← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

ويتعاطين أَي: يناول بَعضهنَّ بَعْضًا. وَالْوَرق: الدَّرَاهِم. وَفِي التَّنْزِيل: فَابْعَثُوا أحدكُم بورقكم هَذِه. كَذَا فِي أمالي ابْن الشجري. وَقَالَ الشريف المرتضى رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَمَالِيهِ: القرق: الخشن الَّذِي فِيهِ الْحَصَى. وَشبه وَقَالَ آخَرُونَ: القرق هُنَا المستوى من الأَرْض الْوَاسِع. وَإِنَّمَا خص بِالْوَصْفِ لِأَن أَيدي الْإِبِل إِذا أسرعت فِي المستوي فَهُوَ أَحْمد لَهَا وَإِذا أَبْطَأت فِي غَيره فَهُوَ أجهد لَهَا. تَتِمَّة أورد الشَّارِح الْمُحَقق بعد هَذَا الشّعْر الْمثل الْمَشْهُور: أعْط الْقوس باريها وَقَالَ: قد يقدر نصب الْيَاء فِي السعَة أَيْضا. وَذكر الْمثل فَإِن باريها مفعول أعْط وَهُوَ سَاكن الْيَاء. وَهُوَ فِي هَذَا تابعٌ للزمخشري فِي الْمفصل. قَالَ الميداني فِي أَمْثَاله: أَي اسْتَعِنْ على عَمَلك بِأَهْل الْمعرفَة والحذق فِيهِ. وينشد: الْبَسِيط) (يَا باري الْقوس برياً لست تحسنها ... لَا تفسدنها وَأعْطِ الْقوس باريها) قَالَ شَارِح أبياته ابْن المستوفي: قرأته على شَيخنَا أبي الْحرم مكي بن رَيَّان فِي الْأَمْثَال لأبي الْفضل أَحْمد بن مُحَمَّد الميداني: أعْط الْقوس باريها بِفَتْح وَكَانَ فِي الأَصْل: لَيْسَ يُحسنهُ فأصلحه وَجعله

стр. 3887

برياً لست تحسنها وَهُوَ كَذَلِك فِي نسخ كتاب الميداني. وَلَعَلَّ الزَّمَخْشَرِيّ إِنَّمَا أَرَادَ بِالْمثلِ آخر هَذَا الْبَيْت الْمَذْكُور فَأوردهُ على مَا قَالَه الشَّاعِر لَا على مَا ورد من الْمثل فِي النثر فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمحل ضَرُورَة. (يَا باري الْقوس برياً لَيْسَ يصلحه ... لَا تظلم الْقوس واعط الْقوس باريها) وَالْأول أصح. وَيجوز أَن يسكن يَاء باريها وَإِن كَانَ مثلا بِرَأْسِهِ على مَا تقدم تَعْلِيله. اه. وَالْمَشْهُور تسكين يائه. وَقد أوردهُ الزَّمَخْشَرِيّ فِي أَمْثَاله وَقَالَ: قيل إِن الرِّوَايَة عَن الْعَرَب: باريها بِسُكُون الْيَاء لَا غير. يضْرب فِي وجوب تَفْوِيض الْأَمر إِلَى من يُحسنهُ ويتمهر فِيهِ. انْتهى. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الستمائة) وَهُوَ من شَوَاهِد س: السَّرِيع (فاليوم أشْرب غير مستحقبٍ ... إِثْمًا من الله وَلَا واغل) على أَنه يقدر فِي الضَّرُورَة رفع الْحَرْف الصَّحِيح كَمَا فِي أشْرب فَإِن الْبَاء حرفٌ صَحِيح وَقد حذف الضمة مِنْهُ للضَّرُورَة. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقد يسكن بَعضهم فِي الشّعْر ويشم وَذَلِكَ قَول امرىء الْقَيْس:

стр. 3888

فاليوم أشْرب غير مستحقبٍ ... ... ... . الْبَيْت وَقَالَ ابْن جني فِي الْمُحْتَسب: اعْتِرَاض أبي الْعَبَّاس الْمبرد هُنَا على الْكتاب إِنَّمَا هُوَ على الْعَرَب لَا على صَاحب الْكتاب لِأَنَّهُ حَكَاهُ كَمَا سَمعه وَلَا يُمكن فِي الْوَزْن أَيْضا غَيره. وَقَول أبي الْعَبَّاس: إِنَّمَا الرِّوَايَة: فاليوم فَاشْرَبْ فَكَأَنَّهُ قَالَ لسيبويه: كذبت على الْعَرَب وَلم تسمع مَا حكيته عَنْهُم. وَإِذا بلغ الْأَمر هَذَا الْحَد من السَّرف فقد سَقَطت كلفة القَوْل مَعَه. وَكَذَلِكَ إِنْكَاره عَلَيْهِ أَيْضا قَول الشَّاعِر: السَّرِيع وَقد بدا هنك من المئزر) فَقَالَ: إِنَّمَا الرِّوَايَة: وَقد بدا ذَاك من المئزر وَمَا أطيب الْعرس لَوْلَا النَّفَقَة. وَلَو كَانَ إِلَى النَّاس تخير مَا يحْتَملهُ الْموضع لَكَانَ الرجل أقوم من الْجَمَاعَة بِهِ وأوصل إِلَى المُرَاد مِنْهُ. اه. وَوَقع فِي نسخ الْكَامِل للمبرد: فاليوم أسْقى غير مستحقبٍ فَلَا شَاهد فِيهِ على هَذَا. وَرَوَاهُ أَبُو زيد فِي نوادره كَرِوَايَة الْمبرد:

стр. 3889

فاليوم فَاشْرَبْ. قَالَ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش فِيمَا كتبه على نوادره: الرِّوَايَة الجيدة فاليوم فَاشْرَبْ وَالْيَوْم أسْقى. وَأما رِوَايَة من روى فاليوم أشْرب فَلَا يجوز عندنَا إِلَّا على ضَرُورَة قبيحة وَإِن كَانَ جماعةٌ من رُؤَسَاء النَّحْوِيين قد أَجَازُوا. اه. وَهُوَ فِي هَذَا تابعٌ للمبرد. وَأوردهُ ابْن عُصْفُور فِي كتاب الضرائر مَعَ أبياتٍ مثله وَقَالَ: وَمن الضَّرُورَة حذف علامتي الْإِعْرَاب: الضمة والكسرة من الْحَرْف الصَّحِيح تَخْفِيفًا أجراءً للوصل مجْرى الْوَقْف أَو تَشْبِيها للضمة بالضمة من عضد وللكسرة بالكسرة من فَخذ وإبل نَحْو قَول امرىء الْقَيْس فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ: فاليوم أشْرب غير مستحقبٍ إِلَى أَن قَالَ: وَأنكر الْمبرد والزجاج التسكين فِي جَمِيع ذَلِك لما فِيهِ من إذهاب حَرَكَة الْإِعْرَاب وَهِي لِمَعْنى ورويا مَوضِع فاليوم أشْرب: فاليوم فَاشْرَبْ. وَالصَّحِيح أَن ذَلِك جائزٌ سَمَاعا وَقِيَاسًا. أما الْقيَاس فَإِن النَّحْوِيين اتَّفقُوا على جَوَاز ذهَاب حَرَكَة الْإِعْرَاب للإدغام لَا يُخَالف فِي ذَلِك أحدٌ مِنْهُم. وَقد قَرَأت الْقُرَّاء: مَا لَك لَا تأمنا بِالْإِدْغَامِ وَخط فِي الْمُصحف بنُون وَاحِدَة فَلم يُنكر ذَلِك وَأما السماع فثبوت التَّخْفِيف فِي الأبيات الَّتِي تقدّمت وروايتهما

стр. 3890

بعض تِلْكَ الأبيات على خلاف التَّخْفِيف لَا يقْدَح فِي رِوَايَة غَيرهمَا. وَأَيْضًا فَإِن ابْن محَارب قَرَأَ: وبعولتهن أَحَق بردهن بِإِسْكَان التَّاء. وَكَذَلِكَ قَرَأَ الْحسن: وَمَا) يعدهم الشَّيْطَان. بِإِسْكَان الدَّال. وَقَرَأَ أَيْضا مسلمة ومحارب: وَإِذ يَعدكُم بِإِسْكَان الدَّال. وَكَأن الَّذِي حسن مَجِيء هَذَا التَّخْفِيف فِي حَال السعَة شدَّة اتِّصَال الضَّمِير بِمَا قبل من حَيْثُ كَانَ غير مُسْتَقل بِنَفسِهِ فَصَارَ التَّخْفِيف لذَلِك كَأَنَّهُ قد وَقع فِي كلمة وَاحِدَة. وَالتَّخْفِيف الْوَاقِع فِي الْكَلِمَة نَحْو: عضد فِي عضد سائغٌ فِي حَال السعَة لِأَنَّهُ لغةٌ لقبائل ربيعَة بِخِلَاف مَا شبه بِهِ من الْمفصل فَإِنَّهُ لَا يجوز إِلَّا فِي الشّعْر. فَإِن كَانَت الضمة والكسرة اللَّتَان فِي آخر الْكَلِمَة علامتي بِنَاء اتّفق النحويون على جَوَاز حذفهما فِي الشّعْر تَخْفِيفًا. انْتهى مَا أردنَا مِنْهُ. وَمَا نَقله عَن الزّجاج مذكورٌ فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: فتوبوا إِلَى بارئكم من سُورَة الْبَقَرَة قَالَ: وَالِاخْتِيَار مَا رُوِيَ عَن أبي عَمْرو أَنه قَرَأَ: إِلَى بارئكم بِإِسْكَان الْهمزَة. وَهَذَا رَوَاهُ سِيبَوَيْهٍ باختلاس الْكسر وأحسب أَن الرِّوَايَة الصَّحِيحَة مَا روى سِيبَوَيْهٍ فَإِنَّهُ أضبط لما رُوِيَ عَن أبي عَمْرو. وَالْإِعْرَاب أشبه بالرواية عَن أبي عَمْرو وَلِأَن حذف الْكسر فِي مثل هَذَا وَحذف الضَّم إِنَّمَا يَأْتِي باضطرارٍ من الشّعْر. وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ وَزعم أَنه مِمَّا يجوز فِي الشّعْر خَاصَّة:

стр. 3891

الرجز إِذا اعوججن قلت صَاحب قوم بِإِسْكَان الْبَاء وَأنْشد أَيْضا: فاليوم أشْرب غير مستحقبٍ فَالْكَلَام الصَّحِيح أَن يَقُول: يَا صَاحب أقبل أَو يَا صَاحب أقبل وَلَا وَجه للإسكان. وَكَذَلِكَ: الْيَوْم أشْرب يَا هَذَا. وروى غير سِيبَوَيْهٍ هَذِه الأبيات على الإستقامة وَمَا يَنْبَغِي أَن يجوز فِي الْكَلَام وَالشعر. رووا هَذَا الْبَيْت على ضَرْبَيْنِ: فاليوم أسْقى غير مستحقبٍ وَرووا: إِذا اعوججن قلت صَاح قومِ وَلم يكن سِيبَوَيْهٍ ليروي إِلَّا مَا سمع إِلَّا أَن الَّذِي سَمعه هَؤُلَاءِ هُوَ الثَّابِت فِي اللُّغَة. وَقد ذكر) وَالْبَيْت فِي قصيدة لامرىء الْقَيْس. قَالَ عبد الرَّحْمَن السَّعْدِيّ فِي كتاب مساوي الْخمر: غزا امْرُؤ الْقَيْس بني أَسد ثائراً بِأَبِيهِ وَقد جمع جموعاً من حمير وَغَيرهم من ذؤبان الْعَرَب وصعاليكها وهرب بَنو أسدٍ من بَين يَدَيْهِ حَتَّى أنضوا الْإِبِل وحسروا الْخَيل ولحقهم فظفر بهم وَقتل بهم

стр. 3892

مقتلة عَظِيمَة وأبار حلمة بن أَسد وَمثل فِي عمروٍ وكاهل ابْني أَسد. وَذكر الْكَلْبِيّ عَن شُيُوخ كِنْدَة أَنه جعل يسمل أَعينهم ويحمي الدروع فيلبسهم إِيَّاهَا. وروى أَبُو سعيد السكرِي مثل ذَلِك وَأَنه ذبحهم على الْجَبَل ومزج المَاء بدمائهم إِلَى أَن بلغ الحضيض وَأصَاب قوما من جذامٍ كَانُوا فِي بني أَسد. وَفِي ظفره ببني أَسد يَقُول: السَّرِيع (قولا لدودان عبيد الْعَصَا ... مَا غركم بالأسد الباسل) (لَا تسقيني الْخمر إِن لم يرَوا ... قَتْلَى فِئَامًا بِأبي الْفَاضِل) (حَتَّى أبير الْحَيّ من مالكٍ ... قتلا وَمن يشرف من كَاهِل) (وَمن بني غنم بن دودان إِذْ ... يقذف أعلاهم على السافل) (نعلوهم بالبيض مسنونةً ... حَتَّى يرَوا كالخشب الشائل) (حلت لي الْخمر وَكنت امْرأ ... من شربهَا فِي شغلٍ شاغل) (فاليوم أشْرب غير مستحقبٍ ... إِثْمًا من الله وَلَا واغل) وَكَانَ أَبُو امرىء الْقَيْس إِذا غضب على أحد مِنْهُم ضربوه

стр. 3893

بالعصا فسموا عبيد الْعَصَا أَي: يُعْطون على الضَّرْب والهوان. وَأَرَادَ بالأسد الباسل أَبَاهُ. والفئام بِكَسْر الْفَاء بعْدهَا همزَة ممدودة: الْجَمَاعَة. وأبير: أفني. وَمَالك هُوَ ابْن أَسد. وَأَرَادَ بِمن يشرف من كَاهِل علْبَاء بن الْحَارِث من بني كَاهِل بن أَسد. وَقَوله: يقذف أَي: يرْمى بَعضهم على بعض إِذا قتلوا. والمسنونة: المحددة. والشائل: السَّاقِط. وَقَوله: حلت لي الْخمر إِلَخ قَالَ السَّعْدِيّ فِي مساوي الْخمر. إِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَنَّهُ لم يكن حضر قتل أَبِيه وَكَانَ أَبوهُ أقصاه لِأَنَّهُ كره مِنْهُ قَول الشّعْر وَإِنَّمَا جَاءَهُ الْأَعْوَر الْعجلِيّ بِخَبَرِهِ وَهُوَ يشرب فَقَالَ: ضيعني صَغِيرا وحملني ثقل الثأر كَبِيرا. الْيَوْم خمرٌ وَغدا أَمر. لَا صحو الْيَوْم وَلَا سكر غَدا. ثمَّ شرب سبعا ثمَّ لما صَحا حلف أَن لَا يغسل رَأسه وَلَا يشرب خمرًا حَتَّى يدْرك ثَأْره.) فَذَلِك قَوْله: حلت لي الْخمر. وَهَذَا معنى مَا زَالَت الْعَرَب تطرقه. قَالَ الشنفرى يرثي خَاله تأبط شرا وَيذكر إِدْرَاكه ثَأْره من قصيدةٍ لَهُ: المديد (فادركنا الثأر فيهم وَلما ... ينج من لحيان إِلَّا الْأَقَل) وافهم أَنهم إِنَّمَا حرمُوا الْخمر على أنفسهم فِي مُدَّة طَلَبهمْ لِأَنَّهَا مشغلة لَهُم عَن كريم الْأَخْلَاق والإقبال على الشُّهْرَة. اه.

стр. 3894

قَالَ إِسْمَاعِيل بن هبة الله الْموصِلِي فِي كتاب الْأَوَائِل أول من اخترع هَذَا الْمَعْنى امْرُؤ الْقَيْس فِي هَذَا الشّعْر. وَأما قَول أبي نواس: الْكَامِل (فِي مجلسٍ ضحك السرُور بِهِ ... عَن ناجذيه وحلت الْخمر) فَكَانَ نذر لَا يشرب حَتَّى يظفر بِمن يهوى فَلَمَّا ظفر بِهِ وَشرب قَالَ هَذَا الْبَيْت. وَكَذَا أَيْضا قَول البحتري: الْبَسِيط (حَتَّى نحل وَقد حل الشَّرَاب لنا ... جنَّات عدنٍ على الساجور ألفافا) فَإِنَّهُ نذر أَن لَا يشرب خمرًا حَتَّى يصير إِلَى بَلَده فَلَمَّا صَار إِلَيْهِ حل لَهُ الشَّرَاب. اه. وَبَيت أبي نواس قبله: الْكَامِل (ظلت حميا الكاس تبسطنا ... حَتَّى تهتك بَيْننَا السّتْر) قَالَ السَّيِّد المرتضى قدس الله روحه فِي أَمَالِيهِ: قَوْله: وحلت الْخمر يحْتَمل أَن مَا وصف بِهِ من طيب الْموضع وتكامل السرُور بِهِ وَحُضُور المأمول فِيهِ صَار مقتضياً لشرب الْخمر. وملجئاً وَتَكون فَائِدَة وصفهَا بِأَنَّهَا حلت الْمُبَالغَة فِي وصف الْحَال بالْحسنِ وَالطّيب. وَيحْتَمل أَيْضا أَن يكون عقد على نَفسه وآلى أَن لَا يتَنَاوَل الْخمر إِلَّا بعد

стр. 3895

الِاجْتِمَاع مَعَ محبوبه فَكَانَ الِاجْتِمَاع مَعَه مخرجا عَن يَمِينه على مَذْهَب الْعَرَب فِي تَحْرِيم الْخمر على نُفُوسهم إِلَى أَن يَأْخُذُوا بثأرهم. وَيحْتَمل أَيْضا أَن يُرِيد بحلت: نزلت وأقامت من الْحُلُول الَّذِي هُوَ الْمقَام لَا من الْحَلَال فَكَأَنَّهُ وصف بُلُوغ جَمِيع آرابه وَحُضُور فنون لذاته وَأَنَّهَا تكاملت بحلول الْخمر الَّتِي فِيهَا جماع اللَّذَّات. وَهَذَا الْوَجْه وَإِن لم يشر إِلَيْهِ فَالْقَوْل يحْتَملهُ: وَلَا مَانع من أَن يكون مرَادا. وَقد قيل إِنَّه أَرَادَ: إِذا استحللنا الْخمر سكرنا وفقدنا الْعُقُول الَّتِي كُنَّا نمتنع لَهَا من الْحَرَام. وَالْوُجُوه المقتدمة أشبه) وَأقرب إِلَى الصَّوَاب. اه. وَقَوله: فاليوم أشْرب إِلَخ غير: حالٌ من ضمير أشْرب. والمستحقب: المكتسب وَأَصله من استحقب: أَي وضع فِي الحقيبة وَهِي خرجٌ يرْبط بالسرج خلف الرَّاكِب. وإثماً: مفعول مستحقب. كَأَن شربهَا بعد وَفَاء النّذر لَا إِثْم فِيهِ بِزَعْمِهِ. وواغل مَعْطُوف على مستحقب والواغل: الَّذِي يَأْتِي شراب الْقَوْم من غير أَن يدعى إِلَيْهِ وَهُوَ مأخوذٌ من الوغول وَهُوَ الدُّخُول. وَمَعْنَاهُ أَنه وغلٌ فِي الْقَوْم وَلَيْسَ مِنْهُم. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ بعد الستمائة)

стр. 3896

الرجز وَلَا ترضاها وَلَا تملق على أَن حرف الْعلَّة قد لَا يحذف للجازم فِي الضَّرُورَة. قَالَ أَبُو عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر فِي بَاب: مَا كَانَ لامه من الْأَفْعَال حرف عِلّة: قَالَ الشَّاعِر: الْبَسِيط (هجوت زبان ثمَّ جِئْت معتذراً ... من هجو زبان لم تهجو وَلم تدع) وَقَالَ: ألم يَأْتِيك والأنباء تنمي وَقَالَ آخر: الْكَامِل مَا أنس لَا أنساه آخر عيشتي هَذِه الْحُرُوف قد تحذف فِي مَوضِع الْجَزْم فِي الِاخْتِيَار كَمَا تحذف النُّون فِي التَّثْنِيَة وَالْجمع وَفعل فَقدر الشَّاعِر فِي الْوَاو وَالْيَاء الْحَرَكَة كالأبيات الَّتِي قدمناها فتشبه الْألف بِالْيَاءِ فِي نَحْو: لَا أنساه فِي الْبَيْت وَنَحْو قَوْله: (إِذا الْعَجُوز غضِبت فَطلق ... وَلَا ترضاها وَلَا تملق) وَيدل على تَقْدِير الشَّاعِر الْحَرَكَة فِي الْيَاء وَالْوَاو وحذفها فِي الضَّرُورَة أَن سِيبَوَيْهٍ زعم أَن أَعْرَابِيًا أفْصح النَّاس من كُلَيْب أنْشد لجرير: الطَّوِيل (فيوماً يوافين الْهوى غير ماضي ... وَيَوْما ترى مِنْهُنَّ غولاً تغول)) اه. وَكَذَا قَالَ ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة وَفِي الخصائص وَشَرحه

стр. 3897

شرحاً وَاضحا فِي شرح تصريف الْمَازِني. وَزَاد فِي سر الصِّنَاعَة أَن بَعضهم رَوَاهُ على الْوَجْه الأعرف: وَلَا تَرضهَا وَلَا تملق قَالَ ابْن عُصْفُور فِي كتاب الضرائر: يَنْبَغِي أَن تجْعَل لَا فِي قَوْله: وَلَا تَرضهَا نَافِيَة وَالْوَاو فِيهِ للْحَال مثلهَا فِي قُمْت وأصك وَجهه فَيكون الْمَعْنى إِذا ذَاك: فَطلقهَا غير مترضٍّ لَهَا وَيكون قَوْله: وَلَا تملق جملَة نهي معطوفةً على جملَة الْأَمر الَّتِي هِيَ طلق. وَلَا يَنْبَغِي أَن تجْعَل لَا حرف نهي لِأَنَّهَا لَو كَانَت للنَّهْي لوَجَبَ حذف الْألف من ترضاها. اه. والبيتان من رجز لرؤبة بن العجاج. وَبعده: (واعمد لأخرى ذَات دلٍّ مونق ... لينَة الْمس كمس الخرنق) هَكَذَا أوردهُ أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِي ضَالَّة الأديب. وَقَوله: إِذا الْعَجُوز غضِبت روى أَيْضا: كَبرت بدل غضِبت. والترضي والاسترضاء بِمَعْنى. قَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال تملقه وتملق لَهُ تملقاً وتملاقاً أَي: تودد إِلَيْهِ وتلطف لَهُ. واعمد بِمَعْنى اقصد. والدل بِفَتْح الدَّال بِمَعْنى الدَّلال والغنج. ومونق: اسْم فَاعل من أنق الشَّيْء أنقاً من بَاب تَعب أَي: رَاع حسنه وأعجب. والخرنق بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالنُّون وَسُكُون الرَّاء بَينهمَا: ولد الأرنب. وترجمة رؤبة تقدّمت فِي الشَّاهِد الْخَامِس من أول الْكتاب.

стр. 3898

وَأنْشد بعده (الشَّاهِد السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ بعد الستمائة) وَهُوَ من شَوَاهِد س: الوافر لما تقدم فِي الْبَيْت قبله. وَأوردهُ سِيبَوَيْهٍ فِي موضِعين من كِتَابه على أَنه أثبت الْيَاء فِي حَال الْجَزْم ضَرُورَة لِأَنَّهُ إِذا اضْطر ضمهَا فِي حَال الرّفْع تَشْبِيها بِالصَّحِيحِ. قَالَ الأعلم: وَهِي لغةٌ ضَعِيفَة فاستعملها عِنْد الضَّرُورَة. اه. وَهَذَا قَول الزجاجي فِي الْجمل وَتَبعهُ الأعلم. قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أبياته: وَقَوله: إِنَّه لغةٌ خطأٌ. وَمثله للصفار فِي شرح الْكتاب: قَالَ: إثباب حرف الْعلَّة فِي المجزوم ضَرُورَة نَحْو: ألم يَأْتِيك. وَقيل: إِنَّه لُغَة يعرب بحركات مقدرَة. وَالصَّحِيح أَنه لَيْسَ لُغَة وَلَا علم من قَالَه غير الزجاجي وَلَا سَنَد لَهُ فِيهِ. وَمِمَّا يدل على أَنه غير مُعرب بحركات مقدرَة أَنهم لَا يَقُولُونَ لم أخْشَى لِأَنَّهُ لَا يظْهر فِيهِ حَرَكَة بوجهٍ بِخِلَاف الْيَاء. فَإِن قلت: إِنَّه سمع فِي قَوْله تَعَالَى: لَا تخف دركاً وَلَا تخشى. وَقَوله: إِذا الْعَجُوز غضِبت فَطلق ... ... ... الْبَيْت

стр. 3899

قلت: لَا دَلِيل فِيهِ كَمَا زعمت لِأَن الأول مَقْطُوع أَي: وَأَنت لَا تخشى أَي: فِي هَذِه الْحَال. وَكَذَا وَلَا ترضاها أَي: طَلقهَا وَأَنت لَا تترضاها ثمَّ قَالَ: وَلَا تملق فَلَا دَلِيل فِيهِ. اه. وَقَالَ ابْن خلف: هَذَا الْبَيْت أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب الضرورات وَلَيْسَ يجب أَن يكون من بَاب الضرورات لِأَنَّهُ لَو أنْشد بِحَذْف الْيَاء لم ينكسر وَإِنَّمَا مَوضِع الضَّرُورَة مَا لَا يجد الشَّاعِر مِنْهُ بدا فِي إثْبَاته وَلَا يقدر على حذفه لِئَلَّا ينكسر الشّعْر وَهَذَا يُسمى فِي عرُوض الوافر المنقوص أَعنِي: إِذا حذف الْيَاء من قَوْله: ألم يَأْتِيك. هَذَا كَلَامه. وَلَا يخفى أَن مَا فسر بِهِ الضَّرُورَة مذهبٌ مَرْجُوح مَرْدُود. وَالتَّحْقِيق عِنْد الْمُحَقِّقين: أَنَّهَا مَا وَقع فِي الشّعْر سواءٌ كَانَ للشاعر عَنهُ مندوحةٌ أم لَا. وَقَالَ ابْن جني: فِي فصل الْهمزَة من سر الصِّنَاعَة: رَوَاهُ بعض أَصْحَابنَا: ألم يأتك على ظَاهر الْجَزْم وأنشده أَبُو الْعَبَّاس عَن أبي عُثْمَان عَن) الْأَصْمَعِي: أَلا هَل اتاك والأنباء تنمي اه. فَالْأول فِيهِ الْكَفّ وَالثَّانِي فِيهِ نقل حَرَكَة الْهمزَة من أَتَاك إِلَى لَام هَل وحذفها. وَرَوَاهُ بَعضهم: فَلَا شَاهد فِيهِ على الرِّوَايَات الثَّلَاث. وَالْبَيْت أوردهُ ابْن هِشَام فِي موضِعين من الْمُغنِي: أَحدهمَا: فِي الْبَاء قَالَ: الْبَاء فِي قَوْله: بِمَا زَائِدَة فِي الضَّرُورَة. وَقَالَ

стр. 3900

ابْن الضائع: الْبَاء مُتَعَلقَة بتنمي وَإِن فَاعل يَأْتِي مُضْمر وَالْمَسْأَلَة من بَاب الإعمال. وَثَانِيهمَا: فِي الْجُمْلَة المعترضة من الْبَاب الثَّانِي قَالَ: جملَة والأنباء تنمي مُعْتَرضَة بَين الْفِعْل وَالْفَاعِل على أَن الْبَاء زَائِدَة فِي الْفَاعِل. وَيحْتَمل أَن يَأْتِي وتنمي تنَازعا فأعمل الثَّانِي وأضمر الْفَاعِل فِي الأول فَلَا اعْتِرَاض وَلَا زِيَادَة. وَلَكِن الْمَعْنى على الأول أوجه إِذْ الأنباء من شَأْنهَا أَن تنمي بِهَذَا وَبِغَيْرِهِ. اه. يُرِيد أَن يَأْتِي وتنمي تنَازعا قَوْله: بِمَا وَالْأول يَطْلُبهُ للفاعلية وَالثَّانِي يَطْلُبهُ للمفعولية فأعمل الثَّانِي على الْمُخْتَار وأضمر الْفَاعِل فِي الأول وَهُوَ ضمير مَا لاقت. وَقَالَ الأعلم وَابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: الْبَاء زَائِدَة بمنزلتها فِي كفى بِاللَّه شَهِيدا. وَحسن دُخُولهَا فِي مَا أَنَّهَا مُبْهمَة مَبْنِيَّة كالحرف فَأدْخل عَلَيْهَا حرف الْجَرّ إشعاراً بِأَنَّهَا اسْم وَالتَّقْدِير: ألم يَأْتِيك مَا لاقت. وَيجوز أَن تكون مُتَّصِلَة بيأتيك على إِضْمَار الْفَاعِل فَيكون التَّقْدِير: ألم يَأْتِيك النبأ بِمَا لاقت. وَدلّ على النبأ قَوْله: والأنباء تنمي أَي: تشيع وَأَصله من نمى الشَّيْء ينمي إِذا ارْتَفع وَزَاد. اه. وعَلى هَذَا لَا تنَازع. وَفِيه الِاعْتِرَاض بِالْجُمْلَةِ. وَقَول ابْن هِشَام إِن زِيَادَة الْبَاء هُنَا ضَرُورَة هُوَ قَول ابْن عُصْفُور قَالَ فِي كتاب الضرائر: وَمِنْهَا زِيَادَة حرف الْجَرّ فِي الْمَوَاضِع الَّتِي لَا تزاد فِيهَا فِي سَعَة الْكَلَام

стр. 3901

نَحْو: ألم يَأْتِيك ... ... . الْبَيْت) فَزَاد الْبَاء فِي فَاعل يَأْتِي. وزيادتها لَا تنقاس فِي سَعَة الْكَلَام إِلَّا فِي خبر مَا وَخبر لَيْسَ وفاعل: كفى ومفعوله وفاعل أفعل بِمَعْنى: مَا أَفعلهُ. وَمَا عدا هَذِه الْمَوَاضِع لَا تزاد فِيهِ الْبَاء إِلَّا فِي ضرورةٍ أَو شَاذ من الْكَلَام يحفظ وَلَا يُقَاس عَلَيْهِ. اه. وَقَالَ ابْن جني فِي الْمُحْتَسب: زَاد الْبَاء فِي بِمَا لاقت لما كَانَ مَعْنَاهُ: ألم تسمع مَا لاقت لبونهم. هَذَا كَلَامه. وَكَأَنَّهُ على التَّضْمِين. وَفِيه بعدٌ. وَقَالَ ابْن المستوفي: وَابْن خلف: وَيجوز أَن يكون لبون فَاعل يَأْتِي على تَقْدِير مُضَاف أَي: ألم يَأْتِيك خبر لبونهم وَيكون فِي لاقت ضميرٌ يعود إِلَى لبون وَيكون لبون فِي نِيَّة التَّقْدِيم. وعَلى هَذَا تكون الْبَاء مُتَعَلقَة بيأتي وَفِيه التَّنَازُع على إِعْمَال الأول على خلاف الْمُخْتَار وَفِيه تعسف لتقدير الْمُضَاف فِي الأول وَعَدَمه فِي الثَّانِي. وَالْكَاف فِي يَأْتِيك لمخاطب غير معِين أَي: يَا من يصلح للخطاب. والأنباء: جمع نبأ وَهُوَ خبرٌ لَهُ شَأْن. واللبون قَالَ أَبُو زيد: هِيَ من الشَّاء وَالْإِبِل: ذَات اللَّبن غزيرةً كَانَت أم بكيئة فَإِذا قصدُوا قصد الغزيرة قَالُوا: لبنة وَقَالَ ابْن السَّيِّد وَتَبعهُ ابْن خلف: اللَّبُون: الْإِبِل ذَوَات اللَّبن وَهُوَ اسمٌ مُفْرد أَرَادَ بِهِ الْجِنْس. وَبَنُو زِيَاد: هم الكملة الرّبيع وَعمارَة وَقيس وَأنس بَنو زِيَاد بن سُفْيَان بن عبد الله الْعَبْسِي. وأمهم فَاطِمَة بنت الخرشب الأنمارية. وَالْمرَاد لبون الرّبيع بن زِيَاد فَإِن الْقِصَّة مَعَه فَقَط كَمَا يَأْتِي بَيَانهَا.

стр. 3902

كَمَا يُقَال: بَنو فلَان فعلوا كَذَا إِذا كَانَ الْفَاعِل بَعضهم وَأسْندَ الْفِعْل إِلَى الْجَمِيع لرضاهم بِفعل الْبَعْض. وَمثل هَذَا الْبَيْت قَول عفيف بن الْمُنْذر: الوافر (ألم يَأْتِيك والأنباء تنمي ... بِمَا لاقت سراة بني تَمِيم) (تداعى من سراتهم رجالٌ ... وَكَانُوا فِي النوائر والصميم) وَالْبَيْت أول أبياتٍ لقيس بن زُهَيْر بن جذيمة بن رَوَاحَة الْعَبْسِي وَكَانَ سيد قومه ونشأت بَينه وَبَين الرّبيع بن زِيَاد الْعَبْسِي شَحْنَاء فِي شَأْن درعٍ ساومه فِيهَا وَلما نظر إِلَيْهَا وَهُوَ على ظهر فرسه وَضعهَا على القربوس ثمَّ ركض بهَا فَلم يردهَا عَلَيْهِ فَاعْترضَ قيس بن زُهَيْر أم الرّبيع:) فَاطِمَة بنت الخرشب الْمَذْكُورَة فِي ظعائن من بني عبس فاقتاد جملها يُرِيد أَن يرتهنها بدرعه. فَقَالَت لَهُ: مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ قطّ فعل رجل أَيْن ضل حلمك يَا قيس أترجو أَن تصطلح أَنْت وَبَنُو زِيَاد أبدا وَقد أخذت أمّهم فَذَهَبت بهَا يَمِينا وَشمَالًا فَقَالَ النَّاس فِي ذَلِك مَا شاؤوا أَن يَقُولُوا: وحسبك من شَرّ سَمَاعه فأرسلتها مثلا. فَعرف قيسٌ مَا قَالَت فخلى سَبِيلهَا ثمَّ أطْرد إبِلا لَهُ وَقيل: إبِله وإبل إخْوَته فَقدم بهَا مَكَّة فَبَاعَهَا من عبد الله بن جدعَان التَّيْمِيّ مُعَاوضَة بأدراعٍ وسيوف. ثمَّ جاور ربيعَة بن قرط بن سَلمَة بن قُشَيْر وَهُوَ ربيعَة الْخَيْر ويكنى أَبَا هِلَال.

стр. 3903

وَفَاطِمَة الأنمارية هِيَ إِحْدَى المنجبات. وسئلت عَن بنيها: أَيهمْ أفضل فَقَالَت: الرّبيع لَا بل عمَارَة لَا بل قيس لَا بل أنس ثكلتهم إِن كنت أَدْرِي أَيهمْ أفضل هم كالحلقة المفرغة لَا يدْرِي أَيْن طرفاها وَكَانَت امْرَأَة لَهَا ضيافةٌ وسودد. والأبيات هَذِه بعد الأول: (كَمَا لاقيت من حمل بن بدر ... وَإِخْوَته على ذَات الإصاد) (هم فَخَروا عَليّ بِغَيْر فخرٍ ... وردوا دون غَايَته جوادي) (وَكنت إِذا منيت بخصم سوءٍ ... دلفت لَهُ بداهيةٍ نآد) (بداهيةٍ تدق الصلب مِنْهُم ... بقصمٍ أَو تجوب عَن الْفُؤَاد) (أَطُوف مَا أَطُوف ثمَّ آوي ... إِلَى جارٍ كجار أبي دواد) (منيع وسط عِكْرِمَة بن قيسٍ ... وهوبٍ للطريف وللتلاد) (تظل جياده يعسلن حَولي ... بِذَات الرمث كالحدإ العوادي) (كفاني مَا أَخَاف أَبُو هلالٍ ... ربيعَة فانتهت عني الأعادي) (كَأَنِّي إِذْ أنخت إِلَى ابْن قرطٍ ... أنخت إِلَى يَلَمْلَم أَو نضاد) وَقَوله: ومحبسها بِالرَّفْع مَعْطُوف على فَاعل يَأْتِيك وَهُوَ مَا لاقت أَو لبون وبالجر عطفا على مَدْخُول الْبَاء إِن كَانَ الْفَاعِل ضمير النبأ. والمحبس: مصدر ميمي. والقرشي هُنَا هُوَ عبد الله بن جدعَان بِضَم الْجِيم ابْن عَمْرو بن كَعْب ابْن سعد بن تيم بن مرّة الْقرشِي. وَعبد الله من أجواد قُرَيْش فِي

стр. 3904

الْجَاهِلِيَّة. وشذ ابْن السَّيِّد فِي قَوْله: إِن قيسا لما قدم مَكَّة بِإِبِل الرّبيع بَاعهَا لِحَرْب بن أُميَّة وَهِشَام بن) وتشرى بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول الْجُمْلَة: حَال من ضمير الْمُؤَنَّث فِي محبسها. وَقَالُوا: هُوَ بِمَعْنى تبَاع. وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى: يَشْتَرِيهَا الْقرشِي فالجملة حالٌ من الْقرشِي. وَفِي هَذَا الْبَيْت بيانٌ لما لاقته لبون بني زِيَاد وافتخارٌ وتبجج بِمَا فعله من أَخذ إبِله وَبَيْعهَا بِمَكَّة. وَقَوله: كَمَا لاقيت قَالَ ابْن الشجري: الْعَامِل فِيهِ مَحْذُوف تَقْدِيره: لاقيت مِنْهُم كَمَا لاقيت من حمل بن بدر. وَمثله فِي حذف الْفِعْل مِنْهُ للدلالة عَلَيْهِ قَول يزِيد بن مفرغ الْحِمْيَرِي: الْخَفِيف (لَا ذعرت السوام فِي وضح الصب ... ح مغيراً وَلَا دعيت يزيدا) (يَوْم أعْطى من المخافة ضيماً ... والمنايا يرصدنني أَن أحيدا) (طالعاتٍ أخذن كل سبيلٍ ... لَا شقياً وَلَا يدعن سعيدا) أَرَادَ: لَا يدعن شقياً فَحذف. انْتهى. وَذَات الإصاد بِكَسْر الْهمزَة. مَوضِع. وَهَذَا الْبَيْت وَمَا بعده إشارةٌ إِلَى حَرْب داحسٍ والغبراء وَهَذَا إجمالها من كتاب الفاخر للمفضل بن سَلمَة قَالَ: داحس: فرس قيس بن زُهَيْر الْعَبْسِي والغبراء: فرس حُذَيْفَة بن بدرٍ وَكَانَ من حَدِيثهمَا أَن رجلا من بني عبس يُقَال لَهُ: قرواش بن هني مارى حمل

стр. 3905

بن بدرٍ أَخا حُذَيْفَة فِي داحس والغبراء فَقَالَ حمل: الغبراء أَجود. وَقَالَ قرواش: داحسٌ أَجود. فتراهنا عَلَيْهِمَا عشرَة فِي عشرَة. فَأتى قرواشٌ إِلَى قيس بن زُهَيْر فَأخْبرهُ فَقَالَ لَهُ قيس: رَاهن من أَحْبَبْت وجنبني بني بدر فَإِنَّهُم يظْلمُونَ لقدرتهم على النَّاس فِي أنفسهم وَأَنا نكدٌ أباءٌ فَقَالَ قرواش: فَإِنِّي قد أوجبت الرِّهَان. فَقَالَ قيس: وَيلك مَا أردْت إِلَى أشأم أهل بَيت وَالله لتنفلن علينا شرا. ثمَّ إِن قيسا أَتَى حمل بن بدر فَقَالَ: إِنِّي أَتَيْتُك لأواضعك الرِّهَان عَن صَاحِبي. قَالَ حمل: لَا أواضعك أَو تَجِيء بالعشر فَإِن أَخَذتهَا أخذت سبقي وَإِن تركتهَا تركت حَقًا قد عَرفته لي وعرفته لنَفْسي. فأحفظ قيسا فَقَالَ: هِيَ عشرُون. قَالَ حملٌ: ثَلَاثُونَ. فتزايدا حَتَّى بلغ بِهِ قيس مائَة وَجعل الْغَايَة مائَة غلوة والغلوة بِفَتْح الْمُعْجَمَة: مِقْدَار رمية سهم. فضمروهما أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ اسْتقْبل الَّذِي ذرع الْغَايَة من ذَات الإصاد وَهِي ردهة فِي) ديار عبس وسط هضب القليب قَالَ الْأَصْمَعِي: هضب القليب بِنَجْد جبالٌ صغَار والقليب فِي وسط هَذَا الْموضع يُقَال لَهُ ذَات الإصاد وَهُوَ اسْم من أسمائها. والردهة: نقيرة فِي حجر يجْتَمع فِيهَا المَاء فَانْتهى الذرع إِلَى مَكَان لَيْسَ لَهُ اسْم. فقادوا الفرسين إِلَى الْغَايَة وَقد وَلم يكن ثمَّ قصبةٌ. وَوضع حملٌ حَيْسًا فِي دلاء وَجعله فِي شعب من شعاب هضب القليب على طَرِيق الفرسين وَكَمن مَعَه فتياناً وَأمرهمْ إِن جَاءَ داحسٌ سَابِقًا أَن يردوا وَجهه عَن الْغَايَة وأرسلوهما من مُنْتَهى الذرع فَلَمَّا دنوا وَقد برز داحسٌ وثب الفتيان

стр. 3906

فلطموا وَجه داحس فَردُّوهُ عَن الْغَايَة. فَقَالَ قيس: يَا حُذَيْفَة أَعْطِنِي سبقي. وَقَالَ الَّذِي وضع عِنْده السَّبق: إِن قيسا قد سبق وَإِنَّمَا أردْت أَن يُقَال: سبق حُذَيْفَة وَقد قيل فَأمره أَن يَدْفَعهُ لقيس. ثمَّ إِن حُذَيْفَة ندمه النَّاس فَبعث ابْنه يَأْخُذ السَّبق من قيس فَقتله قيس فَاجْتمع النَّاس فاحتملوا دِيَته مائَة عشراء فقبضها حُذَيْفَة وَسكن النَّاس. ثمَّ إِن حُذَيْفَة استفرد أَخا قيس وَهُوَ مَالك بن زُهَيْر فَقتله. وَكَانَ الرّبيع بن زِيَاد يومئذٍ مجاور بني فَزَارَة عِنْد امْرَأَته وَكَانَ مشاحناً لقيس بن زُهَيْر فِي درعه الَّتِي اغتصبها من قيس كَمَا تقدم ذكرهَا فَلَمَّا قتل مَالك بن زُهَيْر ارتحل الرّبيع بن زِيَاد وَلحق بقَوْمه وَأَتَاهُ قيس بن زُهَيْر فَصَالحه وَنزل مَعَه ثمَّ دس قيسٌ أمة لَهُ إِلَى الرّبيع تنظر مَا يعْمل فَأَتَتْهُ امْرَأَته تعرض لَهُ وَهِي على طهر فزجرها وَقَالَ: الْكَامِل (منع الرقاد فَمَا أغمض حَار ... جللٌ من النبأ المهم الساري) (يجد النِّسَاء حواسراً يندبنه ... يندبن بَين عوانس وعذاري) (أفبعد مقتل مَالك بن زهيرٍ ... ترجو النِّسَاء عواقب الْأَطْهَار) فَأخْبرت الْأمة قيسا بِهَذَا فَأعْتقهَا. ثمَّ إِن بني عبس تجمعُوا وَرَئِيسهمْ الرّبيع بن زِيَاد وَتجمع بَنو ذبيان وَرَئِيسهمْ حُذَيْفَة بن بدر وتحاربوا مرَارًا.

стр. 3907

ثمَّ إِن الرّبيع بن زِيَاد أظفره الله فِي جَعْفَر الهباءة على حُذَيْفَة بن بدر وأخويه: حمل بن بدر وَمَالك بن بدر فَقَتلهُمْ ومثلوا بحذيفة فَقطعُوا ذكره فجعلوه فِي فِيهِ وَجعلُوا لِسَانه فِي دبره. وَقَالَ الرّبيع بن زِيَاد يرثي حمل بن بدر: الوافر) (تعْمل أَن خير النَّاس طراً ... على جفر الهباءة مَا يريم) (وَلَوْلَا ظلمه مَا زلت أبْكِي ... عَلَيْهِ الدَّهْر مَا طلع النُّجُوم) (وَلَكِن الْفَتى حمل بن بدرٍ ... بغى وَالْبَغي مرتعه وخيم) (أَظن الْحلم دلّ عَليّ قومِي ... وَقد يستجهل الرجل الْحَلِيم) (أُلَاقِي من رجالٍ منكراتٍ ... فأنكرها وَمَا أَنا بالظلوم) (ومارست الرِّجَال ومارسوني ... فمعوجٌّ عَليّ ومستقيم) ودامت الْحَرْب بَينهم أَرْبَعِينَ سنة إِلَى أَن ضعف قيس بن زُهَيْر فحالف ربيعَة بن قرط بن سَلمَة بن قُشَيْر وَهُوَ ربيعَة الْخَيْر ويكنى أَبَا هِلَال. وَقيل: هُوَ ربيعَة بن قرط بن عبد بن أبي بكر بن كلاب. فَنزل قيسٌ مَعَ بني عبس عِنْده وَقَالَ: (أحاول مَا أحاول ثمَّ آوي ... إِلَى جارٍ كجار أبي دواد) إِلَى آخر الأبيات الْمَذْكُورَة. وَقَوله: وَكنت إِذا منيت إِلَخ أَي: بليت. ودلفت: أسرعت. والنآد بِهَمْزَة ممدودة قبلهَا نون وَبعدهَا دَال: الشَّدِيدَة من الدَّوَاهِي. وتقصم: تكسر. وتجوب: تشق. وَقَوله: كجار أبي دَاوُد الْجَار هُنَا: النَّاصِر والحليف.

стр. 3908

كَانَ أَبُو دواد الْإِيَادِي فِي الْجَاهِلِيَّة جاور الْحَارِث بن همام بن مرّة بن ذهل بن شَيبَان فَخرج صبيان الْحَيّ يَلْعَبُونَ فِي غَدِير فغمسوا ابْن أبي دوادٍ فَقَتَلُوهُ فَقَالَ الْحَارِث بن همام: لَا يبْق فِي الْحَيّ صبيٌّ إِلَّا غرق فِي الغدير فودي ابْن أبي دواد تسع دياتٍ أَو عشرا. ويعسلن من العسلان وَهُوَ اهتزاز الَّذِي يعدو. والحدأ: جمع حدأة كعنب جمع عنبة: طَائِر مَعْرُوف. ويلملم ونضاد: جبلان. وَقَول الرّبيع بن زِيَاد: يَقُول: من شمت من الْأَعْدَاء بمقتل مَالك فَليعلم أَنا قد أدركنا ثَأْره. وَكَانَت الْعَرَب لَا تندب قتلاها حَتَّى تدْرك ثأرها. وَكَانَ قيس قتل ابْن حُذَيْفَة كَمَا تقدم فَقتل حُذَيْفَة مَالِكًا أَخا قيس. وَالْمرَاد: فليحضر ساحتنا فِي أول النَّهَار ليعلم أَن مَا كَانَ محرما من الْبكاء قد حل ويجد النِّسَاء مكشوفات الرؤوس يندبنه.) وَرُوِيَ: (يجد النِّسَاء حواسراً يندبنه ... يلطمن أوجههن بالأسحار) وَرُوِيَ أَيْضا: قد قمن قبل تبلج الأسحار وَرُوِيَ أَيْضا: بالصبح قبل تبلج الأسحار قَالَ ابْن نباتة فِي سرح الْعُيُون فِي شرح رِسَالَة ابْن زيدون: لبَعض الأدباء اعتراضٌ فِي قَوْله: بالصبح قبل تبلج الأسحار

стр. 3909

فَإِن الصُّبْح لَا يكون إِلَّا بعد تبلج الأسحار. أُجِيب بأقوالٍ مِنْهَا: أَن الصُّبْح هُنَا الْحق الْوَاضِح من وَصفه الَّذِي هُوَ كالصبح لِأَنَّهَا تندبه بخلاله الْحَسَنَة الْوَاضِحَة. انْتهى. وَقيس بن زُهَيْر: جاهليٌّ وَهُوَ صَاحب الحروب بَين عبس وذبيان بِسَبَب الفرسين: داحس والغبراء كَمَا تقدم. وَكَانَ فَارِسًا شَاعِرًا داهية يضْرب بِهِ الْمثل فَيُقَال: أدهى من قيس. وَلما طَال الْحَرْب ومل أَشَارَ على قومه بِالرُّجُوعِ إِلَى قَومهمْ ومصالحتهم فَقَالُوا: سر نسر مَعَك. فَقَالَ: لَا وَللَّه لَا نظرت فِي وَجْهي ذبيانيةٌ قتلت أَبَاهَا أَو أخاها أَو زَوجهَا أَو وَلَدهَا. وَتقدم ذكر الصُّلْح فِي شرح معلقَة زُهَيْر بن أبي سلمى. ثمَّ خرج على وَجهه حَتَّى لحق بالنمر بن قاسط وَتزَوج مِنْهُم وَأقَام عِنْدهم مُدَّة ثمَّ رَحل إِلَى عمان فَأَقَامَ بهَا حَتَّى مَاتَ. وَقيل: إِنَّه خرج هُوَ وصاحبٌ لَهُ من بني أَسد عَلَيْهِمَا المسوح يسيحان فِي الأَرْض ويتقوتان مِمَّا تنْبت إِلَى أَن دفعا فِي ليلةٍ بَارِدَة إِلَى أخبيةٍ لقومٍ وَقد اشْتَدَّ بهما الْجُوع فوجدا رَائِحَة شواءٍ فسعيا يريدانه فَلَمَّا قاربا أدْركْت قيسا شهامة النَّفس والأنفة فَرجع وَقَالَ لصَاحبه: دُونك وَمَا تُرِيدُ فَإِن لي لبثاً على هَذِه الأجارع أترقب داهية الْقُرُون الْمَاضِيَة. فَمضى صَاحبه وَرجع من الْغَد فَوَجَدَهُ قد لَجأ إِلَى شجرةٍ بِأَسْفَل وادٍ فنال من وَرقهَا شَيْئا ثمَّ مَاتَ.

стр. 3910

فأنظور هُوَ قطعةٌ من بَيت وَهُوَ:) (وأنني حَيْثُمَا يثني الْهوى بَصرِي ... من حوثما سلكوا أدنو فأنظور) أَي: فَأنْظر. وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد الْحَادِي عشر من أَوَائِل الْكتاب. وَأنْشد بعده: ينباع وَهَذَا أَيْضا قطعةٌ من بَيت تقدم فِي الشَّاهِد الثَّانِي عشر بعد بَيت فأنظور وَهُوَ: الْكَامِل (ينباع من ذفرى غضوبٍ جسرةٍ ... زيافةٍ مثل الفنيق المقرم) أَي: يَنْبع. والذفرى: الْموضع الَّذِي يعرق من الْإِبِل خلف الْأذن. والغضوب: النَّاقة العبوس الصعبة الشَّدِيدَة الرَّأْس. والجسرة: الجاسرة فِي السّير. والزيافة: المتبخترة. والفنيق: الْفَحْل المكرم لَا يركب لكرامته عِنْد أَهله. والمقرم بِضَم الْمِيم وَفتح الرَّاء: الْبَعِير الَّذِي لَا يحمل عَلَيْهِ وَلَا يذلل وَإِنَّمَا هُوَ للفحلة. وَتقدم الْكَلَام هُنَاكَ مفصلا عَلَيْهِ.

стр. 3911

وَأنْشد بعده الطَّوِيل وَمَا كدت آيباً هُوَ قِطْعَة من بَيت هُوَ: (فَأَبت إِلَى فهمٍ وَمَا كدت آيباً ... وَكم مثلهَا فارقتها وَهِي تصفر) على أَن أصل خبر كَاد الِاسْم الْمُفْرد كَمَا فِي الْبَيْت. قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: اسْتعْمل الِاسْم الَّذِي هُوَ الأَصْل المرفوض الِاسْتِعْمَال مَوضِع الْفِعْل الَّذِي هُوَ فرعٌ وَذَلِكَ أَن قَوْلك: كدت أقوم أَصله كدت قَائِما وَلذَلِك ارْتَفع الْمُضَارع أَي: لوُقُوعه موقع الِاسْم فَأخْرجهُ على أَصله المرفوض كَمَا يضْطَر الشَّاعِر إِلَى مُرَاجعَة الْأُصُول عَن مُسْتَعْمل الْفُرُوع نَحْو صرف مَا لَا ينْصَرف وَإِظْهَار التَّضْعِيف وَتَصْحِيح المعتل وَمَا جرى مجْرى ذَلِك. ونحوٌ من ذَلِك مَا جَاءَ عَنْهُم من اسْتِعْمَال خبر عَسى على أَصله: الرجز (أكثرت فِي العذل ملحاً دَائِما ... لَا تكثرن إِنِّي عَسَيْت صَائِما) وَهَذِه هِيَ الرِّوَايَة الصَّحِيحَة فِي هَذَا الْبَيْت أَعنِي قَوْله وَمَا كدت آيباً. وَكَذَلِكَ وَجدتهَا فِي) شعر هَذَا الرجل بالخط الْقَدِيم وَهُوَ عتيدٌ عِنْدِي إِلَى الْآن. والمعني عَلَيْهِ الْبَتَّةَ. أَلا ترى أَن مَعْنَاهُ فَأَبت

стр. 3912

وَمَا كدت أؤوب كَقَوْلِك: سلمت وَمَا كدت أسلم. وَكَذَلِكَ كل مَا يَلِي هَذَا الْحَرْف من قبله وَمن بعده يدل على مَا قُلْنَا. وَأكْثر النَّاس يروي: وَلم أك آئباً وَمِنْهُم من يروي: وَمَا كنت آئبا. وَالصَّوَاب الرِّوَايَة الأولى إِذْ لَا معنى هُنَا لِقَوْلِك: وَمَا كنت وَلَا للم أك. وَهَذَا واضحٌ. انْتهى. وَقَالَ مثله فِي الخصائص فِي بَاب امْتنَاع الْعَرَب من الْكَلَام بِمَا يجوز فِي الْقيَاس قَالَ: وَإِنَّمَا يَقع ذَلِك فِي كَلَامهم إِذا استغنت بِلَفْظ عَن لفظ كاستغنائهم بقَوْلهمْ: مَا أَجود جَوَابه عَن قَوْلهم: مَا أجوبه. أَو لِأَن قِيَاسا آخر عَارضه فعاق عَن استعمالهم إِيَّاه كاستغنائهم بكاد زيد يقوم عَن قَوْلهم: كَاد زيد قَائِما أَو قيَاما. وَرُبمَا خرج ذَلِك فِي كَلَامهم. قَالَ تأبط شرا: فَأَبت إِلَى فهم وَمَا كدت آئباً هَكَذَا صِحَة رِوَايَة هَذَا الْبَيْت. وَكَذَلِكَ هُوَ فِي شعره. فَأَما رِوَايَة من لَا يضبطه: وَمَا كنت آئباً وَلم أك آئباً فلبعده عَن ضَبطه. ويؤكد مَا روينَاهُ نَحن مَعَ وجوده فِي الدِّيوَان أَن الْمَعْنى عَلَيْهِ. أَلا ترى أَن مَعْنَاهُ فَأَبت وَمَا كدت أؤوب. فَأَما مَا كنت فَلَا وَجه لَهَا فِي هَذَا الْموضع. انْتهى. وَمرَاده من هَذَا التَّأْكِيد: الرَّد على أبي عبد الله النمري فِي شرح الحماسة وَهُوَ أول شارحٍ لَهَا وَقد تحرفت عَلَيْهِ هَذِه الْكَلِمَة وَهَذِه عِبَارَته: أَبَت: رجعت. وَفهم: قَبيلَة. وَالْهَاء فِي قَوْله: وَكم مثلهَا راجعةٌ إِلَى هُذَيْل. وَقَوله: وَهِي تصفر قيل مَعْنَاهُ أَي: تتأسف على فوتي. هَذَا كَلَامه. وَقد رد عَلَيْهِ أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي أَيْضا فِيمَا كتبه على شَرحه

стр. 3913

قَالَ: سَأَلت أَبَا الندى عَنهُ قَالَ: مَعْنَاهُ كم مثلهَا فارقتها وَهِي تتلهف كَيفَ أفلت. قَالَ: وَالرِّوَايَة الصَّحِيحَة وَمَا كدت آئباً. وَالْهَاء رَاجِعَة فِي فارقتها إِلَى فهم. قَالَ: وَرِوَايَة من روى: وَلم أك آئباً خطأٌ. وفهمٌ: ابْن عَمْرو بن قيس عيلان. انْتهى كَلَامه. قَالَ التبريزي: قد تكلم المرزوقي على اخْتِيَار ابْن جني هَذِه الرِّوَايَة ردا عَلَيْهِ وَلم ينصفه وَقَالَ: قَوْله وَلم أك آئباً أَي: رجعت إِلَى قبيلتي فهمٍ وكدت لَا أؤوب لمشارفتي التّلف.) وَيجوز أَن يُرِيد: وَلم أك آئباً فِي تقديرهم وظنهم. ويروى: وَلم آل آئباً بِمد الْهمزَة وَاللَّام أَي: لم أدع جهدي فِي الإياب. وَالْأول أحسن. انْتهى. وَقد أورد ابْن عُصْفُور هَذَا الْبَيْت فِي كتاب الضرائر قَالَ: وَمِنْه وضع الِاسْم مَوضِع الْفِعْل الْوَاقِع فِي مَوضِع خبر كَاد وَمَوْضِع أَن وَالْفِعْل الْوَاقِع فِي مَوضِع خير عَسى نَحْو قَول تأبط شرا: وَقَول الآخر: لَا تكثرن إِنِّي عَسَيْت صَائِما كَانَ الْوَجْه أَن يَقُول: وَمَا كدت أؤوب وَإِنِّي عَسَيْت أَن أَصوم إِلَّا أَن الضَّرُورَة منعت من ذَلِك. وَقَوْلهمْ فِي الْمثل: عَسى الغوير أبؤساً شَاذ يحفظ وَلَا يُقَاس عَلَيْهِ. انْتهى. وَقَالَ ابْن المستوفي وَغَيره: قَوْله إِلَى فهم أَي: إِلَى عقل. وَقيل إِلَى قبيلتي الَّتِي هِيَ فهم. وَهَذَا أولى. انْتهى.

стр. 3914

وَرُجُوع الضَّمِير من مثلهَا إِلَى فهم غير مُنَاسِب وَالْمُنَاسِب رُجُوعه إِلَى لحيان وَهِي قَبيلَة من هذيلٍ فِي قَوْله: (أَقُول للحيان وَقد صفرت لَهُم ... وطابي ويومي ضيق الْحجر معور) وَيجوز أَن يرجع إِلَى الْحَالة الَّتِي صدرت مِنْهُ حِين أحَاط بِهِ بَنو لحيان وَأَرَادُوا قَتله فتحيل وَنَجَا مِنْهُم. وَعبر عَنهُ ابْن المستوفي بقوله: أَي: المحنة أَو الخطة أَو الْمِنَّة. وَكم: مُبْتَدأ وَجُمْلَة: فارقتها هُوَ الْخَبَر وَجُمْلَة: وَهِي تصفر حَالية وَمثلهَا: بِالْجَرِّ: مميزكم الخبرية. قَالَ ابْن المستوفي: قَرَأت على شَيخنَا أبي الْحرم مكي: وَكم مثلهَا بجر مثلهَا ورفعها ونصبها. وَالنّصب على أَن تكون كم مُبْهمَة بالاستفهامية وَيكون مثلهَا: صفة لنكرة محذوفة تقديرها: كم مرّة مثلهَا فارقتها. هَذَا كَلَامه فَتَأَمّله. وَقد أَنْت مثلا لِإِضَافَتِهِ إِلَى ضمير الْمُؤَنَّث بِدَلِيل عود الضَّمِير إِلَيْهِ من فارقتها مؤنثاً. قَالَ ابْن جني: أَنْت الْمثل حملا على الْمَعْنى لما كَانَ المُرَاد بِهِ الْحَال وَالصُّورَة الَّتِي ذكرهَا. وَقد جَاءَ فِي التَّنْزِيل: فَلهُ عشر أَمْثَالهَا لما كَانَ المُرَاد عشر حَسَنَات أَمْثَالهَا وتأنيث الْمُذكر أغلط من تذكير الْمُؤَنَّث لِأَنَّهُ مُفَارقَة أصل إِلَى فرع وَفِي مَا ورد من تَأْنِيث نَحْو هَذَا دليلٌ على قُوَّة إِقَامَة الصّفة مقَام الْمَوْصُوف حَتَّى كَأَن الْمَوْصُوف حَاضر.) وَلَوْلَا أَن ذَلِك كَذَلِك لما جَازَ تَأْنِيث الْمثل لَكِن دلّ جَوَاز تأنيثه على قُوَّة إِرَادَة موصوفه. فاعرف ذَلِك فَإِنَّهُ هُوَ غَرَض هَذَا الْفَصْل. انْتهى.

стр. 3915

وَقَوله: تصفر قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد أَرَادَ بالصفير النفخ عِنْد النَّدَم. وَنقل ابْن المستوفي عَن أبي مُحَمَّد الْقَاسِم بن مُحَمَّد الديمرتي أَن الْمَعْنى لما أعجزتها جعلت تصفر خجلاً. قَالَ: وَمن عَادَة الْعَرَب إِذا فاتهم أَن يَقُولُوا: هُوَ هُوَ ثمَّ يصفروا وَرَاءه يُرِيدُونَ بعد الْبعد. انْتهى. وَالْبَيْت من أَبْيَات لتأبط شرا تقدم شرحها فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالسِّتِّينَ بعد الْخَمْسمِائَةِ. وَكَانَ بَنو لحيان من هُذَيْل أخذُوا عَلَيْهِ طَرِيق جبل وجدوه فِيهِ يشتار عسلاً لم يكن لَهُ طَرِيق غَيره وَقَالُوا: استأسر أَو نقتلك فكره أَن يستأسر فصب مَا مَعَه من الْعَسَل على الصخر وَوضع صَدره عَلَيْهِ حَتَّى انْتهى إِلَى الأَرْض من غير طَرِيق فَصَارَ بَينه وَبينهمْ مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام وَنَجَا مِنْهُم. فَحكى الْحِكَايَة فِي الأبيات. وأولها: (إِذا الْمَرْء لم يحتل وَقد وجد جده ... أضاع وقاسى أمره وَهُوَ مُدبر) (وَلَكِن أَخُو الحزم الَّذِي لَيْسَ نازلاً ... بِهِ الْخطب إِلَّا وَهُوَ للقصد مبصر) ...

стр. 3916

(فَذَاك قريع الدَّهْر مَا عَاشَ حولٌ ... إِذا سد مِنْهُ منخرٌ جاش منخر) قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد: وَمن محَاسِن أهل الْأَدَب أَن محيي الدَّين ابْن قرناس قَالَ بِحَضْرَة شرف الدَّين الْحلِيّ ملغزاً فِي الشبابة: الطَّوِيل (وناطقةٍ خرساء بادٍ شجونها ... تكنفها عشرٌ ومنهن تخبر) (يلذ إِلَى الْأَسْمَاء رَجَعَ حَدِيثهَا ... إِذا سد مِنْهَا منخرٌ جاش منخر) فَأَجَابَهُ فِي الْحَال: الطَّوِيل وَفِي الْمَوْضِعَيْنِ تضمين. تَتِمَّة مَا أوردهُ الشَّارِح الْمُحَقق على الْبَصرِيين فِي قَوْلهم: رفع الْمُضَارع لوُقُوعه موقع الِاسْم قد أجَاب عَنهُ صَاحب اللّبَاب قَالَ فِيهِ: وَأما مَرْفُوع الْفِعْل فَهُوَ الْمُضَارع الْوَاقِع بِحَيْثُ يَصح وُقُوع الِاسْم) إِمَّا مُجَردا أَو مَعَ حرف لَا يكون عَاملا فِيهِ فِي نَحْو: زيد يضْرب وسيضرب وَيضْرب الزيدان. لِأَن مبدأ الْكَلَام لَا يتَعَيَّن للْفِعْل دون الِاسْم وَنَحْو: كَاد زيد يقوم الأَصْل فِيهِ الِاسْم وَقد عدل إِلَى لفظ الْفِعْل لُزُوما لغَرَض. وَقد اسْتعْمل الأَصْل المرفوض فِيمَن روى قَوْله: وَمَا كدت آئباً. انْتهى.

стр. 3917

واحتزر بقوله لَا يكون عَاملا عَمَّا إِذا كَانَ مَعَ حرف عاملٍ نَحْو: زيد لم يضْرب أَو لن يضْرب. وَقَوله: لِأَن مبدأ الْكَلَام. إِلَخ هَذَا جَوَاب عَن سُؤال مُقَدّر وَهُوَ أَن يضْرب فِي يضْرب الزيدان مَرْفُوع مَعَ أَنه لَيْسَ بواقعٍ موقع الِاسْم إِذْ لَا يجوز ابْتِدَاء ضاربٌ الزيدان من غير اعتمادٍ على شَيْء. فَأجَاب بِأَن هَذَا الْكَلَام من حَيْثُ هُوَ كلامٌ لَا يتَعَيَّن أَن يكون فعلا دون اسْم بل جَازَ أَن يكون ابْتِدَاء الْكَلَام اسْما على الْجُمْلَة فَصدق أَنه واقعٌ موقع الِاسْم على الْإِطْلَاق أَي: موقعاً وَقَوله: وَنَحْو كَاد زيد يقوم إِلَخ هَذَا أَيْضا إيرادٌ وجوابٌ. أما لإيراد فَهُوَ أَن خبر كَاد يلْزم أَن يكون فعلا وَهُوَ أَن كَاد مَوْضُوع لمقاربة وُقُوع فعلٍ فَحق خَبره أَن يكون فعلا مضارعاً فَلَا يكون خَبره اسْما فَيَنْبَغِي أَن لَا يرْتَفع لِأَن ارتفاعه لوُقُوعه موقع الِاسْم وَالِاسْم لَا يَقع خَبرا لكاد. وَأجَاب بِأَن أصل خبر كَاد أَن يكون اسْما كَمَا فِي خبر كَانَ وَلذَلِك اسْتعْمل ذَلِك الأَصْل المرفوض فِي الْبَيْت فالفعل واقعٌ موقع الِاسْم نظرا إِلَى الأَصْل. وَقد بسط الْكَلَام على مَذْهَب الْفَرِيقَيْنِ ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف فَلَا بَأْس بإيراده قَالَ: اخْتلف مَذْهَب الْكُوفِيّين فِي رفع الْمُضَارع فَذهب الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنه يرْتَفع لتعريه من العوامل الناصبة والجازمة.

стр. 3918

وَذهب الْكسَائي إِلَى أَنه يرْتَفع بِالزَّائِدِ فِي أَوله. وَذهب البصريون إِلَى أَنه يرْتَفع لقِيَامه مقَام الِاسْم. وَاحْتج الْكُوفِيُّونَ بِأَن الْمُضَارع إِذا دخل عَلَيْهِ ناصب نَصبه أَو جازم جزمه وَإِذا خلا مِنْهُمَا ارْتَفع فَعلمنَا أَنه بدخولهما ينصب ويجزم وبسقوطهما عَنهُ يرفع. قَالُوا: وَلَا يجوز أَن يكون مَرْفُوعا لقِيَامه مقَام الِاسْم لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ يَنْبَغِي أَن ينصب ثمَّ كَيفَ يَأْتِيهِ الرّفْع لقِيَامه مقَام الِاسْم وَالِاسْم يكون مَرْفُوعا ومنصوباً ومخفوضاً وَلَو كَانَ) كَذَلِك لوَجَبَ أَن يعرب بإعراب الِاسْم ولوجب أَن لَا يرْتَفع فِي: كَاد زيد يقوم لِأَنَّهُ لَا يجوز: كَاد زيد قَائِما. وَاحْتج البصريون بِوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَن قِيَامه مقَام الِاسْم عاملٌ معنويٌّ يشبه الِابْتِدَاء والابتداء يُوجب الرّفْع وَكَذَا مَا أشبهه. وَثَانِيهمَا: أَن بقيامه مقَام الِاسْم قد وَقع فِي أقوى أَحْوَاله فَوَجَبَ أَن يعْطى أقوى الْإِعْرَاب وَهُوَ الرّفْع. وَإِنَّمَا لم يرفع الْمَاضِي مَعَ جَوَاز قِيَامه مقَام الِاسْم لِأَنَّهُ مَا اسْتحق أَن يكون معرباً بِنَوْع من الْإِعْرَاب فَصَارَ قِيَامه بِمَنْزِلَة عَدمه. وَأما قَول الْكُوفِيّين إِنَّه يرْتَفع بالتعري من العوامل الناصبة والجازمة فَهُوَ فَاسد لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَن يكون الرّفْع بعد النصب والجزم وَلَا خلاف بَين النَّحْوِيين أَن الرّفْع قبلهمَا وَذَلِكَ أَن الرّفْع صفة الْفَاعِل وَالنّصب صفة الْمَفْعُول فَكَمَا أَن الْفَاعِل قبل الْمَفْعُول يَنْبَغِي أَن يكون الرّفْع قبل النصب. وَإِذا كَانَ الرّفْع قبل النصب فَلِأَن يكون قبل الْجَزْم من طَرِيق الأولى. وَأما قَوْلهم: لَو كَانَ مَرْفُوعا لقِيَامه مقَام الِاسْم إِلَخ فَنَقُول: إِنَّمَا لم يكن مَنْصُوبًا أَو

стр. 3919

مجروراً إِذا قَامَ مقَام الِاسْم الْمَنْصُوب وَالْمَجْرُور لِأَن عوامل الْأَسْمَاء لَا تعْمل فِي الْأَفْعَال. وَأما قَوْلهم وجدنَا نَصبه وَجزم بناصب وجازم لَا يدخلَانِ على الِاسْم فَعلمنَا أَنه يرْتَفع من حَيْثُ لَا يرْتَفع الِاسْم قُلْنَا: وَكَذَلِكَ نقُول فَإِنَّهُ يرْتَفع من حَيْثُ لَا يرْتَفع الِاسْم لِأَنَّهُ ارتفاعه لقِيَامه مقَام الِاسْم وَالْقِيَام مقَام الِاسْم لَيْسَ بعامل للرفع فِي الِاسْم. وَأما قَول الْكسَائي إِنَّه يرْتَفع بِالزَّائِدِ فِي أَوله فَهُوَ فَاسد من وُجُوه: أَحدهمَا: أَنه كَانَ يَنْبَغِي أَن لَا يدْخل عَلَيْهِ عوامل النصب والجزم لِأَنَّهُمَا لَا يدخلَانِ على العوامل. الثَّانِي: كَانَ يَنْبَغِي أَن لَا ينْتَصب وَلَا يجْزم بدخولهما لوُجُود الزَّائِد فِي أَوله أبدا. الثَّالِث: أَن هَذِه الزَّوَائِد بعض الْفِعْل لَا تنفصل مِنْهُ فِي لفظ بل هِيَ من تَمام مَعْنَاهُ فَلَو علمت لزم أَن يعْمل الشَّيْء فِي نَفسه. وَأما قَوْلهم: لَو كَانَ مَرْفُوعا لقِيَامه مقَام الِاسْم لَكَانَ يَنْبَغِي أَن لَا يرْتَفع فِي كَاد زيد يقوم إِلَخ) قُلْنَا: هَذَا فَاسد لِأَن الأَصْل كَاد زيد قَائِما. وَلذَلِك رده الشَّاعِر فِي الضَّرُورَة إِلَى أَصله فِي قَوْله: وَمَا كدت آئباً إِلَّا أَنه لما كَانَت كَاد مَوْضُوعَة للتقريب من الْحَال وَاسم الْفَاعِل لَيْسَ دلَالَته على الْحَال بِأولى من دلَالَته على الْمَاضِي عدلوا عَنهُ إِلَى يفعل لِأَنَّهُ أدل على مُقْتَضى كَاد ورفعوه مراعة للْأَصْل. فَدلَّ على صِحَة مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ. انْتهى كَلَامه بِاخْتِصَار. وَفِيه مَوَاضِع تحْتَمل المناقشة لَا تخفى على المتأمل.

стр. 3920

(النواصب) أنْشد فِيهِ (الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ بعد الستمائة) الطَّوِيل (وددت وَمَا تغني الودادة أنني ... بِمَا فِي ضمير الحاجبية عَالم) على أَن أَن الْمَفْتُوحَة يجوز أَن تقع بعد فعل غير دالٍ على الْعلم وَالْيَقِين كَمَا فِي الْبَيْت. خلافًا للزمخشري فِي مفصله فَإِن وددت بِمَعْنى تمنيت. قَالَ ابْن درسْتوَيْه فِي شرح فصيح ثَعْلَب: وددته بِالْكَسْرِ أوده بِالْفَتْح. بِمَعْنى ومقته أمقه. وَكَذَلِكَ: وددت أَنه كَذَا إِذا تمنيته لِأَنَّهُ أَيْضا من المقة والمحبة. انْتهى. والزمخشري قَالَ فِي الْحُرُوف المشبهة بِالْفِعْلِ وَهَذَا نَصه: فصلٌ: وَالْفِعْل الَّذِي يدْخل على الْمَفْتُوحَة مُشَدّدَة أَو مُخَفّفَة يجب أَن يشاكلها فِي التَّحْقِيق. فَإِن لم يكن كَذَلِك نَحْو: أطمع وأرجون وأخاف فَلْيدْخلْ على أَن الناصبة للْفِعْل. وَمَا فِيهِ وَجْهَان: كظننت وحسبت وخلت فَهُوَ داخلٌ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا. انْتهى بِحَذْف الْأَمْثِلَة. وَقد جاراه ابْن يعِيش فِي شَرحه وَلم بنتقده بشيءٍ قَالَ: قد تقدم أَن أَن الْمَفْتُوحَة معمولةٌ لما قبلهَا وَأَن مَعْنَاهَا التَّأْكِيد وَالتَّحْقِيق مجْراهَا فِي ذَلِك مجْرى الْمَكْسُورَة. فَيجب لذَلِك أَن يكون الْفِعْل الَّذِي

стр. 3921

تبنى عَلَيْهِ مطابقاً لَهَا فِي الْمَعْنى بِأَن يكون من أَفعَال الْعلم وَالْيَقِين وَنَحْوهمَا بِمَا مَعْنَاهُ الثُّبُوت والاستقرار ليتطابق فِي الْمَعْنى الْعَامِل والمعمول وَلَا يتناقضا. وَحكم المخففة من الثَّقِيلَة فِي التَّأْكِيد وَالتَّحْقِيق حكم الثَّقِيلَة لِأَن الْحَذف إِنَّمَا يكون لضربٍ من التَّخْفِيف فَهِيَ لذَلِك فِي حكم الثَّقِيلَة فَلذَلِك لَا يدْخل عَلَيْهَا من الْأَفْعَال إِلَّا مَا يدْخل على المثقلة. هَذَا كَلَامه.) وَالْبَيْت أول أَبْيَات أَرْبَعَة أوردهَا أَبُو تَمام فِي الحماسة لكثير عزة. وَهِي بعد الأول: (فَإِن كَانَ خيرا سرني وعلمته ... وَإِن كَانَ شرا لم تلمني اللوائم) (وَمَا ذكرتك النَّفس إِلَّا تَفَرَّقت ... فريقين: مِنْهَا عاذرٌ لي ولائم) (فريقٌ أَبى أَن يقبل الضيم عنْوَة ... وَآخر مِنْهَا قَابل الضيم راغم) وَقَوله: وَمَا تغني الودادة أَي: تَنْفَع جملَة مُعْتَرضَة بَين وددت وَبَين معموله وَهُوَ أنني ... . إِلَخ. والحاجبية: هِيَ عزة محبوبة كثير واشتهر بِالْإِضَافَة إِلَيْهَا فَيُقَال كثير عزة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الزَّاي. والحاجبية: نسبةٌ إِلَى أحد أجدادها. قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: عزة بنت حميل بِضَم الْمُهْملَة ابْن حَفْص بِفَتْحِهَا من بني حَاجِب ابْن غفار بِكَسْر الْمُعْجَمَة. وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهَا فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالسبْعين بعد الثلثمائة.

стр. 3922

قَالَ الطبرسي فِي شرح الحماسة: يَقُول: تمنيت أَنِّي عالمٌ بِمَا ينطوي عَلَيْهِ قلب هَذِه الْمَرْأَة لي. والودادة بِكَسْر الْوَاو وَفتحهَا. وَقَوله: فَإِن كَانَ خيرا إِلَخ أَي: فَإِن كَانَ مَا تضمره لي ودا صافياً سرني ذَلِك وَإِن كَانَ مَا تضمره إعْرَاضًا وجفاءً قتلت نَفسِي وأرحتها من لوم اللائمات. أَو يُرِيد: سلوت فاسترحت مِمَّا ألام فِيهِ من حب من لَا يحبني. وَهَذَا الْأَخير عَن البياري. وعلمته بِمَعْنى عَرفته وَلذَلِك اكْتفى بمفعول وَاحِد. وَقَوله: وَمَا ذكرتك النَّفس إِلَخ أَي: مَا ذكرتك إِلَّا تَفَرَّقت نَفسِي فريقين: ففريق يعذرني يَقُول: إِن مثلهَا فِي جمَالهَا وكمالها يحب. وفريق يلومني يَقُول: لم تحب من لَا يحبك وَلَا تصل إِلَيْهِ والضيم: الظُّلم. والعنوة بِالْفَتْح الْقَهْر. وراغم: ذليل ملصق أَنفه بالرغام وَهُوَ التُّرَاب. وترجمة كثير قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالسبْعين بعد الثلثمائة.

стр. 3923

وَكَانَ مُشَوه الْخلق دميماً مفرط الْقصر كَانَ يُقَال لَهُ: زب الذُّبَاب وهجاه بعض الشُّعَرَاء بقوله: الطَّوِيل روى صَاحب الأغاني بِسَنَدِهِ أَن عمر بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي قدم الْمَدِينَة لأمر فَأَقَامَ شهرا ثمَّ خرج إِلَى مَكَّة وَخرج مَعَه الْأَحْوَص مُعْتَمِرًا. قَالَ السَّائِب راوية كثير: فَلَمَّا مر بِالرَّوْحَاءِ استتلياني فَخرجت أتلوهما حَتَّى لحقتهما بالعرج فخرجنا جَمِيعًا حَتَّى وردنا ودان. فحبسهما نصيب وَذبح لَهما وأكرمهما وَخَرجْنَا وَخرج مَعنا نصيب فَلَمَّا جِئْنَا إِلَى منزل) كثير فَقيل لنا: قد هَبَط قديداً. فَجِئْنَا قديداً فَقيل لنا: إِنَّه فِي خيمةٍ من خيامها فَقَالَ لي ابْن أبي ربيعَة: اذْهَبْ فَادعه لي. فَقَالَ نصيب: هُوَ أَحمَق أَشد كبرا من أَن يَأْتِيك. فَقَالَ لي عمر: اذْهَبْ كَمَا أَقُول لَك. فَجِئْته فهش لي وَقَالَ: اذكر غَائِبا تره لقد جِئْت وَأَنا أذكرك. فأبلغته رِسَالَة عمر فحدد لي نظره ثمَّ قَالَ: أما كَانَ عنْدك من الْمعرفَة بِي مَا كَانَ يردعك عَن إتياني بِمثل هَذَا فَقلت: بلَى وَلَكِن سترت عَلَيْك فَأبى الله إِلَّا أَن يهتك سترك. قَالَ: إِنَّك وَالله يَا ابْن ذكْوَان مَا أَنْت من شكلي قل لِابْنِ أبي ربيعَة: إِن

стр. 3924

كنت قرشياً فَإِنِّي قرشي فَقلت: أَلا تتْرك هَذَا التلصق. فَقَالَ: وَالله لأَنا أثبت فيهم مِنْك فِي دوس. ثمَّ قَالَ: وَقل لَهُ إِن كنت شَاعِرًا فَأَنا أشعر مِنْك. فَقلت: هَذَا إِذا كَانَ الحكم إِلَيْك. قَالَ: وَإِلَى من هُوَ وَمن أولى بِهِ مني فَرَجَعت إِلَى الْقَوْم فَأَخْبَرتهمْ فضحكوا ثمَّ نهضوا معي إِلَيْهِ فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فِي خيمةٍ فوجدناه جَالِسا على جلد كَبْش فوَاللَّه مَا أوسع للقرشي فتحدثوا مَلِيًّا ثمَّ أفضوا فِي ذكر الشّعْر. فَأقبل على عمر فَقَالَ لَهُ: أَنْت تبِعت امْرَأَة فتنسب بهَا ثمَّ تدعها فتنسب بِنَفْسِك. أَخْبرنِي عَن قَوْلك: المنسرح (قَالَت تصدي لَهُ ليعرفنا ... ثمَّ اغمزيه يَا أُخْت فِي خفر) (قَالَت لَهَا: قد غمزته فَأبى ... ثمَّ اسبطرت تشتد فِي أثري) (وَقَوْلها والدموع تسبقها ... لنفسدن الطوف فِي عمر) أتراك لَو وصفت بِهَذَا الشّعْر هرة أهلك ألم تكن قد قبحت وأسأت لَهَا وَقلت الهجر إِنَّمَا تُوصَف الْحرَّة بِالْحَيَاءِ والإباء وَالْبخل والامتناع كَمَا قَالَ هَذَا وَأَشَارَ للأحوص: الطَّوِيل (أدور وَلَوْلَا أَن أرى أم جعفرٍ ... بأبياتكم مَا درت حَيْثُ أدور) (وَمَا كنت زواراً وَلَكِن ذَا الْهوى ... إِذا لم يزر لَا بُد أَن سيزور) ...

стр. 3925

(لقد منعت معروفها أم جَعْفَر ... وَإِنِّي إِلَى معروفها لفقير) فَدخلت الْأَحْوَص الأبهة وَعرفت الْخُيَلَاء فِيهِ فَلَمَّا عرف كثير ذَلِك مِنْهُ قَالَ لَهُ: أبطل أخزاك الله وأذلك. أَخْبرنِي عَن قَوْلك: الوافر (فَإِن تصلي أصلك وَإِن تبيني ... بصرمك بعد وصلك لَا أُبَالِي) أما وَالله لَو كنت فحلاً لباليت أَلا قلت كَمَا قَالَ هَذَا الْأسود وَأَشَارَ إِلَى نصيبٍ: الطَّوِيل) (بِزَيْنَب ألمم قبل أَن يرحل الركب ... وَقل إِن تملينا فَمَا ملك الْقلب) فانكسر الْأَحْوَص وذخلت نَصِيبا الأبهة فَلَمَّا فهم ذَلِك مِنْهُ قَالَ: وَأَنت يَا أسود أخبرنَا عَن قَوْلك: الطَّوِيل (أهيم بدعدٍ مَا حييت وَإِن أمت ... فواكبدي من ذَا يهيم بهَا بعدِي) أهمك من ينيكها بعْدك. فَأبْلسَ نصيب. فَلَمَّا سكت كثير أقبل عَلَيْهِ عمر فَقَالَ: قد أنصتنا لَك فاستمع أَخْبرنِي عَن قَوْلك لنَفسك وتخيرك لمن تحب حَيْثُ تَقول: الطَّوِيل (أَلا ليتنا يَا عز من غير ريبةٍ ... بعيران نرعى فِي الخلا ونعزب) ...
следующие страницы →