Полный текст (5 658 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2416
(أَلا سَائل هوان يَوْم لاقوا ... فوارس من كنَانَة معلمينا)
(لَدَى شربٍ قد جاشوا وجشنا ... فأوعب فِي النفير بَنو أَبينَا)
وَقَالَ: ثمَّ الْتَقَوْا على رَأس الْحول بالحريرة وَهِي حرةٌ إِلَى جنب عكاظ مِمَّا يَلِي مهب جنوبها فَكَانَ لهوازن على قُرَيْش وكنانة. والشرر بِفتْحَتَيْنِ هُوَ إِمَّا جمع شررة وَهُوَ مَا يتطاير من النَّار وَكَذَلِكَ الشرار والشرارة وَإِمَّا مصدر شررت يَا رجل بِفَتْح الرَّاء وَكسرهَا شرا وشرراً من الشَّرّ نقيض الْخَيْر. وَقَوله: من روس قَوْمك هُوَ بِحَذْف الْهمزَة من رُؤُوس. وَقَوله: ضربا إِمَّا مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي: بضربٍ وَإِمَّا مَنْصُوب بعاملٍ محذوفٍ حَال من الْوَاو فِي طيروا أَي: يضْربُونَ ضربا أَو ضاربين ضربا. والمصاقيل: جمع مصقول من الصقل وَهُوَ جلاء الْحَدِيد وتحديده أَي: جعله قَاطعا. أَرَادَ كل آلَة حديدٍ من السِّلَاح مثل السَّيْف والسنان. وَالْبَيْت لأمية بن الأسكر الْكِنَانِي. وَلم أَقف على مَا قبله وَلَا مَا بعده.
стр. 2417
وَأُميَّة كَمَا قَالَ صَاحب الأغاني: أُميَّة بن حرثان بن الأسكر بن عبد الله بن سرابيل الْمَوْت بن زهرَة بن زبينة بن جندع بن لَيْث بن بكر بن عبد مَنَاة ابْن كنَانَة بن خُزَيْمَة بن مدركة بن إلْيَاس بن مُضر بن نزار. شاعرٌ فَارس مخضرم أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام. وَكَانَ من سَادَات قومه وفرسانهم وَله أيامٌ مأثورة مَذْكُورَة. وَابْنه كلاب بن أُميَّة أَيْضا أدْرك النَّبِي ﷺ َ فَأسلم مَعَ أَبِيه ثمَّ هَاجر إِلَى النَّبِي ﷺ َ. وروى صَاحب الأغاني بِسَنَدِهِ إِلَى الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة بن الزبير قَالَ: هَاجر كلاب بن أُميَّة بن الأسكر إِلَى الْمَدِينَة فِي خلَافَة عمر بن الْخطاب فَأَقَامَ بهَا مُدَّة ثمَّ لَقِي ذَات يومٍ طَلْحَة بن عبيد الله وَالزُّبَيْر بن الْعَوام فَسَأَلَهُمَا: أَي الْأَعْمَال أفضل فِي الْإِسْلَام فَقَالَا: الْجِهَاد. فَسَأَلَ عمر فأغزاه فِي جَيش وَكَانَ أَبوهُ قد كبر وَضعف فَلَمَّا طَالَتْ غيبَة كلابٍ عَنهُ قَالَ:)
(لمن شَيْخَانِ قد نشدا كلابا ... كتاب الله لَو قبل الكتابا)
(أناديه فَيعرض فِي إباءٍ ... فَلَا وَأبي كلابٍ مَا أصابا)
...
стр. 2418
(إِذا سجعت حمامة بطن وجٍّ ... إِلَى بيضاتها دعوا كلابا)
(أَتَاهُ مهاجران تكنفاه ... فَفَارَقَ شَيْخه خطئاً وخابا)
(تركت أَبَاك مرعشةً يَدَاهُ ... وأمك مَا تسيغ لَهَا شرابًا)
(تمسح مهدة شفقاً عَلَيْهِ ... وتجنبه أباعرها الصعابا)
(فَإنَّك وابتغاء الْأجر بعدِي ... كباغي المَاء يتبع السرابا)
قَالَ: تجنبه وتجنبه وَاحِد من قَول الله تَعَالَى: واجنبني وَبني أَن نعْبد الْأَصْنَام. فبلغت أبياته عمر رَضِي الله فَلم يردد كلابا وَطَالَ مقَامه فأهتر أُميَّة وخلط جزعاً عَلَيْهِ ثمَّ أَتَاهُ يَوْمًا وَهُوَ فِي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ َ وَحَوله الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار. فَوقف عَلَيْهِ وَأَنْشَأَ يَقُول:
стр. 2419
(فإمَّا كنت عاذلتي فردي ... كلاباً إِذْ توجه للعراق)
(وَلم أقض اللبانة من كلابٍ ... غَدَاة غَدا وآذن بالفراق)
(فَتى الفتيان فِي عسرٍ ويسرٍ ... شَدِيد الرُّكْن فِي يَوْم التلاقي)
(فَلَا وَأَبِيك مَا باليت وجدي ... وَلَا شغفي عَلَيْك وَلَا اشتياقي)
(وإبقائي عَلَيْك إِذا شتونا ... وضمك تَحت نحري واعتناقي)
(فَلَو فلق الْفُؤَاد شَدِيد وجدٍ ... لَهُم سَواد قلبِي بانفلاق)
(سأستعدي على الْفَارُوق رَبًّا ... لَهُ دفع الحجيج إِلَى بساق)
(وأدعو الله مُجْتَهدا عَلَيْهِ ... بِبَطن الأخشبين إِلَى دفاق)
...
стр. 2420
(إِن الْفَارُوق لم يردد كلاباً ... إِلَى شيخين هامهما زواقي)
قَالَ: فَبكى عمر بكاء شَدِيدا وَكتب إِلَى سعد بن أبي وَقاص بِالْكُوفَةِ يَأْمُرهُ بإقفال كلاب بن أُميَّة إِلَى الْمَدِينَة فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: مَا بلغ من برك بأبيك قَالَ: كنت أوثره وأكفيه أمره وَكنت أعْتَمد إِذا أردْت أَن أحلب لَهُ لَبَنًا أغزر ناقةٍ فِي أبله وأسمنها فأريحها فأتركها حَتَّى تَسْتَقِر ثمَّ أغسل أخلافها حَتَّى تبرد ثمَّ أحلب لَهُ فأسقيه. فَبعث عمر إِلَى أُميَّة فجَاء يتهادى وَقد ضعف بَصَره وانحنى فَقَالَ لَهُ: كَيفَ أَنْت يَا أَبَا كلاب فَقَالَ: كَمَا ترى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ.)
قَالَ: فَهَل لَك من حَاجَة قَالَ: نعم أشتهي أَن أرى كلاباً فأشمه شمةً وأضمه ضمةً قبل أَن أَمُوت فَبكى عمر وَقَالَ: ستبلغ فِي هَذَا مَا تحب إِن شَاءَ الله ثمَّ أَمر كلاباً أَن يحتلب لِأَبِيهِ نَاقَة كَمَا كَانَ يفعل وَيبْعَث إِلَيْهِ بلبنها. فَفعل فَنَاوَلَهُ عمر الْإِنَاء وَقَالَ: دُونك هَذَا يَا أَبَا كلاب. فَلَمَّا أَخذه وَأَدْنَاهُ إِلَى فَمه قَالَ: لعمر الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنِّي لأشم رَائِحَة يَدي كلاب من هَذَا الْإِنَاء.
فَبكى عمر وَقَالَ لَهُ: هَذَا كلابٌ عنْدك حَاضر قد جئْنَاك بِهِ. فَوَثَبَ إِلَى إبنه فضمه إِلَيْهِ وَقَبله وَجعل عمر يبكي وَمن حَضَره وَقَالَ لكلاب: الزم أَبَوَيْك فَجَاهد فيهمَا مَا بقيا ثمَّ شَأْنك بِنَفْسِك بعدهمَا.
وَأمر لَهُ بعطائه وَصَرفه إِلَى أَبِيه فَلم يزل مَعَه مُقيما حَتَّى مَاتَ أَبَوَاهُ. وَأخْبرنَا الْحسن بن عَليّ قَالَ: حَدثنَا الْحَارِث عَن الْمَدَائِنِي قَالَ: لما مَاتَ أُميَّة بن الأسكر عَاد ابْنه كلاب إِلَى الْبَصْرَة فَكَانَ يَغْزُو مَعَ الْمُسلمين مِنْهَا مغازيهم وَشهد فتوحاً كَثِيرَة. وَبَقِي إِلَى أَيَّام زِيَاد فولاه الأبلة فَسمع كلابٌ يَوْمًا عُثْمَان بن
стр. 2421
أبي الْعَاصِ يحدث إِلَى دَاوُد نَبِي الله ﵇ كَانَ يجمع أَهله فِي السحر فَيَقُول: ادعوا ربكُم فَإِن فِي السحر سَاعَة لَا يَدْعُو فِيهَا عبدٌ مُؤمن إِلَّا غفر لَهُ إِلَّا أَن يكون عشاراً أَو عريفاً. فَلَمَّا سمع ذَلِك كلابٌ كتب إِلَى زيادٍ فاستعفاه من عمله فأعفاه. قَالَ الْمَدَائِنِي: وَلم يزل كلابٌ بِالْبَصْرَةِ حَتَّى مَاتَ. والمربعة الْمَعْرُوفَة بمربعة كلابٍ بِالْبَصْرَةِ منسوبة إِلَيْهِ. قَالَ: وَعمر أُميَّة بن الأسكر عمرا طَويلا حَتَّى خرف. وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَاتِم فِي كتاب المعمرين. وَلم يذكر مَا مِقْدَار عمره وَفِي أَي سنةٍ أسلم وَفِي أَي سنةٍ مَاتَ. وَالله أعلم.
وَنقل صَاحب الأغاني عَن أبي عمرٍ والشَّيْبَانِيّ أَن كلاب بن أُميَّة هَاجر إِلَى النَّبِي ﷺ َ فَقَالَ فِيهِ أَبوهُ شعرًا فَأمره النَّبِي ﷺ َ بصلَة أَبِيه وملازمة طَاعَته. ثمَّ قَالَ: هَذَا خطأ من أبي عَمْرو وَإِنَّمَا أمره بذلك عمر. وَذكره ابْن حجر فِي قسم الصَّحَابَة ثمَّ قَالَ: إِنَّمَا لم أؤخره إِلَى المخضرمين لقَوْل أبي عمرٍ والشَّيْبَانِيّ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي بَقِيَّة الْأَخْبَار مَا يَنْفِيه فَهُوَ على الِاحْتِمَال وَلَا سِيمَا من رجل كناني من جيران قُرَيْش. اه. وَذكر الذَّهَبِيّ أُميَّة هَذَا فِي التَّجْرِيد وَقَالَ: فِي صحبته نظر.
قَالَ ابْن حجر: الأسكر بِالسِّين الْمُهْملَة فِيمَا صَوبه الجياني.
وَضَبطه ابْن عبد الْبر بِالْمُعْجَمَةِ.
стр. 2422
تَتِمَّة الشَّاهِد الْمَشْهُور فِيمَا بَين النَّحْوِيين لقَولهم: اللذون هُوَ قَوْله:
(نَحن اللذون صبحوا الصباحا ... يَوْم النخيل غَارة ملحاحا)
قِطْعَة من أرجوزة أوردهَا أَبُو زيد فِي نوادره وَقَالَ: هِيَ لأبي حَرْب الأعلم من بني عقيل بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ شاعرٌ جاهلي. وبعدهما:)
(نَحن قتلنَا الْملك الجحجاحا ... وَلم نَدع لسارحٍ مراحا)
(وَلَا ديارًا أَو دَمًا مفاحا ... نَحن بَنو خويلدٍ صراحا)
لَا كذب الْيَوْم وَلَا مراحا قَوْله: أَو دَمًا مفاحا أَو فِي معنى وَاو الْعَطف. والمفاح: المهراق. يُقَال: فاح دَمه وأفاح جَمِيعًا يفيح فيحاً ويفيح إفاحةً. لم يعرف الرياشي وَلَا أَبُو حَاتِم: أفاح. لَا كذب الْيَوْم وَلَا مراحا أَي: بِضَم الْمِيم قَالَ أَبُو حَاتِم: مراحا بِكَسْر الْمِيم وبالراء الْمُهْملَة وَهُوَ النشاط.
قَالَ أَبُو زيد: أفحت دَمه ففاح يفيح فيحاناً. والجحجاح: السَّيِّد. هَذَا مَا فِي النَّوَادِر. والنخيل بِالتَّصْغِيرِ: عين ماءٍ قرب الْمَدِينَة على مشرفها الصَّلَاة وَالسَّلَام وموضعٌ من نواحي الشَّام. وَلم يذكر أَبُو عبيد فِي مُعْجم مَا استعجم هَذَا اللَّفْظ وَلَا ذَا النخيل وَهُوَ مَوضِع قرب مَكَّة وَمَوْضِع قرب حَضرمَوْت.
قَالَه الصغاني فِي الْعباب.
стр. 2423
وخلط الْعَيْنِيّ بَينهمَا فَقَالَ: نخيل: أَرْبَعَة مَوَاضِع. ثمَّ ذكر معنييهما.
والغارة: اسمٌ من الإغارة على الْعَدو وملحاحاً صفة غَارة وَلم يؤنثه لعدم اعْتِبَار تَأْنِيث الْمصدر لِأَنَّهُ فِي تَأْوِيل أَن وَالْفِعْل وَهَذَا لَا يَتَّصِف بتأنيث أَو لِأَنَّهُ بِمَعْنى النِّسْبَة أَي: ذَات إلحاح كَقَوْلِه تَعَالَى: السَّمَاء منفطرٌ بِهِ أَي: ذَات انفطار. وَهُوَ من ألح الْمَطَر إِذا دَامَ. والسارح: المَال السائم. والمراح بِالضَّمِّ: اسْم مكانٍ من أراح إبِله إِذا ردهَا إِلَى المراح وَهُوَ حَيْثُ تأوي إِلَيْهِ الْإِبِل وَالْغنم بِاللَّيْلِ وَلَا يكون ذَلِك إِلَّا بعد الزَّوَال. وصراح بِالْكَسْرِ: جمع صَرِيح وَهُوَ الْخَالِص فِي النّسَب ككرامٍ جمع كريم. وروى الْعَيْنِيّ عَن الصَّاغَانِي فِي الْعباب أَن الرجز لليلى الأخيلية فِي قتل دهر الْجعْفِيّ وَأَن الرِّوَايَة كَذَا:
(لَا كذب الْيَوْم وَلَا مراحا ... قومِي اللَّذين صبحوا الصباحا)
(يَوْم النخيل غَارة ملحاحا ... مذْحج فاجتحناهم اجتياحا)
فَلم نَدع لسارحٍ مراحا
إِلَى آخر الأبيات. وَعَلَيْهَا لَا شَاهد فِيهِ. وأنواح: جمع نوح بِفَتْح النُّون. ومذحج بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة بعد الذَّال الْمُعْجَمَة
стр. 2424
الساكنة: قبيلةٌ كَبِيرَة. فاجتحناهم من الإجتياح بِتَقْدِيم الْجِيم على الْحَاء الْمُهْملَة وَهُوَ الإهلاك والاستئصال. وصبحه بِمَعْنى أَتَاهُ صباحاً. وغارة مفعول لأَجله.
وَقَالَ الْعَيْنِيّ وَيجوز أَن يكون حَالا من الْوَاو فِي صبحوا. وَقد فتشت هَذَا الرجز بِجَمِيعِ مواد أَلْفَاظه فِي الْعباب فَلم أرى لَهُ فِيهِ أثرا وَلم أدر من أَي مَادَّة نَقله. وَالله أعلم. وَأنْشد بعده)
الشَّاهِد السَّادِس وَالْعشْرُونَ بعد الأربعمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(وَإِن الَّذِي حانت بفلجٍ دِمَاؤُهُمْ ... هم الْقَوْم كل الْقَوْم يَا أم خَالِد)
على أَن أَصله: وَإِن الَّذين وحذفت النُّون مِنْهُ تَخْفِيفًا. وَقد تقدم نَص سِيبَوَيْهٍ فِي هَذَا الْبَيْت عِنْد شرح قَوْله:
أبني كُلَيْب إِن عمي اللذا الْبَيْت قبل هَذَا ببيتين. قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ حذف النُّون من اللَّذين اسْتِخْفَافًا وَالدَّلِيل على أَنه أراوبة الْجمع قَوْله دِمَاؤُهُمْ وَيجوز أَن يكون الَّذِي وَاحِدًا. يُؤَدِّي عَن الْجمع لإبهامه وَيكون الضَّمِير مَحْمُولا على الْمَعْنى فَيجمع كَمَا قَالَ جلّ وَعز: وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ أُولَئِكَ هم المتقون. رثى قوما قتلوا بفلج وَهُوَ موضعٌ بِعَيْنِه كَانَت فِيهِ وقْعَة. اه.
стр. 2425
وَأوردهُ ابْن جني فِي الْمُحْتَسب عِنْد قِرَاءَة من قَرَأَ: والمقيمي الصَّلَاة بِالنّصب قَالَ: أَرَادَ المقيمين فَحذف النُّون تَخْفِيفًا. أَو شبه ذَلِك باللذين فِي قَوْله: فَإِن الَّذِي حانت بفلجٍ دِمَاؤُهُمْ الْبَيْت وَأوردهُ صَاحب الْكَشَّاف أَيْضا عِنْد قَوْله تَعَالَى: آلم ذَلِك الْكتاب على أَن السُّورَة الْمُسَمَّاة ب آلم هُوَ الْكتاب لكماله حَتَّى كَأَن مَا عداهُ من الْكتب بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ لَا يسْتَحق أَن يُسمى كتابا من بَاب حصر الْجِنْس فِي بعض أَفْرَاده على حد قَوْلك: زيد هُوَ الرجل أَي: الْكَامِل فِي الرجولية.
وَلما كَانَ ذَلِك مستبعداً فِي الأوهام أَتَى بِمَا صرح بِهِ بحصر كل الْجِنْس فِي الْفَرد الْكَامِل فِي قَوْله: هم الْقَوْم كل الْقَوْم يَا أم خَالِد إِزَالَة لذَلِك الْوَهم. وَالْمعْنَى: إِن اللَّذين هَلَكُوا بِهَذَا الْموضع هم الْقَوْم وَالرِّجَال الكاملون فاعلمي ذَلِك وابكي عَلَيْهِم يَا أم خَالِد. قَالَ الواحدي: قَوْلهم يَا أم خَالِد وَيَا ابْنة الْقَوْم هُوَ من عَادَة الْعَرَب بِهَذَا الْخطاب للنِّسَاء لحثهن على الْبكاء. وكل الْقَوْم صفة للْقَوْم دلَالَة على كمالهم.
وَبِه أوردهُ ابْن هِشَام فِي كل من الْمُغنِي. والحين بِالْفَتْح: الْهَلَاك. وحان الرجل: هلك. وأحانه الله أهلكه. ودماؤهم: فَاعل حانت. وَمعنى حانت دِمَاؤُهُمْ: لم يُؤْخَذ لَهُم بدية وَلَا قصاص. وفلج بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون اللَّام وَآخره جِيم. قَالَ أَبُو عبيد فِي مُعْجم مَا استعجم: هُوَ موضعٌ فِي بِلَاد بني مَازِن وَهُوَ فِي طَرِيق الْبَصْرَة إِلَى مَكَّة وَفِيه منَازِل للحجاج. وَقَالَ الزّجاج: هُوَ مَاء لبني العنبر)
وَمَا بَين الْحِيَل إِلَى
стр. 2426
المجازة. وَقَالَ ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ: قَالَ أَبُو مَنْصُور: فلجٌ اسْم بلد وَمِنْه قيل لطريق يُؤْخَذ من طَرِيق الْبَصْرَة إِلَى الْيَمَامَة: طَرِيق فلج. وَأنْشد: وَإِن الَّذِي حانت بفلج دِمَاؤُهُمْ وَقَالَ غَيره: فلج وادٍ بَين الْبَصْرَة وَحمى ضرية من منَازِل عدي بن جُنْدُب بن العنبر بن عَمْرو بن تَمِيم من طَرِيق مَكَّة. وبطن وادٍ يفرق بَين الْحزن والصمان يسْلك مِنْهُ طَرِيق الْبَصْرَة إِلَى مَكَّة وَمِنْه إِلَى مَكَّة أربعٌ وَعِشْرُونَ مرحلة. وَهَذَا الْبَيْت أنْشدهُ الجاحظ فِي الْبَيَان والتبيين بِدُونِ وَاو مَعَ بَيْتَيْنِ بعده للأشهب بن رميلة وهما:
(هم ساعد الدَّهْر الَّذِي يتقى بِهِ ... وَمَا خير كفٍّ لَا ينوء بساعد)
(أسود شرى لاقت أسود خُفْيَة ... تساقوا على حردٍ دِمَاء الأساود)
...
стр. 2427
(هم كَاهِل الدَّهْر الَّذِي يتقى بِهِ ... ومنكبه إِن كَانَ للدهر منْكب)
وأنشده الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف للأشهب بن رميلة أَيْضا مَعَ الْبَيْت الثَّانِي فَقَط وَهُوَ: هم ساعد الدَّهْر إِلَّا أَنه أنْشدهُ: فَإِن الَّذِي بِالْفَاءِ. وَقد أنْشد الأبيات الثَّلَاثَة أَحْمد بن أبي سهل بن عَاصِم الْحلْوانِي فِي كتاب أَسمَاء الشُّعَرَاء المنسوبين إِلَى أمهاتهم إِلَّا أَنه أنْشد الْبَيْت الأول كَذَا: إِن الَّتِي مارت بفلجٍ دِمَاؤُهُمْ وَعَلِيهِ لَا شَاهد فِيهِ وَمن خطه نقلت. فَيكون بِتَقْدِير: إِن الْجَمَاعَة الَّتِي مارت أَي: ساحت وَجَرت. يُقَال: مار الدَّم على وَجه الأَرْض. وينوء. بِمَعْنى ينْهض. وَفِي مُعْجم مَا استعجم: قَالَ الْأَصْمَعِي: الشرى: أَرض فِي جِهَة الْيمن وَهِي مأسدة. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. قَالَ أَبُو الْفَتْح: لَام الشرى ياءٌ لِأَنَّهَا مَجْهُولَة وَالْيَاء أغلب على اللَّام من الْوَاو. قَالَ: وَكَذَلِكَ رَأَيْته فِي الْخط الْعَتِيق مَكْتُوبًا بِالْيَاءِ. اه. وَقَالَ صَاحب الصِّحَاح: والشرى: طريقٌ فِي سلمى كَثِيرَة الْأسد. وخفية بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الْفَاء قَالَ صَاحب الصِّحَاح: قَوْلهم أسود خُفْيَة كَقَوْلِهِم: أسود غابة وهما مأسدتان.
وَقَالَ صَاحب المعجم: خُفْيَة: اسْم غيضة ملتفة تتخذها الْأسد عريسة. كَذَا قَالَ الْخَلِيل وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. وحرد بِفَتْح الْحَاء وَسُكُون الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ: مصدر حرد من بَاب
стр. 2428
ضرب بِمَعْنى قصد وَبِمَعْنى غضب من بَاب فَرح أَيْضا. وَدِمَاء: مفعول تساقوا أَي: سقِِي كلٌّ مِنْهُمَا دم الأساود. وَهُوَ إِمَّا جمع أسود على أفعل وَهُوَ الْعَظِيم من الْحَيَّات وَفِيه سَواد. وَهُوَ اسمٌ لَهُ وَلَو كَانَ وَصفا لجمع على فعل بِالضَّمِّ. وَإِمَّا جمع أسود بِالضَّمِّ وَهُوَ جمع أَسد فَيكون)
جمع الْجمع. وَالْمرَاد بالأساود الشجعان وَهُوَ عبارةٌ عَنْهُم وَعَن أخصامهم. وَقَالَ الْعَيْنِيّ وَتَبعهُ السُّيُوطِيّ: الأساود: جمع أَسْوِدَة وأسودةٌ: جمع سَواد والسواد: الشَّخْص وَأَرَادَ بالأساود شخوص الْمَوْتَى. وروى سمام بدل دِمَاء وَقَالَ: هُوَ جمع سمٍّ. فَالْمُنَاسِب على هَذِه الرِّوَايَة تَفْسِير الأساود بالحيات. وروى أَبُو تَمام الْبَيْت الشَّاهِد فِي كتاب مُخْتَار أشعار الْقَبَائِل آخر أبياتٍ خمسةٍ لحريث بن محفض وَهِي:
(ألم تَرَ أَنِّي بعد عمرٍ وومالكٍ ... وَعُرْوَة وَابْن الهول لست بِخَالِد)
(وَكَانُوا بني سَادَاتنَا فَكَأَنَّمَا ... تساقوا على لوحٍ دِمَاء الأساود)
(وَمَا نَحن إِلَّا مثلهم غير أننا ... كمنتظرٍ ظمأً وَآخر وَارِد)
هم ساعد الدَّهْر الَّذِي يتقى بهم وَمَا خير كفٍّ لَا تنوء بساعد فَإِن الألى حانت بفلجٍ دِمَاؤُهُمْ ... ... ... ... ... . . الْبَيْت والألى بِمَعْنى اللَّذين وعَلى هَذِه الرِّوَايَة أَيْضا لَا شَاهد فِيهِ.
стр. 2429
واللوح بِفَتْح اللَّام وَسُكُون الْوَاو آخِره حاء مُهْملَة: الْعَطش. والظمء بِكَسْر الظَّاء المشالة وَسُكُون الْمِيم بعْدهَا همزَة: اسْم الزَّمَان الَّذِي يكون بَين الشربتين
لِلْإِبِلِ من الظمأ بِفَتْح الْمِيم وَهُوَ الْعَطش. وَآخر: ضد أول مَعْطُوف على منتظر. أما الْأَشْهب بن رميلة فَهُوَ شاعرٌ إسلامي مخضرم أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام أسلم وَلم تعرف لَهُ صُحْبَة واجتماعٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ َ وَلِهَذَا أوردهُ ابْن حجر فِي قسم المخضرمين من الْإِصَابَة. ورميلة: اسْم أمه وَهِي بِضَم الرَّاء الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم.
وَذكره المرزباني فِي مُعْجم الشُّعَرَاء فِي حرف الزاء الْمُعْجَمَة. قَالَ صَاحب الأغاني: هُوَ الْأَشْهب بن ثَوْر بن أبي حَارِثَة بن عبد المدان بن جندل بن نهشل بن دارم بن عَمْرو بن تَمِيم. وَفِي المؤتلف والمختلف وَفِي كتاب الشُّعَرَاء المنسوبين إِلَى أمهاتهم: الْمُنْذر بدل عبد المدان. وَفِي مُخْتَصر الجمهرة لياقوت ابْن عبد الْمُنْذر. وَالله أعلم. ورميلة أمه وَهِي أمةٌ لخَالِد بن مَالك بن ربيعي بن سلمى بن جندل الْمَذْكُور. قَالَ أَبُو عَمْرو: وَلَدهَا يَزْعمُونَ أَنَّهَا كَانَت سبية من سَبَايَا الْعَرَب فَولدت لثور ابْن أبي حَارِثَة أَرْبَعَة نفر وهم ربَاب وحجناء والأشهب وصويط. وَكَانُوا من أَشد أخوةٍ لِسَانا ويداً ومنعة للجانب فكثرت أَمْوَالهم فِي الْإِسْلَام. وَكَانَ أبوهم ثورٌ ابْتَاعَ رميلة فِي الْجَاهِلِيَّة وولدتهم فِي
стр. 2430
الْجَاهِلِيَّة فعزو عزا كثيرا
حَتَّى إِذا وردوا مَاء من مَاء الصمان حظروا على النَّاس مَا يريدونه مِنْهُ. وَكَانَت لرميلة قطيفةٌ حَمْرَاء فَكَانُوا يَأْخُذُونَ الهدب من تِلْكَ القطيفة)
فيلقونه على المَاء أَي: قد سبقنَا إِلَى هَذَا فَلَا يردهُ أحدٌ لعزهم فَيَأْخُذُونَ من المَاء مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ. فَوَرَدُوا فِي بعض السنين مَاء من مَاء الصمان وَورد مَعَهم ناسٌ من بني قطن بن نهشل فأورد بَعضهم بعيره فأشرعه حوضاً قد حظروا عَلَيْهِ. وبلغهم ذَلِك فغضبوا فَاقْتَتلُوا فَضرب ربَاب بن رميلة رَأس بشير بن صبيح فَمَاتَ بشير فِي ليلته فَقتل ربَاب قودا وَلما أَرَادوا ضرب عُنُقه قَالُوا لَهُ: أوصنا. قَالَ لَهُم: دَعونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. فصلى ثمَّ قَالَ: أما وَالله إِنِّي إِلَى رَبِّي لذُو حَاجَة وَمَا مَنَعَنِي أَن أَزِيد فِي صَلَاتي إِلَّا أَن تَقولُوا: خَافَ من الْمَوْت فليضربني مِنْكُم رجل شَدِيد الساعد حَدِيد السَّيْف. فدفعوه إِلَى ابْن خُزَيْمَة بن بشير فَضرب عُنُقه وَذَلِكَ فِي الْفِتْنَة بعد مقتل بن عَفَّان. ورثاه أَخُوهُ الْأَشْهب بقصائد. وَفِي كتاب الشُّعَرَاء المنسوبين إِلَى أمهاتهم ونقلته من خطّ مُؤَلفه: كَانَ الْأَشْهب يهاجي الفرزدق ولقيه يَوْمًا عِنْد بَاب عُثْمَان بن عَفَّان وَهُوَ يُرِيد أَن يجوز نهر أم عبد الله على قنطرة فاحتبسه الفرزدق عَلَيْهَا الفرزدق على فرس فَقَالَ الْأَشْهب: ...
стр. 2431
(يَا عجبا هَل يركب الْقَيْن الْفرس ... وعرق الْقَيْن على الْخَيل نجس)
(والقين لَا يصلح إِلَّا مَا جلس ... بالكلبتين والعلاة والقبس)
ثمَّ إِن غَالِبا لما بلغه مَا قَالَ الْأَشْهب أَتَاهُ لَيْلًا فتعوذ مِنْهُ وَقَالَ: أتشتمنا من غير إحنةٍ فَأمْسك عَنَّا. فَقَالَ الْأَشْهب: هلا كَانَ هَذَا نَهَارا وَيُقَال: كَانَ الْأَشْهب ابْن رميلة يهجو غَالِبا أَبَا الفرزدق فَقَالَ الفرزدق: رُبمَا بَكَيْت من الْجزع أَن الْأَشْهب كَانَ يهجونا فَأُرِيد أَن أُجِيبهُ فَلَا يَتَأَتَّى لي الشّعْر ثمَّ فتح الله عَليّ فهجوته فغلبته وَسقط بعد ذَلِك. وَأما حُرَيْث بن محفض فَهُوَ شاعرٌ إسلاميٌ من شعراء الدولة الأموية. وحريث بِضَم الْحَاء وَفتح الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَآخره ثاء مُثَلّثَة. ومحفض بِضَم الْمِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الْفَاء المشدودة وَآخره ضاد مُعْجمَة وَهُوَ فِي الأَصْل اسْم فَاعل من حفضه تحفيضاً إِذا طَرحه خَلفه وَخَلفه وَرَاءه. وحفضه بِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنى أَلْقَاهُ وَطَرحه من يَده كحفضه تحفيضاً. وحفض الْعود بِالتَّخْفِيفِ أَيْضا بِمَعْنى حناه وَعطفه. قَالَ الإِمَام أَبُو أَحْمد الْحسن بن عبد الله العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف فِي بَاب مَا يشكل ويصحف من أَسمَاء الشُّعَرَاء: هَذَا بَاب صعبٌ لَا يكَاد يضبطه إِلَّا كثير الرِّوَايَة غزير الدِّرَايَة. وَقَالَ أَبُو الْحسن عَليّ بن
стр. 2432
عَبدُوس الأرجاني وَكَانَ فَاضلا ومتقدماً وَقد نظر فِي كتابي هَذَا فَلَمَّا بلغ هَذَا الْبَاب قَالَ لي: كم عدَّة أَسمَاء الشُّعَرَاء الَّذين ذكرتهم فَقلت: مائةٌ ونيف.)
فَقَالَ لي: إِنِّي لأعجب كَيفَ استتب لَك هَذَا فقد كُنَّا بِبَغْدَاد وَالْعُلَمَاء بهَا متوافرون وَذكر أَبَا إِسْحَاق الزّجاج وَأَبا مُوسَى الحامض وَأَبا مُحَمَّد الْأَنْبَارِي واليزيدي وَغَيرهم فاختلفنا فِي إسم شاعرٍ وَاحِد وَهُوَ حُرَيْث بن محفض وكتبنا أَربع قاعٍ إِلَى أربعةٍ من الْعلمَاء فَأجَاب كل واحدٍ مِنْهُم بِمَا يُخَالف الآخر فَقَالَ
بَعضهم مخفض بِالْخَاءِ وَالضَّاد المعجمتين وَقَالَ آخر: ابْن محفض وَقَالَ آخر: ابْن محفض. فَقُلْنَا: لَيْسَ لهَذَا إِلَّا أَبُو بكر بن دُرَيْد. فقصدناه فِي منزله فعرفناه مَا جرى فَقَالَ ابْن دُرَيْد: أَيْن يذهب بكم هَذَا مَشْهُور هُوَ حُرَيْث بن محفض الْحَاء غير مُعْجمَة ومفتوحة وَالْفَاء مُشَدّدَة ومكسورة وَالضَّاد منقوطة. وَهُوَ من بني تَمِيم ثمَّ من بني مَازِن بن عَمْرو بن تَمِيم. وَهُوَ الْقَائِل:
(ألم تَرَ قومِي إِن دعوا لملمةٍ ... أجابوا وَإِن أغضب على الْقَوْم يغضبوا)
(هم حفظوا غيي كَمَا كنت حَافِظًا ... لقومي أُخْرَى مثلهَا إِن تغيبوا)
стр. 2433
.
(بَنو الْحَرْب لم تقعد بهم أمهاتهم ... وآباؤهم آبَاء صدقٍ فأنجبوا)
وتمثل الْحجَّاج بِهَذِهِ الأبيات على الْمِنْبَر فَقَالَ: أَنْتُم يَا أهل الشَّام كَمَا قَالَ حُرَيْث بن محفض. قَالَ: أَنا وَالله حُرَيْث بن محفض. فَقَالَ: مَا حملك على أَن سابقتني قَالَ: لم أتمالك إِذْ تمثل الْأَمِير بشعري فأعلمته مَكَاني. ثمَّ قَالَ أَبُو الْحسن ابْن عَبدُوس: فَلم يفرج عَنَّا غَيره. انْتهى مَا أوردهُ العسكري.
وَأنْشد بعده
الشَّاهِد السَّابِع وَالْعشْرُونَ بعد الأربعمائة وبئري ذُو حفرت وَذُو طويت هَذَا عجز وصدره: على أَن ذُو اسْم مَوْصُول وَهُوَ هُنَا بِمَعْنى الَّتِي لِأَن الْبِئْر مُؤَنّثَة. قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد: وَزعم ابْن عُصْفُور أَن ذُو خَاصَّة بالمذكر وَأَن الْمُؤَنَّث يخْتَص بِذَات وَأَن الْبِئْر فِي الْبَيْت ذكرت على معنى القليب كَمَا قَالَ الْفَارِسِي فِي قَوْله:
(يَا بئرنا بِئْر بني عدي ... لأنزحن قعرك بالدلي)
حَتَّى تعودي أقطع الْوَلِيّ إِن التَّقْدِير: حَتَّى تعودي قلبياً أقطع فَحذف الْمَوْصُوف. وَفرق ابْن الضائع بَينهمَا بِأَن أقطع صفةٌ فَيحمل على الْفِعْل بِخِلَاف ذُو.
стр. 2434
قَالَ: أَلا ترى أَن من قَالَ نفع الموعظة لَا يَقُول مُشِيرا إِلَيْهَا: هَذَا الموعظة. وَلِهَذَا قَالَ الْخَلِيل فِي: قَالَ هَذَا رحمةٌ من رب: إِنَّه إِشَارَة إِلَى الْقطر لَا إِلَى الرَّحْمَة.
اه. وَالْبَيْت مشهورٌ. وَهُوَ من أَبْيَات خَمْسَة أوردهَا أَبُو تَمام فِي الحماسة لسنان ابْن الْفَحْل الطَّائِي وَهِي:
(وَقَالُوا قد جننت فَقلت كلا ... وربي مَا جننت وَلَا انتشيت)
(وَلَكِنِّي ظلمت فكدت أبْكِي ... من الظُّلم الْمُبين أَو بَكَيْت)
(فَإِن المَاء مَاء أبي وجدي ... وبئري ذُو حفرت وَذُو طويت)
(وقبلك رب خصمٍ قد تمالوا ... عَليّ فَمَا هلعت وَلَا دَعَوْت)
قَالَ أَمِين الدَّين الطبرسي فِي شرح الحماسة: قد عيب على أبي تَمام إِيرَاده مثل هَذِه الأبيات فِي بَاب الحماسة والبكاء على الظُّلم ضعفٌ وَعجز وَالْوَجْه فِيهِ أَن بكاءه كَانَ لمطالبتهم مَا لَيْسَ لَهُم وَلَا سَبِيل لَهُ على الإعتساف. والمغالبة فعل أهل الْجَاهِلِيَّة إِذْ لَا يراقب دين وَلَا يرهب سُلْطَان وَيدل على ذَلِك مَا ذكره ابْن دريدٍ فِي سَببه: أَنه اخْتصم حَيَّان من
стр. 2435
الْعَرَب إِلَى عبد الرَّحْمَن بن الضَّحَّاك وَهُوَ وَالِي الْمَدِينَة فِي ماءٍ من مِيَاههمْ وَعبد الرَّحْمَن مصاهرٌ لأحد الْحَيَّيْنِ فبرك شيخٌ بَين يَدَيْهِ من الْحَيّ الآخر وَقَالَ: أصلح الله الْأَمِير أَنا الَّذِي أَقُول:
(إِلَى الرَّحْمَن ثمَّ إِلَى أَمِيري ... تعسفت المفاوز واشتكيت)
(رجَالًا طالبوني ثمَّ لجوا ... وَلَو أَنِّي ظلمتهم انْتَهَيْت))
(رجوا فِي صهرهم أَن يغلبوني ... وبالرحمن صدق مَا ادعيت)
وَقَالُوا قد جننت فَقلت كلا ... ... ... ... ... . . الأبيات الْخَمْسَة وَبعدهَا:
(فأنصفني هداك الله مِنْهُم ... وَلَو كَانَ الْغَلَبَة لاكتفيت)
وَقَالَ الْخَطِيب التبريزي فِي شَرحه: وَهَذَا ماءٌ لبني أم الْكَهْف من جرم طَيء ولبني هرم بن العشراء من فَزَارَة اخْتصم فِيهِ الْحَيَّانِ وهم مختلطون مجاورون.
وَقَوله: وَلَو أَنِّي ظلمتهم انْتَهَيْت أَي: قلت أَنا ظَالِم ثمَّ امْتَنعُوا لكففت وَلم ألج. وَقَوله: وَقَالُوا: قد جننت مَعْطُوف على لجوا وجننت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وبالخطاب فِي الأول وبالتكلم فِي الثَّانِي. وكلا للزجر والردع. قَالَ الإِمَام المرزوقي: كَانَ الْوَاجِب أَن يَقُول: قَالُوا جننت أَو سكرت. فَاكْتفى بِذكر أَحدهمَا لِأَن النَّفْي الَّذِي يتعقب فِي الْجَواب ينظمهما. وَمثله قَول الآخر: ...
стр. 2436
(فَمَا أَدْرِي إِذا يممت وَجها ... أُرِيد الْخَيْر أَيهمَا يليني)
لِأَن المُرَاد أُرِيد الْخَيْر وأتجنب الشَّرّ فَاكْتفى بِذكر أَحدهمَا لِأَن مَا بعده يبينهما وَهُوَ:
(الْخَيْر الَّذِي أَنا أبتغيه ... أم الشَّرّ الَّذِي هُوَ يبتغيني)
أَرَادَ: إِنِّي لما أظهرت إنكاري وتشددت فِي إبائي قَالُوا: إِنَّه جن أَو سكر. فزجرتهم وَحلفت بِاللَّه نافياً مَا نسبت إِلَيْهِ. والإنتشاء والنشوة: السكر. ثمَّ أَخذ يبين كَيفَ استنكر مَا دفع إِلَيْهِ حَتَّى قيل فِيهِ مَا قيل كَقَوْلِه: وَلَكِنِّي ظلمت فكدت إِلَخ وَذكر الْبكاء ليري أنفته وامتعاضه وإنكاره لما أُرِيد ظلمه فِيهِ واغتياظه.
فَأَما الْعَرَب فَإِنَّمَا تنْسب نَفسهَا إِلَى القساوة وَتعير من يبكي. قَالَ مهلهل:
(يبكي علينا وَلَا نبكي على أحدٍ ... لنَحْنُ أغْلظ أكباداً من الْإِبِل)
يَقُول: لَكِن عرض علينا ضيمٌ لم آلفه واستنزلت عَن حقٍّ لي طَال ملازمتي لَهُ فشارفت الْبكاء أَو بَكَيْت كل ذَلِك لاستنكافي مِمَّا أرادوني عَلَيْهِ. وَقَوله: فَإِن المَاء مَاء إِلَخ صرح بِمَا أُرِيد غصبه عَلَيْهِ فَقَالَ هُوَ
стр. 2437
ماءٌ موروث عَن الأسلاف وَحمى مَعْرُوف لي سلمه النَّاس لي على مر الْأَيَّام وبئر توليت استحداثها وحفرها وطيها. وطي الْبِئْر: بناؤها بِالْحِجَارَةِ. وطويت الْبِئْر فَهُوَ طويٌّ. وَقَوله: وقبلك رب خصم إِلَخ الْخصم لكَونه فِي الأَصْل مصدرا يُطلق على الْمُفْرد)
وَغَيره وَالذكر وَالْأُنْثَى بِلَفْظ وَاحِد. وَفِي لُغَة يُطَابق فِي التَّثْنِيَة وَالْجمع فَيجمع على خصوم وخصام. وخصم الرجل يخصم من بَاب تَعب إِذا أحكم الْخُصُوم فَهُوَ خصم وخصيم.
وخاصمته فَخَصمته أخصمه من بَاب قتل إِذا غلبته فِي الْخُصُومَة. وتمالوا أَصله تمالؤوا بِهَمْزَة مَضْمُومَة بعد اللَّام الْمَفْتُوحَة يُقَال مالأه ممالأةً كفاعله مفاعلة بِمَعْنى عاونه معاونة. وتمالؤوا على الْأَمر: تعاونوا. وَقَالَ ابْن السّكيت: اجْتَمعُوا عَلَيْهِ. وهلع هلعاً من بَاب تَعب بِمَعْنى جزع فَهُوَ هلعٌ وهلوع مُبَالغَة وَقيل الْهَلَع: أفحش الْجزع. ودعوت بِمَعْنى قلت: يَا لفُلَان قَالَ الإِمَام المرزوقي: نبه على حسن ثباته فِي وَجه الْخُصُوم وتمرنه بمجادلتهم قَدِيما وحديثاً وتحككه لَهُم على احتفالٍ مِنْهُم على مناوأته سالفاً وآنفاً فَيَقُول: وَقد
بليت قبلك بِقوم لدٍّ تألبوا عَليّ وتعاونوا فَلم أجزع لما منيت بهم جزعاً فَاحِشا وَلَا استنصرت عَلَيْهِم غَيْرِي. فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ هلعت وَقد قَالَ: كدت أبْكِي من الظُّلم إِلَخ وَهل الْهَلَع إِلَّا الْبكاء والجزع قلت: إِن الْهَلَع هُوَ الْجزع الْفَاحِش الَّذِي يظْهر فِيهِ الخضوع والإنقياد فَهَذَا هُوَ الَّذِي زعم أَنه لَا يظْهر عَلَيْهِ.
والبكاء الَّذِي ذكر أَنه شارفه إِنَّمَا كَانَ
стр. 2438
على طَرِيق الاستنكاف وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَإِنَّهُ لم يكن عَن تخشع وتذلل وَلَا انقيادٍ وَلَا استسلام. وَسلم الْكَلَام من التَّنَاقُض. وَقَالَ ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد: وَهَذَا لَيْسَ تناقضاً لِأَنَّهُ على اخْتِلَاف وَقْتَيْنِ أَي: إِنَّه ذل جَانِبه بعد أَن كَانَ عَزِيزًا.
وَهَذَا كَلَام الْخَطِيب التبريزي. وَنَظِيره أَبْيَات فَاطِمَة بنت الأجحم حِين ضعف جَانبهَا لمَوْت من كَانَ ينصرها وَهِي أبياتٌ حَسَنَة تمثلت بهَا سيدتنا فَاطِمَة ﵂ حِين قبض رَسُول الله ﷺ َ وَهِي:
(قد كنت لي جبلا ألوذ بظله ... فتركتني أَمْشِي بأجرد ضاحي)
(قد كنت ذَات حميةٍ مَا عِشْت لي ... أَمْشِي البرَاز وَكنت أَنْت جناحي)
(فاليوم أخضع للذليل وأتقي ... مِنْهُ وأدفع ظالمي بالراحي)
(وَإِذا دعت قمريةٌ شجناً لَهَا ... لَيْلًا على فننٍ دَعَوْت صباحي)
وَقَوله: وَلَكِنِّي نصبت لَهُم إِلَخ الألة بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد اللَّام:
стр. 2439
الحربة وَالْجمع إلال كحربة وحراب. يَقُول: ولكنني صبرت لَهُم وانتصبت فِي وُجُوههم وَهَيَّأْت سلاحي لدفعهم وطردتهم عَن وردهم كَفعل الْفَارِس الذاب الْمَانِع حَتَّى خلصت عَن غصبهم حَقي وقريت المَاء من دونهم فِي حَوْضِي. يُقَال: قريت المَاء فِي الْحَوْض بِالْقَافِ أَي: جمعته وَاسم ذَلِك المَاء: قرى)
بِكَسْر الْقَاف مَقْصُور. وَسنَان بن الْفَحْل: شَاعِر إسلاميٌّ فِي الدولة المروانية. وَهُوَ بِكَسْر السِّين بعْدهَا نونان. والفحل بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة. وَأما عبد الرَّحْمَن بن الضَّحَّاك فقد ذكره الفاسي فِي تَارِيخ مَكَّة المشرفة وَقَالَ: عبد الرَّحْمَن بن الضَّحَّاك بن قيس بن خَالِد بن وهب بن ثَعْلَبَة بن وائلة بن عَمْرو بن شَيبَان بن محَارب بن فهر بن مَالك الفِهري. قَالَ الزبير: ولاه يزِيد بن عبد الْملك الْمَدِينَة والموسم. وَذكر الطَّبَرِيّ أَن فِي سنة ثَلَاث وَمِائَة ضمت إِلَيْهِ مَكَّة مَعَ الْمَدِينَة وَأَنه عزل عَن مَكَّة وَالْمَدينَة فِي النّصْف من ربيع الأول سنة أَربع وَمِائَة بِعَبْد الْوَاحِد بن ربيع الْبَصْرِيّ. وَسبب عَزله أَنه كَانَ خطب فَاطِمَة بنت الْحُسَيْن ﵄ فامتنعت من قبُوله فألح عَلَيْهَا وتوعدها فشكته إِلَى يزِيد بن عبد الْملك فَبعث إِلَى عبد الْوَاحِد فولاه الْمَدِينَة وَأمره بِالْقَبْضِ على عبد الرَّحْمَن وَأخذ مَاله حَتَّى تَركه فِي جُبَّة صوفٍ بِالْمَدِينَةِ وَكَانَ قد بَاشر نِيَابَة الْمَدِينَة ثَلَاث سِنِين وأشهراً.
وَكَانَ الزُّهْرِيّ قد أَشَارَ عَلَيْهِ بِرَأْي وَهُوَ أَنه يسْأَل الْعلمَاء إِذا أشكل عَلَيْهِ أمرٌ فَلم يفعل فَأَبْغضهُ النَّاس وذمه الشُّعَرَاء. وَهَذَا كَانَ آخر أمره. انْتهى.
стр. 2440
وَإِنَّمَا ذكرت عبد الرَّحْمَن هَذَا ليعلم مِنْهُ عصر سِنَان بن الْفَحْل الطَّائِي فَإِنِّي لم أظفر لَهُ بترجمة وَلم أر
(قولا لهَذَا الْمَرْء ذُو جَاءَ ساعياً ... هَلُمَّ فَإِن المشرفي الْفَرَائِض)
على أَن ذُو بِمَعْنى الَّذِي. والساعي: الْوَالِي على صَدَقَة الزَّكَاة. وهلم: أقبل وتعال. والمشرفي: السَّيْف الْمَنْسُوب إِلَى المشارف وَهِي قرى للْعَرَب كَانَت السيوف تطبع بهَا. والفرائض: الْأَسْنَان الَّتِي تصلح لِأَن تُؤْخَذ فِي الزَّكَاة. يَقُول: أبلغا هَذَا الرجل الَّذِي جَاءَ ساعياً أَي: والياً للصدقات: هَلُمَّ فَإنَّك تُعْطى السَّيْف بَدَلا من فَرَائض الْإِبِل. وَهَذَا مثلٌ ضربه لهَذَا السَّاعِي مستهزئاً بِهِ ومتوعداً إِيَّاه. يَقُول: إِنَّك مللت الْعَافِيَة والسلامة فَهَلُمَّ إِلَى الْبلَاء وَالشَّر من هَذِه الْولَايَة. وَالْبَيْت أول أبياتٍ لقوالٍ الطَّائِي أوردهَا أَبُو تَمام فِي الحماسة. وَقد شرحناها مَعَ ذكره سَببهَا فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ بعد الثلثمائة من بَاب النَّعْت.
وَأنْشد بعده
الشَّاهِد الثَّامِن وَالْعشْرُونَ بعد الأربعمائة
(عدس مَا لعبادٍ عَلَيْك إمارةٌ ... أمنت وَهَذَا تحملين طليق)
стр. 2441
على أَن هَذَا عِنْد الْكُوفِيّين اسْم مَوْصُول بِمَعْنى الَّذِي أَي: الَّذِي تحملينه طليق. قَالَ الْفراء فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: ويسألونك مَاذَا يُنْفقُونَ: الْعَرَب قد تذْهب بِهَذَا وَذَا إِلَى معنى الَّذِي فَيَقُولُونَ: وَمن ذَا يَقُول ذَاك فِي معنى من الَّذِي يَقُول وأنشدوا: عدس مَا لعبادٍ عَلَيْك أَمارَة الْبَيْت كَأَنَّهُ قَالَ: وَالَّذِي تحملين طليق. انْتهى. قَالَ أَبُو على الْفَارِسِي فِي إِيضَاح الشّعْر: هَذَا الْبَيْت ينشده البغداديون ويستدلون بِهِ على أَن ذَا بِمَنْزِلَة الَّذِي وَأَنه يُوصل كَمَا يُوصل الَّذِي فيجعلون تحملين صلَة ل ذَا كَمَا يجعلونه صلَة للَّذي. وَعِنْدنَا يحْتَمل قَوْله تحملين وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون صفة لموصوف مَحْذُوف تَقْدِيره: وَهَذَا رجل تحملين
فتحذف الْهَاء من الصّفة كَمَا حذفت فِي قَوْلك: النَّاس رجلَانِ: رجلٌ أكرمت ورجلٌ أهنت. وَكَقَوْلِه: وَمَا شيءٌ حميت بمستباح أَي: حميته. وَالْآخر: أَن يكون صفة لطليق فَقدمت فَصَارَ فِي مَوضِع نصب على الْحَال: فَإِذا احْتمل غير مَا تأولوه من الصِّلَة لم يكن على الحكم بِأَن ذَلِك والأسماء المبهمة توصل كَمَا يُوصل الَّذِي دليلٌ. وَكَذَلِكَ مَا اسْتشْهدُوا بِهِ من قَوْله تَعَالَى: وَمَا تِلْكَ بيمينك يَا مُوسَى وقالوه وتأولوه على أَن الْمَعْنى: وَمَا الَّتِي بيمينك وَلَا دلَالَة فِيهِ لِأَنَّهُ يُمكن أَن يكون
стр. 2442
بيمينك فِي مَوضِع الْحَال وَالْعَامِل فِي الْحَال فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا مَا فِي الِاسْم الْمُبْهم من معنى الْفِعْل. انْتهى.
وَالِاحْتِمَال الأول ضَعِيف لِأَنَّهُ تخريجٌ على ضَرُورَة لِأَن حذف الْمَوْصُوف إِذا كَانَت صفته جملَة بِدُونِ أَن يكون بَعْضًا من مجرور ب من أَو فِي خاصٌ بِالضَّرُورَةِ أَو الشذوذ. وأضعف من هَذَا تَخْرِيج ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف أَن جملَة تحملين صلةٌ لموصول مَحْذُوف تَقْدِيره: وَهَذَا الَّذِي تحملين. وَهَذَا لَا يَقُول بِهِ بصريٌّ لِأَنَّهُ لَا يرى أحدٌ مِنْهُم حذف الْمَوْصُول الاسمي وَبَقَاء صلته.
والتخريج على الحالية هُوَ الْجيد وَلَا حَاجَة إِلَى اعْتِبَار كَونه فِي الأَصْل صفة فَلَمَّا قدم صَار حَالا لِأَن ذَاك انما يعْتَبر فِي الْأَحْوَال المفردة لَا فِي الْجمل نَحْو: لمية موحشاً طلل وادعاء أَن الْعَامِل فِي هَذِه الْحَال مَا فِي إسم الْإِشَارَة من معنى الْفِعْل غير جيد فَإِن جملَة تحملين)
حَال من ضمير طليق فطليق هُوَ الْعَامِل فِي الْحَال وصاحبها. فَإِن قلت: نزل كَلَامه على أَن الْجُمْلَة حالٌ من إسم الْإِشَارَة فَيكون الْعَامِل معنى التَّنْبِيه. قلت: يأباه قَوْله: إِن تحملين مقدم من تَأْخِيره. فَتَأمل. وَالْبَيْت أول أبياتٍ ليزِيد بن ربيعَة بن مفرغ الْحِمْيَرِي خَاطب بهَا بغلة. وَبعده:
(طليق الَّذِي نجى من الْحَبْس بَعْدَمَا ... تلاحم فِي دربٍ عَلَيْك مضيق)
...
стр. 2443
(ذري وتناسي مَا لقِيت فَإِنَّهُ ... لكل أناسٍ خبطةٌ وحريق)
(قضى لَك خمخامٌ بأرضك فالحقي ... بأهلك لايؤخذ عَلَيْك طَرِيق)
(فيا بغلة شماء لَو كنت مادحاً ... مدحتك إِنِّي للكرام صديق)
(لعمري لقد أنجاك من هوة الردى ... إمامٌ وحبلٌ للأنام وثيق)
(سأشكر مَا أوليت من حسن نعمةٍ ... ومثلي بشكر المنعمين حقيق)
وَقد تقدم سَبَب هَذِه الأبيات مَعَ تَرْجَمَة يزِيد هَذَا فِي الشَّاهِد الثَّالِث بعد الثلثمائة وَلَكِن يَنْبَغِي إِيرَاده هُنَا مُخْتَصرا لطول الْعَهْد. قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: يزِيد هَذَا حليفٌ لقريش وَيُقَال: إِنَّه كَانَ عبدا للضحاك بن عبد عَوْف الْهِلَالِي فأنعم عَلَيْهِ وَلما ولي سعيد بن عُثْمَان ابْن عَفَّان خُرَاسَان استصحبه فَلم يَصْحَبهُ يزِيد وَصَحب زِيَاد بن أبي
стр. 2444
سُفْيَان فَلم
يحمده وأتى عباد بن زِيَاد فَكَانَ مَعَه. وَكَانَ عبادٌ طَوِيل اللِّحْيَة عريضها فَركب ذَات يومٍ وَابْن مفرغ مَعَه فِي موكبه فَهبت ريحٌ فنفشت لحيته فَقَالَ ابْن مفرغ:
(أَلا لَيْت اللحى كَانَت حشيشاً ... فترعاها خُيُول المسلمينا)
فَبلغ ذَلِك عباداً فحقد عَلَيْهِ وجفاه فَقَالَ ابْن مفرغ:
(إِن تركي ندى سعيد بن عثما ... ن فَتى الْجُود ناصري وعديدي)
(واتباعي أَخا الرضَاعَة واللؤ ... م لنقصٌ وفوت شأوٍ بعيد)
(قلت وَاللَّيْل مطبقٌ بعراه ... لَيْتَني مت قبل ترك سعيد)
فَأَخذه عبيد الله بن زِيَاد وحبسه وعذبه وسقاه التربد فِي النَّبِيذ وَحمله على بعير وَقرن بِهِ خنزيرةً وأمشاه بَطْنه مشياً شَدِيدا فَكَانَ يسيل مِنْهُ مَا يخرج على الخنزيرة فتصيح وَكلما صاحت قَالَ ابْن مفرغ
стр. 2445
: وَسُميَّة: أم زِيَاد وَجعلهَا خنزيرة. فطيف بِهِ فِي أَزِقَّة الْبَصْرَة وَجعل النَّاس يَقُولُونَ: أَيْن جيست أَي: مَا هَذَا وَهُوَ يَقُول:)
آب است نَبِيذ است عصارات زبيب است سميَّة روسبيد است وَهَذِه كَلِمَات بِالْفَارِسِيَّةِ أَي: هَذَا الَّذِي تَرَوْنَهُ إِنَّمَا هُوَ نبيذٌ وعصارة زبيب وَسُميَّة الْبَغي.
يَعْنِي بهَا الخنزيرة. فَلَمَّا ألح عَلَيْهِ مَا يخرج مِنْهُ قيل لِعبيد الله: إِنَّه يَمُوت فَأمر بِهِ فَأنْزل واغتسل فَلَمَّا خرج من المَاء قَالَ:
(يغسل المَاء مَا فعلت وَقَوْلِي ... راسخٌ مِنْك فِي الْعِظَام البوالي)
ثمَّ دس عَلَيْهِ غرماءه يستعدون عَلَيْهِ فَأمر بِبيع مَا وجد لَهُ فِي إِعْطَاء غُرَمَائه فَكَانَ فِيمَا بيع لَهُ غُلَام يُقَال لَهُ برد وَكَانَ يعدل عِنْده وَلَده وجاريةٌ يُقَال لَهَا الأراكة. ففيهما يَقُول:
(يَا برد مَا مسنا دهرٌ أضرّ بِنَا ... من قبل هَذَا وَلَا بعنا لَهُ ولدا)
(أما الْأَرَاك فَكَانَت من محارمنا ... عَيْشًا لذيذاً وَكَانَت جنَّة رغدا)
...
стр. 2446
(لَوْلَا الدَّاعِي وَلَوْلَا مَا تعرض لي ... من الْحَوَادِث مَا فارقتها أبدا)
(وشريت بردا لَيْتَني ... من بعد بردٍ كنت هامه)
(أَو بومةً تَدْعُو صدًى ... بَين المشقر واليمامه)
(الرّيح تبْكي شجوه ... والبرق يلمع فِي الغمامه)
ثمَّ إِن عبيد الله أَمر بِهِ فَحمل إِلَى سجستان إِلَى أَخِيه عباد بن زِيَاد وَكَانَ ابْن مفرغ كتب فِي حيطان الطّرق والمنازل والخانات هجاءهم فألزم محوه بأظافره حَتَّى فَسدتْ أنامله وَمنع أَن يُصَلِّي إِلَى الْكَعْبَة وألزمه أَن يُصَلِّي إِلَى قبْلَة النَّصَارَى فَلَمَّا وصل إِلَى عبادٍ حبس فَكَانَ يهجوهم فِي الْحَبْس. وَمِمَّا قَالَه فِيهِ:
(إِن زياداً ونافعاً وَأَبا بك ... رة عِنْدِي من أعجب الْعجب)
(إِن رجَالًا ثَلَاثَة خلقُوا ... من رحم أُنْثَى مخالفي النّسَب)
(ذَا قرشيٌّ كَمَا يَقُول وَذَا ... مولى وَهَذَا بِزَعْمِهِ عَرَبِيّ)
وَالثَّلَاثَة أَوْلَاد سميَّة. أما نَافِع فَهُوَ من الْحَارِث بن كلدة. وَأما أَبُو بكر وزيادٌ فهما من عبيدٍ الرُّومِي فَإِن الْحَارِث بعد أَن أولدها نَافِعًا زَوجهَا لِعبيد فزيادٌ ادّعى أَنه قرشي وَأَبُو بكرَة مولى لكَونه ابْن عبيد.
وَأما نَافِع فَهُوَ عربيٌّ لكَونه ابْن الْحَارِث الثَّقَفِيّ. فَلَمَّا طَال حَبسه دخل)
أهل الْيمن إِلَى مُعَاوِيَة فشفعوا فِيهِ وَوجه رجلا من بني أَسد يُقَال لَهُ خمخام وَقَالَ ابْن السَّيِّد: هُوَ
стр. 2447
من بني راسب بريداً إِلَى عباد وَأمره أَن يبْدَأ بِالْحَبْسِ فَيخرج ابْن مفرغ مِنْهُ قبل أَن يعلم عبادٌ فيغتاله. فَفعل ذَلِك فَلَمَّا خرج من الْحَبْس قربت بغلةٌ من بغال الْبَرِيد فركبها وَقَالَ: عدس مَا لعبادٍ عَلَيْك إمارةٌ الأبيات وَتَمام الْقِصَّة هُنَاكَ. فَقَوله: عدس هُوَ زجرٌ للبغل أَي: إِنَّه زجرٌ لَهُ ليسرع. قَالَه الْجَوْهَرِي وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. وَرُبمَا سموا الْبَغْل عدس بزجره. قَالَ الشَّاعِر:
(إِذا حملت بزتي على عدس ... فَمَا أُبَالِي من غزا وَمن جلس)
وَقَالَ الجاحظ: زعم أناسٌ أَن عدس اسْم لكل بغلة وذهبوا إِلَى قَول الشَّاعِر:
(إِذا حملت بزتي على عدس ... على الَّتِي بَين الْحمار وَالْفرس)
فَمَا أُبَالِي من غزا وَمن جلس وَرُوِيَ عَن الْخَلِيل أَن عدس كَانَ رجلا عنيفاً بالبغال أَيَّام سُلَيْمَان ﵇ فَإِذا قيل لَهَا ذَلِك إنزجرت وأسرعت. وَهَذَا لَا يعرف فِي اللُّغَة. وَزعم ابْن قُتَيْبَة أَن الَّذِي رَكبه ابْن مفرغ فرس. قَالَ: فَبعث على الْبَرِيد من أطلقهُ فَبَدَأَ بِالْحَبْسِ فَأخْرجهُ فَلَمَّا قرب إِلَيْهِ فرسه قَالَ: عدس مَا لعباد الْبَيْت.
وَهَذَا وهمٌ وَيدل لما قُلْنَا قَوْله: فِيمَا بغلة شماء ... ... ... ... ... . . الْبَيْت
стр. 2448
وَأَن عدس خاصٌّ بزجر البغال. وَقَالَ بَعضهم: إِن عدس إسم بغلته. وَهَذَا غير صَحِيح أَيْضا لِأَنَّهَا لم تكن لَهُ وَإِنَّمَا هِيَ من بغال الْبَرِيد. وَقَوله: مَا لعبادٍ إِلَخ مَا نَافِيَة وَاللَّام مُتَعَلق بِمَحْذُوف وَعَلَيْك مُتَعَلق بالظرف وإمارة إِمَّا فَاعل لقَوْله لعباد وَإِمَّا مُبْتَدأ وَخَبره لعباد. وَجُمْلَة: أمنت مستأنفة بَيَانا للجملة المنفية. وَجُمْلَة: وَهَذَا تحملين طليق حالٌ من فَاعل أمنت أَي: أمنت فِي حَال كَون محمولك طليقاً. والطليق: الَّذِي أطلق من الإسار أَي: أمنت من حكم عباد. وَإِذا لم يكن لَهُ حكم على البغلة فَلِأَن لَا يكون عَلَيْهِ حكمٌ أولى. وَقَوله: وَهَذَا تحملين يَعْنِي بِالْإِشَارَةِ نَفسه. وَمن الْعجب قَول الْعَيْنِيّ هُنَا: إِن عدس منادى بِحرف نِدَاء مَحْذُوف وَبني على السّكُون لِأَنَّهُ فِي الأَصْل حِكَايَة صَوت. إِلَى أَن قَالَ: وإمارة مُبْتَدأ. وَعباد هُوَ أَخُو عبيد الله بن زِيَاد الَّذِي قَاتل الْحُسَيْن بن عَليّ ﵄ فِي كربلاء. وزيادٌ يُقَال لَهُ زِيَاد بن سميَّة وَهِي أمه بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء وَيُقَال لَهُ زِيَاد بن عبيد بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ أَبوهُ. وَيُقَال)
لَهُ أَيْضا زِيَاد بن أَبِيه أَي: ابْن أبي مُعَاوِيَة لِأَن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان جعله أَخا لنَفسِهِ واستلحقه بِأَبِيهِ. وَبَيَان ذَلِك كَمَا ذكره الْملك إِسْمَاعِيل الأيوبي صَاحب حماة فِي كِتَابه أَخْبَار الْبشر: أَنه لما دخلت سنة أَربع وَأَرْبَعين من الْهِجْرَة استلحق مُعَاوِيَة زِيَاد بن سميَّة وَكَانَت سميَّة جَارِيَة لِلْحَارِثِ بن كلدة الثَّقَفِيّ فَزَوجهَا بعبدٍ لَهُ رومي يُقَال لَهُ عبيد فَولدت سميَّة زياداً على فرَاشه فَهُوَ ولد عبيدٍ شرعا. وَكَانَ أَبُو سُفْيَان قد سَار فِي الْجَاهِلِيَّة إِلَى الطَّائِف فَنزل على إنسانٍ يَبِيع الْخمر يُقَال لَهُ أَبُو مَرْيَم أسلم بعد ذَلِك وَكَانَت لَهُ صُحْبَة فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَان: قد
стр. 2449
اشْتهيت النِّسَاء فَقَالَ لَهُ أَبُو مَرْيَم: هَل لَك فِي سميَّة فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: هَاتِهَا على
طول ثدييها ودفر إبطيها فَأَتَاهُ بهَا فَوَقع عَلَيْهَا فَيُقَال إِنَّهَا علقت مِنْهُ بِزِيَاد فَوَضَعته فِي سنة الْهِجْرَة.
وَنَشَأ زيادٌ فصيحاً ثمَّ لما كَانَ قَضِيَّة شَهَادَة الشُّهُود على الْمُغيرَة بالزنى وجلدهم وَمِنْهُم أَبُو بكرَة أَخُو زِيَاد لأمه وَامْتِنَاع زِيَاد عَن التَّصْرِيح كَمَا ذكرنَا اتخذ الْمُغيرَة بذلك لزياداً يدا. ثمَّ لما ولي عَليّ بن أبي طَالب ﵁ الْخلَافَة اسْتعْمل زياداً على فَارس فَقَامَ بولايتها أحسن قيام. وَلما سلم الْحسن الْأَمر إِلَى مُعَاوِيَة امْتنع زيادٌ بِفَارِس وَلم يدْخل فِي طَاعَة مُعَاوِيَة وأهم مُعَاوِيَة أمره وَخَافَ أَن يَدْعُو إِلَى أحدٍ من بني هَاشم وَيُعِيد الْحَرْب وَكَانَ مُعَاوِيَة قد ولى الْمُغيرَة بن شُعْبَة الْكُوفَة فَقدم الْمُغيرَة على مُعَاوِيَة فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين فَشَكا إِلَيْهِ مُعَاوِيَة امْتنَاع زِيَاد بِفَارِس. فَقَالَ الْمُغيرَة: أتأذن لي فِي الْمسير إِلَيْهِ فَأذن لَهُ وَكتب مُعَاوِيَة لزيادٍ أَمَانًا فَتوجه الْمُغيرَة إِلَيْهِ لما بَينهمَا من الْمَوَدَّة وَمَا زَالَ عَلَيْهِ حَتَّى أحضرهُ إِلَى مُعَاوِيَة وَبَايَعَهُ وَكَانَ الْمُغيرَة يكرم زياداً ويعظمه من حِين كَانَ مِنْهُ فِي شَهَادَة الزِّنَى مَا كَانَ. فَلَمَّا كَانَت هَذِه السّنة سنة أَربع وَأَرْبَعين استلحق مُعَاوِيَة زياداً وأحضر النَّاس وَحضر من يشْهد لزيادٍ بِالنّسَبِ وَكَانَ مِمَّن حضر ذَلِك الْيَوْم أَبُو مَرْيَم الْخمار الَّذِي أحضر سميَّة إِلَى أبي سُفْيَان بِالطَّائِف فَشهد بِنسَب زيادٍ من أبي سُفْيَان وَقَالَ: إِنِّي رَأَيْت إسكتي سميَّة يقطران من مني أبي سُفْيَان. فَقَالَ زِيَاد: رويدك طلبت شَاهدا وَلم تطلب شتاماً. فاستلحقه مُعَاوِيَة. وَهَذِه أول وَاقعَة خولفت فِيهَا الشَّرِيعَة عَلَانيَة لصريح قَول النَّبِي ﷺ َ: الْوَلَد للْفراش وللعاهر الْحجر. وَأعظم النَّاس ذَلِك وأنكروه
стр. 2450
خُصُوصا بني أُميَّة لكَون زِيَاد بن عبيد الرُّومِي صَار من بني أُميَّة بن عبد شمس.
وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن الحكم أَخُو مَرْوَان فِي ذَلِك:
(أَلا أبلغ مُعَاوِيَة بن صخرٍ ... لقد ضَاقَتْ بِمَا تَأتي اليدان))
(أتغضب أَن يُقَال أَبوك عفٌّ ... وترضى أَن يُقَال أَبوك زاني)
(وَأشْهد أَن رَحِمك من زيادٍ ... كرحم الْفِيل من ولد الأتان)
ثمَّ ولى مُعَاوِيَة زياداً الْبَصْرَة وأضاف إِلَيْهِ خُرَاسَان وسجستان ثمَّ جمع لَهُ الْهِنْد والبحرين وعمان. ثمَّ دخلت سنة خمس وَأَرْبَعين فِيهَا قدم زيادٌ إِلَى الْبَصْرَة وسدد أَمر السلطنة وأكد الْملك لمعاوية وجرد السَّيْف وَأخذ بالظنة وعاقب على الشُّبْهَة فخافه النَّاس خوفًا شَدِيدا.
وَكَانَ مُعَاوِيَة وعماله يدعونَ لعُثْمَان فِي الْخطْبَة يَوْم الْجُمُعَة ويسبون عليا. وَلما كَانَ الْمُغيرَة مُتَوَلِّي الْكُوفَة كَانَ يفعل ذَلِك وَكَانَ حجرٌ يقوم وَمَعَهُ جمَاعَة يردون عَلَيْهِ وَكَانَ الْمُغيرَة يتَجَاوَز عَنْهُم فَلَمَّا ولي زيادٌ ودعا لعُثْمَان وَسَب عليا قَامَ حجر وَقَالَ كَمَا كَانَ يَقُول من الثَّنَاء على عَليّ فَغَضب زيادٌ وأمسكه وأوثقه بالحديد وَثَلَاثَة عشر نَفرا مَعَهم وأرسلهم إِلَى مُعَاوِيَة فشفع فِي ستةٍ مِنْهُم عَشَائِرهمْ وَبَقِي ثَمَانِيَة مِنْهُم حجر فَقَتلهُمْ مُعَاوِيَة. وَكَانَ حجرٌ صحابياً من أعظم النَّاس دينا وَصَلَاة. وروى ابْن الْجَوْزِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ: أَربع خِصَال كن فِي مُعَاوِيَة لَو لم تكن فِيهِ إِلَّا واحدةٌ لكَانَتْ موبقة وَهِي: أَخذه الْخلَافَة بِالسَّيْفِ من غير
стр. 2451
مشاورةٍ وَفِي النَّاس بقايا الصَّحَابَة وذوو الْفَضِيلَة. واستخلافه ابْنه يزِيد وَكَانَ سكيراً خميراً يلبس الْحَرِير وَيضْرب بالطنابير. وادعاؤه زياداً أَخا وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: الْوَلَد للْفراش وللعاهرة الْحجر. وَقَتله حجر بن عديٍّ وَأَصْحَابه فيا ويلاً لَهُ من حجر وَأَصْحَاب حجر. وَرُوِيَ عَن الشَّافِعِي أَنه أسر إِلَى الرّبيع أَن لَا يقبل شَهَادَة أَرْبَعَة وهم: مُعَاوِيَة عَمْرو بن العَاصِي والمغيرة وَزِيَاد.
وَأما قَضِيَّة الْمُغيرَة بن شُعْبَة فقد كَانَت فِي سنة سبع عشرَة وَهِي أَن الْمُغيرَة كَانَ عمر بن الْخطاب قد ولاه الْبَصْرَة وَكَانَ فِي قبالة الْعلية الَّتِي فِيهَا الْمُغيرَة بن شُعْبَة عليةٌ فِيهَا أَرْبَعَة وهم أَبُو بكرَة مولى النَّبِي ﷺ َ وَأَخُوهُ لأمه زِيَاد ابْن أَبِيه وَنَافِع بن كلدة وشبل بن معبد فَرفعت الرّيح الكوة عَن الْعلية فنظروا إِلَى الْمُغيرَة وَهُوَ على أم جميل بنت الأرقم بن عَامر بن صعصعة وَكَانَت تغشى الْمُغيرَة فَكَتَبُوا بذلك فعزل الْمُغيرَة واستقدمه مَعَ الشُّهُود. فَلَمَّا قدم إِلَى عمر شهد أَبُو بكرَة ونافعٌ وشبلٍ على الْمُغيرَة بالزنى وَأما زِيَاد بن أَبِيه فَلم يفصح بِشَهَادَة الزِّنَى فَقَالَ: رَأَيْته جَالِسا بَين رجْلي امْرَأَة وَرَأَيْت رجلَيْنِ مرتفعتين ونفساً يَعْلُو واستاً تربو عَن ذكر وَلَا أعلم مَا وَرَاء ذَلِك. فَقَالَ عمر: هَل رَأَيْت الْميل فِي المكحلة فَقَالَ: لَا. فَقَالَ: هَل تعرف الْمَرْأَة قَالَ: وَلَكِن أشبههَا. فَأمر عمر بِالثَّلَاثَةِ الَّذين شهدُوا بالزنحها أَن)
يحدوا حد الْقَذْف فجلدوا. وَكَانَ زيادٌ أَخا أبي بكرَة لأمه فَلم يكلمهُ أَبُو بكرَة بعْدهَا. انْتهى مَا نقلته عَن أَخْبَار الْبشر.
стр. 2452
وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي شرح أمالي القالي: كتاب مثالب الْعَرَب أَصله لزياد بن أَبِيه فَإِنَّهُ لما ادّعى أَبَا سُفْيَان أَبَا علم أَن الْعَرَب لَا تقر لَهُ بذلك مَعَ علمهمْ بنسبه فَعمل كتاب المثالب والصق بالعرب كل عيبٍ وعار وباطل وإفك وبهت. ثمَّ ثنى على ذَلِك الْهَيْثَم بن عديٍّ وَكَانَ دعياً فَأَرَادَ أَن يعر أهل الشّرف تشفياً مِنْهُم. ثمَّ جدد ذَلِك أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى وَزَاد فِيهِ لِأَن أَصله كَانَ يَهُودِيّا أسلم جده على يَدي بعض آل أبي بكر فانتمى إِلَى وَلَاء تيم. ثمَّ نَشأ غيلَان الشعوبي الْوراق وَكَانَ زنديقاً ثنوياً لَا يشك فِيهِ فَعمل لطاهر ابْن الْحُسَيْن كتابا خَارِجا عَن الْإِسْلَام بَدَأَ فِيهِ بمثالب بني هَاشم وَذكر مناكحهم وأمهاتهم ثمَّ بطُون قُرَيْش ثمَّ سَائِر الْعَرَب وَنسب إِلَيْهِم كل كذب وزور وَوضع عَلَيْهِم كل إفْك وبهتان. وَوَصله عَلَيْهِ طاهرٌ بِثَلَاثِينَ ألفا.
وَأما كتاب المثالب والمناقب الَّذِي بأيدي النَّاس الْيَوْم فَإِنَّمَا هُوَ للنضر بن شُمَيْل الْحِمْيَرِي وخَالِد بن سَلمَة المَخْزُومِي وَكَانَا أنسب أهل زمانهما أَمرهمَا هِشَام بن عبد الْملك أَن يبينا مثالب الْعَرَب ومناقبها وَقَالَ لَهما وَلمن ضم إِلَيْهِمَا: دعوا قُريْشًا بِمَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا. فَلَيْسَ لقرشيٍّ فِي ذَلِك الْكتاب ذكر. انْتهى. وَقَوله: طليق الَّذِي نجى إِلَخ الَّذِي نجاه من الْحَبْس هُوَ مُعَاوِيَة. والدرب بِالْفَتْح: بَاب السِّكَّة الْوَاسِع وَالْبَاب الْأَكْبَر. ومضيق: فَاعل تلاحم. وَقَوله: لكل أناسٍ خبطة إِلَخ الخبطة بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْبَاء قَالَ صَاحب الْقَامُوس: الخبطة: الركمة تصيب من قبل الشتَاء والمطر الْوَاسِع. وَقَالَ: الركمة بِالضَّمِّ: الطين الْمَجْمُوع.
стр. 2453
وَقَوله: قضى لَك خمخام بِفَتْح الخاءين المعجمتين. وروى ابْن قُتَيْبَة بحاءين مهملتين.
وَيُؤْخَذ مجزوم بِلَا الناهية وَأَرَادَ بِهِ الدُّعَاء لَهَا بِأَن لَا تُؤْخَذ فِي طَرِيق وَهُوَ عَلَيْهَا. والشماء: الْعَالِيَة المرتفعة مؤنث الأشم. والهوة بِالضَّمِّ: الْموضع الهاوي. والردى: الْهَلَاك. وإمامٌ: فَاعل أنجاك. والطرق والطروق: الْإِتْيَان بِاللَّيْلِ وَأَرَادَ بِهِ مُطلق الْإِتْيَان. وَقَوله:
(وشريت بردا لَيْتَني ... من بعد بردٍ كنت هامه)
فِي الْقَامُوس: الهامه: طائرٌ من طير اللَّيْل وَهُوَ الصدى. وَقَالَ فِي صدى: والصدى: طائرٌ يطير بِاللَّيْلِ يقفز قفزاً. والمشقر كمعظمٍ: حصن
قديم. واليمامة: بِلَاد الجو وأصل الْيَمَامَة اسْم امرأةٍ وَهِي جاريةٌ زرقاء وَكَانَت تبصر من مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام وَهِي مشهورةٌ سمي الجو باسمها. وَبهَا تنبأ مُسَيْلمَة الْكذَّاب وَهِي عَن مَكَّة سِتّ عشرَة مرحلةً من الْبَصْرَة وَعَن الْكُوفَة نَحْوهَا.)
وَقَوله: شجوه مفعول لأَجله أَي: شجو برد. والشجو: الْحزن
стр. 2454
أَي: لشجوها عَلَيْهِ. والبرق معطوفٌ على الرّيح أَي: والبرق يبكي أَيْضا. وَجُمْلَة يلمع إِلَخ حالٌ. قَالَ السَّيِّد المرتضى قدس سره فِي أَمَالِيهِ الْغرَر والدرر: عطف الْبَرْق على الرّيح ثمَّ أتبعه بقوله: يلمع فِي الغمامة كَأَنَّهُ قَالَ: والبرق أَيْضا يبكيه لامعاً فِي غمامه أَي: فِي حَال لمعانه. وَلَو لم يكن الْبَرْق مَعْطُوفًا على الرّيح فِي الْبكاء لم يكن للْكَلَام معنى وَلَا فَائِدَة. وَالْبَيْت الأول اسْتشْهد بِهِ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: الَّذين يشرون الْحَيَاة الدُّنْيَا بِالآخِرَة على أَن الشِّرَاء يَأْتِي بِمَعْنى البيع كَمَا فِي الْبَيْت يُقَال: شريت الشَّيْء أشريه شرى وَشِرَاء إِذا بِعته وَإِذا أَخَذته أَيْضا. فَهُوَ من الأضداد. وَقد عَن لي أَن أسوق القصيدة هُنَا فَإِنَّهَا جيدةٌ فِي بَابهَا. قَالَ:
(أصرمت حبلك من أَمَامه ... من بعد أيامٍ برامه)
(ورمقتها فَوَجَدتهَا ... كالضلع لَيْسَ لَهَا استقامه)
(لهفي على الرَّأْي الَّذِي ... كَانَت عواقبه ندامه)
(تركي سعيداً ذَا الندى ... وَالْبَيْت ترفعه الدعامه)
(ليثاً إِذا شهد الوغى ... ترك الْهوى وَمضى أَمَامه)
(كَانُوا صديقا قبل ذَا ... فألم دهرٌ ذُو عرامه)
стр. 2455
.
(وتبعت عبد بني علا ... جٍ تِلْكَ أَشْرَاط القيامه)
(جَاءَت بِهِ حبشيةٌ ... سكاء تحسبها نعَامَة)
(من نسوةٍ سود الوج ... هـ ترى عَلَيْهِنَّ الندامه)
وشريت بردا لَيْتَني ... ... ... ... الْبَيْتَيْنِ وبعدهما:
(وَالْعَبْد يقرع بالعصا ... وَالْحر تكفيه الملامه)
(والهول يركبه الْفَتى ... حذر المخازي والملامه)
وَقَوله: سكاء تحسبها نعامه قَالَ فِي الْعباب السكَك بِفتْحَتَيْنِ: صغر الْأذن وأذنٌ سكاء أَي: صَغِيرَة. يُقَال: كل سكاء تبيض وكل شرفاء تَلد. فالسكاء: الَّتِي لَا أذن ظَاهِرَة لَهَا. والشرفاء: الَّتِي لَهَا أذنٌ ظَاهِرَة. انْتهى. والنعام صَغِير الْأذن خلقه. وَأنْشد بعده
الشَّاهِد التَّاسِع وَالْعشْرُونَ بعد الأربعمائة
(فَقلت لَهُ: لَا وَالَّذِي حج حاتمٌ ... أخونك عهدا إِنَّنِي غير خوان)
على أَنه بِتَقْدِير: حج حاتمٌ إِلَيْهِ فَحذف إِلَيْهِ. قَالَ أَبُو عَليّ فِي الْإِيضَاح الشعري: قَوْله: لَا وَالَّذِي حج حَاتِم يحْتَمل الَّذِي ضَرْبَيْنِ: إِن عَنى بِالَّذِي الْكَعْبَة فَذكر على إِرَادَة الْبَيْت كَمَا يَقُولُونَ: والكعبة وَالْبَيْت وَالْمَسْجِد فَالضَّمِير فِي حج مَحْذُوف لِأَن هَذَا
следующие страницы →