Полный текст (5 658 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.
стр. 4061
وَنسبه الْعَيْنِيّ وَتَبعهُ السُّيُوطِيّ فِي أَبْيَات الْمُغنِي إِلَى الْمُغيرَة بن حبناء بن عَمْرو بن ربيعَة الْحَنْظَلِي التَّمِيمِي. وَقد رجعت إِلَى ديوانه وَهُوَ صَغِير فَلم أَجِدهُ فِيهِ.
وَقَالَ صَاحب الأغاني: وحبناء: لقبٌ على أمه غلب على أَبِيه واسْمه حبين. هاجى زياداً الْأَعْجَم. وحبناء بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُوَحدَة بعْدهَا نون وَألف ممدودة. وحبين بِضَم الْمُهْملَة وَفتح الْمُوَحدَة.
وَأنْشد بعده)
(الشَّاهِد الثَّالِث وَالسِّتُّونَ بعد الستمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الطَّوِيل
ألم تسْأَل الرّبع القواء فينطق هَذَا صدرٌ وعجزه: وَهل تخبرنك الْيَوْم بيداء سملق على أَن مَا بعد فَاء السَّبَبِيَّة قد يبْقى على رَفعه قَلِيلا وَهُوَ مُسْتَأْنف.
وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ هَذَا الْبَيْت وَقَالَ: لم يَجْعَل الأول سَبَب الآخر وَلكنه جعله ينْطق على كل حَال كَأَنَّهُ قَالَ: وَهُوَ مِمَّا ينْطق كَمَا قَالَ: ائْتِنِي وأحدثك فَجعل نَفسه مِمَّن يحدثه على كل حَال.
وَزعم
стр. 4062
يُونُس أَنه سمع هَذَا الْبَيْت بألم. وَإِنَّمَا كتبت ذَا لِئَلَّا يَقُول إنسانٌ فَلَعَلَّ الشَّاعِر قَالَ: أَلا.
قَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس عَن أبي إِسْحَاق قَالَ: إِنَّه تقريرٌ مَعْنَاهُ: إِنَّك سَأَلته. فيقبح النصب لِأَن الْمَعْنى يكون: إِنَّك إِن تسأله ينْطق.
وَيمْنَع سِيبَوَيْهٍ أَن يرْوى: أَلا تسْأَل الرّبع لِأَنَّهُ لَو رَوَاهُ كَذَا حسن النصب لِأَن مَعْنَاهُ فَإنَّك إِن تسأله ينْطق.
قَالَ أَبُو الْحسن: ألم تَرَ أَن الله أنزل من السَّمَاء مَاء فَتُصْبِح الأَرْض مخضرة. والقواء: الَّتِي لَا تنْبت. والسملق: الخالية. انْتهى.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ رفع ينْطق على الِاسْتِئْنَاف وَالْقطع على معنى فَهُوَ ينْطق وَإِيجَاب ذَلِك لَهُ. وَلَو أمكنه النصب على الْجَواب لَكَانَ أحسن. وَالرّبع: الْمنزل. والقواء: القفر. وَجعله ناطقاً للاعتبار بدروسه وتغيره. ثمَّ حقق أَنه لَا يُجيب وَلَا يخبر سائله لعدم القاطنين بِهِ.
والبيداء: القفر. والسملق: الَّتِي لَا شَيْء بهَا. انْتهى.
وَأوردهُ الْفراء عِنْد هَذِه الْآيَة من تَفْسِيره قَالَ: رفعت فَتُصْبِح لِأَن الْمَعْنى فِي ألم تَرَ مَعْنَاهُ خبر كَأَنَّك قلت فِي الْكَلَام: أعلم أَن الله ينزل من السَّمَاء مَاء فَتُصْبِح الأَرْض.
وَهُوَ مثل قَول الشَّاعِر: ألم تسال الرّبع الْقَدِيم فينطق أَي: قد سَأَلته فَنَطَقَ. وَلَو جعلته استفهاماً وَجعلت الْفَاء شرطا لنصبت كَمَا قَالَ الآخر:
стр. 4063
الوافر)
(ألم تسْأَل فتخبرك الديارا ... عَن الْحَيّ المضلل حَيْثُ سارا)
والجزم فِي هَذَا الْبَيْت جَائِز كَمَا قَالَ: الطَّوِيل
(فَقلت لَهُ صوب وَلَا تجهدنه ... فيذرك من أُخْرَى القطاة فتزلق)
فَجعل الْجَواب بِالْفَاءِ كالمنسوق على مَا قبله. انْتهى.
وَقَالَ ابْن المستوفي: قصد الشَّاعِر نفي السُّؤَال فَرفع. وَقد جوزوا فِيهِ النصب والجزم لَوْلَا أَن الروي مَرْفُوع.
وَهَذَا هُوَ مَا نَقَلْنَاهُ عَن الْفراء.
وَأما قَول ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: الْفَاء فِيهِ للاستئناف أَي: فَهُوَ ينْطق لِأَنَّهَا لَو كَانَت للْعَطْف لجزم مَا بعْدهَا وَلَو كَانَت للسَّبَبِيَّة لنصب فقد قَالَ شراحه: الْمُلَازمَة الثَّانِيَة مَمْنُوعَة فقد تتَحَقَّق السَّبَبِيَّة مَعَ رفع الْفِعْل كَمَا قيل فِي قَوْله: تَعَالَى: لَا يُؤذن لَهُم فيعتذرون. نعم الْأَكْثَر مَعَ السَّبَبِيَّة النصب اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال إِن الْمُلَازمَة إِلَى الْأَكْثَر.
وَهَذَا الِاعْتِرَاض إِنَّمَا هُوَ من كَلَام الشَّارِح الْمُحَقق هُنَا
стр. 4064
وَبعده:
(بمختلف الْأَرْوَاح بَين سويقةٍ ... وأحدب كَادَت بعد عَهْدك تخلق)
(أضرت بهَا النكباء كل عشيةٍ ... ونفح الصِّبَا والوابل المتبعق)
(وقفت بهَا حَتَّى تجلت عمايتي ... ومل الْوُقُوف الأرحبي المنوق)
(وَقَالَ خليلي إِن ذَا لصبابةٌ ... أَلا تزجر الْقلب اللجوج فَيلْحق)
(تعز وَإِن كَانَت عَلَيْك كَرِيمَة ... لَعَلَّك من أَسبَاب بثنة تعْتق)
(فَقلت لَهُ إِن البعاد يشوقني ... وَبَعض بعاد الْبَين والنأي أشوق)
روى صَاحب الأغاني عَن الْهَيْثَم أَن جميلاً طَال مقَامه بِالشَّام ثمَّ قدم وَبلغ بثينة خَبره فراسلته مَعَ بعض نسَاء الْحَيّ تذكر شوقها إِلَيْهِ ووجدها بِهِ وواعدته لموضعٍ يَلْتَقِيَانِ فِيهِ فَصَارَ إِلَيْهَا وحادثها طَويلا وأخبرها بِحَالهِ بعْدهَا وَقد كَانَ أَهلهَا رصدوها فَلَمَّا فقدوها تبعها أَبوهَا وأخوها حَتَّى هجما عَلَيْهَا فَوَثَبَ جميلٌ فسل سَيْفه وَشد عَلَيْهِمَا فاتقياه بالهرب وَنَاشَدْته بثينة بالانصراف وَقَالَت لَهُ: إِن أَقمت فضحتني وَلَعَلَّ الْحَيّ أَن يلحقوك فَأبى وَقَالَ: أَنا مقيمٌ وامضي أَنْت وليصنعوا مَا أَحبُّوا فَلم تزل بِهِ تناشده حَتَّى انْصَرف.)
وَقَالَ فِي ذَلِك وَقد هجوته مُدَّة طَوِيلَة وَلم تلقه هَذِه القصيدة وَهِي طَوِيلَة.
قَوْله: ألم تسْأَل الرّبع إِلَخ قَالَ اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل الرّبع: الدَّار بِعَينهَا حَيْثُمَا كَانَت.
والمربع: الْمنزل فِي الرّبيع خَاصَّة.
стр. 4065
والقواء: القفر. يُقَال: ربعٌ قواءٌ وَدَار قواء أَي: خَالِيَة.
والبيداء: القفر الَّذِي يبيد من سلكه أَي: يهلكه. والسملق: الأَرْض الَّتِي لَا تنْبت شَيْئا. وَقيل: هِيَ السهلة المستوية. ومفعول تسْأَل الثَّانِي مَحْذُوف وَالتَّقْدِير: ألم تسْأَل الرّبع عَن أَهله فينطق.
انْتهى.
وَقَالَ ابْن السَّيِّد: وَمعنى نطق الرّبع مَا يتَبَيَّن من آثاره. وَالْعرب تسمي كل دَلِيل نطقاً وقولاً وكلاماً. قَالَ الله تَعَالَى: هَذَا كتَابنَا ينْطق عَلَيْكُم بِالْحَقِّ. وَمِنْه قَول زُهَيْر: أَمن أم أوفى دمنةٌ لم تكلم أَي: لم يكن بهَا أثر يستبان لقدم عهدها بالنزول فِيهَا وَنَحْوه. انْتهى.
وَقَوله: وَهل تخبرنك الْيَوْم إِلَخ رد على نَفسه بِأَن مثله لَا ينْطق فيجيب. وَهَذَا رجوعٌ إِلَى الْحَقِيقَة بعد الْمجَاز.
وَمثله مَا أنْشدهُ أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني لمُحَمد بن عبد الله بن مُسلم بن الْمولى مولى الْأَنْصَار من مخضرمي الدولتين يمدح الْمهْدي: الطَّوِيل
(سلا دَار ليلى هَل تبين فَتَنْطِق ... وأنى ترد القَوْل بيداء سملق)
وَقَوله: فينطق الْفَاء للاستئناف وَجُمْلَة: ينْطق خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: فَهُوَ ينْطق.
قَالَ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَهُوَ الله فِي السَّمَوَات وَفِي الأَرْض يعلم سركم وجهركم: يعلم: جملَة مستأنفة أَي: هُوَ يعلم سركم.
стр. 4066
قَالَ التَّفْتَازَانِيّ: جرت عَادَته فِي مثل هَذَا بِتَقْدِير مُبْتَدأ وَلَا يظْهر لَهُ وجهٌ يعْتد بِهِ. وَقَالَ فِي التَّلْوِيح فِي قَوْله تَعَالَى: والراسخون فِي الْعلم يَقُولُونَ آمنا بِهِ.
هَكَذَا قَالَ جَار الله فِي الْكَشَّاف والمفصل فَيقدر الْمُبْتَدَأ فِي جَمِيع مَا هُوَ من هَذَا الْقَبِيل. وَفِيه نظر لِأَن الْجُمْلَة الفعلية صَالِحَة للابتداء من غير احْتِيَاج إِلَى تَقْدِير مُبْتَدأ.
وَفِي شرح التسهيل للدماميني: النحويون يقدرُونَ فِي الِاسْتِئْنَاف مُبْتَدأ وَذَلِكَ إِمَّا لقصد إِيضَاح الِاسْتِئْنَاف وَإِمَّا لِأَنَّهُ لَا يسْتَأْنف إِلَى على هاذ التَّقْدِير. وَإِلَّا لزم الْعَطف الَّذِي هُوَ مُقْتَضى الظَّاهِر. انْتهى.)
قَالَ شَيخنَا الشهَاب الخفاجي فِي بعض رسائله: حَاصله أَن الْجُمْلَة المضارعية المستأنفة يقتضى كَلَام الْمُفَسّرين والنحاة أَنه لَا بُد فِيهَا من تَقْدِير ضمير مُبْتَدأ. وَاسْتَشْكَلَهُ الْمُتَأَخّرُونَ بِأَنَّهُ لَا ضَرُورَة تَدْعُو إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يجوز الِاسْتِئْنَاف بِدُونِهِ. وَلم يَدْفَعهُ أحد فظنوا أَنه واردٌ غير مندفع.
وَلما تَأَمَّلت مَا قَالُوهُ حق التَّأَمُّل ظهر لي أَن الْحق مَا قَالُوهُ وَأَنه لَا بُد من هَذَا التَّقْدِير لِأَنَّك إِذا وقفت على قَوْله: فِي الأَرْض من غير تَقْدِير لم يَقع موقعه إِذْ لم يفد مَا يحسن السُّكُوت عَلَيْهِ.
وَالضَّمِير الْمُسْتَتر خفيٌّ لَا يظْهر بَادِي الرَّأْي. فَإِذا قلت يعلم لم يعلم من الْعَالم. فَإِذا كَانَ الْمُبْتَدَأ ظَاهرا أَو فِي حكمه علم المُرَاد.
وَنَظِيره النَّعْت الْمَقْطُوع إِذا رفع يقدر قبله ضمير لِأَنَّهُ مُفْرد لَا يُفِيد إِلَّا على ذَلِك التَّقْدِير.
وَبِهَذَا تبين أَن الِاعْتِرَاض من الغفول عَمَّا قَصده هَؤُلَاءِ الفحول. وَهُوَ معنى قَوْله فِي شرح التسهيل: وَإِلَّا لزم الْعَطف
стр. 4067
أَي بَطل الِاسْتِئْنَاف وَكَانَ خَبرا ثَانِيًا. وَكَيف يتَرَدَّد فِي مثله بعد اتِّفَاق النُّحَاة عَلَيْهِ.
إِلَّا أَنهم لم يبينوا أَن هَذَا الْحَذف وَاجِب أَو لَا. وَالظَّاهِر أَنه وَاجِب. وَهَذَا من مهمات الْمَقَاصِد. انْتهى كَلَام شَيخنَا.
وَمَا ذكره بحثا هُوَ كَلَام الشَّارِح الْمُحَقق عِنْد كَلَامه على قَول الشَّاعِر:
(غير أَنا لم تأتنا بِيَقِين ... فنرجي ونكثر التأميلا)
بعد نَحْو ورقة من هَذَا الْموضع.
وَقَول شَيخنَا: أَي: بَطل الِاسْتِئْنَاف وَكَانَ خَبرا ثَانِيًا. فِيهِ أَن الْخَبَر المتعدد يجوز فِيهِ الْعَطف وَلم يجب كَمَا بَين فِي مَحَله.
وَقَوله: بمختلف الْأَرْوَاح إِلَخ الْبَاء السَّبَبِيَّة. والمختلف: الْموضع الَّذِي تهب فِيهِ الرِّيَاح من كل وَجه. وسويقة بِالتَّصْغِيرِ وأحدب بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة لَا بِالْمُثَلثَةِ. موضعان.
وتخلق: تبلى يُقَال: خلق الثَّوْب بِالضَّمِّ إِذا بلي فَهُوَ خلق بِفتْحَتَيْنِ. وأخلق الثَّوْب بِالْألف لُغَة.
وَقَوله: أضرت بهَا النكباء إِلَخ. النكباء: كل ريح تهب بَين مهب ريحين لِأَنَّهَا نكبت عَن مهبها أَي: عدلت. ونفحت الرّيح بِالْحَاء الْمُهْملَة أَي: هبت من بَاب نفع.
والوابل: الْمَطَر الْعَظِيم الْقطر. والمتبعق بتَشْديد الْعين الْمُهْملَة الْمَكْسُورَة: الشَّديد الْمَطَر. يُقَال: تعبق المزن إِذا سَالَ بِشدَّة.)
стр. 4068
والعماية بِفَتْح الْمُهْملَة بعْدهَا مِيم: الضَّلَالَة وَهِي من عمى الْقلب. وروى:
غيابتي بالغين الْمُعْجَمَة. والغيابة: الظلمَة وقعر الْبِئْر وَنَحْوهَا. والأرحبي: الْجمل النجيب منسوبٌ إِلَى أرحب بِالْحَاء الْمُهْملَة: قَبيلَة وَقيل: فَحل وَقيل: مَوضِع.
وروى بدله: العنتريس وَهُوَ الْجمل الشَّديد الصلب. والمنوق: الْمُذَلل كالناقة.
وَقَوله: لَعَلَّك من أَسبَاب بثنة روى بدله: لَعَلَّك من رقٍّ لبثنة.
وَجَمِيل بن معمر شاعرٌ إسلامي تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالسِّتِّينَ من أَوَائِل الْكتاب.
وَأنْشد بعده الْكَامِل لم تدر مَا جزعٌ عَلَيْك فتجزع لما تقدم قبله.
وَهُوَ عجز وصدره: وَلَقَد تركت صبية مَرْحُومَة قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: وللاستئناف وَجه آخر وَهُوَ أَن يكون على معنى
السَّبَبِيَّة وَانْتِفَاء الثَّانِي لانْتِفَاء الأول وَهُوَ أحد وَجْهي النصب وَهُوَ قَلِيل وَعَلِيهِ قَوْله:
(وَلَقَد تركت صبية مَرْحُومَة ... لم تدر مَا جزعٌ عَلَيْك فتجزع)
أَي: لَو عرفت الْجزع لجزعت وَلكنهَا لم تعرفه فَلم تجزع. إِلَى آخر مَا ذكره من نَظَائِره من الْآيَات القرآنية.
стр. 4069
وَقد تكلم ابْن جني على هَذَا الْبَيْت فِي إِعْرَاب الحماسة فَلَا بَأْس بإيراده قَالَ: هَذَا الْبَيْت طريفٌ غَرِيب الحَدِيث وَذَلِكَ أَنه لَيْسَ بِجَوَاب لِأَنَّهُ مَرْفُوع كَمَا ترى وَلَو كَانَ مَنْصُوبًا جَوَابا لَكَانَ أوفق معنى وأسلب طَرِيقا وَلَا قبله أَيْضا فعلٌ مَرْفُوع فيعطف عَلَيْهِ كَمَا عطف فِي قَوْله: الْبَسِيط فَلهَذَا كَانَ غَرِيبا. غير أَن وَجهه عِنْدِي أَن يكون قَوْله: فتجزع صفة لقَوْله: مَرْحُومَة أَو صَغِيرَة وَيكون مَعْطُوفًا على جملَة قَوْله: لم تدر مَا جزعٌ عَلَيْك لِأَن هَذِه الْجُمْلَة صفة لقَوْله: صَغِيرَة أَو مَرْحُومَة فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَلَقَد تركت صَغِيرَة جاهلة بالجزع فجازعةً مَعَ ذَلِك.
فَلَمَّا وَقع تجزع موقع الِاسْم ارْتَفع فَجرى مجْرى قَوْلك: مَرَرْت بِرَجُل من أهل الْعلم ويقرىء)
النَّاس. فتعطف يقرىء على من أهل الْعلم حَتَّى كَأَنَّك قلت: عَالم ومقرىء. وَإِن شِئْت جعلت الْفَاء زَائِدَة فِي جَمِيع ذَلِك فَكَانَ. فَلَا أمٌّ تبكيه وَلَا أُخْت تفقده.
و: فَمَا تحل على قوم ترتحل أَي:
стр. 4070
معتقدة للارتحال وَلم يكن بَيْننَا شَرّ نصطلح من أَجله وَلم تدر مَا جزعٌ عَلَيْك جازعة أَي: تركت صبية جازعةً وَإِن لم تعرف الْجزع أَي: صورتهَا صُورَة الجازعة.
فَإِن قلت: فَهَل هُنَاكَ أمٌّ غير باكية أَو أُخْت غير مفتقدة قيل: لَيْسَ نفي الشَّيْء عندنَا إِثْبَاتًا لضده. أَلا ترى لَو قلت: إِن زيدا لم يعزني لم يكن فِي هَذَا دَلِيل على أَنه قد أَهَانَك.
وَقَالَ أَبُو الْحسن فِي قَوْله تَعَالَى: يَا ليتنا نرد وَلَا نكذب بآيَات رَبنَا ونكون من الْمُؤمنِينَ. قَالَ: هُوَ فِي اللَّفْظ معطوفٌ وَفِي الْمَعْنى جَوَاب قَالَ: وَذَلِكَ أَنهم إِذا تمنوا الرَّد وَلم يتمنوا ترك التَّكْذِيب وَلَا الْإِيمَان بل أوجبوه على أنفسهم عِنْد الرَّد فَكَانَ يجب النصب أَي: إِن رددنا آمنا وَلم نكذب.
قَالَ: وَلكنه جرى فِي اللَّفْظ مَعْطُوفًا وَالْمعْنَى معنى الْجَواب. وَشبهه فِي الْحمل على اللَّفْظ وَالْمعْنَى مخالفٌ لقِرَاءَة من قَرَأَ: وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم
بِالْجَرِّ. فَهَذَا يَقْتَضِي مسح الرجلَيْن.
стр. 4071
وَإِنَّمَا الْمَفْرُوض فيهمَا الْغسْل وَلكنه جرى فِي اللَّفْظ على الْجَرّ وَالْمعْنَى معنى النصب.
وَهَذَا لعمري مُتَوَجّه فِي قَوْله: فَمَا تحل على قومٍ فترتحل لِأَن هُنَاكَ مَرْفُوعا قبله. فَأَما قَوْله: لم تدر مَا جزعٌ عَلَيْك فتجزع فَلَيْسَ فِي قَوْله قبله مَرْفُوع فيعطف عَلَيْهِ. وَقد يجوز أَن يكون أَرَادَ فَهِيَ تبكيه وَهِي تفتقده على أَنه وضع الْجُمْلَة المركبة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر مَوضِع الْفِعْل الْمَنْصُوب على الْجَواب.
وَمثله قَوْله تَعَالَى: هَل لكم مِمَّا ملكت أَيْمَانكُم من شُرَكَاء فِيمَا رزقناكم فَأنْتم فِيهِ سَوَاء أَي: فتستووا. وَمثله: أعنده علم الْغَيْب فَهُوَ يرى أَي: فَيرى. فاعرف تَفْصِيل ذَلِك.
هَذَا كَلَام ابْن جني.
وَأوردهُ فِي الْمُحْتَسب أَيْضا عِنْد قِرَاءَة الْحسن وَيزِيد النَّحْوِيّ: يَا لَيْتَني كنت مَعَهم فأفوز فوزاً عَظِيما بِالرَّفْع.
قَالَ روح: لم
стр. 4072
يَجْعَل لليت جَوَابا. أَقُول: محصوله أَنه يتَمَنَّى الْفَوْز فَكَأَنَّهُ قَالَ: يَا لَيْتَني أفوز فوزاً)
عَظِيما. وَلَو جعله جَوَابا لنصبه أَي: إِن أكن مَعَهم أفز. هَذَا إِذا صرحت بِالشّرطِ إِلَّا أَن الْفَاء إِذا دخلت جَوَابا لِلتَّمَنِّي نصب الْفِعْل بعْدهَا بإضمار أَن وَعطف أفوز على كنت مَعَهم لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا متمنيان إِلَّا أَنه عطف جملَة على جملَة لَا الْفِعْل على انْفِرَاده على الْفِعْل إِذْ كَانَ الأول مَاضِيا وَالثَّانِي مُسْتَقْبلا.
وَعَلِيهِ قَول الآخر: لن تدر مَا جزعٌ عَلَيْك فتجزع والقوافي مَرْفُوعَة أَي: هِيَ تجزع. وَلَو كَانَ جَوَابا لقَالَ: فتجزعا. وَقد ذكرنَا هَذَا وَنَحْوه فِي كتَابنَا تَفْسِير مُشكل أَبْيَات الحماسة. انْتهى.
وَالْبَيْت لم يعرفهُ شرَّاح مُغنِي اللبيب وَهُوَ من أبياتٍ أوردهَا أَبُو تَمام فِي بَاب المراثي من الحماسة لمويلكٍ المزموم فِي امْرَأَته أم الْعَلَاء. وأوردها الأعلم الشنتمري أَيْضا فِي حماسته وَهِي:
(امرر على الجدث الَّذِي حلت بِهِ ... أم الْعَلَاء فنادها لَو تسمع)
(أَنى حالمت وَكنت جد فروقةٍ ... بَلَدا يمر بِهِ الشجاع فَيفزع)
(صلى عَلَيْك الله من مفقودةٍ ... إِذْ لَا يلائمك الْمَكَان البلقع)
(فقدت شمائل من لزامك حلوةً ... فتبيت تسهر لَيْلهَا وتفجع)
(فَإِذا سَمِعت أنينها فِي لَيْلهَا ... طفقت عَلَيْك شؤون عَيْني تَدْمَع)
стр. 4073
وَزَاد الأعلم فِي حماسته بعد هَذَا سِتَّة أَبْيَات أخر.
وَقَوله: امرر على الجدث إِلَخ هُوَ بِفَتْح الْجِيم: الْقَبْر. وَرُوِيَ: فحيها بدل فنادها. وَهل بدل لَو.
قَالَ الطبرسي فِي شَرحه: يَقُول: امرر على الْقَبْر الَّذِي دفنت فِيهِ وَسلم عَلَيْهَا إِن كَانَت تسمع. وَهَذَا توجعٌ وتلهف. وروى: هَل تسمع. وَالْفرق أَن لَو فَائِدَته الشَّرْط وَهل من حَيْثُ كَانَ استفهاماً كَلَام راجٍ لسماعها فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَانْظُر هَل تسمع.
وَقَوله: أَنى حللت إِلَخ قَالَ ابْن جني: الْهَاء فِي فروقةٍ مَعَ الْمُؤَنَّث مثلهَا مَعَ الْمُذكر لَا فرق بَينهمَا فِي الْحَال.
وَإِن المُرَاد فيهمَا معنى الْغَايَة وَالْمُبَالغَة. وَكَذَلِكَ رجلٌ راوية وَامْرَأَة راوية وَكَذَا عَلامَة ونسابه لم تدخل هَذِه الْهَاء على الْمُؤَنَّث لِأَنَّهَا لَو كَانَت كَذَلِك لما لحقت الْمُذكر. وَهَذَا قَاطع. انْتهى.
وَقَوله: جد فروقة أَي: كنت فروقةً جدا لَا هزلا وَحقا لَا بَاطِلا. والبلد: الْقطعَة من الأَرْض.)
يَقُول: كَيفَ أَقمت فِي بلد قفر إِذا مر بِهِ الرجل الشجاع استولى عَلَيْهِ الْفَزع وعهدي بك أَنَّك كنت أَشد النَّاس خوفًا وأضعفهم قلباً.
وَقَوله: صلى عَلَيْك الله إِلَخ الصَّلَاة من الله: الرَّحْمَة وَمن العَبْد: الدُّعَاء. وَلَا يلائمك: لَا يوافقك. والبلقع: الْخَالِي. وَمن مفقودة: تَمْيِيز.
стр. 4074
وَقَوله: فَلَقَد تركت صَغِيرَة إِلَخ قد تقدم أَن ابْن جني جوز وَجْهَيْن: أَن يكون فتجزع صفة لصغيرة وَأَن يكون استئنافاً وَاخْتَارَ المرزوقي الِاسْتِئْنَاف وَقَالَ: أَرَادَ أَنَّهَا من صغرها لَا تعرف الْمُصِيبَة وَلَا الْجزع لَهَا فَهِيَ على حَالهَا تجزع لِأَن مَا تَأتيه من الضجر والبكاء وتتركه من النّوم والقرار فعل الجازعين.
وَقَوله: فقدت شمائل إِلَخ جمع الشمَال بِالْكَسْرِ وَهِي الطبيعة. يَقُول: كَانَت قد اعتادت مِنْك أَخْلَاقًا جميلَة ففقدتها فَبَقيت لَا تنام وَلَا تنيم بل تفجع وتوجع فَإِذا سَمِعت شكواها وبكاءها أَقبلت شؤون رَأْسِي تسح بالبكاء وَلها عَلَيْك.
وطفقت: شرعت. والشؤون: جمع شَأْن وَهُوَ الشّعب الَّذِي يجمع بَين القبيلتين من قبائل الرَّأْس وَهِي الْقطعَة المشعوب بَعْضهَا إِلَى بعض. وَيُقَال: إِن الدمع يجْرِي من الشَّأْن.
ومويلكٌ: مصغر مَالك. والمزموم: اسْم مفعول من زممت النَّاقة أَي: وضعت عَلَيْهَا الزِّمَام.
وَالظَّاهِر أَنه شاعرٌ إسلامي. وَلم أَقف على نسبه حَتَّى أكشف عَنهُ فِي الجمهرة وَلَا على تَرْجَمته. وَالله أعلم.
стр. 4075
(الشَّاهِد الْخَامِس وَالسِّتُّونَ بعد الستمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الْخَفِيف
(غير أَنا لم يأتنا بيقينٍ ... فنرجي ونكثر التأميلا)
على أَن مَا بعد الْفَاء هُنَا على الْقطع والاستئناف أَي: فَنحْن نرجي.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ عِنْد تَوْجِيه النصب فِي: مَا تَأْتِينَا فتحدثنا: وَإِن شِئْت رفعت على وجهٍ آخر كَأَنَّك قلت: فَأَنت تحدثنا.
وَمثل ذَلِك قَول بعض الحارثيين: غير أَنا لم تأتنا بِيَقِين ... ... ... . . الْبَيْت كَأَنَّهُ قَالَ: فَنحْن نرجي. فَهَذَا فِي مَوضِع مَبْنِيّ على الْمُبْتَدَأ. انْتهى.
فالإتيان منفيٌّ وَحده والرجاء مُثبت وَهُوَ المُرَاد وَلَا يجوز نصب نرجي لِأَنَّهُ يَقْتَضِي نَفْيه إِمَّا مَعَ نفي الْإِتْيَان وَإِمَّا مَعَ إثْبَاته كَمَا هُوَ مُقْتَضى النصب وَكِلَاهُمَا عكس المُرَاد.
وَيدل لهَذَا قَول أبي عَليّ فِي التَّذْكِرَة: هُوَ بِالرَّفْع وَكَذَلِكَ الصَّوَاب لأَنهم إِنَّمَا رجوا وأملوا مَا لم يَأْتهمْ بِيَقِين وَلَو أَتَاهُم بِيَقِين وَلَو أَتَاهُم بِيَقِين لآل إِلَى الترجي والتأميل بيقينه.
وَمثل لِابْنِ هِشَام فِي الْمُغنِي قَالَ: الْمَعْنى أَنه لم يَأْتِ بِالْيَقِينِ فَنحْن نرجو خلاف مَا أَتَى بِهِ لانْتِفَاء الْيَقِين عَمَّا أَتَى بِهِ. وَلَو جزمه
стр. 4076
أَو نَصبه لفسد مَعْنَاهُ لِأَنَّهُ يصير منتفياً على حِدته كَالْأولِ إِذا جزم ومنفياً على الْجمع إِذا نصب. وَإِنَّمَا المُرَاد إثْبَاته. انْتهى.
وَقَوله: ومنفياً على الْجمع إِذا نصب أَرَادَ بِالْجمعِ نفي الْإِتْيَان والرجاء كليهمَا. وَلم يذكر الشق الثَّانِي من النصب لِأَنَّهُ لم يتَصَوَّر نفي الرَّجَاء مَعَ ثُبُوت الْإِتْيَان بِيَقِين.
وَمِنْه يظْهر لَك فَسَاد تَجْوِيز الأعلم نَصبه بمرتبتين: وَقَوله: وَلَو أمكنه النصب على الْجَواب لَكَانَ أحسن.
وَتَبعهُ ابْن يعِيش فِي شرح الْمفصل وَلم يتَنَبَّه لفساده.
وَمُقْتَضى كَلَام أبي عَليّ وَابْن هِشَام أَن قَوْله: لم يأتنا بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّة لَا الْفَوْقِيَّة فَيكون فَاعله مستتراً فِيهِ. وَالْمَشْهُور بالفوقية على الْخطاب.
وَمَشى على الأول شَارِح شَوَاهِد الْمفصل أَيْضا فَقَالَ: الْمَعْنى أَتَانَا آتٍ بِخَير إخوتنا غير أَنا أَي: لَكنا لم يأتنا الْآتِي بِخَبَر يَقِين يُوجب الْيَأْس فَنحْن نرجي خلاف مَا أَتَى بِهِ لانْتِفَاء الْيَقِين عَمَّا)
أَتَى بِهِ فَكثر التأميل لخلاف خَبره ونقول: لَعَلَّه يكون كذبا. وَلَا يجوز فِي قَوْله فنرجي إِلَّا الرّفْع.
اه.
وَكَون الْيَقِين هُوَ خبر الْإِخْوَة إِنَّمَا هُوَ حدس وتخمين فَإِن الْبَيْت من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ الْخمسين الَّتِي مَا عرف قَائِلهَا وَلَا تتمتها. وَالله أعلم بِهِ.
فيقين: صفة مَوْصُوف مَحْذُوف أَي: بِخَبَر يَقِين. ونكثر بِالرَّفْع عطفٌ على نرجي. والتأميل: مصدر أملته إِذا رجوته.
стр. 4077
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السَّادِس وَالسِّتُّونَ بعد الستمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الطَّوِيل
(وَمَا قَامَ منا قائمٌ فِي ندينا ... فينطق إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أعرف)
على أَن النَّفْي بِالْمَعْنَى الثَّانِي وَهُوَ أَن يرجع النَّفْي لما بعد الْفَاء كثير الِاسْتِعْمَال كَمَا فِي الْبَيْت فَإِن النَّفْي منصبٌ على ينْطق فِي الْمَعْنى وَقَامَ مثبتٌ فِي تَأْوِيل الْمُسْتَقْبل لمناسبة الْمَعْطُوف.
وَلِهَذَا قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق: أَي يقوم وَلَا يقوم إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أعرف. وَإِنَّمَا جعل النَّفْي هُنَا بِالْمَعْنَى الثَّانِي لأجل الِاسْتِثْنَاء فَإِن الِاسْتِثْنَاء المفرغ لَا يكون إِلَّا مَعَ النَّفْي فَلَمَّا اعْتبر فِي ينْطق صَحَّ وَجوز صَاحب اللّبَاب أَن يكون النَّفْي فِي الْبَيْت على ظَاهره من الْقسم الأول. قَالَ فِي بَاب الِاسْتِثْنَاء: والمفرغ لَا يكون إِلَّا فِي الْإِثْبَات. إِلَى أَن قَالَ: وَيجوز فِيمَا هُوَ جَوَاب النَّفْي. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
قَالَ الفالي فِي شَرحه: لَا يُقَال يَنْبَغِي أَن لَا يجوز لِأَن قَوْلك فينطق مُثبت وَلَا يَصح المفرغ فِي الْمُثبت لِأَن قَوْله: فينطق بِالنّصب بِأَن المضمرة وَالتَّقْدِير: فَأن ينْطق وَهَذَا الْمصدر معطوفٌ على مصدر منتزع من الأول وَهُوَ قَامَ أَي: مَا يكون قيام فنطقٌ. فَحكم النَّفْي منسحبٌ على الْقيام والنطق.
فالنطق فِي الْمَعْنى منفيٌّ فَيصح الِاسْتِثْنَاء المفرغ فِيهِ. وَنَظِيره: مَا تَأْتِينَا فتحدثنا بِالنّصب أَي: مَا يكون مِنْك إتْيَان فتحديث على نفي الْمركب أَي: مَا يكون مِنْك إتيانٌ كثير وَلَا تحديثٌ عَقِيبه. اه.)
стр. 4078
وَهَذَا نَص سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب الْفَاء قَالَ: وَتقول مَا أَتَيْتنَا فتحدثنا وَالنّصب فِيهِ كالنصب فِي الأول وَإِن شِئْت رفعت على معنى فَأَنت تحدثنا السَّاعَة. وَالرَّفْع فِيهِ يجوز على مَا.
وَإِنَّمَا اختير النصب لِأَن الْوَجْه هَا هُنَا وحد الْكَلَام أَن تَقول: مَا أَتَيْتنَا فحدثتنا فَلَمَّا صرفوه عَن هَذَا الْحَد ضعف أَن يضموا يفعل إِلَى فعلت فَحَمَلُوهُ على الِاسْم كَمَا لم يجز أَن يضموا إِلَى وَأما الَّذين رَفَعُوهُ فَحَمَلُوهُ على مَوضِع أَتَيْتنَا لِأَن أَتَيْتنَا فِي مَوضِع فعل مَرْفُوع وتحدثنا هَا هُنَا فِي مَوضِع حَدَّثتنَا. وَتقول: مَا تَأْتِينَا فَتكلم إِلَّا بالجميل. فَالْمَعْنى:
إِنَّك لم تأتنا إِلَّا تَكَلَّمت بجميل.
ونصبه على إِضْمَار أَن كَمَا كَانَ نصب مَا قبله على إِضْمَار أَن. وَإِن شِئْت رفعت على الشّركَة كَأَنَّهُ قَالَ: وَمَا تكلم إِلَّا بالجميل.
وَمثل النصب قَول الفرزدق:
(وَمَا قَامَ منا قائمٌ فِي ندينا ... فينطق إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أعرف)
وَتقول: لَا تَأْتِينَا فتحدثنا إِلَّا ازددنا فِيك رَغْبَة فالنصب هَا هُنَا كالنصب فِي مَا تَأتِينِي فتحدثني إِذا أردْت معنى مَا تَأتِينِي مُحدثا وَإِنَّمَا أَرَادَ معنى مَا أتيتني مُحدثا إِلَّا ازددت فِيك رَغْبَة.
وَمثل ذَلِك قَول اللعين: الطَّوِيل
(وَمَا حل سعديٌّ غَرِيبا ببلدةٍ ... فينسب إِلَّا الزبْرِقَان لَهُ أَب)
وَتقول: لَا يسعني شيءٌ فيعجز عَنْك أَي: لَا يسعني شيءٌ فَيكون
стр. 4079
عَاجِزا عَنْك وَلَا يسعني شيءٌ إِلَّا لم يعجز عَنْك. هَذَا معنى الْكَلَام. فَإِن حَملته على الأول قبح الْمَعْنى لِأَنَّك لَا تُرِيدُ أَن تَقول إِن الْأَشْيَاء لَا تسعني وَلَا تعجز عَنْك. فَهَذَا لَا ينويه أحد. انْتهى كَلَام سِيبَوَيْهٍ.
وَمِنْه تعرف وَجه جعل الشَّارِح الْمُحَقق هَذَا الْمِثَال من النَّفْي بِالْمَعْنَى الثَّانِي وَأَن الرِّوَايَة بِنصب فينطق.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي نصب مَا بعد الْفَاء على الْجَواب مَعَ دُخُول إِلَّا بعده للْإِيجَاب لِأَنَّهَا عرضت بعد اتِّصَال الْجَواب بِالنَّفْيِ. ونصبه على مَا يجب لَهُ فَلم بِغَيْرِهِ.
والندي: الْمجْلس أَي: إِذا نطق منا نَاطِق فِي مجْلِس جماعةٍ عرف صَوَاب قَوْله فَلم ترد مقَالَته.
انْتهى.
وَمثله لِابْنِ السراج قَالَ فِي الْأُصُول: وَتقول مَا قَامَ زيدٌ فَيحسن إِلَّا حمد وَمَا قَامَ زيد فيأكل إِلَّا)
طَعَامه بِالنّصب.
قَالَ الشَّاعِر:
وَمَا قَامَ منا قائمٌ فِي ندينا وَيجوز رفع فينطق كَمَا جَازَ فِي: مَا أَتَيْنَا فَتكلم إِلَّا بالجميل فَتكون الْفَاء للْعَطْف.
وَبِه اسْتشْهد ابْن النَّاظِم والمرادي فِي شرح الألفية. قَالَ الْعَيْنِيّ: الشَّاهِد فِيهِ رفع ينْطق لِأَن من شَرط النصب بعد النَّفْي أَن يكون النَّفْي خَالِصا وَهَا هُنَا لَيْسَ كَذَلِك. انْتهى.
وَالْبَيْت من قصيدةٍ طَوِيلَة للفرزدق يفتخر بهَا على جرير وعدتها مائَة بَيت وَخَمْسَة عشر بَيْتا
стр. 4080
فَأصْبح فِي حَيْثُ الْتَقَيْنَا شريدهم ... ... ... ... . . الْبَيْت وَثَانِيهمَا فِي بَاب الْعَطف وَهُوَ: وعض زمانٍ يَا ابْن مَرْوَان لم يدع ... ... ... ... ... الْبَيْت وَهِي قصيدة جَيِّدَة من غرر قصائده.
وَأنْشد بعده:
(وَمَا حل سعديٌّ غَرِيبا ببلدةٍ ... فينسب إِلَّا الزبْرِقَان لَهُ أَب)
لما تقدم قبله أَي: يحل وَلَا ينْسب.
وَالْكَلَام فِيهِ كَمَا تقدم قبله. قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ نصب مَا بعد الْفَاء على الْجَواب. وَالرَّفْع جَائِز وَالْقَوْل فِيهِ كالقول فِي الَّذِي قبله. يَقُول: الزبْرِقَان سيد قومه وأشهرهم فَإِذا تغرب رجلٌ من سعد وهم رَهْط الزبْرِقَان فَسئلَ عَن نسبه انتسب إِلَيْهِ لشرفه وشهرته. انْتهى.
وَقد تقدم الْكَلَام على هَذَا الْبَيْت مفصلا فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالتسْعين بعد الْمِائَة من بَاب الْحَال.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السَّابِع وَالسِّتُّونَ بعد الستمائة)
стр. 4081
نحاول ملكا أَو نموت وَهُوَ قطعةٌ من بَيت وَهُوَ:
(فَقلت لَهُ لَا تبك عَيْنك إِنَّمَا ... نحاول ملكا أَو نموت فنعذرا)
على أَن سِيبَوَيْهٍ جوز الرّفْع فِي قَوْله: نموت إِمَّا بالْعَطْف على نحاول أَو على الْقطع أَي: نَحن نموت.
وَهَذَا نَص سِيبَوَيْهٍ: وَاعْلَم أَن معنى مَا انتصب بعد أَو على إِلَّا أَن كَمَا كَانَ معنى مَا انتصب بعد الْفَاء. تَقول: لألزمنك أَو تقضيني حَقي ولأضربنك أَو تسبقني. فَالْمَعْنى لألزمنك إِلَّا أَن تقضيني ولأضربنك إِلَّا أَن تسبقني. هَذَا معنى النصب.
قَالَ امْرُؤ الْقَيْس: فَقلت لَهُ لَا تبك عَيْنك ... ... ... ... . . الْبَيْت والقوافي مَنْصُوبَة فالتمثيل على مَا ذكرت لَك وَالْمعْنَى على إِلَّا أَن نموت فنعذرا. وَلَو رفعت لَكَانَ عَرَبيا جيدا على وَجْهَيْن: على أَن تشرك بَين الأول وَالْآخر وعَلى أَن يكون مُبْتَدأ مَقْطُوعًا من الأول يَعْنِي أَو نَحن مِمَّن يَمُوت.
وَقَالَ تَعَالَى: ستدعون إِلَى قومٍ أولي بأسٍ شديدٍ تقاتلونهم أَو يسلمُونَ إِن شِئْت كَانَ على وَقَالَ صَاحب التَّكْمِيل: وَيحْتَمل أَن يكون أَو هُنَا للغاية أَي: نحاول الْملك إِلَى أَن نموت.
وَأما نصب قَوْله: فنعذرا فبالعطف على نموت على
стр. 4082
رِوَايَة النصب وَأما على رِوَايَة الرّفْع فخفيٌّ. وَلِهَذَا حذفه الشَّارِح الْمُحَقق من المصراع.
وَوجه نَصبه الْكرْمَانِي فِي شرح أَبْيَات الموشح بِأَن الْفَاء للسَّبَبِيَّة وَبعدهَا أَن مضمرة فِي جَوَاب النَّفْي الضمني بِتَأْوِيل نموت بِلَا نبقى. فَتَأمل.
ونعذرا بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وروى: نعذر من أعذر الرجل إِذا أَتَى بِعُذْر.
وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل: وروى: فنعذر بِكَسْر الذَّال أَي: نبلغ الْعذر.
وَالْبَيْت من قصيدةٍ لامرىء الْقَيْس مشتملةٍ على جملٍ من يَوَاقِيت الفصاحة وجواهر البلاغة قَالَهَا لما دخل بِلَاد الرّوم مستجيراً بقيصر لِأَن أَبَاهُ كَانَ قد ولي بني
أَسد فظلمهم فتعاونوا على قَتله كَمَا تقدم فِي تَرْجَمته فَخرج امْرُؤ الْقَيْس إِلَى قَيْصر يستمده.)
قَالَ أَبُو الْقَاسِم السَّعْدِيّ فِي كتاب مساوي الْخمر: وَمِمَّنْ بلغ بِهِ إفشاء سره حتفه امْرُؤ الْقَيْس بن حجر الْكِنْدِيّ. وَذَلِكَ أَن الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء عِنْد مَا ملك على الْحيرَة عِنْدَمَا ولاه أنوشروان ذَلِك بعد مقتل حجر وَزَوَال ملك بني آكل المرار أرسل جَيْشًا من بكر وتغلب فِي طلب بني آكل المرار فجيء إِلَيْهِ مِنْهُم بِسِتَّة عشر رجلا فَضرب أَعْنَاقهم فِي بيُوت بني مرينا.
(أَلا يَا عين بكي لي شنينا ... وبكي لي الْمُلُوك الذاهبينا)
...
стр. 4083
(ملوكاً من بني حجر بن عَمْرو ... يساقون العشية يقتلونا)
(فَلَو فِي يَوْم معركة أصيبوا ... وَلَكِن فِي بيُوت بني مرينا)
وَفِي ذَلِك أَيْضا يَقُول عَمْرو بن كُلْثُوم فِي معلقته:
(فآبوا بالنهاب مَعَ السبايا ... وأبنا بالملوك مصفدينا)
فهرب مِنْهُ امْرُؤ الْقَيْس: قيل: كَانَ مَعَهم فَأَفلَت وَقيل: سمع بخبرهم فَذهب على وَجهه يستجير بالعرب فبعضٌ يقبله وبعضٌ يردهُ. فَخرج إِلَى الْحَارِث بن أبي شمر الغساني الْمَعْرُوف بِابْن مَارِيَة وَحَال الْحَارِث يومئذٍ بِالشَّام كَحال الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء بالعراق فَسَأَلَهُ الْجوَار والنصرة وتوسل إِلَيْهِ الخؤولة.
وَذَلِكَ أَن مَارِيَة ذَات القرطين اللَّذين يضْرب الْعَرَب بهما الْمثل هِيَ أُخْت هندٍ امرأةٍ جُحر وَالِد امرىء الْقَيْس. فَأكْرمه وَسَأَلَهُ النُّصْرَة على الْمُنْذر فَاعْتَذر إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: إِنِّي لست أقدر على الْمسير إِلَى الْعرَاق فِي هَذَا الْوَقْت وَلَكِنِّي أَسِير مَعَك إِلَى الْملك قَيْصر فَهُوَ أقوى مني على مَا سَأَلت.
وَكَانَت لِلْحَارِثِ وفادةٌ على الْملك فأوفده مَعَه. وَهَذَا قبل أَن يَغْزُو الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء إِلَى وَقيل أَن سَبَب مَا هيج مَا بَين الْمُنْذر والْحَارث هَذَا الْحَرْب إِنَّمَا هُوَ إِجَارَة الْحَارِث لامرىء الْقَيْس فَتوجه مَعَه امْرُؤ الْقَيْس إِلَى بلد الرّوم. وَفِي ذَلِك قَالَ هَذِه القصيدة ذكر فِيهَا استجارته وخلوصه إِلَى التَّوَجُّه إِلَى بلد الرّوم:
стр. 4084
الطَّوِيل
(سما لَك شوقٌ بَعْدَمَا كَانَ أقصرا ... وحلت سليمى بطن ظبيٍ فعرعرا)
(فدعها وسل الْهم عَنْهَا بجسرةٍ ... ذمولٍ إِذا صَامَ النَّهَار وهجرا)
(عَلَيْهَا فَتى لم تحمل الأَرْض مثله ... أبر بميثاقٍ وأوفى وأصبرا)
(إِذا قلت هَذَا صاحبٌ قد رضيته ... وقرت بِهِ العينان بدلت آخرا))
(كَذَلِك جدي لَا أصَاحب صاحباً ... من النَّاس إِلَّا خانني وتغيرا)
(تذكرت أَهلِي الصَّالِحين وَقد أَتَت ... على جملٍ بِنَا الركاب وأعفرا)
(وَلما بَدَت حوران والآل دونهَا ... نظرت فَلم تنظر بِعَيْنَيْك منْظرًا)
(تقطع أَسبَاب اللبانات والهوى ... عَشِيَّة جاوزنا حماة وشيزرا)
(بَكَى صَاحِبي لما رأى الدَّرْب دونه ... وأيقن أَنا لاحقان بقيصرا)
(فَقلت لَهُ: لَا تبك عَيْنك إِنَّمَا ... نحاول ملكا أَو نموت فنعذرا)
стр. 4085
وَبعد هَذَا سَبْعَة أَبْيَات فِي وصف فرسه وَفِي بعض مَا مر لَهُ فِي بعض الْمنَازل.
وَصَاحبه الَّذِي بَكَى هُوَ عَمْرو بن قميئة الضبعِي الشَّاعِر الْمَشْهُور وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد السَّابِع عشر بعد الثلثمائة. كَانَ صحب امْرأ الْقَيْس لما مر ببكر ابْن وَائِل يطْلب مِنْهُم النُّصْرَة فَسَأَلَهُمْ عَن شاعرٍ محسن فيهم فَأتوهُ بِهِ وَقد أسن فاستنشده فأعجبه ثمَّ شكا إِلَيْهِ حَاله فَقَالَ لَهُ: اصحبني. فصحبه وَكَانَ مَعَه حَتَّى سلك الطَّرِيق إِلَى بلد الرّوم فَلَمَّا توَسط الدَّرْب بَكَى عَمْرو بن قميئة وَقَالَ: غررت بِنَا.
والدرب: كل مدْخل إِلَى الرّوم أَو النَّافِذ مِنْهُ وَبَاب السِّكَّة الْوَاسِع وَالْبَاب الْأَكْبَر. كَذَا فِي الْقَامُوس.
ثمَّ إِن عمرا مَاتَ فِي الطَّرِيق فَكَانَ يُسمى عمرا الضائع. فَلَمَّا وصل امْرُؤ الْقَيْس إِلَى بلد الرّوم أَمر ملك الرّوم بإدخاله عَلَيْهِ وَكَانَ لَا يدْخل على قيصرٍ أحدٌ إِلَّا سجد لَهُ. فَقيل لَهُ إِن امْرأ الْقَيْس لَا يسْجد لَك.
وَكَانَ لقيصر بَابَانِ أَحدهمَا صَغِير وَالْآخر كَبِير فَقَالَ: أدخلوه من الْبَاب الصَّغِير ليضع رَأسه لي.
فَلَمَّا رأى امْرُؤ الْقَيْس صغر الْبَاب ولى ظَهره فَدخل موليا حَتَّى قَامَ بَين يَدَيْهِ. قَالُوا: فَنظر إِلَيْهِ قَيْصر فأعجبه وَكَانَ وسيماً جميلاً وأعلمه أَنه جَاءَهُ يستمده على الْعَرَب. فَرَحَّبَ بِهِ وألطفه.
وَقَالَ لَهُ: أَيّمَا أحب إِلَيْك: ستمائةٍ من أَوْلَاد الْمُلُوك
أَو سِتَّة آلَاف من الْجند فَاخْتَارَ سِتّمائَة من أَبنَاء الْمُلُوك. وخف على قلب قَيْصر حَتَّى نادمه فَفِي ذَلِك يَقُول:
стр. 4086
المتقارب
(ونادمت قَيْصر فِي ملكه ... فأوجهني وَركبت البريدا)
(إِذا مَا ازدحمنا على سكةٍ ... سبقت الفرانق سبقاً بَعيدا))
والفرانق بِضَم الْفَاء وَكسر النُّون: الَّذِي يدل صَاحب الْبَرِيد على الطَّرِيق. والبريد: دَابَّة الرَّسُول المستعجل.
ثمَّ إِن امْرأ الْقَيْس لطف مَحَله من قَيْصر فَأدْخلهُ الْحمام مَعَه فَرَأى غلفة قَيْصر فَقَالَ: الْبَسِيط
(لقد حَلَفت يَمِينا غير كاذبةٍ ... إِنَّك أغلف إِلَّا مَا جنى الْقَمَر)
وختانة الْقَمَر مثلٌ تضربه الْعَرَب للأغلف لِأَن الْقَمَر لَا يختن أحدا.
وَفِي مُدَّة منادمته لقيصر رَأَتْهُ ابْنة قَيْصر فعشقته وراسلته وَصَارَ إِلَيْهَا وفيهَا يَقُول من قصيدة: الطَّوِيل
(سموت إِلَيْهَا بَعْدَمَا نَام أَهلهَا ... سمو حباب المَاء حَالا على حَال)
(فَقَالَت سباك الله إِنَّك فاضحي ... أَلَسْت ترى السمار وَالنَّاس أحوالي)
(فَقلت لَهَا بِاللَّه أَبْرَح قَاعِدا ... وَلَو قطعُوا رَأْسِي لديك وأوصالي)
قَالُوا: وَلم يزل يصير إِلَيْهَا ثمَّ أخبر بذلك أَصْحَابه وَفِيهِمْ الطماح بن قيسٍ الْأَسدي فَقَالَ لَهُ: ائتنا بأمارةٍ. فَأَتَاهُ بقارورة من
стр. 4087
طيب الْملك وَذَلِكَ كَانَ عِنْد سكره.
وَكَانَ أَبُو امرىء الْقَيْس قد قتل قيسا أَبَا الطماح أَيَّام أوقع ببني أَسد فتحيل الطماح حَتَّى أَخذهَا فأنفذها إِلَى قَيْصر وَأخْبرهُ بِالْحَدِيثِ فَعرفهُ وَعلم صِحَّته. فَفِي ذَلِك يَقُول من قصيدة: الطَّوِيل
(لقد طمح الطماح من بعد أرضه ... ليلبسني من دائه مَا تلبسا)
وَقَالَ أَيْضا من قصيدة: الطَّوِيل
(إِذا الْمَرْء لم يخزن عَلَيْهِ لِسَانه ... فَلَيْسَ على شيءٍ سواهُ بخزان)
فَلَمَّا نفد امْرُؤ الْقَيْس بالجيش أَتَى الطماح ملك الرّوم فَقَالَ لَهُ: أَيهَا الْملك أهلكت جَيْشًا بعثته مَعَ المطرود الَّذِي قتل أَبوهُ وَأهل بَيته وَمَا تُرِيدُ من نَصره وَكلما قتل بعض الْعَرَب بَعْضًا كَانَ خيرا لَك قَالَ: فَمَا الرَّأْي قَالَ: أَن تتدارك جيشك وترده وتبعث إِلَى امرىء الْقَيْس بحلةٍ مَسْمُومَة.
فَفعل وعزم على امرىء الْقَيْس أَن يلبسهَا فَدخل امْرُؤ الْقَيْس الْحمام فاطلى
ولبسها وَقد رق جلده لقروح كَانَت بِهِ فتساقط لَحْمه. ورد قَيْصر جَيْشه. وَقدم امرؤا لقيس أنقرة وَهِي الَّتِي يُقَال لَهَا الْآن أنكورية فَأَقَامَ بهَا مدنفاً يعالج قروحه وَنزل إِلَى جنب جبلٍ يُقَال لَهُ عسيب وَإِلَى)
جنبه قبرٌ لابنَة بعض الرّوم فَسَأَلَ عَن الْقَبْر فَأخْبر بِهِ فَقَالَ:
стр. 4088
الطَّوِيل
(أجارتنا إِن الخطوب تنوب ... وَإِنِّي مقيمٌ مَا أَقَامَ عسيب)
(أجارتنا إِنَّا غَرِيبَانِ هَا هُنَا ... وكل غريبٍ للغريب نسيب)
فَلَمَّا أَيقَن بِالْمَوْتِ قَالَ: الرجز
(كم طعنةٍ مثعنجره ... وخطبةٍ مسحنفره)
(وجفنةٍ مدعثره ... قد غودرت بأنقره)
وَكَانَ هَذَا آخر مَا تكلم بِهِ وَمَات.
هَذَا مَا نقلته من كتاب مساوي الْخمر.
والمثعنجرة: السائلة. والمسحنفرة: الواسعة فِي الصِّحَاح يُقَال: اسحنفر فِي خطبَته إِذا مضى واتسع فِي كَلَامه. والجفنة بِفَتْح الْجِيم: الْقَصعَة. والمدعثرة: المتثلمة والمتكسرة.
وَقَوله: بطن ظَبْي وعرعرا هما موضعان.
وترجمة امرىء الْقَيْس تقدّمت فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:
стр. 4089
الْبَسِيط
(إِن تركبوا فركوب الْخَيل عادتنا ... أَو تَنْزِلُونَ فَإنَّا معشرٌ نزل)
على أَن تَنْزِلُونَ عِنْد الْخَلِيل معطوفٌ على إِن تركبوا على الْمَعْنى وَهُوَ الْمُسَمّى عطف التَّوَهُّم.
وَقَالَ يُونُس: هُوَ على الْقطع أَي: بل أَنْتُم نازلون وأو بِمَعْنى بل.
وكلٌّ من الْخَلِيل وَيُونُس شيخ سِيبَوَيْهٍ. وَهَذَا نَصه فِي الْكتاب.
وَسَأَلت الْخَلِيل ﵀ عَن قَول الْأَعْشَى.
إِن تركبوا فركوب الْخَيل عادتنا ... ... ... ... ... . الْبَيْت فَقَالَ: الْكَلَام هَا هُنَا على قَوْله يكون كَذَا أَو يكون كَذَا لما كَانَ مَوْضِعه مَا لَو قَالَ فِيهِ أتركبون لم ينقص الْمَعْنى صَار بِمَنْزِلَة وَلَا سَابق شَيْئا.
وَأما يُونُس فَقَالَ: أرفعه على الِابْتِدَاء كَأَنَّهُ قَالَ: أَو أَنْتُم نازلون. وَقَول يُونُس أسهل.
وَأما قَول الْخَلِيل فَجعله بِمَنْزِلَة قَول زُهَيْر: الطَّوِيل
(بدا لي أَنِّي لست مدرك مَا مضى ... وَلَا سابقٍ شَيْئا إِذا كَانَ جائيا))
والإشراك على هَذَا التَّوَهُّم بعيد كبعد: وَلَا سَابق شَيْئا. انْتهى.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي رفع تَنْزِلُونَ حملا على معنى إِن تركبوا لِأَن مَعْنَاهُ وَمعنى أتركبون مُتَقَارب. وَكَأَنَّهُ قَالَ: أتركبون فَذَلِك عادتنا أَو تَنْزِلُونَ فِي مُعظم الْحَرْب فَنحْن معروفون بذلك.
هَذَا مَذْهَب الْخَلِيل وسيبويه.
وَحمله يُونُس على الْقطع وَالتَّقْدِير عِنْده: أَو أَنْتُم تَنْزِلُونَ. وَهَذَا أسهل فِي اللَّفْظ وَالْأول اصح فِي الْمَعْنى وَالنّظم والخليل مِمَّن يَأْخُذ بِصِحَّة الْمعَانِي وَلَا يُبَالِي باختلال الْأَلْفَاظ. انْتهى.
стр. 4090
وَكَذَا نقل ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي.
فَأَنت ترى أَنهم حملوه على إِضْمَار الْمُبْتَدَأ بِالنَّقْلِ عَن يُونُس وَلم يقل أحدٌ مِنْهُم: إِن أَو بِمَعْنى الإضراب كَمَا قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق. وَلَا ضَرُورَة تلجئه إِلَيْهِ.
وَاقْتصر ابْن عُصْفُور فِي كتاب الضرائر على مَذْهَب الْخَلِيل وَخَصه بِالضَّرُورَةِ قَالَ: أَلا ترى أَن تَنْزِلُونَ حكمه أَن تحذف مِنْهُ النُّون للجزم لِأَنَّهُ مَعْطُوف على الْفِعْل المجزوم بأداة الشَّرْط وَهُوَ تركبوا لكنه اضْطر إِلَى رَفعه بالنُّون فَاسْتعْمل الرّفْع بدل الْجَزْم حملا على أتركبون المضمن معنى إِن تركبوا لِأَن الْفِعْل المستفهم عَنهُ جَائِز فِيهِ أَن يضمن معنى الشَّرْط إِلَّا أَن مَا حمل عَلَيْهِ رفع تَنْزِلُونَ لَا
يحوج إِلَى اللَّفْظ. انْتهى.
وَالْبَيْت من قصيدة الْأَعْشَى مَيْمُون الَّتِي أَولهَا: الْبَسِيط
(ودع هُرَيْرَة إِن الركب مرتحل ... وَهل تطِيق وداعاً أَيهَا الرجل)
وَرُوِيَ الْبَيْت كَذَا أَيْضا:
(قَالُوا الطراد فَقُلْنَا تِلْكَ عادتنا ... أَو تَنْزِلُونَ فَإنَّا معشرٌ نزل)
وَعَلِيهِ لَا شَاهد فِيهِ.
وَلم يذكر الْخَطِيب التبريزي فِي شرح القصيدة غير هَذِه الرِّوَايَة وَقَالَ فِي شَرحه: يَقُول: إِن طاردتم بِالرِّمَاحِ فَتلك عادتنا وَإِن نزلتم تجالدون بِالسُّيُوفِ نزلنَا. انْتهى.
стр. 4091
وَنزل بِضَمَّتَيْنِ: جمع نَازل. ونزولهم عَن الْخَيل يكون عِنْد ضيق المعركة ينزلون فيقاتلون على أَقْدَامهم وَفِي ذَلِك الْوَقْت يتداعون: نزال.
وَقد تقدم الْكَلَام على شرح النُّزُول مفصلا فِي الشَّاهِد الْوَاحِد وَالْأَرْبَعِينَ بعد الثلثمائة.
والأعشى شَاعِر جاهلي تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعِشْرين من أَوَائِل الْكتاب.)
وَأنْشد بعده: الطَّوِيل وَلَا ناعبٍ إِلَّا ببينٍ غرابها وَهَذَا عجز وصدره: مشائيم لَيْسُوا مصلحين عشيرةً على أَن ناعب عطف بِالْجَرِّ على مصلحين الْوَاقِع خَبرا ل لَيْسَ على توهم الْبَاء فِيهِ فَإِنَّهَا يجوز ومشائيم: جمع مشؤوم كمنصور وَهُوَ من بِهِ الشؤم نسبهم إِلَى الشؤم وَقلة الصّلاح وَالْخَيْر.
يَقُول: لَا يصلحون أَمر الْعَشِيرَة إِذا فسد مَا بَينهم وَلَا يأتمرون بِخَير فغرابهم لَا ينعب إِلَّا بالتشتيت والفراق.
وَهَذَا مثلٌ للتطير والتشؤوم بهم. وَالْعرب تتشاءم بِصَوْت الْغُرَاب.
стр. 4092
وَقد تقدم شَرحه مفصلا فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالسبْعين بعد الْمِائَتَيْنِ.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد التَّاسِع وَالسِّتُّونَ بعد الستمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الطَّوِيل
(على الحكم المأتي يَوْمًا إِذا قضى ... قَضيته أَن لَا يجور ويقصد)
على أَن الْقطع قد يَجِيء بعد الْوَاو غير الجمعية. وَقد شَرحه الشَّارِح الْمُحَقق.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَمِمَّا جَاءَ مُنْقَطِعًا قَول الشَّاعِر: على الحكم المأتي ... ... ... ... ... ... . . الْبَيْت كَأَنَّهُ قَالَ: عَلَيْهِ غير الْجور وَلكنه يقْصد أَو هُوَ يقْصد أَو هُوَ قَاصد فابتدأ وَلم يحمل الْكَلَام على أَن كَمَا تَقول: عَلَيْهِ أَن لَا يجوز وَيَنْبَغِي لَهُ كَذَا وَكَذَا فالابتداء فِي هَذَا أسبق وَأعرف.
فَمن ثمَّ لَا يكادون يحملونها على أَن. انْتهى.
وَقَالَ النّحاس فِي شرح شواهده: سَأَلت عَنهُ أَبَا الْحسن فَقَالَ: ويقصد مَقْطُوع من الأول وَهُوَ فِي معنى الْأَمر وَإِن كَانَ مضارعاً كَمَا تَقول: يقوم زيد فَهُوَ خبرٌ وَفِيه معنى الْأَمر. انْتهى.
وَمثله للأعلم قَالَ: قطعه لِأَن الْمَعْنى: وَيَنْبَغِي لَهُ أَن يقْصد وَلم يحملهُ على أول الْكَلَام لِأَن فِيهِ معنى الْأَمر فَكَأَنَّهُ قَالَ: وليقصد فِي حكمه.
стр. 4093
وَنَظِيره مِمَّا جَاءَ على لفظ الْخَبَر وَمَعْنَاهُ أمرٌ قَوْله تَعَالَى: والوالدات يرضعن أَوْلَادهنَّ أَي:)
ليرضعن أَوْلَادهنَّ وَيَنْبَغِي لَهُنَّ أَن يرضعنهم. انْتهى.
وَنَقله الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح وَقَالَ: قَالَ الْأَخْفَش: أَرَادَ: يَنْبَغِي أَن يقْصد فَلَمَّا حذفه وأوقع يقْصد مَوضِع يَنْبَغِي رَفعه لوُقُوعه موقع الْمَرْفُوع.
وَإِلَيْهِ ذهب ابْن جني فِي الْمُحْتَسب. وَهَذَا توجيهٌ لانقطاعه واستئنافه وَلَيْسَ المُرَاد أَن يقْصد كَانَ مَنْصُوبًا بِأَن فارتفع لما حذفت كَمَا ذهب إِلَيْهِ الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة وَقَالَ: وَيحْتَمل أَن يكون يقْصد مَنْصُوبًا فِي الأَصْل بإضمار أَن وَالْمعْنَى: عَلَيْهِ أَن لَا يجوز وَعَلِيهِ أَن يقْصد ثمَّ حذفت أَن وارتفع الْفِعْل كَمَا فِي تسمع بالمعيدي خيرٌ من أَن ترَاهُ. انْتهى.
وَهَذَا الْمَعْنى وَإِن كَانَ جيدا إِلَّا أَنه لَا يحسن التَّخْرِيج على حذف أَن فَإِنَّهُ غير مقيس.
فَالصَّحِيح الِاسْتِئْنَاف.
قَالَ ابْن الْحَاجِب فِي الْإِيضَاح: الْعَطف على يجور غير مُسْتَقِيم لِأَن غَرَضه أَن يَنْفِي الْجور وَيثبت الْقَصْد ليحصل الْمَدْح وَإِذا أشرك بَينه وَبَين الْجور دخل فِي النَّفْي فَيصير نافياً للجور ونافياً للقصد فَلَا يحصل مدح بل يتناقض. فَوَجَبَ أَن يحمل على أَنه مُسْتَأْنف ليَكُون مثبتاً فَيكون الْجور منفياً وَالْقَصْد مثبتاً فَيحصل الْمَقْصُود ويرتفع التَّنَاقُض. انْتهى.
стр. 4094
وَقَوله: على الحكم ظرف وَقع فِي موقع الْخَبَر الْمُقدم.
وروى: على الحكم المأتي حقٌّ إِذا قضى
فَيكون حقٌّ هُوَ الْخَبَر وعَلى مُتَعَلقَة بِهِ.
وَقَوله: أَن لَا يجوز فِي تَأْوِيل مُبْتَدأ مُؤخر وَالْمعْنَى واجبٌ على كل حكم بَين النَّاس يُؤْتى لفصل الْخُصُومَات أَن لَا يجور فِي حكمه إِذا قضى قَضيته وَحكم حكمه وَهُوَ يقْصد ويعدل فِي قضاياه.
وَهَذَا مِنْهُ إرشادٌ للْحَاكِم إِلَى الْعدْل فِي الحكم وحث على النصفة. وَالْحكم بِفتْحَتَيْنِ: وصفٌ من حكمت بَين الْقَوْم: فصلت بَينهم فَأَنا حَاكم وَحكم بِفتْحَتَيْنِ. وَالْحكم بِالضَّمِّ: الْقَضَاء وَأَصله الْمَنْع يُقَال: حكمت عَلَيْهِ إِذا منعته من خِلَافه فَلم يقدر على الْخُرُوج من ذَلِك.
والمأتي: اسْم مفعول من أَتَيْته يكون مُتَعَدِّيا بِنَفسِهِ وَيَجِيء لَازِما يتَعَدَّى بإلى. وعَلى الأول يكون اسْم الْمَفْعُول مِنْهُ بِدُونِ إِلَى بِلَا حَاجَة إِلَى قَول ابْن الملا فِي شرح الْمُغنِي: المأتي مَعْنَاهُ المأتي)
إِلَيْهِ فَهُوَ على الْحَذف والإيصال كَقَوْلِهِم الْمُشْتَرك.
وَقضى: حكم. وَقَضِيَّة فعلية بِمَعْنى مفعولة. وجار فِي حكمه أَي: ظلم. وَالْقَصْد: الْعدْل يُقَال: قصد فِي الْأَمر من بَاب ضرب إِذا توَسط وَطلب الْأسد وَلم يُجَاوز الْحَد.
وَالْبَيْت من قصيدة عدتهَا تِسْعَة عشر بَيْتا لأبي اللحام التغلبي
стр. 4095
أوردهَا أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ فِي أشعار تغلب لَهُ وانتخبها أَبُو تَمام فأورد مِنْهَا خَمْسَة أَبْيَات فِي مُخْتَار أشعار الْقَبَائِل وَهَذَا أَولهَا:
(عمرت وأطولت التفكر خَالِيا ... وساءلت حَتَّى كَاد عمري ينْفد)
(فأضحت أُمُور النَّاس يغشين عَالما ... بِمَا يتقى مِنْهَا وَمَا يتَعَمَّد)
(جديرٌ بِأَن لَا أستكين وَلَا أرى ... إِذا الْأَمر ولى مُدبرا أتبلد)
على الحكم المأتي حقٌّ إِذا قضى ... ... ... ... . . الْبَيْت
عمرت أَي: عِشْت عمرا طَويلا من بَاب فَرح والمصدر الْعُمر بِفَتْح الْعين وَضمّهَا مَعَ سُكُون ويغشين: يَأْتِين. والغشيان: الْإِتْيَان. وَأَرَادَ بالعالم نَفسه. والفعلان بعده يجوز أَن يَكُونَا بِالْبِنَاءِ للمعلوم وبالبناء للْمَجْهُول. ويتعمد: بِمَعْنى يقْصد.
وجديرٌ: خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: أَنا جدير بِأَن لَا أستكين أَي: لَا أخضع وَلَا أذلّ. وَأرى بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول.
وَرُوِيَ المصراع الثَّانِي هَكَذَا: إِذا حل أمرٌ سَاءَنِي أتبلد أَي: أتحير كالبليد.
وَمن هَذِه القصيدة:
(وَلَيْسَ الْفَتى كَمَا يَقُول لِسَانه ... إِذا لم يكن فعلٌ مَعَ القَوْل يُوجد)
...
стр. 4096
(عَسى سائلٌ ذُو حاجةٍ إِن منعته ... من الْيَوْم سؤلاً أَن يكون لَهُ غَد)
(وَإنَّك لَا تَدْرِي بِإِعْطَاء سائلٍ ... أَأَنْت بِمَا تعطيه أم هُوَ أسعد)
وَأَبُو اللحام شاعرٌ جاهلي اسْمه حريثٌ مصغر حَارِث. واللحام بِفَتْح اللَّام وَتَشْديد الْحَاء الْمُهْملَة.
وَهَذَا شيءٌ من أخباره أوردهُ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ قَالَ:
كَانَ أَبُو اللحام خرج فِي نَاس من بني تغلب فَأَغَارَ على قرى من قرى السوَاد وَأقَام يجبيهم)
وَيَأْخُذ مِنْهُم فَبعث إِلَيْهِم كسْرَى النخيرجان فِي خيلٍ من الأساورة فَهزمَ ذَلِك الْجَيْش وَأخذ أَبَا اللحام فَحَمله على بعير وعدله بفراش وَهُوَ مغلولٌ فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْخَبيث الَّذِي جَاءَ يُغير على الْملك وَهُوَ عدل فراشٍ فِي الخفة ثمَّ إِنَّه نزل فِي نَاحيَة الْفُرَات على شاطئه الغربي فَبعث خيله إِلَى الْعَرَب فَلم يصب أحدا إِلَّا قَتله. وَجعل مَعَ أبي اللحام رجلا من أهل الْحيرَة عَرَبيا كَانَ من أعوانه يُقَال لَهُ: بريم فِي سلسلةٍ شمال أبي اللحام بِيَمِينِهِ وَهُوَ يُرِيد أَن يقدم الْحيرَة ليصلبه بهَا فيراه من يقدم الْحيرَة من الْعَرَب.
فلقي رجلا نبطياً كَانَ يعرفهُ فِي بعض السوَاد إِلَى جنب أجمة فَأخذ
стр. 4097
مِنْهُ دَرَاهِم فَجعل إِذا مَشى ينْطَلق ببريم فيسقيه ويدهنه ويطعمه من تِلْكَ الدَّرَاهِم.
فَلَمَّا كَانَ ذَات لَيْلَة أظلمت السَّمَاء بغيمٍ ومطر وَجعل يلح عَلَيْهِ بِالشرابِ ثمَّ جعلا يمشيان فِي الأجمة فَتَنَاول سيف بريم فاستله ثمَّ ضرب السلسلة فقطعها ثمَّ خرج إِلَى الْبَريَّة فَأتى رجلا من الْأَعْرَاب من بكر بن وَائِل فَأخْبرهُ الْخَبَر وَأخذ مِنْهُ نجيبة فلحق بِالشَّام.
وَأنْشد بعده: فنرجي ونكثر التأميلا
وَهَذَا عجزٌ وصدره: غير أَنا لم يأتنا بيقينٍ وَتقدم شَرحه قَرِيبا. وَالْفَاء استئنافية لَا سَبَبِيَّة بِدَلِيل الْقطع. وَجوز هُنَاكَ أَن تكون سَبَبِيَّة.
وَإِنَّمَا لم ينصب نرجي لعدم اللّبْس.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السبعون بعد الستمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الطَّوِيل
(وَمَا هُوَ إِلَّا أَن أَرَاهَا فجاءةً ... فأبهت حَتَّى مَا أكاد أُجِيب)
على أَنه يرْوى بِنصب أبهت وَرَفعه على الْقطع أَي: فَأَنا أبهت.
стр. 4098
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَسَأَلت الْخَلِيل ﵀ عَن قَول الشَّاعِر: وَمَا هُوَ إِلَّا أَن أَرَاهَا فجاءةً ... ... الْبَيْت فَقَالَ: أَنْت فِي أبهت بِالْخِيَارِ إِن شِئْت حملتها على أَن وَإِن شِئْت لم تحملهَا عَلَيْهِ فَرفعت
وَقَوله: هُوَ ضمير يفسره خَبره كَقَوْلِه تَعَالَى: إِن هِيَ إِلَّا حياتنا الدُّنْيَا. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هَذَا ضميرٌ لَا يعلم مَا يعْنى بِهِ إِلَّا بِمَا يتلوه. وَأَصله: إِن الْحَيَاة إِلَّا حياتنا الدُّنْيَا ثمَّ وضع هِيَ مَوضِع الْحَيَاة لِأَن الْخَبَر يدل عَلَيْهَا ويبينها. انْتهى.
وَلَيْسَ هُوَ فِي الْبَيْت ضمير الشَّأْن والْحَدِيث كَمَا زَعمه شَارِح أَبْيَات الْمفصل لِأَن ضمير الشَّأْن لَا بُد أَن يُفَسر بجملة وَلَا جملَة هُنَا وَأما أَن أَرَاهَا فَفِي تَأْوِيل الْمُفْرد كَمَا صرح بِهِ سِيبَوَيْهٍ لِأَن أَن هِيَ الناصبة للمضارع وَلَيْسَت مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة لِأَنَّهَا تقع بعد فعل الْيَقِين أَو مَا نزل مَنْزِلَته وَحِينَئِذٍ يكون اسْمهَا ضميراً وخبرها جملَة مفصولة عَنْهَا بقد أَو لَو أَو السِّين أَو النَّفْي على مَا فصل فِي مَحَله.
وَقد غلط فِي ذَلِك الشَّارِح فَزعم أَنَّهَا المخففة قَالَ: وَالتَّقْدِير إِلَّا أَنه أَرَاهَا أَي: إِن الشَّأْن.
وَهَذِه غَفلَة مِنْهُ فَإِنَّهَا لَو كَانَت المخففة مَا كَانَ وجهٌ لنصب أبهت بالْعَطْف على مدخولها.
стр. 4099
وأراها بِفَتْح الْهمزَة من رُؤْيَة الْعين تتعدى إِلَى مفعول وَاحِد وَهُوَ ضمير الحبيبة. ورأيته فِي بعض النّسخ بِضَم الْهمزَة على أَنه من رأى الْمُتَعَدِّي بِالْهَمْزَةِ إِلَى مفعول ثَان فَيكون الْمَفْعُول الأول نَائِب الْفَاعِل وَهُوَ ضمير الْمُتَكَلّم وَالثَّانِي ضمير الحبيبة.
والفجاءة بِالضَّمِّ وَالْمدّ: البغتة يُقَال: فَجئْت الرجل أفجؤه مَهْمُوز من بَاب تَعب. وَفِي لُغَة بِفتْحَتَيْنِ إِذا جِئْته بَغْتَة. وَالِاسْم الْفجأَة. وفجاءةً: مفعول مُطلق أَي: رُؤْيَة فَجْأَة. وَقَول ذَلِك الشَّارِح هُوَ مصدر فِي مَوضِع الْحَال من الْفَاعِل أَو الْمَفْعُول أَي مفاجئاً أَو مفاجأة.
وَقَوله: فأبهت إِن رُوِيَ بِالنّصب فالفاء عاطفة عطفت أبهت على أَرَاهَا وَهُوَ عطف مُفْرد)
على مُفْرد وَهُوَ فِي تَأْوِيل مصدر أَي: إِلَّا الرَّأْي فالبهت.
وَإِن رُوِيَ بِالرَّفْع فالفاء استئنافية وَجُمْلَة البهت خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: فَأَنا أبهت بِفَتْح الْهمزَة وَضم الْهَاء وَفتحهَا لِأَنَّهُ جَاءَ من بَابي قرب وتعب بِمَعْنى أدهش وأتحير. وَأما أبهت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول فَغير مرادٍ هُنَا. يُقَال: بَهته يبهته بِفتْحَتَيْنِ فبهت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول فَهَذَا متعدٍّ وَذَاكَ لَازم.
وَحَتَّى: هُنَا ابتدائية وَمَعْنَاهَا الْغَايَة وَمَا: نَافِيَة. وأكاد: بِمَعْنى أقرب. وَجُمْلَة: أُجِيب فِي مَحل نصب خَبَرهَا ومفعول أُجِيب مَحْذُوف أَي: أجيبها إِن كَلَّمتنِي.
وَمثله قَول الآخر: الطَّوِيل
(عَلامَة من كَانَ الْهوى فِي فُؤَاده ... إِذا لَقِي المحبوب أَن يتحيرا)
стр. 4100
. وَالْبَيْت من قصيدة لعروة بن حزامٍ العذري تقدّمت مَعَ تَرْجَمته فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالتسْعين بعد الْمِائَة.
وَقَبله وَهُوَ مطلع القصيدة: وَقد وَقع الْبَيْت الشَّاهِد مَعَ بَيْتَيْنِ آخَرين من القصيدة فِي قصيدةٍ لكثير عزة أورد سِتَّة أَبْيَات مِنْهَا فِي حماسته الشريف ضِيَاء الدَّين هبة الله عَليّ بن مُحَمَّد بن حَمْزَة الْحُسَيْنِي وَهِي:
(أَبى الْقلب إِلَّا أم عَمْرو وبغضت ... إِلَيّ نسَاء مَا لَهُنَّ ذنُوب)
(وَلَيْسَ على شحط النَّوَى أَكثر البكا ... لقد كنت أبْكِي والمزار قريب)
(لعمر أَبِيهَا إِن دهراً يردهَا ... إِلَيّ على شحط النَّوَى لطلوب)
وَمَا هُوَ إِلَّا أَن أَرَاهَا ... ... ... ... . الْبَيْت وَقد وَقع الْبَيْت الشَّاهِد بقافيةٍ رائيةٍ فِي قصيدةٍ لأبي صخرٍ الْهُذلِيّ مِنْهَا:
(وَإِنِّي لآتيها أُرِيد عتابها ... وأوعدها بالهجر مَا برق الْفجْر)
(فَمَا هُوَ إِلَّا أَن رأها فجاءةً ... فأبهت لَا عرفٌ لدي وَلَا نكر)
...
следующие страницы →