلية وَالْقلب يجب والحشاء تضطرب خوفًا مِمَّا يكابده فِي التدلي حَتَّى كَأَن ضلوعه سِهَام لَا نصال لَهَا رمي بهَا فطاشت وقلقت. والسهم الناصل: الَّذِي سقط نصله أَو قلق

стр. 2395

يُقَال: نصلت السهْم إِذا ركبت عَلَيْهِ النصل وأنصلته فنصل إِذا نزعت نصله. وَقَوله: فشرجها من الخ أَي: جعل الْعَسَل شريجين أَي: خليطين بالمزاج الَّذِي صبه عَلَيْهَا وكل وَاحِد من الخليطين شريج. والنطفة: المَاء. وَإِنَّمَا نَسَبهَا إِلَى رَجَب لِأَن رَجَب وجمادى كَانَا فِي زمانهم من شهور الشتَاء. والسلاسلة بِالضَّمِّ: الَّتِي تتسلسل فِي الْحلق لصفائها وعذوبتها وسهولة صفاء مدخلها. وَجعلهَا من مَاء لصب بِكَسْر اللَّام وَهُوَ شقّ فِي الْجَبَل ليدل على أَنَّهَا من مَاء الْمَطَر وَأَنه تنقل فِي مضايق الطّرق وتقطع بمدارج الشقوق والنقر فتزيل الكدورة عَنهُ وتسلسل فِي جريه ومروره حَتَّى تناهى فِي مقره وربد بِالرِّيحِ فِي مستنقعه فَقَوله: سلاسل صفة لماء لصب وَأَرَادَ بِهِ رقته وَسُرْعَة مره فِي مجاريه من المسايل والمناقع. وَقَوله: بِمَاء شنان الخ رِوَايَة الْأَصْمَعِي بتنوين مَاء وإجراء شنان وَصفا لَهُ. قَالَ أَبُو نصر: وَهُوَ أحب إِلَيّ. والشنان بِضَم الْمُعْجَمَة: الْبَارِد ينشن من الْجَبَل انشناناً. وَمِنْه شن عَلَيْهِ الْغَارة. وروى أَبُو سعيد: بِمَاء شنان على الْإِضَافَة قَالَ: والشنان بِكَسْر الْمُعْجَمَة: جمع الشنة وَهِي الْقرْبَة الْخلق وَالْمَاء فِيهَا أبرد. وَقَوله: زعزعت مَتنه أَي: أَعْلَاهُ. وَقَوله: وجادت عَلَيْهِ الخ الْقَصْد فِيهِ إِلَى تَكْثِير المَاء حَتَّى يكون أصفى. وَقَوله: بأطيب من فِيهَا الخ هَذَا خبر مَا فِي قَوْله: وَمَا ضرب بَيْضَاء. وَإِذا جِئْت ظرف لطارقاً وَإِذا نَامَتْ ظرف لأشهى. وَالْمرَاد: وأشهى من فِيهَا إِذا نَامَتْ. والمشار إِلَيْهِ بإذا نَامَتْ غير الْمشَار إِلَيْهِ بإذا جِئْت يدلك

стр. 2396

أَن الْوَقْت الَّذِي يَجِيء فِيهِ طَارق يجوز أَن يكون من أول اللَّيْل وَمن أوسطه وَآخره فَإِن الْوَقْت الَّذِي ينَام فِيهِ كلاب الأسافل يكون مَعْلُوما متميزاً عَن سَاعَات اللَّيْل. وَقد اخْتلف فِيهِ فَقَالَ بَعضهم: هُوَ أول الصُّبْح لِأَن الْكلاب إِذا تحرّك النَّاس تنام وتسكن وَمثله قَول أبي ذُؤَيْب فِي أُخْرَى: الوافر) (بأطيب من مقبّلها إِذا مَا ... دنا العيّوق واكتتم النّبوح) وَقيل الأسافل مُرَاد بِهِ أسافل الْحَيّ لِأَن مَوَاشِيهمْ لَا تبيت بل لَهَا مباءة على حِدة فرعاتها لَا ينامون إِلَّا آخر من ينَام لِأَن مِنْهُم من يربق وَمِنْهُم من يحلب وكلابهم تحرس مَعَهم فَلَا تنام إِلَّا وَقَالَ الْبَاهِلِيّ: الحواء يكون فِيهِ الْوُجُوه والأسافل يكون فِيهِ الرعاء. وَهَذَا كالبيان الأول. وَقَالَ أَبُو سعيد: الأسافل سفلَة النَّاس وَيَعْنِي بهم هُنَا الرُّعَاة وَلَيْسَ يُرَاد بِهِ أسافل الْبيُوت. وَقَالَ الْأَخْفَش: الرِّوَايَة كلاب المسافل يَعْنِي الْمَوَاضِع الَّتِي تسفل النَّاس فِيهَا. يُقَال: أتيت المسفل من مَكَّة وأتيت الْمُعَلَّى مِنْهَا وَهِي مسافلها ومعاليها وَالْمعْنَى على جَمِيع هَذِه الْوُجُوه أَن فمها أشهى مِمَّا وَصفه إِذا خلفت الأفواه وتغيرت. وَقَوله: ويأشبني فِيهَا الخ يأشبني: يلطخني ويقذفني. يُقَال: أشبه بِشَيْء إِذا قذفه بِهِ. والألاء: اسْم مَوْصُول بِمَعْنى الَّذين. وَعلم هُنَا بِمَعْنى عرف

стр. 2397

يَقُول: لَو عرفُوا قصتي مَعهَا مَعَ تمنعها لم يَقُولُوا إِنِّي أصبت مِنْهَا طائلاً. والطائل: مَا لَهُ فضل وَقدر. وَرُوِيَ: بباطل وَالْمعْنَى: لتحرجوا من قذفي بِالْبَاطِلِ ويلونها: يقربونها. وَرُوِيَ: الألى لَا يلونها أَي: الغرباء دون أهل بَيتهَا. وَقَوله: وَلَو أَن مَا عِنْد الخ ابْن بجرة بِضَم الْمُوَحدَة وَسُكُون الْجِيم: خمار مَعْرُوف كَانَ بِالطَّائِف. والناطل هُنَا: جرعة من مَاء أَو لبن أَو نَبِيذ وَيَأْتِي بِمَعْنى الْمِكْيَال للخمر وَلَيْسَ مرَادا هُنَا. وأبلغ من هَذَا: الطَّوِيل وَقَوله: فَتلك الَّتِي لَا يبرح الخ مَا مَصْدَرِيَّة ظرفية وأرزمت بِتَقْدِيم الْمُهْملَة: حنت. والحائل: الْأُنْثَى من أَوْلَاد الْإِبِل. والسقب: الذّكر. وَالْمعْنَى: تِلْكَ الْمَرْأَة الَّتِي وصفتها هِيَ الَّتِي لَا يفارقني حبها وَذكرهَا أبدا. وَقَوله: حَتَّى يؤوب القارظان الخ الْمَعْنى: لَا يفارقني حبها حَتَّى يكون مَا لَا يكون. القارظان أَحدهمَا القارظ الْعَنزي وَهُوَ يذكر بن عنزة بن أَسد بن ربيعَة كَانَ يعشق ابْنَته فَاطِمَة خُزَيْمَة بن نهد فطلبها من أَبِيهَا فَلم يُزَوّجهَا ثمَّ خرج يذكر وَخُزَيْمَة يطلبان الْقرظ وَهُوَ ورق تدبغ بِهِ الْجُلُود الطائفية

стр. 2398

وَمَرا بقليب فاستقيا فَسَقَطت الدَّلْو فَنزل يذكر ليخرجها فَلَمَّا صَار فِي الْبِئْر مَنعه الْحَبل وَقَالَ: زَوجنِي فَاطِمَة.) فَقَالَ: أما على هَذِه الْحَالة اقتساراً فَلَا أفعل وَلَكِن أخرجني حَتَّى أزَوجك. فَامْتنعَ وَجعل يسْأَله ويأبى حَتَّى هلك فِيهَا. والقارظ الثَّانِي: رجل من النمر بن قاسط خرج يَبْغِي قرظاً فأبعد فنهشته حَيَّة فَقتلته فَضرب الْمثل بِرُجُوعِهِ فِيمَا لَا يكون. قَالَ عمَارَة بن عقيل: الطَّوِيل (لأجزر لحمي كلب نَبهَان كَالَّذي ... دَعَا القاسطيّ حتفه وَهُوَ نازح) كَذَا ذكر الْمبرد أَن القاسطي أحد القارظين هَذَا لخصته من شرح أشعار الهذليين للْإِمَام المرزوقي. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي مستقصى الْأَمْثَال: القارظ الثَّانِي: اسْمه هميم وَقيل عقبَة وَكَانَ من عنزة أَيْضا وَكَانَ يتصيد الوعول ويدبغ جلودها بالقرظ فَعرض لَهُ فِي بعض الْجبَال ثعبان فنفخه نفخة فَوَقع مِنْهَا مَيتا. انْتهى. وَأما الميداني فِي مجمع أَمْثَاله فقد قَالَ: القارظ الثَّانِي لَيْسَ لَهُ حَدِيث غير أَنه فقد فِي طلب الْقرظ واسْمه هميم. وَالله أعلم بِالصَّوَابِ. وَأنْشد بعده: وَلَقَد أمرّ على اللّئيم يسبّني

стр. 2399

وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالْخمسين من بَاب الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر. وَأنْشد بعده الشَّاهِد التَّاسِع عشر بعد الأربعمائة: الوافر (وَلَيْسَ المَال فاعلمه بِمَال ... وَإِن أَغْنَاك إلاّ للذيّ) على أَن كسرة الْيَاء الْمُشَدّدَة من الَّذِي كسرة بِنَاء. والبيتان كَذَا رَوَاهُمَا ابْن الشجري فِي الْمجْلس الرَّابِع وَالسبْعين من أَمَالِيهِ. وَقَوله: بِمَال خبر لَيْسَ وَالْبَاء زَائِدَة وَجُمْلَة: فاعلمه مُعْتَرضَة وَكَذَلِكَ جملَة وَإِن أَغْنَاك مُعْتَرضَة وَإِن وصلية وَنقل شَارِح شَوَاهِد الموشح عَن بَعضهم أَنَّهَا نَافِيَة والمستثنى مِنْهُ مَحْذُوف تَقْدِيره لأحد. وَجُمْلَة: يُرِيد بفاعله الْمُسْتَتر صلَة الَّذِي. وروى بدله: ينَال بِهِ. ويصطفيه مَعْطُوف على يُرِيد. والْعَلَاء: بِفَتْح الْعين وَالْمدّ: مفعول يُرِيد وَهُوَ بِمَعْنى الرّفْعَة والشرف. ويصطفيه بِمَعْنى يختاره. وَقَوله: لأَقْرَب: مُتَعَلق بيصطفيه. وَإِضَافَة أقرب إِلَى أقربيه كَقَوْلِهِم: أعلم الأعلمين. والقصي: الْبعيد. يَقُول: لَيْسَ المَال فِي الْحَقِيقَة مَالا لأحد إِلَّا للَّذي يُرِيد بِسَبَبِهِ علو الدرجَة فِي الْمجد ويختاره للقريب والبعيد. وروى الْبَيْت الثَّانِي الْخفاف فِي شرح الْجمل كَذَا: ...

стр. 2400

(تحوز بِهِ الْعَلَاء وتصطفيه ... لأَقْرَب أقربيك وللصّفيّ) بِالْخِطَابِ فِي الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة. (وَلَيْسَ المَال فاعلمه بمالٍ ... من الأقوام إلاّ للذيّ) (يُرِيد بِهِ الْعَلَاء ويمتهنه ... لأَقْرَب أقربيه وللقصيّ) وَعَلَيْهَا فَجزم يمتهنه ضَرُورَة وَهُوَ من امتهنت الشَّيْء بِمَعْنى أهنته وحقرته. والبيتان لَا علم لي بقائلهما. وَالله أعلم. وَأنْشد بعده الشَّاهِد الْعشْرُونَ بعد الأربعمائة الرجز (واللّذ لَو شَاءَ لَكُنْت صخراً ... أَو جبلا أشمّ مشمخرّا) على أَن حذف الْيَاء من الَّذِي والاكتفاء بِكَسْر الذَّال لُغَة. والأشم من الشمم وَهُوَ الِارْتفَاع. والمشمخر: العالي المتطاول وَقيل الراسخ. وَهَذَا مَا رَوَاهُ الْخفاف وَغَيره وَرَوَاهُ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ وَابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف: (واللّذ لَو شَاءَ لكَانَتْ برّاً ... أَو جبلا أصمّ مشمخرّا)

стр. 2401

قَالَ شَارِح شَوَاهِد الموشح: ضمير كَانَت للدنيا أَو الأَرْض. وَالْبر: خلاف الْبَحْر. وَالْمعْنَى هُوَ الَّذِي لَو شَاءَ أَن يكون برا لَكَانَ برا وَلَو شَاءَ أَن يكون جبلا. انْتهى. وَلَا أعلم قَائِل هَذَا الْبَيْت أَيْضا وَعلمه عِنْد الله. نِهَايَة الْجُزْء الْخَامِس من تَقْسِيم محققه

стр. 2402

وَأنْشد بعده الشَّاهِد الْحَادِي وَالْعشْرُونَ بعد الأربعمائة كاللذ تزبى زبيةً فاصطيدا على أَن حذف الْيَاء من الَّذِي وتسكين الذَّال لُغَة. قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي الْمَقْصُور والممدود: زبي وَجَمعهَا زبية وَهِي أَمَاكِن تحفر للأسد. أنْشد الْفراء: (فَكنت وَالْأَمر الَّذِي قد كيدا ... كاللذ تزبى زبيةً فاصطيدا) والزبى: أَمَاكِن مُرْتَفعَة يُقَال فِي الْمثل: قد بلغ المَاء الزبى. قَالَ العجاج: قد بلغ المَاء الزبى فَلَا غير وَقد أَخذه القالي فِي الْمَقْصُور والممدود وزاده. قَالَ: وَمن أمثالهم: قد بلغ السَّيْل الزبى يُقَال ذَلِك عِنْد شدَّة الْأَمر. وَمِنْه حَدِيث عُثْمَان: أما بعد فقد بلغ السَّيْل الزبى. وَيُقَال: إِن النَّمْل إِذا أحست بندى الأَرْض ترفعت إِلَى زباها خوفًا من السَّيْل فيستدل بذلك من فعلهَا على كَثْرَة الْمَطَر وخصب السّنة. قَالَ الْكُمَيْت

стр. 2403

الطَّوِيل: انْتهى. وَقَالَ أَبُو فيد مؤرج بن عَمْرو السدُوسِي فِي أَمْثَاله: وَتقول الْعَرَب: قد بلغ السَّيْل الزبى وَهُوَ أَن يبلغ الْأَمر منتهاه. والزبية غير القترة. الزبية تحفر للأسد فيصاد فِيهَا وَهِي ركية بعيدَة) القعر إِذا وَقع فِيهَا لم يسْتَطع الْخُرُوج مِنْهَا لبعد قعرها يحفرونها ثمَّ يوضع عَلَيْهَا لحمٌ وَقد غموها بِمَا لَا يحملهُ فَإِذا أَتَى اللَّحْم انْهَدم غطاء الزبية. وَأما القترة والناموس والبرأة فَأَنَّهَا حفيرة يحتفرها القانص على موارد الْوَحْش ويطرح عَلَيْهَا الشّجر فَإِذا وَردت رمى من قريب. والزبية لَا يَسْتَطِيع أحدٌ نُزُولهَا لبعدها وَالرَّمْي فِيهَا أبعد من أَن يرى إِذا دَخلهَا شَيْء. حَدثنِي سعيد بن السماك بن حَرْب عَن أَبِيه عَن حَنش بن الْمُعْتَمِر قَالَ: أُتِي معَاذ بن جبل بِثَلَاثَة نفر قَتلهمْ أسدٌ فِي زبية. فَلم يدر كَيفَ يفتيهم فَسَأَلَ عَليّ بن أبي طَالب فَقَالَ: قصوا عَليّ خبركم. قَالُوا: صدنَا أسداً فِي زبية فَاجْتَمَعْنَا عَلَيْهِ فتدافع النَّاس عَلَيْهَا فرموا بِرَجُل فِيهَا فَتعلق الرجل بآخر وَتعلق الآخر بِرَجُل آخر فهوى فِيهَا ثَلَاثَتهمْ. فَقضى فِيهَا: أَن للْأولِ ربع الدِّيَة وَللثَّانِي النّصْف وللثالث الدِّيَة كلهَا. وروى الْبَيْت الأول ابْن ولاد فِي الْمَقْصُور والممدود: فظلت فِي الْأَمر الَّذِي قد كيدا

стр. 2404

يَقُول: ظللت فِي شرٍّ من الَّذِي كدت فِي حَقه كَالَّذي عمل حُفْرَة ليصطاد فِيهَا فاصطيد وأخد. وَفِي هَذَا الْمَعْنى قَول النَّبِي ﷺ َ: من حفر بِئْرا لِأَخِيهِ يُوشك أَن يَقع فِيهَا. وروى وَلَا تكونن من اللذ كيدا وَهُوَ ماضٍ مَجْهُول من الكيد. وتزبى: مَعْنَاهُ حفر زبية بِضَم الزَّاي الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمُوَحدَة وَجَمعهَا زبىً. وَأما الرِّبَا بِضَم الرَّاء الْمُهْملَة فَجمع ربوة مُثَلّثَة الرَّاء وَهِي مَا ارْتَفع من الأَرْض. وَهَذَا من رجزٍ أوردهُ السكرِي فِي أشعار الهذليين لرجل من هُذَيْل وَهُوَ: (أريت إِن جَاءَت بِهِ أملودا ... مرجلاً ويلبس البرودا) أَي: إِن جَاءَت بِهِ ملكا أملوداً أملس. وَلَا ترى مَالا لَهُ معدودا أَي: لَا يعد مَاله من وجوده. (أقائلون أعجلي الشهودا ... فظلت فِي شرٍّ من اللذ كيدا) كاللذ تزبى صائداً فصيدا ويروى: فاصطيدا. وتزبى زبية: حفر زبية. يَقُول: أَرَأَيْت إِن ولدت هَذِه الْمَرْأَة رجلا هَذِه صفته أيقال لَهَا: أقيمي الْبَيِّنَة أَنَّك لم تَأتي بِهِ من غَيره.

стр. 2405

هَذَا مَا أوردهُ السكرِي. وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي نون التوكيد من آخر الْكتاب. وَأنْشد بعده) الشَّاهِد الثَّانِي وَالْعشْرُونَ بعد الأربعمائة (فَقل للت تلومك إِن نَفسِي ... أَرَاهَا لَا تعوذ بالتميم) على أَن الْيَاء حذفت من الَّتِي وَسكن تاؤها. هَذَا الْبَيْت أنْشدهُ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ عَن الْفراء وَقَالَ: التميم: جمع تميمةٍ وَهِي التعويذ. وَأنْشد بعده الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعشْرُونَ بعد الأربعمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س الوافر: (أبني كليبٍ إِن عمي اللذا ... قتلا الْمُلُوك وفككا الأغلالا) على أَن حذف النُّون من قَوْله اللذا وَأَصله اللَّذَان تَخْفِيفًا لاستطالة الْمَوْصُول بالصلة. هَذَا قَول الْبَصرِيين. وَأما الْكُوفِيُّونَ فَحذف النُّون عِنْدهم لُغَة فِي إِثْبَاتهَا أَطَالَت الصِّلَة أم لم تطل. حَكَاهُ عَنْهُم ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: قَالَ رجلٌ من الْأَنْصَار المنسرح: (الحافظو عَورَة الْعَشِيرَة لَا ... يَأْتِيهم من وَرَائِنَا وكف) لم يحذف النُّون للإضافة وَلَا ليعاقب الِاسْم النُّون وَلَكِن حذفوها كَمَا حذفوها

стр. 2406

من اللَّذين وَالَّذين حِين طَال الْكَلَام وَكَانَ الِاسْم الأول منتهاه الِاسْم الآخر. وَقَالَ الأخطل: أبني كُلَيْب إِن عمي اللذا الْبَيْت لِأَن مَعْنَاهُ الَّذين فعلوا يَعْنِي: الحافظو عَورَة الْعَشِيرَة وَهُوَ مَعَ الْمَفْعُول. بِمَنْزِلَة اسْم مُفْرد لم يعْمل (وإِن الَّذِي حانت بفلجٍ دِمَاؤُهُمْ ... هم الْقَوْم كل الْقَوْم يَا أم خَالِد) انْتهى. وَالْبَيْت من قصيدة للأخطل يفتخر بقَوْمه ويهجو جَرِيرًا. وَالْألف للنداء وَبَنُو كُلَيْب بن يَرْبُوع: رَهْط جرير. فَخر الأخطل على جرير بِمن اشْتهر من قومه من بني تغلب وساد كعمرو بن كُلْثُوم التغلبي قَاتل عَمْرو بن هندٍ ملك الْعَرَب وعصم أبي حَنش قَاتل شُرَحْبِيل بن عَمْرو بن حجر وَغَيرهم من سَادَات تغلب. والأغلال: جمع غل وَهُوَ طوقٌ من حَدِيد يَجْعَل فِي عنق الْأَسير وَقد يكون من قدٍّ وَعَلِيهِ شعر فيقمل على الْأَسير وَمِنْه قيل للْمَرْأَة السَّيئَة الْخلق: غلٍّ قملٌ بِفَتْح الْقَاف وَكسر الْمِيم أَي: ذُو قمل. أَي: إِن عميه يفكان الغل من عنق الأسراء وينجونهم من أسر أعدائهم قسراً عَلَيْهِم. قَالَ السكرِي فِي شرح ديوَان الأخطل: أحد عميه أَبُو حَنش عصم بن النُّعْمَان قَاتل

стр. 2407

شُرَحْبِيل بن الْحَارِث بن عَمْرو بن آكل المرار يَوْم الْكلاب الأول. وَالْآخر دوكس بن الفدوكس بن مَالك بن جشم بن بكر بن حبيب بِالتَّصْغِيرِ. وَبعده:) (وأخوهما السفاح ظمأ خيله ... حَتَّى وردن جبا الْكلاب نهالا) الْكلاب بِضَم الْكَاف: اسْم ماءٍ فِيمَا بَين الْبَصْرَة والكوفة على بضع عشرَة لَيْلَة ومن الْيَمَامَة على سبع ليالٍ أَو نَحْوهَا. والجبا بِكَسْر الْجِيم بعْدهَا مُوَحدَة قَالَ السكرِي: السفاح اسْمه سَلمَة بن خَالِد بن برة الْقُنْفُذ وَهُوَ كَعْب بن زُهَيْر من بني تيم بن أُسَامَة بن بكر بن حبيب وَإِنَّمَا سمي السفاح لِأَنَّهُ لما دنا من الْكلاب عمد إِلَى مزاد أَصْحَابه فشققها وسفح ماءها وَقَالَ: لَا مَاء لكم إِلَّا مَاء الْقَوْم فَقَاتلُوا عَنهُ وَإِلَّا فموتوا عطاشا. انْتهى. وللعرب وقعتان على الْكلاب يُقَال لَهما: يَوْم الْكلاب الأول وَيَوْم الْكلاب الثَّانِي. وَقد تقدم شرح الْكلاب الثَّانِي فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالسِّتِّينَ وَهَذَا شرح الْيَوْم الأول بِاخْتِصَار. قَالَ الإِمَام العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف: أما الْيَوْم الأول فَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة لبني تغلب وَعَلَيْهِم سَلمَة بن الْحَارِث الْكِنْدِيّ وَمَعَهُمْ ناسٌ من بني تَمِيم قليلٌ وَفِيهِمْ سُفْيَان بن مجاشع. وَكَانَت تميمٌ يَوْمئِذٍ فرْقَتَيْن: فرقةٌ مَعَ تغلب وَفرْقَة مَعَ بكر بن وَائِل. فلقي سَلمَة بن الْحَارِث بن عَمْرو أَخَاهُ شُرَحْبِيل بن الْحَارِث وَمَعَ شُرَحْبِيل بكر بن وَائِل وَبَعض بني تَمِيم فَهزمَ أَصْحَاب شُرَحْبِيل وَقتل شُرَحْبِيل. قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: شُرَحْبِيل بن حَارِث الْكِنْدِيّ من ولد حجر آكل المرار: ملك بني تَمِيم وَسَلَمَة بن الْحَارِث ملك بني تغلب. انْتهى.

стр. 2408

وَقد تجوز الأخطل فِي جعل أبي حنشٍ ودوكسٍ عميه مَعَ أَنَّهُمَا من أعمام آبَائِهِ كَمَا تجوز فِي جعل السفاح أَخا لَهما. وَالصَّوَاب مَا قَالَه ابْن قُتَيْبَة فِي تَرْجَمَة ابْن كُلْثُوم من كتاب الشُّعَرَاء: يَعْنِي بعميه عمرا وَمرَّة ابْني كُلْثُوم فَإِن عمرا قتل عَمْرو بن هِنْد وَمرَّة قتل الْمُنْذر بن النُّعْمَان بن الْمُنْذر. وَلذَلِك قَالَ الفرزدق لجرير: (مَا ضرّ تغلب وائلٍ أهجوتها ... أم بلت حَيْثُ تناطح البحران) انْتهى. وَنقل ابْن المستوفي عَن الْخَوَارِزْمِيّ أَنه قَالَ: فِي حَاشِيَة نُسْخَتي من الْمفصل: يَعْنِي بعميه ابْن هُبَيْرَة التغلبي والهذيل بن عمرَان الْأَصْغَر. قَالَ: سُئِلت كَيفَ يكونَانِ عميه وَأَحَدهمَا ابْن عمرَان وَالْآخر ابْن هُبَيْرَة أجبْت بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون أَحدهمَا عَمه وَالْآخر عَم أَبِيه أَو جده. وَكِلَاهُمَا يُسمى عَمَّا. انْتهى. وَقَالَ ابْن خلف: عماه أَبُو حَنش وَأَخُوهُ أَو رجل آخر من قومه غير أخي أبي حَنش. وَقيل: عَمه الآخر عَمْرو ابْن كُلْثُوم. انْتهى. وَأول القصيدة نسيبٌ وَهَذَا مطْلعهَا: (كذبتك عَيْنك أم رَأَيْت بواسطٍ ... غلس الظلام من الربَاب خيالا) ) (وتعرضت لَك بالأبالخ بَعْدَمَا ... قطعت بأبرق خلةً ووصالا) (وتغولت لتروعنا جنيةً ... والغانيات يرينك الأهوالا) ...

стр. 2409

(يمددن من هفواتهن إِلَى الصِّبَا ... سَببا يصدن بِهِ الرِّجَال طوَالًا) (مَا إِن رَأَيْت كمكرهن إِذا جرى ... فِينَا وَلَا كحبالهن حِبَالًا) (المهديات لمن هوين مسَبَّة ... والمحسنات لمن قلين مقَالا) (يرعين عَهْدك مَا رأينك شَاهدا ... وَإِذا مذلت يصرن عَنْك مذالا) (وَإِذا وعدنك نائلاً أخلفنه ... وَوجدت عِنْد عداتهن مطالا) ثمَّ بعد أَرْبَعَة أَبْيَات من هَذَا النمط قَالَ: أبني كُلَيْب أَن عمي اللذا الْبَيْت وَذكر ثَلَاثَة أَيَّام أخر مِمَّا أوقع بَنو تغلب ببني تَمِيم وَهِي يَوْم الكحيل بِالتَّصْغِيرِ وَيَوْم الشرعبية وَيَوْم إراب. وَكَانَ السَّبَب فِي يَوْم الْكلاب أَن الْحَارِث بن عَمْرو الْكِنْدِيّ جد امْرِئ الْقَيْس الشَّاعِر ملك الْمدر والوبر أَرْبَعِينَ سنة وَقيل سِتِّينَ سنة وَقد كَانَ فرق بَينه فِي قبائل معدٍّ قبل مَوته فَجعل حجرا وَهُوَ أَبُو امْرِئ الْقَيْس فِي بني أَسد وكنانة وَكَانَ أسن وَلَده. وَجعل شُرَحْبِيل فِي بكر بن وَائِل وَبني حَنْظَلَة بن مَالك وَبني أسيد بن عَمْرو ابْن تَمِيم وَطَوَائِف من بني عَمْرو بن تَمِيم والرباب وَجعل ابْنه معدي كرب فِي قيس عيلان وَجعل سَلمَة وَهُوَ أَصْغَرهم فِي بني تغلب والنمر بن قاسط وَبني سعد بن زيد مَنَاة. فَلَمَّا هلك أَبُو هم الْحَارِث بن عَمْرو تشَتت أَمرهم وَتَفَرَّقَتْ كلمتهم

стр. 2410

ومشت الرِّجَال بَينهم وتفاقم أَمرهم حَتَّى جمع كل واحدٍ مِنْهُم لصَاحبه الجموع وزحف إِلَيْهِ بالجيوش فَسَار شُرَحْبِيل فِيمَن مَعَه فَنزل الْكلاب وَأَقْبل أَخُوهُ سَلمَة فِيمَن مَعَه من بني تغلب وسعدٍ وَغَيرهمَا وَكَانَ على بني تغلب السفاح الْمَذْكُور فَالتقى الْقَوْم فَاقْتَتلُوا قتالاً شَدِيدا حَتَّى إِذا كَانَ فِي آخر النَّهَار خذلت بَنو حَنْظَلَة وَعَمْرو بن تَمِيم والرباب وَانْصَرف بَنو سعد وصبر ابْنا وَائِل: بكر وتغلب وَلَيْسَ مَعَهم أحدٌ غَيرهم حَتَّى غشيهم اللَّيْل فَنَادَى مُنَادِي شُرَحْبِيل: من أَتَانِي بِرَأْس سَلمَة فَلهُ مائَة من الْإِبِل. ونادى مُنَادِي سَلمَة كَذَلِك. وَلما انهزم بَنو حَنْظَلَة مَعَ من ذكرنَا خرج مَعَهم شُرَحْبِيل ولحقه ذُو السنينة كَانَت لَهُ سنٌّ زَائِدَة فَسُمي بذلك فَضَربهُ شُرَحْبِيل على ركبته فأطن رجله وَكَانَ ذُو السنينة أَخا أبي حَنش لأمه فَقَالَ ذُو السنينة: يَا أَبَا حَنش قتلني الرجل وَهلك سَاعَته. فَقَالَ أَبُو) حَنش: قتلني الله إِن لم أَقتلهُ فَحمل أَبُو حَنش على شُرَحْبِيل فأدركه والتفت إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَبَا حَنش اللَّبن اللَّبن قَالَ: قد هرقت لَبَنًا كثيرا. فَقَالَ: يَا أَبَا حَنش أملكا بسوقة فَقَالَ: إِنَّه كَانَ ملكي. فطعنه فَأَلْقَاهُ فاحتز رَأسه فَبعث بِهِ مَعَ ابْن عَم لَهُ إِلَى سَلمَة فطرحه بَين يَدَيْهِ فَقَالَ سَلمَة: لَو كنت أَلقيته إِلْقَاء رَفِيقًا فَقَالَ: مَا صنع بِهِ وَهُوَ حيٌّ شرٌّ من هَذَا وَعرف الْقَوْم الندامة فِي وَجهه واجزع على أَخِيه فهرب أَبُو حَنش فَقَالَ سَلمَة: (أَلا أبلغ أَبَا حنشٍ رَسُولا ... فَمَا لَك أَن تَجِيء إِلَى الثَّوَاب) (تعلم أَن شَرّ النَّاس طراً ... قتيلٌ بَين أَحْجَار الْكلاب) فَأَجَابَهُ أَبُو حَنش: (أحاذر أَن أجيئك ثمَّ تحبو ... حباء أَبِيك يَوْم صنيبعات)

стр. 2411

. (وَكَانَت غدرةً شنعاء نهفو ... تقلدها أَبوك إِلَى الْمَمَات) وَقَوله: كذبتك عَيْنك إِلَخ خطابٌ لنَفسِهِ وَفِيه حذف ألف الإستفهام أَي: أكذبتك. وَبِه اسْتشْهد بَعضهم. وَأوردهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي على أَن أَبَا عُبَيْدَة قَالَ: إِن أم تَأتي للإستفهام الْمُجَرّد عَن الإضراب وَقَالَ: إِن الْمَعْنى فِي الْبَيْت هَل رَأَيْت وَفِي تَفْسِير ابْن جرير عِنْد قَوْله تَعَالَى: أم تُرِيدُونَ أَن تسألوا رَسُولكُم قَالَ: أم هُنَا على الشَّك وَلكنه قَالَه ليقبح بِهِ صنيعهم كَقَوْل الأخطل: كذبتك عَيْنك الْبَيْت. والرباب: اسْم امْرَأَة. ووَاسِط هَذِه: قَرْيَة غربي الْفُرَات مُقَابل الرقة من أَعمال الجزيرة. والخابور: قرب قرقيسياء وَهِي من منَازِل بني تغلب وَلَيْسَت وَاسِط هُنَا وَاسِط الَّتِي بناها الْحجَّاج بَين الْبَصْرَة والكوفة خلافًا لشارح شَوَاهِد الْمُغنِي. نقل ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ عَن الْأسود أبي مُحَمَّد الغندجاني قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو الندى قَالَ: للْعَرَب سَبْعَة أواسط: وَاسِط نجد وواسط الْحجاز وواسط الجزيرة. قَالَ الأخطل: كذبتك عَيْنك أم رَأَيْت بواسطٍ الْبَيْت وواسط الْيَمَامَة وواسط الْعرَاق وَهِي الَّتِي بناها الْحجَّاج فِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَفرغ مِنْهَا فِي سِتّ وَثَمَانِينَ. قَالَ أَبُو الندى: وَقد أنسيت اثْنَتَيْنِ. ثمَّ قَالَ ياقوت: وواسط أَيْضا: قَرْيَة مشهورةٌ ببلخ وواسط: قَرْيَة بحلب

стр. 2412

قرب بزاعة مَشْهُورَة عِنْدهم وبالقرب مِنْهَا قريةٌ يُقَال لَهَا الْكُوفَة. وواسط: قَرْيَة بدجيل على ثَلَاثَة فراسخ من بَغْدَاد. وواسط: قَرْيَة بالأندلس. وواسط: قريةٌ قرب مرزاباد حلَّة بني مزِيد من أَعمال بَغْدَاد يُقَال لَهَا وَاسِط مرزاباد. وواسط: قَرْيَة فِي شَرْقي) دجلة الْموصل بَينهمَا ميلان ذَات بساتين كَثِيرَة. وواسط: قَرْيَة بِالْيمن بسواحل زبيد. وواسط: مَوضِع فِي بِلَاد تَمِيم. وواسط من منَازِل بني قُشَيْر. وواسط: موضعٌ بَين العذيب والصفراء. وَغير ذَلِك. وَقَوله: وتعرضت لَك بالأبالخ هُوَ جمع بليخ بِفَتْح الْمُوَحدَة وَكسر اللَّام وَآخره خاء مُعْجمَة قَالَ أَبُو عبيد فِي مُعْجم مَا استعجم: البليخ: نهر الرقة والفرات وَبَينه وَبَين شط الْفُرَات لَيْلَة. وَجمعه بِاعْتِبَار أَجْزَائِهِ. وتغولت: تهولت. والغانية: الْمَرْأَة الَّتِي غنيت بجمالها عَن الزِّينَة. وهفواتهن: جهلهن. وَالسَّبَب: الْحَبل. والطول بِضَم الطَّاء بِمَعْنى الطَّوِيل صفة لسَبَب. ومذلت بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة. بِمَعْنى قلقت وضجرت ومذال بِكَسْر الْمِيم: جمع مذلة بِفَتْح فَسُكُون كعبلة وعبال وجعدة وجعاد بِمَعْنى قلقة ومتضجرة. والأخطل: شَاعِر نَصْرَانِيّ من شعراء الدولة الأموية وَتَقَدَّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالسبْعين. وَقد نسب الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمفصل الْبَيْت الشَّاهِد للفرزدق وَنَقله الْعَيْنِيّ عَنهُ. وَهَذَا سهوٌ من قلم النَّاسِخ. وَالله أعلم.

стр. 2413

وَأنْشد بعده الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعشْرُونَ بعد الأربعمائة (هما اللتا لَو ولدت تَمِيم ... لقيل فخرٌ لَهُم صميم) على أَن نون اللَّتَان حذفت لاستطالة الْمَوْصُول بالصلة تَخْفِيفًا كالبيت الْمُتَقَدّم. قَالَ شرَّاح التسهيل: حذف النُّون من الَّذين واللذون واللتان: لُغَة بني الْحَارِث ابْن كَعْب وَبَعض بني ربيعَة. وأنشدوا هذَيْن الْبَيْتَيْنِ. وَالْعجب من ابْن مَالك بعد أَن قَالَ فِي التسهيل: إِنَّه يجوز حذف النُّون قَالَ فِي شَرحه: إِن حذف النُّون من هما اللتا ضَرُورَة. وهما مُبْتَدأ واللتا خَبره بِتَقْدِير مَوْصُوف أَي هما الْمَرْأَتَانِ اللَّتَان وَالْجُمْلَة الشّرطِيَّة مَعَ جوابها صلَة الْمَوْصُول والعائد مَحْذُوف لكَونه مَفْعُولا أَي: ولدتهما وَتَمِيم فَاعل ولدت وَهُوَ أَبُو قَبيلَة. والصميم: الْخَالِص النقي وَهُوَ صفةٌ للمبتدأ الَّذِي هُوَ فخرٌ وَلَهُم هُوَ الْخَبَر وَالْجُمْلَة مقول القَوْل. قَالَ ابْن الشجري: وَهَذَا الْبَيْت أنْشدهُ الْفراء. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: هُوَ للأخطل. وَقد فتشت أَنا ديوانه فَلم أَجِدهُ فِيهِ. وَالله أعلم. وَأنْشد بعده الشَّاهِد الْخَامِس وَالْعشْرُونَ بعد الأربعمائة (قومِي اللذو بعكاظٍ طيروا شرراً ... من روس قَوْمك ضربا بالمصاقيل) على أَنه قد تحذف النُّون من اللذون.

стр. 2414

وعكاظ بِضَم الْعين الْمُهْملَة وبالتنوين بِاعْتِبَار أَنه اسْم مَكَان. قَالَ أَبُو عبيد فِي مُعْجم مَا استعجم: عكاظ: صحراء مستوية لَا علم فِيهَا وَلَا جبل إِلَّا مَا كَانَ من الأنصاب الَّتِي كَانَت بهَا فِي الْجَاهِلِيَّة وَبهَا من دِمَاء الْإِبِل كالأرحاء الْعِظَام. وَكَانَت عكاظ ومجنة وَذُو الْمجَاز أسواقاً لمَكَّة فِي الْجَاهِلِيَّة. قَالَ مُحَمَّد بن حبيب: عكاظ بِأَعْلَى نجد قريبٌ من عَرَفَات. وَقَالَ غَيره: عكاظ وَرَاء قرن الْمنَازل بمرحلةٍ من طَرِيق صنعاء وَهِي من عمل الطَّائِف وعَلى بريدٍ مِنْهَا وأرضها لبني نصر واتخذت سوقاً بعد الْفِيل بِخمْس عشرَة سنة وَتركت عَام خرجت الحرورية بِمَكَّة مَعَ الْمُخْتَار بن عَوْف سنة تسع وَعشْرين وَمِائَة إِلَى هَلُمَّ جراً. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: عكاظ فِيمَا بَين نَخْلَة والطائف وَكَانَ سوق عكاظ يقوم صبح هِلَال ذِي الْقعدَة عشْرين يَوْمًا وسوق مجنة تقوم عشرَة أَيَّام بعده وسوق ذِي الْمجَاز تقوم هِلَال ذِي الْحجَّة. ثمَّ قَالَ: وعكاظٌ مشتقٌ من قَوْلك: عكظت الرجل عكظاً إِذا قهرته بحجته لأَنهم كَانُوا يتعاكظون هُنَاكَ بالفخر. وَكَانَت بعكاظٍ وقائع مرّة بعد مرّة. وَذكر أَبُو عُبَيْدَة أَنه كَانَ بعكاظ أَرْبَعَة أَيَّام: يَوْم شمطة وَيَوْم العبلاء وَيَوْم شرب وَيَوْم الحريرة وَهِي كلهَا من عكاظ قَالَ: فشمطة من عكاظ هُوَ الْموضع الَّذِي نزلت فِيهِ قُرَيْش وحلفاؤها من بني كنَانَة

стр. 2415

بعد يَوْم نَخْلَة وَهُوَ أول يَوْم اقْتَتَلُوا فِيهِ من أَيَّام الْفجار بحولٍ على مَا تواعدت عَلَيْهِ مَعَ هوزان وحلفائها من ثَقِيف وَغَيرهم فَكَانَ يَوْم شمطة لهوازن على كنَانَة وقريش وَلم يقتل من قُرَيْش أحدٌ يذكر واعتزلت بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة إِلَى جبلٍ يُقَال لَهُ دخم فَلم يقتل مِنْهُم أحد. وَقَالَ خِدَاش بن زُهَيْر: (بِأَنا يَوْم شمطة قد أَقَمْنَا ... عَمُود الدَّين إِن لَهُ عمودا) ثمَّ التقى الْأَحْيَاء المذكورون على رَأس الْحول من يَوْم شمطة بالعبلاء إِلَى جنب عكاظ فَكَانَ لهوزان أَيْضا على قُرَيْش وكنانة. قَالَ خِدَاش بن زُهَيْر: (ألم يبلغكم أَنا جدعنا ... لَدَى العبلاء خندف بالقياد) (ضربناهم بِبَطن عكاظ حَتَّى ... توَلّوا طالعين من النجاد) ثمَّ الْتَقَوْا على رَأس الْحول وَهُوَ الْيَوْم الرَّابِع من يَوْم نَخْلَة بِشرب وشربٌ من عكاظ. وَلم يكن) بَينهم يومٌ أعظم مِنْهُ. فحافظت قُرَيْش وكنانة وَقد كَانَ تقدم لهوزان عَلَيْهِم يَوْمَانِ وَقيد أَبُو سُفْيَان وحربٌ ابْنا أُميَّة وَأَبُو سُفْيَان بن حَرْب أنفسهم وَقَالُوا: لَا يبرح منا رجلٌ مَكَانَهُ حَتَّى يَمُوت أَو يظفر فانهزمت هوَازن وَقيس كلهَا إِلَّا بني نصر فَإِنَّهَا صبرت مَعَ ثَقِيف. وَذَلِكَ أَن عكاظ بلدهم لَهُم فِيهِ نخل وأموال فَلم يغنوا شَيْئا ثمَّ انْهَزمُوا وَقتلت هوَازن يومئذٍ قتلا ذريعاً. قَالَ أُميَّة بن الأسكر الْكِنَانِي:

стр. 2416

(أَلا سَائل هوان يَوْم لاقوا ... فوارس من كنَانَة معلمينا) (لَدَى شربٍ قد جاشوا وجشنا ... فأوعب فِي النفير بَنو أَبينَا) وَقَالَ: ثمَّ الْتَقَوْا على رَأس الْحول بالحريرة وَهِي حرةٌ إِلَى جنب عكاظ مِمَّا يَلِي مهب جنوبها فَكَانَ لهوازن على قُرَيْش وكنانة. والشرر بِفتْحَتَيْنِ هُوَ إِمَّا جمع شررة وَهُوَ مَا يتطاير من النَّار وَكَذَلِكَ الشرار والشرارة وَإِمَّا مصدر شررت يَا رجل بِفَتْح الرَّاء وَكسرهَا شرا وشرراً من الشَّرّ نقيض الْخَيْر. وَقَوله: من روس قَوْمك هُوَ بِحَذْف الْهمزَة من رُؤُوس. وَقَوله: ضربا إِمَّا مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي: بضربٍ وَإِمَّا مَنْصُوب بعاملٍ محذوفٍ حَال من الْوَاو فِي طيروا أَي: يضْربُونَ ضربا أَو ضاربين ضربا. والمصاقيل: جمع مصقول من الصقل وَهُوَ جلاء الْحَدِيد وتحديده أَي: جعله قَاطعا. أَرَادَ كل آلَة حديدٍ من السِّلَاح مثل السَّيْف والسنان. وَالْبَيْت لأمية بن الأسكر الْكِنَانِي. وَلم أَقف على مَا قبله وَلَا مَا بعده.

стр. 2417

وَأُميَّة كَمَا قَالَ صَاحب الأغاني: أُميَّة بن حرثان بن الأسكر بن عبد الله بن سرابيل الْمَوْت بن زهرَة بن زبينة بن جندع بن لَيْث بن بكر بن عبد مَنَاة ابْن كنَانَة بن خُزَيْمَة بن مدركة بن إلْيَاس بن مُضر بن نزار. شاعرٌ فَارس مخضرم أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام. وَكَانَ من سَادَات قومه وفرسانهم وَله أيامٌ مأثورة مَذْكُورَة. وَابْنه كلاب بن أُميَّة أَيْضا أدْرك النَّبِي ﷺ َ فَأسلم مَعَ أَبِيه ثمَّ هَاجر إِلَى النَّبِي ﷺ َ. وروى صَاحب الأغاني بِسَنَدِهِ إِلَى الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة بن الزبير قَالَ: هَاجر كلاب بن أُميَّة بن الأسكر إِلَى الْمَدِينَة فِي خلَافَة عمر بن الْخطاب فَأَقَامَ بهَا مُدَّة ثمَّ لَقِي ذَات يومٍ طَلْحَة بن عبيد الله وَالزُّبَيْر بن الْعَوام فَسَأَلَهُمَا: أَي الْأَعْمَال أفضل فِي الْإِسْلَام فَقَالَا: الْجِهَاد. فَسَأَلَ عمر فأغزاه فِي جَيش وَكَانَ أَبوهُ قد كبر وَضعف فَلَمَّا طَالَتْ غيبَة كلابٍ عَنهُ قَالَ:) (لمن شَيْخَانِ قد نشدا كلابا ... كتاب الله لَو قبل الكتابا) (أناديه فَيعرض فِي إباءٍ ... فَلَا وَأبي كلابٍ مَا أصابا) ...

стр. 2418

(إِذا سجعت حمامة بطن وجٍّ ... إِلَى بيضاتها دعوا كلابا) (أَتَاهُ مهاجران تكنفاه ... فَفَارَقَ شَيْخه خطئاً وخابا) (تركت أَبَاك مرعشةً يَدَاهُ ... وأمك مَا تسيغ لَهَا شرابًا) (تمسح مهدة شفقاً عَلَيْهِ ... وتجنبه أباعرها الصعابا) (فَإنَّك وابتغاء الْأجر بعدِي ... كباغي المَاء يتبع السرابا) قَالَ: تجنبه وتجنبه وَاحِد من قَول الله تَعَالَى: واجنبني وَبني أَن نعْبد الْأَصْنَام. فبلغت أبياته عمر رَضِي الله فَلم يردد كلابا وَطَالَ مقَامه فأهتر أُميَّة وخلط جزعاً عَلَيْهِ ثمَّ أَتَاهُ يَوْمًا وَهُوَ فِي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ َ وَحَوله الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار. فَوقف عَلَيْهِ وَأَنْشَأَ يَقُول:

стр. 2419

(فإمَّا كنت عاذلتي فردي ... كلاباً إِذْ توجه للعراق) (وَلم أقض اللبانة من كلابٍ ... غَدَاة غَدا وآذن بالفراق) (فَتى الفتيان فِي عسرٍ ويسرٍ ... شَدِيد الرُّكْن فِي يَوْم التلاقي) (فَلَا وَأَبِيك مَا باليت وجدي ... وَلَا شغفي عَلَيْك وَلَا اشتياقي) (وإبقائي عَلَيْك إِذا شتونا ... وضمك تَحت نحري واعتناقي) (فَلَو فلق الْفُؤَاد شَدِيد وجدٍ ... لَهُم سَواد قلبِي بانفلاق) (سأستعدي على الْفَارُوق رَبًّا ... لَهُ دفع الحجيج إِلَى بساق) (وأدعو الله مُجْتَهدا عَلَيْهِ ... بِبَطن الأخشبين إِلَى دفاق) ...

стр. 2420

(إِن الْفَارُوق لم يردد كلاباً ... إِلَى شيخين هامهما زواقي) قَالَ: فَبكى عمر بكاء شَدِيدا وَكتب إِلَى سعد بن أبي وَقاص بِالْكُوفَةِ يَأْمُرهُ بإقفال كلاب بن أُميَّة إِلَى الْمَدِينَة فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: مَا بلغ من برك بأبيك قَالَ: كنت أوثره وأكفيه أمره وَكنت أعْتَمد إِذا أردْت أَن أحلب لَهُ لَبَنًا أغزر ناقةٍ فِي أبله وأسمنها فأريحها فأتركها حَتَّى تَسْتَقِر ثمَّ أغسل أخلافها حَتَّى تبرد ثمَّ أحلب لَهُ فأسقيه. فَبعث عمر إِلَى أُميَّة فجَاء يتهادى وَقد ضعف بَصَره وانحنى فَقَالَ لَهُ: كَيفَ أَنْت يَا أَبَا كلاب فَقَالَ: كَمَا ترى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ.) قَالَ: فَهَل لَك من حَاجَة قَالَ: نعم أشتهي أَن أرى كلاباً فأشمه شمةً وأضمه ضمةً قبل أَن أَمُوت فَبكى عمر وَقَالَ: ستبلغ فِي هَذَا مَا تحب إِن شَاءَ الله ثمَّ أَمر كلاباً أَن يحتلب لِأَبِيهِ نَاقَة كَمَا كَانَ يفعل وَيبْعَث إِلَيْهِ بلبنها. فَفعل فَنَاوَلَهُ عمر الْإِنَاء وَقَالَ: دُونك هَذَا يَا أَبَا كلاب. فَلَمَّا أَخذه وَأَدْنَاهُ إِلَى فَمه قَالَ: لعمر الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنِّي لأشم رَائِحَة يَدي كلاب من هَذَا الْإِنَاء. فَبكى عمر وَقَالَ لَهُ: هَذَا كلابٌ عنْدك حَاضر قد جئْنَاك بِهِ. فَوَثَبَ إِلَى إبنه فضمه إِلَيْهِ وَقَبله وَجعل عمر يبكي وَمن حَضَره وَقَالَ لكلاب: الزم أَبَوَيْك فَجَاهد فيهمَا مَا بقيا ثمَّ شَأْنك بِنَفْسِك بعدهمَا. وَأمر لَهُ بعطائه وَصَرفه إِلَى أَبِيه فَلم يزل مَعَه مُقيما حَتَّى مَاتَ أَبَوَاهُ. وَأخْبرنَا الْحسن بن عَليّ قَالَ: حَدثنَا الْحَارِث عَن الْمَدَائِنِي قَالَ: لما مَاتَ أُميَّة بن الأسكر عَاد ابْنه كلاب إِلَى الْبَصْرَة فَكَانَ يَغْزُو مَعَ الْمُسلمين مِنْهَا مغازيهم وَشهد فتوحاً كَثِيرَة. وَبَقِي إِلَى أَيَّام زِيَاد فولاه الأبلة فَسمع كلابٌ يَوْمًا عُثْمَان بن
следующие страницы →