← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

وَكسر الرَّاء وَتَشْديد الْيَاء. وَفِيه لُغَة أُخْرَى: دردريٌّ بالراء مَوضِع الْوَاو. وقلا صَاحب الْقَامُوس: وَهُوَ الآدر الطَّوِيل الخصيتين وَالَّذِي يذهب وَيَجِيء فِي غير حَاجَة. وَقَالَ ابْن المستوفي: ويروى قبل الرجز الشَّاهِد قَوْله: الرجز (تَقول: يَا رباه يَا رب هَل ... إِن كنت من هَذَا منجي أحبلي) (إِمَّا بتطليقٍ وَإِمَّا بأرحلي ... أَو ارْمِ فِي وجعائه بدمل) وَقَالَ الْعَيْنِيّ فِي هَذَا: الرجز لجندل بن الْمثنى. وَفِي شرح الفصيح قَالَ ابْن السرافي: قالته سلمى الهذلية. انْتهى. أَقُول: شرح ابْن السيرافي هذَيْن الْبَيْتَيْنِ فِي شرح أَبْيَات إصْلَاح الْمنطق وَلم يذكر هَذِه الأبيات الْأَرْبَعَة الْمُتَقَدّمَة عَلَيْهِمَا وَلَا نسب الرجز لأحد. وَهَذِه عِبَارَته: التدلدل: تحرّك الشَّيْء الْمُعَلق واضطرابه. وظرف الْعَجُوز: الجراب الَّذِي تجْعَل فِيهِ خبزها وَمَا تحْتَاج إِلَيْهِ. وظرف الْعَجُوز خلقٌ متقبض فِيهِ تشنج لقدمه. وَقَالَ ابْن المستوفي: قَالَ ابْن السيرافي: حكى هَذَا الشَّاعِر عَن امرأةٍ أَنَّهَا دعت على زَوجهَا وَطلبت الرَّاحَة مِنْهُ. وَقَوْلها: هَل أَرَادَت هَل تحسن

стр. 3362

إِلَيّ بتفريق مَا بيني وَبَينه من الوصلة وَعقد التَّزْوِيج. والأحبل: جمع حَبل وَهُوَ مَا بَينهمَا من العقد. ومنجي: خبر كنت وأسكن الْيَاء من أجل القافية. وَقَوله: إِمَّا بتطليق: إِمَّا أَن يُطلق طَلَاقا بَينا. وَإِمَّا أَن يَقُول ارحلي يُرِيد بِهِ الطَّلَاق. وَحذف) المستفهم عَنهُ اعْتِمَادًا على فهم السَّامع. وَحذف جَوَاب لَا شَرط وَهُوَ إِن كنت منجياً لي من هَذَا الرجل فافعل. وَقَوله: أَو ارْمِ فِي وجعائه إِلَخ هَذَا الْبَيْت أوردهُ الْعَيْنِيّ بعد الثَّلَاثَة وَقَالَ: الوجعاء بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الْجِيم وَالْمدّ: الاست. وَتَقَدَّمت تَرْجَمَة خطام الْمُجَاشِعِي فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة. وَأنْشد بعده ٣ - (الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْخَمْسمِائَةِ) وَهُوَ من شَوَاهِد س: الطَّوِيل على أَن الْعدَد الْمُمَيز بمذكر ومؤنث مَعًا المفصول بَينه وبَينهمَا بِلَفْظ بَين أومن أَو بالمجموع إِن كَانَ المميزان يَوْمًا ولَيْلَة فالغلبة للتأنيث فَإِنَّهُ اعْتبر جَانب الْمُؤَنَّث فَذكر عدده. وَإِن كَانَ المميزان غير يَوْم وَلَيْلَة فالغلبة للتذكير.

стр. 3363

وَهَاتَانِ المسألتان صرح بهما سِيبَوَيْهٍ. وَهَذَا نَصه: وَتقول: سَار خمس عشرَة من بَين يومٍ وَلَيْلَة لِأَنَّك ألقيت الِاسْم على اللَّيَالِي ثمَّ بيّنت فَقلت: من بَين يَوْم وَلَيْلَة. أَلا ترى أَنَّك تَقول: لخمسٍ بَقينَ أَو خلون وَيعلم الْمُخَاطب أَن الْأَيَّام قد دخلت فِي اللَّيْل فَإِذا ألقِي الِاسْم على اللَّيَالِي اكْتفي بذلك عَن الْأَيَّام كَمَا أَنَّك تَقول: أَتَيْته ضحوة وبكرة فَيعلم الْمُخَاطب أَنَّهَا ضحوة يَوْمك وبكرة يَوْمك. وَأَشْبَاه هَذَا فِي الْكَلَام كثير. فَإِنَّمَا قَوْله: من بَين يَوْم وَلَيْلَة توكيدٌ بعد مَا وَقع على اللَّيَالِي لِأَنَّهُ قد علم أَن الْأَيَّام داخلةٌ مَعَ اللَّيَالِي. قَالَ النَّابِغَة الْجَعْدِي: (فطافت ثَلَاثًا بَين يومٍ وليلةٍ ... يكون النكير أَن تضيف وتجأرا) وَتقول: أعطَاهُ خَمْسَة عشر من بَين عبدٍ وَجَارِيَة لَا يكون فِي هَذَا إِلَّا هَذَا لِأَن الْمُتَكَلّم لَا يجوز لَهُ أَن يَقُول: خَمْسَة عشر عبدا فَيعلم أَن ثمَّ من الْجَوَارِي بِعدَّتِهِمْ وَلَا خمس عشرَة جَارِيَة فَيعلم أَن ثمَّ من العبيد بعدتهن فَلَا يكون هَذَا إِلَّا مختلطاً وَيَقَع عَلَيْهِ الْإِثْم الَّذِي بَين بِهِ الْعدَد. وَقد يجوز فِي الْقيَاس خَمْسَة عشر من بَين يَوْم وَلَيْلَة وَلَيْسَ بِحَدّ كَلَام الْعَرَب. انْتهى.) وَقد عمم الشَّارِح الْمُحَقق فِي قَوْله: الْغَلَبَة للتذكير نَحْو اشْتريت عشرَة بَين عبد وَأمة وَرَأَيْت خَمْسَة عشر من النوق والْجمال. وَفِي المثالين أَربع صور. والأول مِمَّن يعقل وَالثَّانِي مِمَّن لَا يعقل وَفِي كلٍّ مِنْهُمَا إِمَّا تَقْدِيم الْمُذكر وإِمَّا تَأْخِيره. والحكم فِي الصُّور الْأَرْبَع وَاحِد وَهُوَ تَأْنِيث الْعدَد.

стр. 3364

وَهَذَا صَرِيح قَول سِيبَوَيْهٍ: لَا يكون فِي هَذَا إِلَّا هَذَا. وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر فَإِن الْمُذكر عَاقِلا كَانَ أَو غَيره لشرفه يغلب على الْمُؤَنَّث قدم أَو أخر. وَهَذَا يَشْمَل مَا لَو كَانَ مَعَ غير عَاقل نَحْو: اشْتريت أَرْبَعَة عشر بَين عبد ونَاقَة أَو بَين نَاقَة وعبد. وَكَذَا يغلب مؤنث الْعَاقِل على غَيره فَتَقول: اشْتريت أَربع عشرَة بَين جمل وأمة أَو بَين أمة وجمل. قَالَ أَبُو حَيَّان: وهَذَا هُوَ الْقيَاس. وَقد خَالف الْفراء فِي الثَّلَاثَة الْأَخِيرَة من الْأَرْبَع فِي عُمُوم قَول الشَّارِح الْمُحَقق فَأوجب تذكير الْعدَد فِيهَا لتغليب الْمُؤَنَّث قَالَ عِنْد تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهرٍ وَعشرا: فَإِن قلت: بَين نَاقَة وجمل غلبت التَّأْنِيث وَلم تبال أبدأت بالجمل أَو بالناقة فَقلت: عِنْدِي خمس عشرَة بَين جمل وناقة. وَلَا يجوز أَن تَقول: عِنْدِي خمس عشرَة أمة وعبداً وَلَا بَين أمة وَعبد إِلَّا بالتذكير لِأَن الذكران من غير مَا ذكرت لَك لَا يجتزأ مِنْهَا بالإناث وَلِأَن الذّكر مَوْسُوم بِغَيْر سمة الْأُنْثَى. انْتهى.

стр. 3365

وَنقل ابْن السّكيت كَلَامه هَذَا بِحُرُوفِهِ فِي كتاب الْمُؤَنَّث والمذكر وَفِي كتاب إصْلَاح الْمنطق. وَوَافَقَ أَبُو حَيَّان الشَّارِح فِيمَن يعقل وَخَالفهُ فِيمَن لَا يعقل. قَالَ فِي الارتشاف: وَإِذا ميزت عددا مركبا بمذكر ومؤنث ذَوي عقل فَالْحكم فِي الْعدَد للمذكر سَوَاء أقدم التَّمْيِيز الْمُذكر أم أخر أَو اتَّصل بالمركب أَو انْفَصل يبين أَو كَانَ الْمُذكر نصفا أَو أقل. تَقول: اشْتريت خَمْسَة عشر عبدا وَأمة أَو أمة وعبداً أَو بَين عبد وَأمة أَو بَين أمة وَعبد تغلب الْمُذكر وَلَو كَانَ وَاحِدًا. فَإِن عدم الْعقل مِنْهُمَا فإمَّا أَن يتَّصل التمييزان بالمركب أَو يفصل ببين. فَإِن اتَّصل فَالْحكم للسابق مِنْهُمَا فَتَقول: اشْتريت سِتَّة عشر جملا وناقة وست عشرَة نَاقَة وجملاً. وَإِن فصلت بَين فَالْحكم للمؤنث. تَقول: اشْتريت سِتّ عشرَة بَين جمل وناقة وست عشرَة بَين نَاقَة وجمل. انْتهى.) وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: إِذا أبهمت اللَّيَالِي وَلم تذكر جرى اللَّفْظ على التَّأْنِيث إِلَخ لم يَجعله عِنْد الْإِبْهَام من بَاب التغليب مُوَافقَة لسيبويه إِذْ لَا يصدق عَلَيْهِ تَعْرِيف التغليب وَهُوَ أَن تعم كلا الصِّنْفَيْنِ بِلَفْظ أَحدهمَا إِذْ لم يذكر عِنْد الْإِبْهَام شيءٌ من اللَّيَالِي وَالْأَيَّام حَتَّى يغلب أَحدهمَا على الآخر. وَإِنَّمَا أَرَادَ الشَّارِح أَن اللَّيَالِي مستلزمة الْأَيَّام وَالْأَيَّام تابعةٌ لَهَا وداخلة

стр. 3366

فِيهَا كَمَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي: لخمسٍ بَقينَ. قَالَ الزّجاج فِي تَفْسِير الْآيَة الْمَذْكُورَة: معنى قَوْله : وَعشرا يدْخل فِيهَا الْأَيَّام. زعم سِيبَوَيْهٍ أَنَّك إِذا قلت: لخمسٍ بَقينَ قد علم الْمُخَاطب أَن الْأَيَّام دَاخِلَة مَعَ اللَّيَالِي. وَزعم غَيره أَن لفظ التَّأْنِيث مغلب فِي هَذَا الْبَاب. انْتهى. وَأَرَادَ بِغَيْر سِيبَوَيْهٍ الْفراء فَإِنَّهُ زعم فِي تَفْسِيره عِنْد هَذِه الْآيَة أَنه تَغْلِيب. قَالَ: لم يقل وَعشرَة لِأَن الْعَرَب إِذا أبهمت الْعدَد من اللَّيَالِي وَالْأَيَّام غلبوا عَلَيْهِ اللَّيَالِي حَتَّى إِنَّهُم ليقولون: صمنا خمْسا من شهر رَمَضَان لِكَثْرَة تغليبهم اللَّيَالِي على الْأَيَّام. فَإِذا أظهرُوا مَعَ الْعدَد تَفْسِيره كَانَت الْإِنَاث بطرح الْهَاء والذكران بِالْهَاءِ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: سبع ليالٍ وَثَمَانِية أَيَّام. وَإِن جعلت الْعدَد غير مُتَّصِل بِالْأَيَّامِ كَمَا يتَّصل الْخَافِض بِمَا بعده غلبت اللَّيَالِي أَيْضا على الْأَيَّام. فَإِذا اختلطا فَكَانَت ليَالِي وأياماً غلبت التَّأْنِيث فَقلت: مضى لَهُ سبعٌ ثمَّ تَقول بعد أَيَّام: فِيهَا برد شَدِيد. وَأما الْمُخْتَلط فَقَوْل الشَّاعِر: أَقَامَت ثَلَاثًا بَين يومٍ وَلَيْلَة فَقَالَ: ثَلَاثًا وفيهَا أَيَّام. انْتهى. وَيرد عَلَيْهِ مَا ذكر من أَنه لَيْسَ من التغليب قي شَيْء وَهُوَ أول من ذهب إِلَيْهِ. لَا الزّجاج فَإِنَّهُ حاكٍ للمذهبين. وَلَا الزجاجي فَإِنَّهُ تِلْمِيذه.

стр. 3367

قَالَ ابْن مَالك فِي فصل التَّارِيخ من شرح الكافية الشافية. أول الشَّهْر لَيْلَة طُلُوع هلاله فَلذَلِك أوثر فِي التَّارِيخ قصد اللَّيَالِي واستغني عَن قصد الْأَيَّام لِأَن كل لَيْلَة من أَيَّام الشَّهْر يتبعهَا يومٌ فأغناهم قد الْمَتْبُوع عَن التَّابِع. وَلَيْسَ هَذَا من التغليب لِأَن التغليب هُوَ أَن تعم كلا الصِّنْفَيْنِ بِلَفْظ أَحدهمَا كَقَوْلِك: الزيدون) والهندات خَرجُوا. فالواو قد عَمت الزيدين والهندات تغيباً للمذكر. وقولك: كتب لخمس خلون لَا يتَنَاوَل إِلَّا اللَّيَالِي وَالْأَيَّام مُسْتَغْنى عَن ذكرهَا لكَون المُرَاد مفهوماً. انْتهى. وَقَالَ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف: التأريخ عدد اللَّيَالِي وَالْأَيَّام بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا مضى من الشَّهْر أَو السّنة وَإِلَى مَا بَقِي مِنْهُمَا. وَفعله أرخ وورخ تأريخاً وتوريخاً لُغَتَانِ. فَإِن ذكرت اللَّيَالِي وَالْأَيَّام بِالنِّسْبَةِ إِلَى السّنة أَو الشَّهْر وَذكرت الْعدَد كَانَ على جنسه من تذكير وتأنيث. فَتَقول: سرت من شهر كَذَا خمس لَيَال أَو خَمْسَة أَيَّام. وَإِن لم تذكر الْمَعْدُود فالعرب تَسْتَغْنِي بالليالي عَن الْأَيَّام فَتَقول: كتب لثلاث خلون من شهر كَذَا وَلَيْسَ من تَغْلِيب الْمُؤَنَّث على الْمُذكر خلافًا لقوم مِنْهُم الزجاجي. انْتهى. وَقَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: قَالُوا: يغلب الْمُؤَنَّث على الْمُذكر فِي مَسْأَلَتَيْنِ: إِحْدَاهمَا: ضبعان فِي تَثْنِيَة ضبع للمؤنث وضبعان للمذكر إِذْ لم يَقُولُوا: ضبعانان. وَالثَّانيَِة: التأريخ فَإِنَّهُم أَرخُوا بالليالي دون الْأَيَّام. ذكر ذَلِك الزجاجي وَجَمَاعَة. وَهُوَ سهوٌ فَإِن حَقِيقَة التغليب أَن يجْتَمع شَيْئَانِ فَيجْرِي حكم أَحدهمَا على الآخر وَلَا يجْتَمع اللَّيْل وَالنَّهَار. وَلَا هُنَا تعبيرٌ عَن شَيْئَيْنِ

стр. 3368

بِلَفْظ أَحدهمَا وَإِنَّمَا أرخت الْعَرَب بالليالي لسبقها إِذْ كَانَت أشهرهم قمرية وَالْقَمَر إِنَّمَا يطلع لَيْلًا. وَإِنَّمَا الْمَسْأَلَة الصَّحِيحَة قَوْلك: كتبته لثلاثٍ بَين يَوْم وَلَيْلَة. وضابطه أَن يكون مَعنا عددٌ مُمَيّز بمذكر كِلَاهُمَا مِمَّا لَا يعقل وفصلا من الْعدَد بِكَلِمَة بَين. فطافت ثَلَاثًا بَين يومٍ وَلَيْلَة انْتهى. قَالَ الشهَاب ابْن قَاسم الْعَبَّادِيّ فِيمَا كتبه على هَامِش الْمُغنِي: قد يكون الزجاجي عد اعْتِبَار أحد الْأَمريْنِ فِي الِاعْتِبَار على الآخر فَلَا يحكم بالسهو عَلَيْهِ. فَلْيتَأَمَّل. انْتهى. وَقَول ابْن هِشَام: قَالُوا: يغلب الْمُؤَنَّث على الْمُذكر فِي مَسْأَلَتَيْنِ إِلَخ مَأْخُوذ من درة الغواص للحريري قَالَ فِيهَا: من أصُول الْعَرَبيَّة أَنه مَتى اجْتمع الْمُذكر والمؤنث غلب حكم الْمُذكر على الْمُؤَنَّث إِلَّا فِي موضِعين: أَحدهمَا: أَنَّك مَتى أردْت تَثْنِيَة الْمُذكر وَالْأُنْثَى من الضباع قلت: ضبعان فأجريت التَّثْنِيَة) على لفظ الْمُؤَنَّث الَّذِي هُوَ ضبع لَا على لفظ الْمُذكر الَّذِي هُوَ ضبعان. وَإِنَّمَا فعل ذَلِك فِرَارًا مِمَّا كَانَ يجْتَمع من الزَّوَائِد لَو ثني على لفظ الْمُذكر. والموضع الثَّانِي: أَنهم فِي بَاب التَّارِيخ أَرخُوا بالليالي دون الْأَيَّام. وَإِنَّمَا فعلوا ذَلِك مُرَاعَاة للأسبق والأسبق من الشَّهْر ليلته. وَمن كَلَامهم: سرنا عشرا من بَين يَوْم وَلَيْلَة. انْتهى.

стр. 3369

وَفِي كل من الْمَسْأَلَتَيْنِ نظر. أما الثَّانِيَة فقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهَا ورد عَلَيْهِ بن بريٍّ فِيمَا كتبه على الدرة وَقَالَ: لَيْسَ بَاب التَّارِيخ مِمَّا غلب فِيهِ الْمُؤَنَّث كالضبع بل هُوَ مَحْمُول على اللَّيَالِي فَقَط كَقَوْلِك: كتبت لخمس خلون. فَإِن قلت: سرت خَمْسَة عشر مَا بَين يومٍ وَلَيْلَة فقد غلبت الْمُؤَنَّث على الْمُذكر. انْتهى. وَأما الأولى فقد حكى الضبع فِي الْمُذكر قلا تَغْلِيب فِي تثنيته. حكى الدَّمِيرِيّ فِي حَيَاة الْحَيَوَان عَن ابْن الْأَنْبَارِي أَن الضبع يُطلق على الذّكر وَالْأُنْثَى. وَكَذَلِكَ حَكَاهُ ابْن هِشَام الخضراوي فِي كتاب الإفصاح فِي فَوَائِد الْإِيضَاح للفارسي عَن أبي الْعَبَّاس وَغَيره. انْتهى. وَكَذَلِكَ حكى الدماميني فِي الْحَاشِيَة المصرية على الْمُغنِي عَن ابْن الْأَنْبَارِي. وَنقل الصَّاغَانِي فِي الْعباب عَن الْوَزير الصاحب بن عباد أَنه يُقَال: ضبعة بِالْهَاءِ وَجمعه ضبع فَيكون اسْم جنس جمعي يفرق بَينه وَبَين واحده بِالتَّاءِ. وَيُقَال أَيْضا: ضبعانةٌ مؤنث ضبعان. وَقَالَ الفيومي فِي الْمِصْبَاح: الضبع بِضَم الْبَاء فِي لُغَة قيس وبسكونها فِي لُغَة تَمِيم وَهِي أُنْثَى وَقيل: يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى. وَرُبمَا قيل فِي الْأُنْثَى ضبعة بِالْهَاءِ كَمَا قيل سبع وَسَبْعَة بِالسُّكُونِ مَعَ الْهَاء للتَّخْفِيف. وَالذكر ضبعانٌ وَالْجمع ضباعين مثل سرحان وسراحين. وَيجمع الضبع بِضَم الْبَاء على ضباع وبسكونها على أضبع. انْتهى.

стр. 3370

وَقَوله صَاحب الْمُغنِي: وَلَا يجْتَمع اللَّيْل وَالنَّهَار أَي: لَفْظهمَا عِنْد قصد الْإِبْهَام فِي التَّارِيخ نَحْو: كتب لخمسٍ خلون وسرنا خمْسا وَأَرْبَعَة أشهر وَعشرا فَإِنَّهُ لم يذكر وَاحِدًا مِنْهُمَا فضلا عَن اجْتِمَاعهمَا كَمَا بَينا. فَلَا تَعْبِير عَن شَيْئَيْنِ بِلَفْظ أَحدهمَا. وَنقل بَعضهم كَلَام الْمُغنِي فِي شَرحه على الدرة وَتعقبه بقوله: وَفِيه نظرٌ لَا يخفى فَإِن قَوْله: لَا يجْتَمع اللَّيْل وَالنَّهَار إِن أَرَادَ فِي الْوُجُود فَمُسلم لكنه لَا يُفِيد لِأَن المُرَاد بالاجتماع فِي التغليب) الِاجْتِمَاع فِي الحكم وَإِرَادَة الْمُتَكَلّم لدلَالَة اللَّفْظ الْوَاقِع فِيهِ التغليب عَلَيْهِمَا. انْتهى. وَهَذِه الْإِرَادَة واهية إِذْ لَا يتَوَهَّم أحد اجْتِمَاعهمَا فِي الْوُجُود وَإِنَّمَا المُرَاد اجْتِمَاعهمَا فِي اللَّفْظ. فَإِذا لم يوجدا فِيهِ فَلَا تَغْلِيب. وَهَذَا ظَاهر. وَقَول ابْن هِشَام: وَإِنَّمَا الْمَسْأَلَة الصَّحِيحَة أَي: لتغليب الْمُؤَنَّث على الْمُذكر فِي التَّارِيخ. إِذْ الْكَلَام فِيهِ وَلَيْسَ الْمَعْنى أَنه لَا يغلب الْمُؤَنَّث على الْمُذكر إِلَّا فِي التَّارِيخ إِذْ لَيْسَ الْكَلَام على مُطلق تَغْلِيب الْمُؤَنَّث على الْمُذكر كَمَا فهمه الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة. وَقَالَ مُعْتَرضًا عَلَيْهِ: أَقُول لَا اخْتِصَاص لهَذِهِ الْمَسْأَلَة بالتاريخ فَإِنَّهُ يُقَال فِي غَيره: اشْتريت عشرا بَين جملٍ وناقة. وَيُرِيد بالمثال أَنه يغلب الْمُؤَنَّث على الْمُذكر فِي غير التَّارِيخ كَمَا هُوَ مَدْلُول سِيَاق كَلَامه. ومثاله جارٍ على مَذْهَب الْفراء وَأبي حَيَّان. وَأما على مَا ذكره الشَّارِح الْمُحَقق فَيجب أَن يَقُول: اشْتريت عشرَة بالتأنيث لتغليب الْمُذكر.

стр. 3371

وَقَول ابْن هِشَام: وضابطه أَن يكون مَعنا إِلَخ أَي: ضَابِط تَغْلِيب الْمُؤَنَّث على الْمُذكر فِي التَّارِيخ. وَلَا يُرِيد اعْتِرَاض الدماميني بقوله: يَقع التغليب بِدُونِ هَذَا الضَّابِط كَقَوْلِه تَعَالَى: أَرْبَعَة أشهرٍ وَعشرا فَإِن ابْن هِشَام قد غلط من قَالَ بالتغليب فِي نَحْوهَا فَإِن الْآيَة لَيست من التغليب فِي شَيْء كَمَا تقدم بَيَانه. وَحَاصِل كَلَام ابْن هِشَام أَن التَّارِيخ يكون بِلَا تَغْلِيب كَمَا فِي نَحْو الْآيَة وَيكون بتغليب إِذا كَانَ دَاخِلا فِي الضابطة الْمَذْكُورَة. والتغليب يكون فِيهِ وَفِي غَيره كَمَا ذكره الشَّارِح الْمُحَقق وَغَيره فِي تِلْكَ الْأَمْثِلَة. وَهَذَا مِمَّا أنعم الله بِهِ عَليّ من فهم كَلَام الْمُغنِي فَإِن شراحه لم يهتدوا لمراده. وَللَّه الْحَمد على ذَلِك. ولنرجع من هُنَا إِلَى شرح الْبَيْت فَنَقُول: وصف النَّابِغَة الْجَعْدِي بِهِ بقرة وحشية أكل السَّبع وَلَدهَا فطافت. وَرُوِيَ: أَقمت ثَلَاثَة أَيَّام وَثَلَاث لَيَال تطلبه وَلَا إِنْكَار عِنْدهَا وَلَا غناء إِلَّا الْإِضَافَة وَهِي الْجزع والإشفاق والجؤار وَهِي الصياح.) والنكير: الْإِنْكَار وَهُوَ من المصادر الَّتِي أَتَت على فعيل كالنذير والعذير. وَأكْثر مَا يَأْتِي هَذَا النَّوْع من المصادر فِي الْأَصْوَات كالهدير والهديل. أَي: مَا كَانَ عِنْدهَا حِين فقدته إِلَّا الشَّفَقَة والصياح وتضيف مضارع أضَاف إِضَافَة. وَأورد الْبَيْت العسكري فِي موضِعين من كتاب التَّصْحِيف

стр. 3372

قَالَ فِي الْموضع الأول: حَدثنَا أَحْمد بن يحيى قَالَ: سَمِعت سَلمَة بن عَاصِم يَقُول: صحف الْكسَائي فِي بَيت النَّابِغَة الْجَعْدِي فَقَالَ: هُوَ تصيف بالصَّاد غير مُعْجمَة وتضيف أَي: تشفق. وَالْإِضَافَة: الشَّفَقَة. ويروى: أَن تضيف بِفَتْح التَّاء أَي: تعدل هَا هُنَا مرّة وَهَا هُنَا مرّة. يَقُول: كَانَ نكيرها لما رَأَتْ الشلو أَن تشفق وتجأر لَا شَيْء عِنْدهَا غير ذَلِك. وَقَالَ فِي الْموضع الثَّانِي: يرْوى: تضيف مضموم التَّاء وَالضَّاد مُعْجمَة. ويروى: تضيف مَفْتُوح التَّاء فَمن رَوَاهُ بِفَتْحِهَا وَهُوَ الْجيد أَرَادَ تشفق. وَمِنْه قَوْله: الطَّوِيل (وَكنت إِذا جاري دَعَا لمضوفةٍ ... أشمر حَتَّى ينصف السَّاق مئزري) وَفِي الحَدِيث: حَتَّى إِذا تضيفت الشَّمْس للغروب بضاد مُعْجمَة أَي: مَالَتْ. وَيُقَال: ضافت وَأَخْبرنِي ابْن الْأَنْبَارِي عَن ثَعْلَب قَالَ: سُئِلَ ابْن الْأَعرَابِي عَن قَوْله حِين تضيفت فَقَالَ: لَا أعرفهُ وَلَكِن إِن كَانَ تصيفت بصاد غير مُعْجمَة فَهُوَ حِين تميل كَمَا قَالَ أَبُو زبيد: الْخَفِيف (كل يومٍ ترميه منا برشقٍ ... فمصيبٌ أَو صَاف غير بعيد)

стр. 3373

يُقَال: صَاف السهْم وضاف حكيماً جَمِيعًا أَي: مَال. وَحكى أَبُو بكر بن الخباز عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: يُقَال: صَاف السهْم بصاد غير مُعْجمَة: إِذا أَخطَأ لم يقل عربيٌّ قطّ ضاف منقوطة. وَأنْشد غَيره: فَلَمَّا دخلناه أضفنا ظُهُورنَا وضفت فلَانا إِذا ملت عَلَيْهِ. وأضفته إِذا أملته إِلَيْك. وَمِنْه قيل: للدعي مُضَاف لِأَنَّهُ مسندٌ إِلَى قومٍ لَيْسَ مِنْهُم. انْتهى. وَبعده: (وألفت بَيَانا عِنْد آخر معهدٍ ... إهاباً ومعبوطاً من الْجوف أحمرا) وخداً كبرقوع الفتاة ملمعا وروقين لما يعدوا أَن تقشرا) أَرَادَ أَنَّهَا وجدت عِنْد آخر معهدٍ عهدته فِيهِ مَا بَين لَهَا وحقق عِنْدهَا أَن السَّبع أكله. ثمَّ فسر والروقان: القرنان. وَشبه خَدّه لما فِيهِ من السوَاد وردع الدَّم وَالْبَيَاض ببرقوع فتاةٍ لِأَن الفتيات يزين براقعهن وبقر الْوَحْش بيض الألوان لَا سَواد فِيهَا إِلَّا فِي قواثمها وخدودها وأكفالها. وَهَذِه الأبيات من قصيدةٍ طَوِيلَة نَحْو مِائَتي بَيت للنابغة الْجَعْدِي الصَّحَابِيّ أنْشد جَمِيعهَا للنَّبِي ﷺ َ. وَمِنْهَا: ...

стр. 3374

(أتيت رَسُول الله إِذْ جَاءَ بِالْهدى ... وَيَتْلُو كتابا كالمجرة نيرا) وَهِي من أحسن مَا قيل فِي الْفَخر بالشجاعة وَقد أوردنا مِنْهَا أبياتاً كَثِيرَة فِي تَرْجَمته فِي الشَّاهِد السَّادِس والثمانين بعد الْمِائَة. وَمن أواخرها: (بلغنَا السَّمَاء مَجدنَا وسناؤنا ... وَإِنَّا لنَرْجُو بعد ذَلِك مظْهرا) (وَلَا خير فِي حلمٍ إِذا لم تكن لَهُ ... بَوَادِر تَحْمِي صفوة أَن يكدرا) (وَلَا خير فِي جهلٍ إِذا لم يكن لَهُ ... حليمٌ إِذا مَا أورد الْأَمر أصْدرَا) وَالْبَيْت الأول أوردهُ شرَّاح الألفية لإبدال مَجدنَا بدل اشْتِمَال من الضَّمِير الْمَرْفُوع فِي قَوْله: بلغنَا. وَرُوِيَ على غير هَذِه الرِّوَايَة وَتقدم هُنَاكَ. ويروى بِنصب مَجدنَا على أَنه مفعول لأَجله. وأنشده صَاحب الْكَشَّاف أَيْضا عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَرَفَعْنَاهُ مَكَانا عليا على أَن الْحسن الْبَصْرِيّ فسر الْمَكَان بِالْجنَّةِ كَمَا أَن النَّابِغَة فسر الْمظهر بِالْجنَّةِ لما سمع النَّبِي ﷺ َ هَذَا الْبَيْت وَقَالَ لَهُ: إِلَى أَيْن الْمظهر يَا أَبَا ليلى فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ َ: أجل إِن شَاءَ الله. وَلما أنْشدهُ الْبَيْتَيْنِ بعده قَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ َ: لَا يفضض الله فَاك. فَكَانَ من أحسن النَّاس ثغراً وَكَانَ إِذا سَقَطت لَهُ ثنية نَبتَت وَكَانَ فوه كَالْبردِ المتهلل يتلألأ ويبرق.

стр. 3375

(الْمُذكر والمؤنث) أنْشد فِيهِ ٣ - (الشَّاهِد الْخَمْسُونَ بعد الْخَمْسمِائَةِ) الوافر (فَقلت لَهَا: أصبت حَصَاة قلبِي ... وربت رميةٍ من غير رامي) على أَن تَاء التَّأْنِيث قد تلْحق الْحَرْف ك رب إِذا كَانَ مجرورها مؤنثاً ليدل من أول الْأَمر أَن الْمَجْرُور مؤنث. وَالْمَشْهُور أَنَّهَا تزاد فِي بعض الْحُرُوف للتأنيث اللَّفْظِيّ. وَالْبَيْت قبله: (رمتني يَوْم ذَات الْغمر سلمى ... بسهمٍ مطعمٍ للصَّيْد لَام) وذَات الْغمر: موضعٌ كَذَا ذكره ابْن الْأَثِير فِي المرصع. وَأنْشد قَول قيس الْهُذلِيّ: الطَّوِيل (سقى الله ذَات الْغمر وَبلا وديمةً ... وجادت عَلَيْهَا البارقات اللوامع) وَلم أره فِي مُعْجم الْبلدَانِ وَلَا فِي مُعْجم مَا استعجم. وسلمى: فَاعل رمتني وَهِي اسْم امْرَأَة وَالْبَاء مُتَعَلقَة برمتني. والسهْم: النشاب. ولأم: صفته أَي: عَلَيْهِ ريشٌ لؤام بِضَم اللَّام مَهْمُوز الْعين على وزن فعال. قَالَ صَاحب الصِّحَاح: واللؤام: القذذ الملتئمة وَهِي الَّتِي تلِي بطن القذة مِنْهَا ظهر الْأُخْرَى وَهُوَ أَجود مَا يكون. تَقول مِنْهُ: لأمت السهْم لأماً. ومطعم: اسْم فَاعل من أطْعم. وحَصَاة الْقلب: حبته. والبيتان أنشدهما الزَّمَخْشَرِيّ فِي المستقصى وَلم يعزهما لأحد وَقَالَ:

стр. 3376

رب رميةٍ من غير رامٍ: مثلٌ أول من قَالَه الحكم بن عبد يَغُوث الْمنْقري وَكَانَ من أرمى النَّاس. وَذَلِكَ أَنه نذر لَيَذْبَحَن مهاةً على الغبغب فرام صيدها أَيَّامًا فَلم يُمكنهُ فَكَانَ يرجع مخفقاً حَتَّى هم بقتل نَفسه مَكَانهَا فَقَالَ لَهُ ابْنه مطعم: احملني أرفدك. فَقَالَ: مَا أحمل من رعشٍ رهلٍ جبان فشل فَمَا زَالَ بِهِ حَتَّى حمله فَرمى الحكم مهاتين فأخطأهما فَلَمَّا عرضت الثَّالِثَة رَمَاهَا مطعمٌ فأصابها فَعندهَا قَالَ الحكم ذَلِك. يضْرب فِي فتلة إحسانٍ من الْمُسِيء. انْتهى.) وَأنْشد بعده الرجز يَا صاحبا ربت إنسانٍ حسن على أَنه قد جَاءَ مجرور ربت مذكراً على خلاف الأول. وَيجوز أَن يُرِيد ب الْإِنْسَان الْمُؤَنَّث فيوافق مَا قبله. وَالْإِنْسَان من النَّاس اسْم جنسٍ يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى وَالْوَاحد وَالْجمع. كَذَا فِي الْمِصْبَاح. وَهَذَا الِالْتِزَام لَيْسَ بِلَازِم. على أَن بَقِيَّة الرجز يمْنَع مَا أَوله كَمَا سَيَأْتِي. قَالَ أَبُو عَليّ فِي كتاب الشّعْر: وَلَحِقت بعض الْحُرُوف تَاء التَّأْنِيث وَذَلِكَ رب وربت وَثمّ وثمت وَلَا ولات. قَالَ: الطَّوِيل (ثمت لَا تجزونني عِنْد ذاكم ... وَلَكِن سيجزيني الْإِلَه فيعقبا) وَأنْشد أَبُو زيد: ...

стр. 3377

(يَا صاحبا ربت إنسانٍ حسن ... يسْأَل عَنْك الْيَوْم أَو يسْأَل عَن) وَقِيَاس من يسكن التَّاء فِي ثمت وربت أَن يقف عَلَيْهَا بِالتَّاءِ كَمَا يقف على ضربت. وَقِيَاس من حرك أَن يقف بِالْهَاءِ كَمَا يقف على كَيْت وذيت. انْتهى. (يَا صاحبا ربت إنسانٍ حسن ... يسْأَل عَنْك الْيَوْم أَو يسْأَل عَن) (إِنَّا على طول الكلال والتون ... مِمَّا نُقِيم الْميل من ذَات الضغن) (نسوقها سنا وَبَعض السُّوق سنّ ... حَتَّى ترَاهَا وَكَأن وَكَأن) أعناقها مشرباتٌ فِي قرن قَالَ أَبُو زيد: لَيست التَّاء فِي ربت للتأنيث فَلهَذَا جَازَ أَن تَقول ربت إِنْسَان. انْتهى. وَقَوله: يَا صاحبا أَصله يَا صَاحِبي فالألف أَصْلهَا يَاء. ويسْأَل: جَوَاب رب وَهُوَ الْعَامِل فِي مَحل مجرورها. وَقَوله: أَو يسْأَل عَن مَعْطُوف على يسْأَل عَنْك وَكِلَاهُمَا بياء الْغَيْبَة. أَرَادَ: يسْأَل عني بياء الْمُتَكَلّم. وَقَوله: إِنَّا على إِلَخ بِكَسْر الْهمزَة ابْتِدَاء كَلَام. وعلى بِمَعْنى مَعَ. والكلال: مصدر كل يكل) من بَاب ضرب إِذا تَعب وأعيا. والتون

стр. 3378

بِفَتْح التَّاء وَالْوَاو وَهُوَ التواني. قَالَ صَاحب الصِّحَاح: وتوانى فِي حَاجته أَي: قصر. وَقَول الْأَعْشَى: المتقارب (وَلَا يدع الْحَمد بل يَشْتَرِي ... بوشك الظنون وَلَا بالتون) والضغن بِكَسْر الضَّاد وَفتح الْغَيْن المعجمتين: جمع ضغن بِسُكُون الْوسط. قَالَ صَاحب الصِّحَاح: إِذا قيل فِي النَّاقة: هِيَ ذَات ضغن فَإِنَّمَا يُرَاد نزاعها إِلَى وطنها. والسن بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة قَالَ الرياشي: هُوَ أسْرع السّير. والْقرن بِفَتْح الْقَاف وَالرَّاء: حبلٌ يقرن بِهِ البعيران. والمشربات بِفَتْح الرَّاء الْمُشَدّدَة قَالَ أَبُو حَاتِم والرياشي والمازني: هِيَ المدخلات من قَوْله: وأشربوا فِي قُلُوبهم الْعجل. وَقَالَ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش: وَمن روى: مسربات بِالسِّين الْمُهْملَة فَإِنَّهُ يذهب إِلَى أَنَّهَا تسرب فِي الْقرن أَي: تذْهب فِيهِ وتجيء. من قَوْله تَعَالَى: وساربٌ بِالنَّهَارِ. وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: وتلحق أَي: التَّاء ثمَّ أَيْضا إِذا عطفت بهَا قصَّة على قصَّة لَا مُفردا على مُفْرد. هَذَا هُوَ الْمَشْهُور. وَقد رَأَيْت فِي شعر رؤبة بن العجاج عطف الْمُفْرد بهَا. قَالَ: الرجز (فَإِن تكن سوائق الْحمام ... ساقتهم للبلد الشآم) فبالسلام ثمت السَّلَام

стр. 3379

وَكَذَلِكَ استعملها ابْن مَالك فِي جموع التكسير من الألفية قَالَ: الرجز (أفعلةٌ أفعل ثمَّ فعله ... ثمت أفعالٌ جموع قله) ٣ - (الشَّاهِد الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ بعد الْخَمْسمِائَةِ) الهزج (لقد أغدو على أشق ... ر يغتال الصحاريا) على أَنه جمع صحراء فَلَمَّا قلبت الْألف بعد الرَّاء فِي الْجمع يَاء قلبت الْهمزَة الَّتِي أَصْلهَا ألف التَّأْنِيث أَيْضا. قَالَ ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة: قد اطرد عَنْهُم قلب ألف التَّأْنِيث همزَة. وَالْقَوْل فِي ذَلِك أَن الْهمزَة فِي صحراء وبابها إِنَّمَا هِيَ بدلٌ من ألف التَّأْنِيث كَالَّتِي فِي نَحْو: حُبْلَى وسكرى. إِلَّا أَنَّهَا فِي صفراء وَقعت الْألف بعد ألف قبلهَا زَائِدَة فَالتقى أَلفَانِ زائدتان وَلم يجز فِي واحدةٍ مِنْهُمَا الْحَذف. أما الأولى: فَلَو حذفتها لانفردت الْآخِرَة وهم قد بنوا الْكَلِمَة على اجْتِمَاع أَلفَيْنِ فِيهَا. وَأما الْآخِرَة: فَلَو حذفتها لزالت سَلامَة التَّأْنِيث. وَأما الْحَرَكَة فَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: إِنَّه لما انجزم الحرفان حركت الثَّانِيَة فَانْقَلَبت همزَة فَصَارَت: صفراء وصحراء.

стр. 3380

فَإِن قيل: وَلم زعمت أَن الثَّانِيَة منقلبة وهلا زعمت أَنَّهَا زيدت للتأنيث همزَة فِي أول أحوالها أَحدهمَا: أَنا لم نرهم فِي غير هَذَا الْموضع أنثوا بِالْهَمْزَةِ إِنَّمَا يؤنثون بِالتَّاءِ أَو بِالْألف فَكَانَ حمل همزَة التَّأْنِيث فِي نَحْو: صحراء على أَنَّهَا بدلٌ من ألف التَّأْنِيث لما ذكرنَا أَحْرَى. وَالْوَجْه الآخر: أَنا قد رأيناهم لما جمعُوا بعض مَا فِيهِ همزَة التَّأْنِيث أبدلوها فِي الْجمع وَلم يحققوها الْبَتَّةَ وَذَلِكَ قَوْلهم فِي جمع صحراء وصلفاء: صحارى وصلافى وَلم نسمعهم أظهرُوا الْهمزَة فِي شيءٍ من ذَلِك فَقَالُوا: صحاريء وصلافيء. وَلَو كَانَت الْهمزَة فِيهِنَّ غير منقلبة لجاءت فِي الْجمع. أَلا تراهم قَالُوا: كَوْكَب دريءٌ وكواكب دراريء وقراء وقراريء ووضاء ووضائيء فجاؤوا بِالْهَمْزَةِ فِي الْجمع لما كَانَت غير منقلبة بل مَوْجُودَة فِي قَرَأت ودرأت ووضؤت. فَهَذِهِ دلَالَة قَاطِعَة. فَإِن قيل: فَمَا الَّذِي دعاهم إِلَى قَلبهَا فِي الْجمع يَاء وهلا تركوها ملفوظاً بهَا كَمَا كَانَت فِي الْوَاحِدَة فَقَالُوا: صحاريء وصلافيء فَالْجَوَاب أَنَّهَا إِنَّمَا كَانَت انقلبت وَأَصلهَا الْألف لِاجْتِمَاع الْأَلفَيْنِ وَهَذِه صورتهَا صحراا وصلفاا فَلَمَّا الْتَقت أَلفَانِ اضطروا إِلَى تَحْرِيك إِحْدَاهمَا) فجعلوها الثَّانِيَة لِأَنَّهَا حرف الْإِعْرَاب فَصَارَت صحراء وصلفاء. وَحَال الْجمع مَا أذكرهُ وَذَلِكَ أَنَّك إِذا صرت إِلَى الْجمع لزمك أَن تقلب الأولى يَاء لانكسار الرَّاء فِي صحاري قبلهَا كَمَا تنْقَلب ألف قرطاس يَاء

стр. 3381

فِي قَرَاطِيس فَكَذَلِك تنْقَلب ألف صحراء الأولى يَاء فَتَصِير فِي التَّقْدِير: صحاري اوصلافي افَتَقَع الْيَاء الساكنة قبل الْألف الْأَخِيرَة الراجعة عَن الْهمزَة لزوَال الْألف من قبلهَا فتنقلب الْألف يَاء لوُقُوع الْيَاء الساكنة قبلهَا وتدغم الأولى المنقلبة عَن الْألف الزَّائِدَة فِي الْيَاء الْأَخِيرَة المنقلبة عَن ألف التَّأْنِيث فَيصير صحاري. أنْشد أَبُو الْعَبَّاس للوليد بن يزِيد: (لقد أغدو على أشق ... ر يغتال الصحاريا) وَقَالَ آخر: الوافر (إِذا جَاشَتْ حواليه ترامت ... ومدته البطاحي الرغاب) جمع بطحاء. وَكَذَلِكَ مَا حَكَاهُ الْأَصْمَعِي من قَوْلهم: صلافي وخباري جمع صلفاء وخبراء. فَبِهَذَا استدللنا على أَن الْهمزَة فِي صحراء وبابها بدلٌ من ألف التَّأْنِيث. انْتهى. وَهَذَا أصل كل جمعٍ لنَحْو صحراء ثمَّ يُخَفف بِحَذْف الْيَاء الأولى فَيصير صحاري بِكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الْيَاء مثل مداري ثمَّ يُبدل من الكسرة فَتْحة فتنقلب الْيَاء ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا كَمَا فعلوا فِي مدارى. وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ هما المستعملان وَالْأول أصلٌ مَتْرُوك يُوجد فِي الشّعْر. وَقَوله: لقد أغدو مضارع غَدا غدواً من بَاب قعد إِذا ذهب

стр. 3382

غدْوَة وَهِي مَا بَين صَلَاة الصُّبْح وطلوع الشَّمْس. والْأَشْقَر من الْخَيل: الَّذِي حمرته صَافِيَة. والشقرة فِي الْإِنْسَان: حمرَة يعلوها بَيَاض. ويغتال: يهْلك يُقَال: اغتاله أَي: أهلكه. وَعين الْفِعْل واوٌ. اسْتعَار يغتال لقطع الْمسَافَة بِسُرْعَة شَدِيدَة فَإِن أصل اغتاله بِمَعْنى قَتله على غرَّة وغفلة. والصَّحرَاء: الْبَريَّة. وَقَالَ اللَّيْث: الصَّحرَاء: الفضاء الْوَاسِع. وَقَالَ النَّضر: الصَّحرَاء من الأَرْض: الملساء مثل ظهر الدَّابَّة الأجرد لَيْسَ بهَا شَجَرَة وَلَا آكام وَلَا جبال. وَلم أَقف على تَتِمَّة هَذَا الشّعْر. وَهُوَ الْوَلِيد بن يزِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان. وَتَقَدَّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد التَّاسِع عشر بعد الْمِائَة. وَأنْشد بعده) ٣ - (الشَّاهِد الثَّالِث وَالْخَمْسُونَ بعد الْخَمْسمِائَةِ) الوافر مَتى كُنَّا لأمك مقتوينا على أَن مقتوينا جمع مقتوي بياء النِّسْبَة الْمُشَدّدَة فَلَمَّا جمع جمع تصحيحٍ حذفت يَاء النِّسْبَة. والمقتوي بِفَتْح الْمِيم: نِسْبَة إِلَى المقتى بِفَتْحِهَا فقلبت الْألف واواً فِي النِّسْبَة كَمَا تَقول: معلويٌّ فِي النِّسْبَة إِلَى مُعلى. والمقتى: مصدرٌ ميمي. قَالَ صَاحب الصِّحَاح: القتو: الْخدمَة وَقد قتوت أقتو قتواً ومقتًى أَي: خدمت مثل غزوت أغزو غزواً ومغزًى. قَالَ:

стр. 3383

المنسرح (إِنِّي امرؤٌ من بني فَزَارَة لَا ... أحسن قتو الْمُلُوك والخببا) وَيُقَال للخادم: مقتويٌّ بِفَتْح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء كَأَنَّهُ مَنْسُوب إِلَى المقتى. وَيجوز تَخْفيف يَاء النِّسْبَة كَمَا قَالَ عَمْرو بن كُلْثُوم: مَتى كُنَّا لأمك مقتوينا انْتهى. قَالَ ابْن جني فِي الخصائص: كَانَ قِيَاسه إِذا جمع أَن يُقَال: مقتويون ومقتويين كَمَا إِذا جمع بصريٌّ وكوفي قيل: كوفيون وبصريون إِلَّا أَنه جعل علم الْجمع معاقباً لياء النِّسْبَة فَصحت اللَّام لنِيَّة الْإِضَافَة إِلَى النِّسْبَة وَلَوْلَا ذَلِك لوَجَبَ حذفهَا لالتقاء الساكنين وَأَن يُقَال: مقتون ومقتين كَمَا يُقَال: هم الأعلون وهم المصطفون. ثمَّ قَالَ صَاحب الصِّحَاح: قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: قَالَ رجلٌ من بني الحرماز: هَذَا رجل مقتوينٌ وَهَذَانِ رجلَانِ مقتوينٌ وَرِجَال مقتوينٌ كُله سَوَاء. وَكَذَلِكَ الْمُؤَنَّث. وهم الَّذين يعْملُونَ للنَّاس بِطَعَام بطونهم. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: سَأَلت الْخَلِيل عَن مقتويٍّ ومقتوين فَقَالَ: هَذَا بِمَنْزِلَة الْأَشْعَرِيّ والأشعرين. انْتهى. وَالْوَاو من مقتوين فِي رِوَايَة أبي عبيد مَكْسُورَة وَالنُّون منونة بِالرَّفْع. وَزَاد عَلَيْهِ أَبُو زيد فِي نوادره فتح الْوَاو قَالَ: رجل مقتوينٌ ورجالٌ

стр. 3384

مقتوينٌ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَة وَالنِّسَاء وَهُوَ الَّذِي يخْدم الْقَوْم بِطَعَام بَطْنه.) وَقَالَ عَمْرو بن كُلْثُوم: (تهددنا وأوعدنا رويداً ... مَتى كُنَّا لأمك مقتوينا) الْوَاو مَفْتُوحَة وَبَعْضهمْ يكسرها أَي: مَتى كُنَّا خدماً لأمك. انْتهى. وَقد تكلم أَبُو عَليّ فِي كتاب الشّعْر على هَذِه اللَّفْظَة وَبَين وُجُوه اسْتِعْمَالهَا مَعَ شرح كَلَام أبي زيد وَغَيره فَلَا بَأْس بإيراد لاكمه وَإِن كَانَ فِيهِ طول. قَالَ: أنْشد أَبُو زيد: مَتى كُنَّا لأمك مقتوينا قَالُوا: رجل مقتويٌّ وَقَالُوا فِي الْجمع مقتوون كَمَا قَالُوا أشعريٌّ وأشعرون فحذفوا ياءي النّسَب فَأَما تصحيحهم الْوَاو فَإِن شِئْت قلت صححوها فِي الْجمع الَّذِي على حد التَّثْنِيَة كَمَا صححوها فِي جمع التكسير حَيْثُ قَالُوا مقاتوة كَمَا أَنهم لما حذفوا ياءي النّسَب فِي الْجمع على حد التَّثْنِيَة حذفوهما فِي التكسير فَقَالُوا: المهالبة. وَإِن شِئْت قلت: بنوا مقتوون على الْجمع كَمَا بنوا مذروان على حد التَّثْنِيَة. أَلا ترى أَنهم لم يفردوا الْوَاحِد مِنْهُ بِغَيْر حرف التَّثْنِيَة كَمَا لم يفردوا وَاحِد مذروان وَإِنَّمَا اسْتعْمل وَاحِد بِحرف النّسَب مقتوي. وَفِيه قَول آخر وَهُوَ أَو الْوَاو صحت لما كَانَت النِّسْبَة مُرَادة فِي الْكَلِمَة فصححت بِالْوَاو مَعَ الْحَذف كَمَا صحت مَعَ الْإِثْبَات ليَكُون تصحيحها دلَالَة على إِرَادَة النّسَب كَمَا صحت الْوَاو وَالْيَاء فِي عور وصيد

стр. 3385

ليعلم أَن الْفِعْل لِمَعْنى مَا يلْزم تَصْحِيح الْوَاو فِيهِ. وَكَذَلِكَ ازدوجوا واعتوروا. أَلا ترى أَنَّك لَو بنيت مِنْهُ افتعلوا لَا تُرِيدُ فِيهِ معنى تفاعلوا لأعللت. فَأَما النُّون فقد فتحت كَمَا فتحت فِي مُسلمُونَ وَقد جعلت حرف الْإِعْرَاب كَمَا جعلت فِي سِنِين وَنَحْوه حرف الْإِعْرَاب. حُكيَ ذَلِك عَن أبي عُبَيْدَة وَحَكَاهُ أَبُو زيد إِلَّا أَن أَبَا زيد حكى الْفَتْح وَالْكَسْر فِيمَا قبل الْيَاء فِيمَن جعل النُّون حرف إِعْرَاب وحكيا جَمِيعًا: رجلٌ مقتوين ورجلان مقتوين وَرِجَال مقتوين. قَالَ أَبُو زيد: وَكَذَلِكَ الْمَرْأَة وَالنِّسَاء. فَأَما مَا انْفَرد أَبُو زيد بحكايته من كسر الْوَاو الَّتِي قبل الْيَاء وَفتحهَا فَالْأَصْل فِيهِ الْكسر أَلا ترى أَنَّك لَو أثبت يَاء النّسَب لَقلت مقتويون فَإِذا حذفتها وَأَنت تريدها وَجب تَقْدِير الكسرة) كَمَا كَانَت تقدر مَعَ الياءين لَو أثبتهما. فَالَّذِي فتح إِنَّمَا أبدل من كسرة الْوَاو فَتْحة كَمَا أبدل الكسرة من الفتحة فِي قَوْله: الوافر وَلَكِنِّي أُرِيد بِهِ الذوينا فأبدل من الفتحة فِي الْوَاو الكسرة. يدلك على أَن الأَصْل فِيهَا الْفَتْح قَوْله تَعَالَى: ذواتا أفنان. وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِك فِي الفتحة والكسرة لِأَنَّهُمَا كالمثلين. أَلا ترى أَنهم قد حركوا بِالْفَتْح مَكَان الْكسر فِي جَمِيع مَا لَا ينْصَرف وَجعلُوا النصب والجر على لفظ وَاحِد فِي التَّثْنِيَة وضربي الْجمع الْمُسلم فِي التَّأْنِيث والتذكير. فَكَمَا كَانَت كل وَاحِدَة من الكسرة والفتحة فِي

стр. 3386

هَذِه الْمَوَاضِع بِمَنْزِلَة الْأُخْرَى كَذَلِك جَازَ أَن تفتح الْوَاو وتكسر من مقتوين فِيمَا رَوَاهُ أَبُو زيد. فَأَما إجراؤه الْكَلِمَة وَهِي جمعٌ على الْوَاحِد فِيمَا اجْتمع أَبُو زيد وَأَبُو عُبَيْدَة فِي حكايته فوجهه فَكَمَا أجْرى الْوَاحِد على الْجَمِيع كَذَلِك فِي مقتوين وصف الْوَاحِد بِالْجَمِيعِ. وَكَأن الَّذِي حسن ذَلِك أَنه فِي الأَصْل مصدر. أَلا ترى أَنه مفعل من القتو والمصدر يكون للْوَاحِد والجميع على لفظ وَاحِد فَلَمَّا دخله الْوَاو وَالنُّون وَكَانَا معاقبين لياء النّسَب صارتا كَأَنَّهُمَا لغير معنى الْجمع كَمَا كَانَتَا فِي ثبة وبرة لما كَانَتَا عوضا من اللَّام المحذوفة لم يَكُونَا على حَالهمَا فِي غير مَا هما فِيهِ عوض. أَلا ترى أَن نَحْو طَلْحَة لَا يجمع بِالْوَاو وَالنُّون. فَجرى مقتوون على الْوَاحِد والجميع كَمَا يجْرِي الْمصدر عَلَيْهِمَا. وَهَذَا الاعتلال يسْتَمر فِي قَول من لم يَجْعَل النُّون حرف إِعْرَاب وَفِي قَول من جعلهَا حرف إِعْرَاب. أَلا ترى أَن من قَالَ سِنِين فَجعل النُّون حرف إِعْرَاب فَهُوَ فِي إِرَادَته الْجمع كَالَّذي لم يَجْعَلهَا حرف إِعْرَاب. وَمن هَذَا الْبَاب إنشاد من أنْشد: الرجز قدني من نصر الخبيبين قدي من أنْشدهُ على الْجمع أَرَادَ الخبيبين وَنسب إِلَى أبي خبيب يُريدهُ وَيُرِيد شيعته. وعَلى هَذَا قِرَاءَة من قَرَأَ: سلامٌ على إل ياسين أَرَادَ النّسَب إِلَى الياس. وكما جمع هَذَا النَّحْو على حد

стр. 3387

وَمن هَذَا الْبَاب: الأعجمون فِي قَوْله تَعَالَى: وَلَو نزلناه على بعض الأعجمين. وَمن زعم أعجمين) جمع أعجم فقد غلط لِأَن نَحْو أعجم لَا يجمع بِالْوَاو وَالنُّون كَمَا أَن عجماء لَا تجمع بِالْألف وَالتَّاء إِذا كَانَت صفة. فَإِنَّمَا أعجمون جمع أعجمي وَحذف يَاء النّسَب. وَإِنَّمَا أعجم وأعجمي مثل أَحْمَر وأحمري يُرَاد بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا مَا يُرَاد بِالْآخرِ. إِلَّا أَن حكم اللَّفْظ مُخْتَلف. فَأَما الْألف فِي قَوْله: مقتوينا فتحتمل ضَرْبَيْنِ: من قَالَ مقتوينٌ فالألف بدلٌ من التَّنْوِين كَالَّتِي فِي رَأَيْت رجلا. وَمن قَالَ هَؤُلَاءِ مقتوون ومقتوين فالألف للإطلاق كَقَوْلِه: الوافر أقلي اللوم عاذل والعتابا انْتهى. وَفِيه لُغَة أُخْرَى وَهِي ضم الْمِيم وَلم أر من ذكرهَا وَمن شرحها غير أبي الْحسن الْأَخْفَش فِيمَا كتبه على نَوَادِر أبي زيد وَغير أبي عَليّ. قَالَ فِي أَوَاخِر البغداديات: قد كتبنَا فِي هَذِه الْأَجْزَاء وَفِي غَيرهَا شرح قَوْله: مَتى كُنَّا لأمك مقتوينا ودللنا على صِحَة قَول الْخَلِيل فِيهِ من أَنه جمعٌ يُرَاد بِهِ النّسَب على حد الأعجمين والأشعرين وَهَذَا دَلِيل بَين على صِحَة قَول الْخَلِيل. فَأَما مَا أنشدناه أَبُو الْحسن الْأَخْفَش ليزِيد بن الحكم قَوْله:

стр. 3388

الطَّوِيل (تبدل خَلِيلًا بِي كشكلك شكله ... فَإِنِّي خَلِيلًا صَالحا بك مقتوي) فَإِنَّهُ أنشدناه عَن أَحْمد بن يحيى مقتوي بِضَم الْمِيم وَهَكَذَا صِحَّته. وَحدثنَا عَن أَحْمد بن يحيى أَنه قَالَ: المقتوي من الْخدمَة. وَهُوَ عندنَا كَمَا قَالَ. وَشَرحه أَنه مفعللٌ فالواو الصَّحِيح فِي الْكَلِمَة لَام الْفِعْل وَالْيَاء منقلبة عَن اللَّام الزَّائِدَة وَأَصله وَاو. وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنه مثل احمررت فَأَما الْوَاو فَصحت كَمَا صحت فِي ارعويت وَنَحْوه إِذْ لَا يجوز أَن يتوالى فِي الْكَلِمَة إعلال لامين وَلَا إعلال عين وَلَام لم يُوجد ذَلِك فِي شَيْء إِلَّا فِيمَا حكم لَهُ بالقلة. وَفِي هَذِه القصيدة حُرُوف أخر مثلهَا وَهُوَ قَوْله: محجوي ومدحوي وَهُوَ من حجا ودحا. ويدلك أَيْضا على مَا ذكرنَا من أَن مقتوي فِي الْبَيْت مفعللٌ وَأَن الْمِيم لَيْسَ بمفتوح إِنَّمَا هُوَ مِيم مفعلل تعديه إِلَى قَوْله خَلِيلًا. والمفتوحة الْمِيم لَا تتعدى إِلَى شَيْء لِأَنَّهُ لَيْسَ باسم فَاعل.) فَإِن قلت: أَرَأَيْت مفعللٌ نَحْو مرعوٍ مُتَعَدِّيا فِي مَوضِع فَيجوز تعدِي هَذَا الَّذِي فِي الْبَيْت أَو لَيْسَ هَذَا الْبَاب يَجِيء كُله غير مُتَعَدٍّ فَالْقَوْل فِيهِ أَن هَذَا الْبَاب من اسْم الْفَاعِل كَمَا قلت غير متعدٍّ كَمَا أَن فعله كَذَلِك إِلَّا أَن الشَّاعِر للضَّرُورَة يجوز أَن يكون حمل ذَلِك على الْمَعْنى فعداه. وَالْمعْنَى: فَإِنِّي خَلِيلًا بك خادمٌ. فَحَمله على هَذَا الْمَعْنى وعداه. وَإِن شِئْت أضمرت شَيْئا دلّ عَلَيْهِ مقتوي فتنصبه بِهِ. انْتهى.

стр. 3389

وَتَبعهُ ابْن جني فِي الْمُحْتَسب قَالَ قَالُوا: ارعوى افْعَل واقتوى أَي: خدم وساس فمقتوٍ فِي بَيت يزِيد مفعل من القتو وَهُوَ الْخدمَة. وخليلاً عندنَا مَنْصُوب بِفعل مُضْمر يدل عَلَيْهِ مقتو وَذَلِكَ أَن افْعَل لَا يتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُول بِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَإِنِّي أخدم وأسوس أَو أتعهد أَو أستبدل بك خَلِيلًا. وَدلّ مقتو على ذَلِك الْفِعْل. انْتهى. وَقد شرحنا قصيدة يزِيد بن الحكم فِي أول بَاب الْمَفْعُول مَعَه فِي الشَّاهِد الثَّمَانِينَ بعد الْمِائَة. وَالْبَيْت من معلقَة عَمْرو بن كُلْثُوم التغلبي تقدم سَببهَا وَشرح أبياتٍ مِنْهَا مَعَ تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّامِن والثمانين بعد الْمِائَة. وَهَذِه أبياتٌ مِنْهَا: (بِأَيّ مشيئةٍ عَمْرو بن هندٍ ... تطيع بِنَا الوشاة وتزدرينا) (بِأَيّ مشيئةٍ عَمْرو بن هندٍ ... نَكُون لقيلكم فِيهَا قطينا) (تهددنا وأوعدنا رويداً ... مَتى كُنَّا لأمك مقتوينا) قَوْله: بِأَيّ مَشِيئَة مُتَعَلق بتطيع. وعَمْرو منادى مبنيٌّ على الضَّم. قَالَ شرَّاح الْمُعَلقَة: هُوَ مَنْصُوب على أَنه إتباع لقَوْله: ابْن هِنْد كَمَا قيل: منتن فأتبعوا الْمِيم التَّاء وَالْقِيَاس الضَّم.

стр. 3390

وَعَمْرو بن هندٍ هُوَ ملك الْحيرَة فِي الْجَاهِلِيَّة قَتله صَاحب هَذِه الْمُعَلقَة وَتقدم سَبَب قَتله هُنَاكَ. وتزدرينا: تحتقرنا. وَالْمعْنَى: أَي شيءٍ دعَاك إِلَى هَذِه الْمَشِيئَة وَلم يظْهر منا ضعف يطْمع الْملك فِينَا حَتَّى يصغي إِلَى من يشي بِنَا عِنْده ويغريه بِنَا فيحقرنا وَتَقْدِير تطيع بِنَا أَي: فِي أمرنَا. والقيل بِفَتْح الْقَاف: من هُوَ دون الْملك. وفيهَا أَي: فِي الْمَشِيئَة. والقطين: جمع قاطن من قطن بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ فِيهِ.) يَقُول: كَيفَ شِئْت يَا عَمْرو أَن نَكُون خدماً ورعايا لمن وليتموه أمرنَا أَي: مَا دعَاك إِلَى هَذِه الْمَشِيئَة وَلم يظْهر منا ضعفٌ يطْمع الْملك فِينَا. وَقَوله: تهددنا وأوعدنا رويداً هَذَا استهزاءٌ بِهِ. وَهُوَ بِالْجَزْمِ على أَنه أَمر أَي: ترفق فِي تهددنا وإيعادنا وَلَا تبالغ فيهمَا مَتى كُنَّا خدماً لأمك حَتَّى نهتم بتهديدك ووعيدك إيانا وروى: تهددنا وتوعدنا بالمضارع على الْإِخْبَار. ثمَّ قَالَ: رويداً أَي: دع الْوَعيد والتهديد قَالَ شرَّاح الْمُعَلقَة قَالُوا: وعدته فِي الْخَيْر وَالشَّر فَإِذا لم تذكر الْخَيْر قلت: وعدته وَإِذا لم تذكر الشَّرّ قلت: أوعدته. وَذكر ابْن الْأَنْبَارِي أَنه يُقَال: وعدت الرجل خيرا وشراً وأوعدته خيرا وشراً. فَإِذا لم تذكر الْخَيْر قلت: وعدته. وَإِذا لم تذكر الشَّرّ قلت: أوعدته. وَقَوله: فَإِن قناتنا إِلَخ قَالَ الزوزني: الْعَرَب تستعير للعز اسْم الْقَنَاة. يَقُول: إِنَّا قناتنا أَبَت أَن تلين لأعدائنا قبلك. يُرِيد: أَن عزهم أَبى أَن يَزُول بمحاربة أعدائهم لِأَن عزهم منيعٌ لَا يرام.

стр. 3391

وَأنْشد بعده ٣ - (الشَّاهِد الرَّابِع وَالْخَمْسُونَ بعد الْخَمْسمِائَةِ) الطَّوِيل كسامعتي شاةٍ بحومل مُفْرد على أَنه إِذا كَانَت الْمُؤَنَّث اللَّفْظِيّ حَقِيقِيّ التَّذْكِير جَازَ فِي ضَمِيره التَّذْكِير والتأنيث. وشَاة هُنَا مُؤَنّثَة لفظا وَمَعْنَاهَا الثور الوحشي وَقد رَجَعَ إِلَيْهِ ضَمِيره فِي وَصفه وَهُوَ مُفْرد مُذَكّر رِعَايَة لجِهَة الْمَعْنى. قَالَ ابْن السّكيت فِي كتاب الْمُؤَنَّث والمذكر: مَا جَاءَك من الْجمع مثل الشَّاء وَالْبَقر والحصى فَهَذَا اسمٌ مَوْضُوع فَإِذا أَرَادَت الْعَرَب إِفْرَاد واحده قَالُوا: شَاة للذّكر وَالْأُنْثَى. وَلم يرد بِالْهَاءِ التَّأْنِيث الْمَحْض إِنَّمَا أَرَادوا الْوَاحِد فكرهوا أَن يَقُولُوا: عِنْدِي جَراد وهم يُرِيدُونَ الْوَاحِد من الْجَرَاد فَلَا يعرف جمعٌ من وَاحِد فَجعلت الْهَاء دَلِيلا على الْوَاحِد. فَهَذَا قِيَاس مطرد. وَهَذَا عجزٌ وصدره: مؤللتان تعرف الْعتْق فيهمَا) وَقَبله: (وصادقتا سمع التوجس للسرى ... لجرسٍ خفيٍّ أَو لصوتٍ مندد) وهما من معلقَة طرفَة بن العَبْد الْمَشْهُورَة. وصف نَاقَته بعدة أَبْيَات إِلَى أَن وصف أذنيها فَقَالَ: وصادقتا سمع إِلَخ يَعْنِي: أذنيها أَي: لَا تكذبها إِذا سَمِعت شَيْئا. والتوجس: الْخَوْف والحذر من شيءٍ يسمع. وَقَوله: للسرى أَي: فِي السرى. والجرس بِفَتْح الْجِيم: الصَّوْت الْخَفي. والمندد بِفَتْح الدَّال

стр. 3392

وَقَوله: مؤللتان صفة صادقتا أَي: محددتان كتحديد الألة بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد اللَّام وَهِي الحربة. وَيُرِيد أَن أذنيها كالحربة فِي الانتصاب. والْعتْق: الْكَرم والنجابة. أَي: أَنْت تتبين الْكَرم فيهمَا إِذا نظرت إِلَيْهِمَا لتحديدهما وَقلة وبرهما. قَالَ الْخَطِيب التبريزي: الْعتْق هُنَا فِي الْأُذُنَيْنِ: أَن لَا يكون فِي داخلهما وبر فَهُوَ أَجود لسمعهما. والسامعتان: الأذنان. قَالَ شرَّاح الْمُعَلقَة: الشَّاة هُنَا: الثور الوحشي وَلِهَذَا قَالَ: مُفْرد بِلَا هاءٍ. وحومل: اسْم رَملَة لَا ينْصَرف. وَشبه أُذُنِي نَاقَته بأذني ثَوْر وَحشِي لتحديدهما وَصدق سمعهما. وَأذن الوحشي أصدق من عينه. وَجعله مُفردا لِأَنَّهُ أَشد توجساً وحذراً إِذْ لَيْسَ مَعَه وحشٌ يلهيه ويشغله فانفراده أَشد لسمعه وارتياعه. وترجمة طرفَة بن العَبْد تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالْخمسين بعد الْمِائَة. وَأنْشد بعده: المتقارب (فَلَا مزنةٌ ودقت ودقها ... وَلَا أَرض أبقل إبقالها) وَأنْشد بعده ٣ - (الشَّاهِد الْخَامِس وَالْخَمْسُونَ بعد الْخَمْسمِائَةِ) الطَّوِيل (حَلَفت بهديٍ مشعرٍ بكراته ... يخب بصحراء الغبيط درادقه)

стр. 3393

على أَن تَأْنِيث نَحْو الزينبات مجازي لَا يجب لَهُ تَأْنِيث الْمسند بِدَلِيل الْبَيْت فَإِن البكرات كالزينبات وَلم يؤنث لَهُ الْمسند وَهُوَ مشْعر. وَهَذَا ظَاهر. وَقد خطأ الْمبرد فِي كتاب الرَّوْضَة قَول أبي نواس: المديد (كمن الشنآن مِنْهُ لنا ... ككمون النَّار فِي حجره) وَقَالَ: كَانَ يجب أَن يَقُول فِي حجرها لِأَن النَّار مُؤَنّثَة. وَأَجَابُوا عَنهُ بِأَن أَبَا نواس أَرَادَ: ككمون النَّار فِي حجر الكمون. وَالْبَيْت من قصيدة لعارق الطَّائِي عدتهَا فِي رِوَايَة أبي تَمام فِي الحماسة أحد عشر بَيْتا وَفِي رِوَايَة الأعلم: فِي حماسته أَرْبَعَة عشر بَيْتا. (لَئِن لم تغير بعض مَا قد صَنَعْتُم ... لأنتحين للعظم ذُو أَنا عارقه) وَبِهَذَا الْبَيْت سمي عارقاً واسْمه قيس كَمَا يَأْتِي. خَاطب بهَا عَمْرو بن هِنْد ملك الْحيرَة وَقيل: أَخَاهُ الْمُنْذر بن الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء. كَانَ أَحدهمَا بعث جَيْشًا للغزو فَلم يُصِيبُوا أحدا وأخفقوا فَمروا بحيٍّ من طيىءٍ فِي حمى الْملك فاستاقهم وَكَانَ قد أرعاهم الْحمى وَكتب لَهُم بذلك عهدا فَلَمَّا قدمُوا بهم إِلَى الْملك شاور فيهم زُرَارَة بن عدس الدَّارمِيّ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بقتل الْمُقَاتلَة مِنْهُم واستعباد ذَرَارِيهمْ فَقَامَ رجلٌ مِنْهُم وَقَالَ: هَذَا كتابك لنا. فَأجرى عَلَيْهِم الْملك رزقا فارتجل عارق هَذَا الشّعْر فَلَمَّا سَمعه الْملك أحسن إِلَيْهِم وخلى سبيلهم. وَقَوله: حَلَفت بهديٍ إِلَخ الْهَدْي: مَا يهدى إِلَى الْحرم من النعم. يُقَال: أهديت الْهَدْي إِلَى الْحرم أَي: سقته إِلَيْهِ. ومشْعر: اسْم مفعول

стр. 3394

من الْإِشْعَار وَهُوَ أَن يطعن فِي السنام فيسيل الدَّم عَلَيْهِ فيستدل بذلك على كَونه هَديا. وَجعل الْهَدْي دَالا على الْجِنْس. وَمَا بعده صفته وَهُوَ مشعرٍ وبكراته مَرْفُوع بمشعر وَهُوَ جمع بكرَة وَهِي الشَّابَّة من الْإِبِل.) وخب يخب خبباً كَطَلَب يطْلب طلبا. والخبب: ضربٌ من الْعَدو وَهُوَ خطو فسيح. وَالْبَاء والغبيط بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَكسر الْمُوَحدَة: موضعٌ قريب من فلج فِي طَرِيق الْبَصْرَة إِلَى مَكَّة. والدرادق: جمع دردق كجعفر وَهُوَ صغَار الْإِبِل. وَالضَّمِير فِي بكراته ودرادقه للهدي. وَقَوله: لَئِن لم تغير إِلَخ هَذِه اللَّام هِيَ اللَّام الموطئة وطأت الْجَواب الْآتِي للقسم الَّذِي قبل الشَّرْط سَوَاء كَانَ الْقسم قبلهَا مَوْجُودا كَمَا هُنَا أَو غير مَوْجُود كَقَوْلِه تَعَالَى: لَئِن أخرجُوا لَا يخرجُون. وَلَا يجوز أَن تكون هَذِه اللَّام لَام جَوَاب الْقسم بِأَن يكون الْجَواب للشّرط ومجموع الشَّرْط وَجَوَابه جَوَاب الْقسم إِذْ لَو كَانَت كَذَلِك لجَاز جزم الْفِعْل فِي قَوْلك: لَئِن أكرمتني أكرمك بِالْجَزْمِ والتالي بَاطِل والمقدم مثله. وَقد أجمع النُّحَاة على أَن الْفِعْل الثَّانِي وَاجِب الرّفْع. فَإِن قلت: فَمَا جَوَاب الشَّرْط قلت: مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ جَوَاب الْقسم. وتغير بِالْخِطَابِ. وَرُوِيَ: بالغيبة على الْبناء للْمَفْعُول وَرفع بعض. وَقَوله: لأنتحين اللَّام لَام جَوَاب الْقسم وأنتحين مُؤَكد بالنُّون الْخَفِيفَة جَوَاب للقسم فِي الْبَيْت قبله وَهُوَ حَلَفت. والانتحاء للشَّيْء: التَّعَرُّض لَهُ والاعتماد والميل. وروى: لأنتحين الْعظم بنُون التوكيد الثَّقِيلَة وبلام

стр. 3395

التَّعْرِيف بعْدهَا. وَذُو صفة للعظم وَهُوَ فِي لُغَة طيىء بِمَعْنى الَّذِي. وَجُمْلَة: أَنا عارقه صلته. وعارق: اسْم فَاعل من عرقت الْعظم عرقاً من بَاب قتل: أكلت مَا عَلَيْهِ من اللَّحْم. جعل شكواه كالعرق وَجعل مَا بعده إِن لم يُغير مَا صنعه تَأْثِيرا فِي الْعظم. يَقُول: حَلَفت أَيهَا الْملك بقرابين الْحرم وَقد أعلمت بكراتها بعلامة الإهداء يخب بصحراء ذَلِك الْموضع صغارها إِن لم تعير بعض مَا صَنعته وَلم تتدارك مَا فاتنا من عدلك لأميلن على كسر الْعظم الَّذِي أخذت مَا عَلَيْهِ من اللَّحْم. جعل شكواه وتقبيحه لما أَتَاهُ كالعرق وَجعل مَا بعده إِن لم يُغير تَأْثِيرا فِي الْعظم نَفسه. وَقد أحسن فِي التوعد وَفِي الْكِنَايَة عَن فعله وَعَما يهم بِهِ بعده. وَمَعْنَاهُ: أكسر عظمكم بعد هَذَا التهديد إِن لم ترجعوا عَن هَذَا الظُّلم. وعارقٌ اسْمه قيس بن جروة بن سيف بن وائلة بن عَمْرو بن مَالك بن أَمَان وَيُقَال لأولاده: الأجئيون لإقامتهم بأجأ وَهُوَ أحد جبلي طيىء. وأمان هُوَ ابْن ربيعَة بن جَرْوَل بن ثعل) الطَّائِي. كَذَا فِي جمهرة الْأَنْسَاب. وَيُقَال لَهُ: الأجئي لما ذكرنَا. وَهُوَ شاعرٌ جاهلي أورد أَبُو تَمام من شعره فِي عدَّة مَوَاضِع من الحماسة.

стр. 3396

وَأنْشد بعده الْبَسِيط (لَو كنت من مازنٍ لم تستبح إبلي ... بَنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا) على أَن بنُون لتغير مفرده فِي الْجمع أشبه جمع الْمُسكر فَجَاز تَأْنِيث الْفِعْل الْمسند إِلَيْهِ كَمَا يجوز فِي الْأَبْنَاء الَّذِي هُوَ جمع مكسر كَمَا أسْند فِي الْبَيْت لم تستبح بتاء التَّأْنِيث فِي أَوله إِلَى بَنو. وَهَذَا ظَاهر. وَالْبَيْت أول أبياتٍ ثَمَانِيَة هِيَ أول الحماسة لقريط بن أنيف الْعَنْبَري وَبعده: (إِذن لقام بنصري معشرٌ خشنٌ ... عِنْد الحفيظة إِن ذُو لوثةٍ لانا) (قومٌ إِذا الشَّرّ أبدى ناجذيه لَهُم ... طاروا إِلَيْهِ زرافاتٍ ووحدانا) (لَا يسْأَلُون أَخَاهُم حِين يندبهم ... فِي النائبات على مَا قَالَ برهانا) (لَكِن قومِي وَإِن كَانُوا ذَوي عددٍ ... لَيْسُوا من الشَّرّ فِي شيءٍ وَإِن هانا) (يجزون من ظلم أهل الظُّلم مغْفرَة ... وَمن إساءة أهل السوء إحسانا) (كَأَن رَبك لم يخلق لخشيته ... سواهُم من جَمِيع النَّاس إنْسَانا) (فليت لي بهم قوما إِذا ركبُوا ... شنوا الإغارة فُرْسَانًا وركبانا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أغار ناسٌ من بني شَيبَان على رجل من بني العنبر يُقَال لَهُ: قريط بن أنيف فَأخذُوا لَهُ ثَلَاثِينَ بَعِيرًا فاستنجد قومه فَلم ينجدوه فَأتى مَازِن تَمِيم فَركب مَعَه نفرٌ فأطردوا لبني شَيبَان مائَة بعير فدفعوها إِلَيْهِ فَقَالَ هَذِه الأبيات. انْتهى.

стр. 3397

ومَازِن: هُنَا هُوَ ابْن مَالك بن عَمْرو بن تَمِيم أخي العنبر بن عَمْرو بن تَمِيم. وَإِذا كَانَ كَذَلِك فمدح هَذَا الشَّاعِر لَهُم يجْرِي مجْرى الافتخار بهم. قَالَ المرزوقي: قصد الشَّاعِر فِي هَذِه الأبيات إِلَى بعث قومه على الانتقام لَهُ من أعدائه لَا إِلَى ذمهم. وَكَيف يذمهم ووبال الذَّم راجعٌ إِلَيْهِ لكنه سلك طَريقَة كَبْشَة أُخْت عَمْرو بن معديكرب فِي قَوْلهَا: الطَّوِيل) ودع عَنْك عمرا إِن عمرا مسالمٌ وَهل بطن عمرٍ وغير شبرٍ لمطعم فَإِنَّهَا لَا تهجو أخاها وعمرٌ وهُوَ الَّذِي كَانَ يعد بِأَلف فَارس وَلَكِن مرادها تهييجه. والاستباحة: الْإِبَاحَة. وَقيل الْإِبَاحَة: التَّخْلِيَة بَين الشَّيْء وَبَين طَالبه والاستباحة: اتِّخَاذ الشَّيْء مُبَاحا. وَالْأَصْل فِي الْإِبَاحَة إِظْهَار الشَّيْء للنَّاظِر ليتناوله من شَاءَ وَمِنْه: باح بسره. واللقيطة إِنَّمَا ألحق بهَا الْهَاء وَإِن كَانَت فعيلاً بِمَعْنى مفعول لِأَنَّهَا جعلت اسْما وَلم تتبع مَوْصُوفا كالذبيحة. كَذَا فِي شُرُوح الحماسة. وَلَا مُنَاسبَة للقيطة هُنَا لِأَنَّهَا فزارية لَا اتِّصَال لَهَا بذهل بن شَيبَان. وَالصَّوَاب: بَنو الشقيفة كَمَا يَأْتِي. وَأول من شرح على اللقيطة واتبعوه: أَبُو عبد الله النمري أول من شرح الحماسة. قَالَ: اللقيطة نبزٌ نبزهم الشَّاعِر بِهِ وَلَيْسَ بنسبٍ لَهُم جعل أمّهم ملقوطة وأخرجها مخرج النطيحة والرمية. هَذَا كَلَامه. ورد عَلَيْهِ الْأسود أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِيمَا كتبه على ذَلِك الشَّرْح

стр. 3398

قَالَ: هَذَا مَوضِع الْمثل: أول الدن درديٌّ. هَذَا أول بَيت من الحماسة جهل جِهَة الصَّوَاب فِي صِحَة مَتنه واستواء نظامه فاشتغل بِوَزْن اللقيطة وَذكر النطيحة. وَالصَّوَاب إِن شَاءَ الله مَا أنشدناه أَبُو الندى وَذكر أَنه لقريط بن أنيف الْعَنْبَري: (لَو كنت من مازنٍ لم تستبح إبلي ... بَنو الشقيفة من ذهل بن شيبانا) قَالَ: الشقيفة هِيَ بنت عباد بن زيد بن عَوْف بن ذهل بن شَيبَان. وَهِي أم سيار وسمير وَعبد الله وَعَمْرو أَوْلَاد سعد بن همام بن مرّة بن ذهل بن شَيبَان. وهم سيارةٌ مَرَدَة لَيْسَ يأْتونَ على شيءٍ إِلَّا أفسدوه. قَالَ: وَأما اللقيطة وَلَيْسَ هَذَا موضعهَا فَهِيَ أم حصن بن حُذَيْفَة وَإِخْوَته وهم خَمْسَة وَاسْمهَا نضيرة بنت عصيم بن مَرْوَان بن وهب بن بغيض بن مَالك بن سعد بن عدي بن فَزَارَة. وَإِنَّمَا ألحق بهَا هَذَا الِاسْم لِأَن أَبَاهَا لم يكن لَهُ ولد غَيرهَا وَالْعرب ذَاك الدَّهْر تئد الْجَوَارِي فَلَمَّا رَآهَا انتشرت نَفسه عَلَيْهَا ورق لَهَا وَقَالَ لأمها: استرضعيها وأخفيها من النَّاس. فَكَانَ أول من فطن لَهَا حمل بن بدر فَقَالَ لِأَخِيهِ حُذَيْفَة وَتَحْته العذرية لَيْسَ لَهُ ولدٌ إِلَّا مِنْهَا) وَهُوَ مسْهر وَبِه كَانَ يكتنى: مَالك لَا تتَزَوَّج وَتجمع النِّسَاء نرْزق مِنْك عضداً قَالَ: وَمن لي بِالنسَاء الَّتِي تشبهني وتلائمني قد علمت مَا لقِيت من العذرية وطلبها قَالَ: قد التقطت لَك امْرَأَة ترضاها وتشبهك. قَالَ: من هِيَ قَالَ: بنتٌ لعصيم بن مَرْوَان بن وهب. قَالَ: وَإِن لَهُ لبنتاً قَالَ: نعم. قَالَ: فَإِنِّي لم أسمع بهَا. قَالَ: كَانَت مخفاة وَقد خبرت خَبَرهَا. قَالَ: فَأَنت رَسُولي إِلَى عصيم فِيهَا. قَالَ: فَأَتَاهُ فَزَوجهُ إِيَّاهَا.

стр. 3399

وَبِهَذَا سميت اللقيطة. وَهِي أم حصن وَمَالك وَمُعَاوِيَة وَورد وَشريك بني حُذَيْفَة. وإياهم عَنى زبان بن سيارٍ بقوله: الْكَامِل (أعددتها لبني اللقيطة فَوْقهَا ... رمحٌ وسيفٌ صارم وشليل) انْتهى كَلَام الْأسود. وَمَا أوردهُ فِي تَسْمِيَة اللقيطة خلاف مَا قَالَه السكرِي فِي شرح ديوَان حسان بن ثَابت قَالَ: اللقيطة: أم حصن بن حُذَيْفَة كَانَت سَقَطت مِنْهُم فِي نجعة وَهِي صَغِيرَة فَأخذت فسميت اللقيطة. وَكَذَا قَالَ ياقوت فِي أَنْسَاب الْعَرَب قَالَ: وحصن بن حُذَيْفَة هُوَ ابْن اللقيطة لِأَن قَومهَا انتجعوا فَسَقَطت وَهِي طِفْل فالتقطها قومٌ فردوها عَلَيْهِم. انْتهى. وَالله أعلم. وَقَوله: إِذن لقام بنصري إِلَخ يَأْتِي إِن شَاءَ الله الْكَلَام على إِعْرَاب هَذَا الْبَيْت فِي إِذن من نواصب الْفِعْل. وَقَامَ بِالْأَمر: تكفل بِهِ. وخشن بِضَمَّتَيْنِ: جمع خشن وَقيل: جمع أخشن وضمة الشين للإتباع. والحفيظة: الْغَضَب فِي الشَّيْء الَّذِي يجب عَلَيْك حفظه. واللوثة بِضَم اللَّام: الضعْف وَهِي الرِّوَايَة الصَّحِيحَة وبالفتح: الْقُوَّة والشدة. وَالْأول أَسد لِأَن مُرَاده التَّعْرِيض بقَوْمه ليغضبوا أَو يهتاجوا لنصرته. وَقَوله: قوم إِذا الشَّرّ إِلَخ الناجذ بِالْجِيم والذال الْمُعْجَمَة: ضرس الْحلم زَائِد. والناجذ: مثل لاشتداد الشَّرّ كَمَا يُقَال: كشر الْحَرْب عَن

стр. 3400

نابه كَذَا فِي شرح الطبرسي. وَقَالَ غَيره: الناجذ: أقْصَى الأضراس كنى بإبدائه عَن كشف الْحَال وَرفع المجاملة. وَاسْتِعْمَال وطاروا: أَسْرعُوا إِلَى دَفعه وَلم يتثاقلوا والزرافة بِفَتْح الزَّاي قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: مَعْنَاهَا الْجَمَاعَة سميت بذلك للزِّيَادَة الَّتِي فِي الِاجْتِمَاع والتضام. وَمِنْه التزريف) للزِّيَادَة فِي الحَدِيث يُقَال: زرف فِي كَلَامه أَي: زَاد فِيهِ. وَمِنْه الزرافة لطول عُنُقهَا وزيادته على الْمُعْتَاد المألوف فِيمَا قده قدها. ووحدان: جمع وَاحِد كصاحب وصحبان بِمَعْنى منفردين. وَقَوله: لَا يسْأَلُون أَخَاهُم إِلَخ قَالَ ابْن جني: لَيْسَ يندبهم هُنَا من الندبة الَّتِي هِيَ التفجع وَإِنَّمَا هِيَ بِمَعْنى الاشتغاثة. غير أَن أَصلهمَا وَاحِد وَهُوَ مَا اجْتمعَا فِيهِ من معنى الْخُصُوص والعناية. والْبُرْهَان: الدَّلِيل فعلالٌ لَا فعلان لقَولهم: برهنت عَلَيْهِ أَي: أَقمت الدَّلِيل. وأخو الْقَوْم: الْوَاحِد مِنْهُم. وَاسْتشْهدَ بِهِ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: إِذْ قَالَ لَهُم أخوهم نوحٌ أَلا تَتَّقُون على أَن الْأَخ يُطلق وَيُرَاد بِهِ الْوَاحِد من الْقَوْم كَمَا فِي الْبَيْت. وَفِي الْبَيْت تعريضٌ بقَوْمه. وَقَوله: لَكِن قومِي إِلَخ يَعْنِي إِن قومِي وَإِن كَانَ فيهم كَثْرَة عدد
следующие страницы →