Полный текст (5 658 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.
стр. 3921
تبنى عَلَيْهِ مطابقاً لَهَا فِي الْمَعْنى بِأَن يكون من أَفعَال الْعلم وَالْيَقِين وَنَحْوهمَا بِمَا مَعْنَاهُ الثُّبُوت والاستقرار ليتطابق فِي الْمَعْنى الْعَامِل والمعمول وَلَا يتناقضا.
وَحكم المخففة من الثَّقِيلَة فِي التَّأْكِيد وَالتَّحْقِيق حكم الثَّقِيلَة لِأَن الْحَذف إِنَّمَا يكون لضربٍ من التَّخْفِيف فَهِيَ لذَلِك فِي حكم الثَّقِيلَة فَلذَلِك لَا يدْخل عَلَيْهَا من الْأَفْعَال إِلَّا مَا يدْخل على المثقلة. هَذَا كَلَامه.)
وَالْبَيْت أول أَبْيَات أَرْبَعَة أوردهَا أَبُو تَمام فِي الحماسة لكثير عزة. وَهِي بعد الأول:
(فَإِن كَانَ خيرا سرني وعلمته ... وَإِن كَانَ شرا لم تلمني اللوائم)
(وَمَا ذكرتك النَّفس إِلَّا تَفَرَّقت ... فريقين: مِنْهَا عاذرٌ لي ولائم)
(فريقٌ أَبى أَن يقبل الضيم عنْوَة ... وَآخر مِنْهَا قَابل الضيم راغم)
وَقَوله: وَمَا تغني الودادة أَي: تَنْفَع جملَة مُعْتَرضَة بَين وددت وَبَين معموله وَهُوَ أنني ... . إِلَخ.
والحاجبية: هِيَ عزة محبوبة كثير واشتهر بِالْإِضَافَة إِلَيْهَا فَيُقَال كثير عزة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الزَّاي. والحاجبية: نسبةٌ إِلَى أحد أجدادها.
قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: عزة بنت حميل بِضَم الْمُهْملَة ابْن حَفْص بِفَتْحِهَا من بني حَاجِب ابْن غفار بِكَسْر الْمُعْجَمَة. وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهَا فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالسبْعين بعد الثلثمائة.
стр. 3922
قَالَ الطبرسي فِي شرح الحماسة: يَقُول: تمنيت أَنِّي عالمٌ بِمَا ينطوي عَلَيْهِ
قلب هَذِه الْمَرْأَة لي.
والودادة بِكَسْر الْوَاو وَفتحهَا.
وَقَوله: فَإِن كَانَ خيرا إِلَخ أَي: فَإِن كَانَ مَا تضمره لي ودا صافياً سرني ذَلِك وَإِن كَانَ مَا تضمره إعْرَاضًا وجفاءً قتلت نَفسِي وأرحتها من لوم اللائمات. أَو يُرِيد: سلوت فاسترحت مِمَّا ألام فِيهِ من حب من لَا يحبني. وَهَذَا الْأَخير عَن البياري. وعلمته بِمَعْنى عَرفته وَلذَلِك اكْتفى بمفعول وَاحِد.
وَقَوله: وَمَا ذكرتك النَّفس إِلَخ أَي: مَا ذكرتك إِلَّا تَفَرَّقت نَفسِي فريقين: ففريق يعذرني يَقُول: إِن مثلهَا فِي جمَالهَا وكمالها يحب. وفريق يلومني يَقُول: لم تحب من لَا يحبك وَلَا تصل إِلَيْهِ والضيم: الظُّلم. والعنوة بِالْفَتْح الْقَهْر. وراغم: ذليل ملصق أَنفه بالرغام وَهُوَ التُّرَاب.
وترجمة كثير قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالسبْعين بعد الثلثمائة.
стр. 3923
وَكَانَ مُشَوه الْخلق دميماً مفرط الْقصر كَانَ يُقَال لَهُ: زب الذُّبَاب وهجاه بعض الشُّعَرَاء بقوله: الطَّوِيل
روى صَاحب الأغاني بِسَنَدِهِ أَن عمر بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي قدم الْمَدِينَة لأمر فَأَقَامَ شهرا ثمَّ خرج إِلَى مَكَّة وَخرج مَعَه الْأَحْوَص مُعْتَمِرًا. قَالَ السَّائِب راوية كثير: فَلَمَّا مر بِالرَّوْحَاءِ استتلياني فَخرجت أتلوهما حَتَّى لحقتهما بالعرج فخرجنا جَمِيعًا حَتَّى وردنا ودان.
فحبسهما نصيب وَذبح لَهما وأكرمهما وَخَرجْنَا وَخرج مَعنا نصيب فَلَمَّا جِئْنَا إِلَى منزل)
كثير فَقيل لنا: قد هَبَط قديداً. فَجِئْنَا قديداً فَقيل لنا: إِنَّه فِي خيمةٍ من خيامها فَقَالَ لي ابْن أبي ربيعَة: اذْهَبْ فَادعه لي. فَقَالَ نصيب: هُوَ أَحمَق أَشد كبرا من أَن يَأْتِيك. فَقَالَ لي عمر: اذْهَبْ كَمَا أَقُول لَك.
فَجِئْته فهش لي وَقَالَ: اذكر غَائِبا تره لقد جِئْت وَأَنا أذكرك. فأبلغته رِسَالَة عمر فحدد لي نظره ثمَّ قَالَ: أما كَانَ عنْدك من الْمعرفَة بِي مَا كَانَ يردعك عَن إتياني بِمثل هَذَا فَقلت: بلَى وَلَكِن سترت عَلَيْك فَأبى الله إِلَّا أَن يهتك سترك. قَالَ: إِنَّك وَالله يَا ابْن ذكْوَان مَا أَنْت من شكلي قل لِابْنِ أبي ربيعَة: إِن
стр. 3924
كنت قرشياً فَإِنِّي قرشي فَقلت: أَلا تتْرك هَذَا التلصق.
فَقَالَ: وَالله لأَنا أثبت فيهم مِنْك فِي دوس. ثمَّ قَالَ: وَقل لَهُ إِن كنت شَاعِرًا فَأَنا أشعر مِنْك.
فَقلت: هَذَا إِذا كَانَ الحكم إِلَيْك. قَالَ: وَإِلَى من هُوَ وَمن أولى بِهِ مني فَرَجَعت إِلَى الْقَوْم فَأَخْبَرتهمْ فضحكوا ثمَّ نهضوا معي إِلَيْهِ فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فِي خيمةٍ فوجدناه جَالِسا على جلد كَبْش فوَاللَّه مَا أوسع للقرشي فتحدثوا مَلِيًّا ثمَّ أفضوا فِي ذكر الشّعْر. فَأقبل على عمر فَقَالَ لَهُ: أَنْت تبِعت امْرَأَة فتنسب بهَا ثمَّ تدعها فتنسب بِنَفْسِك.
أَخْبرنِي عَن قَوْلك: المنسرح
(قَالَت تصدي لَهُ ليعرفنا ... ثمَّ اغمزيه يَا أُخْت فِي خفر)
(قَالَت لَهَا: قد غمزته فَأبى ... ثمَّ اسبطرت تشتد فِي أثري)
(وَقَوْلها والدموع تسبقها ... لنفسدن الطوف فِي عمر)
أتراك لَو وصفت بِهَذَا الشّعْر هرة أهلك ألم تكن قد قبحت وأسأت لَهَا وَقلت الهجر إِنَّمَا تُوصَف الْحرَّة بِالْحَيَاءِ والإباء وَالْبخل والامتناع كَمَا قَالَ هَذَا وَأَشَارَ للأحوص: الطَّوِيل
(أدور وَلَوْلَا أَن أرى أم جعفرٍ ... بأبياتكم مَا درت حَيْثُ أدور)
(وَمَا كنت زواراً وَلَكِن ذَا الْهوى ... إِذا لم يزر لَا بُد أَن سيزور)
...
стр. 3925
(لقد منعت معروفها أم جَعْفَر ... وَإِنِّي إِلَى معروفها لفقير)
فَدخلت الْأَحْوَص الأبهة وَعرفت الْخُيَلَاء فِيهِ فَلَمَّا عرف كثير ذَلِك مِنْهُ قَالَ لَهُ: أبطل أخزاك الله وأذلك. أَخْبرنِي عَن قَوْلك: الوافر
(فَإِن تصلي أصلك وَإِن تبيني ... بصرمك بعد وصلك لَا أُبَالِي)
أما وَالله لَو كنت فحلاً لباليت أَلا قلت كَمَا قَالَ هَذَا الْأسود وَأَشَارَ إِلَى نصيبٍ: الطَّوِيل)
(بِزَيْنَب ألمم قبل أَن يرحل الركب ... وَقل إِن تملينا فَمَا ملك الْقلب)
فانكسر الْأَحْوَص وذخلت نَصِيبا الأبهة فَلَمَّا فهم ذَلِك مِنْهُ قَالَ: وَأَنت يَا أسود أخبرنَا عَن قَوْلك: الطَّوِيل
(أهيم بدعدٍ مَا حييت وَإِن أمت ... فواكبدي من ذَا يهيم بهَا بعدِي)
أهمك من ينيكها بعْدك. فَأبْلسَ نصيب. فَلَمَّا سكت كثير أقبل عَلَيْهِ عمر فَقَالَ: قد أنصتنا لَك فاستمع أَخْبرنِي عَن قَوْلك لنَفسك وتخيرك لمن تحب حَيْثُ تَقول: الطَّوِيل
(أَلا ليتنا يَا عز من غير ريبةٍ ... بعيران نرعى فِي الخلا ونعزب)
...
стр. 3926
(كِلَانَا بِهِ عرٌّ فَمن يرنا يقل ... على حسنها جرباء تعدِي وأجرب)
(إِذا مَا وردنا منهلاً صَاح أَهله ... علينا فَمَا ننفك نرمى ونضرب)
(وددت وَبَيت الله أَنَّك بكرةٌ ... هجانٌ وَأَنِّي مصعبٌ ثمَّ نهرب)
(نَكُون بَعِيري ذِي غنى فيضيعنا ... فَلَا هُوَ يرعانا وَلَا نَحن نطلب)
وَيلك تمنيت لَهَا وَلِنَفْسِك الرّقّ والجرب وَالرَّمْي والطرد وَالْمَسْخ فَأَي مكروهٍ لم تتمن لَهَا وَلِنَفْسِك وَلَقَد أَصَابَهَا مِنْك قَول الأول: معاداة عَاقل خير من مَوَدَّة أَحمَق. فَجعل يختلج
(وقلن وَقد يكذبن: فِيك تعففٌ ... وشؤمٌ إِذا مَا لم تُطِع صَاح ناعقه)
(فأعييتنا لَا وأخياً بكرامةٍ ... وَلَا تَارِكًا شكوى الَّذِي أَنْت صادقه)
(وَأدْركت صفو الود منا فلمتنا ... وَلَيْسَ لنا ذنبٌ فَنحْن مواذقه)
(وألفيتنا سلما فصدعت بَيْننَا ... كَمَا صدعت بَين الْأَدِيم خوالقه)
стр. 3927
وَالله لَو احتفل عَلَيْك هاجيك مَا زَاد على مَا بؤت بِهِ على مَا فِي نَفسك ثمَّ أقبل عَلَيْهِ نصيبٌ فَقَالَ: أقبل عَليّ يَا زب الذُّبَاب فقد تمنيت معرفَة غَائِب عَنْك علمه حَيْثُ تَقول:
(وددت وَمَا تغني الودادة أنني ... بِمَا فِي ضمير الحاجبية عَالم)
انْظُر مَا فِي مرآتك واعرف صُورَة وَجهك تعرف مَا عِنْدهَا لَك فاضطرب اضْطِرَاب العصفور وَقَامَ الْقَوْم يَضْحَكُونَ.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الستمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الْبَسِيط
أَن هالكٌ كل من يحفى وينتعل فِي فتيةٍ كسيوف الْهِنْد قد علمُوا على أَن أَن مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة وَاسْمهَا ضمير شَأْن مَحْذُوف وهالك: خبر مقدم وكل: مُبْتَدأ مُؤخر وَالْجُمْلَة خَبَرهَا.
وَأوردهُ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَآخر دَعوَاهُم أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين على أَن أَن مُخَفّفَة وَاسْمهَا ضمير شَأْن كَمَا فِي الْبَيْت.
стр. 3928
قَالَ السيرافي: وَفِي كتاب أبي بكر مبرمان: هَذَا المصراع مَعْمُول أَي: مَصْنُوع وَالثَّابِت الْمَرْوِيّ: أَن لَيْسَ يدْفع عَن ذِي الْحِيلَة الْحِيَل قَالَ: وَالشَّاهِد فِي كلتا الرِّوَايَتَيْنِ وَاحِد لِأَنَّهُ فِي إِضْمَار الْهَاء فِي أَن وَتَقْدِيره: أَنه هَالك وَأَنه لَيْسَ يدْفع. انْتهى.
قَالَ ابْن المستوفي: وَالَّذِي ذكره السيرافي صَحِيح وَلَا شكّ أَن النَّحْوِيين غيروه ليَقَع الِاسْم بعد أَن المخففة مَرْفُوعا وَحكمه أَن يَقع بعد أَن المثقلة مَنْصُوبًا فَلَمَّا تغير اللَّفْظ تغير الحكم. انْتهى.
وَالْبَيْت من قصيدة للأعشى مَيْمُون وَقَبله:
(وَقد غَدَوْت إِلَى الْحَانُوت يَتبعني ... شاو مشلٌّ شلولٌ شلشلٌ شول)
وغدوت: ذهبت غدْوَة وَهِي مَا بَين صَلَاة الصُّبْح وطلوع الشَّمْس هَذَا أَصله ثمَّ كثر حَتَّى والحانوت: بَيت الْخمار يذكر وَيُؤَنث. وَجُمْلَة: يَتبعني حالٌ من التَّاء فِي غَدَوْت. والشاوي: الَّذِي يشوي اللَّحْم. والمشل بِكَسْر الْمِيم وَفتح الشين: المستحث والجيد السُّوق وَقيل الَّذِي يشل اللَّحْم فِي السفود من شللت الثَّوْب إِذا خطته خياطَة. كَذَا قَالَ ابْن السيرافي.
والشلول بِفَتْح الشين مثل المشل ويروى: نشول بِفَتْح النُّون
стр. 3929
وَهُوَ الَّذِي يَأْخُذ اللَّحْم من الْقدر يُقَال مِنْهُ نشل ينشل. والشلشل بِضَم الشينين كقنفذ: الْخَفِيف الْيَد فِي الْعَمَل والمتحرك. والشول: بِفَتْح فَكسر مثل الشلشل وَقيل هُوَ الَّذِي عَادَته ذَلِك.
وَقَالَ الْخَطِيب التبريزي فِي شرح هَذِه القصيدة: الشول هُوَ الَّذِي يحمل الشَّيْء يُقَال: شلت بِهِ وأشلته. وَقيل هُوَ من قَوْلهم: فلانٌ يشول فِي حَاجته أَي: يعْنى بهَا ويتحرك فِيهَا. وَمن روى:)
شول بِضَم الشين وَفتح الْوَاو فَهُوَ بمعناة إِلَّا أَنه للتكثير.
وروى بدله: شَمل أَيْضا بِفَتْح فَكسر وَهُوَ الطّيب النَّفس والرائحة. يَقُول: بكرت إِلَى بَيت الْخمار وَمَعِي غلامٌ شواءٌ طباخ خَفِيف فِي الْخدمَة.
وَيُشبه هَذَا الْبَيْت قَول أبي الطّيب المتنبي وَهُوَ: الطَّوِيل
(فقلقلت بالهم الَّذِي قلقل الحشا ... قلاقل عيسٍ كُلهنَّ قلاقل)
قلقلت: حركت. والقلاقل: جمع قلقل. كجعفر: النَّاقة الْخَفِيفَة.
وَقَوله: فِي فتية إِلَخ مُتَعَلق بغدوت فِي الْبَيْت الْمُتَقَدّم. وَفِي بِمَعْنى مَعَ. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: حالٌ من شأوٍ أَو حالٌ من الْيَاء فِي يَتبعني. والفتية: جمع فَتى وَهُوَ الشَّاب.
وَقَوله: كسيوف الْهِنْد فِي مَحل الصّفة لفتية وَكَذَلِكَ جملَة: قد علمُوا يُرِيد أَنهم كالسيوف فِي المضاء والعزم أَو فِي صباحة الْوَجْه تبرق كالسيوف. وخصها بِالْهِنْدِ لحسن صقالتها. وَجُمْلَة المصراع الثَّانِي فِي مَحل نصب على أَنه سادٌّ مسد مفعولي علمُوا.
стр. 3930
ويحفى بِالْحَاء الْمُهْملَة من الحفاء وَهُوَ الْمَشْي بِلَا نعل وَلَا خفٍّ. وَأَرَادَ بِهِ الْفَقِير. وينتعل: يلبس النَّعْل وَأَرَادَ بِهِ الْغَنِيّ.
يُرِيد قد علم هَؤُلَاءِ الفتيان أَن الْمَوْت يعم فقيرهم وغنيهم فهم يبادرون إِلَى اللَّذَّات قبل أَن يحول الْمَوْت بَينهَا وَبينهمْ كَمَا قيل: الطَّوِيل
(خُذُوا بنصيبٍ من نعيمٍ ولذةٍ ... فكلٌّ وَإِن طَال المدى يتصرم)
والبيتان من قصيدة جَيِّدَة للأعشى وَهِي أحسن شعره وَقد ألحقت بالمعلقات السَّبع.
وَقد شرحها الْخَطِيب التبريزي مَعَ المعلقات وأولها:
(ودع هُرَيْرَة إِن الركب مرتحل ... وَهل تطِيق وداعاً أَيهَا الرجل)
نقل الْخَطِيب عَن أبي عُبَيْدَة أَنه قَالَ: هُرَيْرَة: قينةٌ كَانَت لرجل من آل عَمْرو بن مرْثَد أهداها وَقد قَالَ فِي هَذِه القصيدة: جهلا بِأم خليدٍ حَبل من تصل انْتهى.
وَقيل: إِن هُرَيْرَة وخليدة أختَان كَانَتَا قينتين لبشر بن عَمْرو وكانتا تغنيانه وَقدم بهما إِلَى الْيَمَامَة لما هرب من النُّعْمَان بن الْمُنْذر. وَقيل: إِن أم هُرَيْرَة كَانَت أمة سَوْدَاء لحسان بن عَمْرو)
كَانَ الْأَعْشَى يشبب بهَا.
وَقيل: إِن الْأَعْشَى سُئِلَ عَن هُرَيْرَة فَقَالَ: لَا أعرفهَا وَإِنَّمَا هُوَ اسمٌ ألقِي فِي روعي.
وَنقل صَاحب الأغاني عَن الشّعبِيّ أَنه قَالَ: الْأَعْشَى أغزل النَّاس
стр. 3931
فِي بَيت وأخنث النَّاس فِي بَيت وَأَشْجَع النَّاس فِي بَيت وَالْكل من هَذِه القصيدة.
أما الأول فَقَوله:
(غراء فرعاء مصقولٌ عوارضها ... تمشي الهوينى كَمَا يمشي الوجي الوحل)
وَأما الثَّانِي فَقَوله:
(قَالَت هُرَيْرَة لما جِئْت زائرها ... ويلي عَلَيْك وويلي مِنْك يَا رجل)
وَأما الثَّالِث فَقَوله: والغراء: الْبَيْضَاء الواسعة الجبين. والفرعاء: الطَّوِيلَة الْفَرْع أَي: الشّعْر.
والعوارض: الرباعيات والأنياب. والوجي بِكَسْر الْجِيم: الَّذِي يشتكي حَافره وَلم يحف.
والوحل بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة: الَّذِي يتوحل فِي الطين.
وَقَوله: قَالُوا الطراد يَقُول: إِن طاردتم بِالرِّمَاحِ فَتلك عادتنا وَإِن نزلتم تجالدون بِالسُّيُوفِ نزلنَا.
وروى صَاحب الأغاني بِسَنَدِهِ قَالَ: حدث جرير بن عبد الله البَجلِيّ الصَّحَابِيّ قَالَ: سَافَرت فِي الْجَاهِلِيَّة فَأَقْبَلت لَيْلَة على بَعِيري أُرِيد أَن أسقيه مَاء فَلَمَّا قربته من المَاء تَأَخّر فعقلته ودنوت من المَاء فَإِذا قومٌ مشوهون عِنْد المَاء فَقَعَدت فَبينا أَنا عِنْدهم إِذْ أَتَاهُم رجلٌ أَشد تشويهاً
стр. 3932
مِنْهُم فَقَالُوا: هَذَا شَاعِر. ثمَّ قَالُوا: يَا أَبَا فلَان أنْشد هَذَا فَإِنَّهُ ضيف.
فَأَنْشد: ودع هُرَيْرَة إِن الركب مرتحل
فوَاللَّه مَا خرم مِنْهَا بَيْتا حَتَّى أَتَى على آخرهَا فَقلت: من يَقُول هَذِه القصيدة قَالَ: أَنا أقولها. قلت: لَوْلَا مَا تَقول لأخبرتك أَن أعشى قيس بن ثَعْلَبَة أنشدنيها عَام أول بِنَجْرَان.
قَالَ: إِنَّك صَادِق. أَنا الَّذِي ألقيتها على لِسَانه. وَأَنا مسحلٌ صَاحبه مَا ضَاعَ شعر شاعرٍ وَضعه عِنْد مَيْمُون بن قيس.
وروى صَاحب الأغاني عَن الْأَعْشَى قَالَ: حدث الْأَعْشَى عَن نَفسه قَالَ: خرجت أُرِيد قيس بن معديكرب بحضرموت فضللت فِي أَوَائِل أَرض الْيمن لِأَنِّي لم أكن سلكت ذَلِك الطَّرِيق قبل)
فَأَصَابَنِي مطرٌ فرميت ببصري أطلب مَكَانا ألجأ إِلَيْهِ فَوَقَعت عَيْني على خباء من شعر فقصدت نَحوه وَإِذا أَنا بشيخ على بَاب الخباء فَسلمت عَلَيْهِ فَرد عَليّ السَّلَام وَأدْخل نَاقَتي خباءً آخر كَانَ بِجَانِب الْبَيْت فحططت رحلي وَجَلَست.
فَقَالَ: من أَنْت وَأَيْنَ تقصد قلت: أَنا الْأَعْشَى أقصد قيس بن معديكرب. فَقَالَ: حياك الله أَظُنك امتدحته بِشعر قلت: نعم. قَالَ: فأنشدنيه. فابتدأت مطلع القصيدة: الْكَامِل
(رحلت سميَّة غدْوَة أجمالها ... غَضبا عَلَيْك فَمَا تَقول بدا لَهَا)
стр. 3933
فَلَمَّا أنشدته هَذَا المطلع مِنْهَا قَالَ: حَسبك أهذه القصيدة لَك قلت: نعم. قَالَ: من سميَّة الَّتِي تنْسب بهَا قلت: لَا أعرفهَا وَإِنَّمَا هُوَ اسمٌ ألقِي فِي روعي. فَنَادَى: يَا سميَّة اخْرُجِي.
وَإِذا جاريةٌ حماسية قد خرجت فوقفت وَقَالَت: مَا تُرِيدُ يَا أَبَت قَالَ: أنشدي عمك قصيدتي الَّتِي مدحت بهَا قيس بن معديكرب وَنسب بك فِي أَولهَا.
فاندفعت تنشد القصيدة حَتَّى أَتَت على آخرهَا لم تخرم مِنْهَا حرفا فَلَمَّا أتمتها قَالَ: انصرفي.
ثمَّ قَالَ: هَل قلت شَيْئا غير ذَلِك قلت: نعم كَانَ بيني وَبَين ابْن عمٍّ لي يُقَال لَهُ: يزِيد بن مسْهر ويكنى أَبَا ثَابت مَا يكون بَين بني الْعم فهجاني وهجوته فأفحمته. قَالَ: مَاذَا قلت فِيهِ قَالَ: قلت: ودع هُرَيْرَة إِن الركب مرتحل فَلَمَّا أنشدته الْبَيْت الأول قَالَ: حَسبك من هُرَيْرَة هَذِه الَّتِي نسبت فِيهَا قلت: لَا أعرفهَا وسبيلها سَبِيل الَّتِي قبلهَا. فَنَادَى: يَا هُرَيْرَة. فَإِذا جاريةٌ قريبَة السن من الأولى خرجت فَقَالَ: أنشدي عمك قصيدتي الَّتِي هجوت بهَا أَبَا ثَابت يزِيد بن مسْهر.
فأنشدتها من أَولهَا إِلَى آخرهَا لم تخرم مِنْهَا حرفا. فَسقط فِي يَدي وتحيرت وتغشتني رعدة.
فَلَمَّا رأى مَا نزل بِي قَالَ: ليفرج روعك يَا أَبَا بَصِير أَنا هاجسك مسحل بن أَثَاثَة الَّذِي ألْقى على لسَانك الشّعْر. فسكنت نَفسِي وَرجعت إِلَيّ وَسكن الْمَطَر فدلني على الطَّرِيق وَأرَانِي سمت مقصدي وَقَالَ: لَا تعج يَمِينا وَلَا شمالاً حَتَّى تقع بِبِلَاد قيس.
стр. 3934
وروى صَاحب الأغاني أَيْضا أَن الْأَعْشَى قَالَ هَذِه القصيدة ليزِيد بن مسْهر أبي ثَابت الشَّيْبَانِيّ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَكَانَ من حَدِيث هَذِه القصيدة أَن رجلا من بني كَهْف بن سعد بن مَالك بن)
ضبيعة بن قيس بن ثَعْلَبَة يُقَال لَهُ ضبيع قتل رجلا من بني همام
يُقَال لَهُ زَاهِر بن سيار بن أسعد بن همام وَكَانَ ضبيع مطروقاً ضَعِيف الْعقل فنهاهم يزِيد بن مسْهر وَهُوَ من بني ثَعْلَبَة بن أسعد بن همام أَن يقتلُوا ضبيعاً بزاهر وَقَالَ: اقْتُلُوا بِهِ سيداً من بني سعد بن مَالك بن ضبيعة.
فحض بني سيار بن أسعد على ذَلِك وَأمرهمْ بِهِ فَبلغ بني قيس مَا قَالَه فَقَالَ الْأَعْشَى هَذِه القصيدة فِي ذَلِك يَأْمُرهُ أَن يدع بني سيار وَبني كَهْف وَلَا يعين بني سيار فَإِنَّهُ إِن أعانهم أعانت قبائل بني قيس بني كَهْف. وحذره أَن يلقى بَنو سيارٍ مِنْهُم مَا لقوا يَوْم الْعين عين محلم بهجر.
وَكَانَ من حَدِيث ذَلِك الْيَوْم كَمَا زعم عمر بن هِلَال أحد بني سعد بن قيس ابْن ثَعْلَبَة أَن يزِيد بن مسْهر كَانَ خَالع أَصْرَم بن عَوْف بن ثَعْلَبَة بن سعد بن قيس بن ثَعْلَبَة فَلَمَّا خلع يزِيد بن مسْهر أَصْرَم من مَاله خالعه على أَن يرهنه ابنيه: أقلب وشهاباً ابْني أَصْرَم وأمهما فطيمة بنت شُرَحْبِيل بن عَوْسَجَة بن ثَعْلَبَة بن سعد بن قيس.
وَأَن يزِيد قمر أَصْرَم فَطلب إِلَيْهِ أَن يدْفع إِلَيْهِ ابنيه رهينة فَأَبت
стр. 3935
أمهما ذَلِك فنادت قَومهَا فَحَضَرَ النَّاس واشتملت فطيمة على ابنيها بثوبها ودافع قَومهَا عَنْهُمَا وعنها.
فَذَلِك قَول الْأَعْشَى: الْبَسِيط
قَالَ: فَانْهَزَمَ بَنو سيار.
فحذر الْأَعْشَى يزِيد بن مسْهر مثل تِلْكَ الْحَالة.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَذكر عامرٌ ومسمع عَن قَتَادَة الْفَقِيه أَن رجلَيْنِ من بني مَرْوَان تنَازعا فِي هَذَا الحَدِيث فجردوا رَسُولا فِي ذَلِك إِلَى الْعرَاق حَتَّى قدم الْكُوفَة فَسَأَلَ فَأخْبر أَن فطيمة من بني سعد بن قيس وَأَنَّهَا كَانَت عِنْد رجل من بني سيار وَله امْرَأَة غَيرهَا من قومه.
فتغايرتا فعمدت السيارية فحلقت ذوائب فطيمة فاهتاج الْحَيَّانِ فَاقْتَتلُوا فهزمت بَنو سيارٍ يَوْمئِذٍ. انْتهى.
وَإِنَّمَا نقلت هَذَا الْفَصْل لِأَن شرَّاح القصيدة أخلوا فِي شروحهم بِهَذِهِ الْأُمُور. وَالله أعلم.
وترجمة الْأَعْشَى تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعِشْرين.
وَأنْشد بعده)
(الشَّاهِد الْأَرْبَعُونَ بعد الستمائة)
الطَّوِيل
(وَلَا تدفنني فِي الفلاة فإنني ... أَخَاف إِذا مَا مت أَن لَا أذوقها)
على أَن مُخَفّفَة لوقوعها بعد الْخَوْف بِمَعْنى الْعلم وَالْيَقِين
стр. 3936
وَاسْمهَا ضمير شَأْن مَحْذُوف أَو ضمير مُتَكَلم. وَجُمْلَة: لَا أذوقها فِي مَحل رفع خَبَرهَا.
وَقَبله:
(إِذا مت فادفني إِلَى جنب كرمةٍ ... تروي عِظَامِي بعد موتِي عروقها)
وأصل الْخَوْف الْفَزع وانقباض النَّفس عَن احْتِمَال ضَرَر وَإِذا اشْتَدَّ الْخَوْف الْتحق بالمتيقن كَمَا قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق.
قَالَ ابْن خطيب الدهشة وَهُوَ ابْن مؤلف الْمِصْبَاح فِي كتاب التَّقْرِيب فِي علم الْغَرِيب: يُقَال خَافَ الشَّيْء: علمه وتيقنه. انْتهى.
وَذَلِكَ لِأَن الْإِنْسَان لَا يخَاف شَيْئا حَتَّى يعلم أَنه مِمَّا يخَاف مِنْهُ فَهُوَ من التَّعْبِير بالمسبب عَن السَّبَب وَلَيْسَ إِطْلَاقه عَلَيْهِ لِأَنَّهُ من لَوَازِم الْيَقِين كَمَا قَالَ الشمني فكم من يقينٍ لَا خوف مِنْهُ.
وَقَالَ بعض الْمُحَقِّقين: الْخَوْف والخشية يستعملان بِمَعْنى الْعلم لِأَن الْخَوْف عبارَة عَن حَالَة مَخْصُوصَة مُتَوَلّدَة من ظن مَخْصُوص وَبَين
стр. 3937
الظَّن وَالْعلم مشابهةٌ فِي أُمُور كَثِيرَة
فَلذَلِك صَحَّ إِطْلَاق كل مِنْهُمَا على الآخر.
وَفِي تَخْصِيصه التولد بِالظَّنِّ نظر لِأَن الْخَوْف كَمَا يتَوَلَّد عَن الظَّن يتَوَلَّد عَن الْعلم أَيْضا.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: فَمن خَافَ من موص فَمن توقع وَعلم. وَهَذَا فِي كَلَامهم شَائِع يُقَال: أَخَاف أَن ترسل السَّمَاء يُرِيدُونَ التوقع وَالظَّن الْغَالِب الْجَارِي مجْرى الْعلم.
وَقَالَ الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة عِنْد قَول ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: الْخَوْف فِي هَذَا الْبَيْت يَقِين: قد يُقَال لَا يلْزم من تعقل الْعُقَلَاء أَنه لَا يذوقها بعد الْمَوْت حمل الْخَوْف على الْيَقِين عِنْد هَذَا الشَّاعِر لِأَن استهتاره بشربها ومغالاته فِي محبتها أمرٌ مَشْهُور فَلَعَلَّ ذَلِك حمله على أَنه خَافَ وَلم يقطع بِمَا تيقنه غَيره وَلذَلِك أَمر بدفنه إِلَى جنب الكرمة رَجَاء أَنه ينَال مِنْهَا بعد الْمَوْت.
وَمن ثمَّ قيل إِن هَذَا أَحمَق بَيت قالته الْعَرَب. انْتهى.
قَالَ ابْن الملا أَحْمد الْحلَبِي فِي شَرحه بعد نقل هَذَا الْكَلَام: وَهَذَا مبنيٌّ كَمَا قَالَ شَيخنَا على أَنه)
كَانَ إِذْ ذَاك متردداً بَين ذوقها بعد الْمَوْت بِتَقْدِير دَفنه إِلَى جنب الكرمة أَو: لَا بِتَقْدِير دَفنه فِي الفلاة. فَلَا علم وَلَا ظن. قَالَ: وَهَذَا احْتِمَال لِأَن التَّعْلِيل بقوله: فإنني أَخَاف ... . . إِن كَانَ لمجموع الْأَمر وَالنَّهْي على معنى: فإنني أَخَاف أَن لَا أذوقها غَدا
стр. 3938
فَلَا علم وَلَا ظن فَهِيَ الناصبة أهملت.
فَفِي شرح الكافية للحديثي أَن الْخَفِيفَة بعد فعل الْخَوْف والرجاء ناصبة لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يَقع وَأَن لَا يَقع وَبعد الظَّن تحتملها والمخففة نظرا إِلَى الرجحان وَعَدَمه أَو على معنى فإنني أَخَاف الْآن بِتَقْدِير: أَن لَا تدفني إِلَى جنبها بل فِي الفلاة: أَن لَا أذوقها إِذا مَا مت أَو: فإنني أَخَاف إِذا مَا مت بِهَذَا التَّقْدِير: أَن لَا
أذوقها. فالخوف هُنَا علمٌ ويقين فَهِيَ المخففة.
وَكَذَا إِن جعل تعليلاً للنَّهْي وَحده لِأَنَّهُ الَّذِي قارنه فِي هَذَا الْبَيْت على معنى فإنني أَخَاف الْآن أَو إِذا مَا مت بِتَقْدِير أَن تدفنني فِي الفلاة لَا إِلَى جَانبهَا أَن لَا أذوقها. انْتهى.
قَالَ ابْن الملا: وَهَا هُنَا بحثٌ وَهُوَ أَن الشَّاعِر وَإِن كَانَ من المغرمين بالصهباء المتهتكين بهَا لكنه من ذَوي الْعُقُول الْكَامِلَة والأنظار الصائبة فَكيف يظنّ بِهِ أَنه غير قَاطع بِمَا يتيقنه غَيره من عدم الذَّوْق بعد الْمَوْت بل هُوَ أمرٌ مركوز فِي الأذهاب غنيٌّ عَن الْبَيَان.
وَإِنَّمَا جرى فِي كَلَامه هَذَا على مَذْهَب الشُّعَرَاء فِي تخييلاتهم ورام سلوك جادة تمويهاتهم فَإِنَّهُم سحرة الْكَلَام ومخترعو صور الْإِيهَام. فَأمر أَولا بدفنه بعد الْمَوْت بِجَانِب كرمة وَأبْدى عذره فِي ذَلِك بوصفها بقوله: الطَّوِيل تروي عِظَامِي بعد موتِي عروقها ليستفاد من ذَلِك عِلّة الْأَمر بالدفن الْمَذْكُور إِشَارَة إِلَى أَن مَا لَا يدْرك كُله لَا يتْرك كُله وَإِذا تَعَذَّرَتْ التَّرويَة الْحَقِيقِيَّة فَلَا أقل من حُصُول التَّرويَة المجازية.
ثمَّ نهى ثَانِيًا تَأْكِيدًا لِلْأَمْرِ الأول عَن دَفنه لَا بِجنب كرمة وَعلل ذَلِك بِأَنَّهُ يتَيَقَّن أَنه لَا يذوقها إِذا مَاتَ فَلَا يتروى بهَا حَقِيقَة. فدفنه لَا إِلَى جَانبهَا مفوت للتروية المجازية. ولمزيد
стр. 3939
شغفه بهَا آثر التَّعْبِير عَن هَذَا الْيَقِين بالخوف إيهاماً لِأَنَّهُ مَعَ ذَلِك لَا يقطع بِعَدَمِ الذَّوْق.
وَجعل رفع الْفِعْل بعد أَن مَعَه دَلِيلا على مَا قَصده معنى. وَإِنَّمَا قلناك إِن تروية الْعِظَام مجازية لِأَن الروى حَقِيقَة لذوات الأكباد عَن عَطش وَلَيْسَت الْعِظَام مِنْهَا.
على أَنه لَا عَطش بعد الْمَوْت. أَو لما لَيست لَهُ قُوَّة نامية. وَمِنْه قَوْلهم: رُوِيَ النَّبَات من المَاء.)
وَالْعِظَام جماد. انْتهى كَلَامه وَمن خطه نقلت.
وَيُؤَيّد هَذَا رِوَايَة ابْن السّكيت.
(وَلَا تدفنني فِي الفلاة فإنني ... يَقِينا إِذا مَا مت لست أذوقها)
وَعَلَيْهَا لَا شَاهد فِي الْبَيْت.
والبيتان أَولا قصيدةٍ لأبي محجنٍ الثَّقَفِيّ: رَوَاهَا ابْن الْأَعرَابِي وَابْن السّكيت فِي ديوانه وبعدهما:
(أباكرها عِنْد الشروق وَتارَة ... يعاجلني عِنْد الْمسَاء غبوقها)
(وللكأس والصهباء حقٌّ معظمٌ ... فَمن حَقّهَا أَن لَا تضاع حُقُوقهَا)
(أقومها زقاً بحقٍّ بذاكم ... يساق إِلَيْنَا فجرها وفسوقها)
(وَعِنْدِي على شرب المدام حفيظةٌ ... إِذا مَا نسَاء الْحَيّ ضَاقَتْ حلوقها)
...
стр. 3940
(وَأَمْنَع جَار الْبَيْت مِمَّا ينوبه ... وَأكْرم أضيافاً قراها طروقها)
قَالَ ابْن السّكيت: قَوْله: إِذا مت فادفني هَذَا خطابٌ مَعَ ابْنه يَأْمُرهُ بذلك وَفِيه مُبَالغَة على حبه للخمر وتعطشه إِلَيْهَا إِذْ أظهر الرَّغْبَة إِلَيْهَا وَهُوَ ميت.
وَقَوله: وَلَا تدفنني فِي الفلاة إِلَخ قَالَ ابْن السّكيت: الفلاة: الأَرْض الْمهْلكَة الَّتِي لَا علم بهَا وَلَا مَاء. وَالْمعْنَى أَن الفلاة لَا يعرش فِيهَا كرم فَلَا تدفنني إِلَّا
بمَكَان ينْبت فِيهِ الْعِنَب حَتَّى أكون قَرِيبا مِنْهُ فألتذ بذلك.
وَقَوله: أباكرها عِنْد الشروق إِلَخ. قَالَ ابْن السّكيت: أَي: إِنَّنِي أصبحها عِنْد شروق الشَّمْس وَمرَّة أشربها عشَاء إِلَّا أنني أقدم شربهَا على الْعشَاء فيعاجلني الغبوق.
والصبوح: شرب الغدو. والغبوق: شرب آخر النَّهَار. وأباكرها: أبادر إِلَيْهَا فِي بكرَة النَّهَار.
وَقَوله: وللكأس والصهباء إِلَخ. قَالَ ابْن السّكيت: حَقّهَا: كَونهَا تسر الْقلب. وَتذهب الْهم وتسخي الْبَخِيل وتشجع الجبان إِلَى غير ذَلِك من فعلهَا وَهَذَا حقٌّ لَهَا. وَإِذا كَانَ هَذَا دأبها فَمن حَقّهَا أَن تعظم وَلَا تضيع حُقُوقهَا. انْتهى.
وَقَالَ ابْن الملا: فَإِن قلت: حق الْكَلَام أَن يَقُول: وَمن حَقّهمَا أَن لَا يضاع حقوقهما لادعائه أَن الْحق الْمُعظم للكأس والصهباء قلت: نعم إِلَّا أَنه ذهب إِلَى أَن الكأس والصهباء وَإِن كَانَا
стр. 3941
(رق الزّجاج وراقت الْخمر ... وتشاكلا فتشابه الْأَمر)
(فَكَأَنَّمَا خمرٌ وَلَا قدحٌ ... وكأنما قدحٌ وَلَا خمر))
انْتهى.
وَفِيه أَن هذَيْن الْبَيْتَيْنِ لأبي إِسْحَاق الصابي وَهُوَ مُتَأَخّر عَن أبي محجن بِأَكْثَرَ من ثَلَاثمِائَة سنة.
وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يعكس.
وَقَوله: أقومهما زقاً إِلَخ. قَالَ ابْن السّكيت: الزق بِالْكَسْرِ: ظرف الْخمر.
وَالْحق بِالْكَسْرِ من الْإِبِل: ابْن ثَلَاث سِنِين وَكَذَلِكَ الحقة وسميا بِهَذَا الِاسْم لِأَنَّهُمَا استحقا أَن يركبا.
وفجرها: فجورها. والفاجر: المائل عَن الطَّاعَة. وَالطَّاعَة: الْوُقُوف على الْأَوَامِر. والفسوق توسيع مَا ضيقه الله من أَمر الدَّين.
وَقَوله: وَعِنْدِي على شرب إِلَخ. قَالَ ابْن السّكيت: الحفيظة كل شيءٍّ يغْضب لأَجله. يَعْنِي وَإِن كنت سَكرَان لَا أهمل الْحفاظ إِذا استغاثت بِي نسَاء الْحَيّ وصحن لنازلةٍ نزلت بِهن.
وَقَوله: وأعجلن عَن شدّ إِلَخ قَالَ ابْن السّكيت: أَي دهمهن من الْبلَاء مَا أعجلهن عَن شدّ المآزر فِي أوساطهن. وَلها: مفعول من أَجله أَي: للوله الَّذِي نزل بِهن. والواله: الذَّاهِب الْعقل.
وَالصَّوَاب أَن وَلها حَال لَا مفعول من أَجله.
وَقَوله: وَأَمْنَع جَار الْبَيْت إِلَخ. قَالَ ابْن السّكيت: قراها: أطعمها. يَقُول: إِذا طرقتنا الضيفان لَيْلًا أعجلنا لَهَا الْقرى فَكَأَن طروقها هُوَ الَّذِي قراها. انْتهى.
стр. 3942
وَأَبُو محجن شَاعِر صَحَابِيّ لَهُ سماعٌ وَرِوَايَة. كَذَا فِي الِاسْتِيعَاب كَمَا يَأْتِي.
وَإِنَّمَا أثبت لَهُ السُّيُوطِيّ فِي شرح أَبْيَات الْمُغنِي رِوَايَة وَلم يذكر أَن لَهُ سَمَاعا. ونفاها أَيْضا الذَّهَبِيّ فِي تَارِيخ الْإِسْلَام. وَقَالَ فِي التَّجْرِيد: أَبُو محجن الثَّقَفِيّ عَمْرو بن حبيب وَقيل: مَالك بن حبيب وَقيل: عبد الله. كَانَ فَارِسًا شَاعِرًا من الْأَبْطَال لَكِن جلده عمر ﵁ فِي الْخمر مَرَّات ونفاه
إِلَى جَزِيرَة فِي الْبَحْر فهرب وَلحق بِسَعْد وَهُوَ يحارب الْفرس فحبسه. وَله أخبارٌ. روى عَنهُ أَبُو سعدٍ الْبَقَّال. انْتهى.
وَرِوَايَة أبي سعد الْبَقَّال عَن أبي محجن إِنَّمَا هُوَ بتدليس لِأَنَّهُ لم يدْرك عصره. وَقد ذَكرُوهُ فِي الضُّعَفَاء.
وَقيل إِن اسْمه أَبُو محجن وَهِي كنيته أَيْضا. وَهُوَ بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْجِيم.
وَهَذِه تَرْجَمته من الِاسْتِيعَاب تأليف أبي عمر يُوسُف الشهير بِابْن عبد الْبر قَالَ: أَبُو محجن)
الثَّقَفِيّ اخْتلف فِي اسْمه فَقيل: مَالك بن حبيب وَقيل: عبد الله ابْن حبيب بن عَمْرو بن عُمَيْر أسلم حِين أسلمت ثَقِيف. وَسمع من النَّبِي ﷺ َ وروى عَنهُ. حدث عَنهُ أَبُو سعدٍ الْبَقَّال قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ يَقُول: أخوف مَا أَخَاف على أمتِي من بعدِي ثَلَاث: إيمانٌ بالنجوم وتكذيبٌ بِالْقدرِ وحيف الْأَئِمَّة.
стр. 3943
وَكَانَ أَبُو محجن هَذَا من الشجعان الْأَبْطَال فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام من أولي الْبَأْس والنجدة وَمن الفرسان البهم. وَكَانَ شَاعِرًا مطبوعاً كَرِيمًا إِلَّا أَنه كَانَ منهمكاً بِالشرابِ لَا يكَاد يقْلع عَنهُ وَلَا يردعه حدٌّ وَلَا لوم لائم. وَكَانَ أَبُو بكر الصّديق يَسْتَعِين بِهِ.
وَجلده عمر بن الْخطاب فِي الْخمر مرَارًا ونفاه إِلَى جَزِيرَة فِي الْبَحْر وَبعث مَعَه رجلا فهرب مِنْهُ وَلحق بِسَعْد بن أبي وَقاص بالقادسية. وَهُوَ محاربٌ للْفرس. وَكَانَ قد هم بقتل الرجل الَّذِي بَعثه عمر مَعَه فأحس الرجل بذلك وَخرج فَارًّا وَلحق
بعمر وَأخْبرهُ خَبره فَكتب عمر إِلَى سعد بِحَبْس أبي محجن فحبسه.
حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج قَالَ: بَلغنِي أَن عمر بن الْخطاب حد أَبَا محجن الثَّقَفِيّ سبع مَرَّات. ذكر ذَلِك عبد الرَّزَّاق فِي بَاب من حد من الصَّحَابَة فِي الْخمر.
قَالَ: وَأخْبرنَا معمر عَن أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين: قَالَ: كَانَ أَبُو محجن الثَّقَفِيّ لَا يزَال يجلد فِي الْخمر فَلَمَّا كثر عَلَيْهِم سجنوه وأوثقوه فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْقَادِسِيَّة رَآهُمْ يقتتلون فَكَأَنَّهُ رأى أَن الْمُشْركين قد أَصَابُوا من الْمُسلمين فَأرْسل إِلَى أم ولد سعد أَو إِلَى امْرَأَة سعد يَقُول لَهَا: إِن أَبَا محجن يَقُول لَك: إِن خليت سَبيله وَحَمَلته على هَذَا الْفرس وَدفعت إِلَيْهِ سِلَاحا لَيَكُونن أول من يرجع إِلَيْك إِلَّا أَن يقتل.
وَأنْشد يَقُول: الطَّوِيل
(كفى حزنا أَن تلتقي الْخَيل بالقنا ... وأترك مشدوداً عَليّ وثاقيا)
...
стр. 3944
(إِذا قُمْت غناني الْحَدِيد وغلقت ... مصَارِع دوني قد تصم المناديا)
(وَقد كنت ذَا مالٍ كثير وإخوةٍ ... فقد تركوني وَاحِدًا لَا أَخا ليا)
(وَقد شف نَفسِي أنني كل شارقٍ ... أعالج كبلاً مصمتاً قد برانيا)
(فَللَّه دري يَوْم أترك موثقًا ... وتذهل عني أسرتي ورجاليا))
(حبست عَن الْحَرْب الْعوَان وَقد بَدَت ... وإعمال غَيْرِي يَوْم ذَاك العواليا)
(وَللَّه عهدٌ لَا أخيس بعهده ... لَئِن فرجت أَن لَا أَزور الحوانيا)
فَذَهَبت الْأُخْرَى فَقَالَت ذَلِك لامْرَأَة سعد فَحلت عَنهُ قيوده وَحمل على فرس كَانَ فِي الدَّار وَأعْطِي سِلَاحا ثمَّ خرج يرْكض حَتَّى لحق بالقوم فَجعل لَا يزَال يحمل على رجل فيقتله ويدق فَنظر إِلَيْهِ سعدٌ فَجعل يتعجب وَيَقُول: من ذَلِك الْفَارِس قَالَ: فَلم يَلْبَثُوا إِلَّا يَسِيرا حَتَّى هَزَمَهُمْ الله وَرجع أَبُو محجن ورد السِّلَاح وَجعل
стр. 3945
رجلَيْهِ فِي الْقُيُود كَمَا كَانَ.
فجَاء سعد فَقَالَت لَهُ امْرَأَته أَو أم وَلَده: كَيفَ كَانَ قتالكم فَجعل يخبرها وَيَقُول: لَقينَا ولقينا حَتَّى بعث الله رجلا على فرسٍ أبلق لَوْلَا أَنِّي تركت أَبَا محجنٍ فِي الْقُيُود لظَنَنْت أَنَّهَا بعض شمائل أبي محجن فَقَالَت: وَالله لأبو محجن كَانَ من أمره كَذَا وَكَذَا. فقصت عَلَيْهِ قصَّته.
فَدَعَا بِهِ وَحل قيوده وَقَالَ: لَا نجلدك على الْخمر أبدا. قَالَ أَبُو محجن: وَأَنا وَالله لَا أشربها أبدا.
كنت آنف أَن أدعها من أجل جلدكم. قَالَ: فَلم يشْربهَا بعد ذَلِك.
وروى صَاحب الِاسْتِيعَاب بِسَنَدِهِ إِلَى إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن سعد بن أبي وَقاص عَن أَبِيه قَالَ: لما كَانَ يَوْم الْقَادِسِيَّة أُتِي سعد بِأبي محجن وَهُوَ سَكرَان من الْخمر فَأمر بِهِ إِلَى الْقَيْد وَكَانَ سعدٌ بِهِ جِرَاحَة فَلم يخرج يَوْمئِذٍ إِلَى النَّاس وَاسْتعْمل على الْخَيل خَالِد بن عرفطة وَرفع سعدٌ فَوق العذيب لينْظر إِلَى النَّاس فَلَمَّا التقى النَّاس قَالَ أَبُو محجن:
كفى حزنا أَن تردي الْخَيل بالقنا ... ... ... . الأبيات السَّابِقَة فَقَالَ لابنَة خصفة امْرَأَة سعد: وَيحك خليني وَلَك عَليّ إِن
стр. 3946
سلمني الله أَن أجيء حَتَّى أَضَع رجْلي فِي الْقَيْد وَإِن قتلت استرحتم مني.
فخلته فَوَثَبَ على فرس لسعدٍ يُقَال لَهَا: البلقاء ثمَّ أَخذ الرمْح ثمَّ انْطلق حَتَّى أَتَى النَّاس فَجعل لَا يحمل فِي ناحيةٍ إِلَّا هَزَمَهُمْ فَجعل النَّاس يَقُولُونَ: هَذَا ملكٌ: وَسعد ينظر فَجعل سعد يَقُول: الضبر ضبر البلقاء والطعن طعن أبي محجن وَأَبُو محجن فِي الْقَيْد فَلَمَّا هزم الْعَدو رَجَعَ أَبُو محجن حَتَّى وضع رجله فِي الْقَيْد فَأخْبرت ابْنة خصفة سَعْدا بِالَّذِي كَانَ من أمره. فَقَالَ: لَا وَالله مَا أبلى أحدٌ من الْمُسلمين مَا أبلى فِي هَذَا الْيَوْم لَا أضْرب رجلا أبلى فِي الْمُسلمين مَا أبلى قَالَ: فخلى سَبيله.
وَقَالَ أَبُو محجن: كنت أشربها إِذْ يُقَام عَليّ الْحَد وأطهر مِنْهَا فَأَما إِن بهرجتني فوَاللَّه لَا أشربها)
أبدا.
وَمن رِوَايَة أهل الْأَخْبَار أَن ابْنا لأبي محجن دخل على مُعَاوِيَة فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة: أَبوك الَّذِي يَقُول: إِذا مت فادفني إِلَى جنب كرمةٍ ... ... . الأبيات الْمُتَقَدّمَة فَقَالَ لَهُ ابْنه: لَو شِئْت ذكرت أحسن من هَذَا من شعره. قَالَ: وَمَا ذَاك قَالَ:
قَوْله: الْبَسِيط
(لَا تسْأَل النَّاس من مَالِي وكثرته ... وَسَائِل النَّاس عَن حزمي وَعَن خلقي)
...
стр. 3947
(قد يعلم النَّاس أَنِّي من سراتهم ... إِذا تطيش يَد الرعديدة الْفرق)
(قد أركب الهول مسدولاً عساكره ... وأكتم السِّرّ فِيهِ ضَرْبَة الْعُنُق)
وَزَاد بَعضهم فِي هَذِه الأبيات: الْبَسِيط
(وأطعن الطعنة النجلاء قد علمُوا ... تَنْفِي المسابير بالإزباد والفهق)
(عف المطالب عَمَّا لست نائله ... وَإِن ظلمت شَدِيد الحقد والحنق)
(وَقد أَجود وَمَا مَالِي بِذِي فنعٍ ... وَقد أكر وَرَاء المجحر الْبَرْق)
...
стр. 3948
(قد يقتر الْمَرْء يَوْمًا وَهُوَ ذُو حسبٍ ... وَقد يثوب سوام الْعَاجِز الْحمق)
(وَيكثر المَال يَوْمًا بعد قلته ... ويكتسي الْعود بعد الجدب بالورق)
فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة: لَئِن أسأنا لَك القَوْل لنجزل لَك الْعَطِيَّة. ثمَّ أجزل جائزته وَقَالَ: إِذا ولدت النِّسَاء فلتلد مثلك وَزعم الْهَيْثَم بن عدي أَنه أخبرهُ من رأى قبر أبي محجن الثَّقَفِيّ بِأَذربِيجَان أَو قَالَ: فِي نواحي جرجان وَقد نَبتَت عَلَيْهِ ثَلَاث أصُول كرم وَقد طَالَتْ وأثمرت وَهِي معرشة على قَبره مَكْتُوب على الْقَبْر: هَذَا قبر أبي محجن قَالَ: فَجعلت أتعجب وأذكر قَوْله: إِذا مت فادفني إِلَى جنب كرمة هَذَا مَا اخترته من الِاسْتِيعَاب.
وروى ابْن الْأَعرَابِي فِي شرح ديوَان أبي محجن عَن ابْن الْكَلْبِيّ أَنه قَالَ: أخبرنَا عوَانَة قَالَ: دخل أَبوك الَّذِي يَقُول من قصيدة: إِذا مت فادفني إِلَى جنب كرمة
فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلَكِن أبي الَّذِي يَقُول: لَا تسْأَل الْقَوْم عَن مَالِي وكثرته ... ... إِلَى آخر الأبيات الْمَذْكُورَة)
وَنقل ابْن حجر فِي الْإِصَابَة عَن ابْن فتحون فِيمَا كتبه على
стр. 3949
أَوْهَام الِاسْتِيعَاب أَنه عَابَ أَبَا عمر على مَا ذكر فِي قصَّة أبي محجن أَنه كَانَ منهكماً فِي الشَّرَاب فَقَالَ: كَانَ يَكْفِيهِ ذكر حَده عَلَيْهِ وَالسُّكُوت عَنهُ أليق.
وَالْأولَى فِي أمره مَا أخرجه سيف فِي الْفتُوح: أَن امْرَأَة سعدٍ سَأَلته فِيمَا حبس فَقَالَ: وَالله مَا حبست على حرَام أَكلته وَلَا شربته وَلَكِنِّي كنت صَاحب شراب فِي الْجَاهِلِيَّة فَجرى كثيرا على لساني وصفهَا فحبسني بذلك فأعلمت بذلك سَعْدا فَقَالَ: اذْهَبْ فَمَا أَنا بمؤاخذك بِشَيْء تَقوله حَتَّى تَفْعَلهُ.
قَالَ ابْن حجر: وسيفٌ ضَعِيف وَالرِّوَايَات الَّتِي ذكروها أقوى وَأشهر. وَأنكر ابْن فتحون قَول من روى أَن سَعْدا أبطل عَنهُ الْحَد وَقَالَ: لَا يظنّ هَذَا بِسَعْد ثمَّ قَالَ: لَكِن لَهُ وَجه حسن وَلم يذكروه.
وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَن سَعْدا أَرَادَ بقوله لَا يخلده فِي الْخمر بشرطٍ أضمره وَهُوَ إِن ثَبت عَلَيْهِ أَنه يشْربهَا.
فوفقه الله أَن تَابَ تَوْبَة نصُوحًا فَلم يعد إِلَيْهَا كَمَا فِي بَقِيَّة الْقِصَّة.
وَقَوله فِي الْقِصَّة: الضَّب ضبر البلقاء هُوَ بالضاد الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة: عَدو الْفرس. وَمن قَالَه بالصَّاد الْمُهْملَة فقد صحف. نبه عَلَيْهِ ابْن فتحون. تَتِمَّة سَمَّاهُ الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف على خلاف مَا تقدم مَعَ بعض تَغْيِير فِي أَسمَاء آبَائِهِ: قَالَ هُوَ حبيب بن عَمْرو بن عُمَيْر بن عَوْف بن عقدَة بن غيرَة الثَّقَفِيّ.
وَهُوَ شاعرٌ فَارس وَهُوَ الْقَائِل:
стр. 3950
المنسرح
(لما رَأينَا خيلاً محجلةً ... وَقوم بغيٍ فِي جحفلٍ لجب)
(طرنا إِلَيْهِم بِكُل سلهبةٍ ... وكل صافي الْأَدِيم كالذهب)
(وكل عراصةٍ مثقفةٍ ... فِيهَا سنانٌ كشعلة اللهب)
(وكل عضبٍ فِي مَتنه أثرٌ ... ومشرفي كالملح ذِي شطب)
(وكل فضفاضةٍ مضاعفةٍ ... من نسج دَاوُد غير مؤتشب)
(لما الْتَقَيْنَا مَاتَ الْكَلَام ودا ... ر الْمَوْت دور الرَّحَى على القطب)
(إِن حملُوا لم نرم مواضعنا ... وَإِن حملنَا جثوا على الركب))
انْتهى.
وَهَذَا الشّعْر لم يروه ابْن الْأَعرَابِي وَابْن السّكيت فِي ديوانه.
وحبِيب بِالْحَاء الْمُهْملَة الْمَفْتُوحَة أوردهُ الْآمِدِيّ مكبراً اسْما لخمسة شعراء أحدهم أَبُو محجن.
ثمَّ قَالَ: وَأما حبيب بِالتَّصْغِيرِ فَهُوَ حبيب بن تَمِيم الْمُجَاشِعِي. وَأوردهُ لَهُ شعرًا.
وَبعد أَن نقل الْعَيْنِيّ الْخلاف فِي اسْمه هَل هُوَ مالكٍ بن حبيب أَو عبد الله بن حبيب قَالَ: وَضبط عَن أبي عمر حبيب مُصَغرًا. وَتَبعهُ السُّيُوطِيّ فِي شرح
أَبْيَات الْمُغنِي على هَذَا الضَّبْط.
وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ بعد الستمائة)
стр. 3951
الطَّوِيل
(فَلَمَّا رأى أَن ثَمَر الله مَاله ... وأثل مَوْجُودا وسد مفاقره)
على أَن الْفراء وَابْن الْأَنْبَارِي جوزا وُقُوع أَن المصدرية بعد فعل علم غير مؤول بِالظَّنِّ كَمَا فِي الْبَيْت فَإِن رأى فِيهِ علمية. وَيجوز أَن تكون فِيهِ مُخَفّفَة من غير فصل بَينهَا وَبَين ثَمَر على الشذوذ. ف أَن وَمَا بعْدهَا فِي تَأْوِيل مصدر سَاد مسد مفعولي رأى إِلَّا أَنَّهَا فِي القَوْل الثَّانِي مُخَفّفَة وَاسْمهَا ضمير شَأْن مَحْذُوف وَجُمْلَة: ثَمَر الله خَبَرهَا.
وَلم يتَعَرَّض لكَون رأى بصرية فَتكون أَن هِيَ المصدرية الدَّاخِلَة على الْفِعْل لِأَن ذَلِك لَا يجوز لِأَن التثمير أَمر معنويٌّ غير مدرك بحاسة الْعين وَمَعْنَاهُ التكثير.
قَالَ صَاحب الصِّحَاح: وأثمر الرجل بِالْمُثَلثَةِ أَي: كثر مَاله. وثمر الله مَاله أَي: كثره.
ففاعل رأى ضمير الحليف أَي: الْمعَاهد فِي بيتٍ قبله.
وأثل أَي: أصل وَثَبت. والتأثيل: التأصيل والتثبيت.
قَالَ صَاحب الصِّحَاح: يُقَال سد الله مفاقره أَي: أغناه وسد وُجُوه فقره. انْتهى.
فَيكون جمع مفقر كجعافر جمع جَعْفَر. والمفقر: مَكَان الْفقر وجهته.
وَجَوَاب لما فِي بَيت بعده.
وَالْبَيْت من قصيدة للنابغة الذبياني يُعَاتب بهَا بني مرّة فِيمَا كَانَ بَينه وَبَين يزِيد بن سِنَان بن أبي)
حَارِثَة واجتماع قومه عَلَيْهِ وطواعيتهم
стр. 3952
لَهُ وَطَلَبه بحوائجهم عِنْد الْمُلُوك. وَكَانَ النَّابِغَة يحْسد وَهَذَا أَولهَا:
(أَلا أبلغا ذبيان عني رِسَالَة ... فقد أَصبَحت عَن مَنْهَج الْقَصْد جائره)
(أَجِدكُم لم تزجروا عَن ظلامةٍ ... سَفِيها وَلنْ ترعوا لذِي الود آصره)
(فَلَو شهِدت سهمٌ وأفناء مالكٍ ... فتعذرني من مرّة المتناصره)
إِلَى أَن قَالَ بعد بَيْتَيْنِ:
(فَإِن يَك مَوْلَانَا تجانف نَصره ... وأسلمنا لمرة المتظاهره)
(فَإِنِّي لألقى من ذَوي الضغن مِنْهُم ... بِلَا عثرةٍ وَالنَّفس لَا بُد عاثره)
(كَمَا لقِيت ذَات الصَّفَا من حليفها ... وَكَانَت تديه المَال غبا وَظَاهره)
(تذكر أَنى يَجْعَل الله جنَّة ... فَيُصْبِح ذَا مالٍ وَيقتل واتره)
(فَلَمَّا رأى أَن ثَمَر الله مَاله ... وأثل مَوْجُودا وسد مفاقره)
(أكب على فأس يحد غرابها ... مذكرةٍ من المعاول باتره)
...
стр. 3953
(فَلَمَّا وقاها الله ضَرْبَة فأسه ... وللبر عينٌ مَا تغمض ناظره)
(تندم لما فَاتَهُ الذحل عِنْدهَا ... وَكَانَت لَهُ إِذْ خاس بالعهد قاهره)
(فَقَالَ تعالي نجْعَل الله بَيْننَا ... على مَا لنا أَو تنجزي لي آخِره)
(أَبى لي قبرٌ لَا يزَال مقابلي ... وضربة فأسٍ فَوق رَأْسِي فاقره)
وَهَذَا آخر القصيدة.
والآصرة: الْقَرَابَة. يُقَال: فلانٌ مَا تأصره عَليّ آصرةٌ أَي: لَا تعطفه عَليّ رحم. وسهمٌ هُوَ ابْن مرّة بن عَوْف الذبياني. وَمَالك هُوَ أَخُو سهم قبيلتان. وَلِهَذَا قَالَ: المتناصره أَي: الَّتِي ينصر بَعْضهَا بَعْضًا. وتجانف: تمايل.
والمتظاهرة: الَّتِي صَار كلٌّ مِنْهُم ظهيراً ومعيناً للْآخر. والضغن: الحقد. وَذَات الصفاة هِيَ الْحَيَّة كَمَا يَأْتِي شرحها.
والحليف: الْمعَاهد. وَقَوله: وَكَانَت تديه المَال إِلَخ روى الْأَصْمَعِي بدله: وَمَا انفكت الْأَمْثَال فِي النَّاس سائره وَقَالَ: تِلْكَ الرِّوَايَة منحولة لِأَنَّك تَقول وديت فلَانا للمقتول نَفسه وَلَا تَقول وديت وليه وَلَا)
أَهله. وودى فلانٌ فلَانا: أعْطى دِيَته. وغباً أَي: تعطيه من الدِّيَة فِي يَوْم وَلَا تعطيه فِي الْيَوْم الثَّانِي.
وَالْغِب
стр. 3954
بِالْكَسْرِ: فصل الْفِعْل وَتَركه بيومٍ بَين فعل يَوْمَيْنِ. وَمِنْه حمى الغب إِذا أَتَت يَوْمًا وَتركت يَوْمًا. وَالظَّاهِرَة: البارزة غير مختفية وَقيل الظَّاهِرَة الَّتِي تشرب كل يَوْم.
(فواثقها بِاللَّه حِين تَرَاضيا ... فَكَانَت تديه المَال غبا وَظَاهره)
وَقَوله: تذكر فَاعله ضمير الحليف. وأنى بِمَعْنى كَيفَ. وَالْجنَّة بِضَم الْجِيم: الْوِقَايَة. والواتر: الَّذِي عِنْده الثأر من الْوتر بِفَتْح الْوَاو عِنْد قوم وَكسرهَا عِنْد آخَرين وَهُوَ الذحل والثأر.
وَقَوله: فَلَمَّا رأى فَاعله ضمير الحليف. وَقَوله: أكب هُوَ جَوَاب لما. يُقَال: أكب على كَذَا أَي: لَازمه. وَيحد: مضارع أحده أَي: جعله حديداً قَاطعا.
والغراب بِضَم الْمُعْجَمَة: رَأس الفأس الْقَائِم وَلها رأسان. فالرأس العريض يُقَال لَهُ: قدوم وَالْآخر يُقَال لَهُ غراب.
قَالَ صَاحب الصِّحَاح: الذّكر من الْحَدِيد: خلاف الأنيث. وَسيف ذكرٌ ومذكر بِفَتْح الْكَاف المشدودة أَي: ذُو ماءٍ.
وَقَالَ أَبُو عبيد: هِيَ سيوفٌ شفراتها حديدٌ ذكر ومتونها أنيث. قَالَ: وَيَقُول: النَّاس إِنَّهَا من عمل الْجِنّ. انْتهى.
وَالذكر هُوَ الفولاذ والصلب. والأنيث هُوَ الْحَدِيد الْمَعْرُوف. والمعاول: جمع معول بِكَسْر الْمِيم وَفتح الْوَاو وَهِي الفأس الْعَظِيمَة الَّتِي ينقر بهَا الصخر. والباترة: القاطعة. والذحل بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة: الثأر والحقد. وَكَانَت أَي: الْحَيَّة.
стр. 3955
وخاس بالعهد بإعجام الأول وإهمال الآخر بِمَعْنى غدر بِهِ. وَأَرَادَ بقهرها إِيَّاه قطع الْعَطِيَّة من الدِّيَة. أَو تنجزي: إِلَى أَن تنجزي.
وَقَوله: يَمِين الله أفعل أَي: أقسم يَمِينا بِاللَّه لَا أفعل أَي: لَا أعطي. كَمَا كنت أُعْطِيك. أَو بِمَعْنى لَا أقبل عَهْدك بعد هَذَا.
والمسحور: المخدوع يُقَال: سحره أَي: خدعه وَعلله. وأرادت: إِنَّك إنسانٌ خادعٌ غدار.
وفاقرة: قَاطِعَة يُقَال: فقر الْحَبل أنف الْبَعِير إِذا حزه وَأثر فِيهِ.
وَهَذِه الأبيات موقوفةٌ على سَماع حكايةٍ هِيَ من أكاذيب الْعَرَب قَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ وَابْن)
الْأَعرَابِي: ذكرُوا أَن أَخَوَيْنِ كَانَا فِيمَا مضى فِي إبلٍ لَهما فأجدبت بلادهما وَكَانَ قَرِيبا مِنْهُمَا وادٍ يُقَال لَهُ: عُبَيْدَان فِيهِ حَيَّة قد أحمته فَقَالَ أَحدهمَا
لصَاحبه: هَل لَك فِي وَادي الْحَيَّة فَإِنَّهُ ذُو كلإٍ فَقَالَ أَخُوهُ: إِنِّي أَخَاف عَلَيْك الْحَيَّة أَلا ترى أَن أحدا لم يهْبط ذَلِك الْوَادي إِلَّا أهلكته فَقَالَ: وَالله لَأَفْعَلَنَّ فهبط ذَلِك الْوَادي فرعى فِيهِ إبِله فَبينا هُوَ ذَات يومٍ فِي آخر الْإِبِل نائمٌ إِذْ رفعت الْحَيَّة رَأسهَا فأبصرته فَأَتَتْهُ فَقتلته ثمَّ دخلت جحرها وأبطأت الْإِبِل على أَخِيه فَعرف أَنه قد هلك فَقَالَ: مَا فِي الْحَيَاة بعد أخي خيرٌ ولأطلبن الْحَيَّة ولأقتلنها أَو لأتبعن أخي.
فهبط ذَلِك الْوَادي فَطلب الْحَيَّة ليقتلها فَقَالَت لَهُ: أَلَسْت ترى أَنِّي قد قتلت أَخَاك فَهَل لَك فِي الصُّلْح فأدعك ترعى الْوَادي فَتكون فِيهِ وَأُعْطِيك مَا بقيت دِينَارا يَوْمًا وَيَوْما لَا قَالَ: أَو فاعلة أَنْت قَالَت: نعم. قَالَ: فَإِنِّي أقبل. فَحلف لَهَا وَأَعْطَاهَا المواثيق لَا يَضرهَا وَجعلت تعطيه مَا ضمنت لَهُ فَكثر مَاله ونبتت إبِله حَتَّى صَار من أحسن
стр. 3956
النَّاس حَالا.
ثمَّ إِنَّه ذكر أَخَاهُ ذَات يَوْم فَدَمَعَتْ عَيناهُ وَقَالَ: كَيفَ يَنْفَعنِي الْعَيْش وَأَنا أنظر إِلَى قَاتل أخي فَعمد إِلَى فأس فأحدها ثمَّ قعد فمرت بِهِ فتبعها وضربها فأخطأها وَدخلت جحرها وَوَقعت الفأس فَوق جحرها فأثرت فِيهِ فَلَمَّا رَأَتْ مَا فعل قطعت عَنهُ الدِّينَار الَّذِي كَانَت تعطيه.
فَلَمَّا رأى ذَلِك تخوف شَرها وَنَدم فَقَالَ لَهَا: هَل لَك أَن نتواثق ونعود إِلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ فَقَالَت: كَيفَ أعاودك وَهَذَا أثر فاسك وَأَنت ترى قبر أَخِيك وَأَنت فَاجر لَا تبالي بالعهد.
وَكَانَ حَدِيث الْحَيَّة والفأس من مَشْهُور أَمْثَال الْعَرَب.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: لما حج عبد الْملك بن مَرْوَان أول حجَّة حَجهَا فِي خِلَافَته قدم الْمَدِينَة فَخَطب فَقَالَ: يَا أهل الْمَدِينَة وَالله لَا تحبوننا وَلَا نحبكم أبدا وَأَنْتُم
أَصْحَاب عُثْمَان إِذْ نقيتمونا عَن الْمَدِينَة وَنحن أصحابكم يَوْم الْحرَّة فَإِنَّمَا مثلنَا ومثلكم كَمَا قَالَ النَّابِغَة. وَأنْشد هَذِه ثمَّ قَالَ: إِنَّه كَانَت حيةٌ مجاروةً رجلا فوكعته فَقتلته ثمَّ إِنَّهَا دعت أَخَاهُ إِلَى أَن يصالحها على أَن تدي لَهُ أَخَاهُ فعاهدها ثمَّ كَانَت تعطيه يَوْمًا وَلَا تعطيه يَوْمًا فَلَمَّا تنجز عَامَّة دِيَته قَالَت لَهُ نَفسه: لَو قتلتها وَقد أحذت عَامَّة الدِّيَة فيجتمعان لَك فَأخذ فأساً فَلَمَّا خرجت لتعطيه الدِّينَار ضربهَا على رَأسهَا وسبقته فأخطأها وَنَدم فَقَالَ:)
تعالي نتعاقد وَلَا نغدر وتنجزي آخر ديتي. فَقَالَت: أَبى الصُّلْح الْقَبْر الَّذِي بَين عَيْنَيْك والضربة الَّتِي فَوق رَأْسِي. فَلَنْ تحبني أبدا مَا رَأَيْت قبر أَخِيك وَلنْ أحبك مَا كَانَت الضَّرْبَة برأسي. إِنَّا لن نحبكم مَا ذكرنَا مَا صَنَعْتُم بِنَا وَلنْ تحبونا مَا ذكرْتُمْ مَا صنعنَا بكم. انْتهى.
стр. 3957
والنابغة شاعرٌ جاهليٌّ تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ بعد الستمائة)
الْبَسِيط
(أَن تقرآن على أَسمَاء ويحكما ... مني السَّلَام وَأَن لَا تشعرا أحدا)
على أَن أَن الْخَفِيفَة المصدرية قد لَا تنصب الْمُضَارع كَمَا فِي الْبَيْت إِمَّا للْحَمْل
على مَا قَالَ ابْن جني فِي الخصائص: سَأَلت أَبَا عَليّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ فَقَالَ: هِيَ مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة كَأَنَّهُ قَالَ: أنكما تقرآن إِلَّا أَنه خفف من غير تعويض.
وَحدثنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْحسن عَن أَحْمد بن يحيى قَالَ: شبه أَن بِمَا فَلم يعملها كَمَا لَا يعْمل مَا. انْتهى.
وَزَاد فِي سر الصِّنَاعَة: وَهَذَا مَذْهَب البغداديين. وَفِي هَذَا بعدٌ. وَذَلِكَ أَن أَن لَا تقع إِذا وصلت حَالا أبدا. إِنَّمَا هِيَ للمضي أَو للاستقبال نَحْو: سرني أَن قَامَ ويسرني أَن يقوم غَدا.
وَلَا تَقول: يسرني أَن يقوم وَهُوَ فِي حَال الْقيام.
وَمَا: إِذا وصلت بِالْفِعْلِ وَكَانَت مصدرا فَهِيَ للْحَال أبدا نَحْو قَوْلك: مَا تقوم حسن أَي: قيامك الَّذِي أَنْت عَلَيْهِ حسن فيبعد تَشْبِيه واحدةٍ مِنْهُمَا بِالْأُخْرَى وكل واحدةٍ مِنْهُمَا لَا تقع موقع صاحبتها.
قَالَ أَبُو عَليّ: وأولي أَن المخففة من الثَّقِيلَة الْفِعْل بِلَا عوض ضَرُورَة.
стр. 3958
وَهَذَا على كل حَال وَإِن كَانَ فِيهِ بعض الضعْف أسهل مِمَّا ارْتَكَبهُ الْكُوفِيُّونَ. انْتهى.
وَكَذَلِكَ قَول فِي شرح تصريف الْمَازِني: سَأَلت أَبَا عَليّ عَن إِثْبَات النُّون فِي تقرآن بعد أَن فَقَالَ: أَن مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة وأولاها الْفِعْل بِلَا فصلٍ للضَّرُورَة. فَهَذَا أَيْضا من الشاذ عَن الْقيَاس والاستعمال جَمِيعًا إِلَّا أَن الِاسْتِعْمَال إِذا ورد بشيءٍ أَخذ بِهِ وَترك الْقيَاس لِأَن السماع يبطل الْقيَاس.)
قَالَ أَبُو عَليّ: لِأَن الْغَرَض فِيمَا ندونه من هَذِه الدَّوَاوِين ونقننه من هَذِه القوانين إِنَّمَا هُوَ ليلحق من لَيْسَ من أهل اللُّغَة بِأَهْلِهَا وَيَسْتَوِي من لَيْسَ بفصيح
وَمن هُوَ فصيح. فَإِذا ورد السَّمَاء بشيءٍ لم يبْق غرضٌ مَطْلُوب وَعدل عَن الْقيَاس إِلَى السماع. انْتهى.
وَذهب إِلَى هَذَا ابْن عُصْفُور فِي كتاب الضرائر قَالَ: وَمِنْه مُبَاشرَة الْفِعْل الْمُضَارع لِأَن المخففة من الثقيل وَحذف الْفَصْل نَحْو قَول الشَّاعِر: أنْشدهُ الْفراء عَن الْقَاسِم بن معنٍ قَاضِي الْكُوفَة: مجزوء الْكَامِل
(إِنِّي زعيم يَا نوي ... قة إِن سلمت من الرزاح)
(أَن تهبطين بِلَاد قو ... مٍ يرتعون من الطلاح)
وَقَول الآخر: أَن تقرآن على أَسمَاء ويحكما ... ... . . الْبَيْت
стр. 3959
وَقَول الآخر: الطَّوِيل
(إِذا كَانَ أَمر النَّاس عِنْد عجوزهم ... فَلَا بُد أَن يلقون كل يباب)
(ولي كبدٌ مقروحةٌ من يبيعني ... بهَا كبداً لَيست بِذَات قُرُوح)
(أَبى النَّاس وَيْح النَّاس أَن يشترونها ... وَمن يَشْتَرِي ذَا علةٍ بِصَحِيح)
وَقَول الآخر: الطَّوِيل
(وَإِنِّي لأختار الْقرى طاوي الحشا ... محاذرةً من أَن يُقَال لئيم)
قَالَ أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي: رَوَاهُ الْكسَائي وَالْفراء عَن بعض الْعَرَب بِرَفْع يُقَال. وَلَا يحسن شيءٌ من ذَلِك فِي سَعَة الْكَلَام حَتَّى يفصل بَين أَن وَالْفِعْل بِالسِّين أَو سَوف أَو قد فِي الْإِيجَاب وَبلا فِي النَّفْي.
فَإِن جَاءَ شيءٌ مِنْهُ فِي الْكَلَام حفظ وَلم يقس عَلَيْهِ نَحْو قِرَاءَة ابْن مُجَاهِد: لمن أَرَادَ أَن يتم الرضَاعَة بِرَفْع يتم.
وَمن النَّحْوِيين من زعم أَن أَن فِي جَمِيع ذَلِك هِيَ الناصبة للْفِعْل إِلَّا أَنَّهَا أهملت حملا على مَا المصدرية
стр. 3960
فَلم تعْمل لمشابهتها لَهَا فِي أَنَّهَا تقدر مَعَ مَا بعْدهَا بِالْمَصْدَرِ. وَمَا ذكرته قبل من أَنَّهَا مُخَفّفَة أولى وَهُوَ مَذْهَب الْفَارِسِي وَابْن جني لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي اسْتَقر فِي كَلَامهم ارْتِفَاع الْفِعْل الْمُضَارع بعْدهَا. انْتهى.)
وَذهب الزَّمَخْشَرِيّ إِلَى أَن الرّفْع بعد أَن لُغَة. قَالَ فِي الْمفصل: وَبَعض الْعَرَب يرفع الْفِعْل بعد أَن أَن تقرآن على أَسمَاء ويحكما ... ... ... . الْبَيْت وَعَن ابْن مُجَاهِد: أَن يتم الرضَاعَة بِالرَّفْع. انْتهى.
قَالَ شَارِحه ابْن يعِيش: قَالَ ابْن جني: قَرَأت على مُحَمَّد بن الْحسن عَن أَحْمد ابْن يحيى قَول الشَّاعِر: الْبَسِيط
(يَا صَاحِبي فدت نَفسِي نفوسكما ... وحيثما كنتما لاقيتما رشدا)
(أَن تحملا حَاجَة لي خف محملها ... وتصنعا نعْمَة عِنْدِي بهَا ويدا)
أَن تقرآن ... ... ... ... ... ... ... الْبَيْت فَقَالَ فِي تَفْسِير أَن تقرآن: وَعلة رَفعه أَنه شبه أَن بِمَا فَلم يعملها فِي صلتها. ومثلة الْآيَة. وَهُوَ رَأْي السيرافي. وَلَعَلَّ صَاحب هَذَا الْكتاب نَقله من الشَّرْح. وَهَذَا رَأْي البغداديين وَلَا يرَاهُ البصريون.
وَصِحَّة محمل الْبَيْت عِنْدهم على أَنَّهَا المخففة من الثَّقِيلَة أَي: أنكما تقرآن. وَأَن وَمَا بعْدهَا فِي مَوضِع الْبَدَل من قَوْله: حَاجَة لِأَن حَاجته قِرَاءَة السَّلَام عَلَيْهَا.
وَقد استبعدوا تَشْبِيه لِأَن ب مَا لِأَن مَا مصدر مَعْنَاهُ الْحَال وَأَن وَمَا بعْدهَا مصدرٌ إِمَّا ماضٍ وَإِمَّا مُسْتَقْبل على حسب الْفِعْل الْوَاقِع بعْدهَا فَلذَلِك لَا يَصح أَحدهمَا بِمَعْنى الآخر. انْتهى.
следующие страницы →