Полный текст (5 658 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.
стр. 4026
على أَن الْأَخْفَش يعْتَذر لتقدم اللَّام على كي فِي لكيما وتأخرها عَنْهَا فِي كي لتقضيني أَن الْمُتَأَخر بدلٌ من الْمُتَقَدّم.
وَهَذَا يرد على الْكُوفِيّين فِي زعمهم أَن كي ناصبة دَائِما لِأَن لَام الْجَرّ لَا تفصل بَين الْفِعْل وَقَالَ الدماميني: هَذَا الرَّد على الْكُوفِيّين ظَاهر. أما إِذا جعل النصب بِأَن مضمرة كَمَا يُقَال البصريون وكي جارةٌ تعليلية أكدت بمرادفها وَهِي اللَّام انْتَفَى هَذَا الْمَحْذُور. نعم يلْزم الشذوذ من جِهَة هَذَا التَّأْكِيد وَلكنه سمع فِي كَلَامه بل هُوَ أَحَق من نَحْو قَوْله: وَلَا للما بهم أبدا دَوَاء لاخْتِلَاف الحرفين لفظا. هَذَا كَلَامه.
وَهُوَ خلاف مَا فِي التَّذْكِرَة لأبي عَليّ قَالَ فِيهَا: كي هُنَا بِمَعْنى أَن وَلَا تكون الجارة لِأَن حرف الْجَرّ لَا يتَعَلَّق. وَإِذا كَانَت الْأُخْرَى كَانَت زَائِدَة كَالَّتِي فِي قَوْله: الطَّوِيل
كَأَن ظبيةٍ تعطو إِلَى وارق السّلم وَقَالَ النيلي فِي شرح الكافية: وَيحْتَمل أَن يكون أَرَادَ: لكَي تقضيني فَقدم وَأخر.
وَالْبَيْت من أبياتٍ لِابْنِ قيس الرقيات مَحْذُوف الآخر.
وَقَبله: ...
стр. 4027
(لَيْتَني ألْقى رقية فِي ... خلوةٍ من غير مَا أنس)
(كي لتقضيني رقية مَا ... وَعَدتنِي غير مختلس)
ورقية: اسْم محبوبته. والأنس بِفتْحَتَيْنِ بِمَعْنى الْإِنْس بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون النُّون. وَمَا: وَقَوله: لتقضيني عِلّة لقَوْله ألْقى. وَالْقَضَاء: الْأَدَاء يُقَال: قضيت الْحَج وَالدّين أَي: أديتهما. فَهُوَ متعدٍّ لمفعول وَاحِد. فَمَا فِي الْبَيْت بدل اشْتِمَال من الْيَاء. وَكَون مَا مَوْصُوفَة أحسن من كَونهَا مَوْصُولَة. فَتَأمل.
وَقَالَ الْعَيْنِيّ: مفعول ثانٍ لتقضيني وَهِي يجوز أَن تكون مَوْصُولَة والعائد مَحْذُوف أَي: وَعَدتنِي إِيَّاه. وَيجوز أَن تكون مَصْدَرِيَّة أَي: لتقضيني وعدها لي. اه.)
وَهُوَ فِي هَذَا محتاجٌ إِلَى أَن يثبت قضى مُتَعَدِّيا إِلَى مفعولين وَلَا سَبِيل إِلَيْهِ إِلَّا بتضمين وَهُوَ غير مقيس.
والمختلس بِفَتْح اللَّام: مصدر ميمي يُقَال: خلست الشَّيْء خلساً من بَاب ضرب واختلسته اختلاساً أَي: اختطفته بِسُرْعَة على غَفلَة. وَغير:
مفعول مُطلق أَي: لتقضيني قَضَاء غير اختلاس. وَالْمرَاد: لأنال من وَصلهَا فِي أمنٍ من الرقباء.
стр. 4028
وَقد تقدّمت تَرْجَمَة ابْن قيس الرقيات فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ بعد الْخَمْسمِائَةِ.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْخَامِس وَالْخَمْسُونَ بعد الستمائة)
فثم إِذا أَصبَحت أَصبَحت غاديا على أَن الْحَرْف قد يُبدل من مثله الْمُوَافق لَهُ فِي الْمَعْنى كَمَا فِي الْبَيْت فَإِن ثمَّ بدلٌ من الْفَاء.
وَذهب ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة وَتَبعهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي إِلَى أَن الْفَاء زَائِدَة. قَالَ: لِأَن الْفَاء قد عهد زيادتها.
وَكَذَا فِي كتاب الضرائر لِابْنِ عُصْفُور قَالَ: وَمن زِيَادَة الْفَاء قَوْله: الطَّوِيل
(يَمُوت أناسٌ أَو يشيب فتاهم ... وَيحدث ناسٌ وَالصَّغِير فيكبر)
يُرِيد: وَالصَّغِير يكبر.
وَقَول أبي كَبِير: الْكَامِل
(فَرَأَيْت مَا فِيهِ فثم رزئته ... فَلَبثت بعْدك غير راضٍ معمري)
يُرِيد: ثمَّ رزئته.
وَقَول الْأسود بن يعفر: الْكَامِل
(فلنهشلٌ قومِي ولي فِي نهشلٍ ... نسبٌ لعمر أَبِيك غير غلاب)
стр. 4029
زد الْفَاء فِي أول الْكَلَام لِأَن الْبَيْت أول القصيدة. اه.
وَقَالَ النيلي فِي شرح الكافية: الَّذِي أرَاهُ أَن الْفَاء للتَّرْتِيب الْمُتَّصِل فِي الحكم وَكَأن الشَّاعِر وَنقل السُّيُوطِيّ فِي شرح أَبْيَات الْمُغنِي: عَن السيرافي أَنه قَالَ: الأجود فثم بِفَتْح الْمُثَلَّثَة لكَرَاهَة دُخُول عاطف على عاطف.
وَالْبَيْت من قصيدةٍ لزهير بن أبي سلمى وَهِي: الطَّوِيل)
(أَلا لَيْت شعري هَل يرى النَّاس مَا أرى ... من الْأَمر أَو يَبْدُو لَهُم مَا بدا ليا)
(بدا لي أَن النَّاس تفنى نُفُوسهم ... وَأَمْوَالهمْ وَلَا أرى الدَّهْر فانيا)
(وَأَنِّي مَتى أهبط من الأَرْض تلعةً ... أجد أثرا قبلي جَدِيدا وعافيا)
(أَرَانِي إِذا مَا بت بت على هوى ... فثم إِذا أَصبَحت أَصبَحت غاديا)
(إِلَى حفرةٍ أهوي إِلَيْهَا مقيمةٍ ... يحث إِلَيْهَا سائقٌ من ورائيا)
(كَأَنِّي وَقد خلفت تسعين حجَّة ... خلعت بهَا عَن مَنْكِبي ردائيا)
(بدا لي أَنِّي عِشْت تسعين حجَّة ... تباعا وَعشرا عشتها وثمانيا)
(بدا لي أَن الله حقٌّ فزادني ... من الْحق تقوى الله مَا قد بدا ليا)
(بدا لي أَنِّي لست مدرك مَا مضى ... وَلَا سَابِقًا شَيْئا إِذا كَانَ جائيا)
(أَرَانِي إِذا مَا شِئْت لاقيت آيَة ... تذكرني بعض الَّذِي كنت نَاسِيا)
(وَمَا إِن أرى نَفسِي تقيها كَرِيمَتي ... وَمَا إِن تَقِيّ نَفسِي كَرِيمَة ماليا)
...
стр. 4030
(وَإِلَّا السَّمَاء والبلاد وربنا ... وأيامنا مَعْدُودَة واللياليا)
(ألم تَرَ أَن الله أهلك تبعا ... وَأهْلك لُقْمَان بن عادٍ وعاديا)
(وَأهْلك ذَا القرنين من قبل مَا ترى ... وَفرْعَوْن أردى كَيده والنجاشيا)
(إِذا أعجبتك الدَّهْر حالٌ من امرىءٍ ... فَدَعْهُ وواكل حَاله واللياليا)
(أَلا لَا أرى ذَا إمةٍ أَصبَحت بِهِ ... فتتركه الْأَيَّام وَهِي كَمَا هيا)
(ألم تَرَ للنعمان كَانَ بنجوةٍ ... من الشَّرّ لَو أَن امْرأ كَانَ ناجيا)
(فَغير عَنهُ ملك عشْرين حجَّة ... من الدَّهْر يومٌ واحدٌ كَانَ غاويا)
(فَلم أر مسلوباً لَهُ مثل ملكه ... أقل صديقا معطياً أَو مواسيا)
(فَأَيْنَ الَّذين كَانَ يُعْطي جياده ... بأرسانهن والحسان الغواليا)
(وَأَيْنَ الَّذين كَانَ يعطيهم الْقرى ... بغلاتهم والمئين العواديا)
(وَأَيْنَ الَّذين يحْضرُون جفانه ... إِذا قدمت القوا عَلَيْهَا المراسيا)
(رَأَيْتهمْ لَو يشركوا بنفوسهم ... منيته لما رَأَوْا أَنَّهَا هيا)
(سوى أَن حَيا من رَوَاحَة حَافظُوا ... وَكَانُوا أُنَاسًا يَتَّقُونَ المخازيا)
(فَسَارُوا لَهُ حَتَّى أناخوا بِبَابِهِ ... كرام المطايا والهجان المتاليا))
стр. 4031
(وَأجْمع أمرا كَانَ مَا بعده لَهُ ... وَكَانَ إِذا مَا اخلولج الْأَمر مَاضِيا)
قَالَ صعوداء والأعلم الشنتمري فِي شرحيهما لديوان زُهَيْر: هَذِه القصيدة قَالَهَا زُهَيْر يذكر النُّعْمَان بن الْمُنْذر حَيْثُ طلبه كسْرَى ليَقْتُلهُ ففر فَأتى طيئاً وَكَانَت ابْنة أَوْس بن حَارِثَة بن لأم عِنْده فَأَتَاهُم فَسَأَلَهُمْ أَن يدخلوه جبلهم فَأَبَوا عَلَيْهِ.
وَكَانَت لَهُ يدٌ فِي بني عبس فِي مَرْوَان بن زنباع وَكَانَ أسر فَكلم فِيهِ عَمْرو بن
هِنْد عَمه وشفع لَهُ فشفعه وَحمله النُّعْمَان بن الْمُنْذر وكساه. فَكَانَت بَنو عبس يشكرون ذَلِك للنعمان فَلَمَّا هرب من كسْرَى وَلم تدخله طيىءٌ جبلها لَقيته بَنو رَوَاحَة من عبس وهم رَهْط مَرْوَان بن زنباع فَقَالُوا لَهُ: أقِم فِينَا فَإنَّا نَمْنَعك من كسْرَى وَمِمَّا نمْنَع مِنْهُ أَنْفُسنَا. فَقَالَ لَهُم: لَا طَاقَة لكم بكسرى وَجُنُوده. فَأبى وَسَارُوا مَعَه فَأثْنى عَلَيْهِم خيرا وودعهم.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: لَيست لزهير وَيُقَال هِيَ لصرمة الْأنْصَارِيّ. وَلَا تشبه كَلَام زُهَيْر.
وَقَوله: وَلَا أرى الدَّهْر فانيا قَالَ صعوداء: يُقَال إِن الدَّهْر هُوَ الله جلّ وَعز ثَنَاؤُهُ وَإِنَّمَا يُرَاد بذلك أَن الَّذِي يحدثه الدَّهْر إِنَّمَا هُوَ من تَقْدِير الله فَلَا يَنْبَغِي أَن يسب الدَّهْر لِأَنَّهُ يرجع إِلَى سبّ مَا قدر الله.
وَقَوله: وَأَنِّي مَتى أهبط إِلَخ قَالَ الأعلم: التلعة: مجْرى المَاء إِلَى
стр. 4032
الرَّوْضَة وَتَكون فِيمَا علا عَن والعافي: الدارس. يَقُول: حَيْثُمَا سَار الْإِنْسَان من الأَرْض فَلَا يَخْلُو من أَن يجد فِيهِ أثرا قَدِيما أَو حَدِيثا.
وَقَوله: أَرَانِي إِذا مَا بت إِلَخ مَعَ الْبَيْت بعده قَالَ صعوداء: على هوى أَي: على أَمر. يَقُول: أَرَانِي إِذا مَا بت على أمرٍ أَو حَاجَة أريدها ثمَّ أغدو وأدع.
وَقَالَ الأعلم: أَي: لي حَاجَة لَا تَنْقَضِي أبدا لِأَن الْإِنْسَان مَا دَامَ حَيا فَلَا بُد من أَن يهوى شَيْئا وَيحْتَاج إِلَيْهِ.
وَلم يتَعَرَّض كلٌّ مِنْهُمَا إِلَى قَوْله فثم.
وَفِي جَمِيع النّسخ: غاديا بالغين الْمُعْجَمَة. وروى الْبَيْت فِي مُغنِي اللبيب كَذَا:
(أَرَانِي إِذا أَصبَحت أَصبَحت ذَا هوى ... فثم إِذا أمسيت أمسيت عاديا)
قَالَ ابْن الملا: أَرَانِي من أَفعَال الْقُلُوب الَّتِي يجوز أَن يكون فاعلها ومفعولها الأول ضميرين متصلين متحدي الْمَعْنى.)
والهوى: إِرَادَة النَّفس أَي: أصبح مرِيدا لشيءٍ وأمسي تَارِكًا لَهُ متجاوزاً عَنهُ. يُقَال: عدا فلَان الْأَمر إِذا تجاوزه.
قَالَ الشمني: وَهَذَا يدل على أَن عادياً بِالْعينِ الْمُهْملَة. وَهُوَ مضبوطٌ فِي بعض نسخ الْمُغنِي وَغَيره
стр. 4033
قَالَ ابْن القطاع: غَدا إِلَى كَذَا: أصبح إِلَيْهِ. وَرِوَايَة الإعجام أنسب بِالْبَيْتِ بعده إِذْ يُقَال غَدا إِلَى كَذَا بِمَعْنى صَار إِلَيْهِ. وَإِن صَحَّ أَن يُقَال: الْمَعْنى متجاوزاً إِلَى حُفْرَة. وَوصف الحفرة بِكَوْنِهَا مُقِيمَة إِمَّا على مُعْتَقد الْجَاهِلِيَّة من أَنه لَا فنَاء للْعَالم وَلَا بعث أَو المقيمة عبارةٌ عَن ذَات الْمدَّة الطَّوِيلَة.
والسائق: الَّذِي يحث على الْعَدو إِلَى تِلْكَ الحفرة وَهُوَ الزَّمَان فَإِنَّهُ المفني المبيد عِنْدهم. اه.
وَقَوله: كَأَنِّي وَقد خلفت إِلَى آخِره قَالَ الأعلم: أَي لَا أجد مس شيءٍ مضى فَكَأَنَّمَا خلعت بِهِ رِدَائي عَن مَنْكِبي.
وَقَوله: بدا لي أَنِّي لست مدرك مَا مضى
يَأْتِي إِن شَاءَ الله شَرحه فِي الجوازم.
وَقَوله: أَرَانِي إِذا مَا شِئْت إِلَخ أَي: إِذا غفلت عَن حوادث الدَّهْر من موت وَغَيره ونسيتها رَأَيْت آيةٌ مِمَّا تصيب غَيْرِي فذكرتني مَا كنت نسيت. وَالْآيَة: الْعَلامَة.
وَقَوله: وَمَا إِن رأى إِلَخ قَالَ صعوداء: كَرِيمَة مَاله: أَهله وخاصته. وروى الأعلم: كريهتي وَقَالَ: لَا تَقِيّ نَفسِي من الْمَوْت كريهتي أَي: شدتي وجراءتي وَلَا تقيها كرائم مَالِي.
стр. 4034
وعادياء أَبُو السموءل بن حَيا بن عادياء. وَكَانَ لَهُ حصن بتيماء وَهُوَ الَّذِي استودعه امراء الْقَيْس أدراعه.
وَقَالَ صعوداء: عادياء ابْن عَاد. وَأول من سنّ الدِّيَة لُقْمَان بن عَاد. وَأول من تكلم بِالْعَرَبِيَّةِ العمالقة بِمَكَّة مُلُوك كَانَ يُقَال لَهُم العمالقة وَلَا يدرى لأي شَيْء سموا بذلك. اه.
وَالنَّجَاشِي: ملك الْحَبَشَة. وَالْأمة بِالْكَسْرِ: النِّعْمَة وَالْحَالة الْحَسَنَة أَي: من كَانَ ذَا نعْمَة فالأيام لَا تتركه وَنعمته كَمَا عهِدت أَي: لابد من أَن تغيرها الْأَيَّام.
وَقَوله: كَانَ بنجوة من الشَّرّ أَي: كَانَ بمعزل مِنْهُ. يُقَال: فلانٌ بنجوةٍ من السَّيْل إِذا كَانَ بِموضع مُرْتَفع حَيْثُ لَا يُدْرِكهُ السَّيْل. وروى صعوداء: بنجوة من الْعَيْش وَقَالَ: أَي كَانَ بمرتفع من)
السُّلْطَان وَالْملك.
وَقَوله: فَغير عَنهُ ملك إِلَخ وَالْحجّة بِالْكَسْرِ: السّنة. والغاوي هُنَا: الْوَاقِع فِي هلكة. وَقَالَ صعوداء: نسب الْيَوْم إِلَى الغي لِأَن الغي كَانَ فِيهِ.
وَقَوله: فَلم أر مسلوباً إِلَخ يَقُول: لم أر إنْسَانا سلب النَّعيم وَالْملك وَله عِنْد النَّاس أيادٍ وَنعم كَثِيرَة فَلم يَفِ لَهُ أحدٌ وَلم يواسه كالنعمان حِين لم يجره من استجار بِهِ.
والباذل: الْمُعْطِي. وَقَوله: والمئين الغواديا أَي: كَانَ يهب المئين من الْإِبِل فتغدو عَلَيْهِم.
وَقَوله: ألقوا عَلَيْهَا المراسيا أَي: ثبتوا عَلَيْهَا آكلين مِنْهَا. والمراسي:
стр. 4035
جمع مرسًى وَهُوَ من رسا يرسو إِذا ثَبت وَأقَام وَمِنْه مرسى السَّفِينَة. والجفان: القصاع.
وَقَوله: لم يشركوا بنفوسهم أَي: لم يواسوه فِي الْمَوْت وَمَعْنَاهُ لم يخلطوه بِأَنْفسِهِم حِين استجار بهم من كسْرَى.
والهجان: الْبيض من الْإِبِل وَهِي أكرمها. والمتالي: الَّتِي تتلوها أَوْلَادهَا جمع متلية.
وَقَوله: فَقَالَ لَهُم خيرا أَي: قَالَ النُّعْمَان لبني رَوَاحَة خيرا لما دَعوه إِلَى مجاورتهم وودعهم وداع من يتَيَقَّن بِالْمَوْتِ.
وَقَوله: وَأجْمع أمرا إِلَخ مَا بعده أَي: من ثنائه. واخلولج: التوى وَلم يستقم. والماضي: النَّافِذ فِي الْأَمر العازم عَلَيْهِ.
وترجمة زُهَيْر تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السَّادِس وَالْخَمْسُونَ بعد الستمائة)
الطَّوِيل
على أَن يضر بِالرَّفْع وَمَا: كَافَّة وَقيل: مَصْدَرِيَّة وكي: جَارة أَي: لمضرته ومنفعته.
وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ أجازهما أَبُو عَليّ فِي التَّذْكِرَة القصرية وَفِي البغداديات كَمَا ننقله فِي الْبَيْت بعده.
стр. 4036
وَكَذَا قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: إِن دُخُول كي على المصدرية نَادِر.
وَرَأَيْت فِي طَبَقَات النُّحَاة لأبي بكر مُحَمَّد الشهير بالتاريخي عِنْد تَرْجَمَة يُونُس ابْن حبيب أَن يُونُس قَالَ: كَانَ عبد الْأَعْلَى بن عبد الله بن عَامر فصيحاً وَهُوَ الَّذِي يَقُول:
(إِذا أَنْت لم تَنْفَع فضر فَإِنَّمَا ... يُرْجَى الْفَتى كَيْمَا يضر وينفعا)
فعلى هَذِه الرِّوَايَة مَا: زَائِدَة ويضر مَنْصُوب بكي وَاللَّام مقدرَة وَأَنت: فَاعل لفعل مَحْذُوف يفسره الْمَذْكُور أَي: إِذا لم تَنْفَع الصّديق فضر الْعَدو. وَإِنَّمَا قدر الْفِعْل وَاقعا على هَذَا الْمَفْعُول لِأَن الْعَاقِل لَا يَأْمر بالضر مُطلقًا وَحسن الْمُقَابلَة اقْتضى تعْيين الأول.
ويرجى بتَشْديد الْجِيم الْمَفْتُوحَة أَي: إِنَّمَا يُرْجَى الْكَامِل فِي الفتوة لضَرَر من يسْتَحق الضّر ونفع من يسْتَحق النَّفْع.
وَقيل: يُمكن حمل الْبَيْت على أَن المُرَاد الْحَث على النَّفْع بِالْأَمر بِالضَّرَرِ لَا على أَنه مُرَاد وَلَا
وروى: يُرَاد بدل يُرْجَى.
قَالَ الْعَيْنِيّ: الْبَيْت للنابغة الذبياني وَقيل للنابغة الْجَعْدِي. وَالأَصَح أَن قَائِله قيس بن الخطيم.
ذكره البحتري فِي حماسته. اه.
стр. 4037
وَلم نسْمع أَن للبحتري حماسة.
وَنسبه الإِمَام الباقلاني فِي كتاب إعجاز الْقُرْآن لقيس بن الخطيم بِنصب يضر وينفع. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السَّابِع وَالْخَمْسُونَ بعد الستمائة)
الرجز لَا تظلموا النَّاس كَمَا لَا تظلموا على أَن الْمبرد والكوفيين جوزوا نصب الْمُضَارع بعد كَمَا على أَن أَصْلهَا كَيْمَا حذفت الْيَاء تَخْفِيفًا.
فَإِن لَا تظلموا مَنْصُوب بِحَذْف النُّون بهَا وَقيل بل نَصبه بِمَا المصدرية حملا على أَن المصدرية كَمَا أَن أَن تهمل حملا على مَا. وَهَذَا من بَاب التقارض.
والبصريون يمْنَعُونَ ذَلِك وينشدون: لَا تظلم النَّاس كَمَا لَا تظلم بِالتَّوْحِيدِ فالفعل مَرْفُوع على هَذَا بعد لَا النافية وَالْكَاف: للتشبيه وَمَا: كَافَّة.
стр. 4038
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: سَأَلت الْخَلِيل عَن قَول الْعَرَب: انتظرني كَمَا آتِيك فَزعم أَن مَا وَالْكَاف جعلتا بِمَنْزِلَة حرف وَاحِد وصيرت للْفِعْل كَمَا صيرت للْفِعْل رُبمَا وَالْمعْنَى: لعَلي آتِيك. فَمن ثمَّ لم ينصبوا بِهِ الْفِعْل كَمَا لم ينصبوا بربما.
قَالَ: الرجز لَا تشم النَّاس كَمَا لَا تَشْتُم وَقَالَ أَبُو النَّجْم: الرجز
(قلت لشيبان ادن من لِقَائِه ... كَمَا تغذي الْقَوْم من شوائه)
انْتهى.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد وُقُوع الْفِعْل بعد كَمَا لِأَنَّهَا كَاف التَّشْبِيه ووصلت بِمَا لوُقُوع الْفِعْل بعْدهَا كَمَا فعل بربما وَمَعْنَاهَا هُنَا: لَعَلَّ أَي: لَا تَشْتُم النَّاس لَعَلَّك لَا تَشْتُم إِن لم تشتمهم. وَمن النَّحْوِيين من يَجْعَلهَا بِمَعْنى كي ويجيز النصب بهَا وَهُوَ مَذْهَب الْكُوفِيّين.
وَقَالَ النّحاس: هَذَا قَول الْخَلِيل وسيبويه. وَحكى ابْن سَعْدَان النصب بكما إِذا كَانَت بِمَعْنى كَيْمَا وَقد حَكَاهُ الْأَخْفَش سعيد.
وَقَوله: قلت لشيبان إِلَخ يَأْمر ابْنه شَيبَان بِاتِّبَاع ظليمٍ والدنو مِنْهُ لَعَلَّه يصيده فيطعم أَصْحَابه من شوائه.)
وَقَالَ أَبُو عَليّ فِي البغداديات بعد أَن نقل عبارَة سِيبَوَيْهٍ: جعل سِيبَوَيْهٍ كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت كَالَّتِي فِي الْبَيْت الأول.
وأنشده أَبُو بكر
стр. 4039
عَن يَعْقُوب أَو غَيره من أهل الثبت فِي اللُّغَة: كَيْمَا تغدي الْقَوْم. وَقَالَ شَيبَان: ابْنه أَي: قلت لَهُ اركب فِي طلبه كَيْمَا تصيده فتغدي الْقَوْم بِهِ مشوياً. يصف ظليماً.
وَأَقُول: إِن مَا على هَذَا الإنشاد تحْتَمل وَجْهَيْن: يجوز أَن تكون زَائِدَة كَالَّتِي فِي قَوْله: فبمَا رحمةٍ. وَالْفِعْل مَنْصُور. بإضمار أَن إِلَّا أَنه ترك على الإسكان وَذَلِكَ مِمَّا يستحسن فِي الضرورات. وَيجوز أَن تكون مَا بِمَعْنى الْمصدر فِي مَوضِع جرٍّ بكي وتغدي صلته وموضعه رفع. وَنَظِير ذَلِك قَول الآخر أنْشدهُ أَبُو الْحسن:
(إِذا أَنْت لم تَنْفَع فضر فَإِنَّمَا ... يُرْجَى الْفَتى كَيْمَا يضر وينفع)
كَأَنَّهُ وَقَالَ: للضَّرَر والنفع. وَيحْتَمل عِنْدِي أَن تكون مَا كَافَّة لكَي كَمَا كَانَت كَافَّة لرب.
وَقَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: اخْتلف فِي نَحْو قَوْله: الطَّوِيل
(وطرفك إِمَّا جئتنا فاحبسنه ... كَمَا يحسبوا أَن الْهوى حَيْثُ تنظر)
فَقَالَ الْفَارِسِي: الأَصْل كَيْمَا فَحذف الْيَاء. وَقَالَ ابْن مَالك: هَذَا تكلّف
بل هِيَ كَاف التَّعْلِيل وَمَا الكافة وَنصب الْفِعْل بهَا لشبهها بكي فِي الْمَعْنى. وَزعم أَبُو مُحَمَّد الْأسود فِي كِتَابه الْمُسَمّى نزهة الأديب أَن أَبَا عَليّ حرف هَذَا الْبَيْت وَأَن الصَّوَاب فِيهِ:
(إِذا جِئْت فامنح طرف عَيْنك غَيرنَا ... لكَي يحسبوا ... ... الْبَيْت)
انْتهى.
стр. 4040
وَالْبَيْت الَّذِي أوردهُ الشَّارِح الْمُحَقق لرؤبة بن العجاج وَيَأْتِي إِن شَاءَ الله بَقِيَّة الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد الْأَرْبَعين بعد الثَّمَانمِائَة.
وَالْمَشْهُور فِي الِاسْتِعْمَال مَا أوردهُ سِيبَوَيْهٍ وَهُوَ: الرجز لَا تَشْتُم النَّاس كَمَا لَا تَشْتُم وَهُوَ لرؤبة بن العجاج أَيْضا. وَتَقَدَّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الْخَامِس من أول الْكتاب.
وَأنْشد بعده وَهُوَ من شَوَاهِد س: الوافر
وَلبس عباءة وتقر عَيْني)
هَذَا صدرٌ وعجزه: أحب إِلَيّ من لبس الشفوف على أَن تقر مَنْصُوب ب أَن مضمرة بعد الْوَاو وَأَن تقر فِي تَأْوِيل مصدر مَعْطُوف على مصدر وَهُوَ لبس.
وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله فِيمَا بعد فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالسبْعين بعد الستمائة.
وَالْبَيْت من أبياتٍ لميسون بنت بحدلٍ الْكَلْبِيَّة وَهِي:
(لبيتٌ تخفق الْأَرْوَاح فِيهِ ... أحب إِلَيّ من قصرٍ منيف)
...
стр. 4041
(وبكرٌ يتبع الأظعان سقباً ... أحب إِلَيّ من بغلٍ زفوف)
(وكلبٌ ينبح الطراق عني ... أحب إِلَيّ من قطٍّ أُلُوف)
(وَلبس عباءةٍ وتقر عَيْني ... أحب إِلَيّ من لبس الشفوف)
(وَأكل كسيرةٍ فِي كسر بَيْتِي ... أحب إِلَيّ من أكل الرَّغِيف)
(وأصوات الرِّيَاح بِكُل فجٍّ ... أحب إِلَيّ من نقر الدفوف)
(خشونه عيشتي فِي البدو أشهى ... إِلَى نَفسِي من الْعَيْش الطريف)
(فَمَا أبغي سوى وطني بديلاً ... فحسبي ذَاك من وطنٍ شرِيف)
الخفق: الِاضْطِرَاب وَفعله من بَاب ضرب. والمنيف: العالي. وَأورد الحريري هَذِه الأبيات فِي درة الغواص لأجل هَذَا الْبَيْت على أَنه يُقَال فِي جمع ريح أَرْوَاح وَقَول النَّاس: أرياح قِيَاسا على ريَاح خطأٌ.
وَالْبكْر بِفَتْح الْمُوَحدَة: الفتي من الْإِبِل. والأظعان: جمع ظَعِينَة وَهِي الْمَرْأَة مَا دَامَت فِي الهودج.
والسقب: الذّكر من ولد النَّاقة وَهُوَ حالٌ مُؤَكدَة.
وروى: صَعب فَهُوَ صفة لبكر. والزفوف بالزاء الْمُعْجَمَة والفاءين أَي: المسرع.
والطراق: جمع طَارق وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي لَيْلًا.
وَقَوله: وَلبس عباءة فِي غَالب كتب النَّحْو للبس بلامين وَهُوَ خلاف الرِّوَايَة الصَّحِيحَة.
والعباء وَكَذَا العباية: الْجُبَّة من الصُّوف وَنَحْوهَا وَقيل: كساءٌ مخططٌ.
وتقر بِفَتْح الْقَاف من قَوْلهم:
стр. 4042
عين قريرة أَي: بَارِدَة من الْبرد الَّذِي هُوَ النّوم وَقيل من الْبرد هُوَ ضد الْحر أَو من الْقَرار وَهُوَ السّكُون لِأَن الْعين إِذا قرت سكنت عَن الطموح إِلَى شَيْء)
والشفوف: جمع شف بِكَسْر الشين وَفتحهَا وَهُوَ الثَّوْب الرَّقِيق سمي بذلك لِأَنَّهُ يسْتَشف مَا وَمثله قَول بعض الْأَعْرَاب: الطَّوِيل
(لعمري لأعرابيةٌ فِي عباءةٍ ... تحل دماثاً من سويقة أَو فَردا)
(أحب إِلَى الْقلب الَّذِي لج فِي الْهوى ... من اللابسات الْخَزّ يظهرنه كيدا)
والكسيرة بِالتَّصْغِيرِ: الْقطعَة من الْخبز. وَالْكَسْر بِكَسْر الْكَاف: طرف الخباء من الأَرْض.
والخرق بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة: الْكَرِيم. والعلج بِالْكَسْرِ قَالَ ابْن دُرَيْد: هُوَ الصلب الشَّديد وَبِه سمي حمَار الْوَحْش علجاً. وَيحْتَمل أَن تُرِيدُ: إِن الْأَمْرَد أحب إِلَيّ من ذِي اللِّحْيَة.
قَالَ أَبُو زيد: يُقَال لكل ذِي لحية علج وَلَا يُقَال للغلام إِذا كَانَ أَمْرَد علج. واستعلج الرجل إِذا خرجت لحيته. وَالْأول أنسب لقولها عليف أَي: مسمنٌ بالعلف. قَالَ الأعلم: تَعْنِي بِهِ مُعَاوِيَة لقُوته وشدته مَعَ سمنه وَنعمته.
وَقَالَ الْعَيْنِيّ: الغليف بالغين الْمُعْجَمَة وَهُوَ الَّذِي يغلف لحيته بالغالية. وَيجوز بِالْعينِ الْمُهْملَة.
وميسون قَالَ اللَّخْمِيّ: هُوَ زوج مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَأم ابْنه يزِيد وَكَانَت بدوية فضاقت نَفسهَا لما تسرى عَلَيْهَا فعذلها على
стр. 4043
ذَلِك وَقَالَ لَهَا: أَنْت فِي ملكٍ عَظِيم وَمَا تدرين قدره وَكنت قبل الْيَوْم فِي العباءة: فَقَالَت هَذِه الأبيات فَلَمَّا سَمعهَا قَالَ لَهَا: مَا رضيت يَا ابْنة بحدلٍ حَتَّى جَعَلتني علجاً عليفاً فالحقي بأهلك.
فَطلقهَا وألحقها بِأَهْلِهَا وَقَالَ لَهَا: كنت فبنت فَقَالَت: لَا وَالله مَا سررنا إِذْ كُنَّا وَلَا أسفنا إِذْ بِنَا وَيُقَال: أَنَّهَا كَانَت حَامِلا بِيَزِيد فَوَضَعته فِي الْبَريَّة فَمن ثمَّ كَانَ فصيحاً.
وَقَالَ الشريف فِي حماسته: وروى الْكَلْبِيّ عَن عوَانَة قَالَ: لما زفت مَيْسُونُ بنت بحدلٍ من بادية كلب إِلَى مُعَاوِيَة وَهُوَ بريف الشَّام ثقل عَلَيْهَا الغربة والبعد عَن قَومهَا فَسَمعَهَا ذَات لَيْلَة تَقول هَذِه الأبيات فَقَالَ: أَنا وَالله العلج: وازداد بهَا عجبا وإليها ميلًا.
قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ فِي الجمهرة: كَانَ مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان بعث رَسُولا إِلَى بَهْدَلَة بن حسان بن عدي بن جبلة بن سَلامَة بن عبد الله بن عليم بن جناب يخْطب إِلَيْهِ ابْنَته فَأَخْطَأَ الرَّسُول فَذهب إِلَى بَحْدَل بن أنيف من بني حَارِثَة بن جناب فَزَوجهُ ابْنَته مَيْسُونُ بنت بَحْدَل فَولدت لَهُ يزِيد.
انْتهى.
ذكره فِي جمهرة قضاعة وَهِي من قبائل الْيمن.)
وميسون: فيعول من مسنه بِالسَّوْطِ إِذا ضربه أَو فعلون من مَاس يميس إِذا تبختر وَلَا نَظِير لَهُ إِلَّا زيتون اسْتدلَّ بِهِ بعض النَّحْوِيين على زِيَادَة النُّون بالزيت المعصور.
وَحكي أَرض زتنة إِذا كَانَ فِيهَا الزَّيْتُون. وبحدل بِفَتْح الْمُوَحدَة وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة.
стр. 4044
وَأنْشد بعده: الطَّوِيل على أَن أحضر مَنْصُوب بِأَن مضمرة بِدَلِيل تَمَامه: وَأَن أشهد اللَّذَّات هَل أَنْت مخلدي
وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد الْعَاشِر من أَوَائِل الْكتاب.
وَهَذِه رِوَايَة الْكُوفِيّين وَالرَّفْع رِوَايَة الْبَصرِيين. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقد جَاءَ فِي الشّعْر: أَلا أيهذا الزاجري أحضر الوغى قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ رفع أحضر بِحَذْف الناصب وتعريه مِنْهُ. وَالْمعْنَى: لِأَن أحضر الوغى.
وَقد يجوز النصب بإضمار أَن ضَرُورَة وَهُوَ مَذْهَب الْكُوفِيّين. انْتهى.
وَفِي التَّذْكِرَة القصرية وَهِي أسئلة من أبي الطّيب مُحَمَّد بن طوسي الْمَعْرُوف بالقصري وأجوبة من شَيْخه أبي عَليّ الْفَارِسِي قَالَ: سَأَلت أَبَا عَليّ عَن أحضر الوغى أَي شيءٍ مَوْضِعه فَقَالَ: نصبٌ وَهُوَ يُرِيد حَاضرا. فَقلت: كَيفَ يجوز أَن يكون حَالا وَإِنَّمَا الْحُضُور مزجورٌ عَنهُ لَا عَن غَيره فَقَالَ: قد يجوز أَن يكون لم يذكر المزجور عَنهُ. فَقلت: قد فهمنا من قَوْله: أَلا أيهذا الزاجري أحضر الوغى قد نَهَاهُ عَن حُضُور الوغى. قَالَ: صير أَن يفهم مِنْهُ هَذَا وَإِن
стр. 4045
كَانَ ذَلِك لَا يفهم مِنْهُ إِذا قدرته بِقَوْلِك حَاضرا. قلت: فَإِن الْحُضُور لم يَقع وَنحن نعلم أَنه مَا نَهَاهُ وَقد حضر. قَالَ: هَذَا مثل قَوْلك: هَذَا صَاحب صقر صائداً بِهِ غَدا. قلت: فَمَا الْحَاجة إِلَى أَن قدرته حَالا. قَالَ: ليتعلق بِمَا قبله وَإِلَّا فَلَا سَبِيل إِلَى تعلقه بِمَا قبله إِلَّا على هَذَا الْوَجْه. انْتهى.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد التَّاسِع وَالْخَمْسُونَ بعد الستمائة)
الرمل لَو بِغَيْر المَاء حلقي شرقٌ على أَن الْجُمْلَة الاسمية بعد لَو وضعت مَوضِع الْجُمْلَة الفعلية شذوذاً كَمَا قَالَه فِي بَاب الِاشْتِغَال.
وَهَذَا مَذْهَب ابْن جني وَنسبه أَبُو حَيَّان إِلَى أبي بكر بن طَاهِر.
وَهَذَا صدر وعجزه: كنت كالغصان بِالْمَاءِ اعتصاري وَالْبَاء من بِغَيْر مُتَعَلقَة بالْخبر وَهُوَ شَرق وحلقي: هُوَ الْمُبْتَدَأ. وَهَذَا أحد تخاريج ثلاثةٍ فِي ثَانِيهَا: لبدر الدَّين فِي شرح ألفية وَالِده قَالَ: كَانَ الشأنية محذوفة بعد لَو فَهِيَ على بَابهَا من دُخُولهَا على الْجُمْلَة الفعلية فَتكون
стр. 4046
الْجُمْلَة الاسمية خَبرا لَكَانَ المحذوفة. وَنسبه أَبُو حَيَّان إِلَى الْبَصرِيين. وَلم يذكر ابْن هِشَام هَذَا التَّخْرِيج فِي الْمُغنِي.
ثَالِثهَا: لأبي عَليّ الْفَارِسِي فِي الْإِيضَاح الشعري قَالَ فِيهِ: مَوضِع حلقي رفعٌ بِأَنَّهُ فَاعل والرافع لَهُ فعل مُضْمر يفسره شَرق كَأَنَّهُ قَالَ: لَو شَرق حلقي بِغَيْر المَاء. وَلَا يكون شَرق خبر حلقي.
هَذَا الظَّاهِر. لِأَن مَا بعد لَولَا
يكون مُبْتَدأ كَمَا أَن مَا بعد إِن وَمَا بعد إِذا لَا يكون كَذَلِك.
فَإِذا لم يجز أَن تَجْعَلهُ خبر حلقي الْوَاقِع بعد لَو لِأَنَّهُ يرْتَفع بِفعل مُضْمر وَجب أَن تضمر لَهُ مُبْتَدأ وَالتَّقْدِير هُوَ شَرق فَيكون هُوَ شرقٌ بِمَنْزِلَة شَرق تَفْسِيرا للْفِعْل الْمُضمر بعد لَو وَيكون ذَلِك بِمَنْزِلَة مَا يحمل على الْمَعْنى. أَلا ترى أَن هُوَ شَرق بِمَنْزِلَة شَرق فِي الْمَعْنى وَقَوله: بِغَيْر المَاء يتَعَلَّق الْجَار فِيهِ بِالْفِعْلِ الْوَاقِع لحلقي وَهُوَ أسهل من أَن تعلقه بشرقٍ هَذَا الظَّاهِر. وَإِن لم تقدر هَذَا الْمُضمر لزم أَن تكون لَو قد ابْتَدَأَ بعْدهَا الِاسْم فَإِذا ثَبت فِي هَذَا الْموضع إِضْمَار الْفِعْل فَحكم سَائِر مَا أشبهه مثله. انْتهى مُخْتَصرا.
وَاخْتَصَرَهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي بقوله: وَقَالَ الْفَارِسِي: الأَصْل لَو شَرق حلقي هُوَ شَرق فَحذف الْفِعْل أَولا والمبتدأ آخرا. انْتهى.
وَنسب أَبُو جَعْفَر النّحاس هَذَا التخرج لأبي الْحسن الْأَخْفَش وَأنْشد الْبَيْت فِي أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ وَقَالَ: أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب من أَبْوَاب أَن فِي نُسْخَة أبي الْحسن وَحده. انْتهى.)
وَقد راجعت الْكتاب وَهُوَ من رِوَايَة الْمبرد فَلم أَجِدهُ فِيهِ.
وَبِتَقْدِير الْمُبْتَدَأ تعرف أَن مَا نَقله ابْن جني عَن شَيْخه الْفَارِسِي
стр. 4047
عِنْد الْكَلَام على الْبَيْت الْآتِي خلاف الْوَاقِع. قَالَ: سَأَلنَا يَوْمًا أَبَا عَليّ عَن بَيت عدي فَأخذ يتطلب لَهُ وَجها وتعسف فِيهِ وَأَرَادَ أَن يرفع حلقي بِفعل مُضْمر يفسره قَوْله: شَرق. فَقُلْنَا لَهُ: فَبِمَ يرْتَفع إِذن شَرق فَقَالَ: هُوَ بدلٌ من حلقي. فَأطَال الطَّرِيق وأعور الْمَذْهَب.
وَلَو قَالَ: إِن الْجُمْلَة الاسمية وَقعت موقع الفعلية لَكَانَ أقرب مأخذاً وأسهل
مُتَوَجها. انْتهى.
وَقَوله: بِالْمَاءِ اعتصاري قَالَ أَبُو عَليّ: مَوضِع الْجُمْلَة نصبٌ بِأَنَّهُ خبر كنت والعائد إِلَى الِاسْم الْيَاء فِي اعتصاري وكالغصان فِي مَوضِع حَال وَالْعَامِل فِيهِ كنت وَلَا يكون الْخَبَر لِأَن الْحَال إِذا تقدّمت لم يعْمل فِيهَا معنى الْفِعْل كَمَا يعْمل فِي الظّرْف إِذا تقدمه.
وَلَا تكون الْبَاء فِي قَوْله بِالْمَاءِ كالجار فِي قَوْله: إِنِّي لَكمَا لمن الناصحين. وَلكنه يتَعَلَّق بِمَحْذُوف فِي مَوضِع خبر الْمُبْتَدَأ.
أَلا ترى أَنَّك لَو قلت إِنِّي من الناصحين لَكمَا لتعلقت اللَّام بالناصحين. وَلَو قلت: كنت وَقَوله: وَلَا يكون الْخَبَر أَي: لَا يكون الْعَامِل فِي الْحَال الْخَبَر وَهُوَ قَوْله بِالْمَاءِ الْوَاقِع خَبرا لقَوْله اعتصاري. وَالْجُمْلَة خبر كنت.
وَزعم الْعَيْنِيّ أَن قَوْله: كالغصان خبر كنت. وَلم يذكر موقع الْجُمْلَة الَّتِي بعده من الْإِعْرَاب.
وَيجوز على هَذَا أَن تكون خَبرا ثَانِيًا.
وشرق فلانٌ بريقه أَو بِالْمَاءِ: إِذا غص بِهِ وَلم يقدر على بلعه
стр. 4048
وَهُوَ من بَاب تَعب.
والغصان من غص فلانٌ بِالطَّعَامِ غصصاً من بَاب تَعب وَمن بَاب قتل لُغَة إِذا لم يقدر على بلعه. والغصة: بِالضَّمِّ: مَا غص بِهِ الْإِنْسَان من طَعَام أَو غيظٍ على التَّشْبِيه بِهِ وَيَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ نَحْو: أغصصته بِهِ.
قَالَ الْجَوْهَرِي: الاعتصار: أَن يغص الْإِنْسَان بِالطَّعَامِ فيعتصر بِالْمَاءِ وَهُوَ أَن يشربه قَلِيلا قَلِيلا ليسيغه. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وتحقيقه أَن الاعتصار مَعْنَاهُ: الالتجاء كَمَا قَالَه أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن حَمْزَة الْبَصْرِيّ
فِيمَا كتبه على كتاب النَّبَات لأبي حنيفَة الدينَوَرِي وَهَذَا نَص كَلَامه وَفِيه فَوَائِد.
وَأنْشد أَبُو حنيفَة للبعيث: الطَّوِيل)
(وَذي أشرٍ كالأقحوان تشوفه ... ذهَاب الصِّبَا والمعصرات الدوالح)
وَقَالَ: الدوالح: الثقال الَّتِي تدلح بِالْمَاءِ. وَيرى أَنه معنى قَول الله : وأنزلنا من المعصرات مَاء ثجاجاً. وَقَالَ قوم: إِن المعصرات الرِّيَاح ذَات الأعاصير وَهُوَ الرهج وَالْغُبَار.
قَالَ الشَّاعِر: الْكَامِل
(وَكَأن سهك المعصرات كسونها ... ترب الفدافد والنقاع بمنخل)
النقاع: جمع نقع وَهُوَ القاع من القيعان. وَزَعَمُوا أَن معنى من معنى الْبَاء كَأَنَّهُ قَالَ: وأنزلنا بالمعصرات.
وَقَالَ بَعضهم: بل المعصرات الغيوم أَنْفسهَا ذهب إِلَى معنى البعيث. وَلَا يحْتَمل قَوْله
стр. 4049
غير السَّحَاب لقَوْله: الدوالح فَتكون المعصرات الَّتِي أمكنت الرِّيَاح من اعتصارها واستنزال قطرها كَمَا يُقَال أمضغ النّخل وآكل وَأطْعم وأفرك الزَّرْع إِذا أمكن ذَلِك فِيهِ.
قَالَ أَبُو الْقَاسِم: ألم أَبُو حنيفَة بِالصَّوَابِ ثمَّ حاد عَنهُ. المعصرات: السحابات بِعَينهَا وَلكنهَا إِنَّمَا سميت بذلك بالعصر بِفتْحَتَيْنِ والعصرة بِالضَّمِّ وهما الملجأ.
قَالَ الشَّاعِر: الْخَفِيف
(فارسٌ يستغيث غير مغاثٍ ... وَلَقَد كَانَ عصرة المنجود)
أَي: ملْجأ المكروب. وَتقول: أعصرني فلَان إِذا ألجأك إِلَيْهِ. واعتصرت أَنا اعتصاراً.
لَو بِغَيْر المَاء حلقي شرقٌ ... ... . الْبَيْت فَمَعْنَى المعصرات المنجيات من الْبلَاء المعصمات من الجدب بِالْخصْبِ لَا مَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَلَا مَا قَالَ من قَالَ: إِنَّهَا الرِّيَاح ذَات الأعاصير. فَلَا تلتفتن إِلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا. انْتهى كَلَامه.
وَكَذَا قَالَ أَبُو عبيد: الاعتصار: الملجأ. وَالْمعْنَى: لَو شَرقَتْ بِغَيْر المَاء أسغت شَرْقي بِالْمَاءِ فَإِذا غصصت بِالْمَاءِ فَبِمَ أسيغه وَقد صَار الْبَيْت مثلا للتأذي مِمَّن يُرْجَى إحسانه. قَالَ ابْن عبد ربه فِي العقد الفريد: هَذَا الْبَيْت أول مَا قيل فِي مَعْنَاهُ.
وَقَالَ آخر: الطَّوِيل
(إِلَى المَاء يسْعَى من يغص بريقه ... فَقل أَيْن يسْعَى من يغص بِمَاء)
وَقَالَ الْأَحْنَف بن قيس: من فَسدتْ بطانته كَانَ كمن غص بِالْمَاءِ. وَقَالَ الْعَبَّاس بن أحنف:)
стр. 4050
السَّرِيع
(قلبِي إِلَى مَا ضرني دَاعِي ... يكثر أحزاني وأوجاعي)
(كَيفَ احتراسي من عدوي إِذا ... كَانَ عدوي بَين أضلاعي)
وَقَالَ آخر: الْخَفِيف وَالْبَيْت من قصيدة لعدي بن زيد يُخَاطب بهَا النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَكَانَ قد حَبسه النُّعْمَان.
وَقَبله وَهُوَ أول القصيدة: الرمل
(أبلغ النُّعْمَان عني مألكاً ... أَنه قد طَال حبسي وانتظاري)
وأبلغ فعل أَمر. والمألك: بِسُكُون الْهمزَة وَضم اللَّام: الرسَالَة.
وَقَالَ الزّجاج فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَإِذ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا: ومألك: جمع مألكة.
وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَبَقِيَّة القصيدة مَذْكُورَة فِي العقد الفريد وَفِي الأغاني وَغَيرهمَا.
وَقد استعطفه عديٌّ بعدة قصائد فَلم تَنْفَعهُ شَيْئا ثمَّ قَتله بعد مُدَّة طَوِيلَة فِي الْحَبْس.
وَقد ذكرنَا سَبَب حَبسه وَكَيْفِيَّة قَتله مَعَ تَرْجَمته فِي الشَّاهِد السِّتين.
وَأنْشد بعده: الطَّوِيل
(يَقُولُونَ ليلى أرْسلت بشفاعةٍ ... إِلَيّ فَهَلا نفس ليلى شفيعها)
لما تقدم فِي الْبَيْت قبله. وَفِيه التخريجان الْآخرَانِ أَيْضا.
стр. 4051
وَقد تقدم شَرحه فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده الطَّوِيل
(تريدين كَيْمَا تجمعيني وخالداً ... وَهل يجمع السيفان وَيحك فِي غمد)
على أَن كي جَاءَت من غير سَبَبِيَّة بعد فعل الْإِرَادَة. وَمَا بعْدهَا زَائِدَة وَالْفِعْل مَنْصُوب بِحَذْف النُّون وَالنُّون الْمَوْجُودَة للوقاية.
قَالَ التبريزي فِي شرح الكافية: فجوز الْفَصْل بَين كي وَبَين الْفِعْل بِلَا النافية بالِاتِّفَاقِ كَقَوْلِه تَعَالَى: كَيْلا يكون دولةً وَبلا الزَّائِدَة كَقَوْل قيس بن سعد ابْن عبَادَة:
(أردْت لكيلا يعلم النَّاس أَنَّهَا ... سَرَاوِيل قيسٍ والوفود شُهُود)
)
وَقد فصل بَينهمَا بِمَا الزَّائِدَة وَلَا النافية كَقَوْل الآخر:
(أَرَادَت لكيما لَا تراني عشيرتي ... وَمن ذَا الَّذِي يعْطى الْكَمَال فيكمل)
وَلَا يجوز الْفَصْل بَينهمَا بِغَيْر مَا ذكر. اه.
وَالْبَيْت أول أبياتٍ خمسةٍ لأبي ذُؤَيْب الْهُذلِيّ.
وَبعده:
(أخالد مَا راعيت من ذِي قرابةٍ ... فتحفظني بِالْغَيْبِ أَو بعض مَا تبدي)
(دعَاك إِلَيْهَا مقلتاها وجيدها ... فملت كَمَا مَال الْمُحب على عمد)
...
стр. 4052
(فآليت لَا أَنْفك أحدو قصيدةً ... تكون وَإِيَّاهَا بهَا مثلا بعدِي)
وَسبب هَذِه الأبيات أَن أَبَا ذُؤَيْب كَانَ يعشق امْرَأَة اسْمهَا أم عَمْرو وَكَانَ رَسُوله إِلَيْهَا خَالِدا وَهُوَ ابْن أختٍ لَهُ وَقيل ابْن عمٍّ لَهُ وَكَانَ جميلاً فعشقته أم عَمْرو فَلَمَّا أَيقَن أَبُو ذُؤَيْب بغدر خَالِد صرمها فَأرْسلت تترضاه فَلم يفعل وَقَالَ هَذِه الأبيات.
وَكَانَ أَبُو ذُؤَيْب فعل كَذَلِك بِرَجُل يُقَال لَهُ مَالك بن عويمرٍ وَكَانَ رَسُوله إِلَيْهَا.
وَتقدم شرح هَذِه الْقِصَّة مَبْسُوطا بأبسط من هَذَا فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالْأَرْبَعِينَ بعد الثلثمائة.
وَجرى بَين أبي ذُؤَيْب وَبَين خالدٍ أشعارٌ مذكورةٌ فِي أشعار الهذليين مِنْهَا قَول خالدٍ يجِيبه قصيدةً على هَذَا الروي وَالْوَزْن: الطَّوِيل
(فَلَا تجزعن من سنةٍ أَنْت سرتها ... فَأول راضٍ سنة من يسيرها)
وَقَوله: تريدين كَيْمَا تجمعيني وخالداً هَكَذَا رَوَاهُ السكرِي وَغَيره. وَرَوَاهُ ابْن السّكيت فِي إصْلَاح الْمنطق وَصَاحب الصِّحَاح: تريدين كَيْمَا تضمديني وخالداً وَقَالَ: الضمد: أَن تتَّخذ الْمَرْأَة خليلين وَفعله من بَاب ضرب.
وَهل: للاستفهام الإنكاري. والغمد بِالْكَسْرِ: قرَاب
стр. 4053
السَّيْف. وَفِي أَمْثَال الْعَرَب: لَا يجمع سيفان وَقد اسْتعْمل هَذَا المصراع مثلا. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي أَمْثَاله: هُوَ من قَول أبي ذُؤَيْب. يضْرب فِي قلَّة الِاتِّفَاق. اه.
وَمِنْه قَول يزِيد بن خذاق الشني من قصيدةٍ مذكورةٍ فِي المفضليات:
(لن تجمعُوا ودي ومعتبتي ... أَو يجمع السيفان فِي غمد))
وَقَول العديل بن الفرخ الْعجلِيّ من قصيدة مَذْكُورَة فِي الحماسة: الطَّوِيل
(وعل النَّوَى بِالدَّار تجمع بَيْننَا ... وَهل يجمع السيفان وَيحك فِي غمد)
وَقَوله: أخالد مَا راعيت إِلَخ الْهمزَة للنداء.
قَالَ السكرِي: أَرَادَ: فتحفظني بِالْغَيْبِ أَو فِي بعض مَا تظهر لي من الإخاء والمودة. والغيب: السِّرّ.
وَقَوله: فَكنت كرقراق إِلَخ قَالَ السكرِي: يَقُول: ظَنَنْت أَن
стр. 4054
لَك أَمَانَة فَكنت كالسراب الَّذِي يكذب من رَآهُ يظنّ أَنه ماءٌ وَلَيْسَ بماءٍ وَكَذَلِكَ أَنْت.
وَقَوله: فآليت إِلَخ هَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد النَّحْوِيين فِي بَاب الْمَفْعُول مَعَه. وآليت: حَلَفت. وَلَا أَنْفك: لَا أَزَال. وأحذو رَوَاهُ السكرِي بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة لَا غير. بِمَعْنى أطابق.
قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل: وَمعنى أحذو: أصنع وأهيىء كَمَا تحذى النَّعْل على الْمِثَال إِذا سويت عَلَيْهِ. وَمن روى: أحدو بدال غير مُعْجمَة فَهُوَ من قَوْلهم: حدوت الْبَعِير إِذا سقته وَأَنت تتغنى فِي أَثَره لينشط فِي السّير.
وَنقل الْعَيْنِيّ عَن ابْن يسعون أَنه قَالَ على هَذِه الرِّوَايَة: عِنْدِي فِي أحدو ثَلَاثَة أوجه: الأول: أَن يُرِيد أحدو قصيدةً إِلَيْك أَي: أسوقها حَادِيًا كَمَا يفعل الْحَادِي بِالْإِبِلِ عِنْد سوقها لِأَنَّهُ يتَغَنَّى وَإِنَّمَا أَرَادَ بذلك الشُّهْرَة.
الثَّانِي: أَن يُرِيد أحدو غدرتك لي قصيدةً أبلغ بتخليدها فِيك أملي. فَحذف الْمَفْعُول للْحَال الدَّالَّة عَلَيْهِ وَنصب قصيدةً نصب الْمصدر أَي: حدو قصيدةٍ فَلَمَّا حذف الْمُضَاف أَقَامَ الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه.
الثَّالِث: أَن يُرِيد: أتحدى لَهَا وأتبعها ناظماً لَهَا حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ: أوالي قصيدة.
ثمَّ قَالَ الْعَيْنِيّ: وَقَالَ السكرِي: أحدو مَعْنَاهُ: أُغني فعلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يكون قَوْله قصيدة مَفْعُولا بِإِسْقَاط حرف الْجَرّ وَهُوَ الْبَاء. اه.
стр. 4055
أَقُول: إِن السكرِي لم يرو أحدو بدال مُهْملَة فَكيف يُفَسِّرهَا بِمَا ذكر. وَإِنَّمَا أحدو مَعْنَاهُ أسوق فَلَا حذف.
وَقَوله: تكون وَإِيَّاهَا إِلَخ قَالَ ابْن السَّيِّد: تكون فِي مَوضِع الصّفة لقصيدة وَهِي صفةٌ جرت على غير من هِيَ لَهُ وَلَو جَعلتهَا صفة مَحْضَة لبرز الضَّمِير الْفَاعِل الْمُسْتَتر فِيهَا وَكنت تَقول:)
كَائِنا بهَا أَنْت وَإِيَّاهَا.
وَالضَّمِير فِي قَوْله: وَإِيَّاهَا يعود على الْمَرْأَة كَأَنَّهُ قَالَ: حَلَفت لَا أَزَال أصنع قصيدةً تكون مَعَ هَذِه الْمَرْأَة مثلا بعدِي أَي: إِنَّهَا تبقى مَا بَقِي الدَّهْر.
قَالَ الْعَيْنِيّ: فَإِن قلت: كَيفَ يكون مثلا خَبرا والتطابق شَرط قلت: هُوَ مُفْرد وَقع موقع التَّثْنِيَة. وَكَذَلِكَ قد يَقع موقع الْجمع لما فِيهِ من الْعُمُوم المتقضي للكثرة. هَذَا كَلَامه. فَتَأَمّله.
قَالَ أَبُو عَليّ: نصب وَإِيَّاهَا على الْمَفْعُول مَعَه بتوسط الْوَاو لما لم يُمكنهُ الْعَطف فَيَقُول: تكون وَهِي لأمرين: أَحدهمَا: كسر الْبَيْت لَو فعل ذَلِك.
وَالثَّانِي: قبح الْعَطف على الضَّمِير الْمَرْفُوع وَهُوَ غير مُؤَكد.
وَقَالَ ابْن بري فِي شرح أَبْيَات الْإِيضَاح لأبي عَليّ: لما لم يُمكنهُ الْعَطف على الضَّمِير فِي تكون من غير تَأْكِيد نصب على معنى مَعَ. وَكَانَ أَبُو الْحسن يذهب إِلَى انتصابه على الظّرْف كَمَا كَانَت مَعَ فَلَمَّا حذفت وَقَامَت الْوَاو مقَامهَا انتصب الِاسْم على ذَلِك الْمَعْنى وَدخلت مهيئة لعمل الْفِعْل فِيهِ ونصبه على الظّرْف.
وَمعنى الْعَطف قائمٌ فِيهَا وجائزٌ فِيهَا وَلذَلِك لم تعْمل الْجَرّ كَمَا لَا تعمله حُرُوف الْعَطف بِخِلَاف
стр. 4056
وَاو الْقسم لِأَن معنى الْعَطف معدومٌ فِيهَا.
وَالصَّوَاب مَذْهَب الْجُمْهُور لِأَن وجود معنى الْعَطف فِيهِ يُنَافِي الظَّرْفِيَّة لِأَن الْعَطف فِي التَّقْدِير من جملَة أُخْرَى والظرف من الْجُمْلَة الأولى وَلِأَن تَقْدِيره بفي بعيدٌ إِذْ لَا يجوز تقديرها قبل الْوَاو لفصلها بَين الْجَار وَالْمَجْرُور وَلَا بعْدهَا لفصلها بَين الْفِعْل وَمَا تعلق بِهِ. انْتهى كَلَامه.
وَقَالَ السكرِي: روى الْبَاهِلِيّ: أدعك وَإِيَّاهَا ويروى: أذرك وَإِيَّاهَا فَجزم لِكَثْرَة الحركات.
وروى أَيْضا: تَكُونَانِ فِيهَا للملا مثلا بعدِي وعَلى هَذِه الرِّوَايَات الثَّلَاث لَا شَاهد فِيهِ.
وترجمة أبي ذُؤَيْب وَهُوَ شاعرٌ إسلامي تقدّمت فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالسِّتِّينَ.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْوَاحِد وَالسِّتُّونَ بعد الستمائة)
الطَّوِيل على أَن حَتَّى فِيهِ ابتدائية وَالْفِعْل بعْدهَا مَرْفُوع بِثُبُوت النُّون وَنصب نضبع بالْعَطْف على توهم نصب مَا قبله.
وَهَذَا على رِوَايَة ثَعْلَب فِي أَمَالِيهِ عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: وَالْمعْنَى تمدون أَيْدِيكُم إِلَيْنَا بِالسُّيُوفِ ونمد أَيْدِينَا.
وَكَذَا قَالَ ابْن السّكيت فِي إصْلَاح الْمنطق: أَي: تمدون إِلَيْنَا أضباعكم بِالسُّيُوفِ ونمد
стр. 4057
إِلَيْكُم أضباعنا بِالسُّيُوفِ. قَالَ: وَقد ضبعت الْخَيل وَالْإِبِل تضبع بِفَتْح الْبَاء فيهمَا ضبعاً بسكونها إِذا مدت أضباعها فِي عدوها وَهِي أعضادها. وَمِنْه هَذَا الْبَيْت. لكنه رَوَاهُ بِالنّصب.
وَتَبعهُ صَاحب الصِّحَاح هَكَذَا: وَلَا صلح حَتَّى تضبعونا ونضبعا فحتى فِيهِ جَارة وتضبعونا مَنْصُوب بِأَن على حذف النُّون ونا ضمير الْمُتَكَلّم مَعَ الْغَيْر مَفْعُوله وَالْفِعْل مُسْتَقْبل وَلَا حَاجَة لتأويله بِالْحَال وَيكون نصب نضبع بالْعَطْف عَلَيْهِ ظَاهرا من غير ادِّعَاء توهم.
وَفَسرهُ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء كَمَا نَقله صَاحب الصِّحَاح بقوله: أَي حَتَّى تضبعون للصلح والمصافحة.
وَقد جَاءَ نَظَائِره بِالنّصب مِنْهَا مَا أنْشدهُ صَاحب الْعباب قَالَ: وضبعت الرجل مددت إِلَيْهِ ضبعي للضرب قَالَ عَمْرو بن الْأسود أحد بني سبيع وَكَانَت امْرَأَة اسْمهَا غضوب هجت مربع بن سبيع فَقَتلهَا مربع فَعرض قوم مربع الدِّيَة فَأبى قَومهَا: الطَّوِيل
(كَذبْتُمْ وَبَيت الله نرفع عقلهَا ... عَن الْحق حَتَّى تضبعوا ثمَّ نضبعا)
أَي: حَتَّى تمدوا إِلَيْنَا أضباعكم بِالسُّيُوفِ ونمد أضباعنا إِلَيْكُم. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: أَي: حَتَّى تضبعوا للصلح والمصافحة. انْتهى.
والضبع بِسُكُون الْمُوَحدَة وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة: الْعَضُد وَقيل من الْعَضُد: وَسطه بِلَحْمِهِ يُقَال: أخذت بضبعي فلانٍ فَلم أفارقه. ومددت
стр. 4058
بضبعيه إِذا
قبضت وسط عضديه.
وَمِنْهَا قَول عَمْرو بن شأسٍ الجاهلي من قصيدة: الطَّوِيل)
(بني أسدٍ هَل تعلمُونَ بلاءنا ... إِذا كَانَ يَوْمًا ذَا كواكب أشنعا)
(إِذا كَانَت الحو الطوَال كَأَنَّمَا ... كساها السِّلَاح الأرجوان المضلعا)
(نذود الْمُلُوك عَنْكُم وتذودنا ... إِلَى الْمَوْت حَتَّى يضبعوا ثمَّ نضبعا)
وَالْبَيْت الأول من الثَّلَاثَة اسْتشْهد بِهِ سِيبَوَيْهٍ على أَنه أَرَادَ الشَّاعِر إِذا كَانَ الْيَوْم يَوْمًا. وأضمر لعلم الْمُخَاطب وَمَعْنَاهُ إِذا كَانَ الْيَوْم الَّذِي يَقع فِيهِ الْقِتَال. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: إِذا كَانَ يومٌ ذُو كواكب أشنعا وَمعنى كَانَ فِي الْوَجْهَيْنِ معنى وَقع وَيَوْما مَنْصُوب على الْحَال وأشنعا حَال أَيْضا مُؤَكدَة على الرِّوَايَة الثَّانِيَة. وَزعم الْمبرد أَنه خبر كَانَ وردوا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِي هَذَا الْإِخْبَار.
والحو: جمع أحوى أَرَادَ بِهِ أَن الْخَيل السود قد صبغت بِدَم الْأَعْدَاء حَتَّى صَارَت كالأرجوان.
وتضبعون هُنَا ظاهرٌ فِيمَا فسره أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء.
وَالْبَيْت الشَّاهِد لم أَقف على تتمته وَلَا على قَائِله. وَالله أعلم.
стр. 4059
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّانِي وَالسِّتُّونَ بعد الستمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الوافر
(سأترك منزلي لبني تميمٍ ... وَألْحق بالحجاز فأستريحا)
على أَن أستريح جَاءَ مَنْصُوبًا بعد الْفَاء فِي ضَرُورَة الشّعْر فِيمَا لَيْسَ فِيهِ معنى النَّفْي أصلا.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقد يجوز النصب فِي الْوَاجِب فِي اضطرار الشّعْر ونصبه فِي الإضطرار من حَيْثُ انتصب فِي غير الْوَاجِب وَذَلِكَ لِأَنَّك تجْعَل أَن العاملة. فمما نصب فِي الشّعْر اضطراراً قَوْله: وَهُوَ ضعيفٌ فِي الْكَلَام. انْتهى.
قَالَ الأعلم: ويروى: لأستريحا: وَلَا ضَرُورَة فِيهِ على هَذَا.
وَقَالَ ابْن السراج فِي الْأُصُول: جعل لحاقه بالحجاز سَببا لاستراحته فتقديره لما نصب كَأَنَّهُ قَالَ: يكون لحاقٌ فاستراحة.
وَقد جَاءَ مثله فِي الشّعْر لقومٍ فصحاء إِلَّا أَنه قبح النصب فِي الْعَطف على الْوَاجِب الَّذِي على غير شَرطه لِأَنَّهُ قد جعل لهَذَا الْمَعْنى آلاتٌ وَكَانَ حق الْكَلَام أَن يَقُول: لَو كَانَ فِي غير شعر: وَألْحق بالحجاز فَإِذا لحقت استرحت أَو: وَإِن ألحق أسترح.)
وَمَعَ ذَلِك فَإِن الْإِيجَاب على غير شَرط أصل الْكَلَام وَإِزَالَة اللَّفْظ عَن جِهَته فِي الْفُرُوع أحسن مِنْهَا فِي الْأُصُول لِأَنَّهَا أدل على الْمعَانِي. انْتهى.
وَنقل أَبُو عَليّ هَذِه الْعبارَة بِعَينهَا فِي التَّذْكِرَة.
وَأورد ابْن عُصْفُور فِي كتاب الضرائر لهَذَا الْبَيْت نَظَائِر ثمَّ قَالَ:
стр. 4060
لما اضْطر إِلَى اسْتِعْمَال النصب بدل الرّفْع حكم لَهَا حكم الْأَفْعَال الْوَاقِعَة بعد الْفَاء فِي الْأَجْوِبَة الثَّمَانِية فنصب بإضمار أَن وتؤولت الْأَفْعَال الَّتِي قبلهَا تَأْوِيلا يُوجب النصب فَحكم لقَوْله وَألْحق بالحجاز بِحكم: وَيكون مني لحاقٌ بالحجاز فاستراحة فعطفت بِالْفَاءِ على الْمصدر المتوهم. انْتهى.
وَلبس عباءةٍ وتقر عَيْني غير جيد. وَقَالَ أَيْضا: لقائلٍ أَن يَقُول: لَا نسلم أَن أستريح مَنْصُوب بل هُوَ مَرْفُوع مُؤَكد بالنُّون الْخَفِيفَة مَوْقُوفا عَلَيْهَا بِالْألف وتأكيد مثل هَذَا جَائِز فِي الضَّرُورَة.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: يجوز للْمُضْطَر: أَنْت تفعلن. وَلَا شكّ أَن التَّخْرِيج على هَذَا مُتَّجه بِخِلَاف التَّخْرِيج على النصب مَعَ فقد شَرطه.
هَذَا كَلَامه.
وَهُوَ من بَاب غسل الدَّم بِالدَّمِ لِأَنَّهُ تفصى من ضَرُورَة ولجأ إِلَى ضَرُورَة وَشرط كلٍّ من النصب والتأكيد مَفْقُود.
وَنقل الدماميني أَن بَعضهم رام تَخْرِيجه على النصب فِي جَوَاب النَّفْي الْمَعْنَوِيّ الْمُسْتَفَاد من قَوْله: سأترك منزلي إِذْ مَعْنَاهُ: لَا أقيم بِهِ. ثمَّ تعقبه بِأَنَّهُ غير مُتَّجه لِأَن جَوَاب النَّفْي منفيٌّ لَا ثَابت نَحْو: مَا جَاءَ زيد فَأكْرمه بِالنّصب والاستراحة ثَابِتَة لَا منفية.
وَالْبَيْت لم يعزه أحدٌ من خدمه كتاب سِيبَوَيْهٍ إِلَى قائلٍ معِين.
стр. 4061
وَنسبه الْعَيْنِيّ وَتَبعهُ السُّيُوطِيّ فِي أَبْيَات الْمُغنِي إِلَى الْمُغيرَة بن حبناء بن عَمْرو بن ربيعَة الْحَنْظَلِي التَّمِيمِي. وَقد رجعت إِلَى ديوانه وَهُوَ صَغِير فَلم أَجِدهُ فِيهِ.
وَقَالَ صَاحب الأغاني: وحبناء: لقبٌ على أمه غلب على أَبِيه واسْمه حبين. هاجى زياداً الْأَعْجَم. وحبناء بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُوَحدَة بعْدهَا نون وَألف ممدودة. وحبين بِضَم الْمُهْملَة وَفتح الْمُوَحدَة.
وَأنْشد بعده)
(الشَّاهِد الثَّالِث وَالسِّتُّونَ بعد الستمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الطَّوِيل
ألم تسْأَل الرّبع القواء فينطق هَذَا صدرٌ وعجزه: وَهل تخبرنك الْيَوْم بيداء سملق على أَن مَا بعد فَاء السَّبَبِيَّة قد يبْقى على رَفعه قَلِيلا وَهُوَ مُسْتَأْنف.
وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ هَذَا الْبَيْت وَقَالَ: لم يَجْعَل الأول سَبَب الآخر وَلكنه جعله ينْطق على كل حَال كَأَنَّهُ قَالَ: وَهُوَ مِمَّا ينْطق كَمَا قَالَ: ائْتِنِي وأحدثك فَجعل نَفسه مِمَّن يحدثه على كل حَال.
وَزعم
стр. 4062
يُونُس أَنه سمع هَذَا الْبَيْت بألم. وَإِنَّمَا كتبت ذَا لِئَلَّا يَقُول إنسانٌ فَلَعَلَّ الشَّاعِر قَالَ: أَلا.
قَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس عَن أبي إِسْحَاق قَالَ: إِنَّه تقريرٌ مَعْنَاهُ: إِنَّك سَأَلته. فيقبح النصب لِأَن الْمَعْنى يكون: إِنَّك إِن تسأله ينْطق.
وَيمْنَع سِيبَوَيْهٍ أَن يرْوى: أَلا تسْأَل الرّبع لِأَنَّهُ لَو رَوَاهُ كَذَا حسن النصب لِأَن مَعْنَاهُ فَإنَّك إِن تسأله ينْطق.
قَالَ أَبُو الْحسن: ألم تَرَ أَن الله أنزل من السَّمَاء مَاء فَتُصْبِح الأَرْض مخضرة. والقواء: الَّتِي لَا تنْبت. والسملق: الخالية. انْتهى.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ رفع ينْطق على الِاسْتِئْنَاف وَالْقطع على معنى فَهُوَ ينْطق وَإِيجَاب ذَلِك لَهُ. وَلَو أمكنه النصب على الْجَواب لَكَانَ أحسن. وَالرّبع: الْمنزل. والقواء: القفر. وَجعله ناطقاً للاعتبار بدروسه وتغيره. ثمَّ حقق أَنه لَا يُجيب وَلَا يخبر سائله لعدم القاطنين بِهِ.
والبيداء: القفر. والسملق: الَّتِي لَا شَيْء بهَا. انْتهى.
وَأوردهُ الْفراء عِنْد هَذِه الْآيَة من تَفْسِيره قَالَ: رفعت فَتُصْبِح لِأَن الْمَعْنى فِي ألم تَرَ مَعْنَاهُ خبر كَأَنَّك قلت فِي الْكَلَام: أعلم أَن الله ينزل من السَّمَاء مَاء فَتُصْبِح الأَرْض.
وَهُوَ مثل قَول الشَّاعِر: ألم تسال الرّبع الْقَدِيم فينطق أَي: قد سَأَلته فَنَطَقَ. وَلَو جعلته استفهاماً وَجعلت الْفَاء شرطا لنصبت كَمَا قَالَ الآخر:
стр. 4063
الوافر)
(ألم تسْأَل فتخبرك الديارا ... عَن الْحَيّ المضلل حَيْثُ سارا)
والجزم فِي هَذَا الْبَيْت جَائِز كَمَا قَالَ: الطَّوِيل
(فَقلت لَهُ صوب وَلَا تجهدنه ... فيذرك من أُخْرَى القطاة فتزلق)
فَجعل الْجَواب بِالْفَاءِ كالمنسوق على مَا قبله. انْتهى.
وَقَالَ ابْن المستوفي: قصد الشَّاعِر نفي السُّؤَال فَرفع. وَقد جوزوا فِيهِ النصب والجزم لَوْلَا أَن الروي مَرْفُوع.
وَهَذَا هُوَ مَا نَقَلْنَاهُ عَن الْفراء.
وَأما قَول ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: الْفَاء فِيهِ للاستئناف أَي: فَهُوَ ينْطق لِأَنَّهَا لَو كَانَت للْعَطْف لجزم مَا بعْدهَا وَلَو كَانَت للسَّبَبِيَّة لنصب فقد قَالَ شراحه: الْمُلَازمَة الثَّانِيَة مَمْنُوعَة فقد تتَحَقَّق السَّبَبِيَّة مَعَ رفع الْفِعْل كَمَا قيل فِي قَوْله: تَعَالَى: لَا يُؤذن لَهُم فيعتذرون. نعم الْأَكْثَر مَعَ السَّبَبِيَّة النصب اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال إِن الْمُلَازمَة إِلَى الْأَكْثَر.
وَهَذَا الِاعْتِرَاض إِنَّمَا هُوَ من كَلَام الشَّارِح الْمُحَقق هُنَا
стр. 4064
وَبعده:
(بمختلف الْأَرْوَاح بَين سويقةٍ ... وأحدب كَادَت بعد عَهْدك تخلق)
(أضرت بهَا النكباء كل عشيةٍ ... ونفح الصِّبَا والوابل المتبعق)
(وقفت بهَا حَتَّى تجلت عمايتي ... ومل الْوُقُوف الأرحبي المنوق)
(وَقَالَ خليلي إِن ذَا لصبابةٌ ... أَلا تزجر الْقلب اللجوج فَيلْحق)
(تعز وَإِن كَانَت عَلَيْك كَرِيمَة ... لَعَلَّك من أَسبَاب بثنة تعْتق)
(فَقلت لَهُ إِن البعاد يشوقني ... وَبَعض بعاد الْبَين والنأي أشوق)
روى صَاحب الأغاني عَن الْهَيْثَم أَن جميلاً طَال مقَامه بِالشَّام ثمَّ قدم وَبلغ بثينة خَبره فراسلته مَعَ بعض نسَاء الْحَيّ تذكر شوقها إِلَيْهِ ووجدها بِهِ وواعدته لموضعٍ يَلْتَقِيَانِ فِيهِ فَصَارَ إِلَيْهَا وحادثها طَويلا وأخبرها بِحَالهِ بعْدهَا وَقد كَانَ أَهلهَا رصدوها فَلَمَّا فقدوها تبعها أَبوهَا وأخوها حَتَّى هجما عَلَيْهَا فَوَثَبَ جميلٌ فسل سَيْفه وَشد عَلَيْهِمَا فاتقياه بالهرب وَنَاشَدْته بثينة بالانصراف وَقَالَت لَهُ: إِن أَقمت فضحتني وَلَعَلَّ الْحَيّ أَن يلحقوك فَأبى وَقَالَ: أَنا مقيمٌ وامضي أَنْت وليصنعوا مَا أَحبُّوا فَلم تزل بِهِ تناشده حَتَّى انْصَرف.)
وَقَالَ فِي ذَلِك وَقد هجوته مُدَّة طَوِيلَة وَلم تلقه هَذِه القصيدة وَهِي طَوِيلَة.
قَوْله: ألم تسْأَل الرّبع إِلَخ قَالَ اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل الرّبع: الدَّار بِعَينهَا حَيْثُمَا كَانَت.
والمربع: الْمنزل فِي الرّبيع خَاصَّة.
стр. 4065
والقواء: القفر. يُقَال: ربعٌ قواءٌ وَدَار قواء أَي: خَالِيَة.
والبيداء: القفر الَّذِي يبيد من سلكه أَي: يهلكه. والسملق: الأَرْض الَّتِي لَا تنْبت شَيْئا. وَقيل: هِيَ السهلة المستوية. ومفعول تسْأَل الثَّانِي مَحْذُوف وَالتَّقْدِير: ألم تسْأَل الرّبع عَن أَهله فينطق.
انْتهى.
وَقَالَ ابْن السَّيِّد: وَمعنى نطق الرّبع مَا يتَبَيَّن من آثاره. وَالْعرب تسمي كل دَلِيل نطقاً وقولاً وكلاماً. قَالَ الله تَعَالَى: هَذَا كتَابنَا ينْطق عَلَيْكُم بِالْحَقِّ. وَمِنْه قَول زُهَيْر: أَمن أم أوفى دمنةٌ لم تكلم أَي: لم يكن بهَا أثر يستبان لقدم عهدها بالنزول فِيهَا وَنَحْوه. انْتهى.
وَقَوله: وَهل تخبرنك الْيَوْم إِلَخ رد على نَفسه بِأَن مثله لَا ينْطق فيجيب. وَهَذَا رجوعٌ إِلَى الْحَقِيقَة بعد الْمجَاز.
وَمثله مَا أنْشدهُ أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني لمُحَمد بن عبد الله بن مُسلم بن الْمولى مولى الْأَنْصَار من مخضرمي الدولتين يمدح الْمهْدي: الطَّوِيل
(سلا دَار ليلى هَل تبين فَتَنْطِق ... وأنى ترد القَوْل بيداء سملق)
وَقَوله: فينطق الْفَاء للاستئناف وَجُمْلَة: ينْطق خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: فَهُوَ ينْطق.
قَالَ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَهُوَ الله فِي السَّمَوَات وَفِي الأَرْض يعلم سركم وجهركم: يعلم: جملَة مستأنفة أَي: هُوَ يعلم سركم.
следующие страницы →