← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

قيل: يقبح هَذَا الْفَصْل كَمَا: كَانَت زيدا الْحمى تَأْخُذ. فَإِن قيل: فقد قَالَ: فَإِن بحبها أَخَاك مصاب الْقلب قد قيل: قد روى البغداديون هَذَا مصاب الْقلب. فَذا يدلك على استكراههم الرّفْع لما فِيهِ من الْفَصْل فعدلوا عَنهُ إِلَى النصب. وَيجوز أَن تَقول: إِن الظّرْف قد فصل بِهِ فِي أَمَاكِن فَيجوز أَن يكون هَذَا مثلهَا. وَقَالَ فِي الْموضع الثَّانِي: مَسْأَلَة: مَا كَانَ فِيهَا أحد خيرٌ مِنْك فِيهَا مُتَعَلقَة بكان إِذا نصبت خيرا مِنْك ومتعلقة بِمَحْذُوف إِذا كَانَت مُسْتَقرًّا. وَيجوز أَن تنصبها ب خيرا مِنْك وَإِن تقدم عَلَيْهِ لشبهه بِالْفِعْلِ.) وَلَيْسَ الْفَصْل ب فِيهَا إِذا علقتها بِخَير مِنْك بقبيح لِأَن أَبَا الْحسن قد أنْشد فِي الْمسَائِل الصَّغِيرَة: وَرَوَاهُ الْكُوفِيُّونَ: مصاب الْقلب. وأظنهم هربوا من الْفَصْل فنصبوا مَخَافَة أَن يجْرِي مجْرى: كَانَت زيدا الْحمى تَأْخُذ. وأتى أَبُو الْحسن بمسائل هُنَاكَ يفصل فِيهَا بالظرف الْمُتَعَلّق بالْخبر. انْتهى. وَقد فصل ابْن السراج فِي الْأُصُول مَذْهَب الْكُوفِيّين فِي هَذِه الْمَسْأَلَة قَالَ: إِذا كَانَ الظّرْف غير مَحل للاسم سَمَّاهُ الْكُوفِيُّونَ الصّفة النَّاقِصَة وَجعله البصريون لَغوا وَلم يجز فِي الْخَبَر إِلَّا الرّفْع وَذَلِكَ قَوْلك: فِيك عبد الله رَاغِب ومنك أَخَوَاك هاربان وَإِلَيْك قَوْمك قاصدون لِأَن مِنْك وفيك وَإِلَيْك لَا تكون محلا وَلَا يتم بهَا الْكَلَام.

стр. 3992

وَقد أجَاز الْكُوفِيُّونَ: فِيك رَاغِبًا عبد الله شبهها الْفراء بِالصّفةِ التَّامَّة لتقدم رَاغِب على عبد الله. وَذهب الْكسَائي إِلَى أَن الْمَعْنى: فِيك رَغْبَة عبد الله. واستضعفوا أَن يَقُولُوا: فِيك عبد الله رَاغِبًا وأنشدوا بَيْتا جَاءَ فِيهِ مثل هَذَا مَنْصُوبًا. فَلَا تلحني فِيهَا فَإِن بحبها ... ... . الْبَيْت فنصب مصاب الْقلب على التَّشْبِيه بِقَوْلِك: إِن بِالدَّار أَخَاك وَاقِفًا إِلَى آخر مَا فَصله. وَقَوله: فَلَا تلحني هُوَ نهيٌ أَي: لَا تلمني فِي حب هَذِه الْمَرْأَة فقد أُصِيب قلبِي بهَا وَاسْتولى عَلَيْهِ حبها والعذل لَا يصرفني عَنْهَا. يُقَال: لحيت الرجل إِذا لمته. قَالَ صَاحب الصِّحَاح: ولحيت الرجل ألحاه لحياً إِذا لمته فَهُوَ ملحيٌّ ولاحيته ملاحاة ولحاءً إِذا نازعته. وَفِي الْمثل:: من لاحاك فقد عاداك. وتلاحوا إِذا تنازعوا وَأَصله من لحيت الْعَصَا ألحيها لحياً إِذا سلخت لحاءها وجلدها. وَكَذَلِكَ لحوتها ألحوها لحواً. واللحاء بِالْكَسْرِ وَالْمدّ: قشر الشّجر. وَفِي الْمثل: لَا تدخل بَين الْعَصَا ولحائها. كَذَا فِي الصِّحَاح. وَقَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: اللحاء بِالْكَسْرِ وَالْمدّ وَالْقصر لُغَة: مَا على الْعود من قشره. ولحوت الْعود لحواً من بَاب قَالَ ولحيته لحياً من بَاب نفع إِذا قشرته. والمصاب: اسْم مفعول من أُصِيب بِكَذَا من الْمُصِيبَة وَهِي الشدَّة النَّازِلَة. والجم بِالْجِيم: الْكثير. والبلابل: الأحزان وشغل البال وَاحِدهَا بلبال. وَهُوَ مُبْتَدأ وجمٌّ خَبره وَالْجُمْلَة خبر ثانٍ لإن.)

стр. 3993

وَزَاد الْعَيْنِيّ: أَو هِيَ بدل من قَوْله مصاب الْقلب فَتَأمل. وَقَالَ البلابل: الوساوس وَهُوَ جمع بلبلة وَهِي الوسوسة. وَالْبَيْت من الأبيات الْخمسين الَّتِي هِيَ فِي كتاب سِيبَوَيْهٍ وَلم يعرف لَهَا قَائِل وَالله أعلم. وَأنْشد بعده الرجز (لَا تتركني فيهم شطيرا ... إِنِّي إِذن أهلك أَو أطيرا) على أَن الْفِعْل جَاءَ مَنْصُوبًا ب إِذن مَعَ كَونه خَبرا عَمَّا قبلهَا بِتَأْوِيل أَن الْخَبَر هُوَ مَجْمُوع إِذن أهلك لَا أهلك وَحده فَتكون إِذن مصدرة. وَقَالَ الأندلسي: يجوز أَن يكون خبر إِن محذوفاً: أَي: إِنِّي لَا أحتمل. ثمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: إِذن أهلك. وَالْوَجْه رفع أهلك وَجعل أَو بِمَعْنى إِلَّا. أما التَّخْرِيج الأول فَهُوَ للشَّارِح الْمُحَقق. وَقد رده الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة بِأَن مُقْتَضَاهُ جَوَاز قَوْلك: زيد إِذن يقوم بِالنّصب على جعل الْخَبَر هُوَ الْمَجْمُوع إِذْ الِاعْتِمَاد الْمَانِع منتفٍ إِذْ هُوَ ثَابت للمجموع وصريح كَلَامهم يأباه. وَأجِيب عَن الرضي بِأَن تَخْرِيجه إِنَّمَا هُوَ لبَيَان وَجه ارْتِكَاب الشذوذ فِي هَذَا المسموع فَلَا يكون مُقْتَضَاهُ جَوَاز النصب فِي كل مَا سواهُ مِمَّا لم يتَحَقَّق فِيهِ شذوذ. هَذَا كَلَامه. وَلَا يخفى أَن مُرَاد الرضي تَخْرِيجه على عَملهَا المألوف قِيَاسا وَهُوَ أَن لَا يعْتَمد مَا بعْدهَا على مَا قبلهَا بِدَلِيل مُقَابلَته لقَوْل الأندلسي.

стр. 3994

وَأما قَول الأندلسي وَعَلِيهِ اقْتصر ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي فَهُوَ تَخْرِيج السيرافي. قَالَ فِي شرح فَإِن صَحَّ فإمَّا أَن يُقَال: إِنَّه لغةٌ حمل فِيهَا إِذن على لن وَهِي لَا تلغى بِحَال. أَو تَقول: خبر إِن مُقَدّر أَي: إِنِّي لَا أقدر على ذَلِك وَجُمْلَة: إِذن أهلك مستأنفة وَإِذن فِيهَا مصدرة. انْتهى. وَفِيمَا قَالَه تخريجان آخرَانِ فَصَارَت التخاريج أَرْبَعَة. وسلك نَحوه ابْن يعِيش فِي شرح الْمفصل فَقَالَ: الْبَيْت شَاذ. وَإِن صحت الرِّوَايَة فَهُوَ مَحْمُول على أَن يكون الْخَبَر محذوفاً. وساغ حذف الْخَبَر لدلَالَة مَا بعده عَلَيْهِ وَابْتِدَاء إِذن بعد تَمام الْمُبْتَدَأ بِخَبَرِهِ. أَو يكون شبه إِذن هَا هُنَا بلن فَلم يلغها لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا من نواصب الْأَفْعَال الْمُسْتَقْبلَة. وتشبه إِذن من عوامل الْأَفْعَال بِأَفْعَال الشَّك وَالْيَقِين لِأَنَّهَا أَيْضا تعْمل وتلغى لِأَن أَفعَال الشَّك) إِذا تَأَخَّرت أَو توسطت يجوز أَن تعْمل. وَإِذن إِذا توسطت بَين جزأي كلامٍ أَحدهمَا محتاجٌ إِلَى الآخر لم يجز أَن تعْمل لِأَنَّهَا حرف والحرف أَضْعَف فِي الْعَمَل من الْأَفْعَال. انْتهى. وَقد نقل ابْن الْحَاجِب تخريجاً خَامِسًا فِي شرح الْمفصل قَالَ: وَقد أول: إِنِّي إِذن أهلك على معنى: إِنِّي أَقُول. وَالْقَوْل يحذف كثيرا. وَقد ناقشه الإِمَام الحديثي فِي شرح الكافية بِأَنَّهُ إِنَّمَا يتَخَلَّص

стр. 3995

عَنهُ بِهِ إِذا كَانَ الْموضع للحكاية فَقَط. وَفِيه نظر. وَألا يكون حِينَئِذٍ مُعْتَمدًا على أَقُول. وتوضيحه: أَن الْمَحْكُوم عَلَيْهِ بِأَنَّهُ خبر وَأَنه فِي مَوضِع رفع حِينَئِذٍ إِمَّا الْحِكَايَة فَقَط أَعنِي جملَة أَقُول وَبِه يتَحَقَّق الْخَلَاص عَن هَذِه الورطة. أَو الْحِكَايَة أَو المحكي أَعنِي مَجْمُوع أَقُول إِذن أهلك. لَا سَبِيل إِلَى الأول لاقْتِضَائه قطع كلٍّ من القَوْل وَالْمقول عَن صَاحبه واستئناف مَا حَقه أَن لَا يسْتَأْنف. وَلَا إِلَى الثَّانِي لبَقَاء الْإِشْكَال لتحَقّق النصب مَعَ الِاعْتِمَاد فَإِن أهلك معتمدٌ على أَقُول لكَونه جُزْء معموله الَّذِي هُوَ إِذن أهلك. وَأجَاب عَنهُ ابْن الْحَنْبَلِيّ فِيمَا كتبه على الْمُغنِي كَمَا نَقله عَنهُ تِلْمِيذه ابْن الملا بِأَنا لَا نسلم أَن جُزْء الْمُعْتَمد مُعْتَمد. وَلَئِن سلمناه فَلَا نسلم أَن كل معمولٍ لشَيْء يكون مُعْتَمدًا عَلَيْهِ فَهُوَ قد حصروا صور الِاعْتِمَاد فِي ثَلَاث صور لَيْسَ إِلَّا بِحكم الاستقراء فَدلَّ ذَلِك على أَن مَا عَداهَا لَا يتَحَقَّق فِيهِ اعْتِمَاد وَإِن تحققت معموليته بِوَجْه مَا. ثمَّ قَالَ: وَلَعَلَّ ابْن الْحَاجِب قدر أَقُول ليَكُون إِذن أهلك أَو أطير مقولاً وَقعت فِيهِ إِذن مصدرة وَإِن توهم أَنَّهَا بِتَقْدِير أَقُول غير مصدرة. أَلا ترى أَن الْقَائِل إِذا قَالَه بعد كَمَا سبق بِهِ الرَّعْد أظهرت صدارتها فِيهِ. انْتهى. وَهَذَا بحثٌ جيد إِلَّا أَنه يرد على تَخْرِيجه بإضمار القَوْل مَا ورد على تَخْرِيج الشَّارِح الْمُحَقق وَقَول الأندلسي: وَالْوَجْه رفع أهلك. وَقَالَ الحديثي: الْحق رفع أهلك وَجعل أَو بِمَعْنى إِلَّا أَن كَمَا فِي

стр. 3996

قَوْلك: لألزمنك أَو تقضيني حَقي أَي: إِلَّا أَن تقضيني حَقي. أَرَادَ أَن الرّفْع فِيهِ وَفِي مثله هُوَ الْقيَاس جَريا على الْقَاعِدَة. وتعسف ابْن الملا فِي قَوْله: إِن أَرَادَ أَنه الْوَجْه وَالْحق فِي مثل هَذَا التَّرْكِيب إِذا صدر من مُتَكَلم فَلهُ وَجه وَلَكِن غير نَافِع لنا بِوَجْه. وَإِن أَرَادَ أَنه الْوَجْه وَالْحق فِي قَول هَذَا الشَّاعِر فَمَمْنُوع. فَإِنَّهُ) كَيفَ يسلم لَهما ذَلِك حَيْثُ ثَبت أَن الرِّوَايَة عَن الْقَائِل بِنصب الْفِعْلَيْنِ. انْتهى. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: إِعْمَال إِذن فِي الْبَيْت ضَرُورَة خلافًا للفراء. أَرَادَ بِالضَّرُورَةِ مَا هُوَ الْمَذْهَب الصَّحِيح وَهُوَ مَا أَتَى فِي النّظم دون النثر سواءٌ كَانَ عَنهُ مندوحة أم لَا. وَلم يصب ابْن الملا فِي قَوْله: هَذَا إِنَّمَا يتَّجه بِالنِّسْبَةِ إِلَى نصب أطير دون أهلك فَإِنَّهُ إِن كَانَ ثمَّ ضَرُورَة فَهِيَ قصد التَّوْفِيق بَينه وَبَين شطيراً حذرا من عيب الإقواء. اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يَدعِي أَن هَذِه الضَّرُورَة ألجأت إِلَى نصب أهلك لِئَلَّا يعْطف منصوبٌ على مَرْفُوع. هَذَا كَلَامه. وَأي مَانع من الْعَطف بِالنّصب بِأَن بعد أَو الَّتِي بِمَعْنى إِلَّا كَمَا نَقله عَن الأندلسي والحديثي. هَذَا. وَقد نقل الْفراء عَن الْعَرَب فِي تَفْسِيره أَن النصب فِي مثل الْبَيْت لُغَة قَالَ عِنْد تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: أم لَهُم نصيبٌ من الْملك فَإِذا لَا يُؤْتونَ النَّاس نقيرا: إِذا وَقعت إِذن على يفعل وَقَبله اسمٌ بطلت فَلم تنصب فَقلت: أَنا إِذن أضربك. وَإِذ كَانَت فِي أول الْكَلَام

стр. 3997

إِن نصبت يفعل وَرفعت فَقلت: إِنِّي إِذن أوذيك. وَالرَّفْع جَائِز. أَنْشدني بعض الْعَرَب: (لَا تتركني فيهم شطيرا ... إِنِّي إِذن أهلك أَو أطيرا) وَقَالَ أَيْضا فِي تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَإِذا لَا تمتعون: وَقد تنصب الْعَرَب ب إِذن وَهِي بَين الِاسْم وَخَبره فِي إِن وَحدهَا فَيَقُولُونَ: إِنِّي إِذن أضربك. قَالَ الشَّاعِر: لَا تتركني فيهم شطيرا ... ... الْبَيْت وَالرَّفْع جَائِز. وَإِنَّمَا جَازَ فِي إِن وَلم يجز فِي الْمُبْتَدَأ بِغَيْر إِن لِأَن الْفِعْل لَا يكون مقدما فِي إِن وَقد يكون مقدما لَو أسقطت. هَذَا كَلَامه. وَأَنت ترى أَنه إمامٌ ثِقَة وَقد نقل عَن أهل اللِّسَان فَيَنْبَغِي جَوَاز النصب فِي الْفِعْل الْوَاقِع خَبرا لاسم إِن لَا غير حَسْبَمَا نقل وَحِينَئِذٍ يسْقط مَا تكلفوا من التَّخْرِيج. وَأفَاد الْفراء أَن الْبَيْت حجَّة يَصح الِاسْتِدْلَال بِهِ لقَوْله: أَنْشدني بعض الْعَرَب فَيكون جَوَاز وَقد أطلق الشَّارِح الْمُحَقق فِي العاطف وَلم يمثل إِلَّا لما اقْترن بِالْوَاو وَالْفَاء. وَقد صرح الْفراء فِي) تَعْمِيم العاطف قَالَ: إِذا كَانَ فِي الْفِعْل فاءٌ أَو واوٌ أَو ثمَّ أَو أَو أَو حرفٌ من حُرُوف النسق فَإِن شِئْت كَانَ مَعْنَاهَا

стр. 3998

معنى الِاسْتِئْنَاف فَنصبت بهَا أَيْضا وَإِن شِئْت جعلت الْفَاء أَو الْوَاو إِذا كَانَتَا مِنْهَا منقولتين عَنْهَا إِلَى غَيرهَا. وَالْمعْنَى فِي قَوْله: فَإِذا لَا يُؤْتونَ على: فَلَا يُؤْتونَ النَّاس نقيراً إِذا. ويدلك على ذَلِك أَنه فِي الْمَعْنى وَالله أعلم جوابٌ لجزاء مُضْمر كَأَنَّهُ قلت: وَلَئِن كَانَ لَهُم أَو لم كَانَ لَهُم نصيب لَا يُؤْتونَ النَّاس إِذا نقيراً. وَهِي فِي الْقِرَاءَة عبد الله مَنْصُوبَة. وَإِذا رَأَيْت الْكَلَام تَاما مثل قَوْلك: هَل أَنْت قَائِم ثمَّ قلت: فَإِذن أضربك نصبت بِإِذن ونصبت بِجَوَاب الْفَاء ونويت النَّقْل. وَكَذَلِكَ الْأَمر وَالنَّهْي يصلح فِي إِذن وَجْهَان: النصب بهَا ونقلها. وَلَو شِئْت رفعت الْفِعْل إِذا نَوَيْت النَّقْل فَقلت: ائته فَإِذن يكرمك زيد فَهُوَ يكرمك إِذن وَلَا تجعلها جَوَابا. هَذَا كَلَامه. وَقد أجَاز الْجَزْم وَالنّصب وَالرَّفْع فِي جَوَاب الشَّرْط قَالَ: وَإِذا كَانَ قبلهَا جزاءٌ وَهِي لَهُ جوابٌ قلت: إِن تأتني إِذن أكرمك وَإِن شِئْت: إِذن أكرمك. فَمن جزم أَرَادَ أكرمك إِذن وَمن نصب نوى فِي إِذن فَاء تكون جَوَابا فنصب الْفِعْل بِإِذن وَمن رفع جعل إِذن منقولة إِلَى آخر الْكَلَام كَأَنَّهُ قَالَ: فأكرمك إِذن. اه. وَهَذَا خلاف مَذْهَب الْبَصرِيين وَلَيْسَ عِنْدهم إِلَّا الْجَزْم. وَقَوله: لَا تتركني إِلَخ التّرْك يسْتَعْمل بِمَعْنى التَّخْلِيَة وَيَتَعَدَّى

стр. 3999

لمفعول وَاحِد وَبِمَعْنى التصيير فيتعدى لاثْنَيْنِ أَصلهمَا الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر وَهنا محتملٌ لكلٍّ مِنْهُمَا فشطيرا على الأول حَال من الْيَاء وعَلى الثَّانِي هُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي وَفِيهِمْ عَلَيْهِمَا مُتَعَلق بِالتّرْكِ أَو هُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي. وشطيراً حالٌ من ضمير الظّرْف وَيجوز أَن يكون مَفْعُولا آخر مكرراً كَمَا قيل فِي قَوْله تَعَالَى: وتركهم فِي ظلماتٍ لَا يبصرون إِن فِي ظلمات مفعول ثَان وَجُمْلَة: لَا يبصرون مفعول آخر مُكَرر. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: فيهم يتَعَلَّق بشطيراً وشطيراً نصب على الْحَال وَالتَّقْدِير: لَا تتركني حَال كوني شطيراً كَائِنا فيهم. هَذَا كَلَامه. وَلَا يخفى أَن ذكر كَائِنا مَعَ قَوْله مُتَعَلق بشطيراً لَا وَجه لَهُ.) والشطير: الْغَرِيب. وَأهْلك بِكَسْر اللَّام والماضي بِفَتْحِهَا. وَالشعر لم ينْسبهُ أحدٌ إِلَى قَائِله. وَالله وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الْخَمْسُونَ بعد الستمائة) وَهُوَ من شَوَاهِد س: الْبَسِيط (ازجر حِمَارك لَا يرتع بروضتنا ... إِذن يرد وَقيد العير مكروب) على أَنه يجوز على مَذْهَب الْكسَائي أَن يكون لَا يرتع مَجْزُومًا بِكَوْن لَا فِيهِ للنَّهْي لَا أَنه جَوَاب الْأَمر. وَيرد مَجْزُومًا لَا مَنْصُوبًا بِكَوْنِهِ جَوَابا للنَّهْي كَمَا هُوَ مذْهبه فِي

стр. 4000

نَحْو: لَا تكفر تدخل النَّار. فَيكون الْمَعْنى لَا يرتع إِن يرتع يرد. وَعند غَيره: يرد مَنْصُوب وَإِذن مُنْقَطع عَمَّا قبله مصدر كَأَن الْمُخَاطب قَالَ: لَا أزجره. فَأجَاب بقوله: إِذن يرد. أَقُول: يكون لَا يرتع على قَول الْكسَائي بَدَلا من ازجر وَهُوَ أوفى من الأول فِي تأدية الْمَعْنى المُرَاد كَقَوْلِه: الطَّوِيل أَقُول لَهُ ارحل لَا تقيمن عندنَا وَإِذن تكون مُؤَكدَة للشّرط الْمُقدر وَهُوَ إِن يرتع وَيرد جَوَاب الشَّرْط الْمُقدر. وَهُوَ مجزوم بِسُكُون مُقَدّر والفتحة لدفع التقاء الساكنين. وَيجوز ضم الدَّال وَكسرهَا أَيْضا للدَّفْع الْمَذْكُور وَالْأَصْل يردد فَلَمَّا أدغم سكنت الدَّال الأولى وَالثَّانيَِة سَاكِنة أَيْضا للجزم فَالتقى ساكنان فلنا أَن تدفع التقاءهما بِإِحْدَى الحركات الثَّلَاث. وَقَوله: بِكَوْنِهِ جَوَابا للنَّهْي مُتَعَلق بقوله مَجْزُومًا. وَقَوله: وَعند غَيره يرد مَنْصُوب أَي: عِنْد غير الْكسَائي يرد مَنْصُوب بِإِذن فالفتحة

стр. 4001

فَتْحة إِعْرَاب وَإِذن هُنَا لَيست متضمنة للشّرط وَإِنَّمَا هِيَ متضمنة للنَّهْي وَهُوَ لَا تزجره. وَعبر التبريزي فِي شَرحه عَن هَذَا بِأَن إِذن هُنَا على بَابهَا لِأَنَّهَا جَوَاب كَلَام مُقَدّر لِأَنَّهُ قدر أَن الْمَأْمُور بِالرَّدِّ قَالَ: لَا أرد. فَأَجَابَهُ بذلك وحذفه لفهم الْمَعْنى. اه. وَهَذَا من غير الْغَالِب كَمَا قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق: الْغَالِب فِي إِذن تضمن الشَّرْط. وَهَذَا الْوَجْه هُوَ مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ قَالَ فِي الْكتاب: وَاعْلَم أَن إِذن إِذا كَانَت بَين الْفِعْل وَبَين شيءٍ الْفِعْل معتمدٌ عَلَيْهِ) فَإِنَّهَا ملغاة لَا تنصب الْبَتَّةَ كَمَا لَا تنصب أرى إِذا كَانَت بَين الْفِعْل وَالِاسْم فِي قَوْلك: كَانَ أرى زيدٌ ذَاهِبًا. فَإِذن لَا تصل فِي ذَا الْموضع إِلَى أَن تنصب كَمَا لَا تصل أرى هُنَا إِلَى أَن تنصب. فَهَذَا تَفْسِير الْخَلِيل. وَذَلِكَ قَوْلك: أَنا إِذن آتِيك فَهِيَ هُنَا بِمَنْزِلَة أرى حَيْثُ لَا تكون إِلَّا ملغاة. وَلَيْسَ هَذَا كَقَوْل ابْن عنمة الضَّبِّيّ: (ارْدُدْ حِمَارك لَا تنْزع سويته ... إِذن يرد وَقيد العير مكروب) من قبل أَن هَذَا مُنْقَطع من الْكَلَام الأول وَلَيْسَ مُعْتَمدًا على مَا قبله لِأَن مَا قبله مستغن. انْتهى.

стр. 4002

وَأَجَازَ الأعلم هُنَا رفعٌ يرد قَالَ: الشَّاهِد فِيهِ نصب مَا بعد إِذن لِأَنَّهَا مُبتَدأَة. وَالرَّفْع جائزٌ على إلغائها وَتَقْدِير الْفِعْل وَاقعا للْحَال لِأَن حُرُوف النصب لَا تعْمل إِلَّا فِيمَا خلص للاستقبال. اه. وَالْبَيْت من أبياتٍ ستةٍ لعبد الله بن عنمة أوردهَا الْمفضل فِي المفضليات وَأَبُو تَمام فِي الحماسة وَهِي: (مَا إِن ترى السَّيِّد زيدا فِي نُفُوسهم ... كَمَا ترَاهُ بَنو كوز ومرهوب) (إِن يسْأَلُوا الْحق نعط الْحق سائله ... والدرع محقبةٌ وَالسيف مقروب) (وَإِن أَبَيْتُم فَإنَّا معشرٌ أنفٌ ... لَا نطعم الْخَسْف إِن السم مشروب) فازجر حِمَارك لَا يرتع ... ... . الْبَيْت (إِن تدع زيدٌ بني ذهل لمغضبةٍ ... نغضب لزرعة إِن الْفضل مَحْسُوب) قَوْله: مَا إِن ترى السَّيِّد إِلَخ إِن زَائِدَة مُؤَكدَة لما النافية. وَالسَّيِّد بِالْكَسْرِ وَزيد وكوز ومرهوب كلٌّ من الْأَرْبَعَة: أَبُو حيٍّ من بني ضبة. وَزيد وكوز أَخَوان ابْنا كَعْب بن بجالة بن ذهل بن مَالك بن بكر بن سعد بن ضبة بن أد ابْن طابخة. وَالسَّيِّد هُوَ أَخُو ذهل الْمَذْكُور.

стр. 4003

ومرهوب هُوَ ابْن عبيد بن هَاجر بن كَعْب بن بجالة الْمَذْكُور. وَقد روى الضَّبِّيّ فِي المفضليات كرز بالراء الْمُهْملَة بدل الْوَاو. قَالَ المرزوقي: يَقُول: بَنو السَّيِّد لَا يقسمون لزيد بن التَّعْظِيم وَلَا يوجبون لَهُ فِي نُفُوسهم من الْحُرْمَة والتبجيل مَا يُوجِبهُ ويقسمه بَنو كوز ومرهوب. وَالضَّمِير على هَذَا فِي نُفُوسهم للسَّيِّد. وَلَا يمْتَنع أَن يكون لزيد لِأَنَّهُ قَبيلَة.) وَهَذَا كَمَا يُقَال: لَك فِي نَفسك حقٌّ ومنزلة كَأَن زيدا كَانَ لَهُ إِذا رَجَعَ نَفسه من التَّوَجُّه والإدلال والتخصيص والاعتزاز فِي بني كوز ومرهوب مَا لَا يكَاد يجده فِي بني السَّيِّد. وَقَوله: إِن تسألوا الْحق إِلَخ قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: قَالَ الضَّبِّيّ: قَوْله محقبة أَي: تكون الدرْع فِي حقيبة الْبَعِير. وَكَذَلِكَ كَانَت الْعَرَب تفعل بالدروع إِذا هموا بِالْقِتَالِ اسْتخْرجُوا الدروع من الحقائب فَلَبِسُوهَا. وَقَوله: مقروب أَي: فِي قرَابه. يُقَال: قربت السَّيْف: أدخلته فِي قرَابه وَهُوَ غمده. يَقُول: إِن أردتم الصُّلْح أجبناكم وَالسِّلَاح مَسْتُور وَإِن أَبَيْتُم أظهرناه لكم. وَقَوله: وَإِن أَبَيْتُم إِلَخ الْأنف بِضَمَّتَيْنِ: جمع أنوف وَهُوَ الَّذِي بِهِ أنفةٌ ونخوة. والخسف: حمل الْإِنْسَان على مَا يكرههُ ثمَّ اسْتعْمل فِي معنى الذل. يُقَال: سمته الْخَسْف إِذا حَملته على الهوان. وأصل الْخَسْف أَن تبيت الدَّابَّة على غير علف. يَقُول: إِن اقتصرتم على أَخذ حقكم أعطيناكموه وَالْحَرب موضوعةٌ بَيْننَا وَبَيْنكُم وَإِن طلبتم أَكثر

стр. 4004

مِنْهُ أَبينَا أَن نعطيكم إِيَّاه. واستعار الطّعْم وَالشرب لتجرع الغصة وتوطين النَّفس على الْمَشَقَّة عِنْد إِزَالَة المذلة ورد الكريهة. قَالَ المرزوقي: لَا نطعم الْخَسْف وَإِن شربنا السم. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِي شَرحه: لَا نطعم: لَا نذوق. وطعمت الشَّيْء: ذقته وطعمته: أَكلته أَيْضا. وَالْمعْنَى وَإِن أَبَيْتُم الْحق فَإنَّا لَا نقر بالخسف أَي: الهوان ونؤثر عَلَيْهِ شرب السم كَمَا قَالَ: الطَّوِيل ويركب حد السَّيْف من أَن تضيمه وَقَالَ التبريزي: مَعْنَاهُ نَحن نأبى الذل وَإِن كَانَ غَيرنَا يقر بِمَا هُوَ أبلغ فِي الهوان. أَو يُرِيد: إِن السم مشروبٌ وَإِن احتجنا إِلَى شربه شربناه وَلم نقبل ضيماً لِأَن الْإِنْسَان يصبر على شرب السم وَيكون ذَلِك أيسر عَلَيْهِ من صبره على الضيم. وَقَوله: مشروب أَي: كل أحد يشربه وَلَا يُعْفَى مِنْهُ كَقَوْلِك: إِن الْحَوْض مورود يُرِيد بِهِ الْمَوْت أَيْضا. يَقُول: فعلام نحمل الضيم ومصيرنا إِلَى الْمَوْت ورده أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِيمَا كتبه عَلَيْهِ وَقَالَ: إِنَّمَا أَرَادَ: إِنَّا نَخُوض الْمَوْت ونحتمل الشدائد وَلَا ننزل تَحت الضيم.)

стр. 4005

قَالَ التبريزي بَعْدَمَا نقل هَذَا الْكَلَام: هَذِه الْأَقْوَال يقرب بَعْضهَا من بعض وَكلهَا ترجع إِلَى معنى وَاحِد وَلَيْسَ فِيهَا مَا يرد. وَقَوله: فازجر حِمَارك إِلَى آخِره هَكَذَا فِي جَمِيع الرِّوَايَات بِالْفَاءِ وَقد سَقَطت من رِوَايَة الشَّارِح الْمُحَقق تبعا لرِوَايَة سِيبَوَيْهٍ: ارْدُدْ حِمَارك فِي إِسْقَاط الْفَاء. ورتعت الْمَاشِيَة رتعاً من بَاب نفع ورتوعاً: رعت كَيفَ شَاءَت. وَالرَّوْضَة: الْموضع المعجب الزهور. قيل: سمي بذلك لاستراضه الْمِيَاه المسائلة إِلَيْهَا أَي: لسكونها بهَا. وأراض الْوَادي واستراض إِذا استنقع فِيهِ المَاء. كَذَا فِي الْمِصْبَاح. وروى سِيبَوَيْهٍ هَذَا المصراع: ارْدُدْ حِمَارك لَا تنْزع سويته وَالرَّدّ: الإرجاع. والنزع: السَّلب. قَالَ الأعلم. والسوية: شيءٌ يَجْعَل تَحت البرذعة للحمار وَكَذَا أوردهُ الْجَوْهَرِي وَقَالَ: السوية: كساءٌ محشوٌ بثمام وَنَحْوه كالبرذعة وَالْجمع سوايا. وَكَذَلِكَ الَّذِي يَجْعَل على ظهر الْإِبِل إِلَّا أَنه كالحلقة لأجل السنام وَتسَمى الحوية. وَالْحمار وَالْعير بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة هما الذّكر من الْحمير. وَكَانَ الظَّاهِر أَن يَقُول وَهُوَ مكروب لكنه أعَاد الْحمار باسمه الظَّاهِر المرادف لَهُ للضَّرُورَة. وَحسنه وُقُوعه فِي جملَة مُسْتَقلَّة.

стр. 4006

قَالَ المرزوقي قَوْله: ازجر حِمَارك: هَذَا مثلٌ وَالْمعْنَى انقبض عَن التَّعَرُّض لنا وَالدُّخُول فِي حريمنا ورعي سوامك بروضتنا فَإنَّك إِن لم تفعل ذَلِك ذممت عَاقِبَة أَمرك. وَجعل إرْسَال الْحمار فِي حماهم كِنَايَة عَن التحكك بهم والتعرض لمساءتهم وَلَا حمَار ثمَّ وَلَا روض. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: اكفف لسَانك. وَقَوله: إِذن قَالَ سِيبَوَيْهٍ: هُوَ جوابٌ وجزاءٌ فالابتداء الَّذِي هُوَ جَوَابه وجزاؤه مَحْذُوف مستدلٌ عَلَيْهِ مِمَّا فِي كَلَامه كَأَنَّهُ قَالَ: فَإِنَّهُ إِن رتع رَجَعَ إِلَيْك وَقد ضيق قَيده أَي ملىء قَيده فَتلا حَتَّى لَا يمشي إِلَّا بتعب. كَأَنَّهُ يضْرب أَو يسْتَعْمل حَتَّى يرم جِسْمه وَيُؤَدِّي الوجع مِنْهُ إِلَى مَوضِع حَافره فيضيق عَلَيْهِ الْقَيْد. اه. وَكَذَا قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي عَن الضَّبِّيّ: إِن المكروب الشَّديد الفتل يُقَال: قد كرب حبله إِذا شدّ فتله كَأَنَّهُ من قَوْلهم: فلَان مكروبٌ أَي: ممتلىءٌ غماً. وَكَذَلِكَ الْحَبل ممتلىءٌ فَتلا. وَالْمعْنَى: انته عَنَّا وازجر نَفسك عَن التَّعَرُّض لنا وَإِلَّا رددناك مضيقاً عَلَيْك مَمْنُوعًا من) إرادتك. اه. وَقَالَ التبريزي: يَقُول: اكفف شرك عَنَّا. وَجعل الْحمار كِنَايَة عَن الأذاة أَو عَن رجلٍ من أَصْحَاب هَذَا الْمُخَاطب يتَعَرَّض لَهُم بالمكاره. وَهَذَا نحوٌ من قَول النَّابِغَة: الطَّوِيل (سأمنع كَلْبِي أَن يريبك نبحه ... وَإِن كنت أرعى مسحلان فحامرا) وَالْعرب تكني بالحمار وَالْعير فِي أنحاء الْكَلَام فَيَقُولُونَ: قد

стр. 4007

حل حِمَاره أَو عيره بمَكَان كَذَا إِذا أَقَامَ فِيهِ وَتمكن. وَقَوله: وَقيد العير إِلَخ أَي: مدانى مضيق حَتَّى لَا يقدر على الخطو. اه. وَنقل النمري فِي شَرحه عَن الْبَاهِلِيّ صَاحب كتاب الْمعَانِي أَن المكروب من كربت الشَّيْء إِذا أحكمته فأوثقته. وَمعنى الْبَيْت إِنَّا نرد الْحمار مملوءاً قَيده فَتلا كَمَا يمتلىء الْإِنْسَان كرباً. وَحكى ثعلبٌ عَن ابْن الْأَعرَابِي فِي قَوْله: فازجر حِمَارك أَي: اكفف لسَانك. وَقَالَ يَعْقُوب: هَذَا مثل يَقُول: رد أَمرك وشرك عَنَّا وَلَا تعرض لنا فَإِن لَا تفعل يرجع عَلَيْك أَمرك مضيقاً. هَذَا كَلَامه. ورد عَلَيْهِ أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِيمَا كتبه عَلَيْهِ وَقَالَ: هَذَا مَوضِع الْمثل: عيٌّ ناطقٌ أعيا من عيٍّ سَأَلت أَبَا الندى ﵀ عَن مَعْنَاهُ فَقَالَ: قَوْله: ازجر حِمَارك يَعْنِي فرس زيد الفوارس واسْمه عرقوب فكنى عَنهُ بالحمار على سَبِيل التهكم والهزء. قَالَ: وَبعد الْبَيْت مَا يدلك على ذَلِك وَهُوَ: وَلَا يكونن كمجرى داحسٍ لكم ... ... . الْبَيْت قَالَ: وَقَوله: وَقيد العير مكروب أَي: إِنَّهُم يعقرونه. والعقر أضيق الْقُيُود. وَجعل الْقَعْقَاع بن عَطِيَّة الْبَاهِلِيّ الْعقر عقَالًا فَقَالَ: الطَّوِيل (فَخر وظيف القرم فِي نصف سَاقه ... وَذَاكَ عقالٌ لَا ينشط عاقله) انْتهى. وَقَوله: إِن يدع زيد بني ذهل إِلَخ قَالَ المرزوقي: يَقُول: إِن غضب بَنو ذهلٍ لزيد وامتعضوا من ضيمٍ يركبهَا فأغاثوها

стр. 4008

إِذا استجارت بهم غضبنا نَحن لزرعة وانتقمنا لَهُ مِمَّن يهتضمه إِن الْفضل مَعْدُود. وَالْمعْنَى: إِنَّه لَا فضل لكم علينا فقد عددنا مَا لكم وَلنَا فَلم نجد زِيَادَة لكم توجب لكم) التعلي والتغلب. وَإِذا كَانَ الْأَمر بَيْننَا على التَّسَاوِي فَلَا استبداد وَلَا احتكام. وروى: إِن القبص مَحْسُوب بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الْمُوَحدَة وَآخره صَاد مُهْملَة وَهُوَ الْعدَد الْكثير وَيكون الْكَلَام مثلا. وَيُقَال: إِنَّهُم لفي قبص الْعدَد وَفِي قبص الْحَصَا: فِي أَكثر مَا يُسْتَطَاع عدده من كثرته. وَالْمرَاد أَن الْأَعْدَاد الْكَثِيرَة تضبط وتحصر فَكيف مَا بَيْننَا من تقَارب أَو تفاضلٍ أَو تساوٍ وتعادل. وَقَوله: وَلَا يكونن كمجرى داحس إِلَخ قَالَ المرزوقي: كَانَ التَّنَازُع بَينهم فِي رهانٍ وَقع على عرقوب وَهُوَ فرسٌ لَهُم فَيَقُول: لَا يكونن جري عرقوبٍ عَلَيْكُم فِي الشؤم. كجري داحس فِي غطفان غَدَاة شعب الحيس. فَقَوله: عرقوب ارْتَفع على أَنه اسْم وَلَا يكونن وَقد حذف الْمُضَاف مِنْهُ أَي: لَا يكونن مجْرى عرقوب كمجرى داحس. وغداة ظرفٌ لمجرى. وَجعل النَّهْي فِي اللَّفْظ لعرقوب وَهُوَ فِي الْمَعْنى لَهُم. حذرهم اسْتِعْمَال اللجاج لَيْلًا يتَأَدَّى الْأَمر إِلَى مثل مَا تأدى فِي رهان داحسٍ والغبراء. وَمثل هَذَا فِي النَّهْي قَوْلهم: لَا أرينك هَا هُنَا. انْتهى. وَلم يذكر أحد قصَّة هَذِه الأبيات. وَعبد الله بن عنمة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالنُّون وَالْمِيم. والعنمة فِي اللُّغَة: وَاحِدَة العنم وَهِي قضبانٌ حمرٌ تنْبت فِي جَوف السمرَة تشبه بهَا البنان المخضوبة. وَقيل: هِيَ أَطْرَاف الخروب الشَّامي. وَيُقَال:

стр. 4009

هُوَ دودٌ أَحْمَر يكون فِي الرمل يشبه بِهِ. وَيُقَال: بل هُوَ شيءٌ ينْبت ملتفاً على الشّجر يَبْدُو أَخْضَر ثمَّ يحمر. وَعبد الله هَذَا شاعرٌ إسلاميٌّ مخضرم وَذكره ابْن حجر فِي الْقسم الأول فِي تَرْجَمَة عبد الله بن عنمة الْمُزنِيّ وَهُوَ صحابيٌ وَلم يفرد الضَّبِّيّ بترجمة فِي قسم المخضرمين من الْإِصَابَة. وَالظَّاهِر أَنه من المخضرمين. وَهَذِه عِبَارَته فِي تَرْجَمَة الْمُزنِيّ. وَفِي الشُّعَرَاء مِمَّن لَهُ إدراكٌ: عبد الله بن عنمة الضَّبِّيّ. قَالَ ابْن مَاكُولَا شهد الْقَادِسِيَّة. انْتهى. وَهُوَ من بني غيظ بن السَّيِّد بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة.) وَهَذَا نسبه من الجمهرة: عبد الله بن عنمة بن حرثان بن ثَعْلَبَة بن ذُؤَيْب ابْن السَّيِّد بن مَالك بن بكر بن سعد بن ضبة. وَأما زيد الفوارس الَّذِي ذكره أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فَهُوَ شاعرٌ فارسٌ جاهليٌّ من بني ضبة وَقد ذكرنَا تَرْجَمته فِي الشَّاهِد السَّابِع والثمانين

стр. 4010

بعد الْمِائَة. وَهُوَ ابْن حُصَيْن ابْن ضرار بن عَمْرو بن مَالك بن زيد بن كَعْب بن بجالة. إِلَى آخر النّسَب. (الشَّاهِد الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ بعد الستمائة) وَهُوَ من شَوَاهِد س: الطَّوِيل (لَئِن عَاد لي عبد الْعَزِيز بِمِثْلِهَا ... وأمكنني مِنْهَا إِذن لَا أقيلها) على أَن إِذن لَا تعْمل فِي الْمُضَارع الَّذِي يَقع جَوَابا للقسم الَّذِي قبلهَا كَمَا فِي الْبَيْت. ف إِذن مُهْملَة لعدم التصدر وَلَا أقيلها مرفوعٌ وَهُوَ جَوَاب الْقسم الْمَذْكُور فِي بَيت قبله وَهُوَ: (حَلَفت بِرَبّ الراقصات إِلَى منى ... يغول الفيافي نَصهَا وزميلها) وَاللَّام فِي لَئِن هِيَ اللَّام المؤذنة وَيُقَال لَهَا الموطئة لِأَنَّهَا آذَنت أَي: أعلمت ووطأت أَن الْجَواب للقسم الْمَذْكُور جَريا على المألوف الْمَشْهُور فِي اجْتِمَاع الشَّرْط وَالْقسم أَن يكون الْجَواب للسابق مِنْهُمَا وَجَوَاب الْمُؤخر محذوفٌ لسد الْمَذْكُور مسده. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَمن ذَلِك: وَالله إِذا لَا أفعل من قبل أَن أفعل مُعْتَمد على الْيَمين وَإِذن لَغْو. وَقَالَ كثير عزة: لَئِن عَاد لي عبد الْعَزِيز بِمِثْلِهَا ... ... ... ... وَالْبَيْت

стр. 4011

قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ إِلْغَاء إِذن وَرفع لَا أقيلها اعْتِمَادًا على الْقسم الْمُقدر فِي أول الْكَلَام. وَكَذَا صنع الشاطبي فِي شرح الألفية وَقَالَ: إِن جملَة لَا أقيلها جَوَاب الْقسم: قَالَ: مثله قَول الآخر: الطَّوِيل (لَئِن نائبات الدَّهْر يَوْمًا أدلن لي ... على أم عمروٍ دولةً لَا أقيلها) وَهَذَا الْبَيْت من الحماسة. قَالَ ابْن جني فِي إعرابها: رَفعه لَا أقيلها يدلك على أَنه مُعْتَمد للْيَمِين وَأَن اللَّام فِي لَئِن لَيست الْجَواب للقسم فِي الْبَيْت الَّذِي قبله. اه. وَلَا يَصح هُنَا جعل الْجُمْلَة جَوَابا للشّرط وَإِلَّا قيل لَا أقلهَا بِالْجَزْمِ فَإِن الْمُضَارع الْمَنْفِيّ بِلَا وَلم) يجْزم شرطا وجواباً وَلم يفْتَقر إِلَى الْفَاء. وَزعم ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي أَن جملَة لَا أقيلها جَوَاب إِن. قَالَ فِيهِ: وَالْأَكْثَر أَن تكون إِذن جَوَابا لإن أَو لَو ظاهرتين أَو مقدرتين. فَالْأول كَقَوْلِه: لَئِن عَاد لي عبد الْعَزِيز بِمِثْلِهَا ... ... ... الْبَيْت وَاعْترض عَلَيْهِ الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة بِأَنَّهُ مخالفٌ للقاعدة الْمَشْهُورَة وَهِي أَن الْقسم وَالشّرط مَتى اجْتمعَا فَالْجَوَاب للسابق مِنْهُمَا وَاللَّام مصاحبة لقسمٍ مَذْكُور فِي بيتٍ قبلهَا فَالْجَوَاب للقسم السَّابِق لَا للشّرط اللَّاحِق وَلِهَذَا لم يجْزم الْفِعْل. وَإِلَّا فَلَو كَانَ للشّرط لجزم. انْتهى.

стр. 4012

وَمَا ذكره من الْقَاعِدَة فِي اجْتِمَاعهمَا هُوَ مَا نظمه ابْن مَالك فِي الألفية وَقَالَ: (واحذف لَدَى اجْتِمَاع شرطٍ وَقسم ... جَوَاب مَا أخرت فَهُوَ مُلْتَزم) وَلم يذكر الشاطبي فِي شَرحه خلافًا فِي هَذَا. وَبِه تعلم سُقُوط قَول ابْن الملا فِي شرح الْمُغنِي: إِطْلَاق أَن إِذن جوابٌ مجَاز فَلَا يرد أَن رابط هَذَا الشَّرْط إِنَّمَا هُوَ الْفَاء أَو إِذا الفجائية ليقال: أَرَادَ بِكَوْنِهَا حرف جوابٍ أَنَّهَا تخْتَص بِهِ وَإِن لم تكن رابطةً لَهُ بِالشّرطِ. والاعتراض بِأَن مَا ذكره مخالفٌ للقاعدة فَالْجَوَاب أَن التَّمْثِيل هُنَا لَيْسَ على الْمَشْهُور بل على رَأْي ابْن مَالك كَمَا هُوَ مَذْهَب الْفراء من جعل الْجَواب للشّرط الْمُتَأَخر. هَذَا كَلَامه إِن كَانَ لَهُ. وَقد عرفت أَن الْجَواب لَو كَانَ للشّرط لجزم وَلم يحْتَج للفاء أَو إِذا. وَأغْرب من هَذَا قَول الْعَيْنِيّ: لَا أقيلها: فِي مَوضِع جزم على جَوَاب الشَّرْط وعملت إِن فِي الْموضع دون اللَّفْظ. والاستشهاد فِي إِذن حَيْثُ ألغيت لوقوعها بَين الْقسم وَالْجَوَاب وهما: حَلَفت وَلَا أقيلها. تَتِمَّة قَالَ أَبُو عَليّ فِي الْمسَائِل البغدادية: ذكر سِيبَوَيْهٍ لَئِن أتيتني لَأَفْعَلَنَّ وَمَا أشبهه نَحْو قَوْله تَعَالَى: وَلَئِن جئتهم بِآيَة ليَقُولن الَّذين كفرُوا فَزعم أَن الَّذِي يعْتَمد عَلَيْهِ الْيَمين اللَّام الثَّانِيَة فاعتل أَبُو إِسْحَاق لذَلِك فِي كِتَابه فِي الْقُرْآن عِنْد قَوْله تَعَالَى:

стр. 4013

وَلَقَد علمُوا لمن اشْتَرَاهُ بِأَن قَالَ: إِن اللَّام) الثَّانِيَة هِيَ لَام الْقسم فِي الْحَقِيقَة لِأَنَّك إِنَّمَا حَلَفت على فعلك لَا على فعل غَيْرك فِي قَوْلك: وَالله لَئِن جئتني لأكرمنك. وَهَذَا الَّذِي اعتل بِهِ فاسدٌ جدا ضَعِيف وَذَلِكَ أَنه لَو قَالَ: وَالله لَئِن جئتني ليقومن عَمْرو لَكَانَ الَّذِي يعْتَمد عَلَيْهِ الْقسم اللَّام الثَّانِيَة مَعَ أَن الْحَالِف لم يحلف على فعل نَفسه وَإِنَّمَا حلف على فعل غَيره. فَهَذَا عِنْدِي بَين الْفساد. وَلَكِن مِمَّا يدل على أَن الِاعْتِمَاد على اللَّام الثَّانِيَة أَو مَا يقوم مقَامهَا مِمَّا يتلَقَّى بِهِ الْقسم قَول كثير: لَئِن عَاد لي عبد الْعَزِيز بِمِثْلِهَا ... ... ... الْبَيْت فَلَو كَانَ الِاعْتِمَاد على اللَّام فِي لَئِن دون لَا أقيلها لوَجَبَ أَن ينجزم الْفِعْل بعد لَا فِي الْجَزَاء فَلَمَّا ارْتَفع الْفِعْل الَّذِي هُوَ لَا أقيلها علمت أَن مُعْتَمد الْيَمين إِنَّمَا هُوَ على اللَّام الثَّانِيَة أَو مَا أشبه اللَّام. فَمن هُنَا تعلم أَن الِاعْتِمَاد على الثَّانِيَة لَا من حَيْثُ ذكر. اه. (وَإِن ابْن ليلى فَاه لي بمقالةٍ ... وَلَو سرت فِيهَا كنت مِمَّن ينيلها) (عجبت لتركي خطة الرشد بَعْدَمَا ... بدا لي من عبد الْعَزِيز قبُولهَا) (وَأمي صعبات الْأُمُور أروضها ... وَقد أمكنتني يَوْم ذل ذلولها) (حَلَفت بِرَبّ الراقصات إِلَى منى ... يغول الْبِلَاد نَصهَا وزميلها) لَئِن عَاد لي عبد الْعَزِيز ... ... . الْبَيْت (فَهَل أَنْت إِن رَاجَعتك القَوْل مرّة ... بِأَحْسَن مِنْهَا عائدٌ فمقيلها)

стр. 4014

. قَالَ ابْن هِشَام اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل: ذكر أهل الْأَخْبَار أَن كثيرا لما دخل على عبد الْعَزِيز فأنشده قصيدته الَّتِي ألحق فِيهَا الْبَيْت المستشهد بِهِ مَعَ الأبيات الْمُتَقَدّمَة أعجب بقوله فِيهَا: الطَّوِيل (إِذا ابتدر النَّاس المكارم بذهم ... عراضة أَخْلَاق ابْن ليلى وطولها) فَقَالَ: حكمك يَا أَبَا صَخْر. قَالَ: فَإِنِّي أحكم أَن أكون مَكَان ابْن رمانة. وَكَانَ ابْن رمانة كَاتب عبد الْعَزِيز وَصَاحب أمره. فَقَالَ لَهُ عبد الْعَزِيز: ترحاً لَك مَا أردْت وَيلك وَلَا علم لَك بخراجٍ وَلَا كِتَابَة اخْرُج عني فَخرج كثير نَادِما على مَا حكم ثمَّ لم يزل يتلطف حَتَّى دخل عَلَيْهِ فأنشده: فَلَمَّا أَتَى إِلَى قَوْله:) فَهَل أَنْت إِن رَاجَعتك القَوْل مرّة ... ... ... ... الْبَيْت قَالَ لَهُ عبد الْعَزِيز: أما الْآن فَلَا وَلَكِن قد أمرنَا لَك بِعشْرين ألف دِرْهَم. فَقَوله فِي الْبَيْت: لَئِن عَاد لي عبد الْعَزِيز بِمِثْلِهَا أَي: بمقالةٍ مثلهَا وَهِي قَول عبد الْعَزِيز لَهُ: حكمك. وَقَوله: إِذن لَا أقيلها أَي: أطلب مِنْهُ مَا لَا اعْتِرَاض عَليّ فِيهِ وَلَا قدح. هَكَذَا فسره الْعلمَاء وَهُوَ الصَّحِيح. وَمَا قَالَه ابْن سَيّده أَن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان كَانَ أعطَاهُ جَارِيَة فَأبى كثير من قبُولهَا ثمَّ نَدم بعد ذَلِك فَيَقُول: لَئِن عَاد لي بِجَارِيَة مثلهَا مرّة أُخْرَى لَا أقيلها غلط. وَهُوَ قياسٌ مِنْهُ وَالصَّحِيح مَا تقدم. اه.

стр. 4015

وَمِمَّنْ حكى هَذَا ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل قَالَ: وَقيل بل عرض عَلَيْهِ أَن يهب لَهُ جَارِيَة وَيتْرك التغزل بعزة فَأبى من ذَلِك ثمَّ نَدم على مَا فعل فَقَالَ هَذَا الشّعْر. اه. وَلم يذكر الجاحظ فِي الْبَيَان والتبيين إِلَّا الْوَجْه الأول قَالَ فِيهِ: وَمن الحمقى كثير عزة. وَمن حمقه أَنه دخل على عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان فمدحه بمديحٍ استجاده فَقَالَ لَهُ: سلني حوائجك. قَالَ: تجعلني فِي مَكَان ابْن رمانة. قَالَ: وَيلك ذَاك رجلٌ كَاتب وَأَنت شَاعِر فَلَمَّا خرج وَلم ينل عجبت لتركي خطة الرشد ... ... ... . الأبيات الْمُتَقَدّمَة وَقَوله: وَإِن ابْن ليلى فَاه لي بمقالة إِلَخ قَالَ السيرافي: أَرَادَ بِمثل الْمقَالة الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الْبَيْت. وَالْمعْنَى مِمَّن ينيلهوها. والعائد إِلَى من هُوَ ضمير الْمَذْكُور الْمَنْصُوب الْمَحْذُوف وَضمير الْمُؤَنَّث للمقالة. وَفِي ينيلها ضمير فَاعل لِابْنِ ليلى وَالْمعْنَى ينيله ابْن ليلى إِيَّاهَا أَي: لَو سرت فِي طلبَهَا. وَقَالَ الأندلسي: فَإِن قلت: كَيفَ ينيله الْمقَالة قلت: يُرِيد الْمقَالة فِيهِ. قَالَ ابْن المستوفي: وَهَذَا قولٌ غير مُشكل لِأَن عبد الْعَزِيز حكمه وَلَا نيل أوفى من أَن يحكم المسؤول سائله أَي: لَو طلبتها من عبد الْعَزِيز لعاد لي بِمِثْلِهَا محكما فَكنت مِمَّن ينيله عبد الْعَزِيز إِيَّاهَا على مَا ذكره السيرافي.

стр. 4016

وَقَوله: وَلَو سرت فِيهَا أَي: لَو رحلت لأَجلهَا أَي: لطلبها. وَقَوله: عجبت لتركي إِلَخ الخطة بِالضَّمِّ: الْأَمر والقصة. وَأَرَادَ بخطة الرشد تحكيم عبد الْعَزِيز إِيَّاه فِيمَا يطْلب.) وفسرها الْعَيْنِيّ وَتَبعهُ السُّيُوطِيّ بخصلة الْهِدَايَة. وَهَذَا مَعْنَاهَا اللّغَوِيّ وَلم يذكر المُرَاد مِنْهَا. وَعبد الْعَزِيز هُوَ عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان بن الحكم وَالِد عمر بن عبد الْعَزِيز أَمِير مصر وَولي الْعَهْد بعد أَخِيه عبد الْملك من أَبِيهِمَا مَرْوَان. وَقَول الدماميني: هُوَ أحد الْخُلَفَاء الأمويين يَنْبَغِي حمله على ولَايَة الْعَهْد وَإِلَّا فَهُوَ لم يل الْخلَافَة أصلا. لَكِن يبْقى عَلَيْهِ أَن الصَّحِيح أَن خلَافَة مَرْوَان غير صَحِيحَة وَأَنه خارجٌ على ابْن الزبير باغٍ عَلَيْهِ فَلَا يَصح عَهده إِلَى ولديه. وَلما ملك مَرْوَان الشَّام سَار إِلَى مصر وَغلب عَلَيْهَا واستخلف عَلَيْهَا وَلَده عبد الْعَزِيز فَبَقيَ أميرها إِلَى أَن مَاتَ سنة خمس وَثَمَانِينَ عِنْد الْأَكْثَر. حُكيَ عَنهُ أَنه رجلا دخل عَلَيْهِ يشكو صهراً لَهُ فَقَالَ: إِن ختني فعل بِي كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ لَهُ: وَمن خنتك وَفتح النُّون. فَقَالَ: ختنني الْخِتَان الَّذِي يختن النَّاس. فَقَالَ عبد الْعَزِيز لكَاتبه: مَا هَذَا الْجَواب فَقَالَ: إِن الرجل يعرف النَّحْو وَكَانَ يَنْبَغِي أَن تَقول: من ختنك بِضَم النُّون. فَقَالَ: وَالله لَا شاهدت النَّاس حَتَّى أعرف النَّحْو وَأقَام فِي بَيته جُمُعَة لَا يظْهر وَمَعَهُ من يُعلمهُ الْعَرَبيَّة ثمَّ صلى بِالنَّاسِ الْجُمُعَة الْأُخْرَى وَهُوَ من أفْصح النَّاس.

стр. 4017

وَقَوله: وَأمي صعبات إِلَخ الْأُم بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد الْمِيم: الْقَصْد مصدرٌ مُضَاف إِلَى فَاعله ومفعوله الصعبات بِسُكُون الْعين. وأروضها: أذللها. والذلول بِالْفَتْح: السهل المنقاد. وَقَوله: حَلَفت بِرَبّ الراقصات إِلَخ قَالَ ابْن السيرافي: الرقص. ضرب من الخبب فِي الْعَدو. وَحلف بِرَبّ الْإِبِل الَّتِي يسَار عَلَيْهَا إِلَى الْحَج. وتغول الْبِلَاد: تقطعها. وَالنَّص والذميل: ضَرْبَان من الْعَدو. وَقَوله: لَئِن عَاد لي عبد الْعَزِيز الضَّمِير فِي قَوْله بِمِثْلِهَا راجعٌ لمقالة عبد الْعَزِيز وَهِي: حكمك أَو سلني حوائجك. وَيجوز أَن يرجع لخطة الرشد الَّتِي هِيَ عبارةٌ عَن مقَالَة عبد الْعَزِيز. وَلم يذكر غَيره الْعَيْنِيّ. وَيُؤَيِّدهُ قَول الزَّمَخْشَرِيّ: مِنْهَا أَي من الخطة. لَا أقيلها أَي: العثرة. اه. والعثرة غير مَذْكُورَة فِي الْكَلَام وَإِنَّمَا أعَاد الضَّمِير عَلَيْهَا لفهمها من الْمقَام. وَالْإِقَالَة: الرَّد. وَفِي الدُّعَاء يُقَال: لَا أقَال الله عثرته قَالَ ابْن المستوفي وَبَعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات الْمفصل: ويروى: لَا أفيلها بِالْفَاءِ أَي: لَا) أفيل رَأْيه فِيهَا أَو فِي التَّأَخُّر عَنهُ والتثبط عَن تَنْجِيز مَا وَعَدَني بِهِ. يُقَال: فال يفيل فيلولة إِذا ترك الرَّأْي الْجيد وَفعل مَا لَا يَنْبَغِي للعقلاء أَن يفعلوه. فالفيلولة: ضعف الرَّأْي. وَهَذِه الرِّوَايَة هِيَ الْمُنَاسبَة. وَالله أعلم. وترجمة كثير عزة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالسبْعين بعد الثلثمائة.

стр. 4018

وَأنْشد بعده وَهُوَ من شَوَاهِد الْمفصل: الطَّوِيل (فَقَالَت: أكل النَّاس أَصبَحت مانحاً ... لسَانك كَيْمَا أَن تغر وتخدعا) على أَن كي عِنْد الْأَخْفَش حرف جر دَائِما وَنصب الْفِعْل بعْدهَا بِأَن مضمرة وَقد تظهر كَمَا فِي الْبَيْت. نقل ابْن المستوفي عَن صَاحب الْمفصل أَنه قَالَ فِي الْحَوَاشِي: لما دخل عَلَيْهَا حرف الْجَرّ تعيّنت أَنَّهَا حرفٌ ناصب للْفِعْل. فَإِذا جَاءَت كي وَمَعَهَا أَن كَانَ شاذاً للْجمع بَين المنوب والنائب كالجمع بَين الْعِوَض والمعوض عَنهُ. اه. وَهَذَا عِنْد ابْن عُصْفُور ضَرُورَة قَالَ فِي كتاب الضرائر: وَمِنْهَا زِيَادَة أَن كَقَوْلِك: الطَّوِيل أردْت لكيما أَن تطير بقربتي أَن فِيهِ زَائِدَة غير عاملة لِأَن لكيما تنصب الْفِعْل بِنَفسِهَا وَلَا يجوز إِدْخَال ناصب على ناصب. وَأما قَول حسان: الطَّوِيل فَقَالَت أكل النَّاس أَصبَحت مانحاً ... ... ... . . الْبَيْت فَأن فِيهِ ناصبة لَا زَائِدَة أظهرت للضَّرُورَة لِأَن كَيْمَا إِذا لم تدخل عَلَيْهَا اللَّام كَانَ الْفِعْل بعْدهَا

стр. 4019

وَمثله لِابْنِ هِشَام قَالَ فِي الْمُغنِي: وَلَا تظهر أَن بعد كي بِلَا لَام إِلَّا فِي الضَّرُورَة. وَأنْشد الْبَيْت ثمَّ قَالَ: وَعَن الْأَخْفَش أَن كي جارةٌ دَائِما وَأَن النصب بعْدهَا بِأَن ظَاهِرَة أَو مضمرة. وَيَردهُ نَحْو: لكيلا تأسوا. فَإِن زعم أَن كي تأكيدٌ للام كَقَوْلِه: الوافر وَلَا للما بهم أبدا دَوَاء رد بِأَن الفصيح الْمَقِيس لَا يخرج على الشاذ. اه. وَقَالَ ابْن يعِيش: ويروى:) لسَانك هَذَا كي تغر وتخدعا وَقَالَ السُّيُوطِيّ: رَأَيْته فِي ديوَان جميل كَمَا قَالَ ابْن يعِيش فَلَا شَاهد وَلَا ضَرُورَة. وَكَذَا قَالَ ابْن المستوفي: هَكَذَا هُوَ فِي شعره وَلَعَلَّ مَا أوردهُ الزَّمَخْشَرِيّ روايةٌ أُخْرَى. وَالْمعْنَى أَنَّهَا قَالَت لَهُ: أهكذا منحت لسَانك هَذَا لتغرهم كَمَا تغرني وتخدعهم كَمَا تخدعني. وَالصَّحِيح أَن الْبَيْت من قصيدة لجميل العذري صَاحب بثينة لَا لحسان بن ثَابت. وَهَذَا مطلع القصيدة: الطَّوِيل (عرفت مصيف الْحَيّ والمتربعا ... كَمَا خطت الْكَفّ الْكتاب المرجعا) (معارف أطلالٍ لبثنة أَصبَحت ... معارفها قفراً من الْحَيّ بلقعا) (فَقَالَت: أفق مَا عندنَا لَك حاجةٌ ... وَقد كنت عَنَّا ذَا عزاءٍ مشيعا) ...

стр. 4020

(فَقلت لَهَا: لَو كنت أَعْطَيْت عَنْكُم ... عزاءً لأقللت الْغَدَاة التضرعا) (فَقَالَت: أكل النَّاس أَصبَحت مانحاً ... لسَانك هَذَا كي تغر وتخدعا) المصيف مَوضِع الْإِقَامَة فِي الصَّيف. والمتربع: مَوضِع الْإِقَامَة فِي الرّبيع. وَقَوله: كَمَا خطت إِلَخ حَال مِنْهُمَا. أَرَادَ أَن الْآثَار قد انمحت كالخط الْقَدِيم الَّذِي قد رُوجِعَ للْقِرَاءَة فِيهِ مراتٍ كَثِيرَة. والمعارف: الْأَمَاكِن الْمَعْرُوفَة. والبلقع: الْخَالِي من الأنيس. والخود بِالْفَتْح: الْجَارِيَة الناعمة وَالْجمع خود بِالضَّمِّ. وأجملي: أمرٌ من الْإِجْمَال وَهُوَ الْمُعَامَلَة بالجميل. وأصفيت مَجْهُول أصفيته الود أَي: أخلصته لَهُ. والعزاء: الصَّبْر. والمشيع بِفَتْح الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة الْمُشَدّدَة. يُقَال: قلبٌ مشيع أَي: مشجع أَي: ذُو شيعَة وهم الْأَنْصَار والأتباع. وَقَوله: فَقَالَت أكل النَّاس إِلَخ الْهمزَة للاستفهام التقريري وكل: مفعول ثَان لمانحاً وَفِيه تَقْدِيم مفعول مَعْمُول أصبح عَلَيْهِ لِأَن مانحاً خبر أصبح. والمنح: الْإِعْطَاء يتَعَدَّى لمفعولين. يُقَال: منحه كَذَا بِفَتْح النُّون فِي الْمَاضِي وتفتح وتكسر فِي الْمُسْتَقْبل. وَلِسَانك: مَفْعُوله الأول. ومنح اللِّسَان عبارةٌ عَن التلطف والتودد وغره: خدعه. وَقَالَ بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات الْمفصل: وروى: ماتحاً بِالْمُثَنَّاةِ من فَوق من متح المَاء من الْبِئْر إِذا استقى مِنْهَا. وَجعله هُنَا بِمَعْنى سقى فعداه إِلَى

стр. 4021

مفعولين. وَيُصْبِح أَن يكون لسَانك مَنْصُوبًا بِنَزْع الْخَافِض أَي: بلسانك. هَذَا كَلَامه. وَمَا فِي كَيْمَا زَائِدَة. وَزعم الْعَيْنِيّ أَنَّهَا مَصْدَرِيَّة أَو كَافَّة. وَلَا وَجه لَهما. فَتَأمل.) وغرته الدُّنْيَا غرُورًا من بَاب قعد: خدعته بزينتها. فمفعوله مَحْذُوف أَي: تغرهم. وَكَذَا مَا بعده. وخدعه: مكر بِهِ بِفَتْح الدَّال فِي الْمَاضِي والمستقبل وَالْألف للإطلاق. وترجمة جميل العذري تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالسِّتِّينَ من أَوَائِل الْكتاب. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الثَّالِث وَالْخَمْسُونَ بعد الستمائة) الطَّوِيل (أردْت لكيما أَن تطير بقربتي ... فتتركها شناً ببيداء بلقع) لما تقدم قبله. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف: ذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنه يجوز إِظْهَار أَن بعد كي توكيداً لكَي. وَذهب بَعضهم إِلَى أَن الْعَامِل فِي جِئْت لكَي أَن أكرمك اللَّام وكي وَأَن توكيدان لَهَا. وَقَالُوا: يدل على جَوَاز إظهارها النَّقْل كَقَوْلِه: أردْت لكيما أَن تطير بقربتي وَالْقِيَاس على تَأْكِيد بعض الْكَلِمَات لبَعض فقد قَالُوا: لَا مَا إِن رَأَيْت مثل زيد. فَجمعُوا بَين ثَلَاثَة من أحرف الْجحْد الْمُبَالغَة.

стр. 4022

وَقَالَ البصريون: لَا يَخْلُو إِظْهَار أَن بعد كي إِمَّا لِأَنَّهَا كَانَت مقدرَة فظهرت وَإِمَّا لِأَنَّهَا زَائِدَة. وَالْأول بَاطِل لِأَن كي عاملةٌ بِنَفسِهَا وَلَو كَانَت تعْمل بِتَقْدِير أَن لَكَانَ يَنْبَغِي إِذا ظَهرت أَن يكون الْعَمَل لِأَن فَلَمَّا أضيف الْعَمَل إِلَى كي دلّ على أَنَّهَا الْعَامِل. وَكَذَا الثَّانِي بَاطِل لِأَن زيادتها ابْتِدَاء لَيْسَ بمقيس فَوَجَبَ أَن لَا يجوز إِظْهَار أَن بِحَال. وَمِنْهُم من قَالَ: إِنَّمَا لم يجز إِظْهَار أَن بعد كي وَحَتَّى لِأَنَّهُمَا صارتا بَدَلا من اللَّفْظ بِأَن كَمَا صَارَت مَا بَدَلا عَن الْفِعْل فِي قَوْلهم: أما أَنْت مُنْطَلقًا انْطَلَقت مَعَك وَالتَّقْدِير: أَن كنت مُنْطَلقًا فَحذف الْفِعْل وَجعل مَا عوضا عَنهُ. وَأما قَوْله: أردْت لكيما أَن تطير بقربتي فَلَا حجَّة فِيهِ لِأَن قَائِله مَجْهُول. وَإِن علم فإظهار أَن بعد كي لضَرُورَة الشّعْر أَو لِأَن أَن بدلٌ) من كي لِأَنَّهُمَا بِمَعْنى وَاحِد. اه. والجيد هُوَ الْجَواب الثَّانِي. وَأما الأول وَالثَّالِث ففاسدان. والذاهب إِلَى أَن الْعَامِل اللَّام وكي وَأَن مؤكدان لَهَا هُوَ الْفراء قَالَ فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: يُرِيد الله ليبين لكم: مثله فِي مَوضِع آخر: وَالله يُرِيد أَن يَتُوب عَلَيْكُم. وَالْعرب تجْعَل اللَّام الَّتِي على معنى كي فِي مَوضِع أَن فِي أردْت وَأمرت فَتَقول: أردْت أَن تذْهب وَأَرَدْت لتذهب وأمرتك أَن تقوم وأمرتك لتقوم. قَالَ تَعَالَى: وأمرنا لنسلم لرب الْعَالمين وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: قل إِنِّي أمرت أَن

стр. 4023

أكون أول من أسلم. وَقَالَ: يُرِيدُونَ ليطفئوا وأَن يطفئوا. وَإِنَّمَا صلحت اللَّام فِي مَوضِع أَن فِي أمرت وَأَرَدْت لِأَنَّهُمَا يطلبان الْمُسْتَقْبل وَلَا يصلحان مَعَ الْمَاضِي. أَلا ترى أَنَّك تَقول: أَمرتك أَن تقوم وَلَا يصلح أَمرتك أَن أَقمت وَكَذَلِكَ أردْت. فَلَمَّا رَأَوْا أَن فِي غير هذَيْن تكون للماضي وللمستقبل استوثقوا لِمَعْنى الِاسْتِقْبَال بكي وباللام الَّتِي فِي معنى كي. وَرُبمَا جمعُوا بَينهمَا وَرُبمَا جمعُوا بَين ثلاثهن. أَنْشدني أَبُو ثروان: الطَّوِيل فَجمع بَين اللَّام وكي وَأَن. وَقَالَ تَعَالَى: لكيلا تأسوا. وَقَالَ الآخر فِي الْجمع بَينهُنَّ: أردْت لكيما أَن تطير بقربتي ... ... ... . . الْبَيْت وَإِنَّمَا جمع بَينهُنَّ لاتفاقهن فِي الْمَعْنى وَاخْتِلَاف لفظهن. قَالَ رؤبة: الرجز بِغَيْر لَا عصفٍ وَلَا اصطراف وَرُبمَا جمعُوا بَين مَا وَلَا وَإِن الَّتِي على معنى الْجحْد أَنْشدني الْكسَائي فِي بعض الْبيُوت: لَا مَا إِن رَأَيْت مثلك

стр. 4024

فَجمع بَين ثَلَاثَة أحرف. وَرُبمَا جعلت الْعَرَب اللَّام مَكَان أَن فِيمَا أشبه أردْت وَأمرت مِمَّا يطْلب الْمُسْتَقْبل. أَنْشدني أَبُو الْجراح الأنفي من بني أنف النَّاقة من بني سعد: الطَّوِيل (ألم تسْأَل الأنفي يَوْم يسوقني ... وَيَزْعُم أَنِّي مُبْطل القَوْل كاذبه) (أحاول إعناتي بِمَا قَالَ أم رجا ... ليضحك مني أَو ليضحك صَاحبه) وَالْكَلَام: رجا أَن يضْحك. وَلَا يجوز ظَنَنْت لتقوم وَذَلِكَ أَن أَن الَّتِي تدخل مَعَ الظَّن تكون مَعَ الْمَاضِي نَحْو: أَظن أَن قد قَامَ زيد فَلم تجْعَل اللَّام فِي موضعهَا وَلَا كي إِذْ لم تطلب الْمُسْتَقْبل) وَحده. وَكلما رَأَيْت أَن تصلح مَعَ الْمُسْتَقْبل والماضي فَلَا تدخلن كي وَلَا اللَّام. هَذَا كَلَام الْفراء. وَظهر مِنْهُ أَن أَن لَا تكون إِلَّا مَعَ كي المسبوقة بِاللَّامِ مَعَ تقدم أحد الْفِعْلَيْنِ من أَمر وَأَرَادَ وَمَا أشبههما وَأَن لَام كي لَا تكون إِلَّا مسبوقة بِأحد هذَيْن الْفِعْلَيْنِ. وَقَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: كي تكون بِمَنْزِلَة أَن المصدرية معنى وَعَملا نَحْو: لكيلا تأسوا يُؤَيّدهُ صِحَة حُلُول أَن محلهَا وَأَنَّهَا لَو كَانَت حرف تَعْلِيل لم يدْخل عَلَيْهَا حرف تَعْلِيل. وَمن ذَلِك: جئْتُك كي تكرمني إِذا قدرت اللَّام قبلهَا فَإِن لم تقدر فَهِيَ تعليلية جَارة وَيجب حِينَئِذٍ إِضْمَار أَن. وَمثله فِي الِاحْتِمَالَيْنِ قَوْله: أردْت لكيما أَن تطير بقربتي

стр. 4025

فكي إِمَّا تعليلة مُؤَكدَة للام أَو مَصْدَرِيَّة مُؤَكدَة بِأَن وَلَا تظهر أَن بعد كي إِلَّا فِي الضَّرُورَة كَقَوْلِه: كَيْمَا أَن تغر وتخدعا وَقَوله: أردْت لكيما إِلَخ مَا: صلَة وزائدة. والطيران هُنَا مستعارٌ للذهاب السَّرِيع. والقربة: بِكَسْر الْقَاف مَعْرُوفَة. وتتركها: مَنْصُوب بالْعَطْف على تطير. وَالتّرْك يسْتَعْمل بِمَعْنى التَّخْلِيَة وَيَتَعَدَّى لمفعول وَاحِد وَبِمَعْنى التصيير وَيَتَعَدَّى لمفعولين وَهنا محتملٌ لكلٍّ مِنْهُمَا. فشناً على الأول حَال من الْهَاء وببيداء: عَلَيْهِمَا مُتَعَلق بِالتّرْكِ أَو هُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي وشناً: حَال. وبلقع: بِالْجَرِّ صفة بيداء. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: شناً حَال بِتَأْوِيل متشننة من التشنن وَهُوَ اليبس فِي الْجلد. وَالْبَاء فِي ببيداء تتَعَلَّق بِمَحْذُوف تَقْدِيره شناً كائنةً ببيداء. هَذَا كَلَامه. والشن بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَتَشْديد النُّون: الْقرْبَة الْخلق. والبيداء: الفلاة الَّتِي يبيد من يدخلهَا أَي: يهْلك. والبلقع: القفر. وَهَذَا الْبَيْت قَلما خلا مِنْهُ كتابٌ نحوي وَلم يعرف قَائِله. وَالله أعلم. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الرَّابِع وَالْخَمْسُونَ بعد الستمائة) المديد (كي لتقضيني رقية مَا ... وَعَدتنِي ... ... ... ... . الْبَيْت)

стр. 4026

على أَن الْأَخْفَش يعْتَذر لتقدم اللَّام على كي فِي لكيما وتأخرها عَنْهَا فِي كي لتقضيني أَن الْمُتَأَخر بدلٌ من الْمُتَقَدّم. وَهَذَا يرد على الْكُوفِيّين فِي زعمهم أَن كي ناصبة دَائِما لِأَن لَام الْجَرّ لَا تفصل بَين الْفِعْل وَقَالَ الدماميني: هَذَا الرَّد على الْكُوفِيّين ظَاهر. أما إِذا جعل النصب بِأَن مضمرة كَمَا يُقَال البصريون وكي جارةٌ تعليلية أكدت بمرادفها وَهِي اللَّام انْتَفَى هَذَا الْمَحْذُور. نعم يلْزم الشذوذ من جِهَة هَذَا التَّأْكِيد وَلكنه سمع فِي كَلَامه بل هُوَ أَحَق من نَحْو قَوْله: وَلَا للما بهم أبدا دَوَاء لاخْتِلَاف الحرفين لفظا. هَذَا كَلَامه. وَهُوَ خلاف مَا فِي التَّذْكِرَة لأبي عَليّ قَالَ فِيهَا: كي هُنَا بِمَعْنى أَن وَلَا تكون الجارة لِأَن حرف الْجَرّ لَا يتَعَلَّق. وَإِذا كَانَت الْأُخْرَى كَانَت زَائِدَة كَالَّتِي فِي قَوْله: الطَّوِيل كَأَن ظبيةٍ تعطو إِلَى وارق السّلم وَقَالَ النيلي فِي شرح الكافية: وَيحْتَمل أَن يكون أَرَادَ: لكَي تقضيني فَقدم وَأخر. وَالْبَيْت من أبياتٍ لِابْنِ قيس الرقيات مَحْذُوف الآخر. وَقَبله: ...

стр. 4027

(لَيْتَني ألْقى رقية فِي ... خلوةٍ من غير مَا أنس) (كي لتقضيني رقية مَا ... وَعَدتنِي غير مختلس) ورقية: اسْم محبوبته. والأنس بِفتْحَتَيْنِ بِمَعْنى الْإِنْس بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون النُّون. وَمَا: وَقَوله: لتقضيني عِلّة لقَوْله ألْقى. وَالْقَضَاء: الْأَدَاء يُقَال: قضيت الْحَج وَالدّين أَي: أديتهما. فَهُوَ متعدٍّ لمفعول وَاحِد. فَمَا فِي الْبَيْت بدل اشْتِمَال من الْيَاء. وَكَون مَا مَوْصُوفَة أحسن من كَونهَا مَوْصُولَة. فَتَأمل. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: مفعول ثانٍ لتقضيني وَهِي يجوز أَن تكون مَوْصُولَة والعائد مَحْذُوف أَي: وَعَدتنِي إِيَّاه. وَيجوز أَن تكون مَصْدَرِيَّة أَي: لتقضيني وعدها لي. اه.) وَهُوَ فِي هَذَا محتاجٌ إِلَى أَن يثبت قضى مُتَعَدِّيا إِلَى مفعولين وَلَا سَبِيل إِلَيْهِ إِلَّا بتضمين وَهُوَ غير مقيس. والمختلس بِفَتْح اللَّام: مصدر ميمي يُقَال: خلست الشَّيْء خلساً من بَاب ضرب واختلسته اختلاساً أَي: اختطفته بِسُرْعَة على غَفلَة. وَغير: مفعول مُطلق أَي: لتقضيني قَضَاء غير اختلاس. وَالْمرَاد: لأنال من وَصلهَا فِي أمنٍ من الرقباء.

стр. 4028

وَقد تقدّمت تَرْجَمَة ابْن قيس الرقيات فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ بعد الْخَمْسمِائَةِ. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الْخَامِس وَالْخَمْسُونَ بعد الستمائة) فثم إِذا أَصبَحت أَصبَحت غاديا على أَن الْحَرْف قد يُبدل من مثله الْمُوَافق لَهُ فِي الْمَعْنى كَمَا فِي الْبَيْت فَإِن ثمَّ بدلٌ من الْفَاء. وَذهب ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة وَتَبعهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي إِلَى أَن الْفَاء زَائِدَة. قَالَ: لِأَن الْفَاء قد عهد زيادتها. وَكَذَا فِي كتاب الضرائر لِابْنِ عُصْفُور قَالَ: وَمن زِيَادَة الْفَاء قَوْله: الطَّوِيل (يَمُوت أناسٌ أَو يشيب فتاهم ... وَيحدث ناسٌ وَالصَّغِير فيكبر) يُرِيد: وَالصَّغِير يكبر. وَقَول أبي كَبِير: الْكَامِل (فَرَأَيْت مَا فِيهِ فثم رزئته ... فَلَبثت بعْدك غير راضٍ معمري) يُرِيد: ثمَّ رزئته. وَقَول الْأسود بن يعفر: الْكَامِل (فلنهشلٌ قومِي ولي فِي نهشلٍ ... نسبٌ لعمر أَبِيك غير غلاب)

стр. 4029

زد الْفَاء فِي أول الْكَلَام لِأَن الْبَيْت أول القصيدة. اه. وَقَالَ النيلي فِي شرح الكافية: الَّذِي أرَاهُ أَن الْفَاء للتَّرْتِيب الْمُتَّصِل فِي الحكم وَكَأن الشَّاعِر وَنقل السُّيُوطِيّ فِي شرح أَبْيَات الْمُغنِي: عَن السيرافي أَنه قَالَ: الأجود فثم بِفَتْح الْمُثَلَّثَة لكَرَاهَة دُخُول عاطف على عاطف. وَالْبَيْت من قصيدةٍ لزهير بن أبي سلمى وَهِي: الطَّوِيل) (أَلا لَيْت شعري هَل يرى النَّاس مَا أرى ... من الْأَمر أَو يَبْدُو لَهُم مَا بدا ليا) (بدا لي أَن النَّاس تفنى نُفُوسهم ... وَأَمْوَالهمْ وَلَا أرى الدَّهْر فانيا) (وَأَنِّي مَتى أهبط من الأَرْض تلعةً ... أجد أثرا قبلي جَدِيدا وعافيا) (أَرَانِي إِذا مَا بت بت على هوى ... فثم إِذا أَصبَحت أَصبَحت غاديا) (إِلَى حفرةٍ أهوي إِلَيْهَا مقيمةٍ ... يحث إِلَيْهَا سائقٌ من ورائيا) (كَأَنِّي وَقد خلفت تسعين حجَّة ... خلعت بهَا عَن مَنْكِبي ردائيا) (بدا لي أَنِّي عِشْت تسعين حجَّة ... تباعا وَعشرا عشتها وثمانيا) (بدا لي أَن الله حقٌّ فزادني ... من الْحق تقوى الله مَا قد بدا ليا) (بدا لي أَنِّي لست مدرك مَا مضى ... وَلَا سَابِقًا شَيْئا إِذا كَانَ جائيا) (أَرَانِي إِذا مَا شِئْت لاقيت آيَة ... تذكرني بعض الَّذِي كنت نَاسِيا) (وَمَا إِن أرى نَفسِي تقيها كَرِيمَتي ... وَمَا إِن تَقِيّ نَفسِي كَرِيمَة ماليا) ...

стр. 4030

(وَإِلَّا السَّمَاء والبلاد وربنا ... وأيامنا مَعْدُودَة واللياليا) (ألم تَرَ أَن الله أهلك تبعا ... وَأهْلك لُقْمَان بن عادٍ وعاديا) (وَأهْلك ذَا القرنين من قبل مَا ترى ... وَفرْعَوْن أردى كَيده والنجاشيا) (إِذا أعجبتك الدَّهْر حالٌ من امرىءٍ ... فَدَعْهُ وواكل حَاله واللياليا) (أَلا لَا أرى ذَا إمةٍ أَصبَحت بِهِ ... فتتركه الْأَيَّام وَهِي كَمَا هيا) (ألم تَرَ للنعمان كَانَ بنجوةٍ ... من الشَّرّ لَو أَن امْرأ كَانَ ناجيا) (فَغير عَنهُ ملك عشْرين حجَّة ... من الدَّهْر يومٌ واحدٌ كَانَ غاويا) (فَلم أر مسلوباً لَهُ مثل ملكه ... أقل صديقا معطياً أَو مواسيا) (فَأَيْنَ الَّذين كَانَ يُعْطي جياده ... بأرسانهن والحسان الغواليا) (وَأَيْنَ الَّذين كَانَ يعطيهم الْقرى ... بغلاتهم والمئين العواديا) (وَأَيْنَ الَّذين يحْضرُون جفانه ... إِذا قدمت القوا عَلَيْهَا المراسيا) (رَأَيْتهمْ لَو يشركوا بنفوسهم ... منيته لما رَأَوْا أَنَّهَا هيا) (سوى أَن حَيا من رَوَاحَة حَافظُوا ... وَكَانُوا أُنَاسًا يَتَّقُونَ المخازيا) (فَسَارُوا لَهُ حَتَّى أناخوا بِبَابِهِ ... كرام المطايا والهجان المتاليا))
следующие страницы →