← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

لم ينقلوا إِلَّا أَنه علم للفجور الْمُطلق وَلَا يَصح أَن يُرِيد أَن فجار اسْم جنس للفجرة المعدول هُوَ عَنهُ إِذْ لم يَقُولُوا ذَلِك وَلَا يَصح فِي نَفسه. فَثَبت أَن قَوْله: فجار علم للفجرة مُشكل. وَالْجَوَاب أَن إِتْيَانه بالفجرة مقصودٌ لَهُ وَذَلِكَ أَن الْقَاعِدَة فِي فعال أَنه مؤنث ومعدولٌ عَن مؤنث. وَقد بَين ذَلِك سِيبَوَيْهٍ فِي أَبْوَاب مَا لَا ينْصَرف غَايَة الْبَيَان حَتَّى إِنَّه قدر مَا لم يسْتَعْمل مؤنثاً كَأَنَّهُ اسْتعْمل كَذَلِك ثمَّ جعل فعال معدولاً عَنهُ. وَإِذا كَانَ كَذَلِك فالاسم المعدول عَنهُ وَهُوَ الْعلم الْمُقدر اسْم لجنسٍ مؤنث إِذْ لَا بُد من مطابقته لَهُ فِي التَّأْنِيث وَلذَلِك قَالَ: وَمثله برة للمبرة وَلم يقل للبر وَنَحْوه. وَالْحَاصِل أَن النَّاظِم نبه بمثال الفجرة على أَن فعال علم لاسم الْجِنْس الْمُؤَنَّث فَإِن كَانَ مُسْتَعْملا فَذَاك وَإِلَّا قدر لَهُ اسْم مؤنث. وَهَذِه قاعدةٌ مَحل بَيَانهَا بَاب مَا لَا ينْصَرف. انْتهى كَلَامه بِاخْتِصَار يسير. وَهَذَا كُله لَا يدْفع مَا أوردهُ الشَّارِح الْمُحَقق. وَالْبَيْت من قصيدةٍ) للنابغة الذبياني هدد بهَا زرْعَة بن عَمْرو الْكلابِي وَكَانَ زُرَارَة لَقِي النَّابِغَة بعكاظ وَأَشَارَ عَلَيْهِ أَن يُشِير على قومه أَن يغدروا بني أَسد وينقضوا حلفهم فَأبى عَلَيْهِ النَّابِغَة وَجعل خطته الَّذِي التزمها من الْوَفَاء برة وخطة زرْعَة لما دَعَاهُ إِلَيْهِ من الْغدر وَنقض الْحلف فاجرة. وَبلغ النَّابِغَة أَن زرْعَة هجاه وتوعده فَقَالَ النَّابِغَة وَهَذَا أول القصيدة عِنْد أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ والأصمعي: ...

стр. 2732

(نبأت زرْعَة والسفاهة كاسمها ... يهدي إِلَيّ غرائب الْأَشْعَار) (فَحَلَفت يَا زرْعَة بن عمرٍ وإِنَّنِي ... مِمَّا يشق على الْعَدو ضراري) (أعلمت يَوْم عكاظ حِين لقيتني ... تَحت الْغُبَار فَمَا خططت غباري) (أَنا اقْتَسَمْنَا خطتينا بَيْننَا ... فَحملت برة واحتملت فجار) (فلتأتينك قصائدٌ وليدفعن ... ألفٌ إِلَيْك قوادم الأكوار) (رَهْط ابْن كوزٍ محقبو أدراعهم ... فيهم ورهط ربيعَة بن حذار) (ولرهط حرابٍ وقدٍّ سورةٌ ... فِي الْمجد لَيْسَ غرابها بمطار) (وَبَنُو قعينٍ لَا محَالة أَنهم ... آتوك غير مقلمي الأظافر) (سهكين من صدأ الْحَدِيد كَأَنَّهُمْ ... تَحت السنور جنَّة البقار) (وَبَنُو سواءة زائروك بوفدهم ... جيشٌ يقودهم أَبُو المظفار) ...

стр. 2733

(وَبَنُو جذيمة حَيّ صدقٍ سادةٌ ... غلبوا على خبتٍ إِلَى تعشار) (جمعٌ يظل بِهِ الفضاء معضلاً ... يذر الإكام كأنهن صحار) وَقَالَ فِي آخرهَا: (حَولي بَنو دودان لَا يعصونني ... وَبَنُو بغيضٍ كلهم أَنْصَارِي) وَقَوله: نبئت زرْعَة إِلَخ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَالتَّاء نَائِب فَاعل وزرعة مفعول ثَان وَجُمْلَة: يهدي إِلَخ فِي مَوضِع الْمَفْعُول الثَّالِث. وَقَوله: والسفاهة كاسمها اعْتِرَاض أَي: فعل السفاهة قَبِيح وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَن السفاهة كَمَا تنكرهَا الْقُلُوب والعقول تمج الآذان اسْمهَا. فَإِن قلت: مَا اسْم السفاهة حَتَّى قَالَ: كاسمها قلت: أَرَادَ مَا سمي سفاهة. أَي: الْمُسَمّى بِهَذَا الِاسْم قبيحٌ كَمَا أَن الِاسْم الَّذِي هُوَ السَّفه قَبِيح إِلَّا أَنه لما لم يجد إِلَى الْعبارَة عَن الذَّات طَرِيقا إِلَّا باسمه قَالَ: والسفاهة كاسمها. كَذَا قَالَ الإِمَام المرزوقي. وَقَوله: يهدي إِلَيّ غرائب الْأَشْعَار إِلَخ يَعْنِي أَنه) غير مَشْهُور فالشعر من قبله غَرِيب إِذْ لَيْسَ من أربابه. قَوْله: فَحَلَفت يَا زرع إِلَخ جملَة: إِنَّنِي إِلَخ جَوَاب الْقسم والضرار

стр. 2734

بِالْكَسْرِ: الدنو من الشَّيْء واللصوق بِهِ يَقُول: أَنا قويٌّ عَزِيز فالعدو يكره مجاورتي لَهُ. وَقَوله: أعلمت إِلَخ الِاسْتِفْهَام تقريريٌّ. وروى: أنسيت يَوْم وخططت بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة: شققت يُقَال: مَا خطّ غباره أَي: لم يدن مِنْهُ وَلم يتَعَلَّق بِهِ. وَقَوله: أَنا اقْتَسَمْنَا إِلَخ بِفَتْح همزَة أَنا لِأَنَّهَا مَعَ معموليها فِي تَأْوِيل مصدر سادٍّ مسد مفعولي علمت هَذِه وَرَايَة أبي عَمْرو. وروى الْأَصْمَعِي: يَوْم اخْتَلَفْنَا خطتينا وَابْن الْأَعرَابِي: يَوْم احتملنا. يَقُول: بررت أَنا وفجرت أَنْت. قَالَ شَارِح الدِّيوَان: قَوْله فجار يَعْنِي خطة فاجرة خرج مخرج حذام ورقاش. والخطة بِالضَّمِّ: الْحَالة والخصلة. قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل: وَقَالَ فِي الْبر حملت وَفِي الْفُجُور احتملت لِأَن الْعَرَب إِذا اسْتعْملت فعل وافتعل بِزِيَادَة التَّاء كَانَ الَّذِي لَا زِيَادَة فِيهِ يصلح للقليل وَالْكثير وَالَّذِي فِيهِ الزِّيَادَة للكثير خَاصَّة نَحْو: قدر واقتدر وَكسب واكتسب. فَأَرَادَ أَن يهجو بِكَثْرَة غدره وإيثاره للفجور فَذكر اللَّفْظَة الَّتِي يُرَاد بهَا الْكثير ليَكُون أبلغ فِي الهجو. وَلَو قَالَ: حملت فجار لأمكن أَن لَا يكون غدر إِلَّا مرّة وَاحِدَة. وَأما الْأَفْعَال الَّتِي لَا تسْتَعْمل إِلَّا بِالتَّاءِ فخارجة عَن هَذَا الحكم لِأَنَّهَا تصلح لما قل وَلما كثر كَقَوْلِك: استويت على الشَّيْء واجتويت الْبَلَد إِذا كرهته واكتريت الدَّار. فَهَذَا لَا يُقَال فِيهِ إِنَّه للتكثير خَاصَّة لِأَنَّهُ لم يسْتَعْمل غير مزِيد.

стр. 2735

وَقَوله: فلتأتينك قصائد إِلَخ هَذَا شروعٌ فِي تهديد زرْعَة. يَقُول: وَالله لأغيرن عَلَيْكُم بقصائد الهجو وَرِجَال الْحَرْب. وَرُوِيَ بِنصب ألف وَرفع قوادم. يَقُول: لتركبن إِلَيْك نَجَائِب تدفع إِلَيْك جَيْشًا. والكور بِالضَّمِّ: الرحل وقادمته: العودان اللَّذَان يجلس بَينهمَا الرَّاكِب. وَقَوله: رَهْط ابْن كوز إِلَخ أَي: هم رَهْط إِلَخ. وَابْن كوز وَرَبِيعَة بن حذار بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَكسرهَا هما من بني أَسد. وَقَوله: محقبو أدراعهم أَي: يجعلونها خَلفهم فِي مَوضِع الحقائب. والحقيبة: خرج صغيرٌ يربطه الرَّاكِب خَلفه. وَقَوله: ولرهط حرابٍ وَقد إِلَخ الأول بِفَتْح الْحَاء وَتَشْديد الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالثَّانِي بِفَتْح الْقَاف وَتَشْديد الدَّال. قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ وَابْن الْأَعرَابِي: هما من بني والبة ابْن الْحَارِث بن ثَعْلَبَة بن دودان بن أَسد. وَالسورَة بِالضَّمِّ: الْفَضِيلَة. وَهَذَا الْبَيْت اسْتشْهد بِهِ الزَّمَخْشَرِيّ والبيضاوي عِنْد قَوْله تَعَالَى: فَأتوا بسورةٍ من مثله على أَن السُّورَة: الرُّتْبَة. وَقَوله: لَيْسَ غرابها بمطار كِنَايَة عَن كَثْرَة الرَّهْط ودوام الْعِزّ لَهما. وَإِذا وصف الْمَكَان بِالْخصْبِ وَكَثْرَة الشّجر قيل: لَا يطار غرابه. يُرِيد أَن يَقع فِي الْمَكَان فيجد مَا يشْبع وَلَا يحْتَاج) أَن يتَحَوَّل عَنهُ. فَجعله مثلا للمجد أَي: مجدهم لَيْسَ بمنقلع. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هُوَ فِي مَكَان مُرْتَفع لَا يُؤْذى من الْعِزّ. أَرَادَ أَنهم

стр. 2736

أعزاء منعاء لَا يُوصل إِلَيْهِم. وَتَخْصِيص الْغُرَاب لِأَنَّهُ الْمثل فِي الحذر فَإِنَّهُ يطير بِأَدْنَى ريبةٍ. وَقَوله: وَبَنُو قعين إِلَخ هم من بني أَسد. وَقَوله: غير مقلمي إِلَخ يُرِيد إِنَّهُم آتوك غير مسالمين لَك وعداوتهم ظَاهِرَة وَإِنَّمَا يأتونك للمحاربة. وآتوك: جمع آتٍ. وَقَوله: سهكين من صدأ إِلَخ متلبسين برائحة الْحَدِيد المصدئ. يَعْنِي أَن السِّلَاح يصدأ عَلَيْهِم لطول لبسهم إِيَّاه. والسهكة: رَائِحَة الْحَدِيد المصدئ. والسنور: الدروع وَقيل: السِّلَاح كُله. والبقار بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْقَاف الْمُشَدّدَة: موضعٌ برمل عالج قريبٌ من جبلي طَيئ تسكنه الْجِنّ. يَقُول: كَأَنَّهُمْ جنٌّ فِي شجاعتهم. وَقَوله: وَبَنُو سواءة بِضَم السِّين وَالْمدّ هم من بني أَسد أَيْضا. وَأَبُو المظفار هُوَ مَالك بن عَوْف من بني أَسد. وَقَوله: وَبَنُو جذيمة إِلَخ بِفَتْح الْجِيم وَكسر الذَّال الْمُعْجَمَة هُوَ من بني أَسد أَيْضا. وجذيمة هُوَ ابْن مَالك بن نصر بن قعين. وخبت بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمُوَحدَة: اسْم مَاء فِي ديار كِنْدَة. وتعشار بِكَسْر الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة وَبعد الْمُهْملَة شين مُعْجمَة: موضعٌ فِي بِلَاد بني تَمِيم وَقيل: جبلٌ فِي بني ضبة وَقَالَ الْخَلِيل: ماءٌ لبني ضبة فِي نجد. كَذَا فِي مُعْجم مَا استعجم. وَقَوله: وَالْقَوْم غاضرة إِلَخ غاضرة بإعجام الْأَوَّلين: قومٌ من بني أَسد

стр. 2737

أَيْضا. يَقُول: لم يتحملوا ليهربوا إِنَّمَا أَرَادوا الْإِقَامَة والثبات فِي مَنَازِلهمْ. وَقَوله: جمع يظل بِهِ إِلَخ معضلاً بِفَتْح الضَّاد الْمُشَدّدَة. غاصاً ضيقا. وَقَوله: حَولي بَنو دودان هم من بني أَسد وَبَنُو بغيض هم رَهْط النَّابِغَة. وترجمة النَّابِغَة تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة. وَأما الْبَيْت الَّذِي أوردهُ سِيبَوَيْهٍ بعد الْبَيْت الشَّاهِد فقد أوردهُ غفلاً غير مَنْسُوب وَلم يعزه شرَّاح أبياته وَقَالَ ابْن السَّيِّد لَا أعرف قَائِله. وعينه ابْن هِشَام اللَّخْمِيّ فَقَالَ: هُوَ لحميدٍ الأرقط يَقُول لزوجه وَكَانَت قد سَأَلته الْحَج وَكَانَ مقلاًّ فَقَالَ لَهَا: امكثي حَتَّى يرزقنا الله مَالا نحج بِهِ. فَقَالَت: مُنكرَة لقَوْله: أأمكث عَاما وقابله أَي: قَابل ذَلِك الْعَام. والقابل بِمَعْنى الْمقبل. وَهُوَ جارٍ على قبل. يُقَال: أقبل وَقبل وَأدبر ودبر. وَهُوَ ظرفٌ وَمثله: مَعًا وعاملهما مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ الْمَعْنى كَمَا قَدرنَا. والهمزة للإنكار. وَهُوَ من أبياتٍ ثَلَاثَة هِيَ: فَقلت امكثي حَتَّى يسَار ... ... ... ... ... . . الْبَيْت (لَعَلَّ ملمات الزَّمَان ستنجلي ... وعل إِلَه النَّاس يوليك نائله)

стр. 2738

ويسار: اسْم لليسر معدول عَن الميسرة وَهِي الْغَنِيّ. وترجمة حميد الأرقط تقدّمت فِي) الشَّاهِد الثَّالِث بعد الأربعمائة. وَأنْشد بعده الشَّاهِد التَّاسِع وَالسِّتُّونَ بعد الأربعمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س: (جماد لَهَا جماد وَلَا تقولي ... طوال الدَّهْر مَا ذكرت: حَمَّاد) على أَنهم قَالُوا: مَعْنَاهُ قولي لَهَا: جموداً وَلَا تقولي: حمداً بالتنكير والتذكير. وَهَذَا واردٌ على قَوْلهم إِن فعال معدولٌ عَن معرف مؤنث. وَمِمَّنْ قَالَ كَذَا ابْن السراج فِي الْأُصُول فَإِنَّهُ قَالَ بعد مَا أنْشد الْبَيْت: قَالَ سِيبَوَيْهٍ: يُرِيد قولي لَهَا: جموداً وَلَا تقولي لَهَا: حمداً. وَمِنْهُم ابْن الشجري قَالَ فِي أَمَالِيهِ: جماد: اسمٌ للجمود وَحَمَّاد: اسمٌ للحمد فِي هَذَا الْبَيْت. أَرَادَ قُولُوا لَهَا: جموداً وَلَا تَقولُوا لَهَا: حمداً. وَهَذَا لَا يرد عَلَيْهِم فَإِنَّهُم قَالُوا: لَا بُد من التَّعْرِيف والتأنيث فِي فعال بالمعاني الْأَرْبَعَة. وَقَوْلهمْ: مَعْنَاهُ جموداً وحمداً وَمَا أشبهه فَإِنَّمَا هُوَ تساهلٌ فِي التَّعْبِير عَنهُ.

стр. 2739

وَكَذَلِكَ فعل سِيبَوَيْهٍ إِلَّا أَنه اعْتبر التَّأْنِيث فِي المعدول عَنهُ إِمَّا تَحْقِيقا أَو تَقْديرا قَالَ: وَأما مَا جَاءَ اسْما وَالْخَيْل تعدو بالصعيد بداد فَهَذَا بِمَنْزِلَة قَوْله: تعدو بدداً إِلَّا أَن هَذَا المعدول عَن حَده مؤنثاً. وَكَذَلِكَ لَا مساس وَالْعرب تَقول: أَنْت لَا مساس وَمَعْنَاهُ لَا تمسني وَلَا أمسك. وَدعنِي كفاف فَهَذَا معدولٌ عَن مؤنث وَإِن كَانُوا لم يستعملوا فِي كَلَامهم ذَلِك للمؤنث الَّذِي عدل عَنهُ بداد وَأَخَوَاتهَا. وَنَحْو ذَا فِي كَلَامهم. أَلا ترى أَنهم قَالُوا: ملامح ومشابه وليالٍ فجَاء جمعه على حد مَا لم يسْتَعْمل فِي الْكَلَام لَا يَقُولُونَ: ملمحة وَلَا ليلاة. وَنَحْو ذَلِك كثير قَالَ الشَّاعِر: جماد لَهَا جماد وَلَا تقولي ... ... ... ... ... الْبَيْت فَهَذَا بِمَنْزِلَة جموداً. وَلَا نقُول عدل عَن قَوْله جمداً لَهَا ولكنهما عدلا عَن مؤنث كبداد. انْتهى نَص سِيبَوَيْهٍ. فَعنده يجب فِيمَا لَو كَانَ من أَسمَاء الْأَجْنَاس غير مؤنث فَجعل لَهُ اسْم فعال أَن يقدر لَهُ التَّأْنِيث. وَقد قدر سِيبَوَيْهٍ فِي حضار وسفار أَنه اسْم الكوكبة والماءة وهما من علم الشَّخْص. وَقَالَ السيرافي فِي بداد: إِنَّه معدول عَن البدة أَو المبادة أَو غير ذَلِك يَعْنِي مِمَّا يقدر مؤنثاً يعْطى معنى ذَلِك الْمُذكر.

стр. 2740

وَالْبَيْت من قصيدة للمتلمس أورد بَعْضهَا الشريف ضِيَاء الدَّين هبة الله عَليّ بن مُحَمَّد بن حَمْزَة الْحُسَيْنِي فِي حماسته وَهِي: (صبا من بعد سلوته فُؤَادِي ... وسمح للقرينة بانقياد)) (عقارا عتقت فِي الدن حَتَّى ... كَأَن حبابها حدق الْجَرَاد) (جماد لَهَا جماد وَلَا تقولن ... لَهَا يَوْمًا إِذا ذكرت حَمَّاد) هَذَا مَا أوردهُ الشريف. وَقَوله: صبا من بعد سلوته إِلَخ ماضي يصبو صبوةً أَي: مَال إِلَى الْجَهْل والفتوة. وسمح بمهملتين: بِمَعْنى ذل وفاعله ضمير الْفُؤَاد. وَيُقَال: أسمح بِالْألف أَيْضا. والقرينة: النَّفس وَمثله القرونة بِالْوَاو أَيْضا. يُقَال: أسمحت قرينته وقرونته وَكَذَلِكَ قرينه وقرونه بِدُونِ هَاء أَي: ذلت نَفسه وتابعته على الْأَمر. وَقَوله: كَأَنِّي شاربٌ يَوْم استبدوا إِلَخ أَي: مضوا برأيهم كَذَا قَالَ الشريف صَاحب الحماسة. وَهُوَ من استبد فلانٌ بِكَذَا أَي: انْفَرد بِهِ. وَالْوَاو ضمير تعود على قوم حبيبته. وَقَوله:

стр. 2741

وحث بهم إِلَخ أَي: أسْرع بهم. وحادي فَاعل حث وَهُوَ سائق الْإِبِل بالحداء يُقَال: حدا بِالْإِبِلِ يَحْدُو حدواً أَي: حثها على السّير بالحداء كغراب وَهُوَ الْغناء لَهَا. وَقَوله: وَرَاء البيد قَالَ الشريف: أَي: حَال دونهم البيد وَهُوَ جمع بيداء وَهِي القفر والمفازة. وَقَوله: عقارا عتقت إِلَخ بِضَم الْعين مفعول شَارِب بِمَعْنى الْخمر. وَهَذَا الْبَيْت يشْهد للأصمعي فَإِنَّهُ قَالَ: إِن الْخمر إِنَّمَا سميت عقارا لطول مكثها فِي الدن. وَاحْتج بقَوْلهمْ: عَاقِر فلَان الشَّرَاب إِذا لزمَه وأدمنه. والحباب بِالْفَتْح: مَا ينتفخ من المَاء وَنَحْوه ويعلوه. قَالَ الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات: يُقَال لما ينزو من الْخمر إِذا مزجت: الْحباب والفواقع. والجنادع: جنادب تكون فِي الْعشْر. فَشبه مَا ينزو مِنْهَا بالجنادب إِذا قمصت. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت مَعَ الْبَيْت الْأَخير. وَقد شبه حباب الْخمر بعيون الْجَرَاد. وَقَوله: جماد لَهَا جماد إِلَخ بِالْجِيم: الجمود والكلمة الْأَخِيرَة حَمَّاد بِالْمُهْمَلَةِ: الْحَمد. قَالَ الأعلم: هما اسمان للجمود وَالْحَمْد معدولين عَن اسْمَيْنِ مؤنثين سميا بهما كالمجمدة والمحمدة. وَقَالَ صَاحب الصِّحَاح: يُقَال للبخيل جماد لَهُ. وَإِنَّمَا بني على الْكسر لِأَنَّهُ معدول عَن الْمصدر أَي: الجمود كَقَوْلِهِم: فجار أَي: الفجرة. وَهُوَ نقيض قَوْلهم: حَمَّاد بِالْمُهْمَلَةِ فِي الْمَدْح. وَأنْشد الأبيات الثَّلَاثَة الأخرة للمتلمس ثمَّ قَالَ: أَي قولي لَهَا جموداً وَلَا تقولي لَهَا حمداً وشكراً. اه. وَكَونه معدولاً عَن الْمصدر لَا يكون سَببا لبنائه. قَالَ الشريف صَاحب

стр. 2742

الحماسة: الضَّمِير فِي لَهَا يعود على الْقَرِينَة. قَالَ جَامع شعره أَبُو الْحسن الْأَثْرَم: أَي: أجمد الله خَيرهَا يَقُول: قلله. يَعْنِي الْخمر. اه. وَمِنْه تعلم أَن الأعلم لم يصب فِي قَوْله: وصف امْرَأَة بالجمود وَالْبخل وَجعلهَا مُسْتَحقَّة للذم غير مستوجبة للحمد. هَذَا) كَلَامه. وَسَببه لم يطلع على الْبَيْت الأول. وَكَذَلِكَ لم يصب ابْن السَّيِّد فِي قَوْله: فِيمَا كتبه على كَامِل الْمبرد: دَعَا على عاذلته بِأَن يقل خَيرهَا. وَهُوَ مأخوذٌ من الأَرْض الجماد وَهِي الَّتِي لَا تنْبت شَيْئا. وَقيل إِنَّه دَعَا على بِلَاد هَذِه الْمَرْأَة بالجمود وَأَن لَا تنْبت شَيْئا. انْتهى. وَقَوله: وَلَا تقولي بياء المخاطبة. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور وَهُوَ محرف من نون التوكيد الْخَفِيفَة كَمَا رويناها عَن الشريف وَهِي الصَّوَاب فَإِنَّهُ خطابٌ لمذكر وَلم يتَقَدَّم ذكر أُنْثَى. وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: وَلَا تَقولُوا بِالْوَاو. وَقَوله: طوال الدَّهْر بِفَتْح الطَّاء ظرف لِلْقَوْلِ يُقَال: لَا ُأكَلِّمهُ طوال الدَّهْر وَطول الدَّهْر بِمَعْنى. وَمَا: مَصْدَرِيَّة ظرفية ونائب فَاعل ذكرت ضمير الْقَرِينَة وَحَمَّاد فِي مَوضِع نصب لِأَنَّهُ مقول القَوْل. وَهَذِه الأبيات الْأَرْبَعَة أول قصيدةٍ وَمَا أحسن هَذِه الأبيات مِنْهَا: (وَأعلم علم حقٍّ غير ظنٍّ ... وتقوى الله من خير العتاد) (لحفظ المَال خيرٌ من ضياعٍ ... وضربٍ فِي الْبِلَاد بِغَيْر زَاد) ...

стр. 2743

(وَإِصْلَاح الْقَلِيل يزِيد فِيهِ ... وَلَا يبْقى الْكثير مَعَ الْفساد) وَقد ضمن الْبَيْت الْأَخير بَعضهم فِي الهجاء فَقَالَ: (يحصن زَاده عَن كل ضرسٍ ... وَيعْمل ضرسه فِي كل زَاد) (وَلَا يروي من الْأَشْعَار شَيْئا ... سوى بيتٍ لأبرهة الْإِيَادِي) (قَلِيل المَاء تصلحه فَيبقى ... وَلَا يبْقى الْكثير مَعَ الْفساد) وَقد أَخطَأ هَذَا الْقَائِل فِي نِسْبَة الْبَيْت إِلَى أَبْرَهَة من وَجْهَيْن. وَمثله لِابْنِ وَكِيع التنيسِي: (خيرٌ لَهُ من قَصده ... إخوانه مسترفدا) وَرُوِيَ أَن حاتماً الطَّائِي لما سمع قَول المتلمس قَالَ: مَا لَهُ قطع الله لِسَانه يحمل النَّاس على الْبُخْل هلا قَالَ: (وَمَا الْجُود يفني المَال قبل فنائه ... وَلَا الْبُخْل فِي مَال الْبَخِيل يزِيد) (فَلَا تلتمس فقرا بعيشٍ فَإِنَّهُ ... لكل غدٍ رزقٌ يعود جَدِيد) ...

стр. 2744

(ألم ترى أَن المَال غادٍ ورائحٌ ... وَأَن الَّذِي يعطيك لَيْسَ يبيد) والمتلمس شاعرٌ جاهلي مفلقٌ مقل ذكره الجُمَحِي فِي الطَّبَقَة السَّابِعَة من شعراء الْجَاهِلِيَّة. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: اتَّفقُوا على أَن أشعر المقلين فِي الْجَاهِلِيَّة ثَلَاثَة: الْمسيب بن علس وَالْحصين بن حمام) والمتلمس. وَاتَّفَقُوا على أَن المتلمس أشعرهم. والمتلمس اسْمه جرير وكنيته أَبُو عبد الله بن عبد الْمَسِيح بن عبد الله بن زيد بن دوفن بن حَرْب بن وهب بن جلى بن أحمس بن ضبيعة بن ربيعَة بن نزار بن معد بن عدنان. وَقيل: إِنَّه جرير بن عبد الْعُزَّى وَقيل: غير هَذَا. ودوفن بِفَتْح الدَّال وَسُكُون الْوَاو وَفتح الْفَاء بعْدهَا نون. وجلى بِضَم الْجِيم وَتَشْديد اللَّام بعْدهَا ألف مَقْصُورَة. وأحمس: أفعل من الحماسة. وضبيعة بِالتَّصْغِيرِ. وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله وَجه تَسْمِيَته بالمتلمس فِي بَاب الْعلم. وَكَانَ المتلمس مَعَ ابْن أُخْته طرفَة بن العَبْد ينادم عَمْرو بن هِنْد ملك الْحيرَة ثمَّ إنَّهُمَا هجواه فَلَمَّا أشعر بهجوهما كره قَتلهمَا عِنْده فَكتب لَهما كتابين إِلَى عَامل الْبَحْرين يَأْمر بِقَتْلِهِمَا وَقَالَ لَهما: إِنِّي كتبت لَكمَا بصلَة فاذهبا لتقبضاها فَخَرَجَا حَتَّى إِذا كَانَا بِبَعْض الطَّرِيق إِذْ هما بشيخٍ على يسَار الطَّرِيق وَهُوَ يحدث وَيَأْكُل وَيقتل الْقمل فَقَالَ المتلمس: مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ شَيخا أَحمَق

стр. 2745

فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ: مَا رَأَيْت من حمقي أخرج الدَّاء وآكل الدَّوَاء وأقتل الْأَعْدَاء أَحمَق مني وَالله من يحمل حتفه بِيَدِهِ فاستراب الملتمس بقوله وطلع عَلَيْهِمَا غلامٌ من الْحيرَة فَقَالَ لَهُ الملتمس: تقْرَأ يَا غُلَام قَالَ: نعم. ففك الصَّحِيفَة وَدفعهَا إِلَيْهِ فَإِذا فِيهَا: أما بعد فَإِذا أَتَاك الملتمس فاقطع يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ وادفنه حَيا فَقَالَ لطرفة: ادْفَعْ إِلَيْهِ بصحيفتك فَإِن فِيهَا مثل الَّذِي فِي صحيفتي فَقَالَ طرفَة: كلا لم يكن ليجترئ عَليّ فَإِن بني ثَعْلَبَة لَيْسُوا كبني ضبيعة. فقذف الملتمس صَحِيفَته فِي نهر الْحيرَة وهرب إِلَى بني جَفْنَة مُلُوك الشَّام وَذهب طرفَة إِلَى عَامل الْبَحْرين فَقتل هُنَاكَ كَمَا شرحناه مفصلا فِي تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالْخمسين بعد الْمِائَة. وَقَالَ المتلمس فِي ذَلِك يُخَاطب طرفَة: (من مبلغ الشُّعَرَاء عَن أخويهما ... خَبرا فتصدقهم بِذَاكَ الْأَنْفس) (أودى الَّذِي علق الصَّحِيفَة مِنْهُمَا ... وَنَجَا حذار حبائه الملتمس) (ألق الصَّحِيفَة لَا أَبَا لَك إِنَّه ... يخْشَى عَلَيْك من الحباء النقرس) والنقرس: دَاء فِي الرجل مَعْرُوف. وَصَارَت صحيفَة الملتمس مثلا يضْرب لمن يحصل لَهُ الضَّرَر من جِهَة النَّفْع. قَالَ الفرزدق: ...

стр. 2746

(يَا مرو إِن مطيتي محبوسةٌ ... ترجو الحباء وربها لم ييأس) (وحبوتني بصحيفةٍ مختومةٍ ... يخْشَى عَليّ بهَا حباء النُّفُوس) (ألق الصَّحِيفَة يَا فرزدق لَا تكن ... نكداء مثل صحيفَة الملتمس)) وَالْبَيْت الأول من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ وَاسْتشْهدَ بِهِ على ترخيم مَرْوَان بِحَذْف الْألف وَالنُّون لزيادتهما وَكَون الِاسْم ثلاثياً بعد حذفهما. وَأَرَادَ مَرْوَان بن الحكم. وَسبب هَذَا الشّعْر أَن الفرزدق قدم الْمَدِينَة مستجيراً بِسَعِيد بن العَاصِي من زِيَاد ابْن سميَّة فامتدح سعيداً ومروان عِنْده قَاعد فَقَالَ: (ترى الغر الجحاجح من قريشٍ ... إِذا مَا الْأَمر بالمكروه عالا) (قيَاما ينظرُونَ إِلَى سعيدٍ ... كَأَنَّهُمْ يرَوْنَ بِهِ هلالا) فَقَالَ لَهُ مَرْوَان: قعُودا يَا غُلَام. فَقَالَ: لَا وَالله يَا أَبَا عبد الْملك إِلَّا قيَاما. فأغضب مَرْوَان: وَكَانَ مُعَاوِيَة يعادل بَين مَرْوَان وَبَين سعيد فَلَمَّا ولي

стр. 2747

مَرْوَان كتب للفرزدق كتابا إِلَى واليه بضريه أَن يُعَاقِبهُ إِذا جَاءَ وَقَالَ للفرزدق: إِنِّي قد كتبت لَك بِمِائَة دِينَار فَلَمَّا أَخذ الْكتاب وَانْصَرف (قل للفرزدق والسفاهة كاسمها ... إِن كنت تَارِك مَا أَمرتك فاجلس) (ودع الْمَدِينَة إِنَّهَا مرهوبةٌ ... واعمد لمَكَّة أَو لبيت الْمُقَدّس) فَفطن الفرزدق وأجابه بِهَذِهِ الأبيات فَكَانَ الفرزدق لَا يقرب مَرْوَان فِي خِلَافَته وَلَا عبد الْملك وَلَا الْوَلِيد. وَرُوِيَ من طريقٍ أُخْرَى: أَن مَرْوَان تقدم إِلَى الفرزدق أَن لَا يهجو أحدا وَكتب إِلَيْهِ الْبَيْتَيْنِ فَأَجَابَهُ الفرزدق بالأبيات. وَقَوله: فاجلس أَي: اذْهَبْ إِلَى الجلس بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون اللَّام وَهُوَ نجد. يُقَال: جلس الرجل إِذا أَتَى نجداً. والحباء: الْعَطاء. وَجعل الرَّجَاء للناقة وَهُوَ يُرِيد نَفسه. وروى ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل هَذَا الْخَبَر على غير هَذَا الْوَجْه فَقَالَ: إِن الفرزدق كَانَ مُقيما بِالْمَدِينَةِ وَكَانَ أزنى النَّاس فَقَالَ شعرًا يَقُول فِيهِ: ...

стр. 2748

(هما دلتان من ثَمَانِينَ قامةً ... كَمَا انقض بازٍ أقتم الريش كاسره) (فَلَمَّا اسْتَوَت رجلاي فِي الأَرْض قَالَتَا ... أحيٌّ يُرْجَى أم قتيلٌ نحاذره) (فَقلت: ارْفَعْ الْأَسْبَاب لَا يشعروا بِنَا ... وَأَقْبَلت فِي أعجاز ليلٍ أبادره) (أحاذر بوابين قد وكلا بِنَا ... وأسمر من ساجٍ تصل مسامره) فَعَيَّرَهُ جرير بذلك فِي شعر طَوِيل مِنْهُ: (لقد ولدت أم الفرزدق فَاجِرًا ... فَجَاءَت بوزوازٍ قصير القوائم) (تدليت تَزني من ثَمَانِينَ قامةً ... وَقصرت عَن بَاعَ الْعلَا والمكارم) (هُوَ الرجس يَا أهل الْمَدِينَة فاحذروا ... مدَاخِل رجسٍ بالخبائث عَالم)

стр. 2749

(لقد كَانَ إِخْرَاج الفرزدق عَنْهُم ... طهُورا لما بَين الْمصلى وواقم) فَاجْتمع أَشْرَاف الْمَدِينَة إِلَى مَرْوَان بن الحكم وَكَانَ والياً بهَا فَقَالُوا: مَا يصلح أَن يُقَال مثل هَذَا الشّعْر بَين أَزوَاج النَّبِي ﷺ َ وَقد أوجب عَلَيْهِ الْحَد فَقَالَ مَرْوَان: لست أحده وَلَكِن أكتب إِلَى من يحده. فَأمره مَرْوَان بِالْخرُوجِ من الْمَدِينَة وأجله ثَلَاثَة أَيَّام فَفِي ذَلِك قَالَ: (توعدني وأجلني ثَلَاثًا ... كَمَا وعدت لمهلكها ثَمُود) ثمَّ كتب لَهُ كتابا إِلَى عَامله يَأْمُرهُ فِيهِ بِأَن يحده ويسجنه وأوهمه أَن كتب لَهُ بجائزة. ثمَّ نَدم على مَا فعل فَوجه عَنهُ رجلا وَقَالَ لَهُ: أنْشدهُ هذَيْن الْبَيْتَيْنِ: قل للفرزدق والسفاهة كاسمها فَفطن الفرزدق لما أَرَادَ فَرمى الصَّحِيفَة وَقَالَ الأبيات الثَّلَاثَة وَخرج هَارِبا حَتَّى أُتِي سعيد بن العَاصِي وَعِنْده الْحسن وَالْحُسَيْن وَعبد الله بن جَعْفَر ﵃ فَأخْبرهُم الْخَبَر فَأمر لَهُ كل واحدٍ مِنْهُم بِمِائَة دِينَار وراحلة وَتوجه إِلَى الْبَصْرَة. وَقيل لمروان: أَخْطَأت فِيمَا فعلت كَأَنَّك عرضت عرضك لشاعر مُضر فَوجه وَرَاءه رَسُوله وَمَعَهُ مائَة دِينَار وراحلةٌ خوفًا من هجائه.

стр. 2750

وَلما هرب المتلمس إِلَى مُلُوك الشَّام هجى عَمْرو بن هِنْد بقصيدةٍ وحرض قوم طرفَة على الطّلب بدمه أَولهَا: (إِن الْعرَاق وَأَهله كَانُوا الْهوى ... فَإِذا نأى بِي ودهم فليبعد) إِلَى أَن قَالَ: (إِن الْخِيَانَة والمغالة والخنى ... والغدر تتركه ببلدة مُفسد) (ملكٌ يلاعب أمه وقطينها ... رخو المفاصل أيره كالمرود) (بِالْبَابِ يرصد كل طَالب حاجةٍ ... فَإِذا خلا فالمرء غير مُسَدّد) فَبلغ هَذَا الشّعْر عمرا فَحلف إِن وجده بالعراق ليَقْتُلهُ وَأَن لَا يطعمهُ حب الْعرَاق فَقَالَ المتلمس من قصيدة: (آلَيْت حب الْعرَاق الدَّهْر أطْعمهُ ... وَالْحب يَأْكُلهُ فِي الْقرْيَة السوس) (لم تدر بصرى بِمَا آلَيْت من قسمٍ ... وَلَا دمشق إِذا ديس الكراديس)

стр. 2751

. وَالْبَيْت من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ على أَن نصب حب على نزع الْخَافِض أَي: على حب الْعرَاق. وآليت بِالْخِطَابِ لعَمْرو بن هِنْد يُقَال لَهُ: حَلَفت لَا تتركني بالعراق وَلَا تطعمني من حبه وَالْحَال) أَن الْحبّ لَا يبْقى إِن أبقيته بل يسْرع إِلَيْهِ الْفساد ويأكله السوس فالبخل بِهِ قَبِيح. وَهَذَا على طَرِيق الِاسْتِهْزَاء بِهِ والسخرية. وَبصرى: مَدِينَة بِالشَّام. يَقُول: لَا تَدْرِي كَثْرَة الطَّعَام الَّذِي ببصرى وبدمشق. والكراديس: أكداس الطَّعَام. وَمن شعر المتلمس وَهُوَ من شَوَاهِد البديع: (وَلَا يُقيم على ضيمٍ يُرَاد بِهِ ... إِلَّا الأذلان: عير الْحَيّ والوتد) (هَذَا على الْخَسْف مربوطٌ برمتِهِ ... وَذَا يشج فَلَا يرثي لَهُ أحد) وَأنْشد بعده الشَّاهِد السبعون بعد الأربعمائة وَهُوَ من أَبْيَات الْمفصل: (أطلت فراطهم حَتَّى إِذا مَا ... قتلت سراتهم كَانَت قطاط) على أَن قطاط فِيهِ وصف مؤنث بِمَعْنى قاطةٍ أَي: كَافِيَة.

стр. 2752

قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمفصل: أَي: كَانَت تِلْكَ الفعلة كَافِيَة لي وقاطة لثأري أَي: قَاطِعَة لَهُ. أَشَارَ إِلَى أَن اسْم كَانَ ضمير الفعلة المفهومة من قتلت سراتهم. وقطاط مَبْنِيَّة على الْكسر فِي مَحل نصب خبر كَانَ. قَالَ ابْن يعِيش فِي شَرحه: وقطاط معدولٌ عَن قاطة أَي: كَافِيَة يُقَال: قطاط بِمَعْنى حسبي من قَوْلهم: قطك دِرْهَم أَي: حَسبك مَأْخُوذ من القط وَهُوَ الْقطع كَأَن الْكِفَايَة قطعت عَن الِاسْتِمْرَار. انْتهى. وفراطهم بِكَسْر الْفَاء أَي: إمهالي إيَّاهُم فَهُوَ مصدر مُضَاف إِلَى الْمَفْعُول وَالْفَاعِل مَحْذُوف. قَالَ صدر الأفاضل: أَي: أطلت إمهالهم والتأني بهم. وَالصَّوَاب: فراطكم وسراتكم بِالْخِطَابِ كَمَا سَيَأْتِي. قَالَ ابْن السيرافي فِي شرح أَبْيَات الْغَرِيب المُصَنّف: الفراط هُوَ التَّقَدُّم. يَقُول: سبقت إِلَيْكُم بالتهدد والوعيد لتخرجوا من حَقي. والسراة بِالْفَتْح قَالَ أهل اللُّغَة قاطبة: هُوَ جمع سري بِمَعْنى الشريف. وَيرد عَلَيْهِم أَن فعيلاً لَا يجمع على فعلة بِالتَّحْرِيكِ لهَذَا قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق فِي شرح الشافية: الظَّاهِر أَنه اسْم جمع لَا جمع. وَذهب السُّهيْلي فِي الرَّوْض الْأنف إِلَى أَنه مُفْرد لَا جمع وَلَا اسْم جمع قَالَ: لَا يَنْبَغِي أَن يُقَال فِي سراة الْقَوْم إِنَّه جمع سري لَا على الْقيَاس وَلَا على غير الْقيَاس إِنَّمَا هُوَ مثل كَاهِل الْقَوْم وسنامهم. وَالْعجب كَيفَ خَفِي هَذَا على النَّحْوِيين حَتَّى قلد الخالف مِنْهُم السالف فَقَالُوا: سراة جمع سري. وَيَا سُبْحَانَ الله كَيفَ يكون جمعا لَهُ وهم يَقُولُونَ: جمع سراة سروات مثل قطاة وقطوات. يُقَال: هَؤُلَاءِ من سروات النَّاس كَمَا تَقول: من رؤوسهم. وَلَو كَانَ السراة جمعا مَا جمع لِأَنَّهُ على وزن الفعلة وَمثل هَذَا الْبناء)

стр. 2753

فِي الْمَجْمُوع لَا يجمع وَإِنَّمَا سري فعيل من السرو وَهُوَ الشّرف فَإِن جمع على لَفظه قيل: سريٌّ وأسرياء كغني وأغنياء وَلكنه قليلٌ وجوده وَقلة وجوده لَا تدفع الْقيَاس فِيهِ. وَقد حَكَاهُ سِيبَوَيْهٍ. انْتهى. والبين من أبياتٍ لعَمْرو بن معديكرب الصَّحَابِيّ قَالَهَا قبل إِسْلَامه لبني مَازِن من الأزد فَإِنَّهُم كَانُوا قتلوا أَخَاهُ عبد الله فَأخذ الدِّيَة مِنْهُم فَعَيَّرْته أُخْته كَبْشَة بِذَاكَ فغزاهم (تمنت مازنٌ جهلا خلاطي ... فذاقت مازنٌ طعم الخلاط) (أطلت فراطكم عَاما فعاماً ... وَدين الْمذْحِجِي إِلَى فراط) (أطلت فراطكم حَتَّى إِذا مَا ... قتلت سراتكم كَانَت قطاط) (غدرتم غدرةً وغدرت أُخْرَى ... فَمَا إِن بَيْننَا أبدا يعاط) (بطعنٍ كالحريق إِذا الْتَقَيْنَا ... وَضرب المشرفية فِي الغطاط) الخلاط: مصدر خالطه مُخَالطَة وخلاطاً. ومازن: هُوَ مَازِن بن زبيد وَأَرَادَ بِهِ الْقَبِيلَة. ودين بِالْفَتْح. ومذحج بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة بعْدهَا جِيم: قَبيلَة كَبِيرَة من قبائل الْيمن تفرعت مِنْهَا قبائل

стр. 2754

كَثِيرَة. قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ فِي جمهرة الْأَنْسَاب: بَنو الْحَارِث بن كَعْب من مذْحج. والنخع من مذْحج وجنبٌ من مذْحج وصداء من مذْحج ورهاء من مذْحج وَسعد الْعَشِيرَة من مذْحج والبطون الْمَذْكُورَة مِنْهَا إِلَى زبيد. وَمُرَاد من مذْحج وعنس من مذْحج وطيئ من مذْحج. ومذحج: اسْم امرأةٍ وَهِي بنت ذِي منجشان كَانَت أمهَا ولدتها على أكمةٍ يُقَال لَهَا: مذْحج فلقبت بهَا. ويعاط بِفَتْح الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة بعْدهَا عين مُهْملَة: كلمة إغراء على الْحَرْب أَي: احملوا. والغطاط بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة: أول الصُّبْح. كَذَا روى أَبُو عَليّ القالي هَذِه الأبيات الْخَمْسَة فِي نوادره. وَقد اخْتلف فِي رِوَايَة هَذَا الْخَبَر. قَالَ أَبُو عَليّ القالي فِي ذيل الأمالي: قَالَ: أَبُو محلم: حَدثنِي السكرِي قَالَ: حَدثنَا ابْن حبيب قَالَ: قَالَ هِشَام بن الْكَلْبِيّ: مر عبد الله بن معديكرب براعٍ للمحزم بن سَلمَة من بني مَالك بن مَازِن بن زبيد فاستسقاه لَبَنًا فَأبى واعتل عَلَيْهِ فشتمه فَقتله عبد الله فثارت بَنو مَازِن بِعَبْد الله فَقَتَلُوهُ فتوانى عَمْرو فِي الطّلب بدمه فأنشأت أُخْته تَقول أبياتاً فاحتمى عَمْرو عِنْد ذَلِك فثار فِي قومه بني عصم فأباد بني مَازِن وَقَالَ فِي ذَلِك:

стр. 2755

تمنت مازنٌ جهلا خلاطي إِلَى آخر الأبيات الثَّلَاثَة الأول. وَلم ينشد الْبَيْتَيْنِ الْأَخيرينِ. وروى أَيْضا فِي نوادره أَن الْأَصْمَعِي) قَالَ: كَانَ بَين عَمْرو بن معديكرب وَبَين رجل من مُرَاد يُقَال لَهُ: أبيٌّ كلامٌ فتنازعا فِي الْقسم فَعجل عَمْرو وَكَانَت فِيهِ عجلة وَكَانَ عبد الله أَخُو عَمْرو رَئِيس قومه فَجَلَسَ مَعَ بني مَازِن رهطٍ من سعد الْعَشِيرَة وَكَانُوا فيهم فَقعدَ عبد الله يشرب ويسقيهم رجلٌ يُقَال لَهُ: المحزم من بني زبيد لَهُ مَال وَشرف. وَكَانَ عبدٌ من عبيد المحزم قَائِما يسْقِي الْقَوْم فَسَبهُ عبد الله فَضَربهُ فَقَامَ رجلٌ نشوان من بني مَازِن فَقتل عبد الله. فرأس عَمْرو بعد أَخِيه وَكَانَ غزا غَزْوَة فَأصَاب فِيهَا وَمَعَهُ أبيٌّ الْمرَادِي فَادّعى أَنه مساند عَمْرو فَأبى عَمْرو أَن يُعْطِيهِ فَلَمَّا رَجَعَ عمرٌ ومن غزاته جَاءَت بَنو مَازِن فَقَالُوا: قَتله رجلٌ منا سَيْفه وَنحن يدك عَلَيْهِ وعضدك وَإِنَّمَا قَتله وَهُوَ سَكرَان فنسألك بالرحم أَن تَأْخُذ الدِّيَة بعد ذَلِك مَا أَحْبَبْت فَأخذ عمرٌ والدِّيَة وزاده بعد ذَلِك أَشْيَاء كَثِيرَة فَغضِبت أختٌ لَهُ تسمى كَبْشَة وَكَانَت ناكحاً فِي بني الْحَارِث بن كَعْب فَقَالَت: (أرسل عبد الله إِذْ حَان يَوْمه ... إِلَى قومه أَن لَا تخلوا لَهُم دمي) ...

стр. 2756

(وَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُم إفالاً وأبكرا ... وأترك فِي بيتٍ بصعدة مظلم) (ودع عَنْك عمرا إِن عمرا مسالمٌ ... وَهل بطن عمرٍ وغير شبر لمطعم) (فَإِن أَنْتُم لم تقتلُوا واتديتمو ... فَمَشَوْا بآذان النعام المصلم) (وَلَا تشْربُوا إِلَّا فضول نِسَائِكُم ... إِذا أنهلت أعقابهن من الدَّم) (جدعتم بِعَبْد الله سيد قومه ... بني مَازِن أَن سبّ ساقي المحزم) فَلَمَّا حِضْت كَبْشَة أخاها عمرا أكب بالغارة عَلَيْهِم وهم غَارونَ فأوجع فيهم. ثمَّ إِن بني مَازِن احتملوا فنزلوا فِي مَازِن بن مَالك بن عَمْرو بن تَمِيم فَقَالَ عَمْرو فِي ذَلِك: تمنت مازنٌ جهلا خلاطي الأبيات السِّتَّة. والمحزم بتَشْديد الزاء الْمَفْتُوحَة والحاء قبلهَا مُهْملَة. والمساندة: المعاضدة. وَخرج الْقَوْم متساندين أَي: على رايات شَتَّى أَي: وَلم يَكُونُوا تَحت راية أَمِير وَاحِد. وَقَوْلها: أرسل عبد الله أورد أَبُو تَمام هَذِه الأبيات إِلَّا الْبَيْت الْأَخير

стр. 2757

فِي الحماسة: قَالَ التبريزي: إِنَّمَا تَكَلَّمت بِهِ على أَنه إِخْبَار عَمَّا فعله عبد الله وغرضها تحضيضهم على إِدْرَاك الثأر. وَقَوْلها: أَن لَا تخلوا من التَّخْلِيَة. وَهَذِه رِوَايَة القالي. وَرِوَايَة الحماسة: لَا تعقلوا لَهُم دمي. يُقَال: علقت فلَانا إِذا أَعْطَيْت دِيَته. وَالْمرَاد: لَا تَأْخُذُوا بدل دمي عقلا. وَرَوَاهُ ابْن الْأَعرَابِي: أَن لَا يغلوا لَهُم) دمي بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّة والغين الْمُعْجَمَة وَقَالَ: الإغلال عِنْد الْعَرَب: ترك القصاب بعض اللَّحْم فِي الإهاب. والغلول: الْخِيَانَة فِي الْمغنم. والإفال: جمع أفيل وَهُوَ الصَّغِير من الْإِبِل وَكَذَا الأبكر وَهُوَ جمع بكر. قَالَ التبريزي: فَإِن قيل: لما ذكر الإفال والأبكر وَمَا يُؤَدِّي إِلَى الدِّيات لَا يكون مِنْهُمَا قلت: أَرَادَ تحقير الدِّيات كَمَا يُقَال فِي الرجل إِذا أَرَادَ تحقير أَمر خلعة فَازَ بهَا إِنْسَان إِنَّمَا أعطي فلانٌ خرقاً وَإِن كَانَت فاخرة. وَقَوْلها: وأترك فِي بَيت إِلَخ صعدة مخلافٌ من مخاليف الْيمن أَي: ناحيةٌ مِنْهَا. وَإِنَّمَا جعلت قَبره مظلماً لأَنهم كَانُوا يَزْعمُونَ أَن الْمَقْتُول إِذا ثأروا بِهِ أَضَاء قَبره فَإِن أهْدر دَمه أَو قبلت دِيَته يبْقى قَبره مظلماً. وَقَوْلها: وَهل بطن عَمْرو إِلَخ تزهيد فِي الدِّيَة كَمَا رُوِيَ فِي الْخَبَر: هَل بطن ابْن آدم إِلَّا شبر فِي شبر لما أُرِيد تزهيده فِي الدُّنْيَا. وَقَوْلها: أتديتمو أَي: قبلتمو الدِّيَة وَهُوَ افتعلتم يُقَال: وديته فاتدى. وَقَوْلها: فَمَشَوْا إِلَخ أَي: امشوا. وَضعف الْفِعْل للتكثير. وَمن روى بِضَم الْمِيم فَمَعْنَاه امسحوا بالمشوش بِفَتْح الْمِيم وَهُوَ منديل يمسح بِهِ الدسم. وَالْمعْنَى: إِن لم تقتلُوا قاتلي وقبلتم ديتي فامشوا أذلاء بآذان مجعدة كآذان النعام. وَوصف النعام بالمصلم تصغيراً لَهَا وَإِن كَانَت خلقَة. يَقُول:

стр. 2758

كأنكم مِمَّا تعيرون لَيست لكم آذان تَسْمَعُونَ بهَا فامشوا بِغَيْر آذان. وَاخْتلف فِي النعام فَقيل: إِنَّهَا كلهَا صلم وَقيل غير ذَلِك. وَقَوْلها: وَلَا تشْربُوا إِلَّا فضول إِلَخ رَوَاهُ أَبُو تَمام: وَلَا تردوا وَإِذا ارتملت. قَالَ التبريزي: يُقَال ترمل وارتمل إِذا تلطخ بِالدَّمِ فَكَانَ من عَادَتهم إِذا وردوا الْمِيَاه أَن يتَقَدَّم الرِّجَال ثمَّ العضاريط والرعاة ثمَّ النِّسَاء فَكُن يغسلن أَنْفسهنَّ وثيابهن ويتطهرن آمنات مِمَّا يزعجهن فَمن تَأَخّر عَن المَاء حَتَّى تصدر النِّسَاء فَهُوَ الْغَايَة فِي الذل. وَجعلت النِّسَاء مرتملات بِدَم الْحيض تفظيعاً للشأن. وَقَالَ النمري: قَالَ أَبُو رياش: تَقول: إِذا قبلتم الدِّيَة فَلَا تأنفوا بعْدهَا من شَيْء كَمَا تأنف الْعَرَب واغشوا نساءكم وَهن حيض. والفضول هَا هُنَا: بقايا الْحيض وسمى الغشيان وردا مجَازًا. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي: مَعْنَاهُ لَا تردوا المواسم بعد أَخذ الدِّيَة إِلَّا وَأَعْرَاضكُمْ دنسة من الْعَار كأنكم نساءٌ حيض. وَهَذَا كَمَا قَالَ جرير: (لَا تَذكرُوا حلل الْمُلُوك فَإِنَّكُم ... بعد الزبير كحائضٍ لم تغسل) وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي بعد إِيرَاده هَذِه الأبيات: إِن المحزم بن سَلمَة أحد بني مَازِن بن زبيد قتل عبد الله بن معديكرب أَخا عَمْرو وَكَانَ عبد الله لطم عبدا للمحزم على شرابٍ فَجَاءَت بَنو مَازِن إِلَى عبد الله فَقَتَلُوهُ ورأسوا

стр. 2759

عَلَيْهِم عَمْرو بن معديكرب فَلَمَّا حِضْت عمرا أكب على) بني مَازِن بِقَتْلِهِم وهم غَارونَ فَيُقَال: إِنَّهُم احتملوا فنزلوا فِي بني مَازِن بن عَمْرو فهم فيهم. وأنفذ عمرٌ وابْن أَخ لَهُ وَأَعْطَاهُ الصمصامة وَقَالَ: اقْتُل بهَا المحزم. فَمضى فَقتل المحزم وَابْن أَخ لَهُ ثمَّ انْصَرف إِلَى عَمْرو فَقَالَ لَهُ: مَا صنعت قَالَ: قتلت المحزم وَابْن أَخِيه فَقَالَ عَمْرو: كَيفَ أصنع ببني مَازِن وَقد قتلت سَيِّدهَا فَقَالَ الْغُلَام: أَعْطَيْتنِي الصمصامة وسميتني الْمِقْدَام ثمَّ أقتل وَاحِدًا فَمَا خبري إِذن قَالَ: فَرَحل عَمْرو فِي أَرْبَعِينَ من بني زبيد فَصَارَ فِي جرمٍ حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَام وَهَاجَر. اه. وروى هَذَا الْخَبَر مفصلا الْأَصْفَهَانِي فِي الأغاني: قَالَ: كَانَ عبد الله بن معديكرب أَخُو عَمْرو رَئِيس زبيد فَجَلَسَ مَعَ بني مَازِن فَشرب فتغنى عِنْده حبشيٌّ وَهُوَ عبدٌ للمحزم أحد بني مَازِن فشبب بامرأةٍ من بني زبيد فَلَطَمَهُ عبد الله وَقَالَ لَهُ: أما كَفاك أَن تشرب مَعنا حَتَّى تشبب بِالنسَاء فَنَادَى الحبشي: يَا لمازن فَقَامُوا إِلَى عبد الله فَقَتَلُوهُ وَكَانَ الحبشي عبدا للمحزم فرئس عمرٌ ومَكَان أَخِيه. وَكَانَ عمرٌ وغزا هُوَ وأبيٌّ الْمرَادِي فَأَصَابُوا غَنَائِم فَادّعى أبي أَنه كَانَ مسانداً فَأبى عمرٌ وأَن يُعْطِيهِ شَيْئا فكره أبيٌّ أَن يكون بَينهم شرٌّ لحداثة قتل أَخِيه فَأمْسك عَنهُ. وَبلغ عمرا أَنه توعده فَقَالَ فِي ذَلِك قصيدةٍ مِنْهَا: (تمناني ليقتلني أبيٌّ ... وددت وأينما مني ودادي) ...

стр. 2760

(إِذا للقيت عمك غير نكسٍ ... وَلَا متعلم قتل الوحاد) (أُرِيد حباءه وَيُرِيد قَتْلِي ... عذيرك من خَلِيلك من مُرَاد) وَكَانَ عَليّ بن أبي طَالب إِذا نظر إِلَى ابْن ملجم أنْشد: أُرِيد حباءه وَيُرِيد قَتْلِي ... ... ... ... . . الْبَيْت وَجَاءَت بَنو مَازِن إِلَى عَمْرو فَقَالُوا: إِن أَخَاك قَتله رجل منا سَيْفه وَهُوَ سَكرَان وَنحن يدك وعضدك فنسألك بالرحم إِلَّا أخذت منا الدِّيَة مَا أَحْبَبْت فهم عَمْرو بذلك وَقَالَ: إِحْدَى يَدي أصابتني وَلم ترد فَبلغ ذَلِك أُخْتا لعَمْرو يُقَال لَهَا كَبْشَة وَكَانَت ناكحاً فِي بني الْحَارِث بن كَعْب فغبت فَلَمَّا وافى النَّاس من الْمَوْسِم قَالَت شعرًا. وَأنْشد الأبيات السِّتَّة. فَقَالَ عَمْرو قصيدةً مِنْهَا: (أرقت وأمسيت لَا أرقد ... وساورني الموجع الْأسود) (وَبت لذكرى بني مازنٍ ... كَأَنِّي مرتفقٌ أَرْبَد)

стр. 2761

. ثمَّ أكب عمرٌ وعلى بني مَازِن وهم غَارونَ بِقَتْلِهِم وَقَالَ فِي ذَلِك:) (خُذُوا حققاً مخطمةً صفايا ... وكيدي يَا محزم مَا أكيد) (قتلتم سادتي وتركتموني ... على أكتافكم عبءٌ جَدِيد) فَأَرَادَتْ بَنو مَازِن أَن يردوا عَلَيْهِم الدِّيَة لما آذنهم بِحَرب فَأبى عَمْرو. وَكَانَت بَنو مَازِن من أَعدَاء مذْحج وَكَانَ عبد الله أَخا كَبْشَة لأَبِيهَا وَأمّهَا دون عَمْرو وَكَانَ عمرٌ وقد هم بالكف عَنْهُم حِين قتل من قتل مِنْهُم فركبت كَبْشَة فِي نساءٍ من قَومهَا وَتركت عمرا أخاها وعيرته فأفحمته فأكب عَلَيْهِم أَيْضا بِالْقَتْلِ فَلَمَّا أَكثر فيهم الْقَتْل تفَرقُوا فلحقت بَنو مَازِن بِصَاحِبِهِمْ مَازِن بن تَمِيم وَلَحِقت نَاشِرَة ببني أَسد وهم رَهْط الصَّقْعَب بن الصحصح وَلَحِقت فالج بسليم ابْن مَنْصُور. وفالج وناشرة: ابْنا أَنْمَار بن مَازِن بن ربيعَة بن مُنَبّه بن صَعب بن سعد الْعَشِيرَة. وأمهما هِنْد بنت عدس بن يزِيد بن عبد الله بن دارم فَقَالَ كابية بن حرقوص بن مَازِن: (يَا لَيْتَني يَا لَيْتَني بالبلدة ... ردَّتْ عَليّ نجومها فارتدت) (من كَانَ أسْرع فِي تفرق فالجٍ ... فلبونه جربت مَعًا وأغدت) (هلا كناشرة الَّذِي ضيعتم ... كالغصن فِي غلوائه المتنبت)

стр. 2762

. وَقَالَ عَمْرو فِي ذَلِك: تمنت مازنٌ جهلا خلاطي الأبيات السَّابِقَة إِلَّا الْبَيْت الْأَخير. وَتَقَدَّمت تَرْجَمَة عَمْرو بن معديكرب فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْخمسين بعد الْمِائَة. وَأنْشد بعده وَهُوَ من شَوَاهِد س: وَالْخَيْل تعدو فِي الصَّعِيد بداد على أَن بداد وصفٌ مؤنث معدول عَن متبددة أَي: مُتَفَرِّقَة فَهُوَ حَال. وَهَذَا مخالفٌ لقَوْل سِيبَوَيْهٍ فَإِنَّهُ أنْشدهُ على أَن بداد فِيهِ معدولٌ عَن مصدر مؤنث لَا عَن وصف. قَالَ: هَذَا بِمَنْزِلَة قَوْله تعدوا بدداً. فَيكون الْمصدر مؤولاً بِالْحَال. قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ قَوْله بداد وَهُوَ اسمٌ للتبدد معدول عَن مؤنثٍ كَأَنَّهُ سمى التبدد بدةً ثمَّ عدلها إِلَى بداد كَمَا سمي الْبر: برة. انْتهى. وصنيع الشَّارِح أحسن فَإِن الْحَال نادرٌ وُقُوعهَا معرفَة. وَيَأْتِي: بداد اسْم فعل أَمر أَيْضا. وَأوردهُ الزَّمَخْشَرِيّ فِي فعال الأمري قَالَ:

стр. 2763

وبداد أَي: ليَأْخُذ كلٌّ مِنْكُم قرنه. وَيُقَال أَيْضا: جَاءَت الْخَيل بداد أَي: متبددة. فَهِيَ مُشْتَركَة بَين الْأَمر والمصدر. قَالَ فِي الصِّحَاح: قَوْلهم فِي) الْحَرْب: يَا قوم بداد بداد أَي: ليَأْخُذ كل رجلٍ قرنه. يُقَال مِنْهُ تباد الْقَوْم يتبادون إِذا أخذُوا أقرانهم. وَبني لِأَنَّهُ واقعٌ موقع الْأَمر. وَيُقَال أَيْضا: لقوا بدادهم أَي: أعدادهم لكل رجلٍ رجلٌ. والبداد بِالْفَتْح: البرَاز. يُقَال: لَو كَانَ البداد مَا أطاقونا أَي: لَو بارزناهم رجلٌ وَرجل. وَقَوْلهمْ: جَاءَت الْخَيل بداد أَي: متبددة. وَبني أَيْضا على الْكسر لِأَنَّهُ معدول عَن الْمصدر وَهُوَ البدد. قَالَ: وتفرق الْقَوْم بداد أَي: متبددة. قَالَ حسان: (كُنَّا ثَمَانِيَة وَكَانُوا جحفلاً ... لجباً فشلوا بِالرِّمَاحِ بداد) وَإِنَّمَا بني للعدل والتأنيث وَالصّفة. انْتهى. ف بداد على هَذَا ثَلَاثَة أَقسَام. وَهُوَ تَابع فِي صَنِيعه. وَكَذَلِكَ تبعه ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ فَإِنَّهُ أورد الْبَيْت فِي قسم الْمصدر وَقَالَ: أَرَادَ بدداً. وَالْبَيْت من أبياتٍ لعوف بن الخرع التَّيْمِيّ يرد على لَقِيط بن

стр. 2764

زُرَارَة فَإِنَّهُ كَانَ هجا عديا وتيماً وعيره عوفٌ بفراره عَن أَخِيه معبدٍ لما أسر. وَقَبله: (هلا كررت على ابْن أمك معبدٍ ... والعامري يَقُودهُ بصفاد) (وَذكرت من لبن المحلق شربةً ... وَالْخَيْل تعدو بالصعيد بداد) فِي الأغاني بِسَنَدِهِ أَن الْحَارِث بن ظَالِم المري لما قتل خَالِد بن جَعْفَر بن كلاب غدراً عِنْد النُّعْمَان بن الْمُنْذر بِالْحيرَةِ هرب فَأتى زُرَارَة بن عدس فَكَانَ عِنْده فَلم يزل فِي بني تَمِيم عِنْد زُرَارَة حَتَّى لحق بِقُرَيْش. فَخرجت بَنو عَامر إِلَى الْحَارِث بن ظَالِم حَيْثُ لَجأ إِلَى زُرَارَة فسارت بَنو عَامر نحوهم والتقوا برحرحان فَاقْتَتلُوا قتالاً شَدِيدا وَأسر يَوْمئِذٍ معبد بن زُرَارَة أسره عَامر بن مَالك واشترك فِي أسره طفيل بن مَالك وَرجل من غنيٍّ يُقَال لَهُ: أَبُو عميلة وَهُوَ عصمَة بن وهب وَكَانَ أَخا ابْن مَالك من الرَّضَاع. وَكَانَ معبد بن زُرَارَة كثير المَال فوفد لَقِيط بن زُرَارَة على عَامر بن مَالك فِي الشَّهْر الْحَرَام وَهُوَ رَجَب فَسَأَلَ عَامِرًا أَن يُطلق أَخَاهُ فَقَالَ عَامر: أما حصتي فقد وهبتها لَك وَلَكِن ارْض أخي وحليفي الَّذين اشْتَركَا فِيهِ. فَجعل لقيطٌ لكل واحدٍ مائةُ من الْإِبِل فرضيا وَأَتيا عَامِرًا فَأَخْبَرَاهُ فَقَالَ عامرٌ للقيط: دُونك أَخَاك فَأطلق عَنهُ. فَلَمَّا أطلقهُ فكر فِي نَفسه لَقِيط وَقَالَ: أعطيهم مِائَتَيْنِ من الْإِبِل وَتَكون

стр. 2765

النِّعْمَة لَهُم لَا وَالله لَا أفعل ذَلِك وَرجع إِلَى عَامر فَقَالَ: إِن أبي زُرَارَة نَهَانَا أَن نزيد على دِيَة مُضر وَهِي مائَة إِن أَنْتُم رَضِيتُمْ أَعطيتكُم مائَة من الْإِبِل. فَقَالُوا: لَا حَاجَة لنا فِي ذَلِك.) فَانْصَرف لَقِيط فَقَالَ لَهُ معبد: مَالِي يخرجني من أَيْديهم فَأبى ذَلِك عَلَيْهِ لَقِيط وَقَالَ معبد لعامر: يَا عَامر أنْشدك الله لما خليت سبيلي فَإِنَّمَا يُرِيد ابْن الْحَمْرَاء أَن يَأْكُل مَالِي وَلم تكن أمه أم لَقِيط. فَقَالَ عَامر: أبعدك الله إِن لم يشفق عَلَيْك أَخُوك فَأَنا أَحَق أَن لَا أشْفق عَلَيْك. فعمدوا إِلَى معبد فذبحوا شَاة فألبسوه جلدهَا حاراً وشدوا عَلَيْهِ الْقد وبعثوا بِهِ إِلَى الطَّائِف فَلم يزل بهَا حَتَّى مَاتَ. فَقَالَ فِي ذَلِك عَوْف بن عَطِيَّة بن الخرع: (هلا كررت على ابْن أمك ... الْبَيْتَيْنِ) وَالْكر هُنَا: الرُّجُوع فِي حومة الْحَرْب لاستخلاص أَخِيه من الْحَرْب. واتفقت جَمِيع الرِّوَايَات على قَوْله ابْن أمك مَعَ أَنَّهُمَا من أَمِين. قَالَ ابْن حبيب فِي شرح النقائض: لَيست أمهما وَاحِدَة وَلَكِن أمهما أُمَّهَات فجمعهما. وَرَوَاهُ ابْن السَّيِّد فِيمَا كتبه على كَامِل الْمبرد: على أَخِيك معبدٍ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي الْأسود فِي ضَالَّة الأديب: قد غلط ابْن الْأَعرَابِي من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن الشّعْر لعوف بن الخرع وَهُوَ قد نسبه إِلَى ابْن كرَاع.

стр. 2766

وَالثَّانِي: أَنه قَالَ: على ابْن أمك وَإِنَّمَا الرِّوَايَة على أَخِيك بِالتَّصْغِيرِ لِأَن معبدًا لم يكن لأم لَقِيط. وَقَوله: والعامري يَقُودهُ إِلَخ جملةٌ حَال من التَّاء فِي كررت. والصفاد بِالْكَسْرِ: جمع صفد بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْقَيْد. وَقَوله: وَذكرت من لبن إِلَخ الْجُمْلَة معطوفة على هلا كررت. والمحلق بتَشْديد اللَّام الْمَفْتُوحَة قَالَ صَاحب النقائض: المحلق سمة ابل بني زُرَارَة. وقالابن السَّيِّد فِيمَا كتبه على الْكَامِل: المحلق: إبلٌ موسومة بِالْحلقِ على وَجههَا. وَقَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: أَي: من لبن النعم الَّذِي عَلَيْهِ وسومٌ كأمثال الْحلق. وَقَوله: وَالْخَيْل تعدوا الْجُمْلَة حَال من تَاء الْمُخَاطب فِي ذكرت. والصعيد: وَجه الأَرْض. وروى بدله: بالصفاح بِالْكَسْرِ. قَالَ ابْن السَّيِّد: وَهُوَ مَوضِع. قَالَ الأعلم: يَقُول هَذَا للقيط بن زُرَارَة التَّمِيمِي وَكَانَ قد انهزم فِي حربٍ أسر فِيهَا أَخُوهُ معبد بن زُرَارَة فَعَيَّرَهُ وَنسب إِلَيْهِ الْحِرْص على الطَّعَام وَالشرَاب وَأَن ذَلِك حمله على الانهزام وَأَرَادَ بالمحلق قطيع إبلٍ وسم بِمثل الْحلق من وسم النَّار. انْتهى. قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي أَبْيَات الْمعَانِي: قَالَ مقاس العائذي: (تذكرت الْخَيل الشّعير عَشِيَّة ... وَكُنَّا أُنَاسًا يعلفون الأياصرا)

стр. 2767

. أَي: ذكرْتُمْ الْحبّ والقرى فانهزمتم وَرَجَعْتُمْ إِلَيْهَا وَنحن نعلف الْحَشِيش فَنحْن نسير لَا ننهزم وَلَا نبالي أَيْن كُنَّا. ونحوٌ مِنْهُ قَول عَوْف بن عَطِيَّة بن الخرع للقيط بن زُرَارَة: هلا كررت على ابْن أمك ... ... ... ... ... . . الْبَيْتَيْنِ) والمحلق: إبلٌ سماتها الْحلق. وبداد: مُتَفَرِّقَة. انْتهى. والأياصر: جمع أيصر وَهُوَ الْحَشِيش. وَهَذِه الْوَقْعَة يُقَال لَهَا: يَوْم رحرحان براءين وحاءين مهملات وَهُوَ جبل قرب عكاظ. وَقد شرح خبر هَذَا الْيَوْم شَارِح المناقضات شرحاً مفصلا قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: حَدثنِي أَبُو الوثيق أحد بني سلمى بن مَالك بن جَعْفَر بن كلاب قَالَ: لما التحف بَنو دارم على الْحَارِث بن ظَالِم لما قتل خَالِد بن جَعْفَر بن كلاب وأبى بَنو دارم أَن يسلموه أَو يخرجوه من عِنْدهم غزاهم ربيعَة بن الْأَحْوَص بن جَعْفَر بن كلاب بأفناء عَامر طَالبا بِدَم أَخِيه خَالِد بن جَعْفَر عِنْد الْحَارِث بن ظَالِم فقاتل فِي الْقَوْم فهزمت بَنو دارم وهرب معبد بن زُرَارَة. فَقَالَ رجلٌ من غَنِي لعامر والطفيل ابْني مَالك بن جَعْفَر بن كلاب: هَذَا رجل معلم بعمامة حَمْرَاء فِي رَأسه جرح رَأَيْته يسند فِي الهضبة أَي: يصعد وَكَانَ معبد قد طعن فصرع فَلَمَّا أجلت عَنهُ الْخَيل سَنَد فِي هضبةٍ من رحرحار وَهُوَ جبل فَقَالَ عَامر وَأَخُوهُ الطُّفَيْل للغنوي: اسند واحدره. فسند الغنوي فحدره عَلَيْهِمَا فَإِذا هُوَ معبد بن زُرَارَة. فأعطيا الغنوي عشْرين بكرَة وَصَارَ أسيرهما.

стр. 2768

وَأما درواس بن هنيٍّ أحد بني زُرَارَة فَزعم أَن معبدًا كَانَ برحرحان متنحياً عَن قومه فِي عشراوات لَهُ فَأخْبر الْأَحْوَص بمكانه فاغتره فوفد لَقِيط بن زُرَارَة عَلَيْهِم فِي فدَاء أَخِيه فَقَالَ: لكم عِنْدِي مِائَتَا بعير. فَقَالُوا: إِنَّك يَا أَبَا نهشل سيد النَّاس وأخوك معبد سيد مُضر فَلَا نقبل فداءه مِنْك إِلَّا دِيَة مَالك. فَأبى أَن يزيدهم وَقَالَ: إِن أَبَانَا أوصانا أَن لَا نزيد بأسيرٍ منا على مِائَتي بعير فيحب النَّاس أَخذنَا. فَقَالَ معبد: وَالله لقد كنت أبْغض إخوتي إِلَيّ وفادةً عَليّ لَا تدعني وَيلك يَا لَقِيط فوَاللَّه إِن عدَّة نعمي لأكْثر من ألف بعير فافدني بِأَلف بعير من مَالِي فَأبى لَقِيط وَقَالَ: تصير سنة علينا. فَقَالَ معبد: وَيلك يَا لَقِيط لَا تدعني فَلَا تراني بعد الْيَوْم أبدا فَأبى لَقِيط ومناه أَن يغزوهم ويستنقذه ورحل عَن الْقَوْم فَمَا سقوا معبدًا المَاء حَتَّى هلك هزلا. وَقَالَ أَبُو الوثيق: لما أَبى لَقِيط أَن يتفادى معبدًا بِأَلف بعير ظنُّوا أَنه سيغزوهم فَقَالُوا: ضَعُوا معبدًا فِي حصن هوَازن. فَحَمَلُوهُ حَتَّى وضعوه بِالطَّائِف فَجعلُوا إِذا سقوه قراه لم يشرب وَضم بَين فقميه وَقَالَ: لَا أقبل قراكم وَأَنا فِي الْقد أسيركم فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِك عَمدُوا إِلَى عودٍ فأولجوه فِي فِيهِ وفتحوا فَاه ثمَّ أوجروه اللَّبن رَغْبَة فِي فدائه وكراهية أَن يهْلك. فَلم يزل كَذَلِك حَتَّى هلك فِي الْقد. فَلَمَّا هجا لقيطٌ عديا وتيماً قَالَ عَطِيَّة بن عَوْف التَّيْمِيّ يعيره أسر بني عَامر معبدًا وفراره عَنهُ:)

стр. 2769

فَلَمَّا انْقَضتْ وقْعَة يَوْم رحرحان جمع لَقِيط بن زُرَارَة لبني عَامر وألب عَلَيْهِم. وَبَين يَوْم رحرحان وَيَوْم جبلة سنة وَكَانَ يَوْم جبلة قبل الْإِسْلَام بِخمْس وَأَرْبَعين سنة فِي قَول المكثر وَذَلِكَ عَام ولد النَّبِي ﷺ َ. وَفِي قَول المقلل: أَرْبَعِينَ سنة. انْتهى بِاخْتِصَار. وعَوْف بن خرع التَّيْمِيّ شَاعِر جاهلي وَهُوَ عَوْف بن عَطِيَّة بن الخرع وَاسم الخرع عَمْرو بن عَيْش بن وريقة بن عبد الله بن لؤَي بن عَمْرو بن الْحَارِث ابْن تيم بن عبد مَنَاة بن أد بن طابخة بن إلْيَاس بن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان. كَذَا فِي جمهرة الْأَنْسَاب. فالخرع لقب جده وَهُوَ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء بعْدهَا عين. وَله ديوَان صَغِير وَهُوَ عِنْدِي. وَأنْشد بعده الشَّاهِد الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ بعد الأربعمائة (قد كنت أحسبكم أسود خفيةٍ ... فَإِذا لصاف تبيض فِيهِ الْحمر) على أَن فعال فِي الْأَعْلَام الشخصية جَمِيع ألفاظها مُؤَنّثَة. وَأما لصاف هُنَا فَإِنَّمَا ذكره بإرجاع الضَّمِير عَلَيْهِ من فِيهِ لتأويله بالموضع وَهُوَ منزلٌ من منَازِل بني تَمِيم. وَرُوِيَ أَيْضا فِيهَا بتأنيث الضَّمِير فَلَا إِشْكَال حِينَئِذٍ.

стр. 2770

أَقُول: الَّذِي رَوَاهُ: فِيهِ بضمير الْمُذكر هُوَ صَاحب الصِّحَاح والعباب. وَالَّذِي رَوَاهُ: فِيهَا بضمير الْمُؤَنَّث جمَاعَة كَثِيرَة مِنْهُم ابْن السّكيت فِي إصْلَاح الْمنطق والقالي فِي أَمَالِيهِ وَأَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِي ضَالَّة الأديب وَأَبُو الْعَلَاء المعري فِي شرح ديوَان البحتري وَأَبُو عبيدٍ الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم. قَالَ ابْن دُرَيْد فِي الجمهرة بعد إنشاده الْبَيْت: يخرج لصاف مخرج الْمُؤَنَّث فَتَقول: هَذِه لصاف وَرَأَيْت لصاف ومررت بلصاف فَهُوَ لَا ينْصَرف. وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة يَقُول: هَذَا لصاف مبنيٌّ على الْكسر أخرجه مخرج حذام وقطام. وَإِن رفعت فجيد وَإِن نصبت فَجَائِز. انْتهى. قَالَ الصَّاغَانِي فِي كتاب فعال: وَبَعْضهمْ يجريه مجْرى مَا ينْصَرف. وَقد صرفه الشَّاعِر فِي قَوْله: (إِن لصافاً لَا لصاف فاصبري ... الْبَيْت) ولصاف بِاللَّامِ وَالصَّاد الْمُهْملَة: اسْم ماءٍ فِي موضعٍ بَين مَكَّة والبصرى لبني يَرْبُوع من قَبيلَة تَمِيم. قَالَ أَبُو عبيدٍ فِي المعجم: قَالَ الْأَثْرَم: لصاف: مَاء لبني يَرْبُوع
следующие страницы →