Полный текст (5 658 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
وَقد أَطَالَ تَرْجَمته ابْن خلكان. وَتُوفِّي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَمِائَة ورثاه أَبُو الشمقمق وَمُسلم بن الْوَلِيد وَأَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أَيُّوب)
التَّيْمِيّ الْمَشْهُور وَغَيرهم. وَرَأَيْت فِي رسائل الصاحب بن عباد رِسَالَة مداعبة جمع فِيهَا نَظَائِر هَذَا الشّعْر وَهِي رِسَالَة جَيِّدَة أَحْبَبْت أَن أوردهَا هُنَا وَهِي: أَبُو الْفرج عباد بن المطهر أعزه الله يزْعم أَن الشَّيْخ الْأمين ﵁ سَمَّاهُ عبادا.
وَالنَّاس يروون:
(لشتان مَا بَين اليزيدين فِي الندى ... يزِيد سليمٍ والأغر بن حَاتِم)
وَفِيهِمْ من لَا يعلم أَنه لِرَبِيعَة الرقي وَلَا أَن اليزيدين: يزِيد بن حَاتِم المهلبي وَهُوَ الممدوح وَيزِيد بن أسيد وَهُوَ المذموم. وكما لَا يدْرِي أَن الشّعْر بلغ أَبَا الشمقمق فَقَالَ: وَفضل عَلَيْهِمَا يزِيد بن مزِيد الشَّيْبَانِيّ:
(لشتان مَا بَين اليزيدين فِي الندى ... إِذا عد فِي النَّاس المكارم وَالْحَمْد)
(يزِيد بني شَيبَان أكْرم مِنْهُمَا ... وَإِن غضِبت قيس بن عيلان والأزد)
وَقد قَالَ الآخر:
(يزِيد الْخَيْر إِن يزِيد قومِي ... سميك لَا يزِيد كَمَا تزيد)
стр. 2697
ويذكرني مولَايَ أَنه أنْشد كثيرا لأبي الهول الْحِمْيَرِي وَفِي الْفضل بن الْعَبَّاس والبرمكي: كَمَا سمعني أنْشد لبشار:
(رَأَيْت السهيلين اسْتَوَى الْجُود فيهمَا ... على بعد ذَا من ذَاك فِي حكم حَاكم)
(سُهَيْل بن عُثْمَان يجود بِمَالِه ... كَمَا جاد بالفعلى سُهَيْل بن سَالم)
وَمن المبتذل فِي هَذَا:
(شتان بَين محمدٍ ومحمدٍ ... حيٌّ أمات وميتٌ أحياني)
والمحمدان: مُحَمَّد بن مَنْصُور بن زِيَاد وَمُحَمّد بن يحيى بن خَالِد. وَلَا أَحسب عباداً هَذَا يعد مَا قلته تَفْضِيلًا لعباد بن الْعَبَّاس عَلَيْهِ وَإِضَافَة لَهُ إِلَيْهِ وَلَا أَن يَقُول كَمَا قَالَ يُونُس بن حبيب: أَشد الهجاء الهجاء بالتفضيل. وَذَلِكَ كَمَا قَالَ صديق مولَايَ الْقَرِيب وَابْن عمته النسيب الفرزدق بن غَالب وَقد قيل لَهُ: انْزِلْ على أبي قطن قبيصَة فحسبه ابْن مخازق الْهِلَالِي فَإِذا هُوَ آخر لَا يحضرني نسبه وذم قراه وجواره فَقَالَ: ...
стр. 2698
(سرت مَا سرت من لَيْلهَا ثمَّ وَافَقت ... أَبَا قطنٍ لَيْسَ الَّذِي لمخارق)
(وَقد تلتقي الْأَسْمَاء فِي النَّاس والكنى ... كثيرا وَلَكِن لَا تلاقى الْخَلَائق)
فَأَما التَّفْضِيل الَّذِي أَوْمَأت إِلَيْهِ فقد أعجبني مِنْهُ أَن الحطيئة قَالَ:)
(فَلَمَّا أَن مدحت الْقَوْم قُلْتُمْ ... هجوت وَهل يحل لي الهجاء)
حَتَّى زعم بَعضهم عَن الزبْرِقَان أَن هَذَا أوجع لَهُ من قَوْله:
(دع المكارم لَا ترحل لبغيتها ... واقعد فَإنَّك أَنْت الطاعم الكاسي)
وعَلى ذكر هَذَا الْبَيْت فَلَا أَدْرِي لم ترك مَا قيل قبله. فقد سبق الْأَعْشَى بقوله:
(فَدَعْنَا وقوماً إِن هم عَمدُوا لنا ... أَبَا ثابتٍ واجلس فَإنَّك طاعم)
стр. 2699
لست أَدْرِي أيد الله مولَايَ مَا هَذَا الوسواس الخناس الَّذِي يوسوس فِي صُدُور النَّاس. وَإِنَّمَا حضر هَذَا الْفَتى وَله حق الغربة وَأعظم بِهِ حَقًا ثمَّ حق الْأَدَب وَأكْرم بِهِ فخراً وَقد خدمني طفْلا والآن كهلاً وَهَاجَر إِلَيّ فتظاهرت حرماته لدي. وَهَذِه التَّسْمِيَة أَيْضا لَهَا ذمامٌ يرْعَى وذمار لَا ينسى وسألني أَن أخاطب مولَايَ فِي بَابه وأسيمه فِي مرعى جنابه وتصور لي الْأنس بمطاولة مولَايَ وحسبتني أناجيه عَن قرب كَمَا أَنا مكَاتبه عَن بعد فلج الطَّبْع والقلم وَحَضَرت هَذِه الأبيات والعبر ومولاي ولي مَا يوليه ويختصه بالجميل فِيهِ فقد كَانَ أَبُو عِيسَى النوشجاني عبد الْمَسِيح أنْشد وَالِدي:
(وَإِن ائتلاف النَّفس أدنى قرَابَة ... لمن يَدعِي الْقُرْبَى إِذا كَانَ ظَالِما)
انْتهى. وَقَوله: وَقد قَالَ الآخر: يزِيد الْخَيْر أَن يزِيد قومِي ... ... ... ... . . الْبَيْت هَذَا سهوٌ مِنْهُ فِي زَعمه أَنه لغير ربيعَة وَالصَّوَاب أَنه لَهُ كَمَا نَقَلْنَاهُ. وَقَوله: بمسعاته سعي البحور الخضارم المسعاة: مصدر ميمي وَهُوَ السَّعْي. والخضارم بِالْفَتْح: جمع خضرم بِكَسْر الْخَاء وَسُكُون الضَّاد المعجمتين وَكسر الرَّاء: الْوَاسِع الْكثير.
стр. 2700
وَقَوله: بالحزائم جمع حزَام مستعار من حزم الدَّابَّة. أَرَادَ أَنهم متشمرون للحرب. وَقَوله: هم الْأنف والخرطوم هُوَ بِالضَّمِّ: الْأنف.
وخرطوم الْقَوْم: سيدهم. والمناسم: جمع منسم بِفَتْح الْمِيم وَكسر السِّين وَهُوَ خف الْبَعِير.
والملاحم: جمع ملحمة بِفَتْح الْمِيم والحاء وَهِي الْوَقْعَة الْعَظِيمَة فِي الْفِتْنَة. والمناعيش: جمع منعاش مُبَالغَة ناعش كمنحار مُبَالغَة ناحر من نعشه ينعشه بِفَتْح الْعين فيهمَا نعشاً بسكونها إِذا رَفعه من سقطته. والجارم: الكاسب الْفَقِير من جرم يجرم كضرب يضْرب. وَرَبِيعَة الرقي هُوَ أَبُو أُسَامَة ربيعَة بن ثَابت من موَالِي سليم. وَيدل عَلَيْهِ قَوْله: يزِيد الْخَيْر إِن يزِيد قومِي)
وَقَالَ مُحَمَّد بن مُعَاوِيَة الْأَسدي: هُوَ من بني جذيمة بن مَالك بن نصر بن قعين. وَهُوَ شَاعِر مطبوع. قَالَ دعبل بن عَليّ الْخُزَاعِيّ: قلت لمروان بن أبي حَفْصَة: يَا أَبَا السمط من أشعركم جمَاعَة الْمُحدثين قَالَ: أشعرنا أسيرنا بَيْتا. قلت: من هُوَ قَالَ: الَّذِي يَقُول: ...
стр. 2701
(لشتان مَا بَين اليزيدين فِي الندى ... يزِيد سليمٍ والأغر ابْن حَاتِم)
والرقي: مَنْسُوب إِلَى رقة بِفَتْح الرَّاء وَتَشْديد الْقَاف وَهِي مَدِينَة ومعناهافي اللُّغَة كل أَرض إِلَى جَانب وادٍ ينبسط عَلَيْهَا المَاء أَيَّام الْمَدّ ثمَّ ينحسر
عَنْهَا فَتكون جَيِّدَة النَّبَات وَالْجمع رقاق. قَالَ ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ: الرقة: مَدِينَة مَشْهُورَة على الْفُرَات بَينهَا وَبَين حران ثَلَاثَة أَيَّام معدودةٌ فِي بِلَاد الجزيرة لِأَنَّهَا من جَانب الْفُرَات الشَّرْقِي. وَيُقَال لَهَا الرقة البيضا وَهِي من الإقليم الرَّابِع. ووصفها ربيعَة الرقي بقوله:
(حبذا الرقة دَارا وبلد ... بلدٌ ساكنه مِمَّن تود)
(مَا رَأينَا بَلْدَة تعدلها ... لَا وَلَا أخبرنَا عَنْهَا أحد)
(إِنَّهَا بريةٌ بحريةٌ ... سورها بحرٌ وسورٌ فِي الجدد)
(يسمع الصلصل فِي أشجارها ... هدهد الْبر ومكاءٌ غرد)
(لم تضمن بلدةٌ مَا ضمنت ... من جمالٍ فِي قريشٍ وَأسد)
وَكَانَ بالجانب الغربي مَدِينَة أُخْرَى تعرف برقة وَاسِط كَانَ بهَا قصران لهشام ابْن عبد الْملك كَانَا على طَرِيق رصافة هِشَام. وأسفل من الرقة بفرسخ الرقة السَّوْدَاء: وَهِي قَرْيَة كَبِيرَة ذَات بساتين كَثِيرَة. والرقة أَيْضا:
стр. 2702
الْبُسْتَان الْمُقَابل للتاج من دَار الْخلَافَة بِبَغْدَاد وَهِي بالجانب الغربي وَهُوَ عظيمٌ جدا جليل الْقدر. وَأَطْنَبَ ياقوت فِي وصفهَا. قد تقدم بيتان هما من شَوَاهِد
(شتان مَا يومي على كورها ... وَيَوْم حَيَّان أخي جَابر)
وَهُوَ من قصيدةٍ للأعشى مَيْمُون قد شرحنا بعض أبياتها فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ. قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات أدب الْكتاب: حَيَّان وَجَابِر ابْنا عميرَة من بني حنيفَة وَكَانَ حَيَّان نديماً للأعشى. يَقُول: يومي على كور هَذِه النَّاقة بِالضَّمِّ وَهُوَ الرحل ويومي مَعَ حَيَّان أخي جَابر مُخْتَلِفَانِ لَا يستويان لِأَن أَحدهمَا يَوْم سفر وتعب وَالثَّانِي يَوْم لَهو وطرب.
رُوِيَ أَن حَيَّان كَانَ سيداً أفضل من أَخِيه جَابر فَلَمَّا أَضَافَهُ إِلَى جَابر غضب وَقَالَ: عَرفتنِي بأخي وَجَعَلته أشهر مني وَالله لَا نادمتك أبدا فَقَالَ لَهُ الْأَعْشَى: اضطرتني القافية فَلم يعذرهُ.)
انْتهى. وَقد غلط الأندلسي فِي شرح الْمفصل فَقَالَ: الْأَخ يُقَال لَهُ جَابر
стр. 2703
يَقُول: كُنَّا نشرب مَعَ جَابر. وَهَذَا غلطٌ ظَاهر يلْزم مِنْهُ أَن يكون حَيَّان وَجَابِر مبينين للْأَخ. وَهَذَا محَال. وَقَالَ الْخَوَارِزْمِيّ: يَقُول: كُنَّا نشرب ونتنعم مَعَ جَابر وَكَانَ فِيمَا يُقَال ملكا يخْتَص بحيان لِأَنَّهُ نديمه.
هَذَا كَلَامه. وَنَقله بعض فضلاء الْعَجم فِي أَبْيَات الْمفصل. وَهَذَا غير صَحِيح أَيْضا لِأَنَّهُ يصف حَيَّان وَيذكر عيشه مَعَه وَلم يكن يشرب مَعَ جَابر وَإِنَّمَا كَانَ نديمه حَيَّان.
وَقد وَقع فِي شعر حسان نَظِير مَا وَقع للأعشى من تَعْرِيف الْمَشْهُور بالخامل قَالَ فِي رثاء جَعْفَر أخي عَليّ بن أبي طَالب ﵄:
(بهاليل مِنْهُم جعفرٌ وَابْن أمه ... عليٌّ وَمِنْهُم أَحْمد المتخير)
البهاليل: جمع بهْلُول بِالضَّمِّ وَهُوَ السَّيِّد الوضيء الْوَجْه الطَّوِيل الْقَامَة. والمتخير: الْمُنْتَخب.
وَقَوله: مِنْهُم أَحْمد المتخير قد عابه بعض النَّاس لما أضَاف أَحْمد المتخير إِلَيْهِم وَلَيْسَ هَذَا بِعَيْب لِأَنَّهَا لَيست بِإِضَافَة تَعْرِيف وَإِنَّمَا هَذَا تعريفٌ لَهُم حَيْثُ كَانَ مِنْهُم. وَإِنَّمَا ظهر الْعَيْب فِي قَول أبي نواس من قصيدة مدح بهَا الْعَبَّاس بن عبيد الله بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور: ...
стр. 2704
(كَيفَ لَا يدينك من أملٍ ... من رَسُول الله من نفره)
لِأَنَّهُ ذكر وَاحِدًا وأضاف إِلَيْهِ فَصَارَ بِمَنْزِلَة مَا عيب على الْأَعْشَى. قَالَ السُّهيْلي فِي الرَّوْض الْأنف: وجدت فِي رسالةٍ لمهلهل بن يَمُوت بن المزرع قَالَ: قَالَ عَليّ بن الْأَصْغَر وَكَانَ من رُوَاة أبي نواس قَالَ: لما عمل أَبُو نواس:
(أَيهَا المنتاب عَن عفره ... لست من ليلى وَلَا من سمره)
أنشدنيها فَلَمَّا بلغ قَوْله: من رَسُول الله من نفره وَقع لي أَنه كلامٌ مستهجن فِي غير مَوْضِعه إِذا كَانَ حق رَسُول الله ﷺ َ أَن يُضَاف إِلَيْهِ وَلَا يُضَاف إِلَى أحد. فَقلت لَهُ: أعرفت عيب هَذَا الْبَيْت فَقَالَ: مَا يعِيبهُ إِلَّا جاهلٌ بِكَلَام الْعَرَب إِنَّمَا أردْت أَن رَسُول الله ﷺ َ من الْقَبِيل الَّذِي هَذَا الممدوح مِنْهُ أما سَمِعت قَول حسان بن ثَابت شَاعِر الْإِسْلَام: وَمِنْهُم أَحْمد المتخير وَأنْشد الْبَيْتَيْنِ.
وَرَأَيْت هَذِه الْحِكَايَة فِي آخر ديوَان أبي نواس فِي الْبَاب الْخَامِس عشر أوردهَا حَمْزَة بن الْحسن الْأَصْفَهَانِي فِيمَا دونه من شعر أبي نواس. وَأما الثَّانِي فَهُوَ:
(شتان هَذَا والعناق وَالنَّوْم ... وَالْمشْرَب الْبَارِد فِي ظلّ الدوم))
وَهُوَ للقيط بن زُرَارَة بن عدس بن تَمِيم ويكنى أَبَا دختنوس وَهِي بنته وَأَبا نهشلٍ أَيْضا وَأَخُوهُ حَاجِب بن زُرَارَة صَاحب الْقوس الَّتِي يُقَال لَهَا:
стр. 2705
قَوس حَاجِب. أنْشدهُ الْمبرد فِي المقتضب وأنشده: وَالْمشْرَب الدَّائِم فِي الظل الدوم جعل الْمبرد الْمصدر فِي هَذَا الْموضع مَوضِع الْوَصْف أَي: الدَّائِم. وَأنْشد غَيره: فِي ظلّ الدوم على الْإِضَافَة. والدوم: شجر الْمقل. وَهَذِه رِوَايَة أبي عُبَيْدَة. قَالَ الْأَصْمَعِي: قد أحَال ابْن الحائك لِأَنَّهُ لَيْسَ بنجدٍ دومٌ وَإِنَّمَا الرِّوَايَة: فِي الظل الدوم أَي: الدَّائِم. قَالَ الْخَوَارِزْمِيّ: من أنكر على من روى ظلّ الدوم قَالَ: أَي الظل يكون للدوم وَهُوَ شجر الْمقل. وَلَا يخفى أَن الْمُنكر هُوَ الْأَصْمَعِي وَإِنَّمَا أنكرهُ لِأَن الدوم لَيْسَ مِمَّا ينْبت فِي بِلَاد الشَّاعِر لَا لما ذكره وَأما شجر الْمقل فَلهُ ظلٌّ قطعا. وَقَوله: شتان هَذَا اسْم الْإِشَارَة راجعٌ إِلَى الْأَمر الَّذِي استصعبه الشَّاعِر من الْحَال. والعناق: المعانقة. وَالْمعْنَى افترق هَذَا أَي: مَا أَنا فِيهِ من التَّعَب والمعانقة وَالنَّوْم والراحة وَالْمَاء العذب فِي ظلّ هَذَا الشّجر أَو فِي الظل الدَّائِم.
وَقَبله:
(يَا قوم قد حرقتموني باللوم ... وَلم أقَاتل عَامِرًا قبل الْيَوْم)
وَقد أرخينا هُنَا عنان الْقَلَم فَجرى فِي ميدان الطروس فَأتى بِمَا يبهج النُّفُوس. وَقد بقيت أَشْيَاء تركناها خشيَة السَّآمَة واتقاء الْمَلَامَة كَالْكَلَامِ على تَثْنِيَة الْعلم فِي اليزيدين فَإِن ابْن جني قد حقق مَا يتَعَلَّق بِهِ فِي سر الصِّنَاعَة. وَإِن ظهر لنا موضعٌ يُنَاسِبه أوردناه فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
стр. 2706
وَأنْشد بعده
الشَّاهِد الْخَامِس وَالسِّتُّونَ بعد الأربعمائة وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: قَالَت لَهُ ريح الصِّبَا: قرقار على أَن الْأَكْثَرين قَالُوا: لم يَأْتِ اسْم فعل من الرباعي إِلَّا كلمتان إِحْدَاهمَا قرقار. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَأما مَا جَاءَ معدولاً عَن حَده من بَنَات الْأَرْبَعَة فَقَوله: قَالَت لَهُ ريح الصِّبَا: قرقار فَإِنَّمَا يُرِيد بذلك قَالَت لَهُ: قرقر بالرعد يَا سَحَاب. وَكَذَلِكَ عرعار وَهِي بِمَنْزِلَة قرقار وَهِي لعبة وَإِنَّمَا هِيَ من عرعرت. ونظيرها من الثَّلَاثَة. خراج أَي: اخْرُجُوا وَهِي لعبة أَيْضا.
انْتهى. قَالَ الأعلم: قرقار: اسْم لِقَوْلِك قرقر كَمَا أَن نزال اسْم لِقَوْلِك انْزِلْ.
وَحقّ هَذَا المعدول أَن يكون فِي بَاب الثلاثي خَاصَّة فَهُوَ على طَرِيق الشذوذ وَالْخُرُوج عَن النَّظَائِر. وصف سحاباً هبت لَهُ ريح الصِّبَا فألقحته وهيجت رعده فَكَأَنَّهُ قَالَت لَهُ: قرقر بالرعد أَي: صَوت.
والقرقرة: صَوت الْفَحْل من الْإِبِل. وَقد خُولِفَ سِيبَوَيْهٍ فِي حمل قرقار وعرعار على الْعدْل لخروجهما عَن الثلاثي الَّذِي هُوَ الْبَاب المطرد وَجعلا حِكَايَة للصوت المردد دون أَن يَكُونَا معدولين عَن شَيْء. انْتهى.
стр. 2707
أَقُول: الْمُخَالف هُوَ الْمبرد قَالَ: غلط سِيبَوَيْهٍ وَلم يَأْتِ فِي الْأَرْبَعَة معدول إِنَّمَا أَتَى فِي الثلاثي وَحده. وقرقار وعرعار حِكَايَة صَوت نَحْو: غاق غاق. قَالَ السيرافي: وَالْقَوْل مَا ذهب إِلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ لِأَن حِكَايَة الصَّوْت لَا يُخَالف فِيهَا أولٌ ثَانِيًا نَحْو: غاق غاق. وَقد يصرفون الْفِعْل من صَوت المكرر نَحْو: قرقرت من قار قار وعرعرت من عَار عَار يصيرون بِهِ إِلَى وزن الْفِعْل. فَلَمَّا خَالف اللَّفْظ الأول الثَّانِي علمنَا أَنه مَحْمُول على قرقر وعرعر لَا على حِكَايَة قار قار وعار عَار. انْتهى. وَقَالَ أَبُو حَيَّان فِي شرح التسهيل بعد مَا ذكر أَن الْمبرد غلطه: وَمِمَّا يُقَوي مَا ذهب إِلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ وجود مثل قرقار اسْم فعل فِي غير الْأَمر وَحكى ابْن كيسَان أَنه يُقَال: همهام محمحام وهجهاج وبحباح أَي: لم يبْق شَيْء. وَأنْشد: انْتهى. وَلم يذكر صَاحب الصِّحَاح إِلَّا همهام عَن اللحياني قَالَ: سَمِعت أَعْرَابِيًا من بني عَامر يَقُول: إِذا قيل لنا: أُبْقِي عنْدكُمْ شَيْء نقُول: همهام أَي: لم يبْق شَيْء. وانشد هَذَا الشّعْر.
وَزَاد الصَّاغَانِي فِي الْعباب على هَذِه الْأَلْفَاظ: دعداع وَقَالَ: قرقار بني على الْكسر وَهُوَ معدول وَالْعدْل فِي الرباعي عَزِيز كعرعار وهمهام وهجهاج وبحباح ودعداع.
قَالَ أَبُو النَّجْم)
يصف سحاباً: ...
стр. 2708
(حَتَّى إِذا كَانَ على مطار ... يمناه واليسرى على الثرثار)
(قَالَت لَهُ ريح الصِّبَا: قرقار ... تمري خلايا هزمٍ نثار)
(بَين مشاييع لَهُ درار ... فشق أَنهَارًا إِلَى أَنهَار)
ومطار بِنَجْد والثرثار بِبِلَاد الجزيرة. وَقَوله: قرقار أَي: قرقر بالرعد وصب ماءك وهات مَا عنْدك. وَمَعْنَاهُ ضَربته ريح الصِّبَا فدر لَهَا فَكَأَنَّهَا قَالَت لَهُ: صب ماءك. انْتهى. وَلم يُورد هُوَ من هَذِه الْأَلْفَاظ فِي كِتَابه إِلَّا بحباح بموحدتين ومهملتين قَالَ: قيل لبَعض بني عَامر أُبْقِي عنْدكُمْ شَيْء فَقَالَ: بحباح مَبْنِيا على الْكسر أَي: لم يبْق شَيْء. هَذَا كَلَامه. فَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَن لَا يذكر هَذِه الْأَلْفَاظ مَعَ قرقار لِئَلَّا يتَوَهَّم أَنَّهَا اسْم فعل أمرٍ معدول. وَلم يُورد الْجَوْهَرِي مَا أوردهُ مَعَ أَنه أَصله وَإِنَّمَا قَالَ: وَقَوْلهمْ قرقار بني على الْكسر وَهُوَ معدول وَلم يسمع الْعدْل من الرباعي إِلَّا فِي عرعار وقرقار. فَللَّه دره مَا أحسن صَنِيعه وَقَالَ الْأَصْمَعِي فِي كتاب الْإِبِل: قَالُوا قراقار وقرقار بِفَتْح الْقَاف كسرهَا وقرقر. وَأنْشد الْبَيْت. وَأوردهُ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى على أَنه من بَاب التَّمْثِيل والتخييل كَمَا فِي الْبَيْت.
стр. 2709
وَقَوله: حَتَّى إِذا كَانَ على مطار قَالَ أَبُو عبييد الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم: مطار بِضَم الْمِيم: وادٍ قرب الطَّائِف. وَأنْشد هَذِه الأبيات. وَقَالَ:
والثرثار بالجزيرة: ماءٌ مَعْرُوف وَقيل هُوَ قريب من تكريت. وَلم تخْتَلف الروَاة فِي هَذَا الْوَادي أَنه مطار بِضَم الْمِيم. فَأَما مطار بِفَتْحِهَا فموضع فِي ديار بني تَمِيم مؤنثٌ لَا ينْصَرف. وَقَالَ فِي الثَّنَاء الْمُثَلَّثَة: الثرثار: مَاء مَعْرُوف قبل تكريت. وَقَالَ الْهَمدَانِي: هُوَ نهرٌ يصب من الهرماس إِلَى دجلة. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: هُوَ بالجزيرة.
وَاسم كَانَ يمناه وَالضَّمِير للسحاب. وعلى مطار يُرِيد أَنه سَحَاب عَظِيم طرفه الْأَيْمن على مطار وطرفه الْأَيْسَر على الثرثار. وَجُمْلَة قَالَت لَهُ إِلَخ جَوَاب إِذا. وتمري: مضارع مريت النَّاقة مرياً إِذا مسحت ضرْعهَا لتدر. وفاعله ضمير الرّيح. والخلايا: جمع خلية بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة: النَّاقة تعطف مَعَ أُخْرَى على ولدٍ واحدٍ فتدران عَلَيْهِ ويتخلى أهل الْبَيْت بواحدةٍ يحلبونها. وَهزمَ بِفَتْح الْهَاء وَكسر الزَّاي الْمُعْجَمَة يُقَال: غيثٌ هزم أَي: متبعق لَا يسْتَمْسك.
ونثار: مُبَالغَة ناثر. وَبَين ظرفٌ للنثار. والمشاييع: جمع مشياع وَهُوَ الَّذِي يشيع السِّرّ استعير للسحاب الساكب. ودرار صفة لمشاييع وَهُوَ بِضَم الدَّال جمع دَار. يُقَال: نَاقَة دارٌّ بِدُونِ هَاء)
ونوق درار مثل كَافِر وكفار أَي: كَثِيرَة الدّرّ وَهُوَ اللَّبن.
стр. 2710
وَقَوله: فشق أَنهَارًا إِلَخ أَي: فشق مَاء ذَلِك السَّحَاب الأَرْض فصير فِيهَا أَنهَارًا جَارِيَة إِلَى أَنهَار. وَأنْشد الْجَوْهَرِي الْبَيْت الشَّاهِد من هَذَا الرجز مَعَ بيتٍ آخر مِنْهُ وَهُوَ: وَاخْتَلَطَ الْمَعْرُوف بالإنكار وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور فِي كتب النَّحْو. يُرِيد: قَالَت الرّيح للسحاب: قرقر بالرعد. وَلما كَانَ إنْشَاء السَّحَاب بِسَبَب الرّيح صَار كَأَن الرّيح قَالَت لَهُ: قرقر بالرعد.
والقرقرة: صَوت فَحل الْإِبِل.
والقرقرة: الهدير. وبعيرٌ قرقار الهدير إِذا كَانَ صافي الصَّوْت فِي هديره. وَقَوله: وَاخْتَلَطَ الْمَعْرُوف أَي: من صَوت الرَّعْد بالمنكر مِنْهُ. وَقيل: أَرَادَ أَن السَّحَاب أصَاب كل مَكَان مِمَّا يعرف وينكر أَي: عَم الْأَرَاضِي كلهَا أَو مِمَّا كَانَ مَعْرُوفا بِأَن يمطر وَمَا كَانَ مُنْكرا إمطاره. قَالَ ابْن الْأَعرَابِي فِي نوادره: مطرَت مَطَرا شَدِيدا فأنكرت مَا تعرف من آثَار الديار ومعالمها. وَقيل الْمَعْرُوف: الْمَطَر وَالْإِنْكَار: الْبَرْق والسيل والصاعقة. شبه الرّيح بالآمر والسحاب بالمأمور وقرقار بالمأمور بِهِ لِأَن الرّيح هِيَ الَّتِي تنشأ السَّحَاب وتسوقه وَلِهَذَا جعلت الرّيح كَأَنَّهَا قائلة لَهُ. كل ذَلِك على سَبِيل التَّمْثِيل. وترجمة أبي النَّجْم الْعجلِيّ وَهُوَ راجز إسلامي قد تقدّمت
стр. 2711
الشَّاهِد السَّادِس وَالسِّتُّونَ بعد الأربعمائة يَدْعُو وليدهم بهَا عرعار لما تقدم قبله. وَهَذَا عجزٌ وصدره:
متكنفي جَنْبي عكاظ كليهمَا يَعْنِي: يُقِيمُونَ فِي كنفي جَنْبي عكاظ. والكنف: النَّاحِيَة. وَهُوَ جمع مُذَكّر سَالم حذفت نونه للإضافة وَالْإِضَافَة لفظية. وعكاظ: سوقٌ قريبَة من مَكَّة كَانَت فِي الْجَاهِلِيَّة تُقَام وَقد شرحناها فِيمَا مضى وَهِي غير مصروفة للعلمية والتأنيث. وكليهما تَأْكِيد لقَوْله جَنْبي.
والوليد: الصَّبِي. وَضمير بهَا لعكاظ. عرعار: لعبة للصبيان إِذا خرج الصَّبِي من بَيته وَلم يجد أحدا يلاعبه رفع صَوته فَقَالَ: عرعار أَي: هلموا إِلَى العرعرة فَإِذا سمعُوا صَوته خَرجُوا ولعبوا مَعَه تِلْكَ اللعبة. قَالَ ابْن دُرَيْد فِي الجمهرة: سَمِعت عرعار الصّبيان إِذا سَمِعت اخْتِلَاط أَصْوَاتهم. وَقَالَ فِي الصِّحَاح: العرعرة: لعبة للصبيان. وعرعار بني على الْكسر وَهُوَ معدول عَن عرْعرة. وَالصَّحِيح كَمَا قَالَ الأعلم عرعار معدولة عَن قَوْلهم عرعر أَي: اجْتَمعُوا للعب كَمَا أَن خراج اسْم لعبةٍ لَهُم: معدول عَن قَوْلهم: اخْرُج. وَمعنى الْبَيْت أَنهم آمنون فِي إقامتهم هُنَاكَ لعزهم وكثرتهم
стр. 2712
وصبيانهم يَلْعَبُونَ بِهَذِهِ اللعبة لبطرهم ورفاهيتهم. وَنَحْوه قَول حسان: أَي: لَا يرحلون عَنهُ لعزهم وغناهم بِخِلَاف غَيرهم لابد لَهُ من الرحلة للانتجاع.
وَالْبَيْت آخر أبياتٍ تِسْعَة للنابغة الذبياني حذر بهَا عَمْرو بن الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء ملك الْحيرَة من أعدائه وهم قوم النَّابِغَة. أخبرهُ بِأَنَّهُم نزلُوا بعكاظ وهم كَثِيرُونَ ينتظرون وُقُوع الرّبيع فيرعونه ويحاربونه. وأولها:
(من مبلغٌ عَمْرو بن هِنْد آيَة ... وَمن النَّصِيحَة كَثْرَة الْإِنْذَار)
(لَا أعرفنك عارضاً لرماحنا ... فِي جف تغلب وَارِد الأمرار)
الجف بِضَم الْجِيم: الْعدَد الْكثير وَالْجَمَاعَة من النَّاس وَمِنْه قيل لبكر وَتَمِيم: الجفان لكثرتهما.
وتغلب: أَبُو قَبيلَة عَظِيمَة وَهُوَ تغلب بن وَائِل. والأمرار بِفَتْح الْهمزَة قَالَ صَاحب الصِّحَاح: هِيَ مياهٌ فِي الْبَادِيَة مرّة. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
(ومعلقون على الْجِيَاد حليها ... حَتَّى تصوب سماؤهم بقطار)
стр. 2713
الْحلِيّ بِفَتْح الْمُهْملَة وَكسر اللَّام: مَا تعتلفه الْخَيل إِذا يبس وَإِذا كَانَ رطبا أَخْضَر فَهُوَ نصي.)
وقطار بِالْكَسْرِ: جمع قطر. إِلَى أَن قَالَ:
(فيهم بَنَات العسجدي ولاحقٍ ... ورقٌ مراكلها من الْمِضْمَار)
عسجد ولاحق: فحلان من خيل غَنِي بن أعصر. والمركل كجعفر: مَوضِع عقب الْفَارِس.
يَقُول: تضمر خيلهم بالركوب فتقرع أَعْقَابهم مَوَاضِع المراكل فيتحات شعرهَا ثمَّ ينْبت بعد ذَلِك شعر أسود. وَلِهَذَا قَالَ: ورق لِأَنَّهُ إِذا نبت خرج يضْرب إِلَى الغبرة وَهِي الورقة.
(تشلى توابعها إِلَى ألافها ... خبب السبَاع الوله الْأَبْكَار)
متكنفي جَنْبي عكاظ كليهمَا ... ... ... ... . الْبَيْت الإشلاء: الدُّعَاء أشليته: دَعوته. يَعْنِي يَدعِي تَوَابِع من أَوْلَادهَا وَمن خيل أُخْرَى إِلَى مَا ألفته.
والوله: الَّتِي قد ولهت إِلَى أَوْلَادهَا. والأبكار: الَّتِي وضعت بَطنا وَتَكون الَّتِي لم تَلد قطّ. وَقَوله: متكنفي حَال من أَصْحَاب هَذِه الْخَيل. وَالْإِضَافَة لفظية وَلِهَذَا صحت الْحَال. وَلما بلغت هَذِه الأبيات عَمْرو بن هِنْد قَالَ:
(أبلغ زياداً أَن قَوْمك حَاربُوا ... فانهض إِلَيْنَا إِن قدرت بجار)
стр. 2714
.
(نجزيك إنذاراً بِمَا أنذرتنا ... وَذكرت عطف الود والإصهار)
وزيادٌ: اسْم النَّابِغَة. وَله قصيدةٌ على هَذَا الْوَزْن والروي مطْلعهَا:
(نبئت زرْعَة والسفاهة كاسمها ... يهدي إِلَيّ غرائب الْأَشْعَار)
وزرعة هُوَ ابْن عَمْرو بن خويلد أخي يزِيد بن عَمْرو بن الصَّعق الْكلابِي كَانَ هجاء للنابغة فَلَمَّا بلغ هجاؤه النَّابِغَة قَالَ هَذِه القصيدة يتوعده بالهجاء ومحاربته إِيَّاه مَعَ قومه ثمَّ وصف
(جمعٌ يظل بِهِ الفضاء معضلاً ... يذر الإكام كأنهن صحاري)
معضل اسْم فَاعل يَعْنِي غاصاً ضيقا. يُقَال: قد عضلت الْمَرْأَة بِوَلَدِهَا تعضيلاً إِذا تعسر عَلَيْهَا فنشب وَلم يخرج. وَلَيْسَ فِي هَذِه القصيدة الْبَيْت الشَّاهِد. وَزعم ابْن المستوفي فِي شرح أَبْيَات الْمفصل وَتَبعهُ جمَاعَة أَنه مِنْهَا. وَأورد مَعَه قَوْله: جمعٌ يظل بِهِ الفضاء معضلاً الْبَيْت مَعَ أَبْيَات أخر وَقَالَ: مدح بِهَذِهِ القصيدة بني غاضرة من بني أَسد.
стр. 2715
وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك كَمَا بَينا. وَسَيَأْتِي شرح بعض هَذِه القصيدة بعد شاهدٍ وَاحِد إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وترجمة النَّابِغَة الذبياني قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة. وَأنْشد بعده)
الشَّاهِد السَّابِع وَالسِّتُّونَ بعد الأربعمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(ولأنت أَشْجَع من أُسَامَة إِذْ ... دعيت نزال ولج فِي الذعر)
على أَن عبد الْقَادِر اسْتدلَّ على تَأْنِيث فعال الأمري بِمَا هُنَا فَإِن نزال: نَائِب فَاعل دعيت وَلَوْلَا أَنَّهَا مُؤَنّثَة مَا ألحق عَلامَة التَّأْنِيث للْفِعْل الْمسند إِلَيْهَا. وَفِيه مَا أوردهُ الشَّارِح الْمُحَقق. وَعبد القاهر مَسْبُوق بِمَا قَالَه. قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب مَا جَاءَ معدولاً عَن حَده من الْمُؤَنَّث: وَيُقَال: نزال أَي: أنزل. وَأنْشد الْبَيْت ثمَّ قَالَ: فالحد فِي جَمِيع هَذَا: افْعَل وَلكنه معدول عَن حَده وحرك آخِره لِأَنَّهُ لَا يكون بعد الْألف حرف سَاكن وحرك بِالْكَسْرِ لِأَن الْكسر مِمَّا يؤنث بِهِ. وَإِنَّمَا الكسرة من الْيَاء. انْتهى. وَقَالَ ابْن السراج فِي الْأُصُول: اعْلَم أَنه لَا يبْنى على مِثَال فعال من
стр. 2716
هَذَا الْبَاب على الْكسر إِلَّا وَهُوَ مؤنث معرفَة معدول عَن جِهَته وَإِنَّمَا بني على الْكسر لِأَن الْكسر مِمَّا يؤنث بِهِ تَقول للْمَرْأَة: أَنْت فعلت وَإنَّك فاعلة. وَكَانَ أصل هَذَا إِذا أردْت بِهِ الْأَمر السّكُون فحركته لالتقاء الساكنين فَجعلت الْحَرَكَة الكسرة للتأنيث وَذَلِكَ قَوْلك: نزالٍ وتراكٍ وَمَعْنَاهُ انْزِلْ واترك فهما معدولان عَن المتاركة والمنازلة. قَالَ الشَّاعِر تَصْدِيقًا لذَلِك:
( ... ... ... ... ... . إِذْ ... دعيت نزال ولج فِي الذعر)
فَقَالَ: دعيت لما ذكرت لَك من التَّأْنِيث. انْتهى. وَهَكَذَا قَالَ خدمَة كتاب سِيبَوَيْهٍ. وشراح شَوَاهِد الْجمل وَغَيرهم. قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي قَوْله: نزال وَهُوَ اسْم لقَوْله انْزِلْ وَدلّ على أَنه اسمٌ مؤنث دُخُول التَّاء فِي فعله وَهُوَ دعيت. وَإِنَّمَا أخبر عَنْهَا على طَرِيق الْحِكَايَة وَإِلَّا فالفعل وَمَا كَانَ اسْما لَهُ لَا يَنْبَغِي أَن يخبر عَنهُ. انْتهى. وَمثله فِي كَون نزال أُرِيد بِهِ لَفظه فَجعل نَائِب فَاعل قَول زيد الْخَيل الصَّحَابِيّ:
(وَقد علمت سَلامَة أَن سَيفي ... كريهٌ كلما دعيت نزال)
(فدعوا نزال فَكنت أول نازلٍ ... وعلام أركبه إِذا لم أنزل)
стр. 2717
وَمعنى دُعَاء الْأَبْطَال بَعضهم بَعْضًا بِهَذِهِ الْكَلِمَة: أَن الْحَرْب إِذا اشتدت بهم وتزاحموا فَلم يُمكنهُم التطاعن بِالرِّمَاحِ تداعوا بالنزول عَن الْخَيل والتضارب بِالسُّيُوفِ. وَمعنى لج فِي الذعر: تتَابع النَّاس فِي الْفَزع وَهُوَ من اللجاج فِي الشَّيْء وَهُوَ التَّمَادِي فِيهِ. وَقد تقدم شرح النزال مفصلا فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالْأَرْبَعِينَ بعد الثلثمائة. وَالشَّارِح الْمُحَقق قد تبع صَاحب الصِّحَاح فِي)
رِوَايَته الْبَيْت كَذَا فِي مَادَّة أسم وَهُوَ مركب من بَيْتَيْنِ فَإِن الْبَيْت الَّذِي فِيهِ دعيت نزال وَهُوَ لزهير بن أبي سلمى صَدره كَذَا:
(ولنعم حَشْو الدرْع أَنْت إِذا ... دعيت نزال ولج فِي الذعر)
وَقَوله:
ولأنت أَشْجَع من أُسَامَة إِذْ إِنَّمَا هُوَ صدرٌ من بَيت للمسيب بن علس وعجزه: نقع الصُّرَاخ ولج فِي الذعر وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ دعيت نزال. وَالْبَيْت الشَّاهِد كَمَا ذَكرْنَاهُ هُوَ رِوَايَة سِيبَوَيْهٍ وَسَائِر النَّحْوِيين.
وَبَيت
стр. 2718
الْمسيب ابْن علس على مَا رتبناه هُوَ رِوَايَة الجاحظ فِي كتاب الْبَيَان والتبيين. وَقد رَأَيْت الْبَيْتَيْنِ فِي ديوانيهما كَذَلِك. أما بَيت زُهَيْر فَهُوَ من قصيدةٍ مدح بهَا هرم بن سنانٍ المري. وَهَذِه أبياتٌ بعد ثَلَاثَة أَبْيَات من أَولهَا:
(دع ذَا وعد القَوْل فِي هرمٍ ... خير البداة وَسيد الْحَضَر)
(تالله قد علمت سراة بني ... ذبيان عَام الْحَبْس والأصر)
(إِن نعم معترك الجياع إِذا ... خب السفير وسابئ الْخمر)
(ولنعم حَشْو الدرْع أَنْت إِذا ... دعيت نزال ولج فِي الذعر)
(ولنعم مأوى الْقَوْم قد علمُوا ... إِن عضهم جلٌّ من الْأَمر)
(ولنعم كَافِي من كفيت وَمن ... تحمل لَهُ تحمل على ظهر)
(حامي الذمار على مُحَافظَة ال ... جلى أَمِين مغيب الصَّدْر)
(حدبٌ على الْمولى الضريك إِذا ... نابت عَلَيْهِ نَوَائِب الدَّهْر)
стр. 2719
(عظمت دسيعته وفضله ... جز النواصي من بني بدر)
(أَيَّام ذبيانٌ مراغمةٌ ... فِي حربها ودماؤها تجْرِي)
(ومرهق النيرَان يطعم فِي ال ... لأواء غير ملعن الْقدر)
(ويقيك مَا وقِي الأكارم من ... حوبٍ تسب بِهِ وَمن غدر)
(متصرفٍ للمجد معترفٍ ... للنائبات يراح للذّكر)
(جلدٍ يحث على الْجَمِيع إِذا ... كره الظنون جَوَامِع الْأَمر))
(ولأنت تفري مَا خلقت وبع ... ض الْقَوْم يخلق ثمَّ لَا يفري)
(ولأنت أَشْجَع حِين تتجه ال ... أبطال من ليثٍ أبي أجر)
...
стр. 2720
(يصطاد أحدان الرِّجَال فَمَا ... تنفك أجريه على ذخر)
(والستر دون الفاحشات وَمَا ... يلقاك دون الْخَيْر من ستر)
(أثني عَلَيْك بِمَا علمت وَمَا ... أسلفت فِي النجدات وَالذكر)
قَوْله: وعد القَوْل فِي هرم وَهُوَ بِفَتْح الْهَاء وَكسر الرَّاء أحد الأجواد فِي الْجَاهِلِيَّة من بني مرّة.
أَي: دع مَا أَنْت فِيهِ من وصف الديار وعد القَوْل أَي:
اصرفه إِلَى مدح هرم. والبداة: جمع باد. والحضر: جمع حَاضر كصحب جمع صَاحب. وَقَوله: تالله قد علمت إِلَخ السراة: جمع سريٍّ وَهُوَ الْكَرِيم. وَالْحَبْس والأصر وَالْأَزَلُ بِفَتْح الْهمزَة وَاحِد وَهُوَ أَن يحدق الْعَدو بالقوم فيحبسوا أَمْوَالهم وَلَا يخرجوها إِلَى الرَّعْي خشيَة أَن يغار عَلَيْهَا. والأصر: الضّيق أَيْضا وَسُوء الْحَال. وَقَوله: أَن نعم معترك إِلَخ أَن بِفَتْح الْهمزَة مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة مؤولة مَعَ مدخولها بمصدر سادة مسد مفعولي علمت. ومترك: فَاعل نعم والمخصوص مَحْذُوف وَهُوَ اسْم مَكَان أَي: نعم مَوضِع ازدحام الْفُقَرَاء أَنْت. وَأَصله فِي الْحَرْب فاستعاره هُنَا. وخب السفير أَي: أسْرع وطار مَعَ الرّيح. والسفير: مَا جف من الْوَرق وَسقط وَذَلِكَ فِي شدَّة الْبرد وقحط الزَّمَان.
стр. 2721
وسابئ: معطوفٌ على مترك وَهُوَ مَهْمُوز الآخر اسْم فَاعل من سبأ الْخمر إِذا اشْتَرَاهَا وَإِنَّمَا وَصفه بسباء الْخمر فِي شدَّة الزَّمَان ليدل على كرمه وتناهي جوده فَلَا تَمنعهُ شدَّة الزَّمَان من إِنْفَاق مَاله. وَقَوله: ولنعم حَشْو الدرْع إِلَخ جعل لابس الدرْع حَشْوًا لَهَا لاشتمالها عَلَيْهِ كَمَا يشْتَمل الْإِنَاء على مَا فِيهِ. وَهُوَ الْعَامِل فِي إِذا لِأَنَّهُ بِمَعْنى لابس وَقيل: مُتَعَلق بنعم لما فِيهِ من معنى الثَّنَاء كَمَا فِيمَا قبله. والجل بِالضَّمِّ: الْحَادِث الْعَظِيم كالجلى. وَقَوله: على ظهر أَي: ظهر حمولٍ قوي. والذمار: مَا يجب عَلَيْهِ أَن يحميه من حرمه. والجلى: النائبة الجليلة وَجَمعهَا جلل وَقيل هُنَا بِمَعْنى: جمَاعَة الْعَشِيرَة. وَقَوله: أَمِين مغيب الصَّدْر أَي: لَا يضمر إِلَّا الْجَمِيل وَلَا ينطوي إِلَّا على الْوَفَاء وَالْخَيْر وَحفظ السِّرّ فَهُوَ مأمونٌ على مَا غَابَ فِي صَدره.
والحدب: المتعطف المشفق. وَالْمولى: ابْن الْعم. والضريك: الْفَقِير والمحتاج. والدسيعة: الْعَطِيَّة الجزيلة.
وجز الناصية تكون فِي الْأَسير إِذا أنعم عَلَيْهِ وَأطلق جزت ناصيته وَأخذت للافتخار.
وراغمهم: نابذهم وهجرهم وعاداهم. وَقَوله: ومرهق النيرَان أَي: تغشى ناره يُقَال: رهقت)
الرجل إِذا غَشيته وأحطت بِهِ والمشدد للتكثير. يصف أَنه يُوقد النَّار بِاللَّيْلِ للطبخ وإطعام النَّاس وليعشو إِلَيْهَا الضَّيْف والغريب. وَكَثْرَة النيرَان للإخبار عَن سَعَة مَعْرُوفَة. والأواء: شدَّة الزَّمَان والقحط. وَقَوله: غير ملعن الْقدر أَي: لَا يُؤْكَل مَا فِيهَا دون الضَّيْف وَالْجَار واليتيم والمسكين فَهُوَ مَحْمُود الْقدر لَا مذمومها. وأوقع اللَّعْن على الْقدر مجَازًا وَهُوَ يُرِيد صَاحبهَا.
стр. 2722
وَقَوله: ويقيك مَا وقِي الأكارم إِلَخ وقِي بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول. وَالْحوب: الْإِثْم أَي: إِن الأكارم وقوا أَن يسبوا فيقيك ذَلِك أَنْت أَيْضا أَي: إِنَّه لَا يغدر وَلَا يسب فبأتي بإثم. وَرُوِيَ: مَا وقى الأكارم بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل وَنصب الأكارم. وَقَوله: وَإِذا برزت بِهِ أَي: برزت إِلَيْهِ يَعْنِي: إِذا صرت إِلَيْهِ صرت إِلَى رجل وَاسع الْخلق طيب الْخَبَر. وَقَوله: متصرف للمجد إِلَخ أَي: يتَصَرَّف فِي كل بَاب من الْخَيْر لِاكْتِسَابِ الْمجد. والمعترف: الصابر أَي: يصبر لما نابه من الْأَمر ويحتمله. وَقَوله: يراح أَي: يخْش ويخف ويطرب لِأَن يفعل فعلا كَرِيمًا يذكر بِهِ ويمدح من أَجله.
وَقَوله: جلد يحث إِلَخ أَي: قوي الْعَزْم مُجْتَهد فِيمَا ينفع الْعَشِيرَة من التآلف والاجتماع فَهُوَ يحث على ذَلِك وَيَدْعُو إِلَيْهِ إِذا كره الظنون الِاجْتِمَاع والتآلف لما يلْزمه عِنْد ذَلِك من الْمُشَاركَة والمواساة بِمَالِه وَنَفسه.
والظنون: الَّذِي لَا يوثق بِمَا عِنْده لما علم من قلَّة خَيره. وجوامع الْأَمر: مَا يجمع النَّاس فِي شَأْنهمْ. وَقَوله: ولأنت تفري إِلَخ هَذَا مثلٌ ضربه. والخالق: الَّذِي يقدر الْأَدِيم ويهيئه لِأَن يقطعهُ ويخرزه. والفري: الْقطع. وَالْمعْنَى: إِنَّك إِذا تهيأت لأمرٍ مضيت لَهُ وأنفذته وَلم تعجز عَنهُ وَبَعض الْقَوْم يقدر الْأَمر ويتهيأ لَهُ ثمَّ لَا يعزم عَلَيْهِ وَلَا يمضيه عَجزا وَضعف همة. قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي أدب الْكتاب: فرى الْأَدِيم: قطعه على جِهَة الْإِصْلَاح وأفراه: قطعه على جِهَة الْإِفْسَاد.
وَقَالَ
стр. 2723
ابْن السَّيِّد: هَذَا قَول جُمْهُور اللغويين وَقد وجدنَا فرى مُسْتَعْملا فِي الْقطع على جِهَة الْإِفْسَاد قَالَ الشَّاعِر:
(فرى نائبات الدَّهْر بيني وَبَينهَا ... وَصرف اللَّيَالِي مثل مَا فري الْبرد)
وَحكى أَبُو عبيد فِي الْغَرِيب المُصَنّف عَن الْأَصْمَعِي: أفريت: شققت وفريت بِمَعْنى وفريت إِذا كنت تقطع للإصلاح. انْتهى. وَقَوله: ولأنت أَشْجَع إِلَخ تتجه: يواجه بَعضهم بَعْضًا فِي الْحَرْب. وَالْأَجْر ي جمع جرو مثل الْجِيم وَهُوَ ولد الْأسد وَغَيره. وَإِنَّمَا جعل اللَّيْث ذَا أَوْلَاد لِأَن ذَلِك أجرا لَهُ وأعدى على مَا يُريدهُ لاحتياج أَوْلَاده إِلَى مَا تتغذى بِهِ. وَقَوله: يصطاد أحدان إِلَخ جمع وَاحِد والهمزة بدل من وَاو أَي: يصطاد الرِّجَال وَاحِدًا بعد الآخر فَلَا يزَال عِنْده مَا)
يدخره لما بعد الْيَوْم. وَمثله فِي وصف جروي أسدٍ:
(مَا مر يومٌ إِلَّا وَعِنْدَهُمَا ... لحم رجالٍ أَو يولغان دَمًا)
وَقَوله: والستر دون الفاحشات إِلَخ أَي: بَينه وَبَين الفاحشات سترٌ من الْحيَاء وتقى الله وَلَا ستر بَينه وَبَين الْخَيْر يَحْجُبهُ عَنهُ. وَحكي أَن عمر بن الْخطاب ﵁ لما سَمعه قَالَ: ذَلِك رَسُول الله ﷺ َ.
стр. 2724
وَقَوله: أثني عَلَيْك إِلَخ أَي: بِمَا علمت من أَمرك وشاهدت من جودك. وَمَا أسلفت أَي: مَا قدمت فِي الشدائد. والنجدة: الشدَّة والبأس.
وَالذكر: مَا يذكر بِهِ من الْفضل. وترجمة زُهَيْر بن أبي سلمى تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة. وَأما بَيت الْمسيب بن علس فَهُوَ من قصيدةٍ أَيْضا مدح بهَا قيس بن معديكرب الْكِنْدِيّ تقدم شرح بَعْضهَا فِي الشَّاهِد الثَّانِي بعد الْمِائَتَيْنِ وَرويت لِابْنِ أُخْته الْأَعْشَى مَيْمُون وَهِي ثَابِتَة فِي ديوانه أَيْضا فَيكون الْمسيب بن علس خَال الْأَعْشَى. وَهَذِه أبياتٌ مِنْهَا:
(وَإِلَيْك أعملت المطية من ... سهل الْعرَاق وَأَنت بالقفر)
(أَنْت الرئيس إِذا هم نزلُوا ... وتوجهوا كالأسد والنمر)
(أَو فَارس اليحموم يتبعهُم ... كالطلق يتبع لَيْلَة البهر)
(ولأنت أَشْجَع من أُسَامَة إِذْ ... نقع الصُّرَاخ ولج فِي الذعر)
...
стр. 2725
(وَأَنت أَجود بالعطاء من ال ... رَيَّان لما ضن بالقطر)
(ولأنت أَحْيَا من مخباة ... عذراء تقطن جَانب الْكسر)
(ولأنت أبين حِين تنطق من ... لُقْمَان لما عي بِالْأَمر)
(لَو كنت من شيءٍ سوى بشرٍ ... كنت الْمنور لَيْلَة الْقدر)
وَفَارِس اليحموم هُوَ النُّعْمَان بن الْمُنْذر ملك الْحيرَة. واليحموم: اسْم فرسه. والطلق: اللَّيْلَة الَّتِي لَا حر فِيهَا وَلَا برد. وَلَيْلَة البهر: لَيْلَة الْبَدْر حِين بهر النُّجُوم. وَفِي الْقَامُوس: أُسَامَة بِالضَّمِّ معرفَة: علم الْأسد. والأسامة لُغَة فِيهِ. والصراخ بِالضَّمِّ: الصَّوْت الشَّديد يكون للاستغاثة وَغَيرهَا.
والريان قَالَ ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ: جبل بِبِلَاد طَيء لَا يزَال يسيل مِنْهُ المَاء وَضم بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول أَي: بخل. وتقطن بِالْقَافِ أَي: تسكن. وَالْكَسْر بِكَسْر الْكَاف: الشقة السُّفْلى من الخباء. ولقمان هُوَ كَمَا قَالَ الجاحظ فِي كتاب الْبَيَان والتبيين: هُوَ لُقْمَان ابْن عَاد الْأَكْبَر وَكَانَت الْعَرَب تعظم شَأْنه فِي النباهة وَالْقدر وَفِي الْعلم وَفِي الحكم وَفِي اللِّسَان وَفِي الْحلم. وَهُوَ غير)
لُقْمَان الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن.
стр. 2726
وترجمة الْمسيب بن علس تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة
. وَأنْشد بعده الشَّاهِد الثَّامِن وَالسِّتُّونَ بعد الأربعمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(أَنا اقْتَسَمْنَا خطتينا بَيْننَا ... فَحملت برة واحتملت فجار)
على أَن فجار مصدر معرفَة مؤنث. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَأما مَا جَاءَ اسْما للمصدر كَقَوْل النَّابِغَة: فَحملت برة واحتملت فجار
(فَقَالَ: امكثي حَتَّى يسَار لَعَلَّنَا ... نحج مَعًا قَالَت: أعاماً وقابله)
فَهِيَ معدولة عَن الميسرة فَأجرى هَذَا الْبَاب مجْرى الَّذِي قبله لِأَنَّهُ عدل كَمَا عدل وَلِأَنَّهُ مؤنث بِمَنْزِلَتِهِ. اه. قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي فجار وَهُوَ اسْم للفجرة معدول عَن مؤنث
стр. 2727
كَأَنَّهُ عدل عَن الفجرة بعد أَن سمي بهَا الْفُجُور كَمَا سمي الْبر: برة وَلَو عدلها لقَالَ: برار كَمَا قَالَ فجار. اه.
قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق: لم يقم لي إِلَى الْآن دليلٌ قَاطع على تَعْرِيفه وَلَا تأنيثه إِلَى آخر مَا حَقَّقَهُ وأجاد فِيهِ الْبَحْث ودققه.
وَمثله لناظر الْجَيْش فِي شرح التسهيل قَالَ: وَمَا ذكره المُصَنّف من أَن مَا كَانَ من أَسمَاء الْأَفْعَال على فعال مَحْكُوم بتأنيثه كَأَنَّهُ أَمر مجمع عَلَيْهِ من النُّحَاة. وَهُوَ أَمر يُؤْخَذ تقليداً. وَقَالَ فِي بَاب منع الصّرْف أَيْضا: وَأما قَوْله وَكلهَا معدول عَن مؤنث فَهُوَ أَمر كالمجمع عَلَيْهِ عِنْد النُّحَاة وَلَكِن يتَعَيَّن التَّعَرُّض لبَيَان المعدول عَنهُ فِي كل من الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة. أما الصّفة المختصة بالنداء فَالظَّاهِر أَن فساق معدولٌ عَن فاسقه لقصد الْمُبَالغَة فِي الذَّم. وَأما الصّفة الْجَارِيَة مجْرى الْأَعْلَام فَذكرُوا أَنَّهَا معدولة عَن صِفَات غلبت فاستعملت أَسمَاء كنابغة فِي قَوْله: ونابغة الْجَعْدِي فِي الرمل بَيته فنابغة: نعتٌ فِي الأَصْل إِلَّا أَنه غلب حَتَّى صَار اسْما. قَالُوا: وَكَذَلِكَ لَا يجوز أَن تتبع مَوْصُوفا. وَلَا يخفى أَن الْغَلَبَة لَا تكون عدلا لِأَن الْعدْل عبارَة عَن تَبْدِيل لفظ بِلَفْظ للدلالة على الْمُبَالغَة فِي ذَلِك الْمَعْنى الَّذِي أَفَادَهُ اللَّفْظ المعدول عَنهُ. وَلم يتَحَقَّق لي وَجه الْعدْل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة. وَأما الْمصدر فَقَالُوا: هُوَ معدول عَن مصدر مؤنث معرفَة وَإِن كَانُوا لم
стр. 2728
يستعملوا فِي كَلَامهم ذَلِك الْمصدر للمعرفة المؤنثة الَّذِي عدل عَنهُ. وَيفهم من هَذَا أَنه عدلٌ تقديريٌّ لَا تحقيقي. وَأما الْحَال فَقَالَ: إِنَّه عدلٌ عَن مصدر مؤنث معرفَة. وَقد فسر سِيبَوَيْهٍ بداد بقوله:)
بداداً. وَلَيْسَ هَذَا بعدلٍ لِأَنَّهُ نكرَة وَإِنَّمَا هِيَ معدولة عَن البدة أَو المبادة وَهَذَا أَيْضا عدل تقديري.
وَأما اسْم الْفِعْل فَلم يذكرُوا مَاذَا عدل مِنْهُ وَلم يتَحَقَّق لي وَجه الْعدْل فِيهِ. وَالْعجب أَنهم يجْعَلُونَ اسْم الْفِعْل أصلا فِي الْعدْل والتأنيث. وَمَا بَرحت أتطلب بَيَان مَا عدل عَنهُ نزال وَبَيَان كَونه مؤنثاً وَلم أَقف من كَلَامهم على مَا يُوضح لي ذَلِك. وَالَّذِي يظْهر أَن القَوْل بِالْعَدْلِ والتأنيث فِي نزال لَيْسَ على وَجه التَّحْقِيق بل على وَجه التَّقْدِير. وَقَالَ صَاحب الإفصاح: نزال عِنْد سِيبَوَيْهٍ علمٌ على الْمَعْنى كسبحان وَمثله حلاق وجماد فِي اسْم الْمنية وَالسّنة المجدبة.
وَقد يكون هَذَا الْعدْل علما على الشَّخْص كحذام. وَيرى سِيبَوَيْهٍ أَن هَذِه الْأَشْيَاء بنيت حملا على نزال ونزال بني حملا على الْفِعْل. اه. وَيظْهر من كَلَامه أَن الْعدْل فِي هَذِه الْأُمُور إِنَّمَا هُوَ تقديريٌّ. وَأما قَوْله إِن نزال عِنْد سِيبَوَيْهٍ علم فَلم يَتَّضِح لي كَونه علما. انْتهى مَا أوردهُ نَاظر الْجَيْش بِاخْتِصَار. وَاسْتدلَّ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل للتأنيث بشيئين ضعيفين قَالَ: أَرَادَ بفجار الغدرة. وَتسَمى الغدرة فجار كَمَا تسمى الْمَرْأَة حذام. فَإِن قلت: لما لم جعلته للغدرة المؤنثة دون أَن تَجْعَلهُ اسْما للغدر وَمَا دليلك على هَذِه الدَّعْوَى قُلْنَا: على ذَلِك دليلان: أَحدهمَا: أَن فعال
стр. 2729
المعدول لَا يعدل إِلَّا عَن مؤنث أَلا ترَاهُ قد قَالَ دعيت نزال وَلَيْسَ هَذَا فِي بَيت زُهَيْر وَحده بل هُوَ مطرد فِي فعال حَيْثُمَا وَقعت. وَالثَّانِي: أَن النَّابِغَة سمى الْوَفَاء برة وَهُوَ يُرِيد الْبر وَكَذَلِكَ سمى الْغدر فجار وَهُوَ يُرِيد الْفُجُور. انْتهى. وَقَالَ اللَّخْمِيّ: فجار اسمٌ للفجور وَهُوَ معدول عَن مؤنث كَأَنَّهُ عدل عَن الفجرة وَهُوَ مصدر بعد أَن سمى بهَا الْفُجُور كَمَا سمى الْبر: برة. هَذَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَحكى غَيره أَنه معدول عَن صفة غالبة وَدَلِيل ذَلِك أَنه قَالَ: فَحملت برة واحتملت فجار
فَجَعلهَا نقيض برة وبرة صفة كَأَنَّهُ قَالَ: حملت الْخصْلَة الْبرة وحملت الْخصْلَة الْفَاجِرَة كَمَا تَقول: الْخصْلَة القبيحة والحسنة فهما صفتان. اه. وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ هُوَ مَذْهَب السيرافي كَمَا نَقله الشَّارِح عَنهُ. وَزَاد ابْن جني فِي الطنبور نَغمَة فَزعم أَن فجار معدولةٌ عَن فجرة علما بِدُونِ أل قَالَ فِي بَاب التَّفْسِير على الْمَعْنى دون اللَّفْظ من كتاب الخصائص: اعْلَم أَن هَذَا موضعٌ قد أتعب كثيرا من النَّاس واستهواهم ودعاهم من سوء الرَّأْي وَفَسَاد الِاعْتِقَاد إِلَى مَا مذلوا بِهِ وتتايعوا فِيهِ حَتَّى إِن أَكثر مَا ترى من هَذِه الآراء الْمُخْتَلفَة والأقوال المستشنعة إِنَّمَا دَعَا إِلَيْهَا)
الْقَائِلين بهَا تعلقهم بظواهر هَذِه الْأَمَاكِن دون أَن يبحثوا عَن سر مَعَانِيهَا ومعاقد أغراضها. فَمن ذَلِك قَول سِيبَوَيْهٍ فِي بَيت النَّابِغَة: إِن فجار معدولةٌ عَن الفجرة وَإِنَّمَا غَرَضه إِنَّهَا معدولة عَن فجرة علما معرفَة على ذَا يدل هَذَا الْموضع. ويقويه وُرُود برة مَعَه فِي الْبَيْت وَهِي كَمَا ترى علم لكنه
стр. 2730
فسر على الْمَعْنى دون اللَّفْظ. وسوغه أَنه لما أَرَادَ تَعْرِيف الْكَلِمَة المعدولة عَنْهَا مثل ذَلِك بِمَا يعرف بِاللَّامِ لِأَنَّهُ لفظ مُعْتَاد وَترك لفظ فجرة لِأَنَّهُ لَا يعْتَاد ذَلِك علما وَإِنَّمَا يعْتَاد نكرَة من جِنْسهَا نَحْو: فجرت فجرةً كَقَوْلِك: تجرت تجرةً. وَلَو عدلت برة على هَذَا الْحَد لوَجَبَ أَن يُقَال: برار كفجار. اه. وَقد أَخذ الشاطبي هَذَا الْكَلَام فزاده تنويراً فِي شرح الألفية عِنْد قَول ناظمها:
(وَمثله برة للمبره ... كَذَا فجار علم للفجره)
قَالَ: وَمن علم الْجِنْس للمعنى: فجار وَهُوَ علم الْفُجُور ومعدول عَن فجرة علما لَا عَن الفجرة فَإِنَّهُ من بَاب حذام المعدول عَن علم مثله. فَقَوْل سِيبَوَيْهٍ: إِن فجار معدولٌ عَن الفجرة تجوز. كَذَا قَالَ ابْن جني والمحققون. وأل فِي الفجرة فِي كَلَام النَّاظِم لَا إِشْكَال فِيهَا إِذْ لم يرد الْعلم كَمَا أَرَادَ سِيبَوَيْهٍ وَإِنَّمَا مُرَاده الْجِنْس الَّذِي هُوَ مُطلق الْفُجُور. وَمثل هذَيْن المثالين فينة فِي قَوْلهم: مَا أَلْقَاهُ إِلَّا فينةً أَي: فِي الندرة. قَالَ ابْن جني: هُوَ علم لهَذَا الْمَعْنى. وَمِنْه حَمَّاد للمحمدة ويسار للميسرة. وَأَشَارَ النَّاظِم بمثالي برة وفجار إِلَى بَيت النَّابِغَة. وَفِي عِبَارَته شيءٌ وَهُوَ أَن الفجرة هِيَ الْمرة الْوَاحِدَة من الْفُجُور وَمَعْلُوم أَن فجار لَيْسَ علما لجنس الْمرة الْوَاحِدَة فَإِن أهل اللُّغَة
стр. 2731
لم ينقلوا إِلَّا أَنه علم للفجور الْمُطلق وَلَا يَصح أَن يُرِيد أَن فجار اسْم جنس للفجرة المعدول هُوَ عَنهُ إِذْ لم يَقُولُوا ذَلِك وَلَا يَصح فِي نَفسه. فَثَبت أَن قَوْله: فجار علم للفجرة مُشكل.
وَالْجَوَاب أَن إِتْيَانه بالفجرة مقصودٌ لَهُ وَذَلِكَ أَن الْقَاعِدَة فِي فعال أَنه مؤنث ومعدولٌ عَن مؤنث.
وَقد بَين ذَلِك سِيبَوَيْهٍ فِي أَبْوَاب مَا لَا ينْصَرف غَايَة الْبَيَان حَتَّى إِنَّه قدر مَا لم يسْتَعْمل مؤنثاً كَأَنَّهُ اسْتعْمل كَذَلِك ثمَّ جعل فعال معدولاً عَنهُ. وَإِذا كَانَ كَذَلِك فالاسم المعدول عَنهُ وَهُوَ الْعلم الْمُقدر اسْم لجنسٍ مؤنث إِذْ لَا بُد من مطابقته لَهُ فِي التَّأْنِيث وَلذَلِك قَالَ: وَمثله برة للمبرة وَلم يقل للبر وَنَحْوه. وَالْحَاصِل أَن النَّاظِم نبه بمثال الفجرة على أَن فعال علم لاسم الْجِنْس الْمُؤَنَّث فَإِن كَانَ مُسْتَعْملا فَذَاك وَإِلَّا قدر لَهُ اسْم مؤنث. وَهَذِه قاعدةٌ مَحل بَيَانهَا بَاب مَا لَا ينْصَرف.
انْتهى كَلَامه بِاخْتِصَار يسير. وَهَذَا كُله لَا يدْفع مَا أوردهُ الشَّارِح الْمُحَقق. وَالْبَيْت من قصيدةٍ)
للنابغة الذبياني هدد بهَا زرْعَة بن عَمْرو الْكلابِي وَكَانَ زُرَارَة لَقِي النَّابِغَة بعكاظ وَأَشَارَ عَلَيْهِ أَن يُشِير على قومه أَن يغدروا بني أَسد
وينقضوا حلفهم فَأبى عَلَيْهِ النَّابِغَة وَجعل خطته الَّذِي التزمها من الْوَفَاء برة وخطة زرْعَة لما دَعَاهُ إِلَيْهِ من الْغدر وَنقض الْحلف فاجرة. وَبلغ النَّابِغَة أَن زرْعَة هجاه وتوعده فَقَالَ النَّابِغَة وَهَذَا أول القصيدة عِنْد أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ والأصمعي: ...
стр. 2732
(نبأت زرْعَة والسفاهة كاسمها ... يهدي إِلَيّ غرائب الْأَشْعَار)
(فَحَلَفت يَا زرْعَة بن عمرٍ وإِنَّنِي ... مِمَّا يشق على الْعَدو ضراري)
(أعلمت يَوْم عكاظ حِين لقيتني ... تَحت الْغُبَار فَمَا خططت غباري)
(أَنا اقْتَسَمْنَا خطتينا بَيْننَا ... فَحملت برة واحتملت فجار)
(فلتأتينك قصائدٌ وليدفعن ... ألفٌ إِلَيْك قوادم الأكوار)
(رَهْط ابْن كوزٍ محقبو أدراعهم ... فيهم ورهط ربيعَة بن حذار)
(ولرهط حرابٍ وقدٍّ سورةٌ ... فِي الْمجد لَيْسَ غرابها بمطار)
(وَبَنُو قعينٍ لَا محَالة أَنهم ... آتوك غير مقلمي الأظافر)
(سهكين من صدأ الْحَدِيد كَأَنَّهُمْ ... تَحت السنور جنَّة البقار)
(وَبَنُو سواءة زائروك بوفدهم ... جيشٌ يقودهم أَبُو المظفار)
...
стр. 2733
(وَبَنُو جذيمة حَيّ صدقٍ سادةٌ ... غلبوا على خبتٍ إِلَى تعشار)
(جمعٌ يظل بِهِ الفضاء معضلاً ... يذر الإكام كأنهن صحار)
وَقَالَ فِي آخرهَا:
(حَولي بَنو دودان لَا يعصونني ... وَبَنُو بغيضٍ كلهم أَنْصَارِي)
وَقَوله: نبئت زرْعَة إِلَخ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَالتَّاء نَائِب فَاعل وزرعة مفعول ثَان وَجُمْلَة: يهدي إِلَخ فِي مَوضِع الْمَفْعُول الثَّالِث. وَقَوله: والسفاهة كاسمها اعْتِرَاض أَي: فعل السفاهة قَبِيح وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَن السفاهة كَمَا تنكرهَا الْقُلُوب والعقول تمج الآذان اسْمهَا. فَإِن قلت: مَا اسْم السفاهة حَتَّى قَالَ: كاسمها قلت: أَرَادَ مَا سمي سفاهة. أَي: الْمُسَمّى بِهَذَا الِاسْم قبيحٌ كَمَا أَن الِاسْم الَّذِي هُوَ السَّفه قَبِيح إِلَّا أَنه لما لم يجد إِلَى الْعبارَة عَن الذَّات طَرِيقا إِلَّا باسمه قَالَ: والسفاهة كاسمها. كَذَا قَالَ الإِمَام المرزوقي. وَقَوله: يهدي إِلَيّ غرائب الْأَشْعَار إِلَخ يَعْنِي أَنه)
غير مَشْهُور فالشعر من قبله غَرِيب إِذْ لَيْسَ من أربابه. قَوْله: فَحَلَفت يَا زرع إِلَخ جملَة: إِنَّنِي إِلَخ جَوَاب الْقسم والضرار
стр. 2734
بِالْكَسْرِ: الدنو من الشَّيْء واللصوق بِهِ يَقُول: أَنا قويٌّ عَزِيز فالعدو يكره مجاورتي لَهُ. وَقَوله: أعلمت إِلَخ الِاسْتِفْهَام تقريريٌّ. وروى: أنسيت يَوْم وخططت بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة: شققت يُقَال: مَا خطّ غباره أَي: لم يدن مِنْهُ وَلم يتَعَلَّق بِهِ. وَقَوله: أَنا اقْتَسَمْنَا إِلَخ بِفَتْح همزَة أَنا لِأَنَّهَا مَعَ معموليها فِي تَأْوِيل مصدر سادٍّ مسد مفعولي علمت هَذِه وَرَايَة أبي عَمْرو. وروى الْأَصْمَعِي: يَوْم اخْتَلَفْنَا خطتينا وَابْن الْأَعرَابِي: يَوْم احتملنا. يَقُول: بررت أَنا وفجرت أَنْت. قَالَ شَارِح الدِّيوَان: قَوْله فجار يَعْنِي خطة فاجرة خرج مخرج حذام ورقاش.
والخطة بِالضَّمِّ: الْحَالة والخصلة. قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل: وَقَالَ فِي الْبر حملت وَفِي الْفُجُور احتملت لِأَن الْعَرَب إِذا اسْتعْملت فعل وافتعل بِزِيَادَة التَّاء كَانَ الَّذِي لَا زِيَادَة فِيهِ يصلح للقليل وَالْكثير وَالَّذِي فِيهِ الزِّيَادَة للكثير خَاصَّة نَحْو: قدر واقتدر وَكسب واكتسب. فَأَرَادَ أَن يهجو بِكَثْرَة غدره وإيثاره للفجور فَذكر اللَّفْظَة الَّتِي يُرَاد بهَا الْكثير ليَكُون أبلغ فِي الهجو. وَلَو قَالَ: حملت فجار لأمكن أَن لَا يكون غدر إِلَّا مرّة وَاحِدَة. وَأما الْأَفْعَال الَّتِي لَا تسْتَعْمل إِلَّا بِالتَّاءِ فخارجة عَن هَذَا الحكم لِأَنَّهَا تصلح لما قل وَلما كثر كَقَوْلِك: استويت على الشَّيْء واجتويت الْبَلَد إِذا كرهته واكتريت الدَّار. فَهَذَا لَا يُقَال فِيهِ إِنَّه للتكثير خَاصَّة لِأَنَّهُ لم يسْتَعْمل غير مزِيد.
стр. 2735
وَقَوله: فلتأتينك قصائد إِلَخ هَذَا شروعٌ فِي تهديد زرْعَة. يَقُول: وَالله لأغيرن عَلَيْكُم بقصائد الهجو وَرِجَال الْحَرْب. وَرُوِيَ بِنصب ألف وَرفع قوادم. يَقُول: لتركبن إِلَيْك نَجَائِب تدفع إِلَيْك جَيْشًا. والكور بِالضَّمِّ: الرحل وقادمته: العودان اللَّذَان يجلس بَينهمَا الرَّاكِب.
وَقَوله: رَهْط ابْن كوز إِلَخ أَي: هم رَهْط إِلَخ. وَابْن كوز وَرَبِيعَة بن حذار بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَكسرهَا هما من بني أَسد. وَقَوله: محقبو أدراعهم أَي: يجعلونها خَلفهم فِي مَوضِع الحقائب.
والحقيبة: خرج صغيرٌ يربطه الرَّاكِب خَلفه. وَقَوله: ولرهط حرابٍ وَقد إِلَخ الأول بِفَتْح الْحَاء وَتَشْديد الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالثَّانِي بِفَتْح الْقَاف وَتَشْديد الدَّال. قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ وَابْن الْأَعرَابِي: هما من بني والبة ابْن الْحَارِث بن ثَعْلَبَة بن دودان بن أَسد. وَالسورَة بِالضَّمِّ: الْفَضِيلَة. وَهَذَا الْبَيْت اسْتشْهد بِهِ الزَّمَخْشَرِيّ والبيضاوي عِنْد قَوْله تَعَالَى: فَأتوا بسورةٍ من مثله على أَن السُّورَة: الرُّتْبَة. وَقَوله: لَيْسَ غرابها بمطار كِنَايَة عَن كَثْرَة الرَّهْط ودوام الْعِزّ لَهما. وَإِذا وصف الْمَكَان بِالْخصْبِ وَكَثْرَة الشّجر قيل: لَا يطار غرابه. يُرِيد أَن يَقع فِي الْمَكَان فيجد مَا يشْبع وَلَا يحْتَاج)
أَن يتَحَوَّل عَنهُ. فَجعله مثلا للمجد أَي: مجدهم لَيْسَ بمنقلع. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هُوَ فِي مَكَان مُرْتَفع لَا يُؤْذى من الْعِزّ. أَرَادَ أَنهم
следующие страницы →