← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

مصدر مُضَاف إِلَى فَاعله وإيانا مَفْعُوله. وفضلاً: تَمْيِيز محول عَن الْفَاعِل وَالْأَصْل كفانا فضل حب النَّبِي ﷺ َ. وَقَالَ الدماميني: فضلا حَال وتنوينه للتفخيم أَي: كفانا حب النَّبِي حَالَة كَونه فضلا عَظِيما. وَلَا يَصح كَونه مَفْعُولا ثَانِيًا لكفى لفساد الْمَعْنى. انْتهى. وَرُوِيَ بعده: شرفاً وعَلى: مُتَعَلقَة بِهِ وهما بِمَعْنى المزية والفضيلة. وَهَذَا الْبَيْت لكعب بن مَالك شَاعِر رَسُول الله ﷺ َ وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالسِّتِّينَ. وَنسب إِلَى حسان بن ثَابت ﵁ أَيْضا وَلم يُوجد فِي شعره. قَالَ ابْن هِشَام اللَّخْمِيّ فِي شرح شَوَاهِد الْجمل: وَقيل: هُوَ لعبد الله بن رَوَاحَة الْأنْصَارِيّ وَقيل: لبشير بن عبد الرَّحْمَن بن كَعْب بن مَالك. وَهُوَ مَعَ كَثْرَة وجوده فِي كتب النَّحْو لم يذكر أحدٌ مَا قبله إِلَّا السُّيُوطِيّ فِي شرح شَوَاهِد الْمُغنِي وَهُوَ: (نصروا نَبِيّهم بنصر وليه ... فَالله عز بنصره سمانا) يَعْنِي أَن الله سماهم الْأَنْصَار لأَنهم نصروا النَّبِي ﷺ َ وَمن وَالَاهُ. وَالْبَاء فِي نصر وليه. بِمَعْنى مَعَ.

стр. 2522

وَأنْشد بعده الشَّاهِد التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الأربعمائة (رب من أنضجت غيظاً صَدره ... قد تمنى لي موتا لم يطع) على أَن جملَة أنضجت فِي مَوضِع جر على أَنَّهَا صفة ل من لِأَنَّهَا نكرَة بِمَعْنى إِنْسَان بِدَلِيل دُخُول رب عَلَيْهَا. وَأوردهُ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: إِن كل من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض إِلَّا آتِي الرَّحْمَن عبدا على أَن من فِيهَا نكرةٌ مَوْصُوفَة بالظرف لِأَنَّهَا وَقعت بعد كل كوقوعها بعد رب فِي الْبَيْت. قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: زعم الْكسَائي أَن من لَا تكون نكرَة إِلَّا فِي مَوضِع يخص النكرات. ورد بقوله: فَكفى بِنَا فضلا على من غَيرنَا وَبقول الفرزدق: أَي: كشخص ممطورٍ بواديه لِأَن مجرور على وَالْكَاف لَا يجب أَن يكون نكرَة. وَقد خرج من فيهمَا على الزِّيَادَة وَذَلِكَ شيءٌ لم يثبت. وَرُوِيَ أَيْضا: (رُبمَا أنضجت غيظاً قلب من ... قد تمنى ... ... ... إِلَخ)

стр. 2523

فَلَا شَاهد فِيهِ إِن كَانَت من مَوْصُولَة وَمَا حينئذٍ كَافَّة مهيئة لدُخُول رب على الْجُمْلَة. ومجرور رب هُنَا فِي مَحل رفع على الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر إِمَّا قد تمنى وَلم يطع خبر بعد خبر وَإِمَّا لم يطع وَجُمْلَة قد تمنى صفة ثَانِيَة. وإنضاج اللَّحْم: جعله بالطبخ أَو الشي مستوياً يُمكن أكله وَيحسن وَهُوَ هُنَا كِنَايَة عَن نِهَايَة الكمد الْحَاصِل للقلب أَو اسْتِعَارَة. شبه تحسير الْقلب وإكماده بإنضاج اللَّحْم الَّذِي يُؤْكَل. وغيظاً إِمَّا مفعول لأَجله أَي: أنضجت قلبه لأجل غيظي إِيَّاه وَإِمَّا تَمْيِيز عَن النِّسْبَة أَي: أنضج غيظي إِيَّاه قلبه وَهُوَ مصدر غاظه إِذا أغضبهُ. قَالَ ابْن السّكيت: وَلَا يُقَال أغاظه. وأثبته صَاحب الْقَامُوس قَالَ: يُقَال: غاظه وغيظه وأغاظه. وَرُوِيَ: قلبه مَوضِع صَدره المُرَاد بِهِ قلبه وَرُوِيَ أَيْضا: كبده. وَهَذَا الْبَيْت من قصيدةٍ طَوِيلَة عدتهَا مائَة بَيت وَثَمَانِية أبياتٍ لسويد بن أبي كَاهِل الْيَشْكُرِي مسطورةٍ فِي المفضليات مطْلعهَا: (بسطت رَابِعَة الْحَبل لنا ... فوصلنا الْحَبل مِنْهَا مَا اتَّسع) وَهَذِه أبياتٌ مِنْهَا بعد الشَّاهِد الْمَذْكُور. قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي تَرْجَمَة سُوَيْد من كتاب الشُّعَرَاء: كَانَ (رب من أنضجت غيظاً قلبه ... قد تمنى لي موتا لم يطع) (ويراني كالشجا فِي حلقه ... عسراً مخرجه مَا ينتزع))

стр. 2524

(مزبدٌ يخْطر مَا لم يرني ... فَإِذا أسمعته صوتي انقمع) (قد كفاني الله مَا فِي نَفسه ... وَمَتى مَا يكف شَيْئا لم يضع) (لم يضرني غير أَن يحسدني ... فَهُوَ يزقو مثل مَا يزقو الضوع) (ويحييني إِذا لاقيته ... وَإِذا يَخْلُو لَهُ لحمي رتع) (كَيفَ يرجونا سقاطي بِمد مَا ... جلل الرَّأْس مشيبٌ وصلع) قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي شرح القصيدة: رُوِيَ أَيْضا: رُبمَا أنضجت غيظاً قلب من إِلَخ والشجى: الْغصَص وَنَحْوه. ومزبد: من أزبد. وأصل الْخطر فِي النَّاس: تَحْرِيك الْيَدَيْنِ فِي الْمَشْي والاختيال بهما. وانقمع: دخل بعضه فِي بعض. وَالْمعْنَى أَنه يتعظم إِذا لم يرني فَإِذا رَآنِي تضاءل. والضوع بِضَم الضَّاد: ذكر البوم. ويزقو: يَصِيح. ورتع: أكل. والسقاط: الفترة. يَقُول على طَرِيق التَّعَجُّب: كَيفَ يأملون فترتي وسقطي وَقد بلغت هَذِه السن. وسُويد هُوَ ابْن أبي كَاهِل واسْمه غطيف بن حَارِثَة بن حسل بن مَالك ابْن عبد سعد بن عدي بن جشم بن ذبيان (أَنا أَبُو سعدٍ إِذا اللَّيْل دجا ... دخلت فِي سرباله ثمَّ النجا) وَيُقَال اسْم وَالِده شبيب. وَهُوَ شاعرٌ مقدم مخضرم أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام. عده ابْن سلامٍ الجُمَحِي فِي الطَّبَقَة السَّادِسَة وقرنه بعنترة الْعَبْسِي. قَالَ أَبُو نصر أَحْمد بن حَاتِم: قَرَأت شعر سويدٍ على الْأَصْمَعِي فَلَمَّا بلغت قصيدته الَّتِي أَولهَا: ...

стр. 2525

(بسطت رَابِعَة الْحَبل لنا ... فوصلنا الْحَبل مِنْهَا مَا اتَّسع) فَضلهَا الْأَصْمَعِي وَقَالَ: كَانَت الْعَرَب تفضلها وتقدمها وتعدها من حكمهَا وَكَانَت فِي الْجَاهِلِيَّة تسمى الْيَتِيمَة لما اشْتَمَلت عَلَيْهِ من الْأَمْثَال. وعاش سويدٌ فِي الْجَاهِلِيَّة دهراً وَعمر فِي الْإِسْلَام سِتِّينَ سنة بعد الْهِجْرَة إِلَى زمن الْحجَّاج. كَذَا فِي الْإِصَابَة. وَهُوَ من المعمرين وَلم يذكرهُ أَبُو حَاتِم فِي كتاب المعمرين. وَكَانَ زيادٌ الْأَعْجَم قد هجا بني يشْكر بقوله: (إِذا يشكريٌّ مس ثَوْبك ثَوْبه ... فَلَا تذكرن الله حَتَّى تطهرا) (فَلَو أَن من لؤمٍ تَمُوت قبيلةٌ ... إِذا لأمات اللؤم لَا شكّ يشكرا) فَأَتَت بَنو يشْكر سويداً ليهجو زياداً فأبا سويدٌ فَقَالَ زِيَاد:) (وأنبئتهم يستصرخون ابْن كاهلٍ ... وللؤم فيهم كاهلٌ وسنام) (دعيٌّ إِلَى ذبيان طوراً وَتارَة ... إِلَى يشكرٍ مَا فِي الْجَمِيع كرام) فَقَالَ لَهُم سُوَيْد: هَذَا مَا طلبتم لي وَكَانَ سويدٌ مغلباً. وَأما قَول زِيَاد الْأَعْجَم: دعيٌّ فَإِن أم سُوَيْد كَانَت امْرَأَة من بني غبر وَكَانَت قبل أبي كَاهِل عِنْد رجلٍ من بني ذبيان بن قيس فَمَاتَ عَنْهَا فَتَزَوجهَا أَبُو كَاهِل وَكَانَت فِيمَا

стр. 2526

يُقَال حَامِلا فَلَمَّا وَلدته اسْتَلْحقهُ أَبُو كَاهِل وَسَماهُ سويداً وَكَانَ سويدٌ إِذا غضب على بني يشْكر انْتَمَى إِلَى بني ذبيان وَإِذا رَضِي عَنْهُم أَقَامَ على نسبه فيهم. وهاجى سويدٌ حَاضر بني سَلمَة الْعَنزي فطلبهما عبد الله بن عَامر فهربا من الْبَصْرَة. ثمَّ هاجى الْأَعْرَج أَخا بني حَمَّاد بن يشْكر فَأَخذهُمَا صَاحب الصَّدَقَة فِي أَيَّام ولَايَة عَامر بن مسعودٍ الجُمَحِي الْكُوفَة فحبسهما وَأمر أَن لَا يخرجَا من السجْن حَتَّى يؤديا مائَة من الْإِبِل ففك بَنو حَمَّاد صَاحبهمْ وَبَقِي سُوَيْد فخذله بَنو سعد وهم قومه فَلم يزل مَحْبُوسًا حَتَّى استوهبته عبسٌ وذبيان لمديحه لَهُم وانتمائه إِلَيْهِم وأطلقوه بِغَيْر فدَاء. وَحلف أَن لَا يعود. وَهَذِه أبياتٌ من قصيدةٍ انْتهى فِيهَا إِلَى ذبيان ومدحهم: (أَنا الْغَطَفَانِي ابْن ذبيان فابعدوا ... وللزنج أدنى مِنْكُم ويحابر) (أَبَت لي عبسٌ أَن أسام دنيةً ... وسعدٌ وذبيان الهجان وعامر) (وحيٌّ كرامٌ سادةٌ من هوازنٍ ... لَهُم فِي الملماة الأنوف الفواخر) الشَّاهِد الموفى الْأَرْبَعين بعد الأربعمائة ...

стр. 2527

(آل الزبير سَنَام الْمجد قد علمت ... ذَاك الْعَشِيرَة والأثرون من عددا) على أَن من عِنْد الْكُوفِيّين حرف زَائِد أَي: والأثرون عددا. وَهِي عِنْد الْبَصرِيين مَوْصُوفَة أَي: والأثرون إنْسَانا معدودا. وَهَذَا الْجَواب أوردهُ الفالي فِي شرح اللّبَاب قَالَ: يَجْعَل عددا مصدرا بِمَعْنى الْمَفْعُول أَي: معدوداً فَتكون صفة مُفْردَة. ف من اسمٌ موصوفٌ بمفرد كَقَوْلِه: فَكفى بِنَا فضلا على من غَيرنَا وَيجوز أَن تكون مَوْصُوفَة بجملة محذوفة وَذَلِكَ أَن عددا: مفعول مُطلق وعامله مَحْذُوف تَقْدِيره: يعد عددا بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول. وَالْجُمْلَة صفة من أَي: إنْسَانا يعد عددا. وعَلى هَذَا الْجَواب اقْتصر صَاحب اللّبَاب وَابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ قَالَ: زَاد الْكسَائي فِي مَعَاني من قسما آخر وَهُوَ أَنَّهَا قد جَاءَت صلَة يَعْنِي زَائِدَة وَأنْشد: والأثرون من عددا وَقَالَ غَيره: مَعْنَاهُ والأثرون من يعد عددا فَحذف الْفِعْل وَاكْتفى بِالْمَصْدَرِ مِنْهُ كَمَا تَقول: مَا أَنْت إِلَّا سيراً. ف من فِي هَذَا القَوْل نكرةٌ مَوْصُوفَة بِالْجُمْلَةِ المحذوفة فالتقدير: والأثرون إنْسَانا يعد. اه.

стр. 2528

وَأجَاب بهما ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي فَقَالَ: عددا إِمَّا صفةٌ لمن على أَنه اسْم وضع مَوضِع الْمصدر وَهُوَ الْعد أَي: والأثرون قوما ذَوي عددٍ أَي: قوما معدودين. وَإِمَّا مَعْمُول ليعد محذوفاً صلَة أَو صفة لمن وَمن بدل من الأثرون. اه. وَإِنَّمَا نصبوا تَفْسِير من وَهُوَ قَوْلهم: إنْسَانا أَو قوما لِأَن من تَمْيِيز. وعَلى قَول الْكُوفِيّين من زائدةٌ وعدداً هُوَ التَّمْيِيز. وَفِي تخريجهم نظرٌ لَا تخفى سماجته مَعَ أَنه لَيْسَ فِيهِ كَبِير مدح فَإِن مُرَاد الشَّاعِر أَن آل الزبير سَنَام الْمجد وَالْأَكْثَر ون عددا فَإِن أتباعهم أَكثر من أَتبَاع غَيرهم عددا إِلَّا أَنهم يعدون عددا فَإِن من يعد قَلِيل والقلة لَا فَخر فِيهَا وَلَا مدح. وَجعل ابْن هِشَام من بَدَلا من الأثرون على تَقْدِير الْفِعْل لَا وَجه لَهُ إِذْ لَا فرق فِي الْمَعْنى بَين قَوْلنَا: قوما معدودين وَبَين قوما يعدون. فَتَأمل. وَنَقله كَونهمَا اسْما فِي حَال الزِّيَادَة يُخَالِفهُ صَرِيح نقل الشَّارِح الْمُحَقق وصريح كَلَام ابْن الشجري. وَتَخْرِيج الْكُوفِيّين خالٍ من التعسف مَعَ صِحَة مَعْنَاهُ ومتانة مغزاه. وَقَالَ الأندلسي فِي شرح الْمفصل: الرِّوَايَة عِنْد الْبَصرِيين: والأثرون مَا عددا وَزِيَادَة مَا جَائِزَة لَا اخْتِلَاف فِيهَا. وَقَوله: آل الزبير: مُبْتَدأ وسنام الْمجد: خَبره والأثرون مَعْطُوف على الْخَبَر وَجُمْلَة قد علمت ذَاك الْعَشِيرَة: اعتراضية لتقوية الْمَعْنى)

стр. 2529

وتسديده وَذَاكَ مفعول علمت وَهُوَ إِشَارَة إِلَى كَونهم سَنَام الْمجد والأكثرين عددا. وَالْعشيرَة فَاعل علمت وروى بدله الْقَبَائِل أَي: قبائل الْعَرَب. وَعلم هُنَا متعدٍّ لمفعول وَاحِد لِأَنَّهُ بِمَعْنى عرف. وسنام الْمجد: أَعلَى الْمجد استعير من سَنَام الْإِبِل. والأثرون: جمع أثرى وَهُوَ أفعل تَفْضِيل من ثريت بك بِكَسْر الرَّاء أَي: كثرت بك. قَالَه فِي الصِّحَاح. وَهَذَا الْبَيْت مَعَ كَثْرَة دورانه فِي كتب النَّحْو لَا يعرف لَهُ قَائِل وَلَا تَتِمَّة. وَالله أعلم بِهِ. وَأنْشد بعده الشَّاهِد الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ بعد الأربعمائة (يَا شَاة من قنصٍ لمن حلت بِهِ ... حرمت عَليّ وليتها لم تحرم) على أَن من عِنْد الْكُوفِيّين زَائِدَة. قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: من هُنَا أَيْضا نكرَة مَوْصُوفَة بمفرد أَي: يَا شَاة إنسانٍ قنص على أَنه من الْوَصْف بِالْمَصْدَرِ للْمُبَالَغَة. يُرِيد أَن قنصاً مصدر بِمَعْنى الصَّيْد أُرِيد بِهِ اسْم الْفَاعِل أَي: يَا شَاة إِنْسَان قانص. وَأَرَادَ بالإنسان نَفسه. وَهَذَا تَخْرِيج جيد لَا مطْعن فِيهِ وَالْمَشْهُور فِيهِ كَمَا قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق: يَا شَاة مَا قنصٍ بِزِيَادَة مَا وَهِي رِوَايَة شرَّاح المعلقات وَلم يرو أحد مِنْهُم الرِّوَايَة الأولى فَإِن الْبَيْت من معلقَة عنترة بن شَدَّاد الْعَبْسِي.

стр. 2530

وَالشَّاة هُنَا كِنَايَة عَن الْمَرْأَة وَالْعرب تكني عَنْهَا بالنعجة أَيْضا. وَقد أوردهُ صَاحب الْكَشَّاف بِرِوَايَة مَا عِنْد قَوْله تَعَالَى: إِن هَذَا أخي لَهُ تسعٌ وَتسْعُونَ نعجةً على أَن النعجة استعيرت للْمَرْأَة كَمَا اسْتعَار عنترة للشاة فقنص على هَذِه الرِّوَايَة مصدرٌ بِمَعْنى الْمَفْعُول وَهُوَ مجرور بِإِضَافَة شَاة إِلَيْهِ. وَفِي زِيَادَة مَا وتنكير قنص مَا يدل على أَنَّهَا صيدٌ عَظِيم يغتبط بهَا من يحوزها أَي اغتباط فَيكون فِي قَوْله: حرمت عَليّ الدّلَالَة على التحزن التَّام على فَوَات تِلْكَ الْغَنِيمَة. قَالَ الْخَطِيب التبريزي فِي شرح هَذِه الْمُعَلقَة: قَوْله: لمن حلت أَي: لمن قدر عَلَيْهَا. وَقَوله: حرمت عَليّ مَعْنَاهُ هِيَ من قوم أَعدَاء. وَيدل على هَذَا قَوْله فِي القصيدة: علقتها عرضا وأقتل قَومهَا وَالْمعْنَى: أَنَّهَا لما كَانَت فِي أعدائي لم أصل إِلَيْهَا وامتنعت مني. وأصل الْحَرَام: الْمَمْنُوع. وَالْمعْنَى: أَنَّهَا حرمت عَليّ باشتباك الْحَرْب بيني وَبَين قبيلتها. وَقَوله: وليتها لم تحرم هُوَ تمنٍّ فِي بَقَاء الصُّلْح. وَقَالَ الْأَخْفَش: معنى حرمت عَليّ: أَي هِيَ جارتي وليتها لم تحرم: أَي ليتها لم تكن جَارة حَتَّى لَا يكون لَهَا حُرْمَة. وَقَالَ الزوزني فِي شَرحه: هِيَ امْرَأَة أَبِيه يَقُول: حرم عَليّ تزَوجهَا لتزوج أبي إِيَّاهَا وليتها لم يَتَزَوَّجهَا حَتَّى كَانَت تحل لي. اه.

стр. 2531

أَقُول: لَا يَنْبَغِي أَن يذكر) هَذَا فَإِن التَّزَوُّج بِامْرَأَة الْأَب كَانَ جَائِزا فِي الْجَاهِلِيَّة وَيشْهد لَهُ الْقُرْآن. وشَاة بِالنّصب لِأَنَّهُ منادى مُضَاف عِنْد أبي جَعْفَر النَّحْوِيّ ومفعولٌ لفعل محذوفٍ مَعَ المنادى عِنْد الزوزني قَالَ: التَّقْدِير: يَا هَؤُلَاءِ اشْهَدُوا شَاة قنص لمن حلت لَهُ فتعجبوا من حسنها وجمالها فَإِنَّهَا قد حازت الْجمال. وَالْمعْنَى: هِيَ حسناء جميلَة. وترجمة عنترة قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّانِي عشر من أَوَائِل الْكتاب. وَقد أورد الْبَدْر الدماميني هُنَا أبياتاً قد ضمن فِيهَا الْبَيْت الشَّاهِد قَالَ: أَنْشدني شَيخنَا شمس الدَّين الغماري إجَازَة قَالَ: أَنْشدني أَبُو حَيَّان قَالَ: أنشدنا جَعْفَر بن الزبير قَالَ: أَنْشدني القَاضِي أَبُو حَفْص عمر بن عمر الفاسي لنَفسِهِ وَقد أهديت إِلَيْهِ جَارِيَة فَوَجَدَهَا ابْنة سريةٍ كَانَ تسراها فَردهَا وَكتب إِلَى مهديها: (يَا مهْدي الرشأ الَّذِي ألحاظه ... تركت فُؤَادِي نصب تِلْكَ الأسهم) (ريحانةٌ كل المنى فِي شمها ... لَوْلَا الْمُهَيْمِن وَاجْتنَاب الْمحرم) (مَا عَن قلى صرفت إِلَيْك وَإِنَّمَا ... صيد الغزالة لم يبح للْمحرمِ) (إِن الغزالة قد علمنَا سرها ... قبل المهاة وليتنا لم نعلم) (يَا وَيْح عنترةٍ يَقُول وشفه ... مَا شفني فشدا وَلم يتَكَلَّم) (يَا شَاة مَا قنصٍ لمن حلت لَهُ ... حرمت عَليّ وليتها لم تحرم) وأنشده بعده الشَّاهِد الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ بعد الأربعمائة أَو تصبحي فِي الظاعن الْمولى

стр. 2532

على أَن أل الموصولة المستعملة فِي الْجمع إِذا لم تصْحَب موصوفها يجوز مُرَاعَاة لَفظهَا كَمَا هُنَا إِذْ المُرَاد: فِي الظاعنين المولين. وَيجوز أَن يكون الْإِفْرَاد بِاعْتِبَار أَن موصوفها الْمُقدر مُفْرد اللَّفْظ أَي: فِي الْجمع الظاعن وَإِنَّمَا حمل أل فِي الوصفين على الْجمع لِأَن الْمَعْنى دلّ على أَن المُرَاد: إِن تصبحي رَاحِلَة مَعَ الظاعنين. وَلَيْسَ لإفرادهما معنى بِدُونِ مَا ذكره الشَّارِح الْمُحَقق. وَذهب أَبُو عَليّ الْفَارِسِي فِي الْمسَائِل البصرية إِلَى أَن الجمعية مستفادةٌ من كَون أل للْجِنْس لَا أَنَّهَا تدل عَلَيْهَا وضعا قَالَ: أنْشد الْمَازِني: أَو تصبحي فِي الظاعن الْمولي وَفَسرهُ بالظاعنين. وسألني أَبُو يَعْقُوب المارودي: إِذا حسن أَن تكون اللَّام للْجمع فِي الظاعنين دَالَّة على الْجمع فِيهِ على قَول الْمَازِني وَابْن السراج فَلم لَا يحسن ذَلِك فِي الظاعن مَعَ إِفْرَاد ظاعن كَمَا جَازَ مثل الَّذِي استوقد نَارا فَلَمَّا أَضَاءَت مَا حوله فَقلت لَهُ: الْفرق بَينهمَا أَن ذَلِك فِي الَّذِي اتساع وَأَنه لم يخل ذَلِك من دَلِيل يدل عَلَيْهِ ملفوظٍ بِهِ. أَلا ترى أَنه قَالَ: فَلَمَّا أَضَاءَت مَا حوله وَقَالَ: إِن الَّذِي حانت بفلج دِمَاؤُهُمْ وَاللَّام مَحْمُولَة على الَّذِي اتساعا فَلَا تحْتَمل من الاتساع مَا يحْتَملهُ الأَصْل. أَلا ترى أَن حملهَا على الَّذِي اتساعٌ فِيهَا حَتَّى قَالَ أَبُو عُثْمَان: لَيست بِمَعْنى الَّذِي وَلكنهَا دَالَّة على الَّذِي. وتوالي الاتساع مرفوض وَإِذا لم

стр. 2533

يحسن أَن يَجْعَل بِمَنْزِلَة الَّذِي فِي هَذَا فَأن لَا تحسن تجْعَل بِمَنْزِلَة الَّذِي فِيهِ مَعَ تعريها من دَلِيل يدل عَلَيْهِ أولى وَإِن الَّذِي لَا يسوغ ذَلِك فِيهَا متعريةً من دَلِيل. اه. وَفِيه نظر من وَجْهَيْن: الأول: أَن قَوْله اللَّام مَحْمُولَة على الَّذِي اتساعاً ممنوعٌ فَإِنَّهَا مَوْضُوعَة لِمَعْنى الَّذِي وفرعيه بالاشتراك وَلَيْسَت مَحْمُولَة على الَّذِي. الثَّانِي: قَوْله وتوالي الاتساع مرفوضٌ مَمْنُوع أَيْضا فَإِن الْمجَاز وَهُوَ من الاتساع فِي اللُّغَة فَلَا يتجوز بِهِ إِلَى مجازين أَو أَكثر. وَكَذَلِكَ ذهب ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ إِلَى أَن الجمعية مستفادةٌ من لَام الْجِنْس قَالَ: والشكور من قَوْله تَعَالَى: وقليلٌ من عبَادي الشكُور اسْم جنس وَالْمعْنَى: وقليلون من عبَادي الشكورون. وَكَون اسْم الْجِنْس مشتقاً قَلِيل وَإِنَّمَا يغلب على أَسمَاء الْأَجْنَاس الجمود كالدينار وَالدِّرْهَم والقفيز والإردب. إِلَى) أَن قَالَ: وَمِمَّا جَاءَ من الْمُشْتَقّ يُرَاد بِهِ الْجِنْس: الْمُفْسد والمصلح فِي قَوْله تَعَالَى: وَالله يعلم الْمُفْسد من المصلح أَي: المفسدين من المصلحين. وَمِنْه قَول الراجز: أَو تصبحي فِي الظاعن الْمولي أَرَادَ: فِي الظاعنين المولين. وَقَول الأخيلية: ...

стр. 2534

(كَأَن فَتى الفتيان تَوْبَة لم ينخ ... بنجدٍ وَلم يهْبط مَعَ المتغور) أَرَادَت: مَعَ المتغورين. اه. وَالْبَيْت من أرجوزةٍ أورد بَعْضهَا أَبُو زيد فِي نوادره وَهَذَا مِقْدَار مَا أوردهُ: (إِن تبخلي يَا جمل أَو تعتلي ... أَو تصبحي فِي الظاعن الْمولي) (كَأَن مهواها على الكلكل ... وموقعاً من ثفنات زل) موقع كفي راهبٍ يُصَلِّي وَأورد ابْن الْأَعرَابِي فِي نوادره أَيْضا هَذَا الْمِقْدَار وَزَاد عَلَيْهِ بعده وَهُوَ: فِي غبش الصُّبْح وَفِي التجلي وَقَالَ أَبُو زيد بعد إِيرَاده الأبيات: المغتل: الَّذِي اغتل جَوْفه من الشوق وَالْحب والحزن كغلة الْعَطش. والوجناء: الوثيرة القصيرة. والعيهل: الطَّوِيلَة. والزل: الملس. اه.

стр. 2535

وَقَوله: إِن تبخلي هُوَ من الْبُخْل أَي: إِن تبخلي علينا بوصلك. وجمل بِضَم الْجِيم من أَسمَاء نسَاء الْعَرَب. وتعتلي من الاعتلاء وَهُوَ التمارض والتمسك بِحجَّة. والظاعن من ظعن من بَاب نفع إِذا ارتحل. والمولي من وليت عَنهُ إِذا أَعرَضت عَنهُ وَتركته. وتعتلي وتصبحي معطوفان على تبخلي وَلِهَذَا جزما بِحَذْف النُّون. وَقَوله: نسل جَوَاب الشَّرْط مجزوم بِحَذْف الْيَاء وأوله نون الْمُتَكَلّم من التسلية وَهُوَ إذهاب الْهم وَنَحْوه بالسلو. قَالَ أَبُو زيد: السلو: طيب نفس الإلف عَن إلفه. والوجد: الْغم والحزن. والهائم أَرَادَ بِهِ الشَّاعِر نَفسه وَهُوَ من هام إِذا خرج على وَجهه لَا يدْرِي أَيْن يتَوَجَّه إِن سلك طَرِيقا مسلوكاً فَإِن سلك طَرِيقا غير مسلوك فَهُوَ رَاكب التعاسيف. كَذَا فِي الْمِصْبَاح. والمغتل بالغين الْمُعْجَمَة من الْغلَّة بِالضَّمِّ وَهِي حرارة الْعَطش. وَفسّر المغتل صَاحب الصِّحَاح بشديد الْعَطش. وَقَوله: بيازل مُتَعَلق بِنَسْل والبيازل: الدَّاخِل فِي السّنة التَّاسِعَة من الْإِبِل ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى وَالْمرَاد هُنَا الثَّانِي لقَوْله وجناء. وفسرها أَبُو زيد بالوثيرة بالثاء الْمُثَلَّثَة وَهِي الْكَثِيرَة اللَّحْم وَالَّتِي لَا تتعب راكبها. والمشهورة تَفْسِيرهَا بالناقة الشَّدِيدَة.) والعيهل: فسره أَبُو زيد بالطويلة وَقَالَ غَيره: هِيَ السريعة. قَالَ صَاحب الْعباب: العيهل والعيهلة: النَّاقة السريعة. قَالَ أَبُو حَاتِم: وَلَا يُقَال جمل عيهلٌّ وَتَشْديد اللَّام لضَرُورَة الشّعْر. اه. وَبِه يظْهر فَسَاد قَول السخاوي فِي سفر السَّعَادَة: إِن العيهل: النجيب من الْإِبِل وَالْأُنْثَى عيهلة. وَيرد عَلَيْهِ أَيْضا قَوْله وجناء.

стр. 2536

وَقَوله: مهواها مصدر بِمَعْنى الْهَوِي والسقوط. والكلكل كجعفر: الصَّدْر وَتَشْديد اللَّام ضَرُورَة أَيْضا. وثفنات: جمع ثفنة بِفَتْح الْمُثَلَّثَة وَكسر الْفَاء بعْدهَا نون وَهُوَ مَا يَقع على الأَرْض من أَعْضَاء الْإِبِل إِذا استناخ وَغلظ كالركبتين وَغَيرهمَا. وَزَل بِالضَّمِّ جمع أزل وَهُوَ الْخَفِيف. وَفَسرهُ أَبُو زيد بملس. وَهُوَ غير مُنَاسِب إِذْ المُرَاد تَشْبِيه الْأَعْضَاء الخشنة الغليظة من النَّاقة بِكَثْرَة الاستناخة بكفي رَاهِب قد شثنت وخشنت من كَثْرَة اعْتِمَاده عَلَيْهِمَا فِي السُّجُود. وروى: رجْلي رَاهِب بدل كفي رَاهِب. والغبش بِفتْحَتَيْنِ: بَقِيَّة اللَّيْل. وَأَرَادَ بالتجلي النَّهَار. وَهَذِه أرجوزةٌ طَوِيلَة أورد مِنْهَا شرَّاح شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ جملَة وَكَذَلِكَ أَبُو عَليّ فِي الْمسَائِل العسكرية. وَقَوله: أوردهُ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب الْوَقْف لرجلٍ من بني أَسد على أَن تَضْعِيف الآخر فِي القافية ضَرُورَة. قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ تَشْدِيد عيهل فِي الْوَصْل ضَرُورَة وَإِنَّمَا يشدد فِي الْوَقْف ليعلم أَنه متحرك فِي الْوَصْل. قَالَ أَبُو عَليّ فِي الْمسَائِل العسكرية أما العيهل والكلكل فاستعمالهما بتحفيف فَقدر الْوَقْف عَلَيْهِ فضاعف إِرَادَة للْبَيَان. وَهَذَا يَنْبَغِي أَن يكون فِي الْوَقْف دون الْوَصْل لِأَن مَا يتَّصل بِهِ فِي الْوَصْل يبين الْحَرْف وحركته. فَمن ذَلِك من قَالَ فِي الْوَقْف: هَذَا خَالِد. فَإِذا وصل قَالَ: هَذَا خالدٌ كَمَا ترى.

стр. 2537

ويضطر الشَّاعِر فَيجْرِي الْوَصْل بِهَذِهِ الإطلاقات فِي القوافي مجْرى الْوَقْف. وَقد جَاءَ ذَلِك فِي النصب أَيْضا. قَالَ: مثل الْحَرِيق وَافق القصبا وَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَن يكون فِي السعَة. اه. وَهَذِه الأرجوزة نَسَبهَا السخاوي فِي سفر السَّعَادَة لمنظور بن مرْثَد الْأَسدي. قَالَ: وَقيل لغيره. وَنسبه الصَّاغَانِي فِي الْعباب لمنظور بن حَبَّة الْأَسدي وهما وَاحِد فَإِنَّمَا مرثداً أَبوهُ وحبة أمه فبعضهم ينْسبهُ إِلَى أَبِيه وَبَعْضهمْ إِلَى أمه. قَالَ الصَّاغَانِي فِي الْعباب: مَنْظُور بن حَبَّة راجزٌ من بني أَسد. وحبة أمه وَاسم أَبِيه مرْثَد بن فَرْوَة بن نَوْفَل بن نَضْلَة بن الأشتر بن جحوان بن طريف بن عَمْرو بن قعين. اه. وقعين: ابْن الْحَارِث بن ثَعْلَبَة بن دودان بن أَسد بن خُزَيْمَة. وَأنْشد بعده:) على أَن جملَة هَل رَأَيْت إِلَى آخرهَا صفةٌ لمذق بِتَقْدِير القَوْل. وَتقدم شَرحه مُسْتَوفى فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالتسْعين.

стр. 2538

وَأنْشد بعده الشَّاهِد الثَّالِث وَالْأَرْبَعُونَ بعد الأربعمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س: (وَلَقَد أَبيت من الفتاة بمنزلٍ ... فأبيت لَا حرجٌ وَلَا محروم) على أَن لَا حرجٌ عِنْد الْخَلِيل مرفوعٌ على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَالْجُمْلَة محكية بقول مَحْذُوف أَي: أَبيت مقولاً فِي: هُوَ لَا حرجٌ وَلَا محروم. وَهَذَا من حِكَايَة الْجمل بِتَقْدِير الْمُبْتَدَأ وَلَا يَصح أَن يكون من حِكَايَة الْمُفْرد لِأَن حِكَايَة إعرابه إِنَّمَا تكون إِذا أُرِيد لَفظه نَحْو: قَالَ فلَان: زيدٌ إِذا تكلم بزيد مَرْفُوعا وَفِي غير هَذَا يجب نَصبه إِلَّا أَن يكون بِتَقْدِير شَيْء فنجب حِكَايَة إعرابه كَمَا هُنَا. وَهَذَا نَص سِيبَوَيْهٍ فِي الْمَسْأَلَة: وَزعم الْخَلِيل أَن أَيهمْ إِنَّمَا وَقع فِي قَوْلهم: اضْرِب أَيهمْ أفضل على أَنه حِكَايَة كَأَنَّهُ قَالَ: اضْرِب الَّذِي يُقَال لَهُ: أَيهمْ أفضل. وَشبه بقول الأخطل: وَلَقَد أَبيت من الفتاة بمنزلٍ ... ... ... ... . الْبَيْت قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي رفع حرجٌ ومحروم وَكَانَ وَجه الْكَلَام نصبهما على الْحَال. وَوجه رفعهما عِنْد الْخَلِيل الْحمل على الْحِكَايَة وَالْمعْنَى: فأبيت كَالَّذي يُقَال لَهُ لَا حرجٌ وَلَا محروم. وَلَا يجوز: رَفعه حملا على مُبْتَدأ مُضْمر كَمَا لَا يجوز: كَانَ زيد لَا قَائِم وَلَا قَاعد على تَقْدِير: لَا هُوَ قَائِم وَلَا هُوَ

стр. 2539

قَاعد لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوضِع تبعيض وَلَا قطع فَلذَلِك حمله على الْحِكَايَة. اه. وَقَالَ النّحاس: قَالَ سِيبَوَيْهٍ: زعم الْخَلِيل أَن هَذَا لَيْسَ على إِضْمَار أَنا وَلَو كَانَ كَذَلِك لجَاز: كَانَ عبد الله لَا مُسلم وَلَا صَالح وَلكنه فِيمَا زعم الْخَلِيل: فأبيت كَالَّذي يُقَال لَهُ: لَا حرجٌ وَلَا محروم. وَإِنَّمَا فر الْخَلِيل من إِضْمَار أَنا وَإِن كَانَت قد تضمر فِي هَذَا الْموضع لِأَنَّهُ يلْزم عَلَيْهِ أَن يَقُول: كنت لَا خَارج وَلَا ذَاهِب. وَهَذَا قبيحٌ جدا فَجعله على الْحِكَايَة: فأبيت بِمَنْزِلَة الَّذِي يُقَال لَهُ: لَا حرجٌ وَلَا محروم أَي: إِنَّهَا لم تحرمني فَيُقَال لي محروم وَلم أتحرج من حضوري نعها فَيُقَال لي: حرج. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الزاج: هُوَ بِمَعْنى لَا حرجٌ وَلَا محروم فِي مَكَاني. فَإِذا لم يكن فِي مَكَانَهُ حرجاً وَلَا محروماً فَهُوَ لَا حرج وَلَا محروم. وَزعم الْجرْمِي أَنه على معنى فأبيت وَأَنا لَا حرجٌ وَلَا محروم. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقد زعم بَعضهم أَنه على النَّفْي كَأَنَّهُ قَالَ: فأبيت لَا حرج وَلَا محروم بِالْمَكَانِ الَّذِي أَنا فِيهِ. وَكَلَام أبي إِسْحَاق شرحٌ لهَذَا. قَالَ أَبُو الْحسن: فَيكون فِي الْمَكَان الَّذِي أَنا) فِيهِ خَبرا عَن حرج وَالْجُمْلَة خبر أَبيت. انْتهى كَلَام النّحاس. قَالَ السيرافي: وَهَذَا التَّفْسِير أسهل لِأَن الْمَحْذُوف خبر حرج وَهُوَ ظرف وَحذف الْخَبَر فِي النَّفْي كثير كَقَوْلِنَا: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه أَي: لنا. وَقَوله: وَلَقَد أَبيت قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: بَات لَهُ مَعْنيانِ: أَحدهمَا كَمَا نقل الْأَزْهَرِي عَن الْفراء: بَات الرجل إِذا سهر اللَّيْل كُله فِي

стр. 2540

طاعةٍ أَو مَعْصِيّة. وَثَانِيهمَا: بِمَعْنى صَار يُقَال: بَات بِموضع كَذَا أَي: صَار بِهِ سَوَاء كَانَ فِي ليل أَو نَهَار. وَعَلِيهِ قَوْله ﵊ ُ: فَإِنَّهُ لَا يدْرِي أَيْن باتت يَده أَي: صَارَت ووصلت. اه. وَالْمُنَاسِب هُنَا الْمَعْنى الثَّانِي. وَالرِّوَايَة فِي ديوَان الأخطل: وَلَقَد أكون. والمستقبل هُنَا فِي مَوضِع الْمَاضِي لِأَنَّهُ يُرِيد أَن يخبر عَن حَاله فِيمَا مضى وَأكْثر مَا يَجِيء هَذَا فِيمَا علم مِنْهُ ذَلِك الْفِعْل خلقا وطبعاً وَقد تكَرر ذَلِك الْفِعْل مِنْهُ وَلَا يكون كَفعل فعله فِي الدَّهْر مرّة وَاحِدَة. والفتاة: الْجَارِيَة الشَّابَّة يُرِيد أَنه كَانَ فِي شبابه تحبه الفتيات ويبيت عِنْدهن بمنزلٍ يَعْنِي بِمَنْزِلَة جميلَة. والحرج بِفَتْح الْحَاء وَكسر الرَّاء: الْمضيق عَلَيْهِ. يَقُول: إِن مَوْضِعه لم يكن مضيقاً بِهِ وَلَا هُوَ محرومٌ من جِهَتهَا مَا يُريدهُ. وَقبل هَذَا الْبَيْت: (وَلَقَد يكن إِلَيّ صوراً مرّة ... أَيَّام لون غدائري يحموم) وَالنُّون فِي يكن ضمير النِّسَاء الغواني فِي بيتٍ قبله. والصور: جمع صائرة بِمَعْنى مائلة. والغدائر: الذوائب جمع غديرة. واليحموم: الْأسود. والبيتان من قصيدةٍ ذكر فِيهَا مَا كَانَ يَفْعَله أَيَّام الشَّبَاب ثمَّ توعد جَمِيعًا وَهُوَ رجلٌ من كلب بِأَنَّهُ إِن لم يمسك لِسَانه عَنهُ هجاه وهجا قبيلته. والأخطل شاعرٌ نصرانيٌّ من شعراء الدولة الأموية. وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّامِن

стр. 2541

الشَّاهِد الرَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ بعد الأربعمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س: (دعِي مَاذَا علمت سأتقيه ... وَلَكِن بالمغيب نبئيني) على أَن ذَا هُنَا زَائِدَة بعد مَا الموصولة. وَهَذَا مخالفٌ لكَلَام سِيبَوَيْهٍ فيهمَا فَإِن مَا عِنْده فِي الْبَيْت استفهامية وذَا اسْم مركب مَعهَا جعلا بِمَنْزِلَة شَيْء وَاحِد. وَهَذَا نَص كَلَامه: وَأما إجراؤهم ذَا مَعَ مَا بِمَنْزِلَة اسْم وَاحِد فَهُوَ قَوْلك: مَاذَا رَأَيْت فَتَقول: خيرا كَأَنَّك قلت: مَا رَأَيْت فَلَو كَانَت ذَا لَغوا لما قَالَت الْعَرَب: عَمَّا ذَا تسْأَل ولقالوا: عَم ذَا تسْأَل وَلَكنهُمْ جعلُوا مَا وذَا اسْما وَاحِدًا كَمَا جعلُوا مَا وَإِن حرفا وَاحِدًا حِين قَالُوا: إِنَّمَا. وَمثل ذَلِك: كَأَنَّمَا وحيثما فِي الْجَزَاء وَلَو كَانَ ذَا بِمَنْزِلَة الَّذِي فِي ذَا الْموضع الْبَتَّةَ لَكَانَ الْوَجْه فِي مَاذَا رَأَيْت إِذا أَرَادَ الْجَواب أَن يَقُول: خير وَقَالَ الشَّاعِر: وَسَمعنَا بعض الْعَرَب يَقُوله: (دعِي مَاذَا علمت سأتقيه ... وَلَكِن بالمغيب نبئيني) ف الَّذِي لَا يجوز فِي هَذَا الْموضع وَمَا لَا يحسن أَن تلغيها. انْتهى كَلَامه. وَقَالَ أَبُو حَيَّان فِي تَذكرته: قَالَ بَعضهم: ذَا مَعَ مَا شيءٌ وَاحِد وَمَوْضِع مَاذَا نصب ب علمت وَهِي الاستفهامية على مَا حكى سِيبَوَيْهٍ. وَحكى السيرافي أَن مَاذَا فِي الْبَيْت بِمَعْنى الَّذِي وَعلمت صلَة وحذفت الْهَاء العائدة وماذا فِي مَوضِع نصب بدعي وَالتَّقْدِير: دعِي الَّذِي علمت فَإِنِّي

стр. 2542

سأتقيه. وَهُوَ أصح معنى مِمَّا حكى سِيبَوَيْهٍ لِأَنَّهُ جعلهَا استفهامية مَنْصُوبَة بعلمت الْوَاقِع بعْدهَا وَهُوَ فاسدٌ من طَرِيق الْمَعْنى. وَيُمكن أَن يكون مَنْصُوبًا بإضمار فعل يدل عَلَيْهِ سأتقيه كَأَنَّهُ قَالَ: دعِي كل شَيْء سأتقي مَاذَا علمت سأتقيه. اه. وَقد خَفِي على الأعلم ظُهُور كَون مَا فِي الْبَيْت استفهامية فَزعم أَنَّهَا مَوْصُولَة قَالَ: الشَّاهِد فِيهِ جعل مَاذَا اسْما وَاحِدًا بِمَنْزِلَة الَّذِي وَالْمعْنَى دعِي الَّذِي عَلمته فَإِنِّي سأتقيه لعلمي مثل الَّذِي علمت وَلَكِن نبئيني بِمَا غَابَ عني وعنك مِمَّا يَأْتِي بِهِ الدَّهْر أَي: لَا تعذليني فِيمَا أبادر بِهِ الزَّمَان من إِتْلَاف مَالِي فِي وُجُوه الفتوة وَلَا تخوفيني الْفقر. اه. وَالْمَفْهُوم من تَقْرِيره أَن التَّاء من علمت مَكْسُورَة. قَالَ النّحاس: وَهِي رِوَايَة أبي الْحسن وَأما رِوَايَة أبي إِسْحَاق فَهِيَ بِضَم التَّاء. قَالَ النّحاس: ف إِذا هُنَا لَا تكون بِمَعْنى الَّذِي لِأَنَّهُ لَا يجوز دعِي مَا الَّذِي علمت. قَالَ أَبُو إِسْحَاق: لَا يكون ذَا هُنَا إِلَّا بِمَنْزِلَة اسْم مَعَ مَا وَذَلِكَ أَنَّهَا لَا تَخْلُو من إِحْدَى ثَلَاث جِهَات: إِمَّا أَن تكون مَا صلَة وَذَا بِمَعْنى الَّذِي وَهَذَا لَا يجوز) لِأَن ذَا لَا يكون بِمَعْنى الَّذِي إِلَّا مَعَ مَا وَمن الاستفهاميتين وَكَذَا اسْتعْملت. وَإِمَّا أَن يكون مَا بِمَعْنى الَّذِي وَذَا بِمَعْنى الَّذِي فَتكون مَا مفعولة وَذَا مُبْتَدأ وَعلمت صلَة وَيبقى الْمُبْتَدَأ بِلَا خبر. فَإِن قلت: أضمر هُوَ فكأنك قلت: دعِي الَّذِي هُوَ الَّذِي علمت. فَهَذَا قَبِيح. وَهَذَا الَّذِي قَالَ سِيبَوَيْهٍ وَالَّذِي لَا يجوز فِي هَذَا الْموضع لِئَلَّا يلْزم أَن تحذف هُوَ مُنْفَصِلَة. الثَّالِث: أَن تكون مَا مَعَ ذَا بِمَنْزِلَة اسْم وَاحِد. اه.

стр. 2543

وَلَا يخفى أَنه لم يعين معنى مَاذَا بعد هَذَا الترديد هَل هِيَ اسْتِفْهَام أَو مَوْصُول. وَذهب ابْن عُصْفُور إِلَى أَن مَا استفهامية وذَا مَوْصُولَة وَقَالَ: لَا يكون مَاذَا مَفْعُولا لدعي لِأَن الِاسْتِفْهَام لَهُ الصَّدْر. وَلَا لعَلِمت لِأَنَّهُ لم يرد أَن يستفهم عَن معلومها مَا هُوَ. وَلَا لمَحْذُوف يفسره سأتقيه لِأَن علمت حينئذٍ لَا مَحل لَهُ. بل مَا اسْتِفْهَام مُبْتَدأ وَذَا مَوْصُول خبر وَعلمت صلَة وعلق دعِي عَن الْعَمَل بالاستفهام. اه. وَلَا يخفى أَن هَذَا مبنيٌّ على رِوَايَة كسر التَّاء من علمت وَأما على رِوَايَة ضمهَا فَلَا اسْتِفْهَام إِذْ الْمَعْنى: دعِي مَا عَلمته أَنا وخبريني مَا جهلته. وَأورد عَلَيْهِ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي بعد نقل كَلَامه أَن قَوْله لم يرد أَن يستفهمها عَن معلومها لازمٌ لَهُ إِذا جعل مَاذَا مُبْتَدأ وخبراً. ودعواه تَعْلِيق دعِي مردودةٌ لِأَنَّهَا لَيست من أَفعَال الْقُلُوب فَإِن قَالَ: إِنَّمَا أردْت أَنه قدر الْموقف على دعِي فاستأنف مَا بعده رده قَول الشَّاعِر: وَلَكِن فَإِنَّهَا لَا بُد أَن يُخَالف مَا بعْدهَا مَا قبلهَا والمخالف هُنَا دعِي فَالْمَعْنى دعِي كَذَا وَلَكِن افعلي كَذَا. وعَلى هَذَا فَلَا يَصح اسْتِئْنَاف مَا بعد دعِي لِأَنَّهُ لَا يُقَال من فِي الدَّار فإنني أكْرمه وَلَكِن أَخْبرنِي عَن كَذَا. اه. وَذهب أَبُو عَليّ فِي الْمسَائِل المنثورة إِلَى أَن مَاذَا بِمَعْنى شَيْء نكرَة. قَالَ: وَلَا يجوز أَن أجعَل ذَا فِي تَأْوِيل الَّذِي لِأَنَّهَا لم تجىء فِي تَأْوِيل الَّذِي إِلَّا فِي الِاسْتِفْهَام. وَهَا هُنَا لَيْسَ معنى اسْتِفْهَام وَلَكِن معنى مَا وذَا بِمَعْنى شَيْء فَيكون بِمَعْنى اسْم وَاحِد فَيكون تَقْدِيره: دعِي شَيْئا علمت وَيكون علمت

стр. 2544

صفة لماذا. وَالشَّاهِد على هَذَا القَوْل أَن مَا وَذَا إِنَّمَا جَاءَت بِمَعْنى شَيْء وَاحِد فِي الِاسْتِفْهَام والاستفهام نكرَة وَهِي هَا هُنَا أَيْضا مُبْهمَة فحملتها على النكرَة الَّتِي جَاءَت فِي الِاسْتِفْهَام. اه. وَعلمت هُنَا بِمَعْنى عرفت وَلِهَذَا تعدى إِلَى مفعول وَاحِد. والنبأ: الْخَبَر. وَالْبَيْت من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ الْخمسين الَّتِي مَا عرف قَائِلهَا وَالله أعلم بِهِ. وَزعم الْعَيْنِيّ وَتَبعهُ السُّيُوطِيّ فِي شرح شَوَاهِد الْمُغنِي أَنه من قصيدة للمثقب الْعَبْدي مطْلعهَا: (أفاطم قبل بَيْنك متعيني ... ومنعك مَا سَأَلت كَأَن تبيني)) وَهَذَا لَا أصل لَهُ وَإِن كَانَ الروي وَالْوَزْن شَيْئا وَاحِدًا فَإِن قصيدة المثقب الْعَبْدي قد رَوَاهَا جماعةٌ مِنْهُم الْمفضل الضَّبِّيّ فِي المفضليات وَمِنْهُم أَبُو عَليّ القالي فِي أَمَالِيهِ وَفِي ذيل أَمَالِيهِ وَلم يُوجد الْبَيْت فِيهَا وَلم يعزه إِلَيْهِ أحدٌ من خدمَة كتاب سِيبَوَيْهٍ وهم أدرى بِهَذِهِ الْأُمُور. وَالله أعلم. وَأنْشد بعده الشَّاهِد الْخَامِس وَالْأَرْبَعُونَ بعد الأربعمائة وهم من شَوَاهِد س:

стр. 2545

على أَن مَا مُبْتَدأ وذَا زَائِدَة وَجُمْلَة يحاول خبر الْمُبْتَدَأ والرابط مَحْذُوف أَي: يحاوله. وَهَذَا مخالفٌ لسيبويه وَمن تبعه فَإِن جعل ذَا هُنَا مَوْصُولَة وَهَذَا نَصه: أما إجراؤهم ذَا بِمَنْزِلَة الَّذِي فَهُوَ قَوْلهم: مَاذَا رَأَيْت فَيَقُول: متاعٌ حسن. وَقَالَ لبيد: أَلا تَسْأَلَانِ الْمَرْء مَاذَا يحاول ... ... ... ... . الْبَيْت قَالَ الأعلم وَابْن السيرافي: التَّقْدِير: مَا الَّذِي يحاول ف مَا: مُبْتَدأ وذَا خَبره ويحاول: صلَة ذَا كَأَنَّهُ قَالَ: أَي شَيْء الَّذِي يحاوله بِدَلِيل قَوْله: أنحبٌ. وَلَو كَانَ ذَا مَعَ مَا كشيء وَاحِد لَكَانَ مَاذَا مَنْصُوبًا بيحاول وَكَانَ مفسره الَّذِي هُوَ نحبٌ مَنْصُوبًا لِأَنَّهُ اسْتِفْهَام مُفَسّر للاستفهام الأول فَهُوَ على إعرابه ولوجب أَن يُقَال: أنحباً فَيقْضى أم ضلالا وباطلاً. اه. وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر كَأَنَّهُ قَالَ: مَا الَّذِي يحاوله أألذي يحاوله نحبٌ أم ضلال وَلَو كَانَ ذَا مَعَ مَا فِي الْبَيْت اسْما وَاحِدًا كَمَا كَانَ فِي قَوْله تَعَالَى: مَاذَا أنزل ربكُم قَالُوا خيرا لَكَانَ النحب نصبا. اه. وَنقل النّحاس عَن ابْن كيسَان أَنه قَالَ هُنَا: إِن شِئْت جعلت مَا وذَا شَيْئا وَاحِدًا لِأَن مَا تكون لكل الْأَشْيَاء وذَا كَذَلِك فوافقتها فِي الْإِبْهَام فقرتنا. وَالَّذِي أخْتَار إِذا جعلا شَيْئا وَاحِدًا أَن يكون ذَا صفة لما. انْتهى.

стр. 2546

وَكَذَلِكَ قَالَ الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة: كَون ذَا مَوْصُولا لَا يتَعَيَّن لاحْتِمَال أَن يكون مَاذَا كُله اسْما وَاحِدًا مَرْفُوعا على أَنه مُبْتَدأ ويحاول خَبره والرابط مَحْذُوف أَي: يحاوله. وَمثله فِي الشّعْر جَائِز. ونحبٌ بدل من الْمُبْتَدَأ وَيحْتَمل أَن يكون مَاذَا كُله فِي مَحل نصب على أَنه مفعول يحاول ولَا ضمير محذوفاً. فَإِن قلت: يُبطلهُ رفع الْبَدَل. قلت: لَا يكون نحب حينئذٍ بَدَلا بل يكون خبر مُبْتَدأ مُضْمر. اه. أَقُول أما النصب فقد جوزه الْفراء فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: ويسألونك مَاذَا يُنْفقُونَ قل الْعَفو قَالَ: تجْعَل مَا فِي مَوضِع نصب وتوقع عَلَيْهَا يُنْفقُونَ وَلَا تنصبها بيسألونك. وَإِن شِئْت رفعتها من وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَن تجْعَل ذَا اسْما) يرفع مَا كَأَنَّك قلت: مَا الَّذِي يُنْفقُونَ. وَالْعرب قد تذْهب بِهَذَا وَذَا إِلَى معنى الَّذِي. وَالرَّفْع الآخر: أَن تجْعَل كل اسْتِفْهَام أوقعت عَلَيْهِ فعلا بعده رفعا لَا يجوز تَقْدِيمه قبل الِاسْتِفْهَام فجعلوه بِمَنْزِلَة الَّذِي إِذْ لم يعْمل فِيهَا الْفِعْل الَّذِي بعْدهَا. فَإِذا نَوَيْت ذَلِك رفعت الْعَفو كَذَلِك كَمَا قَالَ الشَّاعِر: أَلا تَسْأَلَانِ الْمَرْء مَاذَا يحاول ... ... ... ... . الْبَيْت رفع النحب لِأَنَّهُ نوى أَن يَجْعَل مَا فِي مَوضِع رفع وَلَو قَالَ: أنحباً فَيقْضى أم ضلالا وباطلاً كَأَن أبين فِي كَلَام الْعَرَب وَأكْثر. اه. وَأما جعل نحبٌ خبر مُبْتَدأ فقد نَقله ابْن هِشَام اللَّخْمِيّ فِي شَوَاهِد

стр. 2547

الْجمل وَقواهُ. قَالَ: نحب بدل من مَا وَقيل: إِن نحبا خبر مُبْتَدأ مُضْمر وَالتَّقْدِير: أهوَ نحب والمبتدأ وَالْخَبَر بدل من مَوضِع مَاذَا. وَهَذَا أقوى لِأَنَّهُ أبدل جملَة من جملَة لما كَانَت فِي مَعْنَاهَا. اه. وَمثله لِابْنِ السَّيِّد فِي شرح شَوَاهِد الْجمل قَالَ: من اعْتقد فِي نحب الْبَدَل فموضع مَا رفع على كل حَال وَمن اعْتقد أَن قَوْله أنحب مُرْتَفع على خبر مُبْتَدأ مُضْمر كَأَنَّهُ قَالَ: أهوَ نحب جَازَ أَن تكون مَا مَرْفُوعَة الْمحل وَجَاز أَن تكون مَنْصُوبَة الْموضع. اه. وَقَالَ ابْن المستوفي فِي شرح أَبْيَات الْمفصل: إِذا كَانَ ذَا بِمَعْنى الَّذِي فَفِيهِ وُجُوه: أَحدهمَا: أَن يكون خبر مَا وَأَن يكون بَدَلا مِنْهَا وَأَن يكون خَبرا لمبتدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: مَا هُوَ الَّذِي يحاول. اه. أَقُول: أما الثَّانِي فَبَاطِل لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لوَجَبَ أَن قترن مَعَ الْبَدَل اسْتِفْهَام كَمَا اقْترن بقوله: نحب على تَقْدِير كَونه بَدَلا من مَا. وَأما الثَّالِث فَلَا يجوز لعدم الْقَرِينَة على الْحَذف. وَبَقِي عَلَيْهِ أَن يَقُول: مَا خبر مقدم وذَا مُبْتَدأ مُؤخر كَمَا اخْتلفُوا فِي قَوْلهم: كم مَالك. وَقَوله: أَلا تَسْأَلَانِ إِلَخ أَلا: كلمة يستفتح بهَا الْكَلَام وَمَعْنَاهُ التَّنْبِيه. وتسألان خطابٌ لصاحبين لَهُ وَقيل: إِنَّمَا هُوَ خطابٌ لوَاحِد. وَزعم بَعضهم أَن الْعَرَب تخاطب الْوَاحِد بخطاب الِاثْنَيْنِ. وَحكي عَن بعض الفصحاء وَهُوَ الْحجَّاج: يَا حرسي اضربا عُنُقه وَزَعَمُوا أَن قَوْله تَعَالَى: ألقيا فِي جَهَنَّم كل كفارٍ عنيد أَنه خطاب للْملك. وَهَذَا شيءٌ يُنكره حذاق

стр. 2548

الْبَصرِيين لِأَنَّهُ إِذا خَاطب الْوَاحِد بخطاب الِاثْنَيْنِ وَقع اللّبْس. وَذهب الْمبرد إِلَى أَن التَّثْنِيَة على التوكيد تُؤدِّي عَن معنى ألق ألق. وَخَالفهُ أَبُو إِسْحَاق بِأَنَّهُ فِي كُله خطابٌ لاثْنَيْنِ وَهُوَ الظَّاهِر هُنَا وَالسُّؤَال هُنَا بِمَعْنى الِاسْتِفْهَام يُقَال: سَأَلته عَن كَذَا فَهُوَ يتَعَدَّى إِلَى المسؤول مِنْهُ بِنَفسِهِ وَإِلَى المسؤول عَنهُ بِحرف عَن فجملة مَاذَا يحاول فِي مَوضِع الْمَفْعُول الثَّانِي الْمُقَيد ب عَن الْمُعَلق عَن الْعَمَل بالاستفهام. والمحاولة:) اسْتِعْمَال الْحِيلَة وَهِي الحذق فِي تَدْبِير الْأُمُور وَهُوَ تقليب الْفِكر حَتَّى يَهْتَدِي إِلَى الْمَقْصُود. وَالْحِيلَة أَصْلهَا حولة إِن قلبت الْوَاو يَاء لانكسار مَا قبلهَا. وَلَام الْمَرْء للْعهد الذهْنِي نَحْو: إِذْ هما فِي الْغَار. أَي: سلا الْإِنْسَان السَّاعِي فِي تَحْصِيل الدُّنْيَا. وَقيل اللَّام للْجِنْس لَا يَعْنِي امْرأ معينا. وَقَالَ ابْن المستوفي: يَعْنِي بِالْمَرْءِ نَفسه وَالنَّاس فِيهِ سَوَاء. والنحب: بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْمُهْملَة هـ معَان المُرَاد هُنَا النّذر وَهُوَ مَا ينذره الْإِنْسَان على نَفسه وَيُوجب عَلَيْهَا فعله على كل حَال. يَقُول اسألوا هَذَا الْحَرِيص على الدُّنْيَا عَن هَذَا الَّذِي هُوَ فِيهِ أهوَ نذرٌ نَذره على نَفسه فَرَأى أَنه لابد من فعله أم هُوَ ضلال وباطل عَن أمره. وَقَوله: فَيقْضى رُوِيَ بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل وبالبناء للْمَفْعُول وَعَلَيْهِمَا الْجُمْلَة خبر لمبتدأ مَحْذُوف أَي: هُوَ يقْضِي. وَهَذَا الْمُبْتَدَأ ضمير الْمَرْء على الرِّوَايَة الأولى وَضمير النحب على الرِّوَايَة الثَّانِيَة. وَالْفَاء هُنَا للاستئناف كَقَوْلِه: يُرِيد أَن يعربه فيعجمه وقصره بَعضهم على الرِّوَايَة الثَّانِيَة فَقَالَ: هُوَ فِي مَوضِع نصب على أَنه جَوَاب الِاسْتِفْهَام وَلَيْسَ بمعطوف على يحاول.

стр. 2549

وَقد سَهَا الْعَيْنِيّ هُنَا سَهوا فَاحِشا فَزعم أَن جملَة يقْضِي فِي مَحل رفع صفة ل نحب. وَيجوز أَن تكون فِي مَحل نصب على تَقْدِير انتصاب النحب. اه. فَإِن الْفَاء مانعةٌ من الوصفية وَكَأَنَّهُ قاسها على وَاو اللصوق. وَالْبَيْت أول قصيدة للبيد العامري الصَّحَابِيّ وَتَقَدَّمت تَرْجَمته مَعَ شرح أبياتٍ مِنْهَا فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة. وَأنْشد بعده الشَّاهِد السَّادِس وَالْأَرْبَعُونَ بعد الأربعمائة (وماذا عَسى الواشون أَن يتحدثوا ... سوى أَن يَقُولُوا: إِنَّنِي لَك عاشق) على أَن ذَا قيل إِنَّهَا زَائِدَة لَا مَوْصُولَة. وَذهب ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة عِنْد قَول المعلوط السَّعْدِيّ: (غيضن من عبراتهن وقلن لي ... مَاذَا لقِيت من الْهوى ولقينا)

стр. 2550

إِلَى أَن مَاذَا فِيهِ مركبة بِمَعْنى الْمصدر مُبْتَدأ أَي: تحديث وَجُمْلَة عَسى خَبره. وَلم يلْتَفت إِلَى إنشائيته لوروده فِي الْخَبَر إِمَّا لِأَنَّهُ بِتَقْدِير قَول مَحْذُوف كَمَا هُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور وَإِمَّا بِدُونِهِ كَمَا هُوَ مَذْهَب الْبَعْض. وَهَذِه عِبَارَته: لَا سَبِيل إِلَى أَن تنصب مَاذَا على أَنَّهُمَا اسْم وَاحِد بيتحدثوا لِأَنَّهُ فِي صلَة أَن فيجرى هَذَا فِي امْتنَاع مَا بعد أَن من الْمَوْصُول إِلَيْهِ مجْرى ذكرٌ من قَوْلك: أذكرٌ أَن تَلد نَاقَتك أحب إِلَيْك أم أُنْثَى وماذا هُنَا بِمَعْنى الْمصدر فترفعه بِالِابْتِدَاءِ وتضمر لَهُ عَائِدًا كَقَوْلِك: أَي قيام عَسى زيد أَن يَقُول وَأَنت تُرِيدُ يقومه فتحذف الْهَاء وترفع الأول مُضْطَرّا إِلَى رَفعه إِذْ لَا سَبِيل إِلَى نَصبه. ويضعف أَن تكون ذَا بِمَنْزِلَة الَّذِي وَذَلِكَ لما تصير إِلَيْهِ مَا وصل الَّذِي بعسى. وَفِيه ذهابٌ عَن الْبَيَان والإيضاح بالصلة. فَإِن قلت: فقد قَالَ الفرزدق: (وَإِنِّي لرامٍ نظرةً قبل الَّتِي ... لعَلي وَإِن شطت نَوَاهَا أزورها) فَإِن أَبَا عليٍّ يتَأَوَّل هَذَا ويتناوله على الْحِكَايَة حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ: قبل الَّتِي يُقَال فِيهَا: لعَلي. وَبَاب الْحِكَايَة طريقٌ مهيع يتَقَبَّل فِيهِ كل تَأَول وَمَا أشبهه إِلَّا بالمنام أَو حَدِيث الْبَحْر الَّذِي انطوت النُّفُوس على تقبل مَا يعرض فِيهِ وَترك التناكر لشَيْء يرد عَنهُ. اه مُخْتَصرا.

стр. 2551

وَالْبَيْت أوردهُ أَبُو تَمام فِي الحماسة وَبعده بيتٌ ثَان ونسبهما لجميل العذري وَهُوَ: (نعم صدق الواشون أَنْت كريمةٌ ... علينا وَإِن لم تصف مِنْك الْخَلَائق) يَقُول: الواشون لَا يقدرُونَ فِي وشايتهم على أَكثر مِمَّا أَن يَقُولُوا: إِنَّنِي لَك عاشق. ثمَّ أوجب بقوله: نعم. فَكَأَنَّهُ قَالَ: قد صدقُوا فِيمَا ادعوهُ أَنْت تكرمين علينا وَإِن لم نصادف من أخلاقك صفاء. والواشي: النمام الَّذِي يحسن الْكَلَام ويزوقه للإفساد بَين اثْنَيْنِ من الوشي وَهُوَ التزيين. وروى: وامق بدل عاشق وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. وروى: حَبِيبَة إِلَيّ بدل كَرِيمَة علينا. وَهُوَ مُنَاسِب. وترجمة جميل العذري تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالسِّتِّينَ. وَقد روى صَاحب الأغاني هذَيْن الْبَيْتَيْنِ من جملَة أبياتٍ لمَجْنُون بني عَامر وَهُوَ قيس بن الملوح الْمَشْهُور بمجنون ليلى. روى بِسَنَدِهِ) عَن الْهَيْثَم بن عدي أَن رَهْط الْمَجْنُون اجتازوا فِي نجعةٍ لَهُم بحب ليلى فَرَأى أَبْيَات أَهلهَا وَلم يقدر على الْإِلْمَام بهم وَعدل أَهله إِلَى وجهة أُخْرَى فَقَالَ الْمَجْنُون: (لعمرك إِن الْبَيْت بالقبل الَّذِي ... مَرَرْت وَلم ألمم عَلَيْهِم لشائق) (كَأَنِّي إِذا لم ألق ليلى معلقٌ ... بسبين أهفو بَين سهلٍ وحالق) ...

стр. 2552

(على أنني لَو شِئْت هَاجَتْ صبابتي ... عَليّ رسومٌ عي مِنْهَا المناطق) (لعمرك إِن الْحبّ يَا أم مَالك ... بقلبي يراني الله مِنْك للاصق) وماذا عَسى الواشون ... ... ... إِلَى آخر الْبَيْتَيْنِ وَكَذَلِكَ نسبهما ابْن نباتة الْمصْرِيّ فِي شرح رِسَالَة ابْن زيدون إِلَى الْمَجْنُون إِلَّا أَنه أورد بعدهمَا بَيْتَيْنِ آخَرين وهما: (كَأَن على أنيابها الْخمر شجها ... بِمَاء سحابٍ آخر اللَّيْل غابق) (وَمَا ذقته إِلَّا بعيني تفرساً ... كَمَا شيم فِي أَعلَى السحابة بارق) وترجمة الْمَجْنُون قد تقدّمت فِي الشَّاهِد التسعين بعد الْمِائَتَيْنِ. وَأنْشد بعده: (وَإِنِّي لرامٍ نظرةً قبل الَّتِي ... لعَلي وَإِن شطت نَوَاهَا أزورها) على أَن جملَة لعَلي إِلَخ مقولة بقول مَحْذُوف وَهُوَ الصِّلَة أَي: قبل الَّتِي أَقُول لعَلي إِلَخ. وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ مفصلا فِي أول الْبَاب فِي الشَّاهِد الْخَامِس عشر بعد الأربعمائة.

стр. 2553

وَأنْشد بعده الشَّاهِد السَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ بعد الأربعمائة (من اللواتي وَالَّتِي واللاتي ... زعمن أَنِّي كَبرت لداتي) على أَن جملَة زعمن إِلَخ صلَة الْمَوْصُول الْأَخير وصلَة كلٍّ من الموصولين الْأَوَّلين محذوفة للدلالة عَلَيْهَا بصلَة الثَّالِث وَالتَّقْدِير: من اللواتي زعمن وَمن النِّسَاء الَّتِي زعمن. وَيجوز أَن تكون صلَة للموصولات الثَّلَاثَة لِاتِّحَاد مدلولها وَلَا يجوز أَن تكون صلَة للثَّانِي فَقَط هَذَا تَقْرِير كَلَام الشَّارِح الْمُحَقق وَأما غَيره فقد جعل الصِّلَة للموصول الْأَخير فَقَط وصلَة كلٍّ مِمَّا قبله محذوفة مِنْهُم ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ قَالَ: أنْشد الْمبرد فِي المقتضب: (بعد اللتيا واللتيا وَالَّتِي ... إِذا علتها أنفسٌ تردت) لم يَأْتِ للموصولين الْأَوَّلين بصلَة لِأَن صلَة الْمَوْصُول الثَّالِث دلّت على مَا أَرَادَ. وَمثله: من اللواتي وَالَّتِي واللاتي ... ... ... ... ... الْبَيْت) وصل اللَّاتِي وَحذف صلَة اللواتي وَالَّتِي للدلالة عَلَيْهَا.

стр. 2554

وَمِمَّا حذف مِنْهُ صلَة موصولين فَلم يُؤْت فِيهِ بصلَة قَول سلمي بن ربيعَة السيدي: (وَلَقَد رأبت ثأى الْعَشِيرَة بَينهَا ... وكفيت جَانبهَا اللتيا وَالَّتِي) أَرَادَ اللتيا وَالَّتِي تَأتي على النُّفُوس لِأَن تَأْنِيث اللتيا وَالَّتِي هَا هُنَا إِنَّمَا هُوَ لتأنيث الداهية. أَلا ترى إِلَى قَوْله: بعد اللتيا واللتيا وَالَّتِي وتردت: تفعلت من الردى مصدر ردي يردى إِذا هلك أَو من التردي الَّذِي هُوَ السُّقُوط من علوٍّ. حذف الصِّلَة من هَذَا الضَّرْب من الموصولات إِنَّمَا هُوَ لتعظيم الْأَمر وتفخيمه. وَقد جَاءَ التصغير فِي كَلَامهم للتعظيم كَقَوْلِه: دويهيةٌ تصفر مِنْهَا الأنامل أَرَادَ بالدويهية الْمَوْت وَلَا داهية أعظم مِنْهَا فتحقير اللتيا هَا هُنَا للتعظيم. والرأب: الْإِصْلَاح. والثأى بِفَتْح الْمُثَلَّثَة والهمزة وَبعدهَا ألف تكْتب يَاء: الْفساد. والظرف مُتَعَلق بالثأى أَي: أصلحت مَا فسد بَينهَا. اه. وَإِنَّمَا نقلته هُنَا بِتَمَامِهِ لِأَنَّهُ كالشرح لما سَيَأْتِي قَرِيبا.

стр. 2555

وَمِنْهُم أَبُو عَليّ قَالَ فِي إِيضَاح الشّعْر عِنْد قَول الشَّاعِر وَتقدم شَرحه: من النَّفر اللاء الَّذين إِذا هم ... ... ... . الْبَيْت الْمُتَقَدّم يجوز أَن يكون حذف صلَة الأول لِأَن صلَة الْمَوْصُول الَّذِي بعده تدل عَلَيْهَا كَقَوْل الآخر: من اللواتي وَالَّتِي واللاتي ... ... ... ... . الْبَيْت فَلم يَأْتِ للموصولين الْأَوَّلين بصلَة. اه. وَقَوله: من اللواتي حرف الْجَرّ مُتَعَلق بِمَا قبل الْبَيْت. واللواتي واللاتي كِلَاهُمَا جمع الَّتِي. وَكَبرت من الْكبر فِي السن وَقد كبر الرجل بِكَسْر الْبَاء يكبر بِفَتْحِهَا كبرا بِكَسْر الْكَاف وَفتح الْبَاء. وروى صَاحب الصِّحَاح: زَعمنَا أَن قد كَبرت لداتي ولداتي: جمع لِدَة ولدة الرجل: تربه الَّذِي ولد مَعَه قَرِيبا وَالْهَاء عوض من الْوَاو الذاهبة فِي أَوله لِأَنَّهُ من الْولادَة وَيجمع على لدوّنَ أَيْضا. والزعم يُطلق على القَوْل وَالظَّن قَالَ الْأَزْهَرِي: وَأكْثر مَا يكون الزَّعْم فِيمَا يشك فِيهِ وَلَا يتَحَقَّق. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ كنايةٌ عَن الْكَذِب. وَقَالَ المرزوقي: أَكثر مَا يسْتَعْمل فِيمَا كَانَ بَاطِلا أَو فِيهِ ارتياب. وَالْبَيْت لَا أعرف مَا قبله وَلَا قَائِله مَعَ كَثْرَة وجوده فِي كتب النَّحْو. وَالله أعلم.

стр. 2556

وَأنْشد بعده الشَّاهِد الثَّامِن وَالْأَرْبَعُونَ بعد الأربعمائة (فَإِن أدع اللواتي من أناسٍ ... أضاعوهن لَا أدع الذينا) قَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي فِي إِيضَاح الشّعْر: أنْشدهُ أَحْمد بن يحيى ثَعْلَب وَقَالَ: يَقُول: فَإِن أدع النساءاللاتي أَوْلَادهنَّ من رجال قد أضاعوا هَؤُلَاءِ النِّسَاء. أَي: لَا أهجو النِّسَاء وَلَكِن أهجو الرِّجَال الَّذين لم يمنعوهن. فعلى تَفْسِيره يَنْبَغِي أَن يكون الْمُبْتَدَأ مضمراً فِي الصِّلَة كَأَنَّهُ قَالَ: فَإِن أدع اللواتي أَوْلَادهنَّ من أنَاس أضاعوهن فَلَنْ يحموهن كَمَا تَحْمِي البعولة أزواجها فَلَا أدع الَّذين. وَالتَّقْدِير: إِن أدع هجو هَؤُلَاءِ النِّسَاء الضِّعَاف لَا أدع هجو الرِّجَال المضيعين وذمهم على فعلهم. فالمضاف مَحْذُوف فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وَتَقْدِير حذف الْمُبْتَدَأ غير ممتنعٍ هُنَا وَقد حذف الْمُبْتَدَأ من الصِّلَة نَحْو قَول عدي: أَي: مَا هُوَ عواقبها فَحذف. وَكَذَلِكَ يُمكن أَن يكون قَوْله: أَلا ليتما هَذَا الْحمام لنا وَقد يَسْتَقِيم أَن تكون الصِّلَة من أنَاس فَتكون مُسْتَقلَّة. وَإِن لم تقدر حذف الْمُبْتَدَأ فَيكون التَّقْدِير على أحد أَمريْن: إِمَّا أَن يكون اللواتي من نسَاء أنَاس فَحذف الْمُضَاف أَو يكون اللواتي من أناسٍ على ظَاهره لَا تقدر فِيهِ

стр. 2557

حذفا فَيكون معنى قَوْله من النِّسَاء هن من أنَاس على معنى أَنهم يقومُونَ بِهن وبالإنفاق عَلَيْهِنَّ. وَأما صلَة الَّذين فمحذوفٌ من اللَّفْظ للدلالة عَلَيْهَا فِيمَا جرى من ذكرهَا تَقْدِيره: الَّذين أضاعهن. اه. وَأوردهُ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام فِي أَمْثَاله وَقَالَ: الَّذين هَا هُنَا لَا صلَة لَهَا. وَالْمعْنَى: إِن أدع ذكر النِّسَاء فَلَا أدع الَّذين يُرِيد الرِّجَال أَي: إِنِّي إِن تركت شتم النِّسَاء فَلَا أترك شتم الرِّجَال. اه. وَأوردهُ أَبُو بكر بن السراج أَيْضا فِي أُصُوله قَالَ: إِن الْكُوفِيّين يَقُولُونَ: إِن الْعَرَب إِذا جعلت الَّذِي وَالَّتِي لمجهولٍ مُذَكّر أَو مؤنث تَرَكُوهُ بِلَا صلَة نَحْو قَول الشَّاعِر: فَإِن أدع اللواتي من أناسٍ ... ... ... ... . . الْبَيْت وَلَا أدع جَوَاب الشَّرْط وَلِهَذَا جزم وكسرة الْعين لدفع التقاء الساكنين. وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة للكميت بن زيد هجا بهَا قحطان أَعنِي قبائل الْيمن تعصباً لمضر. وَتقدم سَبَب هجوه لأهل الْيمن بِهَذِهِ القصيدة فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعِشْرين. وَتقدم أَيْضا بعضٌ من هَذِه القصيدة مَعَ

стр. 2558

الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعُونَ بعد الأربعمائة دويهية تصفر مِنْهَا الأنامل على أَن تَصْغِير دويهية للتعظيم فَإِنَّهُ أَرَادَ بهَا الْمَوْت وَلَا داهية أعظم مِنْهَا والتصغير غير مُنَاسِب لذكر الْمَوْت. وَالدَّلِيل على أَنه أَرَادَ بهَا الْمَوْت كَقَوْلِه: تصفر مِنْهَا الأنامل. وَالْمرَاد من الأنامل الْأَظْفَار فَإِن صفرتها لَا تكون إِلَّا بِالْمَوْتِ. وَقَالَ الطوسي فِي شرح ديوَان لبيد: إِذا مَاتَ الرجل أَو قتل اصْفَرَّتْ أنامله واسودت أظافره. وَلم يرتضه الشَّارِح الْمُحَقق فِي شرح الشافية فَإِنَّهُ قَالَ: قيل مَجِيء التصغير للتعظيم فَيكون من بَاب الْكِنَايَة يكنى بالصغر عَن بُلُوغ الْغَايَة فِي الْعظم لِأَن الشَّيْء إِذا جَاوز حَده جانس ضِدّه. وقريبٌ مِنْهُ قَول الشَّاعِر: (وكل أناسٍ سَوف تدخل بَينهم ... دويهيةٌ تصفر مِنْهَا الأنامل) ورد بِأَن تصغيرها على حسب احتقار النَّاس لَهَا وتهاونهم بهَا إِذْ المُرَاد بهَا الْمَوْت أَي: يجيئهم مَا يحتقرونه مَعَ أَنه عَظِيم فِي نَفسه تصفر مِنْهُ الأنامل. وَاسْتدلَّ أَيْضا بقوله: (فويق جبيلٍ سامق الرَّأْس لم تكن ... لتبلغه حَتَّى تكل متعملا)

стр. 2559

. ورد بتجويز كَون المُرَاد دقة الْجَبَل وَإِن كَانَ طَويلا وَإِذا كَانَ كَذَا فَهُوَ أَشد لصعوده. اه. وَكَذَلِكَ الجاربردي لم يرتضه وأوله بِوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَن التصغير فِيهِ لتقليل الْمدَّة. وَثَانِيهمَا: بِأَن المُرَاد أَن أَصْغَر الْأَشْيَاء قد يفْسد الْأُمُور العظائم فحتف النُّفُوس قد يكون بِالْأَمر الصَّغِير الَّذِي لَا يؤبد بِهِ. وَقَالَ الفالي فِي شرح اللّبَاب: هَذَا على الْعَكْس كتسمية اللديغ سليما ونظائره إطلاقاً لاسم الضِّدّ على الضِّدّ. وَقد أوردهُ الْمرَادِي فِي شرح الألفية بِأَن الْكُوفِيّين استدلوا بِهِ على مَجِيء التصغير للتعظيم. وأنشده ابْن هِشَام فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع من الْمُغنِي فِي أم وَفِي رب وَفِي كل وَفِي حذف الصِّلَة من الْبَاب الْخَامِس. والداهية: مُصِيبَة الدَّهْر مُشْتَقَّة من الدهي بِفَتْح الدَّال وَسُكُون الْهَاء وَهُوَ النكر فَإِن كل أحد ينكرها وَلَا يقبلهَا. ودهاه الْأَمر يدهاه إِذا أَصَابَهُ بمكروه. وَرَوَاهُ ابْن دُرَيْد فِي الجمهرة: خويجية تصفر مِنْهَا الأنامل وَقَالَ: الخويجية: الداهية وَهِي بخاءين معجمتين: مصغر الخوخة بِالْفَتْح وَهِي الْبَاب الصَّغِير.

стр. 2560

وَرَوَاهَا الطوسي أَيْضا عَن أبي عمرٍ ووَقَالَ: يَقُول: ينفتح عَلَيْهِم بابٌ يدْخل مِنْهُ الشَّرّ. وسوف: هُنَا للتحقيق والتأكيد. وَالْبَيْت من قصيدة للبيد بن ربيعَة الصَّحَابِيّ وَتَقَدَّمت تَرْجَمته مَعَ شرح أَبْيَات مِنْهَا فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة. وَأنْشد بعده) الشَّاهِد الموفى الْخمسين بعد الأربعمائة قَول المتنبي: بئس اللَّيَالِي سهدت من طربي شوقاً إِلَى من يبيت يرقدها على أَنه يخرج بِحَذْف الْمَوْصُول وَالتَّقْدِير: بئس اللَّيَالِي الَّتِي سهدت قِيَاسا على تَخْرِيج الْكُوفِيّين قَوْله تَعَالَى: وَمَا منا إِلَّا لَهُ مقامٌ معلومٌ أَي: إِلَّا من لَهُ مقَام فَإِن الْمَوْصُول يجوز حذفه عِنْدهم. وَقد ارْتَضَاهُ الْمُحَقق. وَأَشَارَ إِلَيْهِ الواحدي فِي شَرحه بقوله: يُرِيد اللَّيَالِي الَّتِي لم ينم فِيهَا لما أَخذه من القلق وخفة الشوق إِلَى الحبيب الَّذِي كَانَ يرقد تِلْكَ اللَّيَالِي.
следующие страницы →