Полный текст (5 658 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.
стр. 2556
وَأنْشد بعده
الشَّاهِد الثَّامِن وَالْأَرْبَعُونَ بعد الأربعمائة
(فَإِن أدع اللواتي من أناسٍ ... أضاعوهن لَا أدع الذينا)
قَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي فِي إِيضَاح الشّعْر: أنْشدهُ أَحْمد بن يحيى ثَعْلَب وَقَالَ: يَقُول: فَإِن أدع النساءاللاتي أَوْلَادهنَّ من رجال قد أضاعوا هَؤُلَاءِ النِّسَاء. أَي: لَا أهجو النِّسَاء وَلَكِن أهجو الرِّجَال الَّذين لم يمنعوهن. فعلى تَفْسِيره يَنْبَغِي أَن يكون الْمُبْتَدَأ مضمراً فِي الصِّلَة كَأَنَّهُ قَالَ: فَإِن أدع اللواتي أَوْلَادهنَّ من أنَاس أضاعوهن فَلَنْ يحموهن كَمَا تَحْمِي البعولة أزواجها فَلَا أدع الَّذين.
وَالتَّقْدِير: إِن أدع هجو هَؤُلَاءِ النِّسَاء الضِّعَاف لَا أدع هجو الرِّجَال المضيعين وذمهم على فعلهم. فالمضاف مَحْذُوف فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وَتَقْدِير حذف الْمُبْتَدَأ غير ممتنعٍ هُنَا وَقد حذف الْمُبْتَدَأ من الصِّلَة نَحْو قَول عدي: أَي: مَا هُوَ عواقبها فَحذف. وَكَذَلِكَ يُمكن أَن يكون قَوْله: أَلا ليتما هَذَا الْحمام لنا وَقد يَسْتَقِيم أَن تكون الصِّلَة من أنَاس فَتكون مُسْتَقلَّة. وَإِن لم تقدر حذف الْمُبْتَدَأ فَيكون التَّقْدِير على أحد أَمريْن: إِمَّا أَن يكون اللواتي من نسَاء أنَاس فَحذف الْمُضَاف أَو يكون اللواتي من أناسٍ على ظَاهره لَا تقدر فِيهِ
стр. 2557
حذفا فَيكون معنى قَوْله من النِّسَاء هن من أنَاس على معنى أَنهم يقومُونَ بِهن وبالإنفاق عَلَيْهِنَّ. وَأما صلَة الَّذين فمحذوفٌ من اللَّفْظ للدلالة عَلَيْهَا فِيمَا جرى من ذكرهَا تَقْدِيره: الَّذين أضاعهن. اه. وَأوردهُ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام فِي أَمْثَاله وَقَالَ: الَّذين هَا هُنَا لَا صلَة لَهَا. وَالْمعْنَى: إِن أدع ذكر النِّسَاء فَلَا أدع الَّذين يُرِيد الرِّجَال أَي: إِنِّي إِن تركت شتم النِّسَاء فَلَا أترك شتم الرِّجَال. اه.
وَأوردهُ أَبُو بكر بن السراج أَيْضا فِي أُصُوله قَالَ: إِن الْكُوفِيّين يَقُولُونَ: إِن الْعَرَب إِذا جعلت الَّذِي وَالَّتِي لمجهولٍ مُذَكّر أَو مؤنث تَرَكُوهُ بِلَا صلَة نَحْو قَول الشَّاعِر: فَإِن أدع اللواتي من أناسٍ ... ... ... ... . . الْبَيْت وَلَا أدع جَوَاب الشَّرْط وَلِهَذَا جزم وكسرة الْعين لدفع التقاء الساكنين. وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة للكميت بن زيد هجا بهَا قحطان أَعنِي قبائل الْيمن تعصباً لمضر. وَتقدم سَبَب هجوه لأهل الْيمن بِهَذِهِ القصيدة فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعِشْرين. وَتقدم أَيْضا بعضٌ من هَذِه القصيدة مَعَ
стр. 2558
الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعُونَ بعد الأربعمائة دويهية تصفر مِنْهَا الأنامل على أَن تَصْغِير دويهية للتعظيم فَإِنَّهُ أَرَادَ بهَا الْمَوْت وَلَا داهية أعظم مِنْهَا
والتصغير غير مُنَاسِب لذكر الْمَوْت. وَالدَّلِيل على أَنه أَرَادَ بهَا الْمَوْت كَقَوْلِه: تصفر مِنْهَا الأنامل. وَالْمرَاد من الأنامل الْأَظْفَار فَإِن صفرتها لَا تكون إِلَّا بِالْمَوْتِ. وَقَالَ الطوسي فِي شرح ديوَان لبيد: إِذا مَاتَ الرجل أَو قتل اصْفَرَّتْ أنامله واسودت أظافره. وَلم يرتضه الشَّارِح الْمُحَقق فِي شرح الشافية فَإِنَّهُ قَالَ: قيل مَجِيء التصغير للتعظيم فَيكون من بَاب الْكِنَايَة يكنى بالصغر عَن بُلُوغ الْغَايَة فِي الْعظم لِأَن الشَّيْء إِذا جَاوز حَده جانس ضِدّه. وقريبٌ مِنْهُ قَول الشَّاعِر:
(وكل أناسٍ سَوف تدخل بَينهم ... دويهيةٌ تصفر مِنْهَا الأنامل)
ورد بِأَن تصغيرها على حسب احتقار النَّاس لَهَا وتهاونهم بهَا إِذْ المُرَاد بهَا الْمَوْت أَي: يجيئهم مَا يحتقرونه مَعَ أَنه عَظِيم فِي نَفسه تصفر مِنْهُ الأنامل. وَاسْتدلَّ أَيْضا بقوله:
(فويق جبيلٍ سامق الرَّأْس لم تكن ... لتبلغه حَتَّى تكل متعملا)
стр. 2559
. ورد بتجويز كَون المُرَاد دقة الْجَبَل وَإِن كَانَ طَويلا وَإِذا كَانَ كَذَا فَهُوَ أَشد لصعوده. اه.
وَكَذَلِكَ الجاربردي لم يرتضه وأوله بِوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَن التصغير فِيهِ لتقليل الْمدَّة. وَثَانِيهمَا: بِأَن المُرَاد أَن أَصْغَر الْأَشْيَاء قد يفْسد الْأُمُور العظائم فحتف النُّفُوس قد يكون بِالْأَمر الصَّغِير الَّذِي لَا يؤبد بِهِ. وَقَالَ الفالي فِي شرح اللّبَاب: هَذَا على الْعَكْس كتسمية اللديغ سليما ونظائره إطلاقاً لاسم الضِّدّ على الضِّدّ. وَقد أوردهُ الْمرَادِي فِي شرح الألفية بِأَن الْكُوفِيّين استدلوا بِهِ على مَجِيء التصغير للتعظيم. وأنشده ابْن هِشَام فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع من الْمُغنِي فِي أم وَفِي رب وَفِي كل وَفِي حذف الصِّلَة من الْبَاب الْخَامِس. والداهية: مُصِيبَة الدَّهْر مُشْتَقَّة من الدهي بِفَتْح الدَّال وَسُكُون الْهَاء وَهُوَ النكر فَإِن كل أحد ينكرها وَلَا يقبلهَا. ودهاه الْأَمر يدهاه إِذا أَصَابَهُ بمكروه. وَرَوَاهُ ابْن دُرَيْد فِي الجمهرة: خويجية تصفر مِنْهَا الأنامل وَقَالَ: الخويجية: الداهية وَهِي بخاءين معجمتين: مصغر الخوخة بِالْفَتْح وَهِي الْبَاب الصَّغِير.
стр. 2560
وَرَوَاهَا الطوسي أَيْضا عَن أبي عمرٍ ووَقَالَ: يَقُول: ينفتح عَلَيْهِم بابٌ يدْخل مِنْهُ الشَّرّ. وسوف: هُنَا للتحقيق والتأكيد.
وَالْبَيْت من قصيدة للبيد بن ربيعَة الصَّحَابِيّ وَتَقَدَّمت تَرْجَمته مَعَ شرح أَبْيَات مِنْهَا فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده)
الشَّاهِد الموفى الْخمسين بعد الأربعمائة قَول المتنبي: بئس اللَّيَالِي سهدت من طربي شوقاً إِلَى من يبيت يرقدها على أَنه يخرج بِحَذْف الْمَوْصُول وَالتَّقْدِير: بئس اللَّيَالِي الَّتِي سهدت قِيَاسا على تَخْرِيج الْكُوفِيّين قَوْله تَعَالَى: وَمَا منا إِلَّا لَهُ مقامٌ معلومٌ أَي: إِلَّا من لَهُ مقَام فَإِن الْمَوْصُول يجوز حذفه عِنْدهم.
وَقد ارْتَضَاهُ الْمُحَقق. وَأَشَارَ إِلَيْهِ الواحدي فِي شَرحه بقوله: يُرِيد اللَّيَالِي الَّتِي لم ينم فِيهَا لما أَخذه من القلق وخفة الشوق إِلَى الحبيب الَّذِي كَانَ يرقد تِلْكَ اللَّيَالِي.
стр. 2561
وخرجه ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ على حذف الْمَوْصُوف أَي: ليالٍ سهدت. وَهَذَا خَاص بالشعر لِأَن الْمَوْصُوف بِالْجُمْلَةِ أَو الظّرْف إِنَّمَا يجوز حذفه إِذا كَانَ بَعْضًا مِنْهُ مجرور ب من أَو فِي. قَالَ ابْن الشجري: وَمِمَّا أهمل مفسرو شعر أبي الطّيب المتنبي تعريبه قَوْله: بئس اللَّيَالِي سهدت من طربي ... ... ... ... . الْبَيْت يتَوَجَّه فِيهِ السُّؤَال عَن الْمَقْصُود فِيهِ بالذم وَمَا مَوضِع من طربي من الْإِعْرَاب وَمَا الَّذِي نصب شوقاً وَكم وَجها فِي نَصبه وَبِمَ يتَعَلَّق إِلَى وَكم حذفا فِي الْبَيْت
فَأَما الْمَقْصُود بالذم فمحذوف وَهُوَ نكرةٌ مَوْصُوفَة ب سهدت والعائد إِلَيْهِ من صفته محذوفٌ أَيْضا فالتقدير: لَيَال سهدت فِيهَا. وَنَظِير هَذَا الْحَذف فِي قَوْله تَعَالَى: وَمن آيَاته يريكم الْبَرْق. التَّقْدِير: آيةٌ يريكم الْبَرْق فِيهَا. وَجَاء فِي الشّعْر حذف النكرَة المجرورة الموصوفة بِالْجُمْلَةِ فِي قَوْله: أَرَادَ: بكفي رجل فَحذف رجلا وَهُوَ ينويه. وقله: من طربي مفعول لَهُ وَمن بِمَعْنى اللَّام وشوقاً يحْتَمل أَن يكون مَفْعُولا من أَجله عمل فِيهِ طربي فَيكون الشوق عِلّة للطرب. والطرب عِلّة للسهاد. وَلَا يعْمل سهدت فِي شوقاً لِأَنَّهُ قد يتَعَدَّى إِلَى علةٍ فَلَا يتَعَدَّى إِلَى أُخْرَى إِلَّا بعاطف
стр. 2562
كَقَوْلِك: سهدت طَربا وشوقاً. وَيحْتَمل أَن ينْتَصب شوقاً انتصاب الْمصدر كَأَنَّهُ قَالَ: شقَّتْ شوقاً أَو شاقني التَّذَكُّر شوقاً. وَشقت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول كَقَوْل الْمَمْلُوك: قد بِعْت أَي: بَاعَنِي مالكي. فَأَما إِلَى فَالْوَجْه أَن تعلقهَا بالشوق لِأَنَّهُ أقرب الْمَذْكُورين إِلَيْهَا وَإِن شِئْت علقتها بالطرب وَذَلِكَ إِذا نصبت شوقاً بطربي. فَإِن نصبته على الْمصدر امْتنع تَعْلِيق إِلَى بطربي لِأَنَّك حينئذٍ تفصل شوقاً وَهُوَ أجنبيٌّ بَين الطَّرب وصلته. وَكَانَ الْوَجْه فِي يرقدها يرقد فِيهَا كَمَا)
تَقول: يَوْم السبت خرجت فِيهِ وَلَا تَقول خرجته إِلَّا على التَّوَسُّع فِي الظّرْف تَجْعَلهُ مَفْعُولا بِهِ.
فَفِي الْبَيْت أَرْبَعَة حذوف: الأول: حذف الْمَقْصُود بالذم وَهُوَ لَيَال. الثَّانِي: حذف فِي من سهدت فِيهَا فَصَارَ سهدتها. وَالثَّالِث: حذف الضَّمِير من سهدتها. وَالرَّابِع: حذف فِي من يرقدها.
وَقد روى سهدتها طَربا. وَقد فرق بعض اللغويين بَين السهاد والسهر فَزعم أَن السهاد للعاشق واللديغ والسهر فِي كل شَيْء. وَأنْشد قَول النَّابِغَة: يسهد فِي ليل التَّمام سليمها وَبت كَمَا بَات السَّلِيم مسهدا
стр. 2563
والطرب: خفةٌ تصيب الْإِنْسَان لشدَّة سرُور أَو حزن. اه. وَالْبَيْت من قصيدة للمتنبي قَالَهَا فِي صباه مدحاً فِي مُحَمَّد بن عبد الله الْعلوِي. وَهَذِه أَربع أَبْيَات من مطْلعهَا:
(أَهلا بدارٍ سباك أغيدها ... أبعد مَا بَان عَنْك خردها)
(ظلت بهَا تنطوي على كبدٍ ... نضيجةٍ فَوق خلبها يَدهَا)
(يَا حاديي عيسها وأحسبني ... أوجد مَيتا قبيل أفقدها)
(قفا قَلِيلا بهَا عَليّ فَلَا ... أقل من نظرةٍ أزودها)
نصب أَهلا بمضمر تَقْدِيره: جعل الله تَعَالَى بِتِلْكَ الديار أَهلا. وَإِنَّمَا تكون مأهولةً إِذا سقيت الْغَيْث فينبت الْكلأ فَيَعُود إِلَيْهَا أَهلهَا. وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة دعاءٌ لَهَا بالسقي. والأغيد: الناعم الْبدن وَأَرَادَ جَارِيَة وَذكر اللَّفْظ لِأَنَّهُ عَنى الشَّخْص. والخرد: جمع خريدة وَهِي الْبكر الَّتِي لم تمسس وَأبْعد مُبْتَدأ وخردها الْخَبَر أَي: أبعد شَيْء فارقك جواري هَذِه الدَّار. وَقَوله: ظلت بهَا تنطوي إِلَخ يُرِيد ظللت فَحذف إِحْدَى اللامين تَخْفِيفًا. يَقُول: ظللت بِتِلْكَ الديار تنثني على كبدك وَاضِعا يدك فَوق خلبها. والمحزون يفعل ذَلِك كثيرا لما يجد فِي كبده من حرارة الوجد يخَاف على كبده تَنْشَق كَمَا قَالَ الصمَّة الْقشيرِي:
стр. 2564
والانطواء كالانثناء. والنضج لليد وَلَكِن جرى نعتاً للكبد لإضافة الْيَد إِلَيْهَا. وَجعل الْيَد نضيجة لِأَنَّهُ أدام وَضعهَا على الكبد فأنضجتها بِمَا فِيهَا من الْحَرَارَة وَلِهَذَا جَازَ إضافتها إِلَى الكبد. وَالْعرب تسمي الشَّيْء باسم غَيره إِذا طَالَتْ صحبته إِيَّاه كَقَوْلِهِم لفناء الدَّار: الْعذرَة.
وَإِذا جَازَت هَذِه التَّسْمِيَة كَانَت الْإِضَافَة أَهْون فلطول وضع يَده على كبده أضافها إِلَيْهَا كَأَنَّهَا لَهَا لِأَنَّهَا لم تزل عَلَيْهَا. والخلب: غشاءٌ للكبد رَقِيق لازبٌ بهَا. وارتفع يَدهَا بنضيجة وَهُوَ)
اسْم فَاعل يعْمل عمل الْفِعْل. وَيجوز أَن تكون نضيجة من صفة الكبد وَتمّ الْكَلَام ثمَّ وضع الْيَد على الكبد. كَذَا فِي شرح الواحدي.
وَأورد ابْن هِشَام هَذَا الْبَيْت فِي الْبَاب الثَّالِث من الْمُغنِي وَقَالَ: يحْتَمل قَول المتنبي يذكر دَار المحبوب: ظلت بهَا تنطوي الْبَيْت أَن تكون الْيَد فِيهِ فاعلة بنضيجة أَو بالظرف أَو بِالِابْتِدَاءِ. وَالْأول أبلغ لِأَنَّهُ أَشد للحرارة. والخلب: زِيَادَة الكبد أَو حجاب الْقلب أَو مَا بَين الكبد وَالْقلب. أضَاف الْيَد إِلَى الكبد للملابسة بَينهمَا لِأَنَّهُمَا فِي الشَّخْص. اه. وَقَوله: يَا حاديي عيسها الْبَيْتَيْنِ قَالَ الواحدي: دع الحاديين ثمَّ ترك مَا دعاهما إِلَيْهِ حَتَّى ذكره فِي الْبَيْت الَّذِي بعده وَأخذ فِي كَلَام آخر. وتسمي الروَاة هَذَا الِالْتِفَات كَأَنَّهُ الْتفت إِلَى كلامٍ آخر. أَقُول: هَذَا اعتراضٌ وَلَيْسَ من الِالْتِفَات فِي شَيْء. وَأَرَادَ قبيل أَن أفقدها فَلَمَّا حذف أَن عَاد الْفِعْل إِلَى الرّفْع. وَقَالَ
стр. 2565
للحاديين الَّذين يحدوان عيرها: احتباسها عَليّ زَمَانا قَلِيلا لأنظر إِلَيْهَا وأتزود مِنْهَا نظرة فَلَا أقل مِنْهَا. وَمن رفع أقل جعله بِمَنْزِلَة لَيْسَ. وَضمير بهَا يجوز أَن يعود إِلَى العيس وَإِلَى الْمَرْأَة. وقريبٌ من هَذَا فِي الْمَعْنى قَول ذِي الرمة:
(وَإِن لم يكن إِلَّا تعلل ساعةٍ ... قليلٌ فَإِنِّي نافعٌ لي قليلها)
وَأورد ابْن هِشَام هَذَا الْبَيْت فِي الْمُغنِي على أَن لَا فِيهِ نافيةٌ للْجِنْس عاملةٌ عَمَّا إِن. وَيجوز رفع أقل على أَن تكون عاملة عمل لَيْسَ. وترجمة المتنبي قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة. وَأنْشد بعده:
(لعمري لأَنْت الْبَيْت أكْرم أَهله ... وأقعد فِي أفيائه والأصائل)
على أَن فِيهِ حذف مَوْصُول عِنْد الْكُوفِيّين وَالتَّقْدِير: لأَنْت الْبَيْت الَّذِي أكْرم أَهله. وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد الثَّامِن عشر بعد الأربعمائة.
стр. 2566
٣ - (بَاب الْحِكَايَة بِمن ومَا وأَي)
أنْشد فِيهِ الشَّاهِد الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ بعد الأربعمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(أَتَوا نَارِي فَقلت: منون أَنْتُم ... فَقَالُوا الْجِنّ قلت: عموا ظلاما)
على أَن يُونُس يجوز الْحِكَايَة ب من وصلا كَمَا فِي الْبَيْت. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَأما يُونُس فَإِنَّهُ يقيس مِنْهُ على أيةٍ فَيَقُول: منةٌ ومنةً ومنةٍ إِذْ قَالَ يَا فَتى. وَهَذَا بعيد وَإِنَّمَا يجوز على قَول شَاعِر قَالَه مرّة فِي شعر ثمَّ لَا يسمع بعد: أَتَوا نَارِي فَقلت: منون أَنْتُم ... ... ... ... . الْبَيْت وَزعم يُونُس أَنه سمع عَرَبيا يَقُول ضرب منٌ منا. وَهَذَا بعيد لَا تَتَكَلَّم بِهِ الْعَرَب وَلَا تستعمله نَاس كثير وَكَانَ يُونُس يَقُول: لَا يقبل هَذَا كل أحد فَإِنَّمَا يجوز منون يَا فَتى على هَذَا. انْتهى.
стр. 2567
-
قَالَ النّحاس: وَهَذَا عِنْد سِيبَوَيْهٍ رَدِيء لِأَن هَذِه الْعَلامَة إِنَّمَا تقع فِي الْوَقْف وَلَا تقع فِي الْوَصْل فَلَمَّا اضْطر أجراه فِي الْوَصْل على حَاله فِي الْوَقْف. وَأنْشد أَبُو الْحسن بن كيسَان: وَقَالَ: إِنَّمَا حكى كَيفَ كَانَ كَلَامه وَجَوَابه. انْتهى. وَهَذِه الرِّوَايَة هِيَ رِوَايَة أبي زيد فِي نوادره كَمَا يَأْتِي. فَفِي الرِّوَايَة الأولى شذوذان كَمَا فِي الْمفصل: إِلْحَاق الْعَلامَة فِي الدرج وتحريك النُّون.
وَفِيه أَيْضا كَمَا قَالَ ابْن النَّاظِم فِي شرح الألفية أَنه حكى مِقْدَارًا غير مَذْكُور. وَفِي الثَّانِيَة شذوذٌ وَاحِد وَهُوَ تَحْرِيك النُّون. قَالَ ابْن جني فِي الخصائص: من رَوَاهُ: منون قَالُوا فَإِنَّهُ أجْرى الْوَصْل مجْرى الْوَقْف. فَإِن قلت: فَإِنَّهُ فِي الْوَقْف إِنَّمَا يكون منون سَاكن النُّون وَأَنت فِي الْبَيْت قد حركته. فَهَذَا إِذن لَيْسَ على نِيَّة الْوَقْف وَلَا على نِيَّة الْوَصْل. فَالْجَوَاب: أَنه إِنَّمَا أجراه فِي الْوَصْل على حَده فِي الْوَقْف فَلَمَّا أثبت الْوَاو وَالنُّون التقيا ساكنين فاضطر حينئذٍ إِلَى أَن حرك النُّون لإِقَامَة الْوَزْن. فَهَذِهِ الْحَرَكَة إِذن إِنَّمَا هِيَ حركةٌ مستحدثة لم تكن فِي الْوَقْف وَإِنَّمَا اضْطر إِلَيْهَا فِي الْوَصْل. وَأما من رَوَاهُ منون أَنْتُم فَأمره مُشكل. وَذَلِكَ أَنه شبه من ب أَي فَقَالَ: منون أَنْتُم على قَوْله: أيون أَنْتُم. فَكَمَا حمل هَا هُنَا أَحدهمَا على الآخر كَذَلِك جمع بَينهمَا فِي أَن جرد من الِاسْتِفْهَام كل مِنْهُمَا. أَلا ترى إِلَى حِكَايَة يُونُس عَنْهُم: ضرب منٌ منا كَقَوْلِك: ضربٌ رجلٌ رجلا. انْتهى.
стр. 2568
وَقَوله: أَتَوا نَارِي فَقلت إِلَى آخِره الْفَاء عطفت جملَة قلت على أَتَوا. وَهِي)
للتَّرْتِيب الذكري وَهُوَ عطف مفصل على مُجمل نَحْو: فأزلهما الشَّيْطَان عَنْهَا فأخرجهما مِمَّا كَانَا فِيهِ. وَجُمْلَة منون أَنْتُم من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر محكية
بالْقَوْل. ومنون إِمَّا مُبْتَدأ وَأَنْتُم خَبره أَو بِالْعَكْسِ. وَالْفَاء من فَقَالُوا عطفت مدخولها على قلت. وَالْجِنّ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: نَحن الْجِنّ. وَالْجُمْلَة محكية بقالوا. وَكَذَلِكَ على الرِّوَايَة الثَّانِيَة: فَقلت منون قَالُوا سراة الْجِنّ أَي: نَحن أَشْرَافهَا. وَهُوَ بِفَتْح السِّين جمع سري على مَا قيل بِمَعْنى الشريف. وَكَذَلِكَ منون على تَقْدِير منون أَنْتُم. قَالَ الْجَوْهَرِي: عموا صباحاً: كلمة تَحِيَّة. قَالَ ابْن السيرافي: وَإِنَّمَا قَالَ لَهُم: عموا ظلاماً لأَنهم جنٌّ وانتشارهم بِاللَّيْلِ فَنَاسَبَ أَن يذكر الظلام كَمَا يُقَال لبني آدم إِذا أَصْبحُوا: عموا صباحاً. قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل: وَمعنى عموا انعموا يُقَال: عَم صباحاً بِكَسْر الْعين وَفتحهَا. وَيُقَال: وَعم يعم من بَاب وعد وومق. وَذهب قومٌ إِلَى أَن يعم محذوفة ينعم. وَقَالُوا: إِذا قيل عَم بِفَتْح الْعين فَهُوَ مَحْذُوف من انْعمْ المفتوح وَإِذا قيل عَم بِكَسْر الْعين فَهُوَ مَحْذُوف من ينعم المكسور الْعين. وَحكى يُونُس أَن أَبَا عَمْرو بن الْعَلَاء سَأَلَ عَن قَول عنترة: وَعمي صباحاً دَار عبلة واسلمي فَقَالَ هُوَ من نعم الْمَطَر إِذا كثر وَنعم الْبَحْر إِذا كثر زبده كَأَنَّهُ يَدْعُو لَهَا بالسقية وَكَثْرَة الْخَيْر.
стр. 2569
وَقَالَ الْأَصْمَعِي وَالْفراء فِي قَوْلهم: عَم صباحاً: إِنَّمَا هُوَ دعاءٌ بالنعيم والأهل وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوف وَمَا حَكَاهُ يُونُس نَادِر غَرِيب. وظلاماً: ظرف
أَي: انعموا فِي ظلامكم أَو تَمْيِيز وَالْأَصْل لينعم ظلامكم فحول إِلَى التَّمْيِيز. انْتهى. وَقَالَ ابْن الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ: ظلاماً تَمْيِيز أَي: نعم ظلامكم كَمَا تَقول: أحسن الله صباحك. وَلَا يحسن أَن يكون ظرفا إِذْ لَيْسَ المُرَاد أَنهم نعموا فِي ظلام وَلَا فِي صباح وَإِنَّمَا المُرَاد أَنه نعم صباحهم وَإِذا حسن صباحهم كَانَ فِي الْمَعْنى حسنهم. وَالْبَيْت من أَبْيَات أربعةٍ رَوَاهُ أَبُو زيد فِي نوادره ونسبها لشمير بن الْحَارِث الضَّبِّيّ مصغر شمر بِكَسْر الْمُعْجَمَة. قَالَ أَبُو الْحسن فِيمَا كتبه على نَوَادِر أبي زيد: سمير الْمَذْكُور بِالسِّين الْمُهْملَة. وَهِي هَذِه:
(ونارٍ قد حضأت لَهَا بليلٍ ... بدارٍ لَا أُرِيد بهَا مقَاما)
(سوى تَحْلِيل راحلةٍ وعينٍ ... أكالئها مَخَافَة أَن تناما)
(أَتَوا نَارِي فَقلت: منون قَالُوا ... سراة الْجِنّ قلت: عموا ظلاما)
(فَقلت: إِلَى الطَّعَام فَقَالَ مِنْهُم ... زعيمٌ: نحسد الْإِنْس الطعاما))
وَزَاد بعده غَيره بَيْتا آخر وَهُوَ:
(لقد فضلْتُمْ بِالْأَكْلِ فِينَا ... وَلَكِن ذَاك يعقبكم سقاما)
стр. 2570
.
وَزَاد بَعضهم بعده:
(أمط عَنَّا الطَّعَام فَإِن فِيهِ ... لآكله النقاصة والسقامة)
قَالَ السكرِي فِيمَا كتبه هُنَا: حضأت أَي: أشعلت وَأوقدت يُقَال فِي تصريفها حضأت النَّار أحضؤها حضاً وَهُوَ بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالضَّاد الْمُعْجَمَة والهمزة. وَاللَّام فِي لَهَا زائدةٌ لِأَن حضأت مُتَعَدٍّ. وروى ابْن السَّيِّد وَغَيره: ونارٍ قد حضأت بعيد وهنٍ وَقَالَ: الوهن والموهن: نحوٌ من نصف اللَّيْل. وَالَّذِي ذكره الْأَصْمَعِي أَن الْوَهم هُوَ حِين يدبر اللَّيْل. وَهَذَا يدل لَهُ الِاشْتِقَاق. فالمجرور بواو رب فِي مَحل نصب على الْمَفْعُول بحضأت. وَقَوله: سوى تَحْلِيل رَاحِلَة قَالَ السكرِي: أَرَادَ: سوى راحلةٍ أَقمت فِيهَا بِقدر تَحِلَّة الْيَمين. وروى غَيره: سوى ترحيل رَاحِلَة قَالَ ابْن السَّيِّد: ترحيل الرَّاحِلَة: إِزَالَة الرحل عَن ظهرهَا. والرحل لِلْإِبِلِ كالسرج للخيل. وَالرَّاحِلَة: النَّاقة الَّتِي تتَّخذ للرُّكُوب وَالسّفر سميت بذلك لِأَنَّهَا ترحل براكبها.
وأكالئها: أحرسها وأحفظها لِئَلَّا تنام. قَالَ ابْن السَّيِّد: وَكَانَ الْمفضل يروي: معير أكالئها بالراء بدل النُّون وَقَالَ: العير: إِنْسَان الْعين. قَالَ ابْن هِشَام اللَّخْمِيّ بعد هَذَا: وَهَذِه هِيَ الرِّوَايَة الصَّحِيحَة. وعير تؤنث على الْمَعْنى لِأَنَّهَا عين وتذكر. ومخافة مفعول لأَجله. وَقَوله: فَقلت إِلَى الطَّعَام إِلَى مُتَعَلقَة بِفعل مَحْذُوف أَي: هلموا إِلَيْهِ وَأوردهُ الزَّمَخْشَرِيّ فِي أول الْكَشَّاف على أَنه حذف مُتَعَلق الْجَار من
стр. 2571
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم كَمَا حذف مُتَعَلق إِلَى الطَّعَام وَهَذَا الْمَحْذُوف فِي حكم الْمَوْجُود
وَالْمَجْمُوع محكي بالْقَوْل. وَقَول ابْن السَّيِّد: هَذَا الْفِعْل الْمَحْذُوف فِي حكم الظَّاهِر فَلذَلِك لم يكن لَهُ مَوضِع من الْإِعْرَاب لَا يظْهر لتعليله وجهٌ. وَقَالَ ابْن خروف: يجوز أَن تكون إِلَى اسْم فعل. وَجزم اللَّخْمِيّ بِأَن إِلَى هُنَا إغراء. وفسروا الزعيم بالرئيس وَالسَّيِّد. وَقَالَ بَعضهم: الزعيم بِمَعْنى الْقَائِل كَمَا تَقول: زعم زاعمٌ أَي: قَالَ قَائِل وَلَا معنى للسَّيِّد هُنَا.
وزعيمٌ فَاعل. قَالَ: وروى بدل زعيم: فريق. وَمِنْهُم كَانَ فِي الأَصْل وَصفه فَلَمَّا قدم عَلَيْهِ صَار حَالا مِنْهُ. وَقَوله: نحسد إِلَخ يرْوى بالنُّون فالجملة مقول القَوْل. ويروى بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّة فالجملة صفةٌ لزعيم فَيكون الْبَيْت الَّذِي بعده مقول القَوْل. والْأنس يرْوى بِفتْحَتَيْنِ وبكسرة فَسُكُون)
ومعناهما الْبشر. قَالَ ابْن الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ: الطَّعَام: مفعول ثَان إِمَّا على تَقْدِير حرف خفض أَي: نحسد الْإِنْس على الطَّعَام. وَإِمَّا على أَنه متعدٍّ بِنَفسِهِ من أَصله. كَقَوْلِه: استغفرت الله الذَّنب وَمن الذَّنب. وَقَالَ اللَّخْمِيّ: الطَّعَام مفعول ثَان على إِسْقَاط حرف الْجَرّ أَي: نحسد الْإِنْس فِي الطَّعَام. وَقَالَ الأندلسي: الأولى تَقْدِيره بعلى: لِأَنَّهُ يُقَال: حَسَدْته على كَذَا. وَقد قَوْله ﷺ َ: لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ يجوز أَن يكون أَقَامَ بعض حُرُوف الصِّفَات مقَام الآخر. وَيُؤَيِّدهُ قَول الْجَوْهَرِي: حسدتك على الشَّيْء وحسدتك الشَّيْء بِمَعْنى.
стр. 2572
وَقَوله: لقد فضلْتُمْ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وفِينَا بِمَعْنى علينا.
وَقَوله: أمط عَنَّا إِلَخ أَي: أزله عَنَّا. والنقاصة بِالْفَتْح هُوَ مصدر كالنقص بالنُّون وَالْقَاف وَالصَّاد الْمُهْملَة. ذكر فِي أبياته أَن الْجِنّ طرقته وَقد أوقد نَارا لطعامه فَدَعَاهُمْ إِلَى الْأكل مِنْهُ فَلم يُجِيبُوهُ وَزَعَمُوا أَنهم يحسدون الْإِنْس فِي الْأكل وَأَنَّهُمْ فضلوا عَلَيْهِم بِأَكْل الطَّعَام وَلَكِن ذَلِك يعقبهم السقام. وَقَوله: لقد فضلْتُمْ بِالْأَكْلِ فِينَا ظَاهره أَن الْجِنّ لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون. وَقَالَ ابْن السيرافي: قَالَ زعيمهم: نحسد الْإِنْس على أكل الطَّعَام والالتذاذ وَلَيْسَ من شَأْننَا أَن نَأْكُل مَا يَأْكُلهُ الْإِنْس. وَقَالَ ابْن المستوفي: لم يرد أَن الْجِنّ لَا تَأْكُل وَلَا تشرب وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن طَعَام الْإِنْس أفضل من طَعَام الْجِنّ. وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ خلاف الظَّاهِر. وَيُؤَيّد مَا قُلْنَا قَول ابْن خروف فِي شرح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ: قَوْله: لقد فضلْتُمْ بِالْأَكْلِ فِينَا مخالفٌ للشَّرْع لِأَن النَّبِي ﷺ َ قَالَ: إِن الْجِنّ تَأْكُل وتشرب. وَفِي آكام المرجان فِي أَحْكَام الجان لبدر الدَّين مُحَمَّد بن عبد الله الشبلي الْحَنَفِيّ الشَّامي وَقد صنفه كَمَا
стр. 2573
قَالَ الصَّفَدِي فِي سنة سبع وَخمسين وَسَبْعمائة: وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي هَذِه الْمَسْأَلَة على ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَن جَمِيع الْجِنّ لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون. وَهَذَا قَول سَاقِط. ثَانِيهَا: أَن صنفا مِنْهُم يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ وَصِنْفًا لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون.
ثَالِثهَا: أَن جَمِيع الْجِنّ يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ. فَقَالَ بَعضهم: أكلهم وشربهم تشممٌ واسترواح لَا مضغ وبلع. وَهَذَا لَا دَلِيل لَهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: أكلهم وشربهم مضغ وبلع. وَيدل لهَذَا حَدِيث أُميَّة بن مخشي من رِوَايَة أبي دَاوُد: مَا زَالَ الشَّيْطَان يَأْكُل مَعَه فَلَمَّا ذكر الله تَعَالَى استقاء مَا فِي بَطْنه. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن الْجِنّ سَأَلُوا رَسُول الله ﷺ َ الزَّاد فَقَالَ: كل عظمٍ ذكر اسْم الله عَلَيْهِ يَقع فِي يَد أحدهم أوفر مَا يكون لَحْمًا وكل بعر علفٌ لدوابهم. وَفِي حَدِيث يزِيد بن جَابر قَالَ: مَا من أهل بَيت من الْمُسلمين إِلَّا وَفِي سقف بَيتهمْ من الْجِنّ من الْمُسلمين إِذا وضع غداؤهم نزلُوا فتغدوا مَعَهم وَإِذا وضع عشاؤهم نزلُوا)
فَتَعَشَّوْا مَعَهم يدْفع الله بهم عَنْهُم.
стр. 2574
وَالْجِنّ على مَرَاتِب قَالَ ابْن عبد الْبر: إِذا ذكرُوا الْجِنّ خَالِصا قَالُوا: جني. فَإِن أَرَادوا أَنه مِمَّن يسكن مَعَ النَّاس قَالُوا: عَامر وَالْجمع عمار. فَإِن كَانَ مِمَّا يعرض للصبيان قَالُوا: أَرْوَاح. فَإِن خبث ولؤم قَالُوا: شَيْطَان. فَإِن زَاد على ذَلِك فَهُوَ مارد.
فَإِن زَاد على ذَلِك وَقَوي أمره قَالُوا: عفريت. وَقَالَ ابْن عقيل: الشَّيَاطِين: العصاة من الْجِنّ وهم ولد إِبْلِيس والمردة أعتاهم وأغواهم وهم أعوان إِبْلِيس. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: كل عاتٍ متمرد من الْجِنّ وَالْإِنْس وَالدَّوَاب شَيْطَان. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الْجِنّ: خلاف الْإِنْس. وَيُقَال: جنه اللَّيْل وأجنه وأجن عَلَيْهِ وغطاه فِي معنى وَاحِد إِذا ستره. وكل شَيْء استتر عَنْك فقد جن عَنْك. وَبِه سميت الْجِنّ. وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يسمون الْمَلَائِكَة جناً لاستتارهم عَن الْعُيُون. قَالُوا: والحن بِالْحَاء الْمُهْملَة زَعَمُوا أَنه ضربٌ من الْجِنّ
. وَقَالَ أَبُو عمر الزَّاهِد: الْجِنّ: كلاب الْجِنّ وسفلتهم.
والجان: أَبُو الْجِنّ. قَالَ السُّهيْلي فِي كتاب النتائج: وَمِمَّا قدم للفضل والشرف تَقْدِيم الْجِنّ على الْإِنْس فِي أَكثر الْمَوَاضِع لِأَن تشْتَمل على الْمَلَائِكَة وَغَيرهم مِمَّا اجتن عَن الْأَبْصَار. قَالَ تعال:
стр. 2575
(وسخر من جن الملائك سَبْعَة ... قيَاما لَدَيْهِ يعْملُونَ بِلَا أجر)
فَأَما قَوْله تَعَالَى: لم يطمثهن إنسٌ قبلهم وَلَا جانٌّ وَقَوله تَعَالَى: لَا يسْأَل عَن ذَنبه إنسٌ وَلَا جانٌّ وَقَوله تَعَالَى: وَأَنا ظننا أَن لن تَقول الْإِنْس وَالْجِنّ على الله كذبا فَإِن لفظ الْجِنّ هَا هُنَا لَا يتَنَاوَل الْمَلَائِكَة لنزاهتهم عَن الْعُيُوب فَلَمَّا لم يتناولهم عُمُوم اللَّفْظ لهَذِهِ الْقَرِينَة بَدَأَ بِلَفْظ الْإِنْس لفضلهم وكمالهم. وشمير بن الْحَارِث الضَّبِّيّ ناظم هَذِه الأبيات تقدم ذكره فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالسِّتِّينَ بعد الثلثمائة. قد رُوِيَ الْبَيْت الشَّاهِد من قصيدة قافيتها حائية. قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل للزجاجي: ذكر أَبُو الْقَاسِم مؤلف الْجمل أَن النَّاس يغلطون فِي هَذَا الشّعْر فيروونه: عموا صباحاً وَجعل دَلِيله الأبيات الميمية المنقولة عَن أبي زيد. وَلَقَد صدق فِيمَا حَكَاهُ وَلكنه أَخطَأ فِي تخطئة رِوَايَة من روى: عموا صباحاً لِأَن هَذَا الشّعْر الَّذِي أنكرهُ وَقع فِي كتاب خبر سد مأرب وَنسبه إِلَى
جذع بن سِنَان الغساني فِي حكايةٍ طويلةٍ زعم أَنَّهَا جرت لَهُ مَعَ الْجِنّ. وكلا الشعرين أكذوبة من أكاذيب الْعَرَب لم تقع قطّ.
стр. 2576
وَالشعر الَّذِي على قافية الْمِيم ينْسب إِلَى شمير بن الْحَارِث وينسب إِلَى تأبط شرا. وَأما الشّعْر الَّذِي على قافية الْحَاء فَلَا أعلم خلافًا فِي أَنه لجذع بن سِنَان وَهُوَ:
(أَتَوا نَارِي فَقلت: منون أَنْتُم ... فَقَالُوا: الْجِنّ قلت: عموا صباحا))
(أتيتهم وللأقدار حتمٌ ... تلاقي الْمَرْء صبحاً أَو رواحا)
(أتيتهم غَرِيبا مستضيفاً ... رَأَوْا قَتْلِي إِذا فعلوا جنَاحا)
(أَتَوْنِي سافرين فَقلت: أَهلا ... رَأَيْت وُجُوههم وسماً صباحا)
(نحرت لَهُم وَقلت: أَلا هلموا ... كلوا مِمَّا طهيت لكم سماحا)
(أَتَانِي قاشرٌ وَبَنُو أَبِيه ... وَقد جن الدجى وَاللَّيْل لاحا)
(فنازعني الزجاجة بعد وَهن ... مزجت لَهُم بهَا عسلاً وراحا)
(وَحَذَّرَنِي أموراً سَوف تَأتي ... أهز لَهَا الصوارم والرماحا)
...
стр. 2577
(سأمضي للَّذي قَالُوا بعزمٍ ... وَلَا أبغي لذلكم قداحا)
(أَسَأْت الظَّن فِيهِ وَمن أساه ... بِكُل النَّاس قد لَاقَى نجاحا)
(وَقد تَأتي إِلَى الْمَرْء المنايا ... بِأَبْوَاب الْأمان سدًى صراحا)
(سيبقي حكم هَذَا الدَّهْر قوما ... وَيهْلك آخَرُونَ بِهِ ذباحا)
(أثعلبة بن عمرٍ ولَيْسَ هَذَا ... أَوَان السّير فاعتد السلاحا)
(ألم تعلم بِأَن الذل موتٌ ... يتيح لمن ألم بِهِ اجتياحا)
(وَلَا يبْقى نعيم الدَّهْر إِلَّا ... لقرمٍ ماجدٍ صدق الكفاحا)
قَالَ ابْن السَّيِّد: إِن قيل كَيفَ جَازَ أَن يَقُول لَهُم: عموا صباحا وهم فِي اللَّيْل. وَإِنَّمَا يَلِيق هَذَا الدُّعَاء بِمن يلقى فِي الصَّباح. فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن الرجل إِذا قيل لَهُ: عَم صباحاً فَلَيْسَ المُرَاد أَن ينعم فِي الصَّباح دون الْمسَاء كَمَا أَنه إِذا قيل أرْغم الله أَنفه وَحيا الله وَجهه فَلَيْسَ المُرَاد الْأنف وَالْوَجْه دون سَائِر الْجِسْم. وَكَذَلِكَ إِذا قيل لَهُ: أَعلَى الله كعبك. وَإِنَّمَا هِيَ ألفاظٌ ظَاهرهَا الْخُصُوص وَمَعْنَاهَا الْعُمُوم. وَمثله قَول الْأَعْشَى:
стр. 2578
الواطئين على صُدُور نعَالهمْ وَالْوَطْء لَا يكون على صُدُور النِّعَال دون سائرها. وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن يكون معنى أنعم الله صباحك: أطلع الله عَلَيْك كل صباح بالنعيم لِأَن الصَّباح والظلام نَوْعَانِ وَالنَّوْع يُسمى بِهِ كل جُزْء مِنْهُ بِمَا يُسمى بِهِ جملَته. والشعب بِالْكَسْرِ: الطَّرِيق إِلَى الْجَبَل. ووسماً بِالضَّمِّ: جمع وسيم وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ سمة الْجمال. وَكَذَلِكَ الصَّباح بِالْكَسْرِ: جمع صبيحٍ. شبه بالصبح فِي إشراقه. وطهيت: طبخت يُقَال: طهيت اللَّحْم وطهوته فَأَنا طاهٍ.
وَقَوله: لَا أبغي لذلكم)
قداحاً أَي: لَا أطلب ضرب القداح لأَنهم كَانُوا إِذا أَرَادوا فعل أمرٍ ضربوا بِالْقداحِ فَإِن خرج الْقدح الْمَكْتُوب عَلَيْهِ: افْعَل فعل الْأَمر. وَإِن خرج الْقدح الْمَكْتُوب عَلَيْهِ: لَا تفعل لم يفعل الْأَمر.
وَقَوله: أَسَأْت الظَّن فِيهِ يَقُول: أَسَأْت الظَّن بِضَرْب القداح والتعويل على مَا تَأمر بِهِ وتنهى عَنهُ وَعلمت أَن مَا أَمرتنِي بِهِ الْجِنّ أَحْرَى أَن يعول عَلَيْهِ. وَقَوله: سدًى صراحاً السدى: الْإِبِل الْمُهْملَة الَّتِي لَا يردهَا أحد. والصراح: الظَّاهِرَة. والذباح بِضَم الذَّال الْمُعْجَمَة بعْدهَا مُوَحدَة: نباتٌ يقتل من أكله وَمن رَوَاهُ بِكَسْر الذَّال جعله جمع ذبيح.
стр. 2579
وَقَوله: يتيح أَي: يقدر ويجلب يُقَال: أتاح الله كَذَا أَي: قدره. وألم: نزل. والاجتياح بجيم بعْدهَا مثناة فوقية: الاستئصال. وَالْقَرْمُ بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الرَّاء: السَّيِّد وَأَصله الْفَحْل من الْإِبِل. والكفاح بِالْكَسْرِ: ملاقاة الْأَعْدَاء.
انْتهى. وجذع بن سِنَان الغساني بِكَسْر الْجِيم وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة شاعرٌ جاهلي قديم.
وغسان: قَبيلَة من الأزد من قحطان. وجذعٌ خرج مَعَ من خرج الأزد قبل سيل العرم وجاؤوا إِلَى الشَّام وَكَانَ ملكهَا إِذْ ذَاك سليح وهم من غَسَّان أَيْضا وَقيل من قضاعة. وَكَانُوا يؤدون لسليح عَن كل رجل دينارين فجَاء عَامل الْملك إِلَى جذع بن سنانٍ يطْلب الْخراج الَّذِي وَجب عَلَيْهِ فَدفع إِلَيْهِ سَيْفه رهنا فَقَالَ: أدخلهُ فِي حر أمك فَغَضب جذعٌ وقنعه بِهِ فَقيل: خُذ من جذعٍ مَا أَعْطَاك وسارت مثلا. تضرب فِي اغتنام مَا يجود بِهِ الْبَخِيل. وَقيل فِي سَبَب الْمثل غير هَذَا.
وامتنعت غَسَّان من هَذَا الْخراج بعد ذَلِك وولوا الشَّام كَمَا تقدم شَرحه فِي مُلُوك بني جَفْنَة. وَفِي الْعباب للصاغاني أَن جذعاً هُوَ جذع بن عَمْرو وَهُوَ غلظ
стр. 2580
أنْشد فِيهِ وَهُوَ
الشَّاهِد الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ بعد الأربعمائة فداءٍ لَك الأقوام هُوَ قِطْعَة من بَيت وَهُوَ:
(مهلا فدَاء لَك الأقوام كلهم ... وَمَا أثمر من مالٍ وَمن ولد)
على أَن فدَاء اسْم فعل مَنْقُول من الْمصدر. قَالَ صَاحب الصِّحَاح: الفدا إِذا كسر أَوله يمد وَيقصر وَإِذا فتح فَهُوَ مَقْصُور يُقَال: قُم فدى لَك أبي. وَمن الْعَرَب من يكسر فدَاء بِالتَّنْوِينِ إِذا جاور الْجَرّ خَاصَّة فَيَقُول: فداءٍ لَك لِأَنَّهُ نكرَة يُرِيدُونَ بِهِ معنى الدُّعَاء. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت للنابغة عَن الْأَصْمَعِي. وَهَذَا التَّعْلِيل فِيهِ خَفَاء. والواضح قَول أبي عَليّ فِي الْمسَائِل المنثورة وَقد أنْشدهُ فِيهَا قَالَ: بني على الْكسر لِأَنَّهُ قد تضمن معنى الْحَرْف وَهُوَ لَام الْأَمر لِأَن التَّقْدِير: ليفدك الأقوام كلهم. فَلَمَّا كَانَ بِمَعْنَاهُ بني. وَبني على الْكسر لِأَنَّهُ وَقع لِلْأَمْرِ. وَالْأَمر إِذا حرك تحرّك إِلَى الْكسر. ونونوه لِأَنَّهُ نكرَة. انْتهى.
стр. 2581
قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمفصل: وَمِنْه فداءٍ لَك بِالْكَسْرِ والتنوين أَي: ليفدك. وَأنْشد الْبَيْت. قَالَ ابْن المستوفي: قَوْله: وَمِنْه: يُرِيد مَا الْتزم فِيهِ التنكير كإيهاً فِي الْكَفّ وويهاً فِي الإغراء وواهاً فِي التَّعَجُّب. وعقبه بقوله: وَمِنْه فداءٍ يسْتَعْمل مكسوراً منوناً وَغير منون حملا على إيهٍ وإيه.
ثمَّ نقل عَن الزَّمَخْشَرِيّ فِي حَوَاشِيه أَنه قَالَ: فداءٌ بِالرَّفْع على أَنه خبر الأقوام. وَفِدَاء بِالْكَسْرِ لما ذكرنَا. وَفِدَاء بِالنّصب على أَنه مصدر لفعله وَهُوَ ليفدك الأقوام مَعَ كسر فداءٍ بالفاعل أَيْضا لِأَنَّهُ أمرٌ لَهُم بِالْفِدَاءِ. يَعْنِي أَن الأقوام فَاعل فدَاء أَيْضا فِي حَالَة النصب لِأَنَّهُ فَاعل الْمصدر كَمَا أَنه فَاعله فِي حَالَة الْكسر والتنوين. وَذكر القواس فِي شرح ألفية ابْن معطي أَن فِيهِ لُغَات: فدى بِفَتْح الْفَاء وَضمّهَا على الْقصر وَكسرهَا مَعَ الْقصر وَالْمدّ. وروى أَبُو زيد فِي نوادره قَول الراجز: ويهاً فداءٍ لَك يَا فضاله بِالْكَسْرِ والتنوين. وَهَذَا لَا فَاعل لَهُ فِي اللَّفْظ وَإِنَّمَا الْفَاعِل مفهومٌ من الْمقَام أَي: ليفدك النَّاس وَنَحْوه. وويهاً: كلمة إغراء. وَقَوله: مهلا بِمَعْنى أمْهل وتأن. وَقَوله: وَمَا أثمر معطوفة على الأقوام وَهِي مَوْصُولَة والعائد مَحْذُوف أَي: أثمره. وأثمر: أجمع وَأصْلح. يُقَال: ثَمَر فلانٌ مَاله إِذا أصلحه وَجمعه. وَمن للْبَيَان. وَالْبَيْت من قصيدةٍ للنابغة الذبياني مدح بهَا النُّعْمَان بن الْمُنْذر وتنصل عَن مَا قَذَفُوهُ بِهِ حَتَّى خافه وهرب مِنْهُ إِلَى بني جَفْنَة مُلُوك الشَّام.
стр. 2582
وَقد تقدم شرح)
أبياتٍ كَثِيرَة مِنْهَا فِي بَاب الْحَال وَفِي بَاب خبر كَانَ وَفِي النَّعْت وَفِي الْبَدَل وَغير ذَلِك. وَبعد هَذَا الْبَيْت بيتٌ يُورِدهُ عُلَمَاء التصريف فِي كتبهمْ وَهُوَ: وَقَوله:
لاتقذفني أَي: لَا تركبني بِمَا لَا أُطِيق وَلَا يقوم لَهُ أحد. والكفاء بِالْكَسْرِ: الْمثل.
وتأثفك الْأَعْدَاء: اجْتَمعُوا حولك واحتوشوك فصاروا مِنْك مَوضِع الأثافي من الْقدر. وَقَوله: بالرفد بِكَسْر فَفتح: جمع رفدة بِكَسْر فَسُكُون أَي: يرفد بَعضهم بَعْضًا يتعاونون بالنمائم عَليّ ويسعون بِي عنْدك. يُقَال: رفد فلانٌ فلَانا يرفده رفداً إِذا أَعَانَهُ. وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّالِث وَالْخَمْسُونَ بعد الأربعمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(كذب الْعَتِيق وَمَاء شنٍ بَارِدًا ... إِن كنت سائلتي غبوقاً فاذهبي)
على أَن كذب فِي الأَصْل فعل وَقد صَار اسْم فعل أمرٍ بِمَعْنى الزم. لم أر من قَالَ من النَّحْوِيين وَغَيرهم أَن كذب اسْم فعلٍ. وَهَذَا شيىءٌ
стр. 2583
انْفَرد بِهِ الشَّارِح الْمُحَقق. وَإِنَّمَا ذَكرُوهُ فِي جملَة الْأَفْعَال الَّتِي منعت التَّصَرُّف مِنْهُم ابْن مَالك فِي التسهيل. وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: إِذا رُوِيَ بِنصب الْعَتِيق تحقيقٌ لكَونه اسْم الْفِعْل فَإِن أَكثر اسْم الْفِعْل يكون بِمَعْنى الْأَمر كَمَا قَالَه الشَّارِح ففاعله مستترٌ فِيهِ وجوبا
تَقْدِيره أَنْت والعتيق مَفْعُوله وَمَاء مَعْطُوف على الْعَتِيق وبارداً صفة مَاء. وَمَفْهُومه أَن الْعَتِيق إِذا رُوِيَ بِالرَّفْع لم يكن كذب اسْم فعل. وَلم يبين حكمه وَكَأَنَّهُ ترك شَرحه لشهرته بِمَعْنى الإغراء. وَفِيه أَن كذب سواءٌ نصب مَا بعده أَو رفع بِمَعْنى الإغراء كَمَا فِي الْأَمْثِلَة الْمَذْكُورَة فِي الشَّرْح فَجعله مَعَ الْمَنْصُوب دون الْمَرْفُوع اسْم فعل تحكمٌ لَا يظْهر لَهُ وَجه. على أَن النصب قد أنكرهُ جمَاعَة وعينوا الرّفْع مِنْهُم أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي فِي رِسَالَة شرح فِيهَا مَعَاني الْكَذِب على خَمْسَة أوجه قَالَ: كذب مَعْنَاهُ الإغراء ومطالبة الْمُخَاطب بِلُزُوم الشَّيْء الْمَذْكُور كَقَوْل الْعَرَب: كذب عَلَيْك الْعَسَل ويريدون كل الْعَسَل. وتلخيصه: أَخطَأ تَارِك الْعَسَل فغلب الْمُضَاف إِلَيْهِ على الْمُضَاف. قَالَ عمر بن الْخطاب: كذب عَلَيْكُم الْحَج كذب عَلَيْكُم الْعمرَة كذب عَلَيْكُم الْجِهَاد: ثَلَاثَة أسفار كذبن عَلَيْكُم مَعْنَاهُ الزموا الْحَج وَالْعمْرَة وَالْجهَاد. والمغرى بِهِ مَرْفُوع بكذب لَا يجوز نَصبه على الصِّحَّة لِأَن كذب فعل لَا بُد لَهُ من فَاعل وخبرٌ لَا بُد من مُحدث عَنهُ وَالْفِعْل وَالْفَاعِل كِلَاهُمَا تأويلهما الإغراء. وَمن زعم أَن الْحَج وَالْعمْرَة وَالْجهَاد فِي حَدِيث عمر حكمهن النصب لم يصب إِذْ قضى بالخلو عَن الْفَاعِل. وَقد حكى أَبُو عبيدٍ عَن)
أبي عُبَيْدَة عَن أَعْرَابِي أَنه نظر إِلَى ناقةٍ نضوٍ لرجل فَقَالَ: كذب البزر والنوى. قَالَ أَبُو عبيد:
стр. 2584
لم يسمع النصب مَعَ كذب فِي الإغراء إِلَّا فِي هَذَا الْحَرْف. قَالَ أَبُو بكر: وَهَذَا شاذٌ من القَوْل خارجٌ فِي النَّحْو عَن منهاج الْقيَاس ملحقٌ بالشواذ الَّتِي لَا يعول عَلَيْهَا وَلَا يُؤْخَذ بهَا. قَالَ الشَّاعِر:
كذب الْعَتِيق وَمَاء شنٍّ باردٌ مَعْنَاهُ الزمي الْعَتِيق وَهَذَا المَاء وَلَا تطالبيني بِغَيْرِهِمَا. والعتيق مَرْفُوع لَا غير. انْتهى. وَمن الْغَرِيب قَول ابْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة فِي حَدِيث عمر بِرَفْع الْحَج وَالْعمْرَة وَالْجهَاد مَعْنَاهُ الإغراء أَي: عَلَيْكُم بِهَذِهِ الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة. وَكَانَ وَجهه النصب وَلكنه جَاءَ شاذاً مَرْفُوعا. انْتهى. وَقد نقل أَبُو حَيَّان كَلَام ابْن الْأَنْبَارِي فِي تَذكرته وَفِي شرح التسهيل وَزَاد فِيهِ بِأَن الَّذِي يدل على رفع الْأَسْمَاء بعد كذب أَنه يتَّصل بهَا الضَّمِير كَمَا جَاءَ فِي كَلَام عمر: ثَلَاثَة أسفار كذبن عَلَيْكُم.
وَقَالَ الشَّاعِر: كذبت عَلَيْك وَلَا تزَال تقوفني مَعْنَاهُ عَلَيْك بِي: فَرفع التَّاء وَهِي مغرًى بهَا واتصلت بِالْفِعْلِ لِأَنَّهُ لَو تَأَخّر الْفَاعِل لَكَانَ مُنْفَصِلا وَلَيْسَ هَذَا من مَوَاضِع انْفِصَال الضَّمِير. انْتهى.
стр. 2585
وَالصَّحِيح جَوَاز النصب لنقل الْعلمَاء أَنه لُغَة مُضر وَالرَّفْع لُغَة الْيمن. وَوَجهه مَعَ الرّفْع أَنه من قبيل مَا جَاءَ لفظ الْخَبَر فِيهِ بِمَعْنى الإغراء كَمَا قَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ كتؤمنون بِاللَّه بِمَعْنى أمنُوا بِاللَّه. ورَحِمَهُ اللَّهُ بِمَعْنى اللَّهُمَّ ارحمه وحسبك زيد بِمَعْنى اكتف بِهِ.
وَوَجهه مَعَ النصب من بَاب سرَايَة الْمَعْنى إِلَى اللَّفْظ فَإِن المغرى بِهِ لما كَانَ مَفْعُولا فِي الْمَعْنى اتَّصَلت بِهِ عَلامَة النصب ليطابق اللَّفْظ الْمَعْنى. وَقَالَ عبد الدَّائِم بن مَرْزُوق القيرواني فِي كتاب حلى العلى فِي الْأَدَب: إِنَّه يرْوى الْعَتِيق بِالرَّفْع وَالنّصب وَمَعْنَاهُ عَلَيْك الْعَتِيق وَمَاء شن وَأَصله: كذب ذَاك عَلَيْك الْعَتِيق ثمَّ حذف عَلَيْك وناب كذب مَنَابه فَصَارَت الْعَرَب تغري بِهِ. وَقَالَ الأعلم فِي شرح مُخْتَار الشُّعَرَاء السِّتَّة عِنْد كَلَامه على هَذَا الْبَيْت: قولهّ: كذب الْعَتِيق أَي: عَلَيْك بِالتَّمْرِ. والعتيق: التَّمْر الْبَالِي. وَالْعرب تَقول: كَذبك التَّمْر وَاللَّبن أَي: عَلَيْك بهما. وَبَعض الْعَرَب ينصب وهم مُضر وَالرَّفْع لليمن. وأصل الْكَذِب الْإِمْكَان. وَقَول الرجل للرجل: كذبت أَي: أمكنت من نَفسك وضعفت فَلهَذَا اتَّسع فِيهِ وأغري بِهِ لِأَنَّهُ مَتى أغري بِشَيْء فقد جعل المغرى بِهِ مُمكنا مستطاعاً إِن رامه المغرى. انْتهى. قَالَ أَبُو حَيَّان فِي شرح التسهيل بعد نَقله لهَذَا الْكَلَام: وَإِذا نصبنا بَقِي كذب بِلَا فَاعل على ظَاهر اللَّفْظ)
وَالَّتِي تَقْتَضِيه الْقَوَاعِد أَن هَذَا يكون من بَاب الإعمال فكذب يطْلب الِاسْم على أَنه فاعلٍ وَعَلَيْك
стр. 2586
يَطْلُبهُ على أَنه مفعول فَإِذا رفعنَا الِاسْم بكذب كَانَ مفعول عَلَيْك محذوفا لفهم الْمَعْنى التَّقْدِير كذب عليكه الْحَج. وَإِنَّمَا الْتزم حذف الْمَفْعُول لِأَنَّهُ مَكَان اخْتِصَار ومحرف عَن أصل وَضعه فَجرى لذَلِك مجْرى الْأَمْثَال فِي كَونهَا يلْتَزم فِيهَا حالةٌ وَاحِدَة يتَصَرَّف فِيهَا وَإِذا نصبنا الِاسْم كَانَ الْفَاعِل مضمراً فِي كذب يفسره مَا بعده على رَأْي سِيبَوَيْهٍ ومحذوفاً على رَأْي الْكسَائي. وَقَالَ ابْن طريف فِي الْأَفْعَال: وَكذب عَلَيْك كَذَا أَي: عَلَيْك بِهِ مَعْنَاهُ
الإغراء إِلَّا أَن الشَّيْء الَّذِي بعد عَلَيْك يَأْتِي مَرْفُوعا. انْتهى. وَقد بسط الْكَلَام على هَذِه الْكَلِمَة الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْفَائِق فَلَا بَأْس بإيراده هُنَا وَإِن كَانَ فِيهِ طول. قَالَ فِي حَدِيث الْحجامَة: فَمن احْتجم فِي يَوْم الْخَمِيس والأحد كذباك أَي: عَلَيْك بهما. وَمِنْه حَدِيث عمر ﵁: كذب عَلَيْكُم الْحَج الحَدِيث السَّابِق. وَعنهُ أَن رجلا أَتَاهُ يشكو إِلَيْهِ النقرس فَقَالَ: كذبتك الظهائر أَي: عَلَيْك الْمَشْي فِي حر الهواجر وابتذال النَّفس. وَعنهُ: أَن عَمْرو بن معد يكرب شكا إِلَيْهِ المعص.
فَقَالَ: كذب عَلَيْك الْعَسَل يُرِيد العسلان. فَهَذِهِ كلمة مشكلة قد اضْطَرَبَتْ فِيهَا الْأَقَاوِيل حَتَّى قَالَ بعض أهل اللُّغَة: أظنها من الْكَلَام الَّذِي درج ودرج أَهله وَمن كَانَ يُعلمهُ. وَأَنا لَا أذكر من ذَلِك إِلَّا قَول من هجيراه التَّحْقِيق. قَالَ أَبُو عَليّ: الْكَذِب ضربٌ من القَوْل وَهُوَ نطق كَمَا أَن
стр. 2587
القَوْل نطق. فَإِذا جَازَ فِي القَوْل الَّذِي الْكَذِب ضربٌ مِنْهُ أَن يَتَّسِع فِيهِ فَيجْعَل غير نطق على نَحْو قَوْله: قد قَالَت الأنساع للبطن الحقي جَازَ فِي الْكَذِب أَن يَجْعَل غير نطق على نَحْو قَوْله: كذب
القراطف والقروف فَيكون ذَلِك انْتِفَاء لَهَا كَمَا أَنه إِذا أخبر عَن الشَّيْء على خلاف مَا هُوَ بِهِ كَانَ انْتِفَاء للصدق فِيهِ. وَكَذَلِكَ قَوْله: كذبت عَلَيْكُم أوعدوني مَعْنَاهُ لست لكم وَإِذا لم أكن لكم وَلم أعنكم كنت منابذاً لكم ومنتفيةً نصرتي عَنْكُم. وَفِي ذَلِك إغراء مِنْهُ لَهُم بِهِ.
وَقَوله: كذب الْعَتِيق أَي: لَا وجود للعتيق وَهُوَ التَّمْر فاطلبيه وَإِذا لم تجدي التَّمْر فَكيف تجدين الغبوق. وَقَالَ بَعضهم فِي قَول الْأَعرَابِي وَقد نظر إِلَى جملٍ نضوٍ: كذب عَلَيْك القت والنوى وَرُوِيَ: البزر والنوى وَمَعْنَاهُ أَن القت والنوى ذكرا أَنَّك لَا تسمن بهما فقد كذبا عَلَيْك فَعَلَيْك بهما فَإنَّك تسمن بهما. وَقَالَ أَبُو عَليّ: فَأَما من نصب البزر فَإِن عَلَيْك فِيهِ لَا يتَعَلَّق بكذب وَلكنه
стр. 2588
يكون اسْم فعل وَفِيه ضمير الْمُخَاطب وَأما كذب فَفِيهِ ضمير الْفَاعِل كَأَنَّهُ قَالَ: كذب السّمن أَي: انْتَفَى من بعيرك فأوجده بالبزر والنوى. فهما مَفْعُولا عَلَيْك وأضمر السّمن لدلَالَة)
الْحَال عَلَيْهِ فِي مُشَاهدَة عَدمه. وَفِي الْمسَائِل القصريات: قَالَ أَبُو بكر فِي قَول من نصب الْحَج فَقَالَ كذب عَلَيْك الْحَج: إِنَّه كلامان كَأَنَّهُ قَالَ: كذب يَعْنِي رجلا ذمّ إِلَيْهِ الْحَج ثمَّ هيج الْمُخَاطب على الْحَج فَقَالَ: عَلَيْك الْحَج. هَذَا وَعِنْدِي قولٌ هُوَ القَوْل وَهُوَ أَنَّهَا كلمة جرت مجْرى الْمثل فِي كَلَامهم وَلذَلِك لم تصرف ولزمت طَريقَة وَاحِدَة فِي كَونهَا فعلا مَاضِيا مُعَلّقا بالمخاطب لَيْسَ
إِلَّا وَهِي فِي معنى الْأَمر كَقَوْلِهِم فِي الدُّعَاء: رَحِمك الله وَالْمرَاد بِالْكَذِبِ التَّرْغِيب والبعث من قَول الْعَرَب كَذبته نَفسه إِذا منته الْأَمَانِي وخيلت إِلَيْهِ من الآمال مَا لَا يكَاد يكون وَذَلِكَ مَا يرغب الرجل فِي الْأُمُور ويبعثه على التَّعَرُّض لَهَا. وَيَقُولُونَ فِي عكس ذَلِك: صدقته إِذا ثبطته وخيلت إِلَيْهِ الْعَجز والنكد فِي الطّلب. وَمن ثمَّ قَالُوا للنَّفس: الكذوب. قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: يُقَال للرجل يتهدد الرجل ويتوعده ثمَّ يكذب ويكع: صدقته الكذوب وَأنْشد:
(فَأقبل نحوي على قدرةٍ ... فَلَمَّا دنا صدقته الكذوب)
стр. 2589
وَأنْشد الْفراء: أَي: نفوسه جعل لَهُ نفوساً لتفرق الرَّأْي وانتشاره. فَمَعْنَى قَوْله: كَذبك الْحَج: ليكذبك أَي: ينشطك وَيَبْعَثُك على فعله. وَأما كذب عَلَيْك الْحَج فَلهُ وَجْهَان: أَحدهمَا أَن يضمن معنى فعلٍ يتَعَدَّى بِحرف الاستعلاء أَو يكون على كلامين كَأَنَّهُ قَالَ: كذب الْحَج عَلَيْك الْحَج أَي: ليرغبك الْحَج وَهُوَ واجبٌ عَلَيْك.
فأضمر فِي الأول لدلَالَة الثَّانِي عَلَيْهِ. وَمن نصب الْحَج فقد جعل عَلَيْك اسْم فعل كَمَا سبق وَفِي كذب ضمير الْحَج. انْتهى. وَالْبَيْت الشَّاهِد هُوَ من أبياتٍ سَبْعَة لعنترة صَاحب الْمُعَلقَة. وَرُوِيَ أَيْضا أَنه لخزز ابْن لوذان السدُوسِي. وَكِلَاهُمَا جاهليان. قَالَ الصَّاغَانِي: وَهُوَ مَوْجُود فِي ديوَان أشعارهما. وَهَذِه أَبْيَات عنترة خَاطب بهَا امْرَأَته وَكَانَت لَا تزَال تذكر خيله وتلومه فِي فرسٍ كَانَ يؤثره على سَائِر خيله ويسقيه اللَّبن:
(لَا تذكري فرسي وَمَا أطعمته ... فَيكون جِلْدك مثل جلد الأجرب)
стр. 2590
.
(إِن الغبوق لَهُ وَأَنت مسوءةٌ ... فتأوهي مَا شِئْت ثمَّ تحوبي)
(كذب الْعَتِيق وَمَاء شنٍّ باردٌ ... إِن كنت سائلتي غبوقاً فاذهبي)
(إِن الرِّجَال لَهُم إِلَيْك وسيلةٌ ... إِن يأخذوك تكحلي وتخضبي)
(وَيكون مركبك الْقعُود وحدجه ... وَابْن النعامة عِنْد ذَلِك مركبي)
(وَأَنا امرؤٌ إِن يأخذوني عنْوَة ... أقرن إِلَى شَرّ الركاب وأجنب))
وَقَوله: مثل جلد الأجرب أَي: لَا تلوميني فِي إِيثَار فرسي فأبغضك وأهجر مضجعك وأتحاماك كَمَا يتحامى الأجرب من الْإِبِل وَيبعد عَنْهَا لِئَلَّا
يعديها. وَقيل مَعْنَاهُ: أضربك فَيبقى أثر الضَّرْب عَلَيْك كالجرب. فَيكون تهددها بِالضَّرْبِ الْأَلِيم. وَقَوله: إِن الغبوق لَهُ إِلَخ الغبوق: شرب اللَّبن بالْعَشي: مَا بَين الزَّوَال إِلَى الْغُرُوب وَقيل: من الزَّوَال إِلَى الصَّباح. ومسوءة أَي: آتٍ إِلَيْك مَا يسوءك بإيثار فرسي عَلَيْك. والتأوه: التحزن وَأَن تَقول: آه توجعاً. والتحوب: التوجع وَيُقَال هُوَ الدُّعَاء على الشَّيْء.
стр. 2591
وَقَوله: كذب الْعَتِيق إِلَخ الْعَتِيق هُوَ التَّمْر الْقَدِيم. قَالَ الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات: يُقَال عتق وَعتق بِالْفَتْح وَالضَّم إِذا تقادم. والعتيق: اسْم للتمر علم.
وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. والشن: الْقرْبَة الْخلق وَالْمَاء يكون فِيهَا أبرد مِنْهُ فِي الْقرْبَة الجديدة. يَقُول: عَلَيْك بِالتَّمْرِ فكليه وَالْمَاء الْبَارِد فاشربيه ودعيني أوثر فرسي بِاللَّبنِ. وَإِن تعرضت لشرب اللَّبن فاذهبي. وَإِنَّمَا يتوعدها بِالطَّلَاق. وَقد أورد سِيبَوَيْهٍ هَذَا الْبَيْت فِي بَاب وُجُوه القوافي فِي الإنشاد على أَنه سمع من الْعَرَب من ينشده: إِن كنت سائلتي غبوقاً فَاذْهَبْ بِسُكُون الْبَاء لأَنهم لم يُرِيدُوا الترنم. وَقَوله: إِن الرِّجَال إِلَخ ويروى: إِن الْعَدو والوسيلة: الْقرْبَة وَقيل: الْمنزلَة الْقَرِيبَة. قَالَ الأعلم فِي شرح مُخْتَار شعر عنترة: هَذَا مِنْهُ وعيدٌ وتخويفٌ أَن تسبى فيستمتع الرِّجَال بهَا وَكَذَلِكَ قَالَ: تكحلي وتخضبي. وَالْمعْنَى: إِن أخذوك تكحلت وتخضبت لَهُم ليستمتعوا بك. وَقَالَ ابْن الشجري: أَن يأخذوك مَوْضِعه نصب بِتَقْدِير حذف الْخَافِض أَي: فِي أَن يأخذوك أَي: لَهُم قربَة إِلَيْك فِي أَخذهم إياك. قَذفهَا بإرادتها أَن تُؤْخَذ مسبية.
هَذَا كَلَامه وَهَذَا تحريفٌ مِنْهُ فَإِن إِن شَرْطِيَّة لَا مَفْتُوحَة مَصْدَرِيَّة وَقد جزمت الشَّرْط وَالْجَزَاء.
وَقد غفل عَنْهُمَا.
стр. 2592
وَقَوله: وَيكون إِلَخ الْقعُود بِفَتْح الْقَاف: مَا اتخذ من الْإِبِل للرُّكُوب خَاصَّة.
والحدج بِكَسْر المهمل وَآخره جِيم: مركبٌ من مراكب النِّسَاء. وروى بدله: رَحْله. وَابْن النعامة: اسْم فرسه. وَقيل: هُوَ الطَّرِيق وَقيل: هُوَ صدر الْقَوْم. يَقُول: إِن أخذوك حملت سبيةً على قعُود ونجوت أَنا على فرسي. وَالْمعْنَى على الثَّانِي وَالثَّالِث أَنه إِن أسر يمشي رَاجِلا مهاناً. وَقَوله: وَأَنا امْرُؤ إِلَخ الْعنَّة بِالْفَتْح: القسر والقهر. والركاب: الْإِبِل الَّتِي يحمل عَلَيْهَا الأثقال.
وأقرن أَي: ألصق بهَا وَأَجْعَل مَقْرُونا إِلَيْهَا. وأجنب: أقاد. يَقُول: إِن أخذت عنْوَة قرنت إِلَى شَرّ الْإِبِل وجنبت كَمَا تجنب الدَّابَّة. وَقَوله: إِنِّي أحاذر إِلَخ الظعينة: الزَّوْجَة مَا دَامَت فِي)
الهودج. والتلبب: التحزم أَي: تحزم للمحاربة. وَقيل: هُوَ الدُّخُول فِي السِّلَاح. وَقَوله: هَذَا غبارٌ يَعْنِي غُبَار الْخَيل عِنْد الْغَارة. والساطع: المستطير فِي السَّمَاء. وترجمة عنترة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّانِي عشر أول الْكتاب. وترجمة ابْن لوذان تقدّمت أَيْضا فِي الشَّاهِد الْعشْرين بعد الْمِائَة. أصل الْكَذِب الْإِخْبَار على خلاف الْوَاقِع. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: الْكَذِب يكون فِي الْمَاضِي وَالْخلف فِي الْمُسْتَقْبل. قَالَ ابْن السَّيِّد: هَذَا الْأَكْثَر
стр. 2593
وَالْأَشْهر. وَقد جَاءَ
الْكَذِب مُسْتَعْملا فِي الْمُسْتَقْبل. قَالَ تَعَالَى: ذَلِك وعدٌ غير مَكْذُوب. وَمن الْمجَاز حَدِيث: صدق الله وَكذب بطن أَخِيك. قَالَ صَاحب النِّهَايَة: اسْتعْمل الْكَذِب هَا هُنَا مجَازًا حَيْثُ هُوَ ضد الصدْق.
وَالْكذب يخْتَص بالأقوال فَجعل بطن أَخِيه حَيْثُ لم ينجع فِيهِ الْعَسَل كَاذِبًا لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: فِيهِ شفاءٌ للنَّاس. وَقد ألف أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي رِسَالَة فِي مَعَاني الْكَذِب قَالَ: الْكَذِب يَنْقَسِم على خَمْسَة أَقسَام: إِحْدَاهُنَّ: تَغْيِير الحاكي مَا يسمع وَقَوله مَا لَا يعلم نقلا وَرِوَايَة. وَهَذَا الْقسم هُوَ الَّذِي يؤثم ويهضم الْمُرُوءَة. الثَّانِي: أَن يَقُول قولا يشبه الْكَذِب. وَلَا يقْصد بِهِ إِلَّا الْحق وَمِنْه حَدِيث كذب إِبْرَاهِيم ثَلَاث كذبات فِي قَوْله: إِنِّي سقيم. وَفِي قَوْله: بل فعله كَبِيرهمْ هَذَا وَفِي قَوْله: سارة أُخْتِي أَي: قَالَ قولا يشبه الْكَذِب. وَهُوَ صادقٌ فِي الثَّلَاث لِأَن معنى إِنِّي سقيم: الْمَوْت فِي عنقِي وَمن الْمَوْت فِي عُنُقه سقيمٌ أبدا. وَقَوله: بل فعله كَبِيرهمْ هَذَا تَأْوِيله فعله الْكَبِير إِن كَانُوا ينطقون فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة لَا يفعل كَمَا ينطقون أبدا. وَتَأْويل قَوْله: سارة أُخْتِي هِيَ أُخْتِي فِي ديني لَا فِي نسبي. الثَّالِث: بِمَعْنى الْخَطَأ نَحْو: أقدر أَن فلَانا فِي منزله السَّاعَة فَيُقَال
стр. 2594
لقائله: صدقت وكذبت. فَتَأْوِيل صدقت أصبت وَمعنى كذبت أَخْطَأت. قَالَ ابْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة: وَمِنْه حَدِيث صَلَاة الْوتر: كذب أَبُو مُحَمَّد أَي: أَخطَأ سَمَّاهُ كذبا لِأَنَّهُ شَبيه فِي كَونه ضد الصَّوَاب كَمَا أَن الْكَذِب ضد الصدْق وَإِن افْتَرقَا من حَيْثُ النِّيَّة وَالْقَصْد لِأَن الْكَاذِب يعلم أَن مَا يَقُوله كذب والمخطئ لَا يعلم.
وَهَذَا الرجل لَيْسَ بمخبر وَإِنَّمَا قَالَه بِاجْتِهَاد أَدَّاهُ إِلَى أَن الْوتر وَاجِب. وَالِاجْتِهَاد لَا يدْخلهُ الْكَذِب وَإِنَّمَا يدْخلهُ الْخَطَأ. وَأَبُو مُحَمَّد: صحابيٌّ اسْمه مَسْعُود بن زيد. وَقد اسْتعْملت الْعَرَب الْكَذِب فِي مَوضِع الْخَطَأ. قَالَ الأخطل:
(كذبتك عَيْنك أم رَأَيْت بواسطٍ ... غلس الظلام من الربَاب خيالا)
انْتهى. الرَّابِع: البطول كذب الرجل بِمَعْنى بَطل عَلَيْهِ أمله وَمَا رجاه. قَالَ أَبُو دوادٍ الْإِيَادِي:
(قلت لما ظهرا فِي قنةٍ ... كذب العير وَإِن كَانَ برح))
مَعْنَاهُ كذب العير أمله وَبَطل عَلَيْهِ مَا قدر لِأَنَّهُ كَانَ أمل السَّلامَة مني لما برح. وَتَفْسِير برح أَخذ من جِهَة شمَالي مَاضِيا على يَمِيني فَلَمَّا قلبت
стр. 2595
عَلَيْهِ الرمْح وطعنته بَطل عَلَيْهِ مَا كَانَ أمل من التَّخَلُّص والسلامة. وَقد قيل فِي هَذَا الْبَيْت:
(كَذبْتُمْ وَبَيت الله لَا تأخذونها ... مغالبةً مَا دَامَ للسيف قَائِم)
إِن مَعْنَاهُ: كذبكم أَملكُم. وَمثله أَيْضا قَوْله:
(كَذبْتُمْ وَبَيت الله لَا تنكحونها ... بني شَاب قرناها تصر وتحلب)
(كَذبْتُمْ وَبَيت الله نبزي مُحَمَّدًا ... وَلما نطاعن دونه ونناضل)
مَعْنَاهُ: بَطل عَلَيْكُم مَا أملتم. وَقَالَ بعض أهل اللُّغَة فِي قَول الله تَعَالَى: انْظُر كَيفَ كذبُوا على أنفسهم: انْظُر كَيفَ بَطل عَلَيْهِم أملهم لأَنهم لما قَالُوا: وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين رجوا أَن يَزُول عَنْهُم بِهَذَا القَوْل الْبلَاء وَلم يحلفوا على الَّذِي أَقْسمُوا عَلَيْهِ إِلَّا وَهُوَ فِي معتقدهم حق إِذْ كَانُوا فِي حَالَة مَا أَقْسمُوا على مَا قدروه فِي دَار الدُّنْيَا من أَن الشّرك غير شرك وَأَن الْكفْر هدى وإيمان.
следующие страницы →