Полный текст (5 658 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
وَحَاصِل مَا ذكر الشَّارِح من لُغَات حيهل ثَمَانِيَة: أَولهَا: حيهل بِحَذْف الْألف وإبقاء فتح اللَّام. قَالَ ابْن عُصْفُور فِي شرح إِيضَاح أبي عَليّ: إِذا وقفت عَلَيْهَا فِي هَذَا الْوَجْه جَازَ أَن تقف بِالسُّكُونِ وَأَن تقف بِالْألف لتبين حَرَكَة الْمَبْنِيّ فِي الْوَقْف.
ثَانِيهَا: حيهل بِسُكُون الْهَاء وَفتح اللَّام بِلَا تَنْوِين. ثَالِثهَا: حيهلاً بِفَتْح الْهَاء والتنوين. رَابِعهَا: حيهلاً بِسُكُون الْهَاء والتنوين. وَلَا يَنْبَغِي أَن يعد الْمنون من اللُّغَات إِذْ التَّنْوِين فِي اسْم الْفِعْل للتنكير. وَإِذا كَانَ غير منون فَهُوَ معرفَة فَإِن الْمُجَرّد من التَّنْوِين غير الْمنون. قَالَ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف: وَلَا يكون الْمنون إِلَّا بِمَعْنى ائْتِ. وَيرد عَلَيْهِ: فَحَيَّهَلا بعمر فَإِنَّهُ بِمَعْنى أسْرع بِذكرِهِ.
خَامِسهَا: حيهلا فِي الْوَقْف بِفَتْح الْهَاء وسمون الْألف وَحذف التَّنْوِين فيهمَا. وَقَالَ ابْن عُصْفُور: هَذِه اللُّغَة تكون فِي الْوَقْف والوصل. وَلم يُقيد كَونهَا رَدِيئَة فِي الْوَصْل كَمَا قيد الشَّارِح الْمُحَقق تبعا لصَاحب الصِّحَاح. وَقَالَ ابْن أبي الرّبيع: مِنْهُم من يَقُول: حيهلا فِي الْوَصْل وَالْوَقْف لِأَن
стр. 2662
هلا صَوت أَو لِأَنَّهُ من إِجْرَاء الْوَصْل مجْرى الْوَقْف أَو لِأَن مِنْهُم من يَقُول حيهل بِالسُّكُونِ فِي الْوَصْل فَإِذا وقف وقف بِالْألف فَتكون الْألف عوضا من هَاء السكت كألف أَنا. وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف: إِن حيهلا بِإِثْبَات الْألف تكون وصلا ووقفاً كَمَا قَالَ الشَّاعِر: بحيهلا يزجون كل مطيةٍ سادسها: حيهل بِسُكُون اللَّام فِي الْوَقْف. وَأطلق أَبُو حَيَّان تبعا لِابْنِ عُصْفُور سَوَاء كَانَ فِي الْوَقْف أم الْوَصْل. وَقَالَ الرَّاعِي فِي شرح الألفية ذكر سِيبَوَيْهٍ فِي حيهل ثَلَاث لُغَات: فتح اللَّام بِلَا تَنْوِين وَفتحهَا مَعَ التَّنْوِين وَفتحهَا مَعَ الإشباع. وَزَاد ابْن سَيّده تسكين اللَّام. قيل: وَمَا سمع مِنْهُ لَا حجَّة فِيهِ لاحْتِمَال أَن يكون للْوَقْف. انْتهى. وَفِيه مَا تقدم عَن كتاب النَّبَات. وَهَذَا نَص سِيبَوَيْهٍ: من الْعَرَب من يَقُول حيهل إِذا وصل وَإِذا وقف أثبت الْألف. وَمِنْهُم من لَا يثبت الْألف فِي الْوَقْف والوصل. انْتهى. سابعها: حيهلٍ بِكَسْر اللَّام والتنوين. وَظَاهره أَن الْهَاء فِي هَذِه اللُّغَة يجوز سكونها أَيْضا.
ثامنها: حيهلك بِفَتْح اللَّام وإلحاق الْكَاف الَّتِي هِيَ حرف خطاب. وَلم)
أعرف هَل يجْرِي مَعَ الْكَاف سُكُون الْهَاء أَيْضا أم لَا قَالَ ابْن عُصْفُور: وتستعمل فِي جَمِيع ذَلِك متعدية بِنَفسِهَا وبإلى وبعلى وبالباء. فَإِذا تعدت بِنَفسِهَا كَانَت بِمَعْنى ائْتِ وَإِذا تعدت بإلى
стр. 2663
أَو بعلى كَانَت بِمَعْنى أقبل وَإِذا تعدت بِالْبَاء كَانَت بِمَعْنى جئ. انْتهى. وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: إِن الْبَاء للتعدية كذهبت بِهِ فِيهِ أَنهم ذكرُوا أَن بَاء التَّعْدِيَة فِي ذهبت بِهِ غير التَّعْدِيَة الْمَشْهُورَة وَذَلِكَ أَن مدخولها يكون فَاعِلا فِي الْمَعْنى كَقَوْلِه تَعَالَى: ذهب الله بنورهم أَي: جعله ذَاهِبًا فَهِيَ تَسَاوِي همزَة التَّعْدِيَة. وَهَذَا الْمَعْنى لَا يجْرِي هُنَا. وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: وَقد تركب حَيّ مَعَ هلا إِلَخ قَالَ ابْن عُصْفُور: إِذا ركبت حَيّ مَعَ هلا فالأكثر أَن تسْتَعْمل لاستحثاث الْعَاقِل تَغْلِيبًا لحي. وَمِنْهُم من يغلب هلا فيستعملها لاستحثاث غير الْعَاقِل وَذَلِكَ قَلِيل. وَقد يسْتَعْمل كل وَاحِدَة مِنْهُمَا على انفرادها فَإِذا اسْتعْملت حَيّ وَحدهَا كَانَت بِمَعْنى أقبل وَإِذا اسْتعْملت هلا على انفرادها كَانَت بِمَعْنى تقدم. وَحي خاصةٌ باستحثاث الْعَاقِل وهلا باستحثاث غير الْعَاقِل إِلَّا أَن ذَلِك قَلِيل. وَمن ذَلِك قَوْله: أَلا حييا ليلى وقولا لَهَا هلا انْتهى.
وَقَالَ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف: وحيهل: مركبة من حَيّ وَمَعْنَاهَا أقبل وَمن هَل وهلا.
قَالَ ابْن هِشَام: بِمَعْنى عجل وَقيل بِمَعْنى قر وَتقدم وَقيل إِنَّهَا صَوت الْإِبِل. انْتهى.
стр. 2664
وَزعم الرَّاعِي فِي شرح الألفية أَن حيهل كلمة وَاحِدَة عِنْد الْجُمْهُور وَقيل مركبة. انْتهى. وَهَذَا خلاف الْمَنْقُول. قَالَ أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات: الحيهل: نبت من دق الحمض الْوَاحِدَة حيهلة سميت بذلك لسرعة نباتها. قَالَ حميد بن ثَوْر: دميث بِهِ الرمث والحيهل والرمث أَيْضا من الحمض. فَأَما أَبُو زِيَاد فَقَالَ: الحيهل فَخفف الْيَاء وسكنها فِيمَا بَلغنِي عَنهُ وَقَالَ: الحيهل ينْبت فِي السباخ وَإِذا أخصب النَّاس ومطروا هلك فَلَا يكَاد يرى مِنْهُ نبت فَإِذا أسنتوا وَذَهَبت المطار نبت فِي موَاضعه وَهُوَ دقاق قصفٌ لَيْسَ لَهَا خشب وَلَا حطب وَإِنَّمَا يَأْكُلهُ من الْإِبِل الْإِبِل الَّتِي عودوها إِيَّاه. يحبسونها فِيهِ حِين لَا تَجِد شَيْئا تَأْكُله وَرُبمَا قتل الْإِبِل فِي أول أمرهَا وَذَلِكَ إِذا أَكلته ثمَّ كظم عَلَيْهَا لَا تسلح فَإِذا سلحت نجت وَطَابَتْ بطونها. انْتهى بِاخْتِصَار.
وَأنْشد بعده
الشَّاهِد الثَّانِي وَالسِّتُّونَ بعد الأربعمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س: ...
стр. 2665
(فهيج الْحَيّ من كلبٍ فظل لَهُم ... يومٌ كثيرٌ تناديه وحيهله)
على أَن ضمة اللَّام حَرَكَة إِعْرَاب وَهُوَ مُفْرد بِلَا ضمير. قَالَ سييبويه: وَأما حيهل الَّتِي لِلْأَمْرِ فَمن شَيْئَيْنِ يدلك على ذَلِك: حَيّ على الصَّلَاة. وَزعم أَبُو الْخطاب أَنه سمع من يَقُول: حَيّ هَل الصَّلَاة. وَالدَّلِيل على أَنَّهُمَا جعلا اسْما وَاحِدًا قَول الشَّاعِر:
(وهيج الْحَيّ من دارٍ فظل لَهُم ... يومٌ كثيرٌ تناديه وحيهله)
والقوافي مَرْفُوعَة. وأنشدناه هَكَذَا أعرابيٌّ من أفْصح النَّاس وَزعم أَنه شعر أَبِيه. انْتهى. قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي قَوْله: حيهله وَإِعْرَابه بِالرَّفْع لِأَنَّهُ جعله وَإِن كَانَ مركبا من شَيْئَيْنِ اسْما للصوت بِمَنْزِلَة معديكرب فِي وُقُوعه اسْما للشَّخْص وَكَأَنَّهُ قَالَ: كثيرٌ تناديه وحثه ومبادرته لِأَن معنى قَوْلهم: حيهل: عجل وبادر وصف جَيْشًا سمع بِهِ وَخيف مِنْهُ فانتقل عَن الْمحل من أَجله وبودر بالانتقال قبل لحاقه. انْتهى. وَفِي شرح أَبْيَات الْمفصل لِابْنِ المستوفي: وَقَالَ السيرافي: زعم سِيبَوَيْهٍ أَن الشّعْر لرجلٍ من بني أبي بكر بن كلاب وَاحْتج بِهِ ليري أَنه من شَيْئَيْنِ إِذْ لَيْسَ فِي الْأَفْعَال والأسماء المفردة مثل هَذَا الْبناء. قَالَ ابْن السراج فِي حيهله: جعله اسْما وَاحِدًا كحضرموت وَلم يَأْمر أحدا بِشَيْء.
قَالَ
стр. 2666
سِيبَوَيْهٍ: والقوافي مَرْفُوعَة أَي: أَنه جعله بِمَنْزِلَة اسْم وَاحِد وَلَو لم يكن كَذَلِك لقَالَ وحيهله بِالْفَتْح. وَجَمِيع مَا يجْرِي هَذَا المجرى إِذا جعل علما أعرب. وَقَالُوا: إِذا قَالَ حيهلا تَركه على الْبناء مَعَ التَّسْمِيَة وَإِذا قَالَ حيهله أعربه كَمَا يعرب وبار إِذا سمي بِهِ. وَوَجَدته يرْوى لرجلٍ من بجيلة. انْتهى. وهيج بِمَعْنى فرق وفاعله ضمير الْجَيْش على مَا قَالَه الأعلم. والحي: الْقَبِيلَة مَفْعُوله. وَقَوله: من كلب هِيَ قَبيلَة. وَلم أره كَذَا إِلَّا هُنَا وَأما فِي كتاب سِيبَوَيْهٍ وَفِي الْمفصل وشروحهما فقد رَأَيْت بدله من دَار. قَالَ أَبُو عبيد فِي مُعْجم مَا استعجم: دَار معرفَة لَا تدخله الْألف وَاللَّام قَالَ ابْن دُرَيْد: هُوَ وادٍ قريبٌ من هجر مَعْرُوف. انْتهى. وظل: بِمَعْنى اسْتمرّ. ويومٌ: فَاعل ظلّ وتناديه: فَاعل كثير. والتنادي: تفَاعل مصدرٌ من نَادَى الْقَوْم بَعضهم بَعْضًا. وحيهله: مَعْطُوف عَلَيْهِ. وَقَالَ بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات الْمفصل: قيل فَاعل هيج غراب الْبَين وَقد ذكر قبل. وَيجوز أَن يكون هيج وظل متوجهين إِلَى يومٌ على التَّنَازُع. وظل لَهُم يَوْم من بَاب قَوْلهم: نَهَاره صَائِم لِأَن الظلول فِي الْحَقِيقَة)
للْقَوْم لَا لليوم. وروى: فظللهم مَوْصُولا. وَمَعْنَاهُ دنا مِنْهُم يومٌ وَحَقِيقَته: ألْقى عَلَيْهِم ظله. انْتهى. وَالْبَيْت من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ الْخمسين الَّتِي مَا عرف قَائِلهَا. وَالله أعلم.
стр. 2667
وَأنْشد بعده الشَّاهِد الثَّالِث وَالسِّتُّونَ بعد الأربعمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(بحيهلا يزجون كل مطيةٍ ... أَمَام المطايا سَيرهَا المتقاذف)
على أَن حيهلا بِلَا تَنْوِين محكيٌّ أُرِيد بِهِ لَفظه. قَالَ النّحاس: جعله بِمَنْزِلَة خَمْسَة عشر فَلذَلِك لم ينونه. وَقَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي قَوْله: بحيهلا فَتَركه على لَفظه محكياً. يَقُول: لجعلتهم يسوقون المطايا بقَوْلهمْ: حيهلا. وَمَعْنَاهُ الْأَمر على أَنَّهَا مُتَقَدّمَة فِي السّير متقاذفة عَلَيْهِ أَي: مترامية.
وَجعل التقاذف للسير اتساعاً ومجازاً. انْتهى. قَالَ ابْن السيرافي: المتقاذف: الَّذِي يتبع بعضه بَعْضًا كَأَن كل سيرٍ تسيره هَذِه المطية يقذف بهَا إِلَى سيرٍ آخر. وَمثله قَول عمر بن أبي ربيعَة:
(أَخُو سفرٍ جَوَاب أرضٍ تقاذفت ... بِهِ فلواتٌ فَهُوَ أَشْعَث أغبر)
أَي: رمته فلاةٌ إِلَى أُخْرَى. وَقَالَ غَيره: إِن القذاف سرعَة السّير. وَفرس متقاذف: سريع الْعَدو.
وَيجوز أَن يكون المتقاذف الَّذِي يَرْمِي بعضه بَعْضًا لسرعته. والإزجاء بالزاي الْمُعْجَمَة وَالْجِيم: السُّوق. والمطية: الدَّابَّة يُقَال لَهَا
стр. 2668
لِأَنَّهَا تمطو فِي السّير أَي: تمتد. وأمام بِالْفَتْح قَالَ ابْن الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ: يُرِيد أَنهم مسرعون فِي السّير فهم يسوقون بِهَذَا الصَّوْت لتسرع فِي سَيرهَا. وَقَالَ: أَمَام المطايا لِأَنَّهُ إِذا سبقت الأولى تبعها مَا بعْدهَا بِخِلَاف سوق الْأَوَاخِر. وَقَالَ: سَيرهَا المتقاذف يَعْنِي أَنهم يسوقونها مَعَ كَون سَيرهَا متقاذفاً والتقاذف: الترامي فِي السّير وَإِذا سبق المتقاذف كَانَ سيره أبلغ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ.
وأمام المطايا فِي مَوضِع وصف المطية وسيرها المتقاذف جملَة ابتدائية صفةٌ لِمَطِيَّةٍ وَالْجَار وَالْمَجْرُور مُتَعَلق بيزجون. انْتهى. وأجود من هَذَا أَن يكون سَيرهَا فَاعل الظّرْف لاعتماده على الْمَوْصُوف والمتقاذف صفة لسيرها. وَيجوز أَن يكون سَيرهَا المتقاذف مُبْتَدأ مَوْصُوفا والظرف قبله خَبره وَالْجُمْلَة صفة مَطِيَّة. وَالْبَيْت أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ للنابغة الْجَعْدِي الصَّحَابِيّ وَتَبعهُ عَلَيْهِ خدمَة كِتَابه. وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد السَّادِس والثمانين بعد الْمِائَة. وَنقل ابْن المستوفي فِي شرح أَبْيَات الْمفصل عَن السيرافي أَنه من قصيدةٍ لمزاحم ابْن الْحَارِث الْعقيلِيّ. وَأورد هَذِه الأبيات مِنْهَا:
(ووجدي بهَا وجد المضل بعيره ... بِمَكَّة لم تعطف عَلَيْهِ العواصف))
(رأى من رفيقيه الْجفَاء وَفَاته ... بنشدانها المستعجلات الخوانف)
(وَقَالُوا: تعرفها الْمنَازل من منى ... وَمَا كل من وافى منى أَنا عَارِف)
الوجد: مَا يجده الْإِنْسَان من الْعِشْق. والمضل: اسْم فَاعل من أضلّهُ
стр. 2669
وَجُمْلَة لم تعطف إِلَخ حَال من المضل. وَهَذَا غايةٌ فِي الْحيرَة. وَلم تعطف عَلَيْهِ
العواطف: جمع عاطفة أَي: لم يرق عَلَيْهِ أحد وَلم يحملهُ على بعير من إبِله وَهُوَ جمع عاطفة. وَيُرَاد بهَا فِي الصداقة وَالرحم والمودة والصحبة وَمَا أشبه ذَلِك. وَرُوِيَ: نَخْلَة بدل مَكَّة وَهِي موضعٌ بِقرب مَكَّة وَعَلَيْهَا يُؤْخَذ الْحَاج بعد انْقِضَاء حجهم وَلذَلِك قَالَ: لم تعطف إِلَخ. لأَنهم آخذون فِي الِانْصِرَاف. أَي: إِنَّه وجد بمفارقته لَهَا كَمَا وجد الَّذِي ضل بعيره فِي هَذَا الْموضع. وَالْبَيْت من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ وَمحل الشَّاهِد فِيهِ أَنه جعل وجدي: مُبْتَدأ وَوجد المضل: خَبره لَا يَسْتَغْنِي عَنهُ فَلم يجز نَصبه على المصدرية.
وَأَصله وجدي بهَا وجدٌ مثل وجد المضل بعيره. والخوانف: جمع خانفة وَهِي النَّاقة الَّتِي تخنف برأسها أَي: تميلها إِذا عدت. وَهِي بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالنُّون وَالْفَاء. وَقَوله: وَقَالُوا تعرفها الْمنَازل إِلَخ قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم: كَانُوا يسمون منى الْمنَازل وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
ثمَّ قَالَ: وَيُقَال للرجل إِذا أَتَاهَا: نَازل. قَالَ عَامر بن الطُّفَيْل:
(أنازلةٌ أَسمَاء أم غير نازلة ... أبيني لنا يَا أسم مَا أَنْت فَاعله)
وَقَالَ غَيره: الْمنَازل من منى: حَيْثُ ينزلون أَيَّام رمي الْجمار.
стр. 2670
وَالْبَيْت أوردهُ سِيبَوَيْهٍ فِي موضِعين من كِتَابه بِرَفْع كل على لُغَة الْحجاز. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَإِن شِئْت حَملته على لَيْسَ يَعْنِي إِن شِئْت جعلت كل مَرْفُوعا بِمَا وَجعلت أَنا عَارِف فِي مَوضِع الْخَبَر وأضمرت فِي عارفٍ هَاء تعود إِلَى كل كَأَنَّك قلت: عارفه. ثمَّ قَالَ: وَإِن شِئْت حَملته على كُله لم أصنع. وَهَذَا أبعد الْوَجْهَيْنِ يَعْنِي: وَإِن شِئْت رفعت كل بِالِابْتِدَاءِ وَجعلت الْجُمْلَة فِي مَوضِع الْخَبَر كَذَلِك على لُغَة تَمِيم كَمَا قلت: كُله لم أصنع فَرفعت كل بِالِابْتِدَاءِ وأضمرت هَاء فِي أصنع. وَمعنى قَوْله: وَهَذَا أبعد الْوَجْهَيْنِ يَعْنِي رفع كل بِالِابْتِدَاءِ وَذَلِكَ لِأَن من يرفعهُ بِالِابْتِدَاءِ لَا يعْمل مَا فَإِذا لم يعملها أمكنه أَن يعْمل عَارِف فِي كل فَإِذا لم يعْمل فقد قبح إِذْ قد وجد السَّبِيل إِلَى الْمُخْتَار وَلَا ضَرُورَة تَدْعُو إِلَى غَيره. وَمن رفع كل ب مَا فَهُوَ لَا يجد السَّبِيل إِلَى إِعْمَال عَارِف فِي كل إِلَّا بِحَذْف مَا وحذفها يُغير الْمَعْنى. وَقَالَ النّحاس: وَيجوز أَن ينصب كلاًّ بعارف على أَنَّهَا تميمية. وَقَالَ ابْن خلف: هَذَا الْبَيْت رُوِيَ بِرَفْع كل ونصبه على جعل مَا تميمية وَإِبْطَال عَملهَا. وَنصب كل)
بعارف. وأنشده الْفراء أَيْضا فِي تَفْسِيره مرَّتَيْنِ: الأولى عِنْد قَوْله تَعَالَى: يَسْأَلُونَك مَاذَا يُنْفقُونَ.
قَالَ: أَنْشدني أَبُو ثروان:
(وَقَالُوا تعرفها الْمنَازل من منى ... الْبَيْت)
стр. 2671
رفعا. قَالَ: وَلم أسمع نصب كل. وَالثَّانيَِة عِنْد قَوْله تَعَالَى: وكل إِنْسَان ألزمناه طَائِره قَالَ: الْعَرَب فِي كل تخْتَار الرّفْع وَقع الْفِعْل على رَاجع الذّكر أَو لم يَقع. وأنشدوني فِيمَا لم يَقع الْفِعْل على راجعٍ ذكره: فَقَالُوا تعرفها الْمنَازل ... ... ... ... . . الْبَيْت فَلم يَقع عارفٌ على كل وَذَلِكَ أَن فِي كل تَأْوِيل: وَمَا من أحدٍ وافى منى أَنا عَارِف. وَلَو نصبت لَكَانَ صَوَابا وَمَا سمعته إِلَّا رفعا. وَقَالَ الآخر:
(قد علقت أم الْخِيَار تَدعِي ... عَليّ ذَنبا كُله لم أصنع)
رفعا. وأنشدنيه بعض بني أَسد نصبا. انْتهى. وأنشده ابنالناظم فِي شرح الألفية وَابْن هِشَام فِي شرحها وَفِي الْمُغنِي أَيْضا بِنصب كل على إبِْطَال مَا لإيلائها مَعْمُول الْخَبَر وَلَيْسَ ظرفا لِأَن كلا مَعْمُول لعارف. وَقَالَ ابْن هِشَام فِي شرح شواهده: ويروى كل بِالرَّفْع على أَنه اسْم مَا وَالْجُمْلَة من قَوْله: أَنا عَارِف خَبَرهَا والعائد مَحْذُوف أَي: عارفه. وَذَلِكَ
стр. 2672
متسهلٌ إِذا كَانَ الْمخبر عَنهُ كلاًّ كَقِرَاءَة ابْن عَامر: وكلٌّ وعد الله الْحسنى وَكَقَوْلِه:
ثلاثٌ كُلهنَّ قتلت عمدا وَقَول أبي النَّجْم: كُله لم أصنع وانتصاب الْمنزل على إِسْقَاط فِي توسعاً لَا على الظّرْف لِأَنَّهُ مُخْتَصّ. انْتهى. وَهَذَا ردٌّ على ابْن خلف فِي زَعمه أَنه مَنْصُوب على الظّرْف. وتعرفها أَي: أعرف منزلهَا بالسؤال عَنْهَا. قَالَ النّحاس: سَأَلنَا أَبُو إِسْحَاق الزّجاج عَن معنى هَذَا الْبَيْت فَقَالَ: الْإِنْسَان يسْأَل عَن الشَّيْء من يعرفهُ وَمن لَا يعرفهُ فَمَا معنى هَذَا الْبَيْت وَأجَاب فَقَالَ: هَذَا يذكر امْرَأَة يتعشقها فَلَيْسَ يسْأَل عَن خَبَرهَا إِلَّا من يعرفهُ ويعرفها. ومزاحم بن الْحَارِث شاعرٌ إسلاميٌّ من بني عقيل بن كَعْب بن ربيعَة بن عَامر بن صعصعة. قَالَ صَاحب الأغاني: وَقيل هُوَ مُزَاحم بن عَمْرو بن مروة بن الْحَارِث. وَهَذَا القَوْل أقرب عِنْدِي إِلَى الصَّوَاب. انْتهى. فَيكون الْحَارِث على هَذَا جد أَبِيه.)
ثمَّ قَالَ: وَهُوَ شَاعِر بدويٌّ فصيح إسلامي كَانَ فِي زمن جرير والفرزدق وَكَانَ جريرٌ يصفه ويقرظه ويقدمه وَيَقُول: مَا من بَيْتَيْنِ كنت أحب
стр. 2673
أَن أكون سبقت إِلَيْهِمَا غير بَيْتَيْنِ من قَول مُزَاحم الْعقيلِيّ وهما:
(وددت على مَا كَانَ من سرف الْهوى ... وغي الْأَمَانِي أَن مَا شِئْت يفعل)
(فترجع أيامٌ تقضت ولذةٌ ... تولت وَهل يثنى من الدَّهْر أول)
وسرف الْهوى: خَطؤُهُ. وَمثله قَول جرير: مَا فِي عطائهم منٌّ وَلَا سرف أَرَادَ أَنهم يحفظون مَوَاضِع الصَّنَائِع لَا أَنه وَصفهم بالاقتصاد والتوسط فِي الْجُود. وَرُوِيَ أَن الفرزدق دخل على عبد الْملك بن مَرْوَان أَو بعض بنيه فَقَالَ لَهُ: يَا فرزدق أتعرف أحدا أشعر مِنْك قَالَ: لَا إِلَّا أَن غُلَاما من بني عقيل يركب أعجاز الْإِبِل وينعت الفلوات فيجيد ثمَّ جَاءَهُ جرير فَسَأَلَهُ عَن مثل مَا سَأَلَ عَنهُ الفرزدق فَأَجَابَهُ بجوابه فَلم يلبث أَن جَاءَهُ ذُو الرمة فَقَالَ لَهُ: لَا وَلَكِن غلامٌ من بني عقيل يُقَال لَهُ مُزَاحم يسكن الروضات يَقُول وحشياً من الشّعْر لَا يقدر على قَول مثله. فَقَالَ: أَنْشدني بعض مَا تحفظ من ذَلِك. فأنشده: ...
стр. 2674
(خليلي عوجا بِي على الدَّار نسْأَل ... مَتى عهدها بالظاعن الْمُحْتَمل)
(فعجت وعاجوا بَين بيداء مورت ... بهَا الرّيح جولان التُّرَاب المنخل)
إِن لواً وَإِن ليتاً عناء هَذَا عجز وصدره: لَيْت شعري وَأَيْنَ مني لَيْت وَيَأْتِي شَرحه إِن شَاءَ الله فِي بَاب الْعلم. وَأنْشد بعده
الشَّاهِد الرَّابِع وَالسِّتُّونَ بعد الأربعمائة
(لشتان مَا بَين اليزيدين فِي الندى ... يزِيد سليمٍ والأغر بن حَاتِم)
على أَنه قد يُقَال فِي غير الْأَكْثَر الْأَفْصَح: شتان مَا بَين زيدٍ وَعَمْرو كَمَا فِي الْبَيْت.
стр. 2675
قَالَ أَبُو عَليّ فِي الْمسَائِل العسكرية: وَأما شتان فموضوع مَوضِع قَوْلك: افترق متباين وَهُوَ من قَوْله : إِن سعيكم لشتًى
وأشتاتاً. وَهَذَا الْبَاب إِذا كَانَ كَذَلِك اقْتضى فاعلين فَصَاعِدا فَمن ثمَّ يُقَال: شتان زيدٌ وَعَمْرو. وعَلى هَذَا قَول الْأَعْشَى:
(شتان مَا يومي على كورها ... وَيَوْم حَيَّان أخي جَابر)
فأسنده إِلَى فاعلين معطوفٍ أَحدهمَا على الآخر. فَأَما قَوْلك: شتان مَا بَينهمَا فَالْقِيَاس لَا يمنعهُ إِذا جعلت مَا بِمَنْزِلَة الَّذِي وَجعلت بَين صلَة ل مَا لإبهامها قد تقع على الْكَثْرَة أَلا ترى قَوْله: يعْبدُونَ من دون الله مَا لَا يضرهم وَلَا يَنْفَعهُمْ. ثمَّ قَالَ: وَيَقُولُونَ فَعلمت أَن المُرَاد بِهِ جمع. وَكَذَلِكَ: مَا لَا يملك لَهُم رزقا ثمَّ قَالَ: وَلَا يَسْتَطِيعُونَ فَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يمْتَنع فِي الْقيَاس. وَقد جَاءَ فِي الشّعْر: لشتان مَا بَين اليزيدين إِلَّا أَن الْأَصْمَعِي طعن فِي فصاحة هَذَا الشَّاعِر وَذهب إِلَى أَنه غير محتجٍّ بقوله. وَرَأَيْت أَبَا عَمْرو قد أنْشد هَذَا الْبَيْت على وَجه الْقبُول لَهُ والاستشهاد بِهِ. وَقد طعن الْأَصْمَعِي على غير شَاعِر قد احْتج بهم غَيره كذي الرمة والكميت فَيكون هَذَا أَيْضا مثلهم. انْتهى. وَمثله للْإِمَام المرزوقي فِي شرح فصيح ثَعْلَب قَالَ: شتان موضوعٌ
стр. 2676
مَوضِع تشَتت وَإِذا قلت: شتان مَا هما ف مَا صلَة أكد بهَا الْكَلَام وهما فِي مَوضِع الْفَاعِل وَلَا يسْتَغْنى بِوَاحِد لِأَنَّهُ وضع لاثْنَيْنِ فَصَاعِدا كَمَا أَن تشَتت كَذَلِك.
والعامة تَقول: شتان مَا بَين فلَان وَفُلَان وكثيرٌ من النَّاس يدفعونه حَتَّى خطأ جماعةٌ من النَّحْوِيين ربيعَة الرقي. وَله وَجه صَحِيح وَهُوَ أَن يكون مَا لأحوال اليزيدين وأوصافهما وَجعلت مَا بعده صلَة لَهُ فعرفته أَو صفة لَهُ فنكرته لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَصح دُخُول شتان وتشتت عَلَيْهِ. وَلَا يكون لواحدٍ.
انْتهى. وَهَذَا مخالفٌ لصنيع الشَّارِح الْمُحَقق فَإِنَّهُ منع مَا أَن تكون مَوْصُولَة مَعَ تَفْسِير شتان بِمَا يطْلب فاعلين لِأَن بَين مَعَ الْأُمُور المعنوية تَقْتَضِي الْمُشَاركَة فِي شَيْئَيْنِ والمشاركة هُنَا لَا تصح.
فَإِن مُشَاركَة اليزيدين فِي كلٍّ من خصلتي الْجُود وَالْبخل ضد مَقْصُود الشَّاعِر وَإِنَّمَا مُرَاده انْفِرَاد أَحدهمَا بالجود وَالْآخر بالبخل. وَيدل عَلَيْهِ قَوْله بعد: وَهَذَا مبنيٌّ على أَن فِي الْبَيْت حذف مَعْطُوف وَالتَّقْدِير: لشتان مَا بَين اليزيدين فِي الندى)
وَالْبخل فَيكون من قبيل قَوْله تَعَالَى: سرابيل تقيكم الْحر أَي: وَالْبرد. فَإِن قلت: يجوز أَن يشتركا فِي الندى وَيكون أَحدهمَا فِي الطّرف الْأَعْلَى مِنْهُ وَالْآخر فِي الطّرف الْأَسْفَل فَلَا يكون فِيهِ حذف مَعْطُوف. قلت: هَذَا أَيْضا خلاف مَقْصُوده. فَإِنَّهُ يُرِيد أَن يثبت صفة الْجُود لأَحَدهمَا وَيثبت خلَافهَا للْآخر فَلَا اشْتِرَاك لَهما فِي أصل الْجُود. وَيدل عَلَيْهِ قَوْله أَيْضا:
(يزِيد سليمٍ سَالم المَال والفتى ... أَخُو الأزد للأموال غير مسالم)
стр. 2677
فَلَمَّا رأى الشَّارِح الْمُحَقق مَا ذكر من منع تَفْسِير شتان ب افترق حمل شتان على معنى بعد الطَّالِب لفاعلٍ وَاحِد وَهُوَ:
إِمَّا مَا وَتَكون عبارَة إِمَّا عَن البون والمسافة. والبون: الْفضل والمزية وَهُوَ مصدر بانه يبونه بوناً إِذا فَضله. وَبَينهمَا بون أَي: بَين درجتيهما وَبَين اعتبارهما فِي الشّرف. وَأما إِذا كَانَا متباعدين بالجسم. فَيُقَال: بَينهمَا بَين بِالْيَاءِ. والمسافة: قطع الطَّرِيق مفعلة من السوف وَهُوَ الشم لِأَن الدَّلِيل يسوف تُرَاب الْموضع الَّذِي يسير فِيهِ فَإِن استافا رَائِحَة أَبْوَال الْإِبِل وأبعارها علم أَنه على جادةٍ وَإِلَّا فَلَا يُقَال: بَينهم مَسَافَة بعيدَة. وَمَا فِي الْحَقِيقَة على هذَيْن الْوَجْهَيْنِ مَوْصُولَة أَي: البون الَّذِي بَينهمَا أَو الْمسَافَة الَّتِي بَينهمَا. وَإِمَّا بَين هُوَ الْفَاعِل وَتَكون مَا زَائِدَة كَمَا قَرَّرَهُ الشَّارِح الْمُحَقق. وَيُؤَيِّدهُ وُرُود بَين بِالنّصب فَاعِلا لشتان بِدُونِ مَا.
(وشتان بَيْنكُمَا فِي الندى ... وَفِي الْبَأْس وَالْخَيْر والمنظر)
وَقَالَ آخر:
(أخاطب جَهرا إِذْ لَهُنَّ تخافتٌ ... وشتان بَين الْجَهْر والمنطق الخفت)
وَقَالَ جميل:
(أُرِيد صَلَاحهَا وتريد قَتْلِي ... وشتى بَين قَتْلِي وَالصَّلَاح)
стр. 2678
. أَصله شتان وحذفت النُّون ضَرُورَة. وعَلى هَذَا لَا يعْتَبر حذف مَعْطُوف كَمَا اعْتبر على غير تَوْجِيه الشَّارِح الْمُحَقق. وَيجوز رفع بَين إِذا لم يسبقها مَا وَقدمه صَاحب الْقَامُوس على النصب فَقَالَ: وشتان بَينهمَا وَينصب.
وروى أَبُو زيد فِي نوادره قَول الشَّاعِر:
(شتان بَينهمَا فِي كل منزلةٍ ... هَذَا يخَاف وَهَذَا يرتجى أبدا)
بِرَفْع بَين. ثمَّ قَالَ: وَمن الْعَرَب من ينصب بَينهمَا كَقَوْلِه تَعَالَى: لقد تقطع بَيْنكُم. وَبَين: لفظ مُشْتَرك بَين الْمصدر والظرف وَهِي من الأضداد تكون للوصل وللفرقة. قَالَ فِي الْقَامُوس: الْبَين يكون فرقة ووصلاً واسماً وظرفاً مُتَمَكنًا. وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق كَمَا هُوَ مَذْهَب الْأَخْفَش فِي)
قَوْله تَعَالَى: يفصل بَيْنكُم بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول إِمَّا بتَشْديد الصَّاد وَهِي قِرَاءَة ابْن عَامر وَإِمَّا بتخفيفها وَهِي قِرَاءَة غَيره وَغير الْأَخَوَيْنِ وَعَاصِم. وَأما قِرَاءَة الْأَخَوَيْنِ فَهِيَ بِالْبِنَاءِ للمعلوم مَعَ تَشْدِيد الصَّاد. وَأما قِرَاءَة عَاصِم فَهِيَ كَذَلِك مَعَ تخفيفها. قَالَ السمين فِي الدّرّ المصون: من بناه للْمَفْعُول فالنائب إِمَّا ضمير الْمصدر أَو الظّرْف وَبني على الْفَتْح لِإِضَافَتِهِ إِلَى غير مُتَمَكن. أَو الظّرْف وَهُوَ باقٍ على نَصبه. انْتهى.
стр. 2679
وَهَذَا الْأَخير هُوَ قَول الْأَخْفَش. وَاعْلَم أَن الشَّارِح الْمُحَقق مسبوقٌ بتوجيهه. أما الأول فقد قَالَ ابْن عُصْفُور فِي شرح الْإِيضَاح لأبي عَليّ: وَالَّذِي يُجِيز شتان مَا بَينهمَا يَجْعَل شتان بِمَنْزِلَة بعد فَكَمَا يجوز بعد مَا بَين زيد وَعَمْرو كَذَلِك يجوز: شتان مَا بَين زيد وَعَمْرو.
وَمثله لِابْنِ السَّيِّد فِي شرح أدب الْكتاب. قَالَ: كَانَ ربيعَة عِنْد الْأَصْمَعِي مِمَّن لَا يحْتَج بِشعرِهِ. وَهَذَا غلط لِأَن شتان اسمٌ للْفِعْل يجْرِي مجْرَاه فِي الْعَمَل فَلَا فرق بَيت ارْتِفَاع مَا بِهِ فِي بَيت ربيعَة وارتفاع الْيَوْم فِي بَيت الْأَعْشَى كَمَا أَنَّك لَو قلت: بعد مَا بَين زيد وعمروٍ لجَاز بالِاتِّفَاقِ. وَكَذَلِكَ قَالَ اللبلي فِي شرح فصيح ثَعْلَب: شتان بِمَعْنى بعد وتفرق وَمَا بِمَعْنى الَّذِي فَاعل شتان وَبَين صلَة ل مَا. وَأما الثَّانِي فقد قَالَ أَبُو الْبَقَاء: إِن جعلت مَا: زَائِدَة وَبَين فَاعِلا وَهِي ظرفٌ لَا تكَاد الْعَرَب تستعملها كَذَلِك. وَإِن جَعلتهَا بِمَعْنى الَّذِي ضعف أيضاَ لِأَن الْمَعْنى يصير افترق الَّذِي بَين زيد وَعَمْرو. وَلَيْسَ المُرَاد ذَلِك بل المُرَاد افترق زيد وَعَمْرو. وَمن أجَازه قَالَ: إِن مُفَارقَة زيدٍ لعَمْرو لَيْسَ من جِهَة الْأَشْخَاص بل المُرَاد افتراقهما فِي الْأَخْلَاق وَالْأَحْوَال وَهُوَ المعني بِالَّذِي. انْتهى. وَقَوله: لَا تكَاد الْعَرَب تستعملها كَذَلِك غير مُسلم فَإِنَّهُ قد قَرَأَ
стр. 2680
بِهِ فِي الْقُرْآن فِي عدَّة مَوَاضِع. وَكَلَامه وَإِن كَانَ على اعْتِبَار شتان بِمَعْنى مَا يَقْتَضِي فاعلين إِلَّا أَن المنزعين فِيهِ. وَأما إِنْكَار الْأَصْمَعِي شتان مَا بَينهمَا فقد قَالَ ابْن بري فِي حَاشِيَة الصِّحَاح: لَيْسَ بِشَيْء لِأَن ذَلِك قد جَاءَ فِي أشعار الْعَرَب وَقَالَ أَبُو الْأسود الدئلي:
(وشتان مَا بيني وَبَيْنك أنني ... على كل حالٍ أستقيم وتظلع)
وَمثله قَول البعيث:
(وشتان مَا بيني وَبَين ابْن خالدٍ ... أُميَّة فِي الرزق الَّذِي يتقسم)
وَقَالَ آخر:
(وشتان مَا بيني وَبَين رعاتها ... إِذا صَرْصَر العصفور فِي الرطب الثعد)
والثعد: بِفَتْح الْمُثَلَّثَة: مَا لَان من الْبُسْر. وَيُقَال: شتان بَينهمَا أَيْضا بِدُونِ مَا. وَتَقَدَّمت أبياته.)
стр. 2681
وَقد تبع الْأَصْمَعِي فِي إِنْكَاره جماعةٌ مِنْهُم ابْن قُتَيْبَة فِي أدب الْكَاتِب قَالَ: يُقَال: شتان مَا هما بِنصب النُّون وَلَا يُقَال: شتان مَا بَينهمَا وَلَيْسَ قَوْله: لشتان مَا بَين اليزيدين فِي الندى بِحجَّة. وَمِنْهُم الْأَزْهَرِي فِي التَّهْذِيب قَالَ: قَول ربيعَة لَيْسَ بِحجَّة إِنَّمَا هُوَ مولد. وأبى الْأَصْمَعِي شتان مَا بَينهمَا. قَالَ أَبُو حَاتِم: فَأَنْشَدته قَول ربيعَة فَقَالَ: لَيْسَ بفصيح يلْتَفت إِلَيْهِ. وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: وموهمه شَيْئَانِ: أَحدهمَا لُغَة فِي شتان وَهِي كسر النُّون قَالَ الإِمَام المرزوقي فِي شرح فصيح ثَعْلَب: أَصْحَابنَا البصريون لَا يجيزونفيه إِلَّا الْفَتْح وَلَو كَانَ مثنى لجَاز تَأْخِيره فَقيل: زيد وعمرٌ وشتان بل كَانَ هُوَ الْوَجْه وَالتَّرْتِيب ولجاز أَن يقلب أَلفه فِي النصب والجر يَاء وَذَلِكَ لَا يعرف. أَلا ترى أَن قَوْلهم سيان زيدٌ وَعَمْرو لما كَانَ مثنى سيٍّ وَهُوَ الْمثل جَازَ جَمِيع ذَلِك فِيهِ. انْتهى.
وَزعم ثَعْلَب فِي فصيحه أَن كسر النُّون هُوَ قَول الْفراء. وَنقل شَارِحه اللبلي عَن ابْن درسْتوَيْه أَن الْفراء إِنَّمَا ذهب إِلَى الْكسر لِأَن الْمَعْنى لما كَانَ للاثنين ظن أَن شتان مثنى فَكَسرهُ وَالْعرب كلهَا تفتحه وَالْكَسْر لَا يُجِيزهُ عَرَبِيّ. انْتهى. أَقُول: أَن الْفراء لم يذهب إِلَى أَن النُّون مَكْسُورَة لَا غير وشتان مثنى
стр. 2682
شتٍّ وَإِنَّمَا حكى أَن كسر النُّون لغةٌ فِي فتحهَا. قَالَ فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: مَا هَذَا بشرا: أَنْشدني بَعضهم:
(لشتان مَا أنوي وَيَنْوِي بَنو أبي ... جَمِيعًا فَمَا هَذَانِ مستويان)
(تمنوا لي الْمَوْت الَّذِي يشعب الْفَتى ... وكل فَتى وَالْمَوْت يَلْتَقِيَانِ)
قَالَ الْفراء: يُقَال شتان مَا أنوى بِنصب النُّون وخفضها هَذَا كَلَامه. وَكَذَا نقل الصَّاغَانِي فِي الْعباب عَنهُ أَن كسر النُّون لُغَة فِي فتحهَا وَلَيْسَ فِيمَا زَعمه ابْن درسْتوَيْه. وَبِه يسْقط ترديد أبي سهل الْهَرَوِيّ فِي شرح الفصيح حَيْثُ قَالَ: وَأما على قَول الْفراء فَإِنَّهُ يجوز أَن يكون كسر النُّون على أصل التقاء الساكنين وَيجوز أَن أَرَادَ تَثْنِيَة شت وَهُوَ المتفرق. انْتهى. وَزعم ابْن الْأَنْبَارِي فِي الزَّاهِر أَنه يجوز كسر النُّون فِي شتان مَا بَين أَخِيك وَأَبِيك قَالَ: لِأَنَّهَا رفعت اسْما وَاحِدًا. وَيجوز كسرهَا فِي غَيره وَهُوَ شتان أَخُوك وَأَبُوك وشتان مَا أَخُوك وَأَبُوك. قَالَ: يجوز فِي هَذَا كسر النُّون على أَنه ثنية شت. هَذَا كَلَامه وَفِيه مَا لَا يخفى.
стр. 2683
قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق: الثَّانِي: إِن الْمَرْفُوع بعده لَا يكون إِلَّا مثنى أَو مَا هُوَ بِمَعْنى الْمثنى إِلَخ أَقُول: قد ورد الْمَرْفُوع بعد شتان أَرْبَعَة قَالَ لَقِيط بن زُرَارَة:)
(شتان هَذَا والعناق وَالنَّوْم ... وَالْمشْرَب الْبَارِد فِي ظلّ الدوم)
وَهَذَا مِمَّا يرد على الْأَصْمَعِي وَيُؤَيّد قَول غَيره أَن شتان لَا يَكْتَفِي بِوَاحِد لِأَنَّهُ وضع لاثْنَيْنِ فَصَاعِدا. وَقد أجَاز ثعلبٌ مَا مَنعه الْأَصْمَعِي قَالَ فِي فصيحه: وَتقول: شتان زيدٌ وَعَمْرو وشتان مَا هما نون شتان مَفْتُوحَة. إِن شِئْت قلت شتان مَا بَينهمَا. وَالْفراء يخْفض نون شتان. انْتهى. ومحصل الْكَلَام فِيهَا أَن شتان يكون مرفوعها شَيْئَيْنِ اتِّفَاقًا وَأكْثر عِنْد غير الْأَصْمَعِي وَيكون مَعَهُمَا مَا الزَّائِدَة وبدونها. وَالصَّحِيح جَوَاز شتان مَا بَينهمَا خلافًا للأصمعي. وَلم يتَعَرَّض ابْن السراج فِي الْأُصُول لهَذَا. قَالَ: قَوْلك شتان زيد وعمرٌ ومَعْنَاهُ بعد مَا بَين زيدٍ وعمرٍ وجدا. وَهُوَ مَأْخُوذ من شت. والتشتيت: التبعيد مَا بَين الشَّيْئَيْنِ أَو الْأَشْيَاء فتقديره تبَاعد زيد وَعَمْرو. انْتهى. وَهِي عِنْد الشَّارِح قِسْمَانِ: أَحدهمَا: مَا ذكر من أَنه لَا بُد لَهَا من مرفوعين فَصَاعِدا. وَالثَّانِي: جَوَاز الِاكْتِفَاء بمرفوع وَاحِد. وَهُوَ فِي شتان مَا بَينهمَا لِكَوْنِهِمَا بِمَعْنى وَاحِد. وَبَقِي اسْتِعْمَالهَا مَعَ مَا الموصولة بفعلٍ وَلم يذكروه. وَهُوَ مَا أوردهُ
стр. 2684
الْفراء فِي الشّعْر الْمَذْكُور وَهُوَ لشتان مَا أنوي. وَيَنْبَغِي أَن تقدر مَا الموصولة فِي الْفِعْل الثَّانِي ليَكُون مرفوعها شَيْئَيْنِ. وَهِي اسْم فعلٍ على الصَّحِيح.
قَالَ ابْن عُصْفُور فِي شرح الْإِيضَاح: وَهُوَ سَاكن فِي الأَصْل إِلَّا أَنه حرك لالتقاء الساكنين وَكَانَت الْحَرَكَة فَتْحة إتباعاً لما قبلهَا وطلباً للخفة وَلِأَنَّهُ واقعٌ مَوْضُوع الْمَاضِي مبنيٌّ على الْفَتْح فَجعلت حركته كحركته. وَزعم المرزوقي والهروي فِي شرح الفصيح أَنَّهَا مصدر. قَالَ الأول: شتان مصدر لم يسْتَعْمل فعله. وَهُوَ مبنيٌّ على الْفَتْح لِأَنَّهُ مَوضِع فعل مَاض وزيدٌ: فَاعل لَهُ. وَقَالَ الثَّانِي: معنى شتان الْبعد المفرط بَين الشَّيْئَيْنِ وَهُوَ اسمٌ وضع مَوضِع الْفِعْل الْمَاضِي تَقْدِيره: شت زيد وعمرٌ وأَي: تشتتاً وتفرقاً جدا. وسبقهما الزّجاج كَمَا نقل الشَّارِح الْمُحَقق. قَالَ ابْن عُصْفُور: وَزعم الزّجاج أَنه مصدرٌ واقعٌ موقع الْفِعْل جَاءَ على فعلان فَخَالف أخواته فَبنِي لذَلِك فَإِن قيل: لنا فعلانٌ فِي المصادر قَالُوا: لوى يلوي لياناً وشنئته شنآناً. وَأَن لَو وضعت لياناً وشنآناً مَوضِع الْفِعْل لبقيا على إعرابهما وَلم يبنيا.
فَالْجَوَاب: أَنَّهُمَا مصدران قد استعملا بعد فعلهمَا وتمكنا فَإِذا وَقعا موقع فعلهمَا بقيا على إعرابهما وَلَيْسَ كَذَلِك شتان لِأَنَّك لَا تَقول شت
стр. 2685
يشت شتاتاً وَإِنَّمَا اسْتعْمل فِي أول أَحْوَاله مَوْضُوعا مَوضِع الْفِعْل الْمَبْنِيّ فَبنِي لذَلِك. انْتهى. قَالَ نَاظر الْجَيْش فِي شرح التسهيل: مُقْتَضى هَذَا الْجَواب أَن تبنى المصادر الْمُلْتَزم إِضْمَار ناصبها كسبحان الله ومعاذ الله. انْتهى. وَجوز)
الْمَازِني تَنْوِين شتان قَالَ أَبُو عَليّ فِي التَّذْكِرَة القصرية: قَالَ أَبُو عُثْمَان: سُبْحَانَ وشتان يجوز تنوينهما اسْمَيْنِ كَانَا أَو فِي موضعهما. قَالَ أَبُو عَليّ: شتان إِذا كَانَ فِي مَوْضِعه فَهُوَ اسمٌ للْفِعْل وَهُوَ شت بِمَنْزِلَة صه فَإِن نونته فَهُوَ نكرَة وَإِن لم تنونه فَهُوَ معرفَة.
فَإِن قيل: كَيفَ يجوز أَن يكون معرفَة وَهُوَ بِمَنْزِلَة شت وَكَذَلِكَ صه بِمَنْزِلَة اسْكُتْ واسكت وصه لَا يجوز أَن يَكُونَا معرفَة. قيل: لِأَنَّهُمَا اسمان للْفِعْل وليسا بِفعل. فَإِن نقلت شتان عَن أَن يكون اسْما للْفِعْل فَجَعَلته اسْما للتشتيت معرفَة وَصَارَ بِمَنْزِلَة: سُبْحَانَ من عَلْقَمَة الفاخر فِي أَنه اسمٌ للتنزيه معرفَة جَازَ. فَإِن نونته ونونت سُبْحَانَ هَذَا تنكر لأجل التَّنْوِين وَصَارَ بِمَنْزِلَة زيدٍ من الزيدين إِذا نكرت زيدا الْمعرفَة. ويضعف جعل هَذِه الْمعرفَة نكرَة لِأَن الْمَعْنى الملقب بسبحان وشتان شيءٌ وَاحِد لَا يَصح لَهُ أَن يكون أمثالٌ من جنسه هِيَ تَنْزِيه وتشتيت وَلَيْسَ كَذَلِك الملقب بزيد لِأَنَّهُ يَصح أَن يكون لَهُ أمثالٌ من جنسه فَيقدر زيدا من الزيدين يَصح فِي الْمَعْنى وَتَقْدِير سُبْحَانَ من أَمْثَاله لَا يَصح فِي الْمَعْنى. فَالْجَوَاب أَن هَذَا وَإِن لم يَصح فِي الْمَعْنى فَإِن تقديرهم لَهُ تَقْدِير مَا يَصح لَهُ فِي هَذَا الْمَعْنى
стр. 2686
جائزٌ يدل على ذَلِك أَن من قَالَ: هَذَا ابْن عرس مُقبلا نزل الْجِنْس منزلَة شَيْء واحدٍ وَإِن كَانَ فِي الْحَقِيقَة أَشْيَاء ثمَّ قَالَ: هَذَا ابْن عرس مقبلٌ نزل مَا قد نزله منزلَة شَيْء وَاحِد منزلَة أَشْيَاء كَثِيرَة. فَهَذَا ابْن عرس مقبلٌ بِمَنْزِلَة زيد من الزيدين مُنْكرا من هَذَا ابْن عرس مُقبلا. وَنَظِير تلقيب الْمَعْنى بسبحان وشتان فِيمَن جعله لقباً للمعنى جعل النَّحْوِيين أفعل معرفَة فِي قَوْلهم: أفعل إِذا كَانَ وَصفا لَا ينْصَرف فيجعلون أفعل معرفَة لقباً للمعنى وَهُوَ هَذَا الْوَزْن. فَلم يخرج النحويون بتلقيبهم الْمعَانِي عَن كَلَام الْعَرَب لِأَنَّهَا
قد لقبت الْمعَانِي كَمَا لقبت الْأَشْخَاص. وَنَظِير ذَلِك قَوْلهم: فَحملت برة فجار وبرة تلقيب الْمَعْنى فَلهَذَا لم يصرفهَا. انْتهى كَلَام أبي عَليّ ولنفاسته سقناه برمتِهِ. وَالْبَيْت الشَّاهِد من قصيدةٍ لِرَبِيعَة الرقي مدح فِيهَا يزِيد بن حَاتِم المهلبي. وَهَذِه أبياتٌ من أَولهَا:
(لفت يَمِينا غير ذِي مثنويةٍ ... يَمِين امرئٍ آلى بهَا غير آثم)
(لشتان مَا بَين اليزيدين فِي الندى ... يزِيد سليمٍ والأغر ابْن حَاتِم)
(يزِيد سالمٍ سَالم المَال والفتى ... أَخُو الأزد للأموال غير مسالم))
стр. 2687
(فَلَا يحْسب التمتام أَنِّي هجوته ... وَلَكِنِّي فضلت أهل المكارم)
(فيا أَيهَا السَّاعِي الَّذِي لَيْسَ مدْركا ... بمسعاته سعي البحور الخضارم)
(سعيت وَلم تدْرك نوال ابْن حاتمٍ ... لفك أسيرٍ وَاحْتِمَال العظائم)
(كَفاك بِنَاء المكرمات ابْن حاتمٍ ... ونمت وَمَا الْأَزْدِيّ عَنْهَا بنائم)
(فيا ابْن أسيد لَا تسام ابْن حَاتِم ... فتقرع إِن ساميته سنّ نادم)
(هُوَ الْبَحْر إِن كلفت نَفسك خوضه ... تهالكت فِي أمواجه المتلاطم)
(تمنيت مجداً فِي سليمٍ سفاهةً ... أماني حالٍ أَو أماني حالم)
(أَلا إِنَّمَا آل الْمُهلب غرةٌ ... وَفِي الْحَرْب قاداتٌ لكم بالخزائم)
стр. 2688
.
(هم الْأنف والخرطوم وَالنَّاس بعدهمْ ... مناسم والخرطوم فَوق المناسم)
(قضيت لكم آل الْمُهلب بالعلا ... وتفضيلكم حَقًا على كل حَاكم)
(لكم شيمٌ لَيست لخلقٍ سواكم ... مناعيش دفاعون عَن كل جارم)
وَقَوله: حَلَفت يميناٍ إِلَخ مثنوية: مصدر بِمَعْنى الِاسْتِثْنَاء فِي الْيَمين أَي: حَلَفت غير مستثن فِي يَمِيني. وَقَوله: غير ذِي مثنوية أَي: غير يَمِين ذِي مثنوية. وَهَذَا المصراع من شعرٍ للنابغة الذبياني وَتَمَامه:
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ وَقد شرحناه مَعَ قصيدته فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعِشْرين بعد الْمِائَتَيْنِ.
وَقَوله: يَمِين امْرِئ إِلَخ مفعول مُطلق تشبيهي أَي: كيمين. وَالْيَمِين: الْقسم سمي بهَا لأَنهم إِذا تحالفوا ضرب كل امرئٍ مِنْهُم على يَمِين
стр. 2689
صَاحبه. قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: وَيَمِين الْحلف أُنْثَى. قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: وَلِهَذَا أعَاد الضَّمِير عَلَيْهَا من بهَا مؤنثاً. وآلى بِمَعْنى أقسم. وَقَوله: لشتان مَا بَين اليزيدين إِلَخ اللَّام فِي جَوَاب الْقسم وَمَا بعْدهَا جَوَابه. قيل: شتان مَا بَين اليزيدين صَار مثلا فِي ظُهُور الْفرق. والندى: السخاء والجود وَالْألف أَصْلهَا وَاو لِأَنَّهُ يُقَال ندوت. وَيُقَال: سنّ للنَّاس الندى فندوا بِفَتْح الدَّال. والأغر من الْغرَّة وَهُوَ بياضٌ فَوق الدِّرْهَم فِي جبهة الْفرس.
يُقَال: فرسٌ أغر ومهرة غراء وَقد استعيرت للوضوح والشهرة. وَقَالَ فِي الْمِصْبَاح: ورجلٌ أغر: صبيحٌ أَو سيد قومه. أما يزِيد سليم فَهُوَ يزِيد بن أسيد بِضَم الْهمزَة وَفتح السِّين الْمُهْملَة وَيَنْتَهِي نسبه إِلَى بهثة بِضَم الْمُوَحدَة وَسُكُون الْهَاء بعْدهَا ثاء مُثَلّثَة ابْن سليم بِضَم السِّين ابْن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن خصفة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالصَّاد الْمُهْملَة ابْن قيس بن عيلان بن مُضر بن نزار)
بن معد بن عدنان. وَأما يزِيد بن حَاتِم فَهُوَ يزِيد بن حَاتِم بن قبيصَة بن الْمُهلب بن أبي صفرَة وَيَنْتَهِي نسبه إِلَى الأزد وَهِي قَبيلَة عَظِيمَة بِالْيمن. وَهُوَ جد الْوَزير المهلبي. فَإِنَّهُ أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن مُحَمَّد بن هَارُون بن إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن يزِيد بن حَاتِم. وَمَات فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وثلثمائة.
وَكَانَ السَّبَب فِي هَذِه القصيدة أَن ربيعَة قصد يزِيد بن أسيد وَهُوَ
стр. 2690
يومئذٍ والٍ على أرمينية وَكَانَ قد وَليهَا زَمَانا طَويلا لأبي جَعْفَر الْمَنْصُور ثمَّ من بعده لوَلَده الْمهْدي. وَكَانَ يزِيد هَذَا من أَشْرَاف قيس وشجعانهم وَمن ذَوي الآراء الصائبة. ومدحه ربيعَة بشعرٍ أَجَاد فِيهِ فقصر يزِيد فِي حَقه. ومدح يزِيد بن حَاتِم فَبَالغ فِي الْإِحْسَان إِلَيْهِ فَقَالَ ربيعَة هَذِه القصيدة يفضل يزِيد بن حَاتِم على يزِيد بن أسيد. وَكَانَ فِي لِسَان يزِيد بن أسيد تمتمة فَعرض بذكرها: فَلَا يحْسب التمتام أَنِّي هجوته. كَذَا فِي تَارِيخ ابْن خلكان. قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: وتمتم الرجل تمتمةً إِذا تردد فِي التَّاء فَهُوَ تمْتَام بِالْفَتْح. وَقَالَ أَبُو زيد: هُوَ الَّذِي يَجْعَل فِي الْكَلَام وَلَا يفهمك.
وَقَالَ ابْن عبد ربه فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع من العقد الفريد: مدح ربيعَة الرقي يزِيد بن أسيد السّلمِيّ فَلم يُعْطه شَيْئا ثمَّ عطف على يزِيد بن حَاتِم وَهُوَ وَالِي مصر ومدحه فتشاغل عَنهُ فِي بعض الْأُمُور واستبطأه ربيعَة فشخصمن مصر وَقَالَ:
(أَرَانِي وَلَا كفران لله رَاجعا ... بخفي حنينٍ من نوال ابْن حَاتِم)
فَبلغ قَوْله يزِيد بن حَاتِم فَأرْسل فِي طلبه فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: أَنْت الْقَائِل: أَرَانِي وَلَا كفران لله رَاجعا ... ... ... ... . الْبَيْت قَالَ: نعم قَالَ: هَل قلت غير هَذَا قَالَ: لَا. قَالَ: وَالله لترجعن
стр. 2691
بخفي حنين مَمْلُوءَة ذَهَبا. فَأمر بخلع خفيه وَأَن تملئا دَنَانِير. ثمَّ قَالَ لَهُ: أصلح مَا
أفسدت من قَوْلك. فَقَالَ فِيهِ لما عزل من مصر وَولي مَكَانَهُ يزِيد بن أسيد السّلمِيّ:
(بَكَى أهل مصر بالدموع السواجم ... غَدَاة غَدا مِنْهَا الْأَغَر ابْن حَاتِم)
وفيهَا يَقُول:
(لشتان مَا بَين اليزيدين فِي الندى ... يزِيد سليمٍ والأغر ابْن حَاتِم)
مَعَ أَبْيَات ثَلَاثَة بعده. وَكَانَ يزِيد بن حَاتِم جواداً سرياً مَقْصُودا ممدوحاً. قَصده جمَاعَة من الشُّعَرَاء فَأحْسن جوائزهم. قَالَ ابْن عبد ربه: كتب إِلَيْهِ رجلٌ من الْعلمَاء يستوصله فَبعث إِلَيْهِ ثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم وَكتب إِلَيْهِ: أما بعد فقد بعثت إِلَيْك ثَلَاثِينَ ألفا لَا أَكْثَرهَا امتناناً وَلَا أقلهَا)
تحقيراً وَلَا أستثنيك عَلَيْهَا ثَنَاء وَلَا أقطع لَك بهَا رَجَاء. وَالسَّلَام. وَقَالَ ابْن خلكان: ذكر ابْن جرير الطَّبَرِيّ فِي تَارِيخه أَن الْخَلِيفَة أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور عزل حميد بن قَحْطَبَةَ عَن ولَايَة مصر فولاها نَوْفَل بن
стр. 2692
الْفُرَات ثمَّ عَزله وَولى يزِيد بن حَاتِم وَذَلِكَ فِي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَة. ثمَّ إِن الْمَنْصُور عَزله عَن مصر فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَة وَجعل مَكَانَهُ مُحَمَّد بن سعيد. انْتهى.
وَهَذَا لَا يُوَافق مَا قَالَه ابْن عبد ربه. وَقيل: تولى بعده عبد الله بن عبد الرَّحْمَن من قبل الْمَنْصُور. وَلم أر مَا قَالَه ابْن عبد ربه.
ثمَّ قَالَ ابْن خلكان: وَقَالَ ابْن يُونُس فِي تَارِيخه: ولي يزيدٌ بن حَاتِم مصر فِي سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَة. وَزَاد غَيره: فِي منتصف ذِي الْقعدَة. ثمَّ إِن الْمَنْصُور خرج إِلَى الشَّام وَإِلَى زِيَارَة بَيت الْمُقَدّس فِي سنة أَربع وَخمسين وَمِائَة وَمن هُنَاكَ سير يزِيد بن حَاتِم إِلَى إفريقية لِحَرْب الْخَوَارِج الَّذين قتلوا عَامله عمر بن حَفْص وجهز مَعَه خمسين ألف مقَاتل وَاسْتقر والياً وَكَانَ وُصُوله إِلَيْهَا واستظهاره على الْخَوَارِج فِي سنة خمس وَخمسين. وَلما عقد الْمَنْصُور ليزِيد المهلبي على بِلَاد إفريقية وليزيد السّلمِيّ الْمَذْكُور على ديار مصر خرجا مَعًا وَكَانَ يزِيد المهلبي يقوم بكفاية الجيشين فَقَالَ ربيعَة الرقي: ...
стр. 2693
(يزِيد الْخَيْر أَن يزِيد قومِي ... سميك لَا يجود كَمَا تجود)
(تقود كتيبةٌ ويقود أُخْرَى ... فترزق من تقود وَمن يَقُود)
وَقدم أشعب الْمَشْهُور فِي الطمع على يزِيد وَهُوَ بِمصْر فَجَلَسَ بمجلسه ودعا بغلامه فساره فَقَامَ أشعب فَقبل يَده فَقَالَ لَهُ يزِيد: لم فعلت هَذَا فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُك تسارر غلامك فَظَنَنْت أَنَّك قد أمرت لي بِشَيْء فَضَحِك مِنْهُ وَقَالَ: مَا فعلت وَلَكِنِّي أفعل. وَوَصله وَأحسن إِلَيْهِ.
وَقدم عَلَيْهِ بِمصْر أَبُو عبيد الله مُحَمَّد بن مُسلم الشهير بِابْن الْمولى وأنشده:
(يَا وَاحِد الْعَرَب الَّذِي ... أضحى وَلَيْسَ لَهُ نَظِير)
(لَو كَانَ مثلك آخرٌ ... مَا كَانَ فِي الدُّنْيَا فَقير)
فَدَعَا يزِيد بخازنه. وَقَالَ: كم فِي بَيت مَالِي قَالَ: فِيهِ من الْعين وَالْوَرق مَا مبلغه عشرُون ألف دِينَار. فَقَالَ: ادفعها إِلَيْهِ. ثمَّ قَالَ: يَا أخي المعذرة إِلَى الله تَعَالَى وَإِلَيْك وَالله لَو أَن فِي ملكي غَيرهَا مَا ادخرته عَنْك.
قَالَ الطرطوشي فِي كتاب سراج الْمُلُوك: قَالَ سَحْنُون:
стр. 2694
كَانَ يزِيد بن حَاتِم يَقُول: وَالله مَا هبت شئياً قطّ هيبتي لرجلٍ ظلمته وَأَنا لَا أعلم وَلَيْسَ لَهُ نَاصِر إِلَّا الله تَعَالَى فَيَقُول: حَسبك الله الله بيني وَبَيْنك وَذكر أَبُو سعيد السَّمْعَانِيّ فِي كتاب الْأَنْسَاب أَن)
المسهر التَّمِيمِي الشَّاعِر وَفد على يزِيد بن حَاتِم بإفريقية فأنشده:
(إِلَيْك قَصرنَا النّصْف من صلواتنا ... مسيرَة شهرٍ ثمَّ شهرٍ نواصله)
(فَلَا نَحن نخشى أَن يخيب رجاؤنا ... لديك وَلَكِن أهنأ الْبر عاجله)
فَأمر يزِيد بِوَضْع الْعَطاء فِي جنده وَكَانَ مَعَه خَمْسُونَ ألف مرتزق فَقَالَ: من أحب أَن يسرني فليضع لزائري هَذَا من عطائه دِرْهَمَيْنِ. فَاجْتمع لَهُ مائَة ألف دِرْهَم وَضم يزِيد إِلَى ذَلِك مائَة ألف دِرْهَم أُخْرَى وَدفعهَا إِلَيْهِ. وَلما كَانَ يزِيد والياً بإفريقية كَانَ أَخُوهُ روح بن حَاتِم والياً فِي السَّنَد وَولي لخمسةٍ من الْخُلَفَاء: أبي الْعَبَّاس السفاح والمنصور وَالْمهْدِي وَالْهَادِي والرشيد فَقَالَ أهل إفريقية: مَا أبعد مَا بَين هذَيْن الْأَخَوَيْنِ فَإِن يزِيد هُنَا وأخاه روحاً فِي السَّنَد. فَلَمَّا توفّي يزِيد بإفريقية يَوْم الثُّلَاثَاء لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة بقيت من شهر رَمَضَان سنة سبعين وَمِائَة وَكَانَ والياً فِيهَا خمس عشرَة سنة وَثَلَاثَة أشهر فاتفق أَن الرشيد عزل روحاً السَّنَد وسيره إِلَى مَوضِع أَخِيه يزِيد فَدخل إِلَى إفريقية فِي أول رَجَب سنة إِحْدَى وَسبعين وَمِائَة وَلم يزل والياً عَلَيْهَا إِلَى أَن توفّي بهَا لإحدى عشرَة لَيْلَة بقيت من شهر
стр. 2695
رَمَضَان سنة أَربع وَسبعين وَمِائَة وَدفن فِي قبر أَخِيه يزِيد. فَعجب النَّاس من هَذَا الِاتِّفَاق بعد ذَلِك التباعد.
قَالَ الصولي فِي كتاب الْأَنْوَاع: حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد الجبائي قَالَ: أنشدنا بكر الْمَازِني لِرَبِيعَة بن ثَابت الرقي يمدح يزِيد بن حَاتِم المهلبي ويهجو يزِيد ابْن أسيد السّلمِيّ: لشتان مَا بَين اليزيدين فِي الندى ... ... ... ... . . الْبَيْت وَبعده الأبيات الثَّلَاثَة. قَالَ: بلغ هَذَا الشّعْر أَبَا الشمقمق واسْمه مَرْوَان فَقَالَ يفضل يزِيد بن مزِيد الشَّيْبَانِيّ على يزِيد المهلبي:
(لشتان مَا بَين اليزيدين فِي الندى ... إِذا عد فِي النَّاس المكارم وَالْحَمْد)
(يزِيد بني شَيبَان أكْرم مِنْهُمَا ... وَإِن غضِبت قيس بن عيلان والأزد)
انْتهى. وَيزِيد هَذَا هُوَ ابْن مزِيد بن زَائِدَة وَهُوَ ابْن أخي معن بن زَائِدَة الشَّيْبَانِيّ. وَكَانَ يزِيد هَذَا من الْأُمَرَاء الْمَشْهُورين والشجعان المعروفين وَكَانَ والياً بأرمينية فَعَزله عَنْهَا الرشيد سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَمِائَة ثمَّ ولاه إِيَّاهَا وَضم إِلَيْهَا أذربيجان فِي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ. وَهُوَ من الأجواد وَقد قَصده الشُّعَرَاء من سَائِر النواحي وأجاد صلَاتهم.
стр. 2696
وَقد أَطَالَ تَرْجَمته ابْن خلكان. وَتُوفِّي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَمِائَة ورثاه أَبُو الشمقمق وَمُسلم بن الْوَلِيد وَأَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أَيُّوب)
التَّيْمِيّ الْمَشْهُور وَغَيرهم. وَرَأَيْت فِي رسائل الصاحب بن عباد رِسَالَة مداعبة جمع فِيهَا نَظَائِر هَذَا الشّعْر وَهِي رِسَالَة جَيِّدَة أَحْبَبْت أَن أوردهَا هُنَا وَهِي: أَبُو الْفرج عباد بن المطهر أعزه الله يزْعم أَن الشَّيْخ الْأمين ﵁ سَمَّاهُ عبادا.
وَالنَّاس يروون:
(لشتان مَا بَين اليزيدين فِي الندى ... يزِيد سليمٍ والأغر بن حَاتِم)
وَفِيهِمْ من لَا يعلم أَنه لِرَبِيعَة الرقي وَلَا أَن اليزيدين: يزِيد بن حَاتِم المهلبي وَهُوَ الممدوح وَيزِيد بن أسيد وَهُوَ المذموم. وكما لَا يدْرِي أَن الشّعْر بلغ أَبَا الشمقمق فَقَالَ: وَفضل عَلَيْهِمَا يزِيد بن مزِيد الشَّيْبَانِيّ:
(لشتان مَا بَين اليزيدين فِي الندى ... إِذا عد فِي النَّاس المكارم وَالْحَمْد)
(يزِيد بني شَيبَان أكْرم مِنْهُمَا ... وَإِن غضِبت قيس بن عيلان والأزد)
وَقد قَالَ الآخر:
(يزِيد الْخَيْر إِن يزِيد قومِي ... سميك لَا يزِيد كَمَا تزيد)
стр. 2697
ويذكرني مولَايَ أَنه أنْشد كثيرا لأبي الهول الْحِمْيَرِي وَفِي الْفضل بن الْعَبَّاس والبرمكي: كَمَا سمعني أنْشد لبشار:
(رَأَيْت السهيلين اسْتَوَى الْجُود فيهمَا ... على بعد ذَا من ذَاك فِي حكم حَاكم)
(سُهَيْل بن عُثْمَان يجود بِمَالِه ... كَمَا جاد بالفعلى سُهَيْل بن سَالم)
وَمن المبتذل فِي هَذَا:
(شتان بَين محمدٍ ومحمدٍ ... حيٌّ أمات وميتٌ أحياني)
والمحمدان: مُحَمَّد بن مَنْصُور بن زِيَاد وَمُحَمّد بن يحيى بن خَالِد. وَلَا أَحسب عباداً هَذَا يعد مَا قلته تَفْضِيلًا لعباد بن الْعَبَّاس عَلَيْهِ وَإِضَافَة لَهُ إِلَيْهِ وَلَا أَن يَقُول كَمَا قَالَ يُونُس بن حبيب: أَشد الهجاء الهجاء بالتفضيل. وَذَلِكَ كَمَا قَالَ صديق مولَايَ الْقَرِيب وَابْن عمته النسيب الفرزدق بن غَالب وَقد قيل لَهُ: انْزِلْ على أبي قطن قبيصَة فحسبه ابْن مخازق الْهِلَالِي فَإِذا هُوَ آخر لَا يحضرني نسبه وذم قراه وجواره فَقَالَ: ...
стр. 2698
(سرت مَا سرت من لَيْلهَا ثمَّ وَافَقت ... أَبَا قطنٍ لَيْسَ الَّذِي لمخارق)
(وَقد تلتقي الْأَسْمَاء فِي النَّاس والكنى ... كثيرا وَلَكِن لَا تلاقى الْخَلَائق)
فَأَما التَّفْضِيل الَّذِي أَوْمَأت إِلَيْهِ فقد أعجبني مِنْهُ أَن الحطيئة قَالَ:)
(فَلَمَّا أَن مدحت الْقَوْم قُلْتُمْ ... هجوت وَهل يحل لي الهجاء)
حَتَّى زعم بَعضهم عَن الزبْرِقَان أَن هَذَا أوجع لَهُ من قَوْله:
(دع المكارم لَا ترحل لبغيتها ... واقعد فَإنَّك أَنْت الطاعم الكاسي)
وعَلى ذكر هَذَا الْبَيْت فَلَا أَدْرِي لم ترك مَا قيل قبله. فقد سبق الْأَعْشَى بقوله:
(فَدَعْنَا وقوماً إِن هم عَمدُوا لنا ... أَبَا ثابتٍ واجلس فَإنَّك طاعم)
стр. 2699
لست أَدْرِي أيد الله مولَايَ مَا هَذَا الوسواس الخناس الَّذِي يوسوس فِي صُدُور النَّاس. وَإِنَّمَا حضر هَذَا الْفَتى وَله حق الغربة وَأعظم بِهِ حَقًا ثمَّ حق الْأَدَب وَأكْرم بِهِ فخراً وَقد خدمني طفْلا والآن كهلاً وَهَاجَر إِلَيّ فتظاهرت حرماته لدي. وَهَذِه التَّسْمِيَة أَيْضا لَهَا ذمامٌ يرْعَى وذمار لَا ينسى وسألني أَن أخاطب مولَايَ فِي بَابه وأسيمه فِي مرعى جنابه وتصور لي الْأنس بمطاولة مولَايَ وحسبتني أناجيه عَن قرب كَمَا أَنا مكَاتبه عَن بعد فلج الطَّبْع والقلم وَحَضَرت هَذِه الأبيات والعبر ومولاي ولي مَا يوليه ويختصه بالجميل فِيهِ فقد كَانَ أَبُو عِيسَى النوشجاني عبد الْمَسِيح أنْشد وَالِدي:
(وَإِن ائتلاف النَّفس أدنى قرَابَة ... لمن يَدعِي الْقُرْبَى إِذا كَانَ ظَالِما)
انْتهى. وَقَوله: وَقد قَالَ الآخر: يزِيد الْخَيْر أَن يزِيد قومِي ... ... ... ... . . الْبَيْت هَذَا سهوٌ مِنْهُ فِي زَعمه أَنه لغير ربيعَة وَالصَّوَاب أَنه لَهُ كَمَا نَقَلْنَاهُ. وَقَوله: بمسعاته سعي البحور الخضارم المسعاة: مصدر ميمي وَهُوَ السَّعْي. والخضارم بِالْفَتْح: جمع خضرم بِكَسْر الْخَاء وَسُكُون الضَّاد المعجمتين وَكسر الرَّاء: الْوَاسِع الْكثير.
стр. 2700
وَقَوله: بالحزائم جمع حزَام مستعار من حزم الدَّابَّة. أَرَادَ أَنهم متشمرون للحرب. وَقَوله: هم الْأنف والخرطوم هُوَ بِالضَّمِّ: الْأنف.
وخرطوم الْقَوْم: سيدهم. والمناسم: جمع منسم بِفَتْح الْمِيم وَكسر السِّين وَهُوَ خف الْبَعِير.
والملاحم: جمع ملحمة بِفَتْح الْمِيم والحاء وَهِي الْوَقْعَة الْعَظِيمَة فِي الْفِتْنَة. والمناعيش: جمع منعاش مُبَالغَة ناعش كمنحار مُبَالغَة ناحر من نعشه ينعشه بِفَتْح الْعين فيهمَا نعشاً بسكونها إِذا رَفعه من سقطته. والجارم: الكاسب الْفَقِير من جرم يجرم كضرب يضْرب. وَرَبِيعَة الرقي هُوَ أَبُو أُسَامَة ربيعَة بن ثَابت من موَالِي سليم. وَيدل عَلَيْهِ قَوْله: يزِيد الْخَيْر إِن يزِيد قومِي)
وَقَالَ مُحَمَّد بن مُعَاوِيَة الْأَسدي: هُوَ من بني جذيمة بن مَالك بن نصر بن قعين. وَهُوَ شَاعِر مطبوع. قَالَ دعبل بن عَليّ الْخُزَاعِيّ: قلت لمروان بن أبي حَفْصَة: يَا أَبَا السمط من أشعركم جمَاعَة الْمُحدثين قَالَ: أشعرنا أسيرنا بَيْتا. قلت: من هُوَ قَالَ: الَّذِي يَقُول: ...
следующие страницы →