Полный текст (5 658 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
مشاورةٍ وَفِي النَّاس بقايا الصَّحَابَة وذوو الْفَضِيلَة. واستخلافه ابْنه يزِيد وَكَانَ سكيراً خميراً يلبس الْحَرِير وَيضْرب بالطنابير. وادعاؤه زياداً أَخا وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: الْوَلَد للْفراش وللعاهرة الْحجر. وَقَتله حجر بن عديٍّ وَأَصْحَابه فيا ويلاً لَهُ من حجر وَأَصْحَاب حجر. وَرُوِيَ عَن الشَّافِعِي أَنه أسر إِلَى الرّبيع أَن لَا يقبل شَهَادَة أَرْبَعَة وهم: مُعَاوِيَة عَمْرو بن العَاصِي والمغيرة وَزِيَاد.
وَأما قَضِيَّة الْمُغيرَة بن شُعْبَة فقد كَانَت فِي سنة سبع عشرَة وَهِي أَن الْمُغيرَة كَانَ عمر بن الْخطاب قد ولاه الْبَصْرَة وَكَانَ فِي قبالة الْعلية الَّتِي فِيهَا الْمُغيرَة بن شُعْبَة عليةٌ فِيهَا أَرْبَعَة وهم أَبُو بكرَة مولى النَّبِي ﷺ َ وَأَخُوهُ لأمه زِيَاد ابْن أَبِيه وَنَافِع بن كلدة وشبل بن معبد فَرفعت الرّيح الكوة عَن الْعلية فنظروا إِلَى الْمُغيرَة وَهُوَ على أم جميل بنت الأرقم بن عَامر بن صعصعة وَكَانَت تغشى الْمُغيرَة فَكَتَبُوا بذلك فعزل الْمُغيرَة واستقدمه مَعَ الشُّهُود. فَلَمَّا قدم إِلَى عمر شهد أَبُو بكرَة ونافعٌ وشبلٍ على الْمُغيرَة بالزنى وَأما زِيَاد بن أَبِيه فَلم يفصح بِشَهَادَة الزِّنَى فَقَالَ: رَأَيْته جَالِسا بَين رجْلي امْرَأَة وَرَأَيْت رجلَيْنِ مرتفعتين ونفساً يَعْلُو واستاً تربو عَن ذكر وَلَا أعلم مَا وَرَاء ذَلِك. فَقَالَ عمر: هَل رَأَيْت الْميل فِي المكحلة فَقَالَ: لَا. فَقَالَ: هَل تعرف الْمَرْأَة قَالَ: وَلَكِن أشبههَا. فَأمر عمر بِالثَّلَاثَةِ الَّذين شهدُوا بالزنحها أَن)
يحدوا حد الْقَذْف فجلدوا. وَكَانَ زيادٌ أَخا أبي بكرَة لأمه فَلم يكلمهُ أَبُو بكرَة بعْدهَا. انْتهى مَا نقلته عَن أَخْبَار الْبشر.
стр. 2452
وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي شرح أمالي القالي: كتاب مثالب الْعَرَب أَصله لزياد بن أَبِيه فَإِنَّهُ لما ادّعى أَبَا سُفْيَان أَبَا علم أَن الْعَرَب لَا تقر لَهُ بذلك مَعَ علمهمْ بنسبه فَعمل كتاب المثالب والصق بالعرب كل عيبٍ وعار وباطل وإفك وبهت. ثمَّ ثنى على ذَلِك الْهَيْثَم بن عديٍّ وَكَانَ دعياً فَأَرَادَ أَن يعر أهل الشّرف تشفياً مِنْهُم. ثمَّ جدد ذَلِك أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى وَزَاد فِيهِ لِأَن أَصله كَانَ يَهُودِيّا أسلم جده على يَدي بعض آل أبي بكر فانتمى إِلَى وَلَاء تيم. ثمَّ نَشأ غيلَان الشعوبي الْوراق وَكَانَ زنديقاً ثنوياً لَا يشك فِيهِ فَعمل لطاهر ابْن الْحُسَيْن كتابا خَارِجا عَن الْإِسْلَام بَدَأَ فِيهِ بمثالب بني هَاشم وَذكر مناكحهم وأمهاتهم ثمَّ بطُون قُرَيْش ثمَّ سَائِر الْعَرَب وَنسب إِلَيْهِم كل كذب وزور وَوضع عَلَيْهِم كل إفْك وبهتان. وَوَصله عَلَيْهِ طاهرٌ بِثَلَاثِينَ ألفا.
وَأما كتاب المثالب والمناقب الَّذِي بأيدي النَّاس الْيَوْم فَإِنَّمَا هُوَ للنضر بن شُمَيْل الْحِمْيَرِي وخَالِد بن سَلمَة المَخْزُومِي وَكَانَا أنسب أهل زمانهما أَمرهمَا هِشَام بن عبد الْملك أَن يبينا مثالب الْعَرَب ومناقبها وَقَالَ لَهما وَلمن ضم إِلَيْهِمَا: دعوا قُريْشًا بِمَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا. فَلَيْسَ لقرشيٍّ فِي ذَلِك الْكتاب ذكر. انْتهى. وَقَوله: طليق الَّذِي نجى إِلَخ الَّذِي نجاه من الْحَبْس هُوَ مُعَاوِيَة. والدرب بِالْفَتْح: بَاب السِّكَّة الْوَاسِع وَالْبَاب الْأَكْبَر. ومضيق: فَاعل تلاحم. وَقَوله: لكل أناسٍ خبطة إِلَخ الخبطة بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْبَاء قَالَ صَاحب الْقَامُوس: الخبطة: الركمة تصيب من قبل الشتَاء والمطر الْوَاسِع. وَقَالَ: الركمة بِالضَّمِّ: الطين الْمَجْمُوع.
стр. 2453
وَقَوله: قضى لَك خمخام بِفَتْح الخاءين المعجمتين. وروى ابْن قُتَيْبَة بحاءين مهملتين.
وَيُؤْخَذ مجزوم بِلَا الناهية وَأَرَادَ بِهِ الدُّعَاء لَهَا بِأَن لَا تُؤْخَذ فِي طَرِيق وَهُوَ عَلَيْهَا. والشماء: الْعَالِيَة المرتفعة مؤنث الأشم. والهوة بِالضَّمِّ: الْموضع الهاوي. والردى: الْهَلَاك. وإمامٌ: فَاعل أنجاك. والطرق والطروق: الْإِتْيَان بِاللَّيْلِ وَأَرَادَ بِهِ مُطلق الْإِتْيَان. وَقَوله:
(وشريت بردا لَيْتَني ... من بعد بردٍ كنت هامه)
فِي الْقَامُوس: الهامه: طائرٌ من طير اللَّيْل وَهُوَ الصدى. وَقَالَ فِي صدى: والصدى: طائرٌ يطير بِاللَّيْلِ يقفز قفزاً. والمشقر كمعظمٍ: حصن
قديم. واليمامة: بِلَاد الجو وأصل الْيَمَامَة اسْم امرأةٍ وَهِي جاريةٌ زرقاء وَكَانَت تبصر من مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام وَهِي مشهورةٌ سمي الجو باسمها. وَبهَا تنبأ مُسَيْلمَة الْكذَّاب وَهِي عَن مَكَّة سِتّ عشرَة مرحلةً من الْبَصْرَة وَعَن الْكُوفَة نَحْوهَا.)
وَقَوله: شجوه مفعول لأَجله أَي: شجو برد. والشجو: الْحزن
стр. 2454
أَي: لشجوها عَلَيْهِ. والبرق معطوفٌ على الرّيح أَي: والبرق يبكي أَيْضا. وَجُمْلَة يلمع إِلَخ حالٌ. قَالَ السَّيِّد المرتضى قدس سره فِي أَمَالِيهِ الْغرَر والدرر: عطف الْبَرْق على الرّيح ثمَّ أتبعه بقوله: يلمع فِي الغمامة كَأَنَّهُ قَالَ: والبرق أَيْضا يبكيه لامعاً فِي غمامه أَي: فِي حَال لمعانه. وَلَو لم يكن الْبَرْق مَعْطُوفًا على الرّيح فِي الْبكاء لم يكن للْكَلَام معنى وَلَا فَائِدَة. وَالْبَيْت الأول اسْتشْهد بِهِ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: الَّذين يشرون الْحَيَاة الدُّنْيَا بِالآخِرَة على أَن الشِّرَاء يَأْتِي بِمَعْنى البيع كَمَا فِي الْبَيْت يُقَال: شريت الشَّيْء أشريه شرى وَشِرَاء إِذا بِعته وَإِذا أَخَذته أَيْضا. فَهُوَ من الأضداد. وَقد عَن لي أَن أسوق القصيدة هُنَا فَإِنَّهَا جيدةٌ فِي بَابهَا. قَالَ:
(أصرمت حبلك من أَمَامه ... من بعد أيامٍ برامه)
(ورمقتها فَوَجَدتهَا ... كالضلع لَيْسَ لَهَا استقامه)
(لهفي على الرَّأْي الَّذِي ... كَانَت عواقبه ندامه)
(تركي سعيداً ذَا الندى ... وَالْبَيْت ترفعه الدعامه)
(ليثاً إِذا شهد الوغى ... ترك الْهوى وَمضى أَمَامه)
(كَانُوا صديقا قبل ذَا ... فألم دهرٌ ذُو عرامه)
стр. 2455
.
(وتبعت عبد بني علا ... جٍ تِلْكَ أَشْرَاط القيامه)
(جَاءَت بِهِ حبشيةٌ ... سكاء تحسبها نعَامَة)
(من نسوةٍ سود الوج ... هـ ترى عَلَيْهِنَّ الندامه)
وشريت بردا لَيْتَني ... ... ... ... الْبَيْتَيْنِ وبعدهما:
(وَالْعَبْد يقرع بالعصا ... وَالْحر تكفيه الملامه)
(والهول يركبه الْفَتى ... حذر المخازي والملامه)
وَقَوله: سكاء تحسبها نعامه قَالَ فِي الْعباب السكَك بِفتْحَتَيْنِ: صغر الْأذن وأذنٌ سكاء أَي: صَغِيرَة. يُقَال: كل سكاء تبيض وكل شرفاء تَلد. فالسكاء: الَّتِي لَا أذن ظَاهِرَة لَهَا. والشرفاء: الَّتِي لَهَا أذنٌ ظَاهِرَة. انْتهى. والنعام صَغِير الْأذن خلقه. وَأنْشد بعده
الشَّاهِد التَّاسِع وَالْعشْرُونَ بعد الأربعمائة
(فَقلت لَهُ: لَا وَالَّذِي حج حاتمٌ ... أخونك عهدا إِنَّنِي غير خوان)
على أَنه بِتَقْدِير: حج حاتمٌ إِلَيْهِ فَحذف إِلَيْهِ. قَالَ أَبُو عَليّ فِي الْإِيضَاح الشعري: قَوْله: لَا وَالَّذِي حج حَاتِم يحْتَمل الَّذِي ضَرْبَيْنِ: إِن عَنى بِالَّذِي الْكَعْبَة فَذكر على إِرَادَة الْبَيْت كَمَا يَقُولُونَ: والكعبة وَالْبَيْت وَالْمَسْجِد فَالضَّمِير فِي حج مَحْذُوف لِأَن هَذَا
стр. 2456
الْفِعْل متعدٍّ يدل على ذَلِك قَوْله: فَمن حج الْبَيْت أَو اعْتَمر. فَالْمَعْنى الَّذِي حجه حَاتِم. وَإِن عَنى بِالَّذِي الله سُبْحَانَهُ فالتقدير لَا وَالَّذِي حج لَهُ حَاتِم فَحذف من الصِّلَة. وَهَذَا النَّحْو من الْحَذف من الصلات قد جَاءَ فِي الشّعْر من ذَلِك قَوْله:
(ناديت باسم ربيعَة بن مكدم ... إِن المنوه باسمه الموثوق)
فَقَالَ: الموثوق وَحذف بِهِ. انْتهى. وَقَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: سَأَلَني أَبُو عَليّ مرّة عَن قَوْله:
(فَقلت لَهُ لَا وَالَّذِي حج حَاتِم ... الْبَيْت)
فَقلت لَهُ: يجوز أَن يكون أقسم بِاللَّه أَي: وَالله الَّذِي حج حَاتِم بَيته ثمَّ حذف الْمُضَاف فَصَارَ حجَّة ثمَّ حذف الضَّمِير على الْعَادة من الصِّلَة. وَيجوز أَن يكون الَّذِي مصدرا كَقَوْلِه تَعَالَى: الَّذِي يبشر الله عباده. وَهُوَ شَبيه بيتنا هَذَا. اه. أَرَادَ بِالْبَيْتِ الْمُشبه بِهِ الْبَيْت الَّذِي شَرحه وَهُوَ:
(رويق إِنِّي وَمَا حج الحجيج لَهُ ... وَمَا أهل بجنبي نَخْلَة الْحرم)
قَالَ: يحْتَمل مَا هُنَا أوجهاً: أَحدهَا أَن تكون عبارَة عَن الْقَدِيم سُبْحَانَهُ على مَا حَكَاهُ أَبُو زيد عَن الْعَرَب من قَوْله: سُبْحَانَ مَا سخركن لنا
стр. 2457
وَسُبْحَان مَا سبح الرَّعْد بِحَمْدِهِ وَأَرَادَ: فِي مَا الثَّانِيَة لَهُ غير أَنه حذفهَا لطول الْكَلَام وَتقدم ذكرهَا مَعَ مَا فِي الأولى. وَيجوز أَيْضا أَن يكون مَا هُنَا مصدرا فَتكون الْهَاء فِي لَهُ لله تَعَالَى وَإِن لم يجر لَهُ ذكر لِأَنَّهُ قد جرى ذكر الْحَج فدلت الطَّاعَة على المطاع سُبْحَانَهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنِّي وَحج الحجيج لله. ويؤكد ذَاك أَنه لم يعد مَعَ مَا الثَّانِيَة لَهُ لِأَنَّهُ غير مُحْتَاج إِلَيْهَا من حَيْثُ كَانَت مصدرا وَغير محتاجة إِلَى عَائِد وَقد تقدم لَهُ الأولى. وَيجوز أَيْضا أَن تكون مَا عبارَة عَن الْبَيْت فَيقسم بِالْبَيْتِ كَقَوْل زُهَيْر:
(فأقسمت بِالْبَيْتِ الَّذِي طَاف حوله ... رجالٌ بنوه من قريشٍ وجرهم))
فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك احتملت الْهَاء فِي لَهُ أَمريْن: أَحدهمَا: أَن تكون للبيت على أَن يكون لَهُ بِمَعْنى إِلَيْهِ كَقَوْلِه تَعَالَى: بِأَن رَبك أوحى لَهَا أَي: إِلَيْهَا. وَالْآخر أَن يكون لله تَعَالَى أَي: وَالْبَيْت الَّذِي حج الحجيج لطاعة الله. وسألني أَبُو عَليّ مرّة عَن قَوْله. إِلَى آخر مَا أوردناه أَولا.
فَعلم أَن كَلَام الشَّارِح المحق هُوَ أحد تخريجي أبي عَليّ الْفَارِسِي على تَقْدِير حمل الَّذِي على الله. وَلم يرتضه ابْن جني على هَذَا التَّقْدِير بل جعله على تَأْوِيل: وَالله الَّذِي حج بَيته حَاتِم فَحذف بَيت أَولا ثمَّ الضَّمِير الْعَائِد تدريجاً. وَهَذَا أَقيس من كَلَام أبي عَليّ.
стр. 2458
وَالْبَيْت أحد
(مَرَرْت على دَار امْرِئ السوء عِنْده ... لُيُوث كعيدانٍ بحائط بُسْتَان)
(ومررت على دَار امْرِئ الصدْق حوله ... مرابط أفراسٍ وملعب فتيَان)
(فَقَالَ مجيباً وَالَّذِي حج حاتمٌ ... أخونك عهدا إِنَّنِي غير خوان)
وَالسوء: بِفَتْح السِّين وَضمّهَا: مصدرٌ أَرَادَ بِهِ السَّيئ فَأطلق عَلَيْهِ مُبَالغَة. وَكَذَلِكَ الصدْق مصدر أطلق على الصَّادِق. وَيكون السوء والصدق فِي القَوْل وَالْفِعْل. والليوث: جمع لَيْث وَهُوَ الْأسد أَرَادَ بِهِ الشجعان. وَقَالَ الْجرْمِي: هُوَ جمع ليثة يُقَال: نَاقَة ليثة. انْتهى.
وَفِي الْقَامُوس: الليثة من الْإِبِل: الشَّدِيدَة. والعيدان بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة: النّخل الطوَال قَالَ الْجَوْهَرِي: والعيدان بِالْفَتْح: الطوَال من النّخل الْوَاحِدَة عيدانة. هَذَا إِن كَانَ فعلان فَهُوَ من هَذَا الْبَاب فَإِن كَانَ فيعالاً فَهُوَ من بَاب النُّون. وَقَوله: بحائط بُسْتَان الْبَاء بِمَعْنى فِي. والحائط الْبُسْتَان والبستان فعلانٌ: الْجنَّة. قَالَ الْفراء: عربيٌّ. وَقَالَ بَعضهم: رومي مُعرب. فإضافة حَائِط إِلَى بُسْتَان بَيَانِيَّة.
стр. 2459
وَقَوله: ومررت على دَار إِلَخ قَالَ الْجرْمِي: الْوَاو زَائِدَة فِي الْبَيْت كَأَنَّهُ عطف بَيْتا على بَيت. وفتيان: جمع فَتى. وَقَوله: أخونك عهدا الخون والخيانة: أَن يؤتمن الْإِنْسَان فَلَا ينصح بتعدى بِنَفسِهِ إِلَى مفعول واحدٍ تَارَة يُقَال: خَان الرجل الْأَمَانَة وَتارَة إِلَى الْمَفْعُول الثَّانِي بِنَفسِهِ وبحرف الْجَرّ يُقَال: خانه الْعَهْد وَفِي الْعَهْد. والعهد: الْوَصِيَّة والأمان والموثق والذمة. وَقَوله: فَقَالَ مجيباً فَاعل قَالَ ضمير امْرِئ الصدْق ومجيباً حَال مِنْهُ. وَقَوله وَالَّذِي الْوَاو للقسم وَالَّذِي مقسم بِهِ. وَحج حَاتِم صلَة الَّذِي والعائد مَحْذُوف كَمَا تقدم بَيَانه وَجُمْلَة: أخونك جَوَاب الْقسم بِتَقْدِير لَا النافية كَقَوْلِه تَعَالَى: تالله تفتؤ تذكر يُوسُف وَالْكَاف مفعول أول وَهِي مَفْتُوحَة لَا مَكْسُورَة وعهداً مفعول ثَان وَجُمْلَة: إِنَّنِي غير خوان اسْتِئْنَاف بياني. والأبيات لعريان بن سهلة الْجرْمِي وَهُوَ شَاعِر من شعراء الْجَاهِلِيَّة. كَذَا قَالَ أَبُو زيد فِي نوادره. والعريان بِضَم الْعين)
وَسُكُون الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ بعدهمَا مثناة
تحتية وَآخره نون. وسهلة بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْهَاء بعْدهَا لَام وهاء تَأْنِيث. والجرمي: نِسْبَة إِلَى جرم بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الرَّاء الْمُهْملَة. وجرم: بطنٌ من قَبيلَة طَيء وبطن من قَبيلَة قضاعة أَيْضا. وَلَا أعلم إِلَى أَي هذَيْن البطنين. وَالله أعلم.
стр. 2460
وَأنْشد بعده الشَّاهِد الثَّلَاثُونَ بعد الأربعمائة فَسلم على أَيهمْ أفضل هَذَا عجز وصدره: إِذا مَا لقِيت بني مالكٍ على أَن الْعَائِد الْوَاقِع مُبْتَدأ مَحْذُوف وَالتَّقْدِير: أَيهمْ هُوَ أفضل. وَفِيه رِوَايَتَانِ: على أَيهمْ بِالْبِنَاءِ على الضَّم وَبِه أوردهُ ابْن هِشَام فِي بحث أَي من الْمُغنِي. وعَلى أَيهمْ بإعرابه بِالْجَرِّ وَبِه أوردهُ أَيْضا فِي بحث جملَة الصِّلَة من الْبَاب الثَّانِي قَالَ: قرئَ: أَيهمْ أَشد بِالنّصب وَرُوِيَ: فَسلم على أَيهمْ أفضل بالخفض. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ بِالْوَجْهَيْنِ فِي شرح الشواهد. وَإِذا شَرْطِيَّة وَمَا زَائِدَة. وَجُمْلَة: فَسلم جَوَاب الشَّرْط. وَمَسْأَلَة أَي خلافية وَقد فصلها ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف وَكَذَلِكَ الشَّارِح الْمُحَقق بعد الْإِخْبَار بِالَّذِي.
وَالْبَيْت لم يبلغنِي قَائِله. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: حَكَاهُ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ بِضَم أَيهمْ عَن غَسَّان وَهُوَ أحد من تُؤْخَذ عَنهُ اللُّغَة من الْعَرَب. انْتهى. فغسان قَائِل الْبَيْت. وَزعم ابْن هِشَام أَنه لرجلٍ من غَسَّان.
وَالله أعلم.
стр. 2461
وَأنْشد بعده
الشَّاهِد الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ بعد الأربعمائة أَنا الَّذِي سمتن أُمِّي حيدره على أَن يجوز أَن يُقَال: سمتني وَالْأَكْثَر سمته. وَظَاهر كَلَامه أَنه غير قَبِيح. وَكَذَلِكَ كَلَام صَاحب الْكَشَّاف وَبِه اسْتشْهد عِنْد قَوْله تَعَالَى: ولكنى رسولٌ من رب الْعَالمين أبلغكم رسالات رَبِّي على جَوَاز كَون أبلغكم صفة رَسُول الله لِأَن الرَّسُول وَقع خَبرا عَن ضمير الْمُتَكَلّم فِي لكني فَجَاز عود ضمير الْمُتَكَلّم عَلَيْهِ كَمَا وَقع الْمَوْصُول فِي الْبَيْت خَبرا عَن ضمير الْمُتَكَلّم مَعَ أَن حق الضَّمِير الْعَائِد إِلَى الْمَوْصُول الْغَيْبَة فَكَانَ مُقْتَضى الظَّاهِر فِي الْآيَة: يبلغكم وَفِي الْبَيْت: سمته. وَكَذَلِكَ ظَاهر كَلَام ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ فَإِنَّهُ تكلم على قَول المتنبي:
قَالَ: رجلٌ خبر موطئ وَالْجُمْلَة بعده صفته والفائدة بهَا وَالْخَبَر الموطئ كالزيادة فِي الْكَلَام.
فَلذَلِك عَاد الضميران وهما الْيَاء فِي
стр. 2462
مخاطبتي وَلم ترني إِلَى الْيَاء فِي أنني وَلم يعودا على رجل لِأَن الْجُمْلَة فِي الْحَقِيقَة خبرٌ عَن أنني. وَنَظِيره عود الْيَاء إِلَى الَّذِي فِي قَول عَليّ ﵁: أَنا الَّذِي سمتن أُمِّي حيدره لما كَانَ الْمَعْنى الَّذِي هُوَ أَنا فِي الْمَعْنى وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يحمل على الضَّرُورَة لِأَنَّهُ وَقع فِي الْقُرْآن نَحْو: بل أَنْتُم قومٌ تجهلون. وَمِمَّا جَاءَ فِي الشّعْر لغير ضَرُورَة قَوْله:
(أأكرم من ليلى عَليّ فتبتغي ... بِهِ الجاه أم كنت امْرأ لَا أطيعها)
وَلم يقل يطيعها وفَاقا لامرئٍ. فَهَذَا دَلِيل على دَلِيل التَّنْزِيل فاعرف هَذَا وَقس عَلَيْهِ نَظَائِره.
انْتهى. وَلَا يخفى أَن مبْنى كَلَامه على أَن الضَّرُورَة مَا لَيْسَ للشاعر عَنهُ مندوحة. وَالصَّحِيح أَنَّهَا مَا وَقع فِي الشّعْر سَوَاء كَانَ عَنهُ مندوحةٌ أم لَا. وصريح كَلَام الإِمَام المرزوقي أَنه قَبِيح مَرْدُود. قَالَ: كَانَ الْقيَاس أَن يَقُول سمته حَتَّى يكون فِي الصِّلَة مَا يعود إِلَى الْمَوْصُول لكنه لما كَانَ الْقَصْد فِي الْإِخْبَار عَن نَفسه وَكَانَ الآخر هُوَ الأول لم يبال برد
الضَّمِير على الأول وَحمل الْكَلَام على الْمَعْنى لأمنه من الإلباس وَهُوَ مَعَ ذَلِك قَبِيح عِنْد النَّحْوِيين حَتَّى إِن الْمَازِني قَالَ: لَوْلَا اشتهار مورده وكثرته لرددته. انْتهى.
стр. 2463
والحيدرة: الْأسد نقل الْحُسَيْن الميبذي فِي شرح ديوَان الإِمَام عَليّ ﵁ عَن الْحَافِظ إِسْمَاعِيل قَالَ: يرْوى أَن أم مرحب كَانَت كاهنة قَالَت لابنها: يَا بني إِنِّي خائفةٌ عَلَيْك رجلاٌ يُسَمِّي نَفسه فِي الْحَرْب حيدرة فَإِن سَمِعت ذَلِك فَلَا تبارزه. فَلَمَّا سمع الرجز أَرَادَ الرُّجُوع فمنعته الحمية الْجَاهِلِيَّة فَقتله عليٌ ﵁
والسياق مشعرٌ بِأَن عليا كَانَ سمع هَذَا فَلهَذَا قَالَ حيدرة. انْتهى. وَحمله الْجُمْهُور على غير هَذَا قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي غَرِيب الحَدِيث: سَأَلت بعض آل أبي طَالب عَن قَوْله: سمتن أُمِّي حيدره فَذكر أَن أم عَليّ فَاطِمَة بنت أَسد ولدت عليا وَأَبُو طَالب غَائِب فَسَمتْهُ أسداً باسم أَبِيهَا فَلَمَّا قدم أَبُو طَالب كره هَذَا الِاسْم وَسَماهُ عليا فَلَمَّا كَانَ يَوْم خَيْبَر ورجز عليٌّ ذكر الِاسْم الَّذِي سمته بِهِ أمه فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنا الْأسد. اه. وَمثله فِي صِحَاح الْجَوْهَرِي. وَقَالَ السُّهيْلي فِي الرَّوْض الْأنف. فِي قَول عَليّ: سمتن أُمِّي حيدره ثَلَاثَة أَقْوَال ذكرهَا قَاسم بن ثَابت. أَحدهَا: أَن اسْمه فِي الْكتب الْمُتَقَدّمَة أَسد والأسد هُوَ الحيدرة. الثَّانِي: أَن أمه فَاطِمَة بنت أَسد حِين وَلدته كَانَ أَبوهُ غَائِبا فَسَمتْهُ باسم أَبِيهَا
أسداً فَقدم أَبوهُ فَسَماهُ عليا.
стр. 2464
الثَّالِث: أَنه كَانَ لقب بصغره بحيدرة لِأَن الحيدرة الممتلئ لَحْمًا مَعَ عظم بطن وَكَذَلِكَ كَانَ ﵁ وَلذَلِك قَالَ بعض اللُّصُوص حِين فر من سجنه الَّذِي كَانَ يُسمى نَافِعًا وَقيل فِيهِ بِالْيَاءِ أَيْضا:
(وَلَو أَنِّي مكثت لَهُم قَلِيلا ... لجروني إِلَى شيخٍ بطين)
انْتهى. فعلى الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلين يكون من التَّعْبِير بالمترادف. قَالَ ابْن السَّيِّد البطليوسي فِي شرح أدب الْكتاب: أَرَادَ أَنا الَّذِي سمتني أُمِّي أسداً فَلم يُمكنهُ ذكر الْأسد من أجل القافية فَذكر حيدرة لِأَنَّهُ اسمٌ من أَسْمَائِهِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِك لِأَن أمه لم تسمه حيدرة وَإِنَّمَا سمته أسداً. انْتهى. وَالْبَيْت من رجزٍ لعَلي ﵁ قَالَ يَوْم خَيْبَر. رُوِيَ أَن مرْحَبًا الْيَهُودِيّ خرج يَوْم خَيْبَر وَهُوَ يخْطر وَعَلِيهِ مغفرٌ يماني وحجرٌ قد ثقبه مثل الْبَيْضَة على رَأسه وَهُوَ يرتجز وَيَقُول:
(قد علمت خَيْبَر أَنِّي مرحب ... شاكي السِّلَاح بطلٌ مجرب)
إِذا الليوث أَقبلت تلهب فبرز لَهُ عليٌ ﵇ وَعَلِيهِ جبةٌ حَمْرَاء قد أخرج خملها وَهُوَ يَقُول:
(أَنا الَّذِي سمتن أُمِّي حيدره ... ضرغام آجامٍ وليثٌ قسوره)
...
стр. 2465
(عبل الذراعين شَدِيد القصره ... كليث غاباتٍ كريه المنظره)
(أضْرب بِالسَّيْفِ رِقَاب الكفره ... أكيلهم بِالسَّيْفِ كيل السندره)
وروى أَيْضا:
أوفيهم بالصاع كيل السندره وَزَاد الْحُسَيْن الميبذي فِي رِوَايَته:
(أضربكم ضربا يبين الفقره ... وأترك الْقرن بقاعٍ جزره)
(أشفي صَدْرِي من رُؤُوس الكفره ... أقتل مِنْهُم سَبْعَة أَو عشره))
وَقد رُوِيَ أَبْيَات مرحب على غير مَا ذكرنَا وَهِي:
(إِنَّا أناسٌ ولدتنا عبهره ... لباسنا الوشي وريط حبره)
أَبنَاء حربٍ لَيْسَ فِينَا غدره
стр. 2466
وَقَالَ: العبهرة: الْمَرْأَة الْحَسْنَاء. والوشي من الثِّيَاب مَعْرُوف. والريطة: الملاءة. والحبرة: الْبرد اليمني. وغدرة: جمع غادر. والجزرة بِفتْحَتَيْنِ: اللَّحْم الَّذِي تَأْكُله السبَاع وَالْجمع جزر يُقَال: تركوهم جزراً أَي: قتلوهم. اه. والسندرة: بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون قَالَ السُّهيْلي: شجرةٌ يصنع مِنْهَا مكاييل عِظَام. وَقَالَ ابْن السَّيِّد البطليوسي: قَالَ ابْن قُتَيْبَة: فِي شرح الحَدِيث: السندرة شجرةٌ تعْمل مِنْهَا القسي والنبل فَيحْتَمل أَن يكون مكيالاً يتَّخذ من هَذِه الشَّجَرَة يُسمى باسمها كَمَا تسمى الْقوس نبعةً باسم الشَّجَرَة الَّتِي أخذت مِنْهَا. قَالَ: وَيحْتَمل أَن يكون امْرَأَة كَانَت تكيل وافياً أَو رجلا. وَذكر أَبُو عمر الْمُطَرز فِي كتاب الْيَاقُوت: أَن السندرة امْرَأَة.
انْتهى. وَفِي الْعباب للصاغاني: السندرة: اسْم امرأةٍ كَانَت تبيع الْقَمْح وَتُوفِّي الْكَيْل. والسندري: مكيالٌ ضخم كالقنقل والجراف. وَقَالَ ثَعْلَب فِي قَول عَليّ ﵁:
(أَنا الَّذِي سمتن أُمِّي حيدره ... كليث غاباتٍ كريه المنظره)
(أكيلكم بِالسَّيْفِ كيل السندره ... أطعن بِالرُّمْحِ نحور الكفره)
لم تخْتَلف الروَاة أَن هَذَا الرجز لَهُ وَاخْتلفُوا فِي السندرة فَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: هِيَ مكيال. أَي: أقتلكم قتلا وَاسِعًا كثيرا. وَقَالَ غَيره: هِيَ امرأةٌ كَانَت توفّي الْكَيْل. أَي: أقتلكم قتلا وافياً.
انْتهى.
стр. 2467
والضرغام وَاللَّيْث بِمَعْنى الْأسد. وَالْآجَام والغابات: جمع الأجمة والغابة وهما الشّجر الكثيف الملتف أَو الْقصب مثله يكونَانِ مأوى الْأسد إِشَارَة إِلَى فرط قوته ومنعة جَانِبه حَيْثُ لم يكتف بأجمةٍ بل حمى آجاماً وغابات. وَلَيْث الأول مُضَاف إِلَى قسورة والقسورة هُنَا أول اللَّيْل ذكر هَذَا الْمَعْنى صَاحب الْعباب. وَيَأْتِي بِمَعْنى الْأسد أَيْضا وَهُوَ من القس لِأَنَّهُ يَأْخُذ فريسته قهرا وَغَلَبَة وَيجوز على هَذَا أَن يقْرَأ بتنوين لَيْت فَيكون قسورة وَصفا لَهُ.
والقصورة لُغَة فِي القسورة وَفَسرهُ شَارِح الدِّيوَان برامي السهْم وَفِي التَّنْزِيل: فرت من قسورةٍ.
قيل من أَسد. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: القسورة: ركز النَّاس وحسهم. وَقَالَ غَيره: هم الرُّمَاة الَّذين يتصيدونها. وَقَالَ: الْمَعْنى كَأَنَّهُمْ حمر نفرها من يقسرها برمي أَو صيد أَو غير ذَلِك. والعبل بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة مسكون الْمُوَحدَة: الضخم. والقصرة بِفَتْح الْقَاف وَالصَّاد الْمُهْملَة. أصل)
الْعُنُق. وَرَوَاهُ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ: كليث غابات غليظ القصره وَأَخْطَأ شَارِح الدِّيوَان بتفسيره إِيَّاه بِأَصْل الْأذن. والفقرة بِكَسْر الْفَاء وَفتح الْقَاف: جمع فقرة بِسُكُون الْقَاف وَهِي خرزة الظّهْر. والفقارة بِالْفَتْح أَيْضا هِيَ خرزة الظّهْر. والقرن بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الرَّاء وَهُوَ المقاوم فِي قتال
أَو علم أَو غَيرهمَا. وَقَول مرحب: شاكي السِّلَاح قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: الشَّوْكَة: شدَّة الْبَأْس وَالْقُوَّة فِي السِّلَاح. وشاك الرجل يشاك شوكاً من بَاب خَافَ: ظَهرت شوكته وحدته. وَهُوَ شائك السِّلَاح وشاكي السِّلَاح على الْقلب.
стр. 2468
وَفِي سيرة ابْن سيد النَّاس أَن مرْحَبًا لما رجز: قد علمت خَيْبَر أَنِّي مرحب أَجَابَهُ كَعْب بن مَالك شَاعِر رَسُول الله ﷺ َ:
(قد علمت خَيْبَر أَنِّي كَعْب ... مفرج الغما جريء صلب)
فِي أَبْيَات. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح فَإِن أجوبة الأرجاز فِي الْحَرْب إِنَّمَا هِيَ على القافية فَيكون رجز عَليّ ﵁ جَوَابا عَن قَول مرحب: إِنَّا أناسٌ ولدتنا عبهرة كَمَا رَوَاهُ حُسَيْن الميبذي. وَلم يذكر الشَّامي هَذَا فِي سيرته وَذكر فِي قتل مرحب رِوَايَات مُخْتَلفَة. وخيبر: اسْم ولايةٍ مشتملةٍ على حصون ومزارع ونخل كثير على ثَلَاثَة أيامٍ من الْمَدِينَة على يسَار الْحَاج الشَّامي سميت باسم أول من نزلها وَهُوَ خَيْبَر أَخُو يثرب ابْنا أخي عَاد.
وَكَانَت غَزْوَة خَيْبَر فِي آخر السّنة السَّادِسَة من الْهِجْرَة قبل فتح مَكَّة شرفها الله تَعَالَى فَإِن فتحهَا كَانَ فِي سنة ثَمَان من الْهِجْرَة.
وَاعْلَم أَن الْعلمَاء قد اخْتلفُوا فِي الشّعْر الْمَنْسُوب إِلَى عَليّ ﵁ قَالَ الْمَازِني: إِنَّه لم يَصح أَنه ﵇ تكلم بشيٍ من الشّعْر غير هذَيْن الْبَيْتَيْنِ. وَصَوَّبَهُ الزَّمَخْشَرِيّ وهما: ...
стр. 2469
(تلكم قُرَيْش تمناني لتقتلني ... فَلَا وَرَبك مَا بروا وَلَا ظفروا)
(فَإِن هَلَكت فرهنٌ ذِمَّتِي لَهُم ... بِذَات ودقين لَا يعْفُو لَهَا أثر)
كَذَا قَالَ صَاحب الْقَامُوس. وَفسّر ذَات ودقين بالداهية قَالَ: كَأَنَّهَا ذَات وَجْهَيْن. وودقين بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الدَّال وَفتح الْقَاف. وَيرد على الْمَازِني والزمخشري مَا نَقَلْنَاهُ آنِفا عَن ثَعْلَب من كَون)
الروَاة لم يَخْتَلِفُوا فِي الرجز الَّذِي مِنْهُ الْبَيْت الشَّاهِد أَنه لَهُ ﵇ وَيُؤَيِّدهُ أَنه مذكورٌ فِي جَمِيع كتب السّير والمغازي. وَعلي بن أبي طَالب ﵁ وكرم وَجهه قَالَ ابْن حجر قي الْإِصَابَة: هُوَ ابْن عَم النَّبِي ﷺ َ وَأَبُو الْحسن وَأول النَّاس إسلاما فِي قَول الْكثير من أهل الْعلم ولد قبل الْبعْثَة بِعشر سِنِين على الصَّحِيح فربي فِي حجر النَّبِي ﷺ َ وَلم يُفَارِقهُ وَشهد مَعَه الْمشَاهد إِلَّا غَزْوَة تَبُوك فَقَالَ لَهُ بِسَبَب تَأْخِيره لَهُ بِالْمَدِينَةِ: أَلا ترْضى أَن تكون مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى الحَدِيث. وزوجه بنته فَاطِمَة وَكَانَ اللِّوَاء بِيَدِهِ فِي أَكثر الْمشَاهد. وَلما آخى النَّبِي ﷺ َ بَين أَصْحَابه قَالَ لَهُ: أَنْت أخي.
ومناقبه كَثِيرَة حَتَّى قَالَ الإِمَام أَحْمد: لم ينْقل لأحدٍ من الصَّحَابَة مَا نقل لعَلي. وَقَالَ غَيره: وَكَانَ سَبَب ذَلِك تنقيص بني أُميَّة لَهُ فَكَانَ كل من كَانَ عِنْده علمٌ من مناقبه من الصَّحَابَة يبثه وَكلما أَرَادوا إخماده وهددوا
стр. 2470
من حدث بمناقبه لَا يزْدَاد إِلَّا انتشاراً.
وَمن خَصَائِص عَليّ ﵁ قَوْله ﷺ َ يَوْم خَيْبَر: لأدفعن الرَّايَة غَدا إِلَى رجلٍ يحب الله وَرَسُوله يفتح الله على يَدَيْهِ. فَلَمَّا أصبح ﷺ َ غدوا كلهم يَرْجُو أَن يعطاها فَقَالَ ﷺ َ: أَيْن عَليّ بن أبي طَالب فَقَالُوا يشتكي عَيْنَيْهِ. فَأتى بِهِ فبصق فِي عَيْنَيْهِ ودعا لَهُ وَأَعْطَاهُ الرَّايَة. أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَبَعثه لقِرَاءَة بَرَاءَة على قُرَيْش وَقَالَ: لَا يذهب إِلَّا رجلٌ مني وَأَنا مِنْهُ. وَقَالَ لبني عَمه: أَيّكُم يواليني فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَقَالَ عَليّ: أَنا. فَقَالَ: إِنَّه ولي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأخذ رِدَاءَهُ فَوَضعه على عَليّ وَفَاطِمَة وَحسن وحسين وَقَالَ: إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت. وَلبس ثِيَابه ونام مَكَانَهُ. وَكَانَ الْمُشْركُونَ قصدُوا قتل النَّبِي ﷺ َ فَلَمَّا أَصْبحُوا رَأَوْهُ قَالُوا: أَيْن صَاحبك وَقَالَ لَهُ فِي غَزْوَة تَبُوك: أَنْت مني بِمَنْزِلَة هرون من مُوسَى إِلَّا أَنَّك لست بِنَبِي أَي: لَا يَنْبَغِي أَن أذهب إِلَّا وَأَنت خليفتي.
وَقَالَ لَهُ: أَنْت ولي كل مؤمنٍ بعدِي. وسد الْأَبْوَاب إِلَّا بَاب عليٍّ فَيدْخل الْمَسْجِد جنبا وَهُوَ طَرِيقه لَيْسَ لَهُ طريقٌ غَيره. وَقَالَ: من كنت مَوْلَاهُ فعليٌّ مَوْلَاهُ. وَأخرج التِّرْمِذِيّ بإسنادٍ قويٍّ عَن عمرَان بن حُصَيْن فِي قصةٍ قَالَ فِيهَا: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: مَا يُرِيدُونَ من عَليّ إِن عليا مني وَأَنا من عَليّ وَهُوَ ولي كل مُؤمن بعدِي.
стр. 2471
وَاسْتشْهدَ فِي لَيْلَة التَّاسِع عشر من شهر رَمَضَان سنة أَرْبَعِينَ من الْهِجْرَة. وَمُدَّة خِلَافَته خمس سِنِين إِلَّا ثَلَاثَة اشهر وَنصف شهر. انْتهى كَلَام الْإِصَابَة مُخْتَصرا. ومناقبه العديدة وسيره الحميدة لَا يحتملها هَذَا الْمُخْتَصر. وَقد ألف)
الْعلمَاء فِيهَا تآليف عديدة لَا تعد وَلَا تحصى.
وَأنْشد بعده الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ بعد الأربعمائة القاتلي أَنْت أَنا وَهَذَا بعض بيتٍ وَضعه بعض النُّحَاة للتعليم كَمَا فِي سفر السَّعَادَة وَهُوَ:
(كَيفَ يخفى عَنْك مَا حل بِنَا ... أَنا أَنْت القاتلي أَنْت أَنا)
وَرُوِيَ أَيْضا: أَنا أَنْت الضاربي أَنْت أَنا وَاقْتصر الشَّارِح الْمُحَقق على هَذَا الْقدر لتَعلق غَرَضه بِهِ وَلم يُورِدهُ بِتَمَامِهِ لشهرته وَخطأ قَائِله فَإِنَّهُ كَانَ يجب أَن يَقُول: القاتله بِالْهَاءِ لَا بِالْيَاءِ ليَكُون التَّقْدِير: الَّذِي قتلته أَنا. لِأَن أل فِي الْقَاتِل اسْم مَوْصُول بِمَعْنى الَّذِي وَحقّ الْعَائِد أَن يكون بضمير الْغَائِب لَا بضمير الْمُتَكَلّم لِئَلَّا يصير الْإِخْبَار لَغوا إِذْ التَّقْدِير: الَّذِي قتلني فَيصير من قبيل الَّذِي ضربت أَنا. وَقد ذكر أَنه لَا يجوز الْحمل على الْمَعْنى. قَالَ ابْن السراج فِي
стр. 2472
الْأُصُول: لَا يجوز الَّذِي ضربتك أَنْت وَلَا الَّذِي ضربتني أَنا. فَإِن قدمت نَفسك قبل الَّذِي قلت: أَنا الَّذِي ضربتك وَأَنا الَّذِي ضربتني. قَالَ أَبُو عُثْمَان الْمَازِني: وَلَوْلَا أَن هَذَا حُكيَ عَن الْعَرَب الموثوق بعربيتهم رددناه لفساده. وَمِمَّا جَاءَ فِي الشّعْر فِي صلَة الَّذِي مَحْمُولا على مَعْنَاهُ لَا لَفظه قَوْله:
(وَأَنا الَّذِي قتلت بكرا بالقنا ... وَتركت تغلب غير ذَات سَنَام)
وَلَو حمل على لَفظه لقَالَ قتل. وَلَيْسَ كل كَلَام يحْتَمل أَن يحمل على الْمَعْنى. انْتهى. وَقد جوزه أَبُو ذرٍّ مُصعب بن أبي بكر الْخُشَنِي حَكَاهُ عَنهُ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف قَالَ: يُجِيز عودة ضمير مطابقاً للْخَبَر فِي الْخطاب والتكلم بِحمْلِهِ على الْمَعْنى. قَالَ: ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ أَن تكون فَائِدَة الْخَبَر حَاصِلَة فِي الْمُبْتَدَأ. وَذَلِكَ خطأ. وَقَالَ نَاظر الْجَيْش فِي شرح التسهيل: الْمُبْتَدَأ يخبر عَنهُ مظْهرا كَانَ أَو مضمراً بمتكلم أَو مُخَاطب أَو غَائِب فَيُقَال فِي الْإِخْبَار عَن هُوَ من قَوْلك: هُوَ قَائِم هُوَ وَفِي الْإِخْبَار عَنهُ إِذا كَانَ لمتكلم أَو مُخَاطب خلافٌ وَالأَصَح الْجَوَاز. وَالضَّمِير الَّذِي يأتى بِهِ خلفا يكون ضمير غيبَة. وَأَجَازَ الْكسَائي: الَّذِي أَنا قَائِم أَنا وَالَّذِي أَنْت قَائِم أَنْت.
وَالْكسَائِيّ نظر إِلَى الْمَعْنى. وَلَا شكّ أَن هَذِه الْمَسْأَلَة نقلت إِلَى مسالة أَنْت الَّذِي قَامَ وَأَنا الَّذِي قَامَ حَيْثُ يجوز فِيهَا. أَنْت الَّذِي قُمْت وَأَنا الَّذِي قُمْت وَلَكِن شَرط مُرَاعَاة الْمَعْنى فِي هَذِه)
الْمَسْأَلَة تقدم الضَّمِير على الِاسْم الْمَوْصُول فَلَو تقدم الْمَوْصُول على الضَّمِير لم يجز مُرَاعَاة الْمَعْنى إِلَّا عِنْد الْكسَائي وَمن ثمَّ أجَاز: الَّذِي أَنا قَائِم أَنا وَالَّذِي أَنْت قَائِم أَنْت. انْتهى.
стр. 2473
وَإِذا وقفت على هَذَا علمت أَن مَا رده الشَّارِح الْمُحَقق وَأَبُو حَيَّان لَيْسَ بوجهٍ لِأَنَّهُ قولٌ لإِمَام الْكُوفِيّين وَغَيره فناظم الْبَيْت تابعٌ لَهما. غَايَته أَنه مخالفٌ لقَوْل الْجُمْهُور. وَقد أعرب هَذَا المصراع بِوَجْهَيْنِ أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن الشهير بإبن بري كَمَا نَقله عَنهُ صَاحب سفر السَّعَادَة قَالَ: أحد الْوَجْهَيْنِ أَن تجْعَل الْألف وَاللَّام ل أَنا وَالْفِعْل ل أَنْت. فَأَنا على هَذَا مُبْتَدأ وَأَنت مُبْتَدأ ثَان والقاتلي مُبْتَدأ ثَالِث لِأَنَّهُ غير أَنْت إِذا الْألف وَاللَّام لأَنا.
والعائد على الْألف وَاللَّام الْيَاء فِي القاتلي لِأَنَّهَا أَنا فِي الْمَعْنى وَأَنت فَاعل بالقاتلي أبرز لما جرى الْوَصْف على غير من هُوَ لَهُ إِذْ الْألف وَاللَّام لأَنا وَالْفِعْل لأَنْت فَأَنا على هَذَا مُبْتَدأ وَأَنت مُبْتَدأ ثَان والقاتلي خبر أَنْت وَلَا يبرز الضَّمِير فِيهِ لِأَنَّهُ جرى على من هُوَ لَهُ وَيكون الْكَلَام قد تمّ عِنْد قَوْله القاتلي وَيكون أَنْت أَنا على طَرِيق الْمُطَابقَة للْأولِ ليَكُون آخر الْكَلَام دَالا وجارياً على أَوله. أَلا ترَاهُ قَالَ فِي أول الْكَلَام: أَنا أَنْت وَلِهَذَا قَالَ فِي آخِره: أَنْت أَنا أَي: كَيفَ أَشْكُو مَا حل بِي مِنْك وَأَنا أَنْت وَأَنت أَنا فَإِذا شكوتك فَكَأَنَّمَا أَشْكُو نَفسِي. قَالَ: وَلَو جعلت الْألف وَاللَّام وَالْفِعْل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة لأَنا لَقلت: أَنا أَنْت القاتلك أَنا فَأَنا مُبْتَدأ وَأَنت مُبْتَدأ ثَان والقاتلك مُبْتَدأ ثَالِث لِأَنَّهُ غير أَنْت وَفِيه ضميرٌ يعود على الْألف وَاللَّام الَّتِي هِيَ أَنا فِي الْمَعْنى. وَلم يبرز الضَّمِير الَّذِي فِي القاتلك. والقاتلك وَخَبره خبر أَنْت وَأَنت وَخَبره خبر أَنا. اه. وَقد أورد أَبُو حَيَّان هَذَا الْبَيْت فِي تَذكرته وَاقْتصر فِي إعرابه على
стр. 2474
الْوَجْه الأول من وَجْهي قَول ابْن بري قَالَ: أَنا الأول مُبْتَدأ وَأَنت الأول مُبْتَدأ ثَان وَالْألف وَاللَّام لأَنا وقاتلي لأَنْت. فقد جرى إسم الْفَاعِل صلَة على الْألف وَاللَّام الَّتِي هِيَ أَنا فأبرز ضَمِيره وَهُوَ أَنْت. فَأَنت يرْتَفع بِقَاتِلِي وَأَنا خبر عَن الْألف وَاللَّام وَهِي وَمَا بعْدهَا خبر عَن أَنْت الأول وَهُوَ وَمَا بعده خبر عَن أَنا الأول والعائد إِلَى أَنا الأول أَنا الثَّانِي وَالْيَاء فِي القاتلي عائدةٌ على الْألف وَاللَّام. انْتهى. وَقد أجَاب بِالْوَجْهِ الأول نظماً أَبُو بكر بن عمر بن إِبْرَاهِيم بن دعاس الْفَارِسِي فَإِنَّهُ سَأَلَهُ بَعضهم عَنهُ بقوله:
(أَيهَا الْفَاضِل فِينَا أَفْتِنَا ... وأزل عَنَّا بفتواك العنا)
(كَيفَ إِعْرَاب نحاة النَّحْو فِي: ... أَنا أَنْت الضاربي أَنْت أَنا)
فَأَجَابَهُ بقوله:)
(أَنا أَنْت الضاربي مُبْتَدأ ... فاعتبرها يَا إِمَامًا لسنا)
(ثمَّ إِن الضاربي أَنْت أَنا ... خبرٌ عَن أَنْت مَا فِيهِ انثنا)
(وَأَنا الْجُمْلَة عَنهُ خبرٌ ... وَهِي من أَنْت إِلَى أَنْت أَنا)
стр. 2475
وَأَبُو بكر هَذَا كَانَ فَقِيها حنفياً أديباً شَاعِرًا نَالَ من إِمَام الْيمن المظفر حظوة حَتَّى اخْتصَّ بِهِ ثمَّ طرده لإدلال تكَرر مِنْهُ من تعز إِلَى زبيد فَمَاتَ بهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة سبعٍ وَسِتِّينَ وسِتمِائَة. وَكَانَ أهل زبيد ينسبونه إِلَى سَرقَة الشّعْر وَيَقُولُونَ: إِذا حُوسِبَ الشُّعَرَاء يَوْم الْقِيَامَة يُؤْتى بِابْن دعاس فَيَقُول: هَذَا الْبَيْت لفلانٍ وَهَذَا المصراع لفُلَان وَهَذَا الْمَعْنى لفُلَان. فَيخرج بَرِيئًا. كَذَا فِي مُعْجم النَّحْوِيين للسيوطي. وَأما أَبُو مُحَمَّد ابْن بري فَهُوَ عبد الرَّحْمَن بن بري بن عبد الْجَبَّار الْمَقْدِسِي الْمصْرِيّ الشَّافِعِي النَّحْوِيّ اللّغَوِيّ كَانَ قيمًا بهما وبالشواهد ثِقَة. قَرَأَ عَلَيْهِ الْجُزُولِيّ. وصنف الرَّد على ابْن الخشاب فِي رده على الحريري فِي مقاماته وَكتاب الرَّد على درة الغواص للحريري وحواشي على صِحَاح الْجَوْهَرِي. قَالَ الصَّفَدِي: لم يكملها بل وصل إِلَى وقش وَهُوَ ربع الْكتاب فأكملها الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد البسطي. مَاتَ فِي لَيْلَة السبت السَّابِعَة وَالْعِشْرين من شَوَّال سنة ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة. وأقرأ كتاب سِيبَوَيْهٍ وتصدر بِجَامِع عَمْرو.
وَكَانَ مَعَ غزارة علمه ودقة فهمه ذَا غفلةٍ وبلاهة تحكى عَنهُ حكاياتٌ عَجِيبَة. كَذَا فِي مُعْجم النَّحْوِيين للسيوطي.
стр. 2476
وبري بِفَتْح الْمُوَحدَة وَتَشْديد الرَّاء وَالْيَاء وَهَكَذَا ضَبطه ابْن حجر فِي مشتبه النِّسْبَة. وَأما مُصعب الْخُشَنِي فَهُوَ مُحَمَّد بن مَسْعُود الْخُشَنِي الأندلسي الجياني كَانَ أحد الْأَئِمَّة المتقنين وَأحد المعتمدين فِي الْفِقْه وَالْأَدب إِمَامًا فِي الْعَرَبيَّة جال الأندلس فِي طلب الْعلم. وروى عَن ابْن قرقول وَابْن بشكوال وَعبد الْحق الإشبيلي وَأَجَازَ لَهُ السلَفِي وَولي قَضَاء بَلَده. وَلم يكن فِي وقته أتم وقاراً وَلَا أحسن سمتاً مِنْهُ. وَاتَّفَقُوا على أَنه لم يكن فِي وقته أضبط مِنْهُ وَلَا أتقن فِي جَمِيع علومه حفظا وقلماً. وَكَانَ نقاداً للشعر مُطلق الْعَنَان فِي معرفَة أَخْبَار الْعَرَب وأيامها وَأَشْعَارهَا ولغاتها مُتَقَدما فِي كل ذَلِك. والخشني بِضَم الْخَاء وَفتح الشين المعجمتين وبالنون: نسبةٌ إِلَى خشين كقريش: قَرْيَة بالأندلس وقبيلة من قضاعة وَهُوَ خشين بن النمر بن وبرة بن تغلب بن عمرَان بن حلوان بن الحاف بن قضاعة. كَذَا فِي مُعْجم النَّحْوِيين للسيوطي.
стр. 2477
وَأما صَاحب سفر السَّعَادَة فَهُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن عبد الصَّمد الْهَمدَانِي الملقب علم الدَّين السخاوي من سخى إِحْدَى بِلَاد مصر من إقليم الْمحلة. كَانَ فَقِيها شافعياً)
إِمَامًا فِي الْقرَاءَات وَالتَّفْسِير والنحو.
وصنف تصانيف كَثِيرَة مِنْهَا: شرح الشاطبية. وَتَفْسِير الْقُرْآن فِي أَرْبَعه مجلدات. وَشرح الْمفصل شرحين. وسفر السَّعَادَة وسفير الإفادة. وَشرح أحاجي الزَّمَخْشَرِيّ النحوية وَغير ذَلِك. وَكَانَ مولده سنة ثمانٍ أَو تسعٍ وَخمسين وَخَمْسمِائة وَمَات بِدِمَشْق لَيْلَة الْأَحَد ثَانِي عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثلاثٍ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة بمنزله بالتربة الصالحية الشَّاهِد الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ بعد الأربعمائة
(من النَّفر اللائي الَّذين إِذا اعتزوا ... وهاب الرِّجَال حَلقَة الْبَاب قعقعوا)
على أَنه من بَاب التكرير اللَّفْظِيّ كَأَنَّهُ قَالَ: من النَّفر اللائي اللائي. على أَنه قد رَوَاهُ الروَاة: من النَّفر الشم الَّذين. قَالَ ابْن السراج فِي الْأُصُول: الْعَرَب لَا تجمع بَين الَّذِي وَالَّذِي وَلَا مَا كَانَ فِي معنى الَّذِي. وَأما ذَلِك فشيء قاسه النحويون ليتدرب بِهِ المتعلمون. وَكَذَا يَقُول البغداديون الَّذين على مَذْهَب الْكُوفِيّين يَقُولُونَ: إِنَّه لَيْسَ من كَلَام الْعَرَب ويذكرون أَنه إِذا اخْتلف جَازَ.
وينشدون:
стр. 2478
(من النَّفر اللائي الَّذين إِذا هم ... يهاب اللئام حلقه الْبَاب قعقعوا)
قَالُوا: فَهَذَا جَاءَ على إِلْغَاء أَحدهمَا. وَهَذَا الْبَيْت قد رَوَاهُ الروَاة وَلم يجمعوا بَين اللائي واللذين. وَيَقُولُونَ على هَذَا: مَرَرْت بِالَّذِي ذُو قَالَ ذَاك على الإلغاء. وَهَذَا عِنْدِي أقبح لِأَن الَّذِي يَجْعَل ذُو فِي معنى الَّذِي: طَيء فَكيف يجمع بَين اللغتين. وَلَا يجيزون الَّذِي من قَامَ زيد على اللَّغْو ويحتجون بِأَن من تكون معرفَة ونكرة ويجيزون بِالَّذِي الْقَائِم أَبوهُ على أَن يَجْعَل الْألف وَاللَّام للَّذي وَمَا عَاد من الْأَب على الْألف وَاللَّام وبخفض الْقَائِم يتبع الَّذِي. وَهَذَا عندنَا غير جَائِز لِأَن الَّذِي لَا بُد لَهَا من صلَة توضحها فَمَتَى حذفت الصِّلَة فِي كَلَامهم فَإِنَّمَا ذَاك لِأَنَّهُ قد علم. وَإِذا حذفت الصِّلَة وَهِي الَّتِي توضحه وَلَا معنى لَهُ إِلَّا بهَا كَانَ حذف الصّفة أولى فَكيف تحذف الصِّلَة وتترك الصّفة. اه. وَجَمِيع مَا أوردهُ الشَّارِح الْمُحَقق هُنَا من مسَائِل الْإِخْبَار عَن الَّذِي فَهُوَ من الْأُصُول وَهِي بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا فِيهِ قَلِيل من كثير. وَقد أورد الْبَيْت الْفراء فِي سُورَة الذاريات من تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: إِنَّه لحقٌّ مثل مَا تنطقون. قَالَ: قد يَقُول الْقَائِل: كَيفَ اجْتمعت مَا وَإِن وَقد يَكْتَفِي بِإِحْدَاهُمَا عَن الْأُخْرَى فوجهه أَن
стр. 2479
الْعَرَب تجمع بَين الشَّيْئَيْنِ من الْأَسْمَاء والأدوات إِذا اخْتلف لَفْظهمَا. فَمن الْأَسْمَاء قَول الشَّاعِر:
(من النَّفر اللائي الَّذين إِذا هم ... الْبَيْت))
فَجمع بَين اللائي وَالَّذين وَأَحَدهمَا يُجزئ من الآخر. انْتهى كَلَامه.
وَأوردهُ أَبُو عَليّ أَيْضا فِي إِيضَاح الشّعْر فِي موضِعين قَالَ فِي الْموضع الأول: أعلم أَنه لَا يجوز أَن يكون الَّذين صلَة اللائي كَقَوْلِك: الَّذِي الَّذِي فِي دَاره زيدٌ عَمْرو لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ظَاهر صلَة الَّذين مَا يرجع إِلَى اللائي. وَقد جَاءَ فِي التَّنْزِيل وصل الْمَوْصُول بالموصول على مَا يحمل النحويون عَلَيْهِ مسَائِل هَذَا الْبَاب. زَعَمُوا أَن بعض الْقُرَّاء قَرَأَ: فاستغاثه الَّذِي من شيعته. وَقَالَ فِي الْموضع الثَّانِي: فَأَما قَوْله من النَّفر اللائي الَّذين فَإِن اللائي وَإِن لم يعد عَلَيْهِ ذكرٌ من اللَّفْظ فَإِنَّهُ يجوز أَن يكون حذف الرَّاجِع من الصِّلَة كَأَنَّهُ قَالَ: اللائي هم الَّذين. وَيجوز أَن يكون حذف الصِّلَة لِأَن صلَة الْمَوْصُول بعده تدل
(من اللواتي وَالَّتِي واللاتي ... زعمن أَنِّي كَبرت لداتي)
فَلم يَأْتِ للموصولين الْأَوَّلين بصلَة. وَيجوز فِيهِ وجهٌ آخر وَهُوَ أَن البغداديين قد أَجَازُوا فِي هَذِه الموصولة من نَحْو الَّذين أَن يُوصف وَلَا يُوصل
стр. 2480
كإجازة الْجَمِيع ذَلِك فِي من ومَا. وَقد أنْشد أَبُو عُثْمَان عَن الْأَصْمَعِي:
(حَتَّى إِذا كَانَا هما اللَّذين ... مثل الجديلين المحملجين)
واللاتي واللائي من الْأَسْمَاء الموصولة وهما يقعان على الْمُؤَنَّث وَلم نعلم اللَّاتِي اسْتعْملت فِي الْمُذكر.
فَأَما اللائي فقد اسْتعْمل فِي الْمُذكر قَالَ:
(ألما تعجبي وتري بطيطاً ... من اللائين فِي الحقب الخوالي)
وَلَو كَانَ يخْتَص بالمؤنث لم يجمع بِالْوَاو وَالنُّون. وَيدل على تذكير اللائي أَيْضا قَوْله: من النَّفر اللائي الَّذين أَلا ترى أَنه جعله وَصفا للنفر والنفر مُذَكّر. وَأما هم فِي الْبَيْت فَإِنَّهُ يرْتَفع بمضمر يفسره قعقعوا وَالشّرط قعقعوا الْمُتَأَخر وَالتَّقْدِير: إِذا أظهرت الْمُضمر الَّذِي ارْتَفع عَلَيْهِ الضَّمِير: إِذا قعقعوا قعقعوا لِأَن الضَّمِير يتَّصل بِالْفِعْلِ الْمُضمر إِذا أظهرته وَلَا يجوز أَن يكون الشَّرْط يهاب لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يُفَسر مَا ارْتَفع عَلَيْهِ هم وَإِنَّمَا يفسره قَوْله قعقعوا. وَالتَّقْدِير: إِذا قعقعوا حَلقَة الْبَاب هاب اللئام دقها لأَنهم لَيْسُوا على ثِقَة من الْإِذْن لَهُم كَمَا يَثِق هَؤُلَاءِ النَّفر الرؤساء بِأَنَّهُم يُؤذن لَهُم. فقعقعوا وَإِن كَانَ مُؤَخرا فِي اللَّفْظ فَهُوَ مقدم فِي التَّقْدِير بِدلَالَة أَنه لَا يَخْلُو من أَن تجْعَل الشَّرْط إِذا يهاب أَو إِذا قعقعوا. فَلَا يجوز الأول لِأَنَّهُ لَا يُفَسر
стр. 2481
مَا ارْتَفع عَلَيْهِ كَمَا يفسره قعقعوا. أَلا ترى أَنه مشتغل بِظَاهِر وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يجز من جِهَة اللَّفْظ إِن لم يمْتَنع من جِهَة الْمَعْنى أَن تَقول: إِذا هاب اللئام دق الْحلقَة دقها الْكِرَام. فَأَما صلَة الْمَوْصُول بإذا مَعَ أَن الَّذين)
يعْنى بهم أَعْيَان وَلَا يجوز الَّذِي يَوْم الْجُمُعَة زيد كَمَا يجوز الَّذِي يَوْم الْجُمُعَة الْقِتَال فَإِن الْكَلَام مَحْمُول على الْمَعْنى كَأَنَّهُ قَالَ: الَّذين إِن قعقعوا يهاب اللئام فَلذَلِك جَازَ. وَهَذَا يدل على جَوَاز مَا أجَازه سِيبَوَيْهٍ من قَوْله: زيد إِذا أَتَانِي أضْرب وَأَنه لَا يكون بِمَنْزِلَة زيد يَوْم الْجُمُعَة وَلَا زيد غَدا. وعَلى هَذَا قَول أَوْس:
(فقومي وأعدائي يظنون أنني ... مَتى أَحْدَثُوا أمثالهم أَتكَلّم)
مَعَ أَنه لَا يجوز علمت أَن زيدا يَوْم الْجُمُعَة. فَأَما قَوْله: إِذا يهاب فجَاء بالمضارع بعد إِذا وَأكْثر مَا يَجِيء فِي الِاسْتِعْمَال الْمَاضِي فَإِن الأَصْل الْمُضَارع. أَلا ترى أَنه يُرَاد بِهِ الْآتِي فَإِذا جَاءَ بِهِ على الأَصْل كَانَ حسنا كَقَوْلِه: إِذا يراح اقشعر الكشح والعضد انْتهى كَلَام أبي عَليّ. وَقَوله: إِذا اعتزوا فِي رِوَايَة الشَّارِح الْمُحَقق بِمَعْنى إِذا انتسبوا. وروى أَيْضا: إِذا انتموا من الانتماء بِمَعْنى الانتساب. والشم بِالضَّمِّ: جمع أَشمّ وَهُوَ الَّذِي بِهِ شمم أَي: كبر ونخوةٌ وَأَصله ارْتِفَاع الْأنف وَهُوَ من صفة العظماء.
стр. 2482
وَأورد هَذَا الْبَيْت بمفرده أَبُو عَليّ القالي فِي ذيل أَمَالِيهِ كَذَا:
(من النَّفر الْبيض الَّذين إِذا انتموا ... وهاب اللئام ... إِلَخ)
وَقَالَ: الْبيض: السَّادة الَّذين لَا عيب فيهم يقدمُونَ على أَبْوَاب الْمُلُوك بأحسابهم ومواضعهم وَكبر أنفسهم ويهابها اللئام لخمولهم وقصور هممهم. انْتهى. وَجَمِيع من روى هَذَا الْبَيْت رَوَاهُ: من النَّفر الْبيض الَّذين أَو من النَّفر الشم الَّذين. وَلم أر من رَوَاهُ: من النَّفر اللائي الَّذين إِلَّا النَّحْوِيين.
والنفر: اسْم جمع يَقع على جماعةٍ من الرِّجَال خَاصَّة مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة. وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظهَا. كَذَا فِي النِّهَايَة. وَإِنَّمَا أطلقهُ الشَّاعِر هُنَا على الْكِرَام إِشَارَة إِلَى أَنهم ذَوُو عددٍ قَلِيل. واللئام: جمع لئيم وَهُوَ الشحيح والدنيء النَّفس والمهين. واللؤم: ضد الْكَرم.
وروى بدله: الرِّجَال. وحلقة الْبَاب وحلقة الْقَوْم وهم الَّذين يَجْتَمعُونَ مستديرين كلتاهما بِسُكُون اللَّام. وَأما الْحلقَة بِفَتْح اللَّام فَهُوَ جمع حالق. وقعقعوا بِمَعْنى ضربوا الْحلقَة على الْبَاب لتصوت. والقعقعة: حِكَايَة صَوت الْحلقَة على الْبَاب وَنَحْوهَا. وَهَذَا الْبَيْت وَقع فِي شعرين: أَحدهمَا: مَا رَوَاهُ أَبُو سعيد السكرِي فِي كتاب اللُّصُوص قَالَ: أَخْبرنِي رفيع بن سَلمَة عَن أبي عُبَيْدَة وَقَالَ:
стр. 2483
زعم النقري أَن أَبَا الربيس الثَّعْلَبِيّ من بني ثَعْلَبَة بن سعد بن ذبيان سرق نَاقَة كَانَ)
عبد الرَّحْمَن بن جَعْفَر بن أبي طَالب صنعها وعلفها فسرقها أَبُو الربيس وَقَالَ:
(هَل تبلغينها إِذا مَا طلبتها ... غَدا وانجلى عني الغطاء الْمقنع)
(قَصِيرَة فضل النسعتين إِذا رمى ... بهَا الرَّعْلَة الأولى الزميل المزعزع)
(مَطِيَّة بطالٍ لدن شب همه ... قمار الكعاب والطلاء المشعشع)
(من النَّفر الْبيض الَّذين إِذا انتموا ... وهاب الرِّجَال حَلقَة الْبَاب قعقعوا)
(إِذا النَّفر السود اليمانون نمنموا ... لَهُ حوك برديه أجادوا وأوسعوا)
قَوْله: قَصِيرَة فضل النسعتين بِكَسْر النُّون. يُرِيد أَنَّهَا تستوفي نسوعها أَي سيورها لعظمها وسعة جوفها. والرعلة بِالْفَتْح: الْقطعَة الْمُتَقَدّمَة. والزميل: الردف. والمزعزع: الَّذِي يزعزعه السّير. قَالَ: فَلَمَّا قَالَ أَبُو الربيس هَذَا الشّعْر ومدح بِهِ صَاحب النَّاقة ادَّعَت فتيَان قُرَيْش كلهم النَّاقة وَإِنَّمَا كَانَت لعبد الله. قَالَ: فَعمد رجلٌ من الموَالِي إِلَى نجيبةٍ فصنعها
стр. 2484
وعلفها وَجعلهَا فِي مَوَاضِع تِلْكَ النَّاقة رَجَاء أَن يسرقها أَبُو الربيس فيمدحه فَمر بهَا أَبُو الربيس فطردها وَقَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: بل قَالَ هَذِه الجون المحرزي:
(نجيبة عبدٍ دانها القت والنوى ... بِيَثْرِب حَتَّى نيها متظاهر)
(فمثلك أَو خيرا تركت رذيةً ... تقلب عينهَا إِذا طَار طَائِر)
دانها أَي: عودهَا من الدَّين بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْعَادة. والني بِفَتْح النُّون وَتَشْديد الْيَاء: الشَّحْم.
والقت بِفَتْح الْقَاف وَتَشْديد الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة: الفصفصة إِذا يَبِسَتْ. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: حبٌّ بريٌّ لَا ينبته الْآدَمِيّ فَإِذا كَانَ عَام قحط وفقد أهل الْبَادِيَة مَا يقتاتون بِهِ من لبن وتمرٍ وَنَحْوه دقوه وطبخوه واجتزؤوا بِهِ على مَا فِيهِ من الخشونة. وَقَوله: سنامك مدمومٌ رَوَاهُ أَبُو عبيد: سنامك ملمومٌ أَي: مُجْتَمع. وَفطر نابه إِذا طلع. يَقُول: تقلب عينيها خوفًا من الطَّائِر يَقع على دبرهَا فيأكلها لِأَنَّهَا دبرت. رذية: قد أرذاها وأدبرها.
وَفِي الصِّحَاح: الرذية: النَّاقة المهزولة من السّير.
وَقَالَ أَبُو زيد: هِيَ المتروكة الَّتِي حسرها السّفر لَا تقدر أَن تلْحق بالركاب. وَالذكر رذيٌّ وَقد أرذيت نَاقَتي إِذا هزلتها وخلفتها وَقَوله: مَطِيَّة بطال إِلَخ يمدح عبد الله بن جَعْفَر. يَقُول: هِيَ
стр. 2485
مَطِيَّة شُجَاع همه اقتناء الْمَعَالِي من يَوْم كبر وترعرع. والقمار: المقامرة. والكعاب بِالْكَسْرِ: جمع كَعْب. والطلاء بِالْكَسْرِ: الْخمر. والمشعشع: الممزوج بِالْمَاءِ. وَهَذَانِ مدحٌ عِنْد الْعَرَب. وَقَوله: من النَّفر الْبيض من ابتدائية أَو تبعيضية. يَقُول: ذَلِك البطال من النَّفر الْبيض. وَأما الشّعْر الثَّانِي)
فقد رَوَاهُ جمَاعَة مِنْهُم الجاحظ رَوَاهُ فِي كتاب الْبَيَان والتبيين قَالَ: كَانَ أسيلم بن الْأَحْنَف الْأَسدي ذَا بَيَان وأدب وعقل وجاهٍ. وَهُوَ الَّذِي يَقُول فِيهِ الشَّاعِر:
(من النَّفر الْبيض الَّذين إِذا انتموا ... وهاب اللئام حَلقَة الْبَاب قعقعوا)
(جلا الأذفر الأحوى من الْمسك فرقه ... وَطيب الدهان رَأسه فَهُوَ أنزع)
(إِذا النَّفر السود اليمانون حاولوا ... لَهُ حوك برديه أرقوا وأوسعوا)
وَهَذَا الشّعْر من أشعار الْحِفْظ والمذاكرة. اه
стр. 2486
وَقَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل وَتَبعهُ صَاحب كتاب فَضَائِل الشّعْر: قَالَ عبد الْملك بن مَرْوَان لأسيلم بن الْأَحْنَف الْأَسدي: مَا أحسن مَا مدحت بِهِ فاستعفاه فَأبى أَن يعفيه وَهُوَ مَعَه على سريرٍ فَلَمَّا أَبى إِلَّا أَن يُخبرهُ قَالَ: هُوَ الْقَائِل:
(أَلا أَيهَا الركب المخبون هَل لكم ... بِسَيِّد أهل الشَّام تحبوا وترجعوا)
(من النَّفر الْبيض الَّذين إِذا اعتزوا ... وهاب الرِّجَال حَلقَة الْبَاب قعقعوا)
(إِذا النَّفر السود اليمانون نمنموا ... لَهُ حوك برديه أجادوا وأوسعوا)
(جلا الْمسك وَالْحمام وَالْبيض كالدمى ... وَفرق المداري رَأسه فَهُوَ أنزع)
فَقَالَ لَهُ عبد الْملك: مَا قَالَ أَخُو الْأَوْس أحسن مِمَّا قيل لَك. اه. أَرَادَ بقول أخي الْأَوْس وَهُوَ أَبُو قيس بن الأسلت قَوْله:
(قد حصت الْبَيْضَة رَأْسِي فَمَا ... أطْعم نوماً غير تهجاع)
(أسعى على جلّ بني مالكٍ ... كل امرئٍ فِي شَأْنه ساعي)
стр. 2487
وَاخْتلف فِي إِسْلَام ابْن الأسلت فَقَالَ العسكري: أدْرك النَّبِي ﷺ َ وَلم يسلم.
وَقَالَ المرزباني: كَانَ قد غضب من عبد الرَّحْمَن بن أبي فَحلف لَا يسلم شهرا فَمَاتَ قبل ذَلِك فزعموا أَن النَّبِي ﷺ َ بعث إِلَيْهِ وَهُوَ يَمُوت: قل لَا إِلَه إِلَّا الله أشفع لَك يَوْم الْقِيَامَة فَسمع يَقُولهَا. وَهُوَ من سَادَات الْأَنْصَار وشعرائهم وفرسانهم. وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ.
والمخبون: المسرعون ونمنموا: زخرفوا يُقَال: نمنم الشَّيْء نمنمةً إِذا رقشه وزخرفه وثوب منمنم أَي: موشى. وَالْبيض: النِّسَاء الحسان. والدمى: جمع دمية وَهِي الصُّورَة الْحَسَنَة. وَفرق المداري بِالرَّفْع عطفا على الْمسك. والمداري: الأمشاط.
والأنزع: الَّذِي انحسر الشّعْر عَن جَانِبي جَبهته. والأصلع: الَّذِي انحسر الشّعْر عَن مقدم رَأسه.
وَقَوله: قد حصت الْبَيْضَة رَأْسِي إِلَخ الْبَيْضَة بِالْفَتْح: مَا يلبس على الرَّأْس من الْحَدِيد فِي)
الْحَرْب. وحصت الْبَيْضَة رَأسه بمهملتين أَي: قللت شعره. يُقَال: رجلٌ أحص بَين الحصص أَي: قَلِيل شعر الرَّأْس. وَقَالَ ابْن عبد ربه فِي العقد الفريد: قَالَ عبد الْملك بن مَرْوَان لأسيلم بن الْأَحْنَف الْأَسدي: مَا أحسن شيٍء مدحت بِهِ قَالَ: قَول الشَّاعِر. وروى مَا رَوَاهُ الجاحظ من الأبيات. ثمَّ قَالَ: وَقَالَ عبد الْملك: أحسن من هَذَا قَول أبي قيس بن الأسلت. وَأنْشد الْبَيْتَيْنِ.
стр. 2488
وَقَالَ الزبير بن البكار فِي أَنْسَاب قُرَيْش وَتَبعهُ الدراقطني فِي كتاب الْمُخْتَلف والمؤتلف: إِن أَبَا
(جميل الْمحيا وَاضح اللَّوْن لم يطَأ ... بحزنٍ وَلم تألم لَهُ النكب أصْبع)
(من النَّفر الشم الَّذين إِذا انتدوا ... وهاب اللئام حَلقَة الْبَاب قعقعوا)
(إِذا النَّفر الْأدم اليمانون نمنموا ... لَهُ حوك برديه أرقوا وأوسعوا)
(جلا الْغسْل وَالْحمام وَالْبيض كالدمى ... وَطيب الدهان رَأسه فَهُوَ أصلع)
والحزن بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُعْجَمَة: مَا غلظ من الأَرْض. والنكب مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي: بنكبٍ وَهُوَ مصدر نكب كِنَانَته نكباً إِذا كبها. يُرِيد أَنه رئيسٌ لَا يمشي وَلَا يحمل سلاحه بل يحملهُ خدمه. وانتدوا بِمَعْنى حَضَرُوا الندي وَهُوَ الْمجْلس. والأدم: جمع آدم بِمَعْنى الأسمر من الأدمة وَهِي السمرَة. وَالْغسْل بِالْكَسْرِ: مَا يغسل بِهِ الرَّأْس من خطمي وَغَيره. وَأَبُو الربيس: شاعرٌ إسلامي. قَالَ الْأَمِير أَبُو نصر بن مَاكُولَا: هُوَ بِضَم الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا مثناة تحتية بعْدهَا سين مُهْملَة. وَهُوَ أَبُو الربيس الثَّعْلَبِيّ واسْمه عباد بن طهفة بِكَسْر الطَّاء.
стр. 2489
وَلم يذكر صَاحب الجمهرة طهفة فِي نسبه وَإِنَّمَا قَالَ: أَبُو الربيس الشَّاعِر هُوَ عباد بن عَبَّاس بن عَوْف بن عبد الله بن أَسد بن ناشب بن سبد بِضَم فَفتح ابْن رزام بن مَازِن بن ثَعْلَبَة بن سعد بن ذبيان. وَأنْشد بعده: لَا أرى الْمَوْت يسْبق الْمَوْت شيءٌ نغص الْمَوْت ذَا الْغنى والفقيرا
على أَن الظَّاهِر الْوَاقِع موقع الضَّمِير يُفِيد التفخيم وَالْأَصْل: لَا أرى الْمَوْت يسْبقهُ شَيْء فَلم يضمر للتفخيم. وَقد تقدم أَن الشَّارِح الْمُحَقق أوردهُ فِي الشَّاهِد السِّتين من بَاب الْمُبْتَدَأ أَن إِعَادَة الْمَوْت هُنَا ظَاهرا غير مُفِيد للتفخيم. وَقد ذَكرْنَاهُ هُنَاكَ مفصلا فَليرْجع إِلَيْهِ. وَأنْشد بعده: أَنا الَّذِي سمتن أُمِّي حيدره تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ قَتله ببيتين. وَأنْشد بعده:)
القاتلي أَنْت أَنا
стр. 2490
هُوَ من بيتٍ وَهُوَ:
(كَيفَ يخفى عَنْك مَا حل بِنَا ... أَنا أَنْت الضاربي أَنْت أَنا)
وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ قبله بِبَيْت. وَأنْشد بعده:
(إِلَى الْملك القرم وَابْن الْهمام ... وَلَيْث الكتيبة والمزدحم)
تقدم شَرحه فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالسبْعين. وَأنْشد بعده الشَّاهِد الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الأربعمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س: على أَن مَا الاستفهامية يدخلهَا معنى التحقير كَمَا هُنَا وَكَذَلِكَ قَوْله ويب أَبِيك وَفِيه معنى التحقير والتصغير. وَهَذَا عجزٌ وصدره: يَا زبرقان أَخا بني خلفٍ وَاسْتشْهدَ بِالْبَيْتِ سِيبَوَيْهٍ على أَنه عطف الْفَخر على أَنْت مَعَ مَا فِيهِ من معنى مَعَ وَامْتِنَاع النصب إِذْ لَيْسَ قبله فعلٌ ينفذ إِلَيْهِ فينصبه. وَأوردهُ صَاحب الْكَشَّاف فِي آخر الْمَائِدَة من تَفْسِيره عِنْد قَوْله
следующие страницы →