Полный текст (5 658 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.
стр. 4166
قَالَ الصولي فِي كتاب الْكتاب فِي خلال وصف الحبر: وَسموا طفيلاً الغنوي محبراً لتحسينه شعره.
وَقيل سمي بذلك لقَوْله يصف بردا: الطَّوِيل
(سماوته أسمال برد محبر ... وسائره من أتحمى معصب)
وسماوة الْبَيْت: سقفه. والأتحمي: ضرب من البرود. اه.
وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: كَانَ طفيل الغنوي من أوصف الْعَرَب للخيل فَقَالَ عبد الْملك:)
من أَرَادَ ركُوب الْخَيل فليرو شعر طفيل. وَقَالَ مُعَاوِيَة: دعوا لي طفيلاً وَسَائِر الشُّعَرَاء لكم.
اه.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: كَانَ طفيل أحد نعات الْخَيل وَكَانَ أكبر من النابغتين وَلَيْسَ فِي قيس فَحل أقدم وَقد أورد الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف أَرْبَعَة شعراء كل مِنْهُم اسْمه طفيل أحدهم هَذَا.
-
وَأنْشد بعده: الرجز
(يَا أَقرع بن حَابِس يَا أَقرع ... إِنَّك إِن يصرع أَخُوك تصرع)
على أَن الْكُوفِيّين استدلوا بِهِ على أَن رُتْبَة الْجَزَاء التَّقْدِيم فَرفع تصرع مُرَاعَاة لأصله وَلَو كَانَ رتبته التَّأْخِير لجزم.
وَأجَاب الشَّارِح عَنهُ بِأَنَّهُ ضَرُورَة كَمَا بَينه.
وَهَذَا مَأْخُوذ من كَلَام سِيبَوَيْهٍ وَهَذَا نَصه: وَقد تَقول: إِن أتيتني آتِيك أَي: آتِيك إِن أتيتني.
قَالَ زُهَيْر: الْبَسِيط
(وَإِن أَتَاهُ خَلِيل يَوْم مَسْأَلَة ... يَقُول لَا غَائِب مَا لي وَلَا حرم)
وَلَا يحسن إِن تَأتِينِي آتِيك من قبل أَن إِن هِيَ العاملة. وَقد جَاءَ فِي الشّعْر قَالَ جرير بن عبد الله البَجلِيّ:
(يَا أَقرع بن حَابِس يَا أَقرع ... إِنَّك إِن يصرع أَخُوك تصرع
стр. 4167
)
أَي: إِنَّك تصرع إِن يصرع أَخُوك.
وَمثل ذَلِك قَوْله: الْبَسِيط أَي: والمرء ذِئْب إِن يلق الرشا. قَالَ الْأَصْمَعِي: هُوَ قديم أنشدنيه أَبُو عَمْرو.
وَقَالَ ذُو الرمة: الطَّوِيل
(وَإِنِّي مَتى أشرف على الْجَانِب الَّذِي ... بِهِ أَنْت من بَين الجوانب نَاظر)
أَي: إِنِّي نَاظر مَتى أشرف. فَجَاز هَذَا فِي الشّعْر وشبهوه بالجزاء إِذا كَانَ جَوَابه منجزماً لِأَن الْمَعْنى وَاحِد كَمَا شبه الله يشكرها
стр. 4168
جعله بِمَنْزِلَة يشكرها الله.
وكما قَالُوا فِي اضطرار: إِن تأتني أَنا صَاحبك تُرِيدُ معنى الْفَاء فتشبهه بِبَعْض مَا يجوز فِي الْكَلَام حذفه وَأَنت تعنيه.
وَقد يُقَال: إِن أتيتني آتِك وَإِن لم تأتني أجزك لِأَن هَذَا فِي مَوضِع الْفِعْل المجزوم وَكَأَنَّهُ قَالَ: إِن)
تفعل أفعل. وَتقول: إِن تأتني فأكرمك أَي: فَأَنا أكرمك فَلَا بُد من رفع فأكرمك إِذا سكت عَلَيْهِ لِأَنَّهُ جَوَاب. وَإِنَّمَا ارْتَفع لِأَنَّهُ مَبْنِيّ على مُبْتَدأ. انْتهى كَلَام سِيبَوَيْهٍ.
فتخريج الشَّارِح الْمُحَقق فِي الْبَيْت خلاف مَا خرجه سِيبَوَيْهٍ فَإِن الشَّارِح جعل تصرع جَوَاب الشَّرْط مَعَ مُبْتَدأ مَحْذُوف مَعَ الْفَاء الرابطة وَالتَّقْدِير: فَأَنت تصرع وَالْجُمْلَة الشّرطِيَّة خير إِن.
وسيبويه جعل تصرع خير إِن وَجَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف يدل عَلَيْهِ مَا قبله.
-
وَالرجز لعَمْرو بن الخثارم وَتقدم شَرحه فِي الشَّاهِد الْحَادِي والثمانين بعد الْخَمْسمِائَةِ.
(الشَّاهِد الْحَادِي وَالتِّسْعُونَ بعد الستمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الْبَسِيط.
من يفعل الْحَسَنَات الله يشكرها على أَن الْفَاء الرابطة محذوفة من جَوَاب الشَّرْط ضَرُورَة أَي: فَالله يشكرها.
стр. 4169
قَالَ النّحاس: أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد يُجِيز حذف الْفَاء فِي الشّعْر.
وَنقل الْعَيْنِيّ عَنهُ خِلَافه قَالَ: وَعَن الْمبرد أَنه منع ذَلِك حَتَّى فِي الشّعْر.
ثمَّ قَالَ النّحاس: وَقَالَ أَبُو الْحسن: هُوَ عِنْدِي جَائِز فِي الْكَلَام إِذا علم وَمِنْه قَول الله : وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فِيمَا كسبت أَيْدِيكُم وَقُرِئَ:
بِمَا كسبت فاستدل بِهَذَا على أَن الْفَاء محذوفة. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: إِن ترك خيرا الْوَصِيَّة للْوَالِدين.
وَكَذَلِكَ جوزه ابْن مَالك قَالَ: وَمِنْه حَدِيث اللّقطَة: فَإِن جَاءَ صَاحبهَا وَإِلَّا استمتع بهَا.
ثمَّ قَالَ النّحاس: قَالَ أَبُو الْحسن: حَدثنِي مُحَمَّد بن يزِيد قَالَ: حَدثنِي الْمَازِني أَن الْأَصْمَعِي قَالَ: هَذَا الْبَيْت غَيره النحويون وَالرِّوَايَة: من يفعل الْخَيْر فالرحمن يشكره وَأَبُو الْحسن قَالَ هَذَا فِيمَا كتبه على نَوَادِر أبي زيد قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس عَن الْمَازِني عَن الْأَصْمَعِي أَنه أنشدهم: فالرحمن يشكره. قَالَ: فَسَأَلته عَن الرِّوَايَة الأولى فَذكر أَن النَّحْوِيين صنعوها. وَلِهَذَا نَظَائِر لَيْسَ هَذَا مَوضِع شرحها. اه.
وَهَذَا مَرْدُود لِأَنَّهُ طعن فِي الروَاة الْعُدُول.
وَأغْرب مِنْهُ مَا نَقله ابْن المستوفي قَالَ: وجدت فِي بعض نسخ
стр. 4170
الْكتاب فِي أَصله: قَالَ أَبُو عُثْمَان الْمَازِني: خبر الْأَصْمَعِي عَن يُونُس قَالَ: نَحن عَملنَا هَذَا الْبَيْت.)
وَكَذَلِكَ نَقله الْكرْمَانِي فِي الموشح.
وَالْبَيْت نسبه سِيبَوَيْهٍ وخدمته لعبد الرَّحْمَن بن حسان بن ثَابت ﵁ وَرَوَاهُ جمَاعَة لكعب بن مَالك الْأنْصَارِيّ.
وَقَبله بيتان وهما:
(
إِن يسلم الْمَرْء من قتل وَمن هرم ... للذة الْعَيْش أفناه الجديدان)
(فَإِنَّمَا هَذِه الدُّنْيَا وَزينتهَا ... كالزاد لَا بُد يَوْمًا أَنه فَانِي)
وترجمه كَعْب بن مَالك تقدّمت فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالسِّتِّينَ.
وَعبد الرَّحْمَن بن حسان يعرف نسبه من تَرْجَمَة وَالِده ﵁ وَقد تقدّمت فِي الشَّاهِد وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّانِي وَالتِّسْعُونَ بعد الستمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الطَّوِيل.
(وَأَنِّي مَتى أشرف على الْجَانِب الَّذِي ... بِهِ أَنْت من بَين الجوانب نَاظر)
على أَن قَوْله: نَاظر جَوَاب الشَّرْط بِتَقْدِير مُبْتَدأ مَحْذُوف مَعَ الْفَاء الرابطة أَي: فَأَنا نَاظر وَتَكون الْجُمْلَة الشّرطِيَّة خير أَن.
стр. 4171
وَهَذَا خلاف مَا ذهب إِلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ فَإِن نَاظرا عِنْده خير إِن وَالْجُمْلَة دَلِيل جَوَاب الشَّرْط الْمَحْذُوف.
قَالَ ابْن السراج فِي الْأُصُول: هَذَا عِنْد سِيبَوَيْهٍ على تَقْدِيم الْجَزَاء: وَإِنِّي نَاظر مَتى أشرف.
وَأَجَازَ أَيْضا أَن يكون على إِضْمَار الْفَاء. وَالَّذِي عِنْد أبي الْعَبَّاس وَعِنْدِي فِيهِ وَفِي أَمْثَاله أَنه على إِضْمَار الْفَاء لَا غير لِأَن الْجَواب فِي مَوْضِعه فَلَا يجوز أَن ينوى بِهِ غير مَوْضِعه إِذا وجد لَهُ تَأْوِيل.
وَمثله: فَهَذَا على مَا ذكرت لَك. وَكَذَلِكَ قَوْله:
( ... ... ... ... . إِنَّهَا ... مطبعة من يأتها لَا يضيرها)
أَرَادَ: لَا يضيرها من يأتها وَإنَّك تصرع إِن يصرع أَخُوك وَهُوَ عندنَا على إِضْمَار الْفَاء.
فَأَما قَوْله:)
من يفعل الْحَسَنَات الله يشكرها فعلى إِضْمَار الْفَاء فِي كل قَول. اه.
وَسَيَأْتِي نقل كَلَام الْمبرد فِي الشَّاهِد السَّادِس والثمانين بأبسط من هَذَا.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لذِي الرمة وَهَذَا مطْلعهَا: ...
стр. 4172
(لمية أطلال بحزوى دوائر ... عفتها السوافي بَعدنَا والمواطر)
(كَأَن فُؤَادِي هاض عرفان ربعهَا ... بِهِ وعي سَاق أسلمتها الجبائر)
(عَشِيَّة مَسْعُود يَقُول وَقد جرى ... على لحيتي من عِبْرَة الْعين قاطر)
(أَفِي الدَّار تبْكي أَن تفرق أَهلهَا ... وَأَنت امْرُؤ قد حلمتك العشائر)
(فَلَا ضير أَن تستعبر الْعين إِنَّنِي ... على ذَاك إِلَّا جَوْلَة الدمع صابر
)
(فيا مي هَل يجزى بُكَائِي بِمثلِهِ ... مرَارًا وأنفاسي إِلَيْك الزوافر)
قَوْله: لمية أطلال ... إِلَخ حزوى: اسْم مَكَان. والدوائر: الَّتِي قد انمحت. وعفتها: محتها.
والسوافي: الرِّيَاح الَّتِي تسفي التُّرَاب.
وَقَوله: كَأَن فُؤَادِي ... إِلَخ الهيض: الْكسر بعد الْجَبْر وَضمير بِهِ للفؤاد. والوعي: الْجَبْر.
وأسلمتها: خذلتها. وَالْإِسْلَام: التَّخْلِيَة والخذلان.
والجبارة بِالْكَسْرِ: مَا شددت بِهِ الْكسر من الأعواد. وعرفان فَاعل هاض ووعي: مَفْعُوله.
وَقَوله: عَشِيَّة مَسْعُود هُوَ أَخُو ذِي الرمة.
وَقَوله: فِي الدَّار ... إِلَخ هُوَ مقول مَسْعُود وَأَن تفرق مجرور بِاللَّامِ الْمقدرَة وَأَنت امْرُؤ. .
إِلَخ جملَة حَالية. وحلمتك: وصفتك بالحلم.
وَقَوله: فَلَا ضير. . إِلَخ الضير: الضَّرَر. وصابر: خبر إِنَّنِي يُرِيد: إِنَّنِي صابر على ذَلِك الوجد إِلَّا جَوْلَة الدمع أَي: يجول فِي الْعين.
وَقَوله: فيا مي ... إِلَخ هُوَ مرخم مية. ويجزى بِبِنَاء الْمَفْعُول يُرِيد:
стр. 4173
هَل تبكين مثل مَا أبْكِي مرَارًا. والزفير: إِدْخَال النَّفس إِلَى الْجوف. والشهيق: إِخْرَاجه.
وَقَوله: وَأَنِّي مَتى أشرف ... إِلَخ هُوَ بِفَتْح الْهمزَة مَعْطُوف على الْمُسْتَثْنى وَهُوَ جَوْلَة الدمع.
قَالَ شَارِح ديوانه: يُرِيد: إِنَّنِي على ذَاك صابر إِلَّا جَوْلَة الدمع وَأَنِّي مَتى أشرف. وَالْأَقْرَب أَن يكون مَعْطُوفًا على بُكَائِي أَي: هَل يجزى نَظَرِي إِلَيْك فِي كل جِهَة كنت فِيهَا أَي: هَل تنظرين)
إِلَيّ كَذَلِك. أَو الْمَعْنى: هَل تجزينني على هَذِه الْمحبَّة. وَالتَّاء من أَنْت مَكْسُورَة.
-
وترجمة ذِي الرمة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن من أول الْكتاب.
وَأنْشد بعده: الطَّوِيل فَأَنت طَلَاق وَالطَّلَاق ألية على أَن جملَة: وَالطَّلَاق ألية اعتراضية وَقعت بَين الْمصدر وَهُوَ طَلَاق وَبَين عدده وَهُوَ ثَلَاثًا فِي المصراع الثَّانِي وَهُوَ: ثَلَاثًا وَمن يخرق أعق وأظلم وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّالِث وَالتِّسْعُونَ بعد الستمائة)
стр. 4174
الطَّوِيل يرى كل من فِيهَا وحاشاك فانيا
وَهَذَا عجز وصدره: وتحتقر الدُّنْيَا احتقار مجرب وَالْبَيْت فِيهِ من أَنْوَاع البديع التَّكْمِيل وَهُوَ أَن يَأْتِي الشَّاعِر أَو الْمُتَكَلّم بِمَعْنى من مَعَاني الْمَدْح أَو غَيره من فنون الشّعْر وأغراضه ثمَّ يرى مدحه بالاقتصار على ذَلِك الْمَعْنى فَقَط غير كَامِل فيكمل بِمَعْنى آخر كمن أَرَادَ مدح إِنْسَان بالشجاعة وَرَأى مدحه بالاقتصار عَلَيْهَا دون الْكَرم مثلا غير كَامِل فيكمله بِذكر الْكَرم أَو بالبأس دون الْحلم وَمَا أشبهه.
قَالَ ابْن أبي الإصبع فِي تَحْرِير التحبير: وَمِمَّا وهم فِيهِ المؤلفون فِي هَذَا الْموضع أَنهم خلطوا التَّكْمِيل بالتتميم إِذْ ساقوا فِي بَاب التتميم شَوَاهِد التَّكْمِيل لأَنهم ذكرُوا قَول عَوْف: السَّرِيع
(إِن الثَّمَانِينَ وبلغتها ... قد أحوجت سَمْعِي إِلَى ترجمان)
من شَوَاهِد التتميم.
وَمعنى الْبَيْت تَامّ بِدُونِ لَفْظَة وبلغتها. وَإِذا لم يكن الْمَعْنى نَاقِصا فيكف يُسمى هَذَا تتميماً وَإِنَّمَا هُوَ تَكْمِيل. وَمَا غلطهم إِلَّا من كَونهم لم يفرقُوا بَين تتميم الْأَلْفَاظ وتتميم الْمعَانِي.
وَكَذَلِكَ أَتَوا بقول المتنبي:)
وتحتقر الدُّنْيَا احتقار مجرب الْبَيْت
стр. 4175
فِي بَاب التتميم وَهُوَ مثل الأول وَإِن زَاد على الأول أدنى زِيَادَة لما فِي لَفْظَة حاشاك بعد ذكر الفناء من حسن الْأَدَب مَعَ الممدوح. وَرُبمَا سومح بِأَن يَجْعَل هَذَا الْبَيْت فِي شَوَاهِد التتميم بِهَذِهِ اللَّفْظَة. وَأما الأول فمحض التَّكْمِيل وَلَا مدْخل
لَهُ فِي التتميم. اه.
وَقد ذكر التتميم فِي أول كِتَابه وَقَالَ: سَمَّاهُ ابْن المعتز اعْتِرَاض كَلَام فِي كَلَام لم يتم مَعْنَاهُ ثمَّ يعود الْمُتَكَلّم فيتمه. وَشرح حَده: أَنه الْكَلِمَة الَّتِي إِذا طرحت من الْكَلَام نقص حسن مَعْنَاهُ أَو مبالغته مَعَ أَن لَفظه يُوهم بِأَنَّهُ تَامّ. ومجيئه على وَجْهَيْن: للْمُبَالَغَة وَالِاحْتِيَاط. وَيَجِيء فِي المقاطع كَمَا يَجِيء فِي الحشو. هَذَا كَلَامه.
وَلَا يخفى أَن هَذَا الْحَد منطبق على الْبَيْت.
وَأما أَنا فالبيت عِنْدِي من الاحتراس وَهُوَ أَن يَأْتِي الْمُتَكَلّم بِمَعْنى يتَوَجَّه عَلَيْهِ دخل فيفطن لَهُ فَيَأْتِي بِمَا يلخصه من ذَلِك.
قَالَ ابْن أبي الإصبع: وَالْفرق بَين الثَّلَاثَة أَن الْمَعْنى قبل التَّكْمِيل صَحِيح تَامّ ثمَّ يَأْتِي التَّكْمِيل زِيَادَة يكمل بهَا حَسَنَة إِمَّا بفن زَائِد أَو بِمَعْنى.
والتتميم يَأْتِي ليتمم نقص الْمَعْنى. والاحتراس لاحْتِمَال دخل على الْمَعْنى وَإِن كَانَ تَاما كَامِلا.
وَالْبَيْت من قصيدة للمتنبي مدح بهَا كافوراً الإخشيدي
стр. 4176
(وَقد تهب الْجَيْش الَّذِي جَاءَ غازيا ... لسائلك الْفَرد الَّذِي جَاءَ عافيا)
يَقُول: إِذا غزاك جَيش أَخَذته فَوَهَبته لسائل وَاحِد أَتَاك يَسْأَلك.
وَقَوله: وتحتقر الدُّنْيَا ... إِلَخ هُوَ بِالْخِطَابِ. وَجُمْلَة: يرى ... إِلَخ صفة لمجرب.
يَقُول: أَنْت تحتقر الدُّنْيَا احتقار من جربها فعرفها وَعلم أَن جَمِيع مَا فِيهَا يفنى وَلَا يبْقى أَي: فَلذَلِك تهبها وَلَا تدخرها.
وَقَوله: وحاشاك اسْتثِْنَاء مِمَّا يفنى. وَذكر هَذَا الِاسْتِثْنَاء تحسيناً للْكَلَام واستعمالاً
للأدب فِي مُخَاطبَة الْمُلُوك وَهُوَ حسن الْموقع.
وترجمه المتنبي تقدّمت فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الرَّابِع وَالتِّسْعُونَ بعد الستمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الطَّوِيل.
(فَقلت تحمل فَوق طوقك إِنَّهَا ... مطبعة من يأتها لَا يضيرها)
على أَن التَّقْدِير عِنْد سِيبَوَيْهٍ: لَا يضيرها من يأتها فَهُوَ مُؤخر من تَقْدِيم.
وَقَالَ الْهُذلِيّ: فَقلت تحمل فَوق طوقك ... ... ... ... الْبَيْت
стр. 4177
هَكَذَا أنشدناه يُونُس كَأَنَّهُ قَالَ: لَا يضيرها من كَمَا كَانَ وَأَنِّي مَتى أشرف نَاظر على الْقلب.
وَلَو أُرِيد بِهِ حذف الْفَاء جَازَ فَجعلت كَإِن. اه.
قَالَ الأعلم: وَهَذَا عِنْد الْمبرد على إِرَادَة الْفَاء لِأَن يضير إِذا تقدّمت على من ارْتَفَعت من بِهِ.
وَيلْزم مِنْهُ أَن يبطل عَملهَا من الْجَزْم لِأَن حرف الشَّرْط لَا يعْمل فِيهِ مَا قبله.
-
وَالْحجّة لسيبويه أَنه يقدر الضَّمِير فِي يضير على مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي التَّأْخِير. وَمن مبتدأه على أَصْلهَا فَلَا يلْزم أَن يرْتَفع من بِهِ وَتبطل من عمل الْجَزْم. هَذَا كَلَامه.
وسننقل كَلَام الْمبرد فِي الشَّاهِد الثَّالِث والثمانين.
وَقد تكلم أَبُو عَليّ فِي كتاب الشّعْر على فَاعل يضير على التَّقْدِيرَيْنِ فَقَالَ: من قدر فِيهِ التَّقْدِيم كَانَ فَاعل لَا يضيرها ضير فأضمر الضير لَهُ لدلَالَة يضير عَلَيْهَا. والضير قد اسْتعْمل اسْتِعْمَال الْأَسْمَاء فِي نَحْو لَا ضير كَأَنَّهُ قد صَار اسْما لما يكره وَلَا يُرَاد. وَمن قدر الْفَاء محذوفة أمكن أَن يكون الْفَاعِل عندنَا أحد شَيْئَيْنِ.
أَحدهمَا: الضير كَقَوْل من قدر التَّقْدِيم. وَيجوز أَن يكون فَاعل يضير ضميراً من الَّذِي تقدم أَرَادَ بِمَا تقدم التَّحَمُّل فَوق الطَّاقَة.
وَالْبَيْت من قصدية عدتهَا سَبْعَة عشر بَيْتا لأبي ذُؤَيْب الْهُذلِيّ قَالَهَا فِي ابْن أُخْته خَالِد بن زُهَيْر وَكَانَ خَاله أَبُو ذُؤَيْب فِي صغره رَسُولا من وهب بن جَابر إِلَى امْرَأَة من هُذَيْل كَانَ يتعشقها وهب وَكَانَ أَبُو ذُؤَيْب
стр. 4178
جميلاً فرغبت فِيهِ واطرحت وهباً فَفَشَا أَمرهمَا فِي هُذَيْل فَكَانَ يُرْسل إِلَيْهَا ابْن أُخْته خَالِد بن زُهَيْر وعاهده على أَن لَا يخونه فِيهَا فَلم تلبث أَن عشقت خَالِدا وَتركت أَبَا ذُؤَيْب.
فَجرى بَين أبي ذُؤَيْب وَبَين خَالِد أشعار كَثِيرَة مِنْهَا هَذِه القصيدة وأجابه خَالِد بقصيدة على)
رويها مِنْهَا: الطَّوِيل
(فَلَا تجزعن من سنة أَنْت سرتها ... فَأول رَاض سنة من يسيرها
)
وَقد شرحنا حَالهمَا وَمَا لَهما فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالْأَرْبَعِينَ بعد الثلثمائة وَفِي الشَّاهِد السِّتين بعد الستمائة.
وَهَذِه الأبيات من أول قصيدة أبي ذُؤَيْب:
(مَا حمل البختي عَام غياره ... عَلَيْهِ الوسوق برهَا وشعيرها)
(أَتَى قَرْيَة كَانَت كثيرا طعامها ... كرفغ التُّرَاب كل شَيْء يميرها)
(بِأَكْثَرَ مِمَّا كنت حملت خَالِدا ... وَبَعض أمانات الرِّجَال غرورها)
قَوْله: مَا حمل البختي عَام غياره مَا: نَافِيَة. والبختي: نَائِب فَاعل حمل وَهُوَ وَاحِد البخت وَهُوَ نوع من الْإِبِل.
والغيار بِكَسْر الْمُعْجَمَة مصدر غارهم يغيرهم إِذا مارهم أَي: أَتَاهُم بالميرة بِالْكَسْرِ وَهِي الطَّعَام.
والوسوق: جمع وسق وَهُوَ حمل بعير وَجُمْلَة: عَلَيْهَا الوسوق تَفْسِير لقَوْله: حمل البختي.
وبرها وشعيرها بدل من الوسوق بدل مفصل من مُجمل. وَإِضَافَة الْبر وَالشعِير إِلَى ضمير الوسوق لأدنى مُلَابسَة لِأَنَّهُمَا
стр. 4179
يصيران وسوقاً.
وَاخْتَارَ البختي على الْبَعِير لِأَنَّهُ أَشد مِنْهُ وَأقوى على زِيَادَة التَّحَمُّل. وَلِهَذَا قَالَ: عَلَيْهَا الوسوق. يَعْنِي أَن هَذَا البختي حمل أَضْعَاف مَا يحملهُ غَيره من الْإِبِل.
-
وَقَوله: أَتَى قَرْيَة ... إِلَخ فَاعل أَتَى ضمير البختي. وَالْجُمْلَة حَال من البختي.
وَقَوله: كرفغ التُّرَاب أَي: ككثرة التُّرَاب وأصل الرفغ اللين والسهولة وَهُوَ بِالْفَاءِ والغين الْمُعْجَمَة.
وَقَوله: يميرها هُوَ على الْقلب أَي: كل شَيْء تميره هَذَا الْقرْيَة فَقلب فَجعل الْفَاعِل وَهُوَ ضمير الْقرْيَة مَفْعُولا وَأسْندَ الْفِعْل إِلَى ضمير كل شَيْء. والنكتة فِيهِ أَن كل شَيْء يُعْطي هَذِه الْقرْيَة وَقَالَ الْقَارِي فِي شَرحه: قَوْله: يميرها يُرِيد يمتار من الْقرْيَة. قَالَ الْبَاهِلِيّ: كل شَيْء يمير لَهَا.
أَقُول: الْوَجْه الأول: معنى الْكَلَام قبل الْقلب وَالثَّانِي: مَعْنَاهُ بعد الْقلب كَمَا قُلْنَا فِيهَا.
وَقَوله: فَقلت تحمل ... إِلَخ رِوَايَة السكرِي: فَقيل تحمل وَهِي الجيدة أَي: وَقيل للبختي تحمل فَوق طاقتك وَقَوله: إِنَّهَا أَي: إِن هَذِه الْقرْيَة مطبعة أَي: مختومة بالطابع.)
يَعْنِي أَن هَذِه الْقرْيَة مَمْلُوءَة بِالطَّعَامِ لِأَن الْخَتْم إِنَّمَا يكون غَالِبا بعد الملء. وَفِيه مُبَالغَة لَا تخفى.
وَجُمْلَة: إِنَّهَا مطبعة اسْتِئْنَاف بياني كَأَنَّهُ سَأَلَ البختي هَل يدعونني أَن أتحمل فَوق طاقتي من هَذِه الْقرْيَة.
فَهُوَ سُؤال عَن السَّبَب الْخَاص للْحكم لَا عَن سَبَب الحكم مُطلقًا فَلهَذَا أكد بإن. وَالْجُمْلَة الشّرطِيَّة خير ثَان لإن. وضاره ضيراً من بَاب بَاعَ: أضرّ بِهِ.
стр. 4180
وَقَوله: بِأَكْثَرَ مِمَّا كنت ... إِلَخ يَقُول: مَا حمل هَذَا البختي من الطَّعَام بِأَكْثَرَ مِمَّا كنت حمت خَالِدا من الْأَمَانَة. والغرور بِالضَّمِّ الْغَفْلَة وَالضَّمِير للرِّجَال.
وترجمة أبي ذُؤَيْب الْهُذلِيّ تقدّمت فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالسِّتِّينَ.
-
وَأنْشد بعده: الْبَسِيط.
والمرء عِنْد الرشا إِن يلقها ذيب على أَن التَّقْدِير عِنْد سِيبَوَيْهٍ: والمرء ذِئْب فَأخر خبر الْمُبْتَدَأ بعد الشَّرْط وَتَكون الْجُمْلَة دَلِيل الْجَواب الْمَحْذُوف.
وَعند الْمبرد ذيب هُوَ الْجَزَاء بِتَقْدِير الْمُبْتَدَأ مَعَ الْفَاء أَيْن: فَهُوَ ذيب وَتَكون الْجُمْلَة الشّرطِيَّة خبر الْمُبْتَدَأ.
وَهَذَا عجز وصدره: هَذَا سراقَة لِلْقُرْآنِ يدرسه وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد الثَّانِي والثمانين.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْخَامِس وَالتِّسْعُونَ بعد الستمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الطَّوِيل
(على حِين من تلبث عَلَيْهِ ذنُوبه ... يجد فقدها إِذْ فِي الْمقَام تدابر
стр. 4181
)
على أَن جزم أدوات الشَّرْط الْمُضَاف إِلَى جُمْلَتهَا ظرف خَاص بالشعر كَمَا فِي الْبَيْت فَإِنَّهُ جازى بِمن مَعَ إِضَافَة حِين إِلَى جملَة الشَّرْط ضَرُورَة وَحكمهَا أَن لَا تُضَاف إِلَّا إِلَى جملَة خبرية وَجَاز هَذَا فِي الشّعْر تَشْبِيها لجملة الشَّرْط بجملة الِابْتِدَاء وَالْخَبَر وَالْفِعْل وَالْفَاعِل.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقد يجوز فِي الشّعْر أَن يجازى بعد هَذِه الْحُرُوف فَتَقول: أَتَذكر إِذْ من يأتنا نأته فَإنَّا أجازوه لِأَن إِذْ لَا تغير مَا دخلت عَلَيْهِ عَن حَاله قبل أَن تَجِيء بهَا وَلَا تغير الْكَلَام كأنا قُلْنَا: من يأتنا نأته كَمَا أَنا إِذا قُلْنَا: إِذْ عبد الله منطلق فكأنا قُلْنَا: عبد الله منطلق لِأَن إِذْ لم تحدث شَيْئا قبل أَن تذكرها.
قَالَ لبيد: على حِين من تلبث عَلَيْهِ ... ... ... ... الْبَيْت وَلَو اضْطر شَاعِر فَقَالَ: أَتَذكر إِذْ إِن تأتنا نأتك جَازَ لَهُ كَمَا جَازَ فِي من. وَتقول: أَتَذكر إِذْ نَحن من يأتنا نأته فَنحْن فصلت بَين إِذْ وَمن.
وَتقول: مَرَرْت بِهِ فَإِذا من يَأْتِيهِ يُعْطِيهِ وَإِن شِئْت جزمت لِأَن الْإِضْمَار يحسن هُنَا.
أَلا ترى أَنَّك تَقول: مَرَرْت بِهِ فَإِذا أجمل النَّاس ومررنا بِهِ فَإِذا أَيّمَا رجل. فَإِذا أردْت الْإِضْمَار فكأنك قلت: فَإِذا هُوَ من يَأْته يُعْطِيهِ فَإِن لم تضمر فَهِيَ بِمَنْزِلَة إِذْ لَا يجوز فِيهَا الْجَزْم.
стр. 4182
وَالْبَيْت من قصيدة للبيد بن ربيعَة الصَّحَابِيّ وَكَانَ لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّة جَار من بني
الْقَيْن قد لَجأ إِلَيْهِ فَضَربهُ عَمه عَامر بِالسَّيْفِ فَغَضب لذَلِك لبيد وَقَالَ هَذِه القصيدة يعدد على عَمه بلاءه وينكر فعله بجاره.
وَقد تقدم شرح أَبْيَات مِنْهَا فِي الشَّاهِد الثَّالِث عشر بعد الْخَمْسمِائَةِ.
وَقبل هَذَا الْبَيْت:
(ودافعت عَنْك الصَّيْد من آل دارم ... وَمِنْهُم قبيل فِي السرادق فاخر)
(وذدت معداً والعباد وطيئاً ... وكلباً كَمَا ذيد الخماس البواكر))
على حِين من تلبث ... ... ... ... ... . . الْبَيْت الصَّيْد: الرؤساء المتكبرون. يُقَال للسَّيِّد المتعاظم أصيد لميله رَأسه من الْكبر وَالْعَظَمَة تَشْبِيها بالجمل الأصيد وَهُوَ الَّذِي بِهِ دَاء يَأْخُذ الْبَعِير فيرم أَنفه فيشمخ ويميل رَأسه لذَلِك الوجع.
والقبيل: الْجَمَاعَة من قوم شَتَّى. والسرادق: مَا يدار حول الْخَيْمَة من شقق بِلَا سقف وَقيل: هُوَ الْفسْطَاط وَقيل: هُوَ كل بَيت من قطن.
وفاخر يُرِيد يفخرون عَلَيْك.
стр. 4183
وَقَوله: وذدت معداً ... إِلَخ الذود الطَّرْد. ومعد: أَبُو قَبيلَة أَرَادَ من ينْسب إِلَيْهِ من أَوْلَاده.
-
والعباد: بِالْكَسْرِ: قبائل شَتَّى من بطُون الْعَرَب اجْتَمعُوا على النَّصْرَانِيَّة بِالْحيرَةِ وَالنِّسْبَة إِلَيْهِم عبَادي.
وطيئ بِهَمْزَة الآخر على وزن فيعل هُوَ الْقَبِيلَة الْمَشْهُورَة بِلَا همز. وكلب أَيْضا: قَبيلَة.
والخماس بِالْكَسْرِ: الْإِبِل الَّتِي لَا تشرب أَرْبَعَة أَيَّام. والبواكر: الَّتِي تبكر غَدَاة الْخمس.
وَقَوله: على حِين من تلبث على مُتَعَلقَة بقوله: ذدت وَحين يجوز جرها بالكسرة وَيجوز بناؤها على الفتحة لِأَن الظروف المضافة إِلَى الْجمل يجوز إعرابها وبناؤها على الفتحة.
واللبث: البطء.
والذنُوب بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: هِيَ الدَّلْو الْعَظِيمَة.
قَالُوا: وَلَا تسمى ذنوباً حَتَّى تكون مَمْلُوءَة مَاء. وتذكر وتؤنث. وَقَالَ الزّجاج: مُذَكّر لَا غير. اه.
وَيرد عَلَيْهِ حصره هَذَا الْبَيْت فَإِن الضَّمِير فِي فقدها مؤنث وَهُوَ عَائِد إِلَى الذُّنُوب. والتدابر: التقاطع. وَأَصله أَن يولي كل وَاحِد من المتقاطعين صَاحبه دبره. يَقُول لِعَمِّهِ عِنْد قِيَامه فِي مقَام النُّعْمَان بن الْمُنْذر ملك الْحيرَة مَعَ خصومه: أَنا دافعت عَنْك بلساني فِي مجمع.
يَقُول: قُمْت بفخرك وأيامك على حِين من لَا يقوم بحجته. وَهَذَا على الْمثل. يَعْنِي أَنه نَصره فِي وَقت إِن تبطئ فِيهِ الْحجَّة عَن المحتج يهْلك وَلَا يُمكنهُ أَن يتلافى مَا فرط مِنْهُ.
وَقَوله: يجد فقدها مَعْنَاهُ يؤلمه فقدها كَمَا يُقَال: وجد فلَان فقد فلَان إِذا انْقَطع عَنهُ نَفعه فأثر ذَلِك فِي حَاله.
وروى: تداثر
стр. 4184
بِالْمُثَلثَةِ بدل تدابر بِالْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ التزاحم وَالتَّكَاثُر.
)
جعل الْجمع الَّذين عِنْد الْملك بِمَنْزِلَة المزدحمين على المَاء ليسقوا إبلهم. وأصل الدثر المَال الْكثير.
وَأَرَادَ بالْمقَام الْمجْلس الَّذِي جمعهم للخصام.
وَرُوِيَ فِي ديوانه: يجد فقدها وَفِي الذناب تداثر بِالْمُثَلثَةِ. والذناب بِالْكَسْرِ: جمع ذنُوب الْمَذْكُورَة. قَالَ شَارِح ديوانه: يَقُول: ذدت عَنْك فِي ذَلِك الْوَقْت. تلبث: تبطئ. والذنُوب: الدَّلْو. يجد فقدها إِذا لم تخرج إِلَيْهِ. وَإِنَّمَا هَذَا مثل ضربه.
وَفِي الذناب تداثر يَقُول: وَفِي ذَلِك تكاثر. وَإِنَّمَا هَذَا مثل أَرَادَ الألسن الَّتِي كثرت عَلَيْهِ. اه.
وروى سِيبَوَيْهٍ المصراع الثَّانِي كَذَا: يَرث شربه إِذْ فِي الْمقَام تدابر قَالَ الأعلم: وصف مقَاما فاخر فِيهِ غَيره وَكَثُرت الْمُخَاصمَة والمحاجة فِيهِ. وَضرب الذُّنُوب وَهِي الدَّلْو مَمْلُوءَة مَاء مثلا لما نزل بِهِ من الْحجَّة. وَالشرب بِالْكَسْرِ: الْحَظ من المَاء. والريث: وترجمة لبيد تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السَّادِس وَالتِّسْعُونَ بعد الستمائة)
стр. 4185
الطَّوِيل.
(
وَلست بحلال التلاع مَخَافَة ... وَلَكِن مَتى يسترفد الْقَوْم أرفد)
على أَن وُقُوع الْجُمْلَة الشّرطِيَّة بعد لَكِن لكَونهَا لَا تغير معنى الْجُمْلَة.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَتقول: مَا أَنا ببخيل وَلَكِن إِن تأتني أعطك. جَازَ هَذَا وَحسن لِأَنَّك قد تضمر هَاهُنَا كَمَا تضمر فِي إِذا.
أَلا ترى أَنَّك تَقول: مَا رَأَيْتُك عَاقِلا وَلَكِن أَحمَق. وَإِن لم تضمر تركت الْجَزَاء كَمَا فعلت ذَلِك فِي إِذا.
قَالَ طرفَة: وَلست بحلال التلاع مَخَافَة ... ... ... ... ... الْبَيْت كَأَنَّهُ قَالَ: أَنا. وَلَا يجوز فِي مَتى أَن يكون الْفِعْل وصلا لَهَا كَمَا جَازَ فِي من.
(وَمَا ذَاك أَن كَانَ ابْن عمي وَلَا أخي ... وَلَكِن مَتى مَا أملك الضّر أَنْفَع)
والقوافي مَرْفُوعَة كَأَنَّهُ قَالَ: وَلَكِن أَنْفَع مَتى مَا أملك الضّر وَيكون أملك على مَتى فِي مَوضِع جَزَاء وَمَا لَغْو. وَلم تَجِد سَبِيلا إِلَى أَن تكون بِمَنْزِلَة من فتوصل وَلكنهَا كمهما. انْتهى كَلَام سِيبَوَيْهٍ.
فَشرط جَوَاز وُقُوع أَدَاة الشَّرْط بعد لَكِن تَقْدِير الضَّمِير بَينهمَا وَحِينَئِذٍ لَا ضَرُورَة فِيهِ بل هُوَ حسن للفصل كَمَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ.
وَلم يصب الأعلم فِي قَوْله: الشَّاهِد فِي هَذَا الْبَيْت حذف الْمُبْتَدَأ بعد لَكِن ضَرُورَة والمجازاة بعْدهَا وَالتَّقْدِير: وَلَكِن أَنا مَتى يسترفد الْقَوْم أرفد. اه.
-
وَإِن لم يقدر الضَّمِير فَلَا يجوز وُقُوع الأداة بعد لَكِن إِلَّا فِي الشّعْر.
стр. 4186
وَالشَّارِح الْمُحَقق أخل بِهَذَا التَّفْصِيل وَلم يذكرهُ وَقد أَخذ بِهِ أَبُو عَليّ فِي التَّذْكِرَة القصرية وَقَالَ فِيهَا: قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي قَوْله: وَلَكِن مَتى يسترفد الْقَوْم أرفد تَقْدِيره: وَلَكِن أَنا. إِن قيل هَذَا لم يحْتَج إِلَى الضَّمِير لِأَن لَكِن إِنَّمَا تشبه الْفِعْل إِذا كَانَت ثَقيلَة)
فَإِذا خفت زَالَ عَنْهَا شبه الْفِعْل وَإِذا كَانَ كَذَلِك صلحت للجملتين وَإِذا صلحت لَهما لم تحتج إِلَى ضمير قيل: لَكِن لما فِيهَا من معنى الِاسْتِدْرَاك لم يزل عَنْهَا معنى الْفِعْل فاحتيج إِلَى الضَّمِير فِيهَا.
وَهَذَا عِنْدِي إِنَّمَا يجب إِذا دخل حرف الْعَطف عَلَيْهِ نَحْو: وَلَكِن الَّتِي فِي الْبَيْت لِأَن حرف الْعَطف إِذا دخل عَلَيْهَا خلصت لمعناها وَخرجت من الْعَطف. وَإِذا لم يدْخل عَلَيْهَا حرف الْعَطف كَانَت للْعَطْف فَلم يحْتَج فِي وُقُوع الْجَزَاء بعْدهَا إِلَى إِضْمَار كَمَا لَا يحْتَاج فِي حُرُوف الْعَطف إِلَى ذَلِك. اه.
وَقد نقل ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي عَن أبي عَليّ خلاف هَذَا. قَالَ: وَزعم سِيبَوَيْهٍ فِي قَوْله: وَلَكِن مَتى يسترفد الْقَوْم أرفد أَن التَّقْدِير: وَلَكِن أَنا. ووجهوه بِأَن لَكِن تشبه الْفِعْل فَلَا تدخل عَلَيْهِ. وَبَيَان كَونهَا دَاخِلَة عَلَيْهِ أَن مَتى مَنْصُوبَة بِفعل الشَّرْط فالفعل مقدم فِي الرُّتْبَة عَلَيْهِ.
-
ورده الْفَارِسِي بِأَن الْمُشبه للْفِعْل هُوَ لَكِن الْمُشَدّدَة لَا المخففة وَلِهَذَا لم تعْمل المخففة لعدم اختصاصها بالأسماء. وَقيل: إِنَّمَا يحْتَاج إِلَى التَّقْدِير إِذا دخل عَلَيْهَا الْوَاو لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تخلص لمعناها وَتخرج عَن الْعَطف. اه.
стр. 4187
وَقَوله: وَلست بحلال ... إِلَخ الْحَلَال: مُبَالغَة الْحَال من الْحُلُول وَهُوَ النُّزُول. وَالْأَحْسَن أَن يكون فعال للنسبة أَي: لست بِذِي حُلُول والتلاع: جمع تلعة وَهُوَ مجْرى المَاء من رُؤُوس الْجبَال إِلَى الأودية.
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: والتلعة من الأضداد تكون مَا ارْتَفع وَمَا انخفض. وَالْمرَاد هُنَا الثَّانِي وَهُوَ سيل مَاء عَظِيم. ومخافة: مفعول لأَجله. وأرفد بِكَسْر الْفَاء لِأَنَّهُ مضارع رفده رفداً من بَاب ضرب أَي: أعطَاهُ أَو أَعَانَهُ. والرفد بِالْكَسْرِ اسْم مِنْهُ. وأرفده بِالْألف مثله. وترافدوا: تعاونوا. واسترفدته: طلبت رفده.
قَالَ الزوزني: الْمَعْنى إِنِّي لست مِمَّن يسْتَتر فِي التلاع مَخَافَة الضَّيْف أَو غدر الْأَعْدَاء إيَّايَ وَلَكِن أظهر وأعين الْقَوْم إِذا استعانوا بِي إِمَّا فِي قرى الضَّيْف وَإِمَّا فِي قتال الْأَعْدَاء.
وَهَذَا الْبَيْت من معلقَة طرفَة بن العَبْد. وَقد عابه المرزباني فِي كتاب الموشح وَقَالَ: المصراع الثَّانِي غير مشاكل للْأولِ.)
وَبعده:
(فَإِن تبغني فِي حَلقَة الْقَوْم تلقني ... وَإِن تقتنصني فِي الحوانيت تصطد
стр. 4188
)
الْحلقَة بِسُكُون اللَّام: مَا اسْتَدَارَ من النَّاس وَمن الْحَدِيد وَتجمع على الحَلَق بِفَتْح الْحَاء وَاللَّام يَقُول: وَإِن تطلبني فِي محفل الْقَوْم وجدتني هُنَاكَ وَإِن تطلبني فِي بيُوت الخمارين صدتني.
والبغاء هُوَ الطّلب وَالْفِعْل بغى يَبْغِي. يُرِيد أَنه يجمع بَين الْجد والهزل. كَذَا فِي شرح الزوزني.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَر النَّحْوِيّ: الْمَعْنى إِن تطلبني فِي مَوضِع يجْتَمع الْقَوْم فِيهِ للمشورة وإجالة الرَّأْي تلقني لما عِنْدِي من الرَّأْي لَا أَتَخَلَّف عَنْهُم وَإِن تطلبت صيدي فِي حوانيت الخمارين تجدني أشْرب وأسقي من حضرني. والحانوت: بَيت الْخمار يذكر وَيُؤَنث. اه.
وَقَالَ ابْن السّكيت: يَقُول: أبدا تجدني فِي مجْلِس الْقَوْم للمفاخرة وَفِي بيُوت الخمارين مَعَ الشّرْب يَعْنِي أَنه من وُجُوه قومه لَا يبرم أَمر إِلَّا بِحَضْرَتِهِ وَأَنه صَاحب شراب وَلَهو. اه.
وترجمة طرفَة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالْخمسين بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السَّابِع وَالتِّسْعُونَ بعد الستمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
стр. 4189
الطَّوِيل
(
وَمَا ذَاك أَن كَانَ ابْن عمي وَلَا أخي ... وَلَكِن مَتى مَا أملك الضّر أَنْفَع)
على أَن أَنْفَع مَرْفُوع وَهُوَ مُؤخر لمن تَقْدِيم لضَرُورَة الشّعْر كَمَا فِي قَوْله: وَالْأَصْل فيهمَا: وَلَكِن أَنْفَع مَتى أملك الضّر وَإنَّك تصرع إِن يصرع أَخُوك وَيكون هَذَا الْمُقدم تَقْديرا دَلِيل الْجَزَاء الْمَحْذُوف.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَالَّذِي سمعناهم ينشدون قَول العجير السَّلُولي: وَمَا ذَاك إِن كَانَ ابْن عمي الْبَيْت.
والقوافي مَرْفُوعَة كَأَنَّهُ قَالَ: وَلَكِن أَنْفَع مَتى مَا أملك الضّر. اه.
والضرورة عِنْد الْمبرد إِنَّمَا هِيَ فِي حذف الْفَاء من أَنْفَع وتصرع وَقد رد على سِيبَوَيْهٍ دَعْوَاهُ تَقْدِير التَّقْدِيم فِي هَذَا وَفِيمَا تقدم وَنَقله ابْن السراج فِي الْأُصُول فَلَا بَأْس علينا إِن نَقَلْنَاهُ. وَهَذَا كَلَامه: قَالَ أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يزِيد: أما قَوْله: آتِيك إِن أتيتني فَغير مُنكر وَلَا مَدْفُوع اسْتغنى عَن الْجَواب بِمَا تقدم وَلم تجزم إِن شَيْئا فتحتاج إِلَى جَوَاب مجزوم أَو شَيْء فِي مَكَانَهُ.)
وَأما قَوْله: الْبَسِيط
(
وَإِن أَتَاهُ
خَلِيل يَوْم مسغبة ... يَقُول لَا غَائِب مَا لي وَلَا حرم)
يَقُول على الْقلب فَهُوَ محَال وَذَلِكَ لِأَن الْجَواب حَده أَن يكون بعد إِن وفعلها الأول وَإِنَّمَا يَعْنِي بالشَّيْء مَوْضِعه إِذا كَانَ فِي غير مَوْضِعه
стр. 4190
نَحْو: ضرب غُلَامه زيد لِأَن حد الْغُلَام أَن يكون بعد زيد. وَهَذَا قد وَقع فِي مَوْضِعه من الْجَزَاء فَلَو جَازَ أَن تَعْنِي بِهِ التَّقْدِيم لجَاز أَن تَقول: ضرب وَأما مَا ذكره من: من وَمَتى وَسَائِر الْحُرُوف فَإِنَّهُ يَسْتَحِيل فِي الْأَسْمَاء مِنْهَا والظروف من وُجُوه فِي التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير لِأَنَّك إِذا قلت: آتِي من أَتَانِي وَجب أَن تكون من مَنْصُوبَة بِقَوْلِك: أُتِي وَنَحْوه وحروف الْجَزَاء لَا يعْمل فِيهَا مَا قبلهَا فَلَيْسَ يجوز هَذَا إِلَّا أَن تُرِيدُ بهَا معنى الَّذِي وَمَتى إِذا قلت: آتِيك مَتى أتيتني فَمَتَى للجزاء وَهُوَ ظرف لأتيتني لِأَن حرف الْجَزَاء لَا يعْمل فِيهِ مَا قبله وَلَكِن الْفِعْل الَّذِي قبل مَتى أغْنى عَن الْجَواب كَمَا قلت فِي إِن فِي قَوْلك: أَنْت ظَالِم إِن فعلت. فَأَنت ظَالِم مُنْقَطع من إِن وَقد سد مسد الْجَواب.
وَكَذَلِكَ آتِيك قد سدت مسد الْجَواب فِي مَتى وَإِن لم يكن مِنْهَا فِي شَيْء لِأَن مَتى مَنْصُوبَة بأتيتني لِأَن حُرُوف الْجَزَاء من الظروف والأسماء إِنَّمَا يعْمل فيهمَا مَا بعدهمَا وَهُوَ الْجَزَاء الَّذِي يعْمل فِيهِ الْجَزْم. وَالْبَاب كُله على هَذَا لَا يجوز غَيره.
وَلَو وضع الْكَلَام فِي مَوْضِعه لَكَانَ تَقْدِيره: مَتى أتيتني فأتيتك أَي: فَأَنا آتِيك.
وَأما قَوْله: ... من يأتها لَا يضيرها إِنَّمَا هُوَ من يضيرها لَا يأتها فمحال أَن ترْتَفع من بِقَوْلِك لَا يضيرها وَمن مُبْتَدأ كَمَا لَا تَقول زيد يقوم فترفعه بيقوم. وكل مَا كَانَ مثله فَهَذَا قِيَاسه.
وَهَذِه الأبيات الَّتِي أنشدها كلهَا لَا تصلح إِلَّا على إِرَادَة الْفَاء فِي الْجَواب كَقَوْلِه: الله يشكرها لَا يجوز إِلَّا ذَلِك. اه.
стр. 4191
-
وَالْبَيْت من قصيدة للعجير السَّلُولي. قَالَ الْأَصْفَهَانِي فِي الأغاني وَابْن هِشَام اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل: قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: كَانَت للعجير بنت عَم كَانَ يهواها وتهواه فَخَطَبَهَا إِلَى أَبِيهَا فوعده وقاربه ثمَّ خطبهَا رجل من بني عَامر مُوسر فَخَيرهَا أَبوهَا بَينه وَبَين العجير فَاخْتَارَتْ العامري)
ليساره فَقَالَ العجير فِي ذَلِك:
(ألما على دَار لِزَيْنَب قد أَتَى ... لَهَا باللوى ذِي المرج صيف ومربع)
(وقولا لَهَا: قد طَال مَا لم تكلمي ... وراعك بِالْغَيْبِ الْفُؤَاد المروع)
(وقولا لَهَا: قَالَ العجير وخصني ... إِلَيْك وإرسال الخليلين ينفع)
(أَأَنْت الَّذِي أودعتك السِّرّ وانتحى ... بك الخون مزاح من الْقَوْم أَقرع)
(إِذا مت كَانَ النَّاس صنفان: شامت ... وَآخر مثن بِالَّذِي كنت أصنع)
(وَلَكِن ستبكيني خطوب كَثِيرَة ... وشعث أهينوا فِي الْمجَالِس جوع)
(ومستلحم قد صَكه الْقَوْم صَكَّة ... بعيد الموَالِي نيل مَا كَانَ يمْنَع)
...
стр. 4192
(وَمَا ذَاك أَن كَانَ ابْن عمي وَلَا أخي ... وَلَكِن مَتى مَا أملك الضّر أَنْفَع)
وَهِي قصيدة طَوِيلَة.
والإلمام: النُّزُول وَضَمنَهُ معنى الإشراف. واللوى: مَا التوى من الرمل. والمرج: الْموضع الَّذِي ترعى فِيهِ الدَّوَابّ. وَأَرَادَ بالمربع الرّبيع.
-
وراعك: أفزعك. وانتحى: اعْتمد وَقصد. والخون: الْخِيَانَة.
وَقَوله: إِذا مت كَانَ النَّاس ... . إِلَخ هُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ على أَن كَانَ فِيهَا ضمير الشَّأْن وَهُوَ اسْمهَا. وَجُمْلَة النَّاس صنفان: خَيرهَا.
وروى ابْن الْأَعرَابِي الْبَيْت كَذَا:
(إِذا مت كَانَ النَّاس صنفين شامت ... ومثن بنيري بعض مَا كنت أصنع)
فَكَانَ على أَصْلهَا. والنيران: العلمان فِي الثَّوْب. وَإِنَّمَا يُرِيد أَنه يثنى عَلَيْهِ بِحسن فعله الَّذِي هُوَ فِي أَفعَال النَّاس كَالْعلمِ فِي الثَّوْب.
وَخَطأَهُ أَبُو مُحَمَّد الْأسود وَقَالَ: الصَّوَاب الرِّوَايَة الأولى فِي المصراع الثَّانِي.
стр. 4193
وَقَوله: وَلَكِن ستبكيني خطوب الخطوب هُنَا: الْأُمُور الْعِظَام. وروى بدله: خصوم جمع خصم وَهُوَ مَعْرُوف. والشعث: جمع أَشْعَث وشعثاء وَهُوَ المتلبد الرَّأْس.
بلَى سَوف تَأتِينِي خطوب كَثِيرَة وَلم يظْهر لي وَجهه. ورويا: أهينوا حَضْرَة الدَّار بدل: أهينوا فِي الْمجَالِس وحضرة: ظرف.
وجوع: جمع جَائِع.)
وَقَوله: ومستلحم قد صَكه بِالرَّفْع مَعْطُوف على مَا قبله. والمستلحم بِكَسْر الْحَاء الْمُسْتَلْحق فِي الْقَرَابَة وَفِي الْجوَار من اللحمة بِالضَّمِّ وَهِي الْقَرَابَة.
-
والصكة: الضَّرْبَة. وَالْمولى هُنَا النَّاصِر والمعين. وبعيد: حَال من الْمَفْعُول.
ورويا: ذليل الموَالِي بدل: بعيد الموَالِي. وَقَوله: نيل أَي أَخذ مِنْهُ مَا كَانَ يمنعهُ.
ورويا المصراع الأول هَكَذَا: ومضطهد قد صَكه الْخصم صَكَّة والمضطهد بِفَتْح الْهَاء: المقهور والمضطر.
وَقَوله: رددت لَهُ مَا فرط القيل أَي: مَا نحاه القيل. قَالَ فِي الصِّحَاح: قَالَ الْخَلِيل: فرط الله عَنهُ مَا يكره أَي: نحاه وقلما يسْتَعْمل إِلَّا فِي الشّعْر. والقيل بِفَتْح الْقَاف: الْملك.
قَالَ ابْن خلف: وَيحْتَمل أَن يكون القيل هُنَا شرب نصف النَّهَار. وآبنا: رَجَعَ إِلَيْنَا. والأضلع بِالْمُعْجَمَةِ: المطيق للشَّيْء الْقَائِم بِهِ. ...
стр. 4194
(رددت لَهُ مَا سلف الْقَوْم بالضحى ... وبالأمس حَتَّى اقتاله وَهُوَ أخضع)
وَقَالَ: سلف الْقَوْم ذلاً وَهُوَ أخضع أَرَادَ أَن مفعول سلف مَحْذُوف وَجُمْلَة: وَهُوَ أخضع حَال.
واقتاله أَي: اقتال عَلَيْهِ أَي: تحكم. قَالَ صَاحب الصِّحَاح: واقتال عَلَيْهِ: تحكم. ومادته القَوْل.
وروى أَبُو مُحَمَّد الْأسود المصراع الثَّانِي كَذَا: حَتَّى ناله وَهُوَ أضلع وَقَالَ: أَي: أَخذ أَكثر من حَقه.
-
وَقَوله: وَمَا ذَاك أَن كَانَ ... إِلَخ اسْم الْإِشَارَة رَاجع لما صنعه من الْجَمِيل مَعَ المستلحم وَهُوَ رد مَا أَخذ من مَاله إِلَيْهِ قهرا وَهُوَ مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف أَي: صَنعته.
وَأَن مَصْدَرِيَّة مجرورة بِاللَّامِ. وَاسم كَانَ ضمير المستلحم. وَابْن خبر كَانَ وَالتَّقْدِير: وَمَا ذَاك الْجَمِيل فعلته مَعَه لكَونه ابْن عمي ولكونه أخي وَلَكِن من شأني إِذا قدرت على الضَّرَر والبطش نَفَعت.
وروى أَبُو مُحَمَّد الْأسود المصراع الأول كَذَا: وَلست بمولاه وَلَا بِابْن عَمه)
وَأنْشد بعده: الْخَفِيف
(إِن من لَام فِي بني بنت حسا ... ن ألمه واعصه فِي الخطوب)
стр. 4195
على أَن ضمير الشَّأْن وَهُوَ اسْم إِن مَحْذُوف وَالْجُمْلَة الشّرطِيَّة خَبَرهَا.
وَتقدم شرح هَذَا الْبَيْت مفصلا فِي الشَّاهِد السَّابِع بعد الأربعمائة.
-
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّامِن وَالتِّسْعُونَ بعد الستمائة)
الْخَفِيف
(من يكدني بسيئ كنت مِنْهُ ... كالشجا بَين حلقه والوريد)
على ن مَجِيء الشَّرْط مضارعاً مَجْزُومًا وَالْجَزَاء مَاضِيا خَاص بالشعر عِنْد بَعضهم.
قَالَ ابْن مَالك: الصَّحِيح الحكم بِجَوَازِهِ لثُبُوته فِي كَلَام أفْصح الفصحاء قَالَ ﷺ َ: من يقم لَيْلَة الْقدر إِيمَانًا واحتساباً غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه.
وَالْبَيْت من قصيدة لأبي زبيد الطَّائِي النَّصْرَانِي رثى بهَا ابْن أُخْته اللَّجْلَاج.
وَقَبله: من يكدني ... ... ... ... ... ... ... ... . الْبَيْت الدرء: الدّفع. وَفِي الحَدِيث: ادرؤوا الْحُدُود بِالشُّبُهَاتِ.
والشغب
стр. 4196
بِفَتْح الشين وَسُكُون الْغَيْن المعجمتين: تهييج الشَّرّ.
-
والمريد: مُبَالغَة المارد.
وَقَوله: من يكدني يُقَال: كاده كيداً من بَاب بَاعَ إِذا خدعه ومكر بِهِ والسيئ: فيعل وصف من السوء. وَكنت بِالْخِطَابِ.
والشجا: مَا يعْتَرض فِي الْحلق كالعظم. والوريد: عرق قيل هُوَ الودج وقِي بجنبه.
وَقَالَ الْفراء: عرق بَين الْحُلْقُوم والعلباوين وَهُوَ ينبض أبدا فَهُوَ من الأوردة الَّتِي فِيهَا الْحَيَاة وَلَا يجْرِي فِيهَا دم بل هِيَ مجاري النَّفس بالحركات.
وَهَذَا مطلع القصيدة:
(إِن طول الْحَيَاة غير سعود ... وضلال تأميل نيل الخلود)
وعدتها تِسْعَة وَخَمْسُونَ بَيْتا وَهِي من القصائد الْجِيَاد فِي المراثي وَقد جمعهَا مُحَمَّد بن الْعَبَّاس)
اليزيدي وَعَن ابْن حبيب وَهِي عِنْدِي بِخَط مُحَمَّد بن أَسد بن عَليّ الْقَارِي وتاريخ خطه سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وثلثمائة.
وَأنْشد بعده: من يفعل الْحَسَنَات الله يشكرها
وَتقدم شَرحه قَرِيبا.
стр. 4197
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد التَّاسِع وَالتِّسْعُونَ بعد الستمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الطَّوِيل أتغضب إِن أذنا قُتَيْبَة حزتا على أَنه قد يسْتَعْمل الْمَاضِي فِي الشَّرْط مُتَحَقق الْوُقُوع وَإِن كَانَ بِغَيْر لفظ كَانَ لكنه قَلِيل.
وَهُوَ هُنَا مَحْذُوف مُفَسّر بِالْفِعْلِ الْمَذْكُور وَالتَّقْدِير: إِن حزت أذنا قُتَيْبَة. فحز أُذُنَيْهِ قد وَقع فِيمَا مضى من الزَّمَان وَتحقّق مَعْنَاهُ.
وَقدر المُصَنّف فِي شرح الْمفصل بِمَا نَقله الشَّارِح عَنهُ ورده. وَيشْهد لما قَالَه الشَّارِح الْمُحَقق مَا نَقله سِيبَوَيْهٍ عَن الْخَلِيل قَالَ: سَأَلت الْخَلِيل ﵀ عَن قَول الفرزدق:
(أتغضب إِن أذنا قُتَيْبَة حزتا ... جهاراً وَلم تغْضب لقتل ابْن خازم)
فَقَالَ: لِأَنَّهُ قَبِيح أَن تفصل بَين أَن وَالْفِعْل كَمَا قبح أَن تفصل بَين كي وَالْفِعْل فَلَمَّا قبح ذَلِك وَلم يجز حملوه على إِن لِأَنَّهُ قد يقدم فِيهَا الْأَسْمَاء قبل الْأَفْعَال. اه.
يُرِيد الْخَلِيل أَن إِن فِي الْبَيْت لَا يَصح فتح همزتها للقبح الْمَذْكُور وَإِنَّمَا هِيَ
إِن الْمَكْسُورَة الْهمزَة لجَوَاز الْفَصْل بَينهَا وَبَين الْفِعْل باسم على شريطة التَّفْسِير نَحْو قَوْله تَعَالَى: وَإِن أحد من الْمُشْركين استجارك.
وَفِي الْمسَائِل القصرية لأبي عَليّ: اعْترض أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد على إنشاد هَذَا الْبَيْت بِالْكَسْرِ فَقَالَ: قتل قُتَيْبَة قد مضى وَإِن للجزاء وَالْجَزَاء
стр. 4198
يكون لما يَأْتِي فَلَا يَسْتَقِيم أَن تَقول: إِن قُمْت قُمْت وَقد مضى قِيَامه.
قَالَ أَبُو عَليّ: إِنَّمَا يُرِيد: أفتغضب كلما وَقع هَذَا الْفِعْل أَي: مثل هَذَا الْفِعْل وَإِن كَانَ التَّأْوِيل على هَذَا صَحَّ الْكسر. اه.)
وَأَرَادَ بِتَقْدِير الْمثل كَون الْفِعْل مُسْتَقْبلا.
وَظَاهر نقل أبي عَليّ أَنه لَا يجوز الْكسر عِنْد الْمبرد وَلَكِن صَرِيح كَلَام ابْن السَّيِّد أَن الْمبرد يجوزه قَالَ فِي شرح كَامِل الْمبرد: وَأَجَازَ أَبُو الْعَبَّاس فتح أَن فِي هَذَا الْبَيْت وَجعلهَا أَن المخففة من الثَّقِيلَة وأضمر اسْمهَا كَأَنَّهُ قَالَ: أَنه أذنا قُتَيْبَة حزنا.
وَمن روى إِن بِكَسْر الْهمزَة وَهُوَ رَأْي سِيبَوَيْهٍ فوجهه أَنه وضع السَّبَب فِي مَوضِع الْمُسَبّب كَأَنَّهُ قَالَ: أتغضب إِن افتخر مفتخر بحزه أُذُنِي قُتَيْبَة كَمَا قَالَ الآخر: الْكَامِل
(إِن يَقْتُلُوك فَإِن قَتلك لم يكن ... عاراً عَلَيْك وَرب قتل عَار)
الْمَعْنى: إِن افْتَخرُوا بقتلك. فَذكر الْقَتْل الَّذِي هُوَ سَبَب ذَلِك. اه.
وَقد صرفه ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي إِلَى الْمُسْتَقْبل بتأويلين: أَحدهمَا: مَا ذكره ابْن السَّيِّد من إِقَامَة السَّبَب مقَام الْمُسَبّب.
-
وَالثَّانِي: أَنه على معنى التبين أَي: أتغضب إِن تبين فِي الْمُسْتَقْبل أَن أُذُنِي قُتَيْبَة حزنا فِيمَا مضى.
ثمَّ قَوْله: وَقَالَ الْخَلِيل والمبرد: الصَّوَاب: أَن أذنا بِفَتْح الْهمزَة أَي: لِأَن أذنا هُوَ خلاف مَا نَقله سِيبَوَيْهٍ عَن الْخَلِيل وَخلاف منا نَقله ابْن السَّيِّد عَن الْمبرد. وَذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَن أنْ فِي هَذَا الْبَيْت لَيست للشّرط لمضيه وَإِنَّمَا هِيَ بِمَعْنى إِذْ.
قَالَ إمَامهمْ فِي سُورَة الزخرف
стр. 4199
من تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: أفنضرب عَنْكُم الذّكر صفحاً إِن كُنْتُم قَرَأَ الْأَعْمَش بِالْكَسْرِ وَقَرَأَ عَاصِم وَالْحسن بِفَتْح أَن كَأَنَّهُمْ أَرَادوا شَيْئا مَاضِيا.
وَأَنت تَقول فِي الْكَلَام: أأسبك أنْ تحرمني.
وَمثله: لَا يجرمنكم شنآن قوم أَن صدوكم تكسر إنْ وتفتح. وَمثله: فلعلك باخع نَفسك على آثَارهم إنْ لم يُؤمنُوا وأَن لم يُؤمنُوا.
وَالْعرب تنشد قَول الفرزدق: أتجزع إِن أذنا قُتَيْبَة حزتا
وأنشدوني: الطَّوِيل
(وتجزع إِن بَان الخليط الْمُودع ... وحبل الصَّفَا من عزة المتقطع)
وَفِي كل وَاحِد من الْبَيْتَيْنِ مَا فِي صَاحبه من الْكسر وَالْفَتْح. انْتهى كَلَامه.)
وَالْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة للفرزدق مدح بهَا سُلَيْمَان بن عبد الْملك وهجا جَرِيرًا.
وَقَبله هَذِه الأبيات: ...
стр. 4200
(فَإِن تَكُ قيس فِي قُتَيْبَة أغضبت ... فَلَا عطست إِلَّا بأجدع راغم)
(وَهل كَانَ إِلَّا باهلياً مجدعاً ... طَغى فسقيناه بكأس ابْن خازم)
(لقد شهِدت قيس فَمَا كَانَ نصرها ... قُتَيْبَة إِلَّا عضها بالأباهم)
(فَإِن تقعدوا تقعد لئام أَذِلَّة ... وَإِن عدتم عدنا بأبيض صارم)
أتغضب إِن أذنا قُتَيْبَة ... ... ... ... ... الْبَيْت تذبذب فِي المخلاة تَحت بطونها محذفة الأذناب جلح المقادم
(ستعلم أَي الواديين لَهُ ثرى ... قَدِيما وَأولى بالبحور الخضارم)
(وَمَا أَنْت من قيس فتنبح دونهَا ... وَلَا من تَمِيم فِي الرؤوس الأعاظم)
стр. 4201
قَوْله: فَإِن تَكُ قيس ... إِلَخ قيس: أَبُو قَبيلَة وَهُوَ قيس بن عيلان بن مُضر.
وقبيلة باهلة: فَخذ من قيس بن عيلان. وَأَرَادَ الْقَبِيلَة. ولجرير خؤولة فِي قيس. وقتيبة: هُوَ ابْن مُسلم الْبَاهِلِيّ وَسَتَأْتِي حكايته. وأغضبت: بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول.
-
وَقَوله: فَلَا عطست ... إِلَخ جملَة دعائية: وَقعت جَزَاء للشّرط فَلِذَا قرنت بِالْفَاءِ. وأجدع: صفة مَوْصُوف مَحْذُوف أَي: أنف أجدع أَي: مَقْطُوع.
والراغم: الذَّلِيل أَو الكاره وَهُوَ على النِّسْبَة أَي: ذِي الرغام وَهُوَ التُّرَاب يُقَال: أرْغم الله أَنفه أَي: ألصقه بالرغام وَهُوَ التُّرَاب وَهُوَ كِنَايَة عَن الإذلال.
وَقَوله: وَهل كَانَ إِلَّا باهلياً اسْم كَانَ ضمير قُتَيْبَة ومجدعاً يدعى عَلَيْهِ بالجدع وَهُوَ قطع الْأنف. وباهلة: قَبيلَة منحطة بَين الْعَرَب.
وَلذَا قيل: المتقارب
(وَمَا ينفع الأَصْل من هَاشم ... إِذا كَانَت النَّفس من باهله)
رُوِيَ أَن قُتَيْبَة هَذَا مازح أَعْرَابِيًا جَافيا فَقَالَ: أَيَسُرُّك أَن تكون باهلياً فَقَالَ: لَا وَالله. قَالَ: فَتكون باهلياً خَليفَة قَالَ: لَا وَالله وَلَو أَن لي مَا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس قَالَ: فيسرك أَن تكون باهلياً وَتَكون فِي الْجنَّة فَأَطْرَقَ ثمَّ قَالَ: بِشَرْط أَن لَا يعلم أهل الْجنَّة أَنِّي باهلي فَضَحِك من قَوْله.)
وَقَوله: أتغضب إِن أذنا قُتَيْبَة ... إِلَخ فَاعل تغْضب ضمير قيس الْمُتَقَدّم وأنث فعله لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْقَبِيلَة. والاستفهام للتعجب والتوبيخ. وَيجوز أَن يكون فَاعله مستتراً فِيهِ تَقْدِيره أَنْت وَهُوَ خطاب مَعَ جرير
стр. 4202
بِدَلِيل مَا بعده من الْبَيْتَيْنِ.
والحز بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي الْمُشَدّدَة: الْقطع. وحز الْأُذُنَيْنِ كِنَايَة عَن الْقَتْل لِأَن الْقَتِيل قد تقطع أُذُنه للتشويه.
-
وجهاراً أَي: حزاً جهاراً أَو غَضبا جهاراً. وَابْن خازم: بِالْخَاءِ والزاء المعجمتين.
يُرِيد أَن قيسا غضِبت من أَمر يسير وَلم تغْضب لأمر عَظِيم. وَقد أنكر هَذَا مِنْهَا على سَبِيل الِاسْتِهْزَاء.
وَأما قُتَيْبَة بِالتَّصْغِيرِ فَهُوَ قُتَيْبَة بن مُسلم بن عَمْرو بن حُصَيْن بن ربيعَة بن خَالِد ابْن أسيد الْخَيْر بن كَعْب بن قضاعي بن هِلَال الْبَاهِلِيّ.
نَشأ فِي الدولة المروانية وترقى وَتَوَلَّى الْإِمَارَة وَفتح الفتوحات الْعَظِيمَة وَعبر مَا وَرَاء النَّهر مرَارًا وأبلى فِي الْكفَّار. وَكَانَ شجاعاً جواداً دمث الْأَخْلَاق ذَا رَأْي افْتتح بُخَارى.
وخوارزم وسمرقند وفرغانة وَالتّرْك. وَولي خُرَاسَان ثَلَاث عشرَة سنة.
وَهَذَا خير مَقْتَله من تَارِيخ النويري قَالَ: قتل قُتَيْبَة بن مُسلم الْبَاهِلِيّ فِي سنة سِتّ وَتِسْعين فِي خُرَاسَان. وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَنه أجَاب الْوَلِيد إِلَى خلع سُلَيْمَان فَلَمَّا أفضت الْخلَافَة إِلَى سُلَيْمَان خشِي قُتَيْبَة أَن سُلَيْمَان يسْتَعْمل يزِيد بن الْمُهلب على خُرَاسَان فَكتب قُتَيْبَة إِلَى سُلَيْمَان كتابا يهنئه بالخلافة وَيذكر بلاءه وطاعته لعبد الْملك والوليد وَأَنه لَهُ على مثل ذَلِك إِن لم يعزله عَن خُرَاسَان.
وَكتب إِلَيْهِ كتابا آخر يُعلمهُ فِيهِ بفتوحه ونكايته وعظيم قدره عِنْد مُلُوك الْعَجم وهيبته فِي صُدُورهمْ ويذم آل الْمُهلب وَيحلف بِاللَّه: لَو اسْتعْمل يزِيد على خُرَاسَان ليخلعنه.
وَكتب كتابا ثَالِثا فِيهِ خلعه. وَبعث الْكتب مَعَ رجل من باهلة وَقَالَ لَهُ: ادْفَعْ الْكتاب الأول إِلَيْهِ فَإِن كَانَ يزِيد حَاضرا
стр. 4203
فقرأه ثمَّ أَلْقَاهُ إِلَيْهِ. فادفع إِلَيْهِ الثَّانِي. فَإِن قَرَأَهُ وَدفعه إِلَيْهِ فادفع إِلَيْهِ الثَّالِث. وَإِن قَرَأَ الأول وَلم يَدْفَعهُ إِلَى يزِيد فاحبس الْكِتَابَيْنِ عَنهُ.
فَقدم رَسُول قُتَيْبَة فَدخل على سُلَيْمَان، وَعِنْده يزِيد بن الْمُهلب، فَدفع إِلَيْهِ الْكتاب الأول، فقرأه، وألقاه إِلَى يزِيد، فَدفع إِلَيْهِ الثَّانِي، فقرأه، وَدفعه إِلَى يزِيد، فَأعْطَاهُ الثَّالِث فقرأه، وتمعر لَونه وختمه، وأمسكه بِيَدِهِ. فَقيل: كَانَ فِيهِ " إِن لم تقرني على مَا أَنا عَلَيْهِ وتؤمنني لأخلعنك، ولأمأنها عَلَيْك خيلاً ورجلاً ". ثمَّ أَمر سُلَيْمَان بإنزال رَسُول قُتَيْبَة، وأحضره لَيْلًا وَأَعْطَاهُ دَنَانِير وعهد قُتَيْبَة على خُرَاسَان، وسير مَعَه رَسُولا. فَلَمَّا كَانَا بحلوان، بلغهما خلع قُتَيْبَة، فَرجع رَسُول سُلَيْمَان. فَلَمَّا خلعه قُتَيْبَة، دَعَا النَّاس إِلَى خلعه، فَلم يجبهُ أحد. فَغَضب وسبهم طَائِفَة طَائِفَة، وقبيلة قَبيلَة، فَغَضب النَّاس واجتمعوا على خلع قُتَيْبَة، وَكَانَ أول من تكلم فِي ذَلِك الأزد، فَأتوا حضين بن الْمُنْذر، فَقَالُوا: إِن هَذَا قد خلع الْخَلِيفَة، وَفِيه فَسَاد الدَّين وَالدُّنْيَا، وَقد شَتمنَا فَمَا ترى؟ فَأَشَارَ أَن يَأْتُوا وَكِيع بن حسان بن قيس الغداني. وغدانة هُوَ ابْن يَرْبُوع بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم. وَكَانَ وَكِيع مقدما، لرياسته على بني تَمِيم، وَكَانَ قُتَيْبَة عَزله، فحقد عَلَيْهِ وَكِيع فَلَمَّا أَتَوْهُ وسألوه أَن يَلِي أَمرهم فعل، فَبلغ أمره لقتيبة، فَأرْسل إِلَيْهِ يَدعُوهُ.
стр. 4204
أَرْسَالًا، وَاجْتمعَ إِلَى قُتَيْبَة أهل بَيته، وخواص أَصْحَابه، فكبروا وهاجوا، فَقتل عبد الرَّحْمَن أَخُو قُتَيْبَة، وَجَاء الناسحتى بلغُوا فسطاط قُتَيْبَة، فَقطعُوا أطنابه، وجرح قُتَيْبَة جراحات كَثِيرَة.
نزل سعد وشق الْفسْطَاط واحتز رَأس قُتَيْبَة وَقتل مَعَه من أَهله وَإِخْوَته أحد عشر رجلا.
فَأرْسل وَكِيع إِلَى سُلَيْمَان بِرَأْسِهِ ورؤوس أَهله.
وَأما ابْن خازم فَهُوَ عبد الله بن خازم السّلمِيّ. وَيَنْتَهِي نسب سليم إِلَى قيس عيلان. وَهُوَ أحد غربان الْعَرَب فِي الْإِسْلَام. وَكَانَ من أَشْجَع النَّاس وقتلته بَنو تَمِيم بخراسان فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَكَانَ الَّذِي ولي قَتله وَكِيع بن الدورقية القريعي.
وَكَانَ ابْن خازم أَمِير خُرَاسَان من قبل ابْن الزبير وَكَانَ أَولا اسْتَعْملهُ ابْن عَامر على خُرَاسَان فِي أَيَّام عُثْمَان. وَكَانَ أحد الْأَبْطَال الْمَشْهُورين وَقد حضر مَوَاقِف مَشْهُورَة وأبلى فِيهَا.
وَهَذَا خبر مَقْتَله من تَارِيخ النويري قَالَ: وَلما قتل مُصعب بن الزبير كَانَ ابْن خازم يقتل بجير بن وَرْقَاء التَّمِيمِي بنيسابور فَكتب عبد الْملك بن مَرْوَان إِلَى ابْن خازم يَدعُوهُ إِلَى الْبيعَة ويطعمه خُرَاسَان سبع سِنِين فَامْتنعَ وَأطْعم كِتَابه لرَسُوله.
وَكتب عبد الْملك إِلَى
стр. 4205
بكير بن وساج وَكَانَ خَليفَة ابْن خازم على مرو وتعهده على خُرَاسَان ووعده ومناه فَخلع بكير ابْن خازم ودعا إِلَى عبد الْملك فَأَجَابَهُ أهل مرو.)
وَبلغ ابْن خازم فخاف أَن يَأْتِيهِ بكير فيجتمع عَلَيْهِ أهل مرو وَأهل نيسابور
فَنزل بجيراً وَأَقْبل إِلَى مرو فَاتبعهُ بجير فَلحقه بقرية على ثَمَانِيَة فراسخ من مرو فقاتله فَقتل ابْن خازم وَكَانَ الَّذِي قَتله وَكِيع بن عَمْرو القريعي اعتوره وَكِيع وبجير بن وَرْقَاء وعمار بن عبد الْعَزِيز فطعنوه فصرعوه وَقعد وَكِيع على صَدره فَقتله وَبعث بشيراً بقتْله إِلَى عبد الْملك وَلم يبْعَث بِرَأْسِهِ وَأَقْبل بكير فِي أهل مرو فوافاهم حِين قتل ابْن خازم فَأَرَادَ أَخذ الرَّأْس وإنفاذه إِلَى عبد الْملك فَمَنعه بجير.
كَذَا قَالَ النويري. وَهُوَ خلاف قَول الفرزدق: فَمَا مِنْهُمَا إِلَّا بعثنَا بِرَأْيهِ إِلَى الشَّام ... ... ... ... . الْبَيْت وَالله أعلم.
وَكَانَ بَين قتل ابْن خازم وَقتل قُتَيْبَة أَربع وَعِشْرُونَ سنة.
وَقَوله: فَوق الشاحجات يَعْنِي البغال. والرسيم: ضرب من السّير وَإِنَّمَا عَنى هَاهُنَا بغال الْبَرِيد بقوله: محذفة الأذناب جلح القوادم وترجمة الفرزدق تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ.
следующие страницы →