Полный текст (5 658 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.
стр. 4271
فقُر وفَقِر بِالضَّمِّ وَالْكَسْر وَأَن قَوْلهم فِي التَّعَجُّب مَا أفقره مَبْنِيّ على ذَلِك وَلَيْسَ بشاذ كَمَا زَعَمُوا. اه.
وَقَوله: أَن تَدْنُو سكنت الْوَاو للضَّرُورَة أَو أهملت أَن حملا على مَا المصدرية وَهِي مَعَ مدخولها فِي تَأْوِيل مُفْرد مَنْصُوب تنازعه الفعلان فأعمل الثَّانِي وَحذف مفعول الأول كَمَا هُوَ الأولى عِنْد الْبَصرِيين. ومودتها: فَاعل تَدْنُو وَالضَّمِير لسعاد. والمودة: مُرَاعَاة الصُّحْبَة.
وَقَوله: وَمَا إخال الْوَاو للاستئناف وَكسر همزَة إخال فصيح اسْتِعْمَالا شَاذ قِيَاسا وَفتحهَا لُغَة أَسد.
وَقَوله: لدينا مِنْك تنويل قَالَ الْبَغْدَادِيّ: تنويل مُبْتَدأ ولدينا خَبره ومنك: حَال من تنويل وَكَانَ صفته فَلَمَّا تقدمه صَار حَالا مِنْهُ.
وَمن فِيهِ لابتداء الْغَايَة. ولدى ظرف مَكَان غير مُتَمَكن بِمَنْزِلَة عِنْد لَا يجر إِلَّا بِمن. وتنويل: تفعيل من النوال وَهُوَ الْعَطاء وَكَأَنَّهُ كنى بِهِ عَن وَصلهَا. وَفِي
مِنْك الْتِفَات من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب. اه.
وَجوز ابْن هِشَام ارْتِفَاع تنويل بِأحد الظرفين لاعتماده على النَّفْي وَتَكون جملَة إخال: مُعْتَرضَة كَقَوْلِه: المنسرح)
وَلم يبين مَا مَوضِع الظّرْف الآخر من الْإِعْرَاب وَجوز أَيْضا أَن يكون كل مِنْهُمَا أَو كِلَاهُمَا خَبرا عَن تنويل والمسوغ إِمَّا تقدم النَّفْي
стр. 4272
أَو تقدم الْخَبَر. وَإِذا قدر الظرفان خبرين قدر لكل مِنْهُمَا مُتَعَلق يَخُصُّهُ.
وَإِذا قدر الْخَبَر الأول فالظرف الثَّانِي إِمَّا مُتَعَلق بِهِ أَو بمتعلقه الْمَحْذُوف على الْخلاف الْمَشْهُور فِي أَن الْعَمَل للظرف أَو للاستقرار. وَإِمَّا حَال فَيتَعَلَّق بِمَحْذُوف وَصَاحب الْحَال إِمَّا الضَّمِير الْمُسْتَتر فِي الظّرْف الأول لِأَن الصَّحِيح أَن الظّرْف يتَحَمَّل ضميراً منتقلاً إِلَيْهِ من الِاسْتِقْرَار الْمَحْذُوف.
وَإِمَّا نفس التنويل وعامله على هَذَا الِاسْتِقْرَار الْمُقدر لَا الِابْتِدَاء لِأَن الْحَال إِنَّمَا يعْمل فِيهَا الْفِعْل أَو شبهه أَو مَعْنَاهُ.
وَإِذا قدر الْخَبَر الظّرْف الثَّانِي كَانَ الظّرْف الأول مُتَعَلقا بِهِ وَجَاز تَقْدِيمه عَلَيْهِ للاتساع فِي الظّرْف.
وَكَعب بن زُهَيْر صَحَابِيّ تقدم نسبه فِي تَرْجَمَة وَالِده فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة.
وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي الِاسْتِيعَاب: كَانَ كَعْب بن زُهَيْر شَاعِرًا مجوداً كثير الشّعْر مقدما فِي طبقته هُوَ وَأَخُوهُ بجير وَكَعب أشعرهما وأبوهما زُهَيْر فَوْقهمَا.
-
قَالَ خلف الْأَحْمَر: لَوْلَا قصائد لزهير مَا فضلته على ابْنه كَعْب. ولكعب ابْن شَاعِر اسْمه عقبَة ولقبه المضرب لِأَنَّهُ شَبَّبَ بِامْرَأَة فَضَربهُ أَخُوهَا بِالسَّيْفِ ضربات كَثِيرَة فَلم يمت. وَله ابْن أَيْضا يُقَال لَهُ الْعَوام شَاعِر.
وَمِمَّا يستجاد لكعب قَوْله: الْبَسِيط
(لَو كنت أعجب من شَيْء لأعجبني ... سعي الْفَتى وَهُوَ مخبوء لَهُ الْقدر)
...
стр. 4273
(يسْعَى الْفَتى لأمور لَيْسَ يُدْرِكهَا ... فَالنَّفْس وَاحِدَة والهم منتشر)
(والمرء مَا عَاشَ مَمْدُود لَهُ أمل ... لَا تَنْتَهِي الْعين حَتَّى يَنْتَهِي الْأَثر)
وَمِمَّا يستجاد لَهُ أَيْضا: السَّرِيع
(إِن كنت لَا ترهب ذمِّي لما ... تعرف من صفحي عَن الْجَاهِل)
(فاخش سكوتي إِذْ أَنا منصت ... فِيك لمسموع خنا الْقَائِل)
(وَالسَّامِع الذَّم شريك لَهُ ... ومطعم الْمَأْكُول كالآكل)
مقَالَة السوء إِلَى أَهلهَا أسْرع من منحدر سَائل)
(وَمن دَعَا النَّاس إِلَى ذمه ... ذموه بِالْحَقِّ وبالباطل)
وَسبب إِسْلَام كَعْب وَخبر هَذِه القصيدة مَذْكُور فِي كتب السّير وَالْأَخْبَار لَا سِيمَا فِي شرحيهما للبغدادي وَابْن هِشَام.
стр. 4274
وَمُلَخَّصه على مَا نَقله الْبَغْدَادِيّ عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء: أَن زهيراً قَالَ لِبَنِيهِ:
إِنِّي رَأَيْت فِي مَنَامِي سَببا دُلي من السَّمَاء إِلَى الأَرْض فمددت يَدي لأتناوله ففاتني فَأَوَّلْته بِالنَّبِيِّ الَّذِي يبْعَث فِي هَذَا الزَّمَان وني لَا أدْركهُ فَمن أدْركهُ مِنْكُم فليؤمن بِهِ.
فَلَمَّا بعث الله مُحَمَّدًا ﷺ َ آمن بجير بن زُهَيْر وَأقَام كَعْب على الْكفْر والتشبيب بنساء الْمُسلمين فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ: لَئِن وَقع كَعْب بن زُهَيْر فِي يَدي لأقطعن لِسَانه.
وَكتب كَعْب أبياتاً أرسلها إِلَى بجير يوبخه على إِسْلَامه فَكتب بجير إِلَى كَعْب: إِن رَسُول الله ﷺ َ قد أهْدر دمك فَإِن أسلمت ولقيته مُسلما طمعت لَك فِي النجَاة وَإِلَّا فَإِنِّي أحسبك لَا تنجو فَأسلم كَعْب وَقدم على رَسُول الله ﷺ َ فأنشده هَذِه القصيدة فَأَمنهُ النَّبِي ﷺ َ وَأَجَازَهُ بردته الشَّرِيفَة الَّتِي بِيعَتْ بِالثّمن الجزيل حَتَّى بِيعَتْ فِي أَيَّام الْمَنْصُور الْخَلِيفَة بمبلغ أَرْبَعِينَ ألف دِرْهَم.
وَبقيت فِي خَزَائِن بني الْعَبَّاس إِلَى أَن وصل المغول وَجرى مَا جرى. وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال.
وَأنْشد بعده الْخَفِيف على
أَن اسْم إِن ضمير الشَّأْن حذف لضَرُورَة الشّعْر وَالتَّقْدِير: إِنَّه من يدْخل إِلَخ.
وَهَذَا الْبَيْت قد تقدم شَرحه فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالسبْعين.
стр. 4275
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْخَامِس عشر بعد السبعمائة)
الوافر
(ولستم فاعلين إخال حَتَّى ... ينَال أقاصي الْحَطب الْوقُود)
على أَن إخال الملغاة وَقعت مُعْتَرضًا بهَا بَين اسْم الْفَاعِل وَهُوَ فاعلين وَبَين معموله وَهُوَ حَتَّى فَإِنَّهَا جَارة بِمَعْنى إِلَى مُتَعَلقَة بِهِ. وينال مَنْصُوب بِأَن مضمرة بعْدهَا.
وَالْبَيْت من أَبْيَات سِتَّة لعقيل بن علفة أوردهَا أَبُو تَمام فِي الحماسة وَهِي:
(تناهوا واسألوا ابْن أبي لبيد ... أأعتبه الضبارمة النجيد)
(ولستم فاعلين إخال حَتَّى ... ينَال أقاصي الْحَطب الْوقُود)
(وَأبْغض من وضعت إِلَيّ فِيهِ ... لساني معشر عَنْهُم أذود)
(وَلست بسائل جارات بَيْتِي ... أغياب رجالك أم شُهُود)
(وَلَا ملق لذِي الودعات سَوْطِي ... ألاعبه وريبته أُرِيد
стр. 4276
)
فِي شرح التبريزي: البيتان الأخيران لِابْنِ أبي نمير القتالي من بني مرّة جَاءَ بهما أَبُو تَمام ضلة فِي هَذِه الأبيات وليستا مِنْهَا. وَكَذَا قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي اللآلي شرح أمالي القالي نقلا عَن أبي الْفضل الرياش.
قَوْله: تناهوا واسألوا ... إِلَخ كِلَاهُمَا فعل أَمر من النَّهْي وَالسُّؤَال. والضبارمة بِضَم الْمُعْجَمَة بعْدهَا مُوَحدَة هُوَ الجريء على الْأَعْدَاء. وَيُسمى الْأسد ضبارمة. وَيُقَال: هُوَ الْأسد الوثيق الْخلق الْكثير اللَّحْم.
والنجيد: ذُو النجدة وَهُوَ الْبَأْس والشدة. وأعتبه بِمَعْنى أرضاه. وَلَيْسَ يُرِيد الرِّضَا وَلَكِن يُرِيد: هَل جازيته بِمَا فعل لي لِأَنَّهُ لما جنى عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُ استدعى شَره كَمَا يَسْتَدْعِي الرجل الْعُتْبِي من صَاحبه.
يَقُول: كفوا عَمَّا أَنْتُم عَلَيْهِ من تهييج الشَّرّ واسألوا هَذَا الرجل هَل أرضاه الْأسد الْقوي الشَّديد لما تحكك بِهِ وَهل وفاه مَا اسْتَحَقَّه عَلَيْهِ كَابْن أبي لبيد كَانَ أَجْدَر مِنْهُم بِأَن ينَال البغية مِنْهُ لشدَّة شَكِيمَته وقوته فأخفق. يَقُول: سلوه عَن وتره عِنْده هَل نقضه ثمَّ لينهكم ذَلِك عَن الجراءة على مثلي.
وَقَوله: ولستم فاعلين ... إِلَخ حذف مفعول فاعلين وَهُوَ مَا دلّ عَلَيْهِ فِي الْبَيْت قبله تناهوا)
كَأَنَّهُ قَالَ: ولستم فاعلين التناهي. والوقود بِالضَّمِّ: إيقاد النَّار وبالفتح: الْحَطب. والأقصى: الْأَبْعَد. وَهَذَا مثل تمثل بِهِ فِي انْتِهَاء الشَّرّ.
يَقُول: لَسْتُم متناهين عَمَّا أكرهه مِنْكُم حَتَّى يعمكم الشَّرّ ويبلغ الْبلَاء أقْصَى الْمبلغ فيتعدى من الْأَقَارِب إِلَى الأباعد وَمن السقيم إِلَى البريء. وَذكر الْحَطب والوقود هُنَا مثلا لتفاقم الشَّرّ واتساع الْمَكْرُوه.
стр. 4277
-
وَقَوله: وَأبْغض من وضعت ... إِلَخ فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير وَأَصله: وَأبْغض من وضعت لساني فِيهِ إِلَى معشر أذود عَنْهُم أَي: أبْغض الْأَشْيَاء إِلَيّ أَن أهجو معشري الَّذين يلْزَمنِي الذب عَنْهُم فَمن هُنَا نكرَة مَوْصُوفَة وَصفته الْجُمْلَة الَّتِي هِيَ وضعت لساني فِيهِ وَقد فصل بَينهمَا بقوله: إِلَيّ وَهُوَ أَجْنَبِي مِنْهَا. وَهَذَا فِي الصّفة أقرب مِنْهُ فِي الصِّلَة.
وَقَوله: وَلست بسائل ... . إِلَخ كنى فِي الْبَيْت عَن عفته. يَقُول: لَا أكلم جارتي لِأَنِّي أصونها عَن الْكَلَام. وَيجوز أَن يكون تعرضاً للَّذي يهجوه أَي: لَا أغتنم الْخلْوَة لجارات بَيْتِي فأتطلب غيبَة رِجَالهنَّ عَنْهُن.
وَقَوله: وَلست بصادر ... إِلَخ يَقُول: إِذا دَعَاني الْجَار إِلَى بَيته يكرمني ببره لَا أصدر عَن بَيته والطمع فِي مَاله بِحَالهِ كَمَا يصدر العير عَن المَاء وَقد غمره الْوُرُود. والتغمير كالتصريد وَهُوَ شرب دون الرّيّ وَمِنْه الْغمر للقدح الصَّغِير. وَقيل: فِي غمره إِنَّه بِمَعْنى أرواه من الْغمر وَهُوَ المَاء الْكثير.
فَيكون الْمَعْنى: لَا أتهالك على طَعَامه كالمنهوم الخسيس الهمة لكنني آكل آكلاً كَرِيمًا. وَالْمعْنَى الأول أوجه. وَقيل: مَعْنَاهُ إِنِّي لَا أصدر عَن بَيته وَنَفْسِي تَدعُونِي إِلَى صَاحِبَة الْبَيْت لِأَنِّي رجعت مسرعاً حِين علمت بمَكَان جاري عَنهُ كَمَا يفعل العير إِذا أحس بالقانص.
وَقَوله: وَلَا ملق لذِي الودعات ... إِلَخ الودعة: الخرزة تعلق فِي عنق الصَّبِي أَي: لَا أشغل الصَّبِي ذَا الودعات بسوطي وَأَنا أُرِيد
стр. 4278
ريبته أَي: رِيبَة أمه.
ويروى: وربته أُرِيد وعَلى هَذَا فَالْمُرَاد أمه لِأَنَّهَا تربه وتملك أمره. وَيجوز أَن يُرِيد بِذِي الودعات: ابْن أمة وَيُرِيد بربته مولاته. وَجُمْلَة: ألاعبه حَال.
-
وَعقيل بن علفة شَاعِر إسلامي فِي الدولة الإسلامية المروانية تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالْعِشْرين بعد الثلثمائة.)
وَأنْشد بعده وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الْكَامِل
(وَلَقَد علمت لتأتين منيتي ... إِن المنايا لَا تطيش سهامها)
على أَن علم نزل منزلَة الْقسم فَيكون جملَة لتأتين جَوَاب الْقسم الَّذِي هُوَ علمت وَحِينَئِذٍ تخرج عَمَّا نَحن فِيهِ فَلَا تَقْتَضِي مَعْمُولا وَلَا تتصف بِعَمَل لوا تَعْلِيق وَلَا إِلْغَاء.
وَهَذَا مَأْخُوذ من كَلَام سِيبَوَيْهٍ فَإِنَّهُ أورد هَذَا الْبَيْت فِي بَاب أَفعَال الْقسم وَقَالَ: كَأَنَّهُ قَالَ: وَالله لتأتين منيتي كَمَا قَالَ: قد علمت لعبد الله خير مِنْك. اه.
وَيجوز أَن تبقى علم هُنَا على بَابهَا وَتَكون معلقَة بلام الْقسم فَيكون جملَة: لتأتين منيتي
جَوَابا لقسم مَحْذُوف تَقْدِيره: وَلَقَد علمت وَالله لتأتين منيتي.
وجملتا الْقسم وَالْجَوَاب فِي موقع نصب بعلمت الْمُعَلق.
стр. 4279
وَإِلَى هَذَا ذهب ابْن النَّاظِم فِي شرح الألفية قَالَ: وَمِنْهَا أَي: من المعلقات لَام الِابْتِدَاء وَالْقسم كَقَوْلِه تَعَالَى: وَلَقَد علمُوا لمن اشْتَرَاهُ مَاله فِي الْآخِرَة من خلاق وكقول الشَّاعِر: وَلَقَد علمت لتأتين منيتي ... ... ... ... . الْبَيْت وَقَررهُ ابْن هِشَام فِي شرح شواهده وَجوز الْوَجْه الأول أَيْضا فِيهِ ثمَّ قَالَ: وَيَأْتِي الْوَجْهَانِ فِي الْآيَة الْكَرِيمَة أَيْضا.
وَالسَّابِق إِلَى تَجْوِيز الْوَجْهَيْنِ فِي الْآيَة وَالْبَيْت ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة قَالَ فِيهِ: وَأما قَوْله تَعَالَى: وَلَقَد علمُوا لمن اشْتَرَاهُ الْآيَة. فَاللَّام فِي لقد لَام الْقسم وَهُوَ مَحْذُوف وَالتَّقْدِير: وَالله لقد علمُوا.
وَاللَّام فِي لمن اشْتَرَاهُ لَام الِابْتِدَاء وَمن بِمَنْزِلَة الَّذِي مُبْتَدأ وصلته اشْتَرَاهُ وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة خَبره وَالْجُمْلَة فِي مَوضِع نصب بعلموا كَمَا تَقول: قد علمت لزيد أفضل مِنْك فلام الِابْتِدَاء وهمزة الِاسْتِفْهَام فِي التَّعْلِيق سَوَاء. وَهَذَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ.
وَذهب غَيره إِلَى جعل من شرطا وَجعل اللَّام فِيهِ كَالَّتِي تعترض زَائِدَة بَين الْقسم والمقسم عَلَيْهِ فالتقدير: وَالله لقد علمُوا لَئِن أحد اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة من خلاق. وَفِي جعل من للشّرط بعض الضعْف وَذَلِكَ أَن علمُوا تَقْتَضِي مفعولها فَإِذا أوقعت الْقسم بعْدهَا صَار التَّقْدِير: وَلَقَد علمُوا أَحْلف بِاللَّه لَئِن اشْتَرَاهُ أحد.)
وَإِذا تأدى الْأَمر إِلَى هَذَا قبح أَن تلِي علمت فعل الْقسم لِأَنَّهَا وَأَخَوَاتهَا إِنَّمَا يدخلن على الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر.
فَإِن قلت: فعلام تجيز كَون من شرطا وَقد قدمت قبح ذَلِك
стр. 4280
فَالْجَوَاب أَن جَوَاز ذَلِك على أَن تجْعَل علمُوا نَفسهَا قسما. وَقد استعملتها الْعَرَب بِمَعْنى الْقسم. وَمن أَبْيَات الْكتاب:
فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَالله لتأتين منيتي.
فَإِن قلت: فَإِذا جعلت علمُوا جَارِيا مجْرى الْقسم وعندك أَن اللَّام فِي لقد دَالَّة على الْقسم الْمَحْذُوف فَكَأَنَّهُ عنْدك: وَالله لقد علمُوا وقولك: لقد علمُوا جَار مجْرى الْقسم فَكيف يجوز على هَذَا دُخُول الْقسم على الْقسم أَولا ترى أَن الْخَلِيل وسيبويه ذَهَبا فِي قَوْله تَعَالَى: وَالشَّمْس وَضُحَاهَا وَالْقَمَر إِذا تَلَاهَا أَن جَمِيع مَا بعد الْوَاو الأولى من الواوات إِنَّمَا هُوَ حرف عطف لِئَلَّا يدْخل قسم على قسم فَيبقى الأول مِنْهُمَا غير مجاب.
فَالْجَوَاب: أَن ذَلِك إِنَّمَا جَازَ فِي علمُوا من حَيْثُ كَانَ إِنَّمَا هُوَ فِي معنى الْقسم وَلَيْسَ قسما صَرِيحًا وَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَة اشْهَدْ لقد كَانَ كَذَا. فلأجل هَذَا جَازَ أَن تكون من فِي لمن اشْتَرَاهُ شرطا وَاللَّام فِي أَولهَا مُؤَكدَة للشّرط. فاعرف ذَلِك. اه.
وَالْبَيْت نسبه سِيبَوَيْهٍ فِي كِتَابه للبيد وَالْمَوْجُود فِي معلقته إِنَّمَا هُوَ المصرع الثَّانِي وصدره: صادفن مِنْهَا غرَّة فأصبنه وَالنُّون من صادفن ضمير الذئاب وَضمير مِنْهَا ضمير الْبَقَرَة الوحشية وَالْهَاء فِي أصبنه ضمير ولد الْبَقر.
وَلم
стр. 4281
يُوجد للبيد فِي ديوانه شعر على هَذَا الْوَزْن والروي غير الْمُعَلقَة. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده: الْكَامِل
( ... ... ... . . وإنني ... قسما إِلَيْك مَعَ الصدود لأميل)
على أَن لقد علمت فِي الْبَيْت السَّابِق منزل منزلَة الْقسم فَصَارَ كَقَوْلِه: قسما فِي هَذَا الْبَيْت وَهُوَ بِتَقْدِير أقسم قسما.
وَقَوله: لأميل خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: لأَنا أميل وَالْجُمْلَة جَوَاب الْقسم.
وَقد تقدم مشروحاً فِي الشَّاهِد التسعين.)
وَأَصله:
(إِنِّي لأمنحك الصدود وإنني ... قسما إِلَيْك ... ... ... . الْبَيْت)
وأنشده بعده
(الشَّاهِد السَّابِع عشر بعد السبعمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الرجز
لقد علمت أَي يَوْم عقبتي قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب مَا لَا يعلم فِيهِ مَا قبله من الْفِعْل الَّذِي يتَعَدَّى: وَتقول: عرفت أَي يَوْم الْجُمُعَة فتنصب على أَنه ظرف لَا على عرفت. وَإِن لم تَجْعَلهُ ظرفا رفعت. وَبَعض الْعَرَب يَقُول: لقد علمت أَي يَوْم عقبتي. وَبَعْضهمْ يَقُول: أَي يَوْم عقبتي. اه.
стр. 4282
وَظَاهر سِيَاقه إِن هَذَا كَلَام لَا شعر وَلِهَذَا لم يشرحه أَكثر شرَّاح شواهده وَلم يُورِدهُ أحد مِنْهُم فِي الأبيات إِلَّا أَبُو جَعْفَر النّحاس وَقَالَ بعده: لَا أنْشدهُ قَالَ بَعضهم: أَي حِين إِذا رفع فلَان الِاسْتِفْهَام لَا يفعل فِيهِ مَا قبله فَيكون مُبْتَدأ وَخَبره عقبتي. فَإِذا نصبت جعلته ظرفا وَلم يعلم فِيهِ علمت. اه.
يَعْنِي أَن أياً اكْتسبت الظَّرْفِيَّة من حِين لإضافتها إِلَيْهِ.
وَأوردهُ أَيْضا ابْن السيرافي فِي شرح أبياته وَقَالَ: هُوَ من رجز الراجز وَهُوَ:
(أَأَنْت يَا بسيطة الَّتِي الَّتِي ... هيبنيك فِي المقيل صحبتي
)
(لقد علمت أَي حِين عقبتي ... هِيَ الَّتِي عِنْد الهجير قَالَت)
إِذا النُّجُوم فِي السَّمَاء ولت وبسيطة: اسْم أَرض بَين الْكُوفَة وحزمن بني يَرْبُوع.
قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِي فرحة الأديب: وفيهَا يَقُول عدي بن عَمْرو الطَّائِي:
стр. 4283
الْبَسِيط.
وَخطأ ابْن السيرافي فِي قَوْله: البسيطة: الأَرْض المنبسطة الممتدة.
ثمَّ رَأَيْت ابْن خلف أورد هَذَا الرجز وَقَالَ فِي مِثَال سِيبَوَيْهٍ: أما نَصبه فعلى قَوْلك: فِي أَي الْأَوْقَات الِاجْتِمَاع للصَّلَاة وَرَفعه جيد كَأَنَّهُ قَالَ: أَي الْأَيَّام يَوْم الْجُمُعَة والسبت مثل الْجُمُعَة.
وَإِنَّمَا جَازَ النصب فِي ذَلِك لِأَن الْجُمُعَة فِيهَا معنى الِاجْتِمَاع وَالْأَصْل فِي السبت الرَّاحَة وَهُوَ فعل وَاقع فِي الْيَوْم. وَلَو قلت: الْيَوْم الْأَحَد والاثنان إِلَى الْخَمِيس لم يجز إِلَّا الرّفْع. وَلَيْسَ للأحد)
معنى يَقع فِي الْيَوْم.
ثمَّ قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَبَعض يَقُول: لقد علمت أَي يَوْم عقبتي أنْشدهُ نصبا وَهَذَا الْبَيْت من الشّعْر وَقد خلط بالْكلَام فِي الْكتاب.
وَالشَّاهِد فِيهِ نصب أَي على الظّرْف. وعقبتي مُبْتَدأ وَأي حِين: خَبره كَأَنَّهُ قَالَ: أَي الأحيان اعتقابي يُرِيد ركُوب عقبته. وَرَفعه جَائِز على مَا قَدمته. والبسيطة: الأَرْض المنبسطة الممتدة.
-
هيبنيك صحبتي: هيبوني من ركوبك وَالسير فِيك. والهجير: الهاجرة. وَوَلَّتْ النُّجُوم: يَعْنِي النُّجُوم الَّتِي كَانَت فِي أول اللَّيْل مُرْتَفعَة ولت انحطت لِتَغَيُّبٍ.
يُرِيد أَنه لَهُ عقبتين: عقبَة بِاللَّيْلِ وَعقبَة بِالنَّهَارِ. انْتهى كَلَامه.
وَذهب بالبسيطة إِلَى مَعْنَاهَا اللّغَوِيّ. وَقد رده أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي وَقَالَ: إِنَّهَا علم لأرض بِعَينهَا وَعلمت بِالْبِنَاءِ للمعلوم والتكلم. والعقبة بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف وَهُوَ مُضَاف إِلَى الْيَاء.
قَالَ صَاحب الْعباب: الْعقبَة بِالضَّمِّ: النّوبَة بالنُّون. تَقول: تمت عقبتك أَي: نوبتك.
стр. 4284
وَلم أَقف عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ من هَذَا وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّامِن عشر بعد السبعمائة)
الْكَامِل غادرته جزر السبَاع وَهُوَ قِطْعَة من بَيت وَهُوَ:
(غادرته جزر السبَاع ينشنه ... مَا بَين قلَّة رَأسه والمعتصم)
على أَن غدر مُلْحق بَصِير فِي الْعَمَل وَالْمعْنَى إِذا كَانَ ثَانِي المنصوبين معرفَة كَمَا فِي الْبَيْت.
وَالْمَشْهُور فِي رِوَايَته: وَتركته جزر السبَاع.
-
وَقد اسْتشْهد بِهِ فِي التفسيرين على أَن ترك فِي قَوْله: وتركهم فِي ظلمات لَا يبصرون كَمَا فِي الْبَيْت.
وَترك فِي الأَصْل يتَعَدَّى إِلَى مفعول وَاحِد لِأَنَّهُ بِمَعْنى طرح وخلى ثمَّ ضمن معنى صَار إِلَّا أَن مَا فِي الْبَيْت مُتَعَدٍّ قطعا إِلَى مفعولين لكَون الثَّانِي معرفَة بِخِلَاف الْآيَة فَإِن ترك فِيهَا يحْتَمل أَن تكون بِمَعْنى الأَصْل متعدية إِلَى مفعول وَاحِد وَيكون فِي ظلمات لَا يبصرون حَالين مترادفتين كَمَا قَالَه ابْن الْحَاجِب:
(ومدجج كرة الكماة نزاله ... لَا ممعن هرباً وَلَا مستسلم)
(جَادَتْ يداي لَهُ بعاجل طعنة ... بمثقف صدق الكعوب مقوم)
(فشككت بِالرُّمْحِ الطَّوِيل ثِيَابه ... لَيْسَ الْكَرِيم على القنا بِمحرم)
стр. 4285
وَتركته جزر السبَاع ... ... ... ... . . الْبَيْت وَقَوله: ومدجج أَي: رب مدجج وَهُوَ التَّام السِّلَاح بِكَسْر الْجِيم وَفتحهَا. والكماة: الشجعان. والنزال: المنازلة فِي الْحَرْب.
وَقَوله: لَا ممعن إِلَخ صفة ثَانِيَة لمدجج والإمعان: الْمُبَالغَة وَمَعْنَاهُ لَا يمعن هرباً فيبعد وَلَا هُوَ مستسلم فيؤسر وَلكنه يُقَاتل. وَيُقَال: مَعْنَاهُ لَا يفر فِرَارًا بَعيدا إِنَّمَا هُوَ منحرف لرجعة أَو كرة وَأَرَادَ وَصفه بالحزم فِي الْحَرْب. وَأَرَادَ أَنه وَإِن كَانَ بِهَذِهِ الصّفة وَكَانَ مِمَّن
تكره منازلته فَإِنِّي لم أجبن عَنهُ وَلَا هِبته وَلَكِنِّي أقدمت عَلَيْهِ.
وَقَوله: جَادَتْ يداي ... . إِلَخ أَي: سبقته بالطعن لِأَنِّي كنت أحذق مِنْهُ. والمثقف: الرمْح الْمُقَوّم. والصدق بِالْفَتْح: الصلب. وَمَا بَين كل أنبوبتين كَعْب.)
وَقَوله: فشككت بِالرُّمْحِ ... إِلَخ أَي: انتظمت ثِيَابه بِالرُّمْحِ يُرِيد أَن الرماح مولعة بالكرام لحرصهم على الْإِقْدَام. وَقيل: مَعْنَاهُ كرمه لَا يخلصه من الْقَتْل الْمُقدر لَهُ.
وَقَوله: وَتركته جزر السبَاع ... إِلَخ الجزر: جمع جزرة بِفَتْح الْجِيم وَالزَّاي وَهِي الشَّاة أَو النَّاقة تنحر وتذبح. أَي: تركته لَحْمًا للسباع. والنوش: التَّنَاوُل.
وَقلة رَأسه: أَعْلَاهُ. والمعصم: مَوضِع السوار من الذِّرَاع. وَكَانَ الْوَجْه أَن يَقُول: مَا بَين قلَّة رَأسه والقدم فَلم يُمكنهُ للقافية. وَيحْتَمل أَنه اسْتعَار المعصم لما فَوق الْقدَم من السَّاق لتقاربهما فِي الْخلقَة.
стр. 4286
وترجمة عنترة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّانِي عشر من أَوَائِل الْكتاب.
وَأنْشد بعده الوافر
(سَمِعت النَّاس ينتجعون غيشاً ... فَقلت لصيدح انتجعي بِلَالًا
)
على أَن الْفِعْل التَّالِي لاسم الْعين بعد سمع يجوز أَن لَا يكون بِمَعْنى النُّطْق كَمَا فِي الْبَيْت فَإِن الانتجاع التَّرَدُّد فِي طلب العشب وَالْمَاء وَلَيْسَ قولا والمسموع مُطلق الصَّوْت سَوَاء كَانَ قولا أَو حَرَكَة فَإِن الْمَشْي فِيهِ صَوت تَحْرِيك الْأَقْدَام.
وَكَذَا الانتجاع هُوَ طلاب النجعة وَهِي مَكَان الْمَطَر إِذا أجدبوا. والطلب إِمَّا بالسؤال وَهُوَ قَول أَو بالتردد ذَهَابًا ومجيئاً وَفِيه حركات مسموعة.
وَالشَّارِح الْمُحَقق مَسْبُوق بِهَذَا الِاخْتِيَار.
وَقَالَ ابْن مَالك فِي التسهيل: ألْحقُوا بِرَأْي العلمية الحلمية وَسمع الْمُعَلقَة يعين وَلَا يخبر بعْدهَا إِلَّا بِفعل دَال على صَوت. اه.
وَهَذَا مُخَالف لصريح كَلَام الرضي. وَقَوله فِي أَمَالِيهِ إِن قِيَاس سَمِعتك تمشي على سَمِعت أَنَّك تمشي قِيَاس مَعَ الْفَارِق لِأَنَّهُ بِتَقْدِير الْبَاء وَلَيْسَ من هَذَا الْقَبِيل الَّذِي يدْخل على الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر.
стр. 4287
أَقُول: مُرَاده أَن سمع فِي المثالين مُتَعَلّقه مُطلق الصَّوْت سَوَاء كَانَ من اسْتِعْمَال وَاحِد أَو من استعمالين. فَإِن سمع فِي أَكثر استعمالاته مُتَعَلقَة الصَّوْت وَلَا يسْتَعْمل فِي غير مسموع إِن اللَّفْظَة مَوْضُوعَة لَهُ وَلَا يلْزم الدّلَالَة على الصَّوْت وضعا بل يَكْفِي الدّلَالَة عَلَيْهِ وَلَو التزاماً.)
وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: بِنصب النَّاس فِيهِ رد على الحريري بإنكاره النصب فَإِنَّهُ قَالَ فِي درة الغواص: وَمن أوهامهم فِي هَذَا الْمَعْنى أَنهم ينشدون بَيت ذِي الرمة: سَمِعت النَّاس ينتجعون غيثاً
فَيَنْصبُونَ لفظ النَّاس على الْمَفْعُول وَلَا يجوز ذَلِك لِأَن النصب بِجعْل الانتجاع مِمَّا يسمع وَمَا هُوَ كَذَلِك. إِنَّمَا الصَّوَاب أَن ينشد بِالرَّفْع على وَجه الْحِكَايَة. اه.
وَقد تبع فِي هَذَا الْمبرد فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْكَامِل: قَوْله سَمِعت النَّاس ينتجعون غيثاً حِكَايَة وَالْمعْنَى إِذا حقق إِنَّمَا هُوَ: سَمِعت هَذِه اللَّفْظَة أَي: قَائِلا يَقُول: النَّاس ينتجعون غيثاً وَمثل هَذَا قَوْله: الوافر
(وجدنَا فِي كتاب بني تَمِيم ... أَحَق الْخَيل بالركض المعار)
فَمَعْنَاه وجدنَا هَذِه اللَّفْظَة مَكْتُوبَة.
فَقَوله: أَحَق الْخَيل ابْتِدَاء والمعار: خَبره. وَكَذَلِكَ النَّاس ابْتِدَاء وينتجعون خَبره.
وَمثل هَذَا فِي الْكَلَام: قَرَأت الْحَمد لله رب الْعَالمين إِنَّمَا حكيت مَا قَرَأت وَكَذَلِكَ: قَرَأت على
стр. 4288
وَقد روى النصب فِي الْبَيْت جمَاعَة ثِقَات مِنْهُم ابْن السَّيِّد فِي أَبْيَات الْمعَانِي وَمِنْهُم الفارقي فِي شرح أَبْيَات الْإِيضَاح وَمِنْهُم الزَّمَخْشَرِيّ وَغَيره.
وَقد أوردهُ بِالرَّفْع الزَّمَخْشَرِيّ أَيْضا فِي أول سُورَة الْبَقَرَة على أَن جملَة: النَّاس ينتجعون محكي والحكاية إِمَّا بقول مُقَدّر على مَذْهَب من اشْترط فِي الْحِكَايَة القَوْل أَو بسمعت على خلاف.
وَتَقْدِيره كثير.
وَاعْلَم أَن نَحْو: سَمِعت زيدا يَقُول كَذَا اخْتلف فِيهِ: فَعِنْدَ الْأَخْفَش وَأبي عَليّ
الْفَارِسِي فِي الْإِيضَاح وَابْن مَالك وَصَاحب الْهَادِي وجم غفير أَنه يتَعَدَّى إِلَى مفعولين: الأول: الذَّات وَالثَّانِي: الْجُمْلَة الْمَذْكُورَة بعد.
قَالَ البعلي فِي شرح الْجمل: وَأما سمع فَإِن وليه مَا يسمع تعدى إِلَى مفعول وَاحِد تَقول: سَمِعت الحَدِيث وَسمعت الْكَلَام. وَإِن وليه مَا لَا يسمع تعدى إِلَى مفعولين كَقَوْلِك: سَمِعت زيدا يَقُول كَذَا.
وَلم يجز بَعضهم سَمِعت زيدا قَائِلا إِلَّا أَن يعلقه بِشَيْء آخر لِأَن قَائِلا من صِفَات الذَّات والذات لَا تسمع.)
وَأما قَوْله تَعَالَى: هَل يسمعونكم إِذْ تدعون فعلى حذف الْمُضَاف تَقْدِيره: هَل يسمعُونَ قَالَ فِي شرح الْهَادِي: وَفِيه نظر فَإِن الثَّانِي من قَوْلنَا: سَمِعت زيدا يَقُول: جملَة وَالْجُمْلَة لَا تقع مَفْعُولا إِلَّا فغي الْأَفْعَال الدَّاخِلَة على الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر نَحْو: ظَنَنْت وَسمعت لَيْسَ مِنْهَا بل الْحق أَنه مِمَّا
стр. 4289
يتَعَدَّى إِلَى مفعول وَاحِد وَلَا يكون إِلَّا مِمَّا يسمع.
فَإِن عديته إِلَى غير مسموع فَلَا بُد من قرينَة بعده تدل على أَن المُرَاد مَا يسمع فِيهِ. فَإِن قلت: سَمِعت زيدا يَقُول: فزيداً مفعول على تَقْدِير مُضَاف أَي: سَمِعت قَول زيد وَيَقُول فِي مَوضِع الْحَال. اه.
وَهَذَا النّظر غير وَارِد وَفِي كَلَامهم مَا يَدْفَعهُ. كَذَا فِي التسهيل وَقد نقلنا عِبَارَته.
فَعلم أَن من قَالَ بنصبها مفعولين جعلهَا مِمَّا يدْخل على الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر لِأَن الْحَواس الظَّاهِرَة لما أفادت الْإِدْرَاك وَالْعلم إِذْ كَانَت طَرِيقا لَهُ أجروها مجْرى رأى وَعلم لذَلِك فأعلموا عَملهَا.
-
وَذهب بَعضهم إِلَى جعل الْجُمْلَة حَالا بعد الْمعرفَة وَصفَة بعد النكرَة. قَالَ القَاضِي فِي تَفْسِير: سمعنَا فَتى يذكرهم. صفة مصححة لِأَن يتَعَلَّق بِهِ السّمع وَهُوَ أبلغ فِي نِسْبَة الذّكر إِلَيْهِ.
وَوجه كَونه أبلغ إِيقَاع الْفِعْل على المسموع مِنْهُ وَجعله بِمَنْزِلَة المسموع مُبَالغَة فِي عدم الْوَاسِطَة بَينهمَا ليُفِيد التَّرْكِيب أَنه سَمعه مِنْهُ بِالذَّاتِ. وَضمير هُوَ رَاجع إِلَى التَّعَلُّق.
وَهَذَا معنى قَوْله فِي تَفْسِير: سمعنَا منادياً يُنَادي للْإيمَان حَيْثُ قَالَ: أوقع الْفِعْل على المسمع وَقَالَ الْفَاضِل فِي حَوَاشِي الْكَشَّاف: فِي مثل هَذَا يَجْعَل مَا يسمع صفة للنكرة وَحَالا للمعرفة فأغنى عَن ذكر المسموع. لَكِن لَا يخفى أَنه
стр. 4290
لَا يَصح إِيقَاع فعل السماع على الرجل إِلَّا بإضمار أَو مجَاز أَي: سَمِعت كَلَامه.
وَأَن الأوفق بِالْمَعْنَى فِيمَا جعل وَصفا أَو حَالا أَن يَجْعَل بَدَلا بِتَأْوِيل الْفِعْل على مَا يرَاهُ بعض النُّحَاة لكنه قَلِيل فِي الِاسْتِعْمَال فَلِذَا آثر الوصفية والحالية. اه.
وَإِنَّمَا كَانَ الْبَدَل أوفق لِأَنَّهُ يَسْتَغْنِي عَن التَّجَوُّز والإضمار إِذْ هُوَ حِينَئِذٍ بدل اشْتِمَال وَلَا يلْزم فِيهِ قصد تعلق الْفِعْل بالمبدل مِنْهُ حَتَّى يحْتَاج إِلَى إِضْمَار أَو تجوز كَمَا فِي: سلب زيد ثَوْبه إِذْ لَيْسَ زيد مسلوباً. وَلم يؤوله أحد لِأَنَّهُ غير مَقْصُود بِالنِّسْبَةِ بل تَوْطِئَة لما بعده.
وإبدال الْجُمْلَة من الْمُفْرد جَائِز نَحْو: وأسروا النَّجْوَى الَّذين ظلمُوا هَل هَذَا إِلَّا بشر مثلكُمْ.
وَفِي شرح الْمُغنِي: الْمُحَقِّقُونَ على أَنَّهَا متعدية إِلَى مفعول وَاحِد وَأَن الْجُمْلَة الْوَاقِعَة بعده حَال.
)
وَقَالَ التَّفْتَازَانِيّ: أَو بدل أَو بَيَان بِتَقْدِير الْمصدر. وَيلْزم عَلَيْهِ حذف أَن وَرفع الْفِعْل وَجعله بِمَعْنى الْمصدر بِدُونِ سابك وَلَيْسَ مثله بمقيس. وَهَذَا لَيْسَ بوارد لِأَنَّهُ إِشَارَة إِلَى أَن بدل الْجُمْلَة من الْمُفْرد بِاعْتِبَار مُحَصل الْمَعْنى لِأَنَّهُ سبك وَتَقْدِير.
بَقِي لسمع استعمالات غير مَا تقدم وَهِي ثَلَاثَة: أَحدهَا: أَن تتعدى إِلَى مسموع. وَقد حقق السُّهيْلي أَن جَمِيع الْحَواس الظَّاهِرَة لَا تتعدى إِلَّا مفعول وَاحِد نَحْو: سَمِعت الْخَبَر وأبصرت الْأَثر ومسست الْحجر ودقت الْعَسَل وشممت الطّيب.
ثَانِيهَا: تعديتها بإلى أَو اللَّام وَهِي حِينَئِذٍ بِمَعْنى الإصغاء
стр. 4291
وَالظَّاهِر أَنه حَقِيقَة لَا تضمين قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: لَا يسمعُونَ إِلَى الملاء الْأَعْلَى. فَإِن قلت: أَي فرق بَين سَمِعت فلَانا يتحدث وَسمعت إِلَيْهِ يتحدث وَسمعت حَدِيثه وَإِلَى حَدِيثه قلت: المعدى بِنَفسِهِ يُفِيد الْإِدْرَاك والمعدى بإلى يُفِيد الإصغاء مَعَ الْإِدْرَاك.
قَالَ الْجَوْهَرِي: استمعت لَهُ أَي: أصغيت وتسمعت إِلَيْهِ وَسمعت إِلَيْهِ وَسمعت لَهُ.
وَأما قَوْله: سمع الله لمن حَمده فَإِنَّهُ مجَاز عَن المقبول.
ثَالِثهَا: تعديتها بِالْبَاء وَهُوَ مَعْرُوف فِي كَلَام الْعَرَب وَمَعْنَاهُ الْإِخْبَار وَنقل ذَلِك إِلَى السَّامع.
وَيدخل حِينَئِذٍ على غير المسموع وَلَيْسَت الْبَاء فِيهِ زَائِدَة تَقول: مَا سَمِعت بِأَفْضَل مِنْهُ.
وَفِي الْمثل: تسمع بالمعيدي خير من أَن ترَاهُ قابله بِالرُّؤْيَةِ لِأَنَّهُ بِمَعْنى الْإِخْبَار عَنهُ المتضمن للغيبة.
-
وَقَالَ الحماسي: الْكَامِل وَقَالَ آخر: الْخَفِيف
(صَاح هَل ريت أَو سَمِعت براع ... رد فِي الضَّرع مَا قرى فِي العلاب)
стр. 4292
وَقَالَ ربيعَة بن مقروم: الْبَسِيط
(وَقد سَمِعت بِقوم يحْمَدُونَ فَلم ... أسمع بمثلك لَا حلماً وَلَا جوداً)
وَإِنَّمَا أطلت الْكَلَام فِي هَذِه الْكَلِمَة لِأَن الشَّارِح الْمُحَقق أوجز فِيهَا كل الإيجاز.
وَالْبَيْت من قصيدة لذِي الرمة مدح بهَا بِلَال بن أبي بردة بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ.
وَبعده:)
(تناخي عِنْد خير فَتى يمَان ... إِذا النكباء ناوحت الشمالا)
(ندى وتكرماً ولبات لب ... إِذا الْأَشْيَاء حصلت الرجالا)
(وأبعدهم مَسَافَة غور عقل ... إِذا مَا الْأَمر ذُو الشُّبُهَات عالا
)
وَهِي قصيدة طَوِيلَة جدا وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله بَيت مِنْهَا أَيْضا فِي أَفعَال الْمَدْح والذم.
وَقَوله: سَمِعت النَّاس ... . إِلَخ الْغَيْث: الْمَطَر وَأَرَادَ بِهِ مَا يحصل بِسَبَبِهِ من الكلإ وَالْخصب.
وصيدح بإهمال الطَّرفَيْنِ: اسْم نَاقَة ذِي الرمة. وبلال هُوَ الممدوح وَتَقَدَّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد السِّتين بعد الْمِائَة.
قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: وَكَانَ بِلَال داهية لقناً أديباً.
стр. 4293
وَلما سمع قَوْله: سَمِعت النَّاس الْبَيْت قَالَ لغلامه: مر لَهَا بقت وَنوى. أَرَادَ أَن ذَا الرمة لَا يحسن الْمَدْح. اه.
فَلَمَّا خرج ذُو الرمة قَالَ لَهُ أَبُو عَمْرو وَكَانَ حَاضرا: هلا قلت لَهُ إِنَّمَا عنيت بانتجاع النَّاقة صَاحبهَا كَمَا قَالَ الله : واسأل الْقرْيَة الَّتِي كُنَّا فِيهَا يُرِيد أَهلهَا.
وهلا أنشدته قَول الْحَارِثِيّ: الوافر
(وقفت على الديار فكلمتني ... فَمَا ملكت مدامعها القلوص)
يُرِيد صَاحبهَا.
-
فَقَالَ لَهُ ذُو الرمة: يَا أَبَا عَمْرو أَنْت مُفْرد فِي عَمَلك وَأَنا فِي عَمَلي وشعري ذُو أشباه. اه.
وَقَالَ ابْن عبد ربه فِي العقد الفريد: وَلما أنْشد هَذَا الشّعْر بِلَالًا قَالَ: يَا غُلَام مر لصيدح بقت وعلف فَإِنَّمَا هِيَ انتجعتنا. وَهَذَا من التعنت الَّذِي لَا إنصاف مَعَه لِأَنَّهُ قَوْله: انتجعي إِنَّمَا أَرَادَ نَفسه. وَمثله فِي كتاب الله تَعَالَى: واسأل الْقرْيَة الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعير الَّتِي أَقبلنَا فِيهَا وَإِنَّمَا أَرَادَ أهل الْقرْيَة وَأهل العير.
وَقَوله: إِذا النكباء إِلَخ قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: النكباء: الرّيح الَّتِي تَأتي من بَين ريحين فَتكون بَين الشمَال وَالصبَا أَو الشمَال وَالدبور أَو الْجنُوب وَالدبور أَو الْجنُوب وَالصبَا.
فَإِذا كَانَت النكباء تناوح
стр. 4294
الشمَال فَهِيَ آيَة الشتَاء. وَمعنى تناوح تقَابل يُقَال: تناوح الشّجر إِذا قَابل بعضه بَعْضًا. وَزعم الْأَصْمَعِي أَن النائحة بِهَذَا سميت لِأَنَّهَا تقَابل صاحبتها. اه.
وَيُرِيد ذُو الرمة أَنه يُعْطي فِي هَذَا الْوَقْت الَّذِي هُوَ الجدب والقحط ويبس وَجه الأَرْض.
وَقَوله: ندى وتكرماً تَمْيِيز لقَوْله: خير فَتى. وحصلت بِمَعْنى ميزت الشريف من الوضيع.)
والمسافة: الْغَايَة. وعال: غلب. وَذُو الشُّبُهَات: مَا اشبته وَلَا يهتدى لَهُ.
وترجمة ذِي الرمة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن من أول الْكتاب.
-
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْعشْرُونَ بعد السبعمائة)
المتقارب إِذا أَقبلت قلت دباءة على أَن دباءة لَيست وَحدهَا محكية بالْقَوْل بل هِيَ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هِيَ دباءة وَالْمَجْمُوع هُوَ المحكي.
وَهَذَا صدر وعجزه: وَالْبَيْت من قصيدة لامرئ الْقَيْس فِي وصف فرس.
وَقَبله:
(لَهَا حافر مثل قَعْب الْوَلِيّ ... د ركب فِيهِ وظيف عجر)
...
стр. 4295
(لَهَا ثنن كخوافي العقا ... ب سود يفين إِذا تزبئر)
(لَهَا ذَنْب مثل ذيل الْعَرُوس ... تسد بِهِ فرجهَا من دبر)
(لَهَا متنتان خظاتا كَمَا ... أكب على ساعديه النمر
)
(لَهَا كفل كصفاة المسي ... ل أبرز عَنْهَا حجاف مُضر)
(لَهَا منخر كوجار السبَاع ... فَمِنْهُ تريح إِذا تنبهر)
(وَعين لَهَا حدرة بدرة ... وَشقت مآقيهما من أخر)
(وَإِن أَدْبَرت قلت أثفية ... ململمة لَيْسَ فِيهَا أثر)
(وَإِن أَعرَضت قلت سرعوفة ... لَهَا ذَنْب خلفهَا مسبطر)
قَوْله: مثل قَعْب الْوَلِيد ... إِلَخ الْعقب بِفَتْح الْقَاف: قدح من خشب مقعر. وحافر مقعب مشبه بِهِ. والوليد: الصَّبِي. يُرِيد أَن جَوف حافرها وَاسع. وَبَينه عَوْف بن عَطِيَّة بقوله: المتقارب والمغار: بِالْفَتْح الْمسكن. والوظيف من الْحَيَوَان: مَا فَوق الرسغ إِلَى السَّاق وَبَعْضهمْ يَقُول: مقدم السَّاق.)
وعجر بِفَتْح المهلة وَكسر الْجِيم قَالَ فِي الصِّحَاح: ووظيف عجر بِكَسْر الْجِيم وَضمّهَا أَي: غليظ.
стр. 4296
-
وَقَوله: لَهَا ثنن ... . إِلَخ هُوَ جمع ثنة بِضَم الْمُثَلَّثَة وَتَشْديد النُّون وَهِي الشعرات الَّتِي فِي مُؤخر رسغ الدَّابَّة. ويفين غير مَهْمُوز أَي: يكثرن. يُقَال: وَفِي شعره إِذا كثر. يَقُول: لَيست بمنجردة لَا شعر عَلَيْهَا. وتزبئر: تنتفش. والخوافي: مَا دون الريشات الْعشْر من مقدم الْجنَاح.
وَقَوله: لَهَا ذَنْب مثل ذيل ... . إِلَخ دبر كل شَيْء: خَلفه وَهُوَ هُنَا حَشْو بغني عَنهُ ذكر الْفرج.
وَقَالَ الْآمِدِيّ عِنْد قَول البحتري: الْكَامِل
(ذَنْب كَمَا سحب الرِّدَاء يذب عَن ... عرف وَعرف كالقناع المسبل)
هَذَا خطأ من الْوَصْف لِأَن ذَنْب الْفرس إِذا مس الأَرْض كَانَ عَيْبا فَكيف إِذا سحبه. وَإِنَّمَا الممدوح من الأذناب مَا قرب من الأَرْض وَلم يَمَسهَا كَمَا قَالَ امْرُؤ الْقَيْس: الطَّوِيل
(كميت إِذا استدبرته سد فرجه ... بضاف فويق الأَرْض لَيْسَ بأعزل)
والأعزل من الْخَيل: الَّذِي يَقع ذَنبه فِي جَانب وَهُوَ عَادَة لَا خلقَة وَقد عيب قَول امْرِئ الْقَيْس: وَمَا أرى الْعَيْب يلْحقهُ لِأَن الْعَرُوس وَإِن كَانَت تسحب أذيالها وَكَانَ ذَنْب الْفرس إِذا مس الأَرْض عَيْبا فَلَيْسَ بمنكر أَن يشبه بِهِ الذَّنب وَإِن لم يبلغ إِلَى أَن يمس الأَرْض لِأَن الشَّيْء إِنَّمَا يشبه الشَّيْء إِذا
стр. 4297
قاربه فَإِذا أشبهه فِي أَكثر أَحْوَاله فقد صَحَّ التَّشْبِيه.
وامرؤ الْقَيْس لم يقْصد أَن يشبه طول الذَّنب بطول ذيل الْعَرُوس فَقَط وَإِنَّمَا أَرَادَ السبوغ وَالْكَثْرَة والكثافة.
-
أَلا ترى أَنه قَالَ: تسد بِهِ فرجهَا من دبر. وَقد يكون الذَّنب طَويلا يكَاد يمس الأَرْض وَلَا يكون كثيفاً فَلَا يسد فرج الْفرس. فَلَمَّا قَالَ تسد بِهِ فرجهَا علمنَا أَنه أَرَادَ الكثافة والسبوغ مَعَ الطول.
فَإِذا أشبه الذَّنب الذيل من هَذِه الْجِهَة وَكَانَ فِي الطول قَرِيبا مِنْهُ فالتشبيه صَحِيح وَلَيْسَ ذَلِك بِمُوجب للعيب وَإِنَّمَا الْعَيْب فِي قَول البحتري: ذَنْب كَمَا سحب الرِّدَاء. فأفصح بِأَن الْفرس يسحب ذَنبه.
وَمثل قَول امْرِئ الْقَيْس قَول خِدَاش بن زُهَيْر: المتقارب
(لَهَا ذَنْب مثل ذيل الْهَدْي ... إِلَى جؤجؤ أيد الزافر)
وَالْهَدْي: الْعَرُوس الَّتِي تهدى إِلَى زَوجهَا. والأيد: الشَّديد. والزافر: الصَّدْر لِأَنَّهَا تزفر مِنْهُ)
فَشبه الذَّنب الطَّوِيل السابغ بذيل الْهَدْي وَإِن لم يبلغ فِي الطول إِلَى أَن يمس الأَرْض. اه.
(ومتنان خظاتان ... كزحلوف من الهضب)
يُقَال: لَحْمه خظا بظا إِذا كن كثير اللَّحْم صلبه. والزحلوف: الْحجر الأملس.
قَالَ امْرُؤ الْقَيْس: لَهَا متنتان خظاتا الْبَيْت. يُقَال: هُوَ خاظي البضيع إِذا كَانَ كثير اللَّحْم مكتنزه. وَقَوله: خظاتا فِيهِ قَولَانِ:
стр. 4298
أَحدهمَا: أَنه أَرَادَ خظاتان كَمَا قَالَ أَبُو دواد فَحذف نون التَّثْنِيَة. يُقَال: متن خظاة ومتنة خظاة.
وَالْآخر: أَنه أَرَادَ خظتا أَي: ارتفعتا فاضطر فَزَاد ألفا. وَالْقَوْل الأول أَجود.
وَقَوله: كَمَا أكب على ساعديه النمر أَرَادَ: كَأَن فَوق متنها نمراً باركاً لِكَثْرَة لحم الْمَتْن. اه.
وَلَا يخفى أَن هَذَا لَا وَجه لَهُ وَالصَّوَاب مَا قَالَه ثَعْلَب أَي: فِي صلابة ساعد النمر إِذا اعْتمد على يَده.
وَقَوله: لَهَا كفل ... إِلَخ الصفاة بِالْفَتْح: الصَّخْرَة الملساء. والمسيل: مجْرى السَّيْل شبه كفلها فِي ملاسته بصفاة فِي مسيل أبرزها السَّيْل وكشف مَا كَانَ عَلَيْهَا من التُّرَاب.
والجحاف بِضَم الْجِيم بعْدهَا مُهْملَة: السَّيْل الشَّديد. والمضر: الَّذِي يضر بِكُل شَيْء يمر عَلَيْهِ أَي: يهدمه ويقلعه.
وَقَوله: لَهَا منخر كوجار ... إِلَخ الوجار بِفَتْح الْوَاو وَكسرهَا بعْدهَا جِيم: جُحر الضَّب شبه بِهِ منخرها لسعته.
وتريح: تسنتشق الرّيح تَارَة وترسلها من أراح. والبهر بِالضَّمِّ: ضيق النَّفس عِنْد الجري والتعب.
وَقَوله: وَعين لَهَا حدرة ... إِلَخ بِفَتْح الْحَاء وَسُكُون الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ فِي الصِّحَاح: وَعين حدرة أَي: مكتنزة صلبة. وَعين بدرة أَي: تبدر النّظر وَيُقَال: تَامَّة كالبدر.
وَآخر بِضَمَّتَيْنِ فِي الصِّحَاح: وشق ثَوْبه أخراً وَمن أخر أَي: من مؤخره. وَأنْشد الْبَيْت.
стр. 4299
وَقَوله: إِذا أَقبلت قلت دباءة هِيَ بِضَم الدَّال وَتَشْديد الْمُوَحدَة بعْدهَا ألف ممدودة.
قَالَ أَبُو حنيفَة فِي كتاب النَّبَات: الدُّبَّاء: القرع واحده دباءة وقرعة. وَأنْشد الْبَيْت ثمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا شبهها بالدباءة لدقة مقدمها وفعامة مؤخرها.)
وَقيل كَذَلِك خلق الْإِنَاث من الْخَيل. وَهَذَا فِي الْإِنَاث والذكور سَوَاء يسْتَحبّ
من الْخَيل أَن تطول وَتَكون مآخيرها أعظم من مقاديمها. وامرؤ الْقَيْس وَإِن كَانَ وصف فرسا أُنْثَى هَذَا الْوَصْف فقد وصف ابْن مقبل ذكرا من الْخَيل. اه.
وَقَالَ المرزوقي فِي شرح الفصيح: يشبهون إناث الْخَيل بالدباء وَهِي القرع والسلاء وَهُوَ الشوك وَأنْشد الْبَيْت ثمَّ قَالَ: وَيسْتَحب من الذُّكُور غلظ الْمُقدم ودقة الْمُؤخر وَلِهَذَا يشبهونها بالذئاب لكَونهَا زلاً جمع أزل. اه.
وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي أَبْيَات الْمعَانِي: يَقُول: كَأَنَّهَا من بريقها قرعَة وَلَيْسَ يُرِيد أَنَّهَا مغموسة فِي المَاء وَلكنه أَرَادَ أَنَّهَا فِي ري فَهُوَ أَشد لملاستها. وَهَذَا كَقَوْلِك: فلَان مغموس فِي الْخَيْر.
وَقَالَ بَعضهم: إناث الْخَيل تكون فِي الْخلقَة كالقرعة يدق مقدمها ويعظم مؤخرها. اه.
وَقَالَ العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف عِنْد قَول امْرِئ الْقَيْس: الطَّوِيل مداك عروس أَو صراية حنظل
стр. 4300
رَوَاهُ الْأَصْمَعِي: صراية الصَّاد مَفْتُوحَة غير مُعْجمَة وَتَحْت الْيَاء نقطتان وَهِي الحنظلة الخضراء وَقيل: هِيَ الَّتِي اصْفَرَّتْ لِأَنَّهَا إِذا اصْفَرَّتْ برقتْ وَهِي قبل أَن تصفر مُغيرَة. قَالَ: وَمثله: إِذا أَقبلت قلت دباءة
أَي: من بريقها كَأَنَّهَا قرعَة. اه.
والأثفية: الْحجر الَّذِي ينصب عَلَيْهِ الْقدر. والسرعوفة بِضَم الْمُهْمَلَتَيْنِ قَالَ الصَّاغَانِي فِي الْعباب: هِيَ الجرادة وَيُشبه بهَا الْفرس. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَقد أورد ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة هَذِه الأبيات الثَّلَاثَة الْأَخِيرَة فِي بَاب التَّقْسِيم قَالَ: زعم الْحَاتِمِي أَن أصح تَقْسِيم وَقع لشاعر قَول الأسعر الْجعْفِيّ يصف فرسا: الْكَامِل
(أما إِذا استقبلته فَكَأَنَّهُ ... باز يكفكف أَن يطير وَقد رأى)
(أما إِذا استدبرته فتسوقه ... سَاق قموص الوقع عَارِية النسا)
(أما إِذا استعرضته متمطراً ... فَتَقول: هَذَا مثل سرحان الغضا)
стр. 4301
وَاخْتَارَهُ أَيْضا قدامَة وَلَيْسَ عِنْدِي بِأَفْضَل من قَول امْرِئ الْقَيْس إِلَّا بشرف الصِّفَات:
إِذا أَقبلت قلت دباءة ... ... ... الأبيات الثَّلَاث)
وَلَو لم يكن إِلَّا بنسق هَذَا الْكَلَام بعضه على بعض وَانْقِطَاع ذَلِك بعضه من بعض. اه.
وَتَقَدَّمت تَرْجَمَة امْرِئ الْقَيْس فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ من أول الْكتاب.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْحَادِي وَالْعشْرُونَ بعد السبعمائة)
مجزوء الوافر
(تنادوا بالرحيل غَدا ... وَفِي ترحالهم نَفسِي)
على أَن جملَة الرحيل غَدا من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر محكية بقول مَحْذُوف عِنْد الْبَصرِيين وَالتَّقْدِير: تنادوا بقَوْلهمْ: الرحيل غَدا. وَعند الْكُوفِيّين محكية بتنادوا فَإِنَّهُ يجوز عِنْدهم الْحِكَايَة بِمَا فِي معنى القَوْل فَإِن تنادوا مَعْنَاهُ نَادَى على كل مِنْهُم الآخر وَرفع صَوته بِهَذَا اللَّفْظ وَهُوَ الرحيل غَدا.
وَهَذَا الْبَيْت أنْشدهُ ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة وَقَالَ: أجَاز أَبُو عَليّ فِي الرحيل ثَلَاثَة أوجه: الْجَرّ وَالرَّفْع وَالنّصب على الْحِكَايَة. فكأنهم قَالُوا: الرحيل غَدا أَو نرحل الرحيل غَدا أَو نجْعَل الرحيل غَدا أَو أَجمعُوا الرحيل غَدا. فتحكى الْمَرْفُوع والمنصوب. اه.
стр. 4302
وَنَقله الْقَاسِم بن عَليّ الحريري فِي درة الغواص عَن ابْن جني وَلم يزده شَيْئا.
-
والترحال: مصدر جَاءَ على التفعال بِالْفَتْح بِمَعْنى الترحل. وَالنَّفس بِسُكُون الْفَاء.
وَلم أَقف على هَذَا الْبَيْت بِأَكْثَرَ من هَذَا. وَالله أعلم.
وَمثله مَا أنْشدهُ الزَّمَخْشَرِيّ فِي الكاشف قَول الشَّاعِر: الرجز
(رجلَانِ من ضبة أخبرانا ... إِنَّا رَأينَا رجلا عُريَانا)
قَالَ: إِن بِالْكَسْرِ بِتَقْدِير القَوْل عندنَا وَعِنْدهم يتَعَلَّق بِفعل الْإِخْبَار.
وَأنْشد بعده: الرجز جاؤوا بمذق هَل رَأَيْت الذِّئْب قطّ على أَن جملَة: هَل رَأَيْت الذِّئْب قطّ محكية بقول مَحْذُوف تَقْدِيره بمذق مقول فِيهِ: هَل رَأَيْت. . إِلَخ.
-
وَقد تقدم شَرحه فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالتسْعين من أَوَائِل الْكتاب.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّانِي وَالْعشْرُونَ بعد السبعمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الوافر
(أجهالاً تَقول بني لؤَي ... لعمر أَبِيك أم متجاهلينا)
стр. 4303
على أَنه فصل بالمفعول الثَّانِي بَين الْهمزَة وَبَين تَقول.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَاعْلَم أَن قلت إِنَّمَا وَقعت فِي كَلَام الْعَرَب على أَن يحْكى بهَا وَإِنَّمَا يحْكى بعد القَوْل مَا كَانَ كلَاما لَا قولا نَحْو: قلت زيد منطلق لِأَنَّهُ يحسن أَن تَقول:
زيد منطلق وتقولك قَالَ زيد إِن عمرا خير النَّاس.
وَكَذَلِكَ مَا تصرف من فعله إِلَّا تَقول فِي الِاسْتِفْهَام شبهوها بتظن وَلم يجعلوها كيظن وأظن فِي الِاسْتِفْهَام لِأَنَّهُ لَا يكَاد يستفهم الْمُخَاطب عَن ظن غَيره وَلَا يستفهم هُوَ إِلَّا عَن ظَنّه.
فَإِنَّمَا جعلت كتظن كَمَا أَن مَا كليس فِي لُغَة أهل الْحجاز مَا دَامَت فِي مَعْنَاهَا فَإِذا تَغَيَّرت عَن ذَلِك أَو قدم الْخَبَر رجعت إِلَى الْقَيْس وَصَارَت اللُّغَات فِيهَا كلغة بني تَمِيم. وَلم تجْعَل قلت كظننت لِأَنَّهَا إِنَّمَا عِنْدهم أَن يكون مَا بعْدهَا محكياً فَلم تدخل فِي بَاب ظَنَنْت بِأَكْثَرَ من هَذَا.
وَذَاكَ قَوْلك: مَتى تَقول زيدا مُنْطَلقًا وأتقول عمرا ذَاهِبًا وَأكل يَوْم تَقول عمرا مُنْطَلقًا لَا تفصل بهَا كَمَا لم تفصل فِي أكل يَوْم زيدا تضربه.
وَتقول: أَأَنْت تَقول زيد منطلق رفعت لِأَنَّهُ فصل بَينه وَبَين حرف الِاسْتِفْهَام كَمَا فصل فِي قَوْلك: أَأَنْت زيدا مَرَرْت بِهِ فَصَارَت بِمَنْزِلَة أخواتها وَصَارَت على الأَصْل كَمَا قَالَ الْكُمَيْت: أجهالاً تَقول بني لؤَي ... ... ... ... الْبَيْت
стр. 4304
وَقَالَ عمر بن أبي ربيعَة: الْكَامِل
(أما الرحيل فدون بعد غَد ... فَمَتَى تَقول الدَّار تجمعنا)
وَإِن شِئْت رفعت بِمَا نصبت فَجَعَلته حِكَايَة. وَزعم أَبُو الْخطاب وَسَأَلته عَنهُ غير مرّة. أَن نَاسا يوثق بعربيتهم وهم بَنو سليم يجْعَلُونَ بَاب قلت أجمع مثل ظَنَنْت. انْتهى كَلَام سِيبَوَيْهٍ.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ على أَنه أعمل تَقول عمل تظن لِأَنَّهَا بمعناها وَلم يرد قَول اللِّسَان وَإِنَّمَا أَرَادَ الِاعْتِقَاد بِالْقَلْبِ.
وَالتَّقْدِير: أَتَقول بني لؤَي جُهَّالًا أَي: أتظنهم كَذَلِك وتعتقده فيهم فَبنِي لؤَي الْمَفْعُول الأول ومتجاهلينا الْمَفْعُول الثَّانِي. وَأَرَادَ ببني لؤَي جُمْهُور قُرَيْش كلهَا)
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة يفخر فِيهَا على الْيمن وَيذكر فضل مُضر عَلَيْهِم فَيَقُول: أتظن قُريْشًا جاهلين أَو متجاهلين حِين استعملوا اليمانيين فِي ولاياتهم وآثروهم على المضربين مَعَ فَضلهمْ عَلَيْهِم. والمتجاهل: الَّذِي يسْتَعْمل الْجَهْل وَإِن
لم يكن من أَهله. اه.
وَقَالَ ابْن المستوفي: أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ للكميت وَلم أرَاهُ فِي ديوانه. وَالَّذِي فِي ديوانه شعره: الوافر
(أنواماً تَقول بني لؤَي ... لعمر أَبِيك أم متناومينا)
(عَن الرَّامِي الكنانة لم يردهَا ... وَلَكِن كَاد غير مكايدينا)
يَقُول: أتظن أَن قُريْشًا تغفل عَن هجاء شعراء نزار لأَنهم إِن هجوا مُضر والقبائل الَّتِي مِنْهَا هَؤُلَاءِ الشُّعَرَاء فقد تعرضوا لسب قُرَيْش فهم
стр. 4305
بِمَنْزِلَة من رمى رجلا فَقيل: لم رميته فَقَالَ: إِنَّمَا رميت كِنَانَته وَلم أرمه وَكَانَ غَرَضه أَن يُصِيب الرجل. فَيَقُول: من هجا بني كنَانَة وَبني أَسد وَمن قرب نسبه من قُرَيْش فقد تعرض لسب قُرَيْش. يحرض الْخُلَفَاء عَلَيْهِم وَالسُّلْطَان. اه.
وَقَول سِيبَوَيْهٍ: وَإِن شِئْت رفعت بِمَا نصبت فَجَعَلته حِكَايَة قَالَ الْمَازِني: غلط سِيبَوَيْهٍ فِيهِ وَأجِيب بِأَن مُرَاده: وَإِن شِئْت رفعت فِي الْموضع الَّذِي نصبت أَو أَن الْبَاء زَائِدَة فِي الْمَفْعُول.
وَأَقُول: هَذِه القصيدة تقدم أَبْيَات مِنْهَا فِي عدَّة مَوَاضِع وَأول مَا مر فِي الشَّاهِد السَّادِس عشر من أَوَائِل الْكتاب مَعَ تَرْجَمَة الْكُمَيْت وَتقدم هُنَاكَ سَبَب نظمها. وهجا فِيهَا الْأَعْوَر الْكَلْبِيّ فَإِنَّهُ هجا مُضر ومدح أهل الْيمن.
وَتقدم بَيت مِنْهَا فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعِشْرين.
وَقَوله: لعمر أَبِيك مُبْتَدأ مُضَاف وَخَبره مَحْذُوف أَي: قسمي وَجَوَاب الْقسم مَحْذُوف أَيْضا وَالتَّقْدِير: أجهالاً تَقول بني لؤَي أَو متجاهلين.
لعمر أَبِيك لتخبرني.
-
إِلَّا أَن قدم الْقسم وَاعْترض بِهِ بَين الْفِعْل ومفعوله وَحذف الْجَواب لدلَالَة الِاسْتِفْهَام عَلَيْهِ إِذْ مَعْلُوم أَن المستفهم يطْلب من المستفهم مِنْهُ أَن يُخبرهُ عَمَّا استفهمه عَنهُ.
стр. 4306
(الْأَفْعَال النَّاقِصَة)
أنْشد فِيهَا
(الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعشْرُونَ بعد السبعمائة)
(فصرنا إِلَى الْحسنى ورق كلامنا ... ورضت فذلت صعبة أَي إذلال)
على أَن صَار تَامَّة ونا: فاعلها أَي: رَجعْنَا وانتقلنا. يُقَال: صَار الْأَمر إِلَى كَذَا أَي: رَجَعَ.
وَالْحُسْنَى إِمَّا اسْم مصدر بِمَعْنى الْإِحْسَان وَإِمَّا صِيغَة مؤنث أحسن أَي: إِلَى الْحَالة الْحسنى.
ورق بِمَعْنى لطف.
ورضت فعل وفاعل من رضت الدَّابَّة رياضة: ذللتها. وصعبة مفعول رضت. وذلت من ذلت الدَّابَّة ذلاً بِالْكَسْرِ: سهلت وانقادت فَهِيَ ذَلُول. وذللتها بالتثقيل فِي التَّعْدِيَة وكذل أذللته بِالْهَمْزَةِ. وَقَوله: أَي إذلال مفعول مُطلق عَامله رضت.
قَالَ الزّجاج عِنْد تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: كتاب الله عَلَيْكُم مَنْصُوب على التوكيد مَحْمُول على الْمَعْنى لِأَن معنى حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم: كتب الله عَلَيْكُم هَذَا كتابا كَمَا قَالَ الشَّاعِر: ورضت فذلت صعبة أَي إذلال.
-
لِأَن معنى رضت: أذللت. اه.
وَهَذَا الْبَيْت من قصدية لامرئ الْقَيْس تقدم بعض مِنْهَا فِي الشَّاهِد الثَّالِث من أول الْكتاب وَبَعض مِنْهَا فِي التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ.
وَقَبله:
стр. 4307
وتنازعنا: تجاذبنا. وأسمحت: وَافَقت على مَا أُرِيد مِنْهَا. وهصرت: جذبت وأملت. وَالْبَاء فِي بِغُصْن زَائِدَة فِي الْمَفْعُول. وَأَرَادَ بالغصن قامتها.
والشماريخ إِمَّا جموع شِمْرَاخ بِالْكَسْرِ وَإِمَّا جمع شمروخ كعصفور فَإِنَّهُمَا يجمعان على شماريخ وَهُوَ مَا يكون فِي الرطب.
وترجمة امْرِئ الْقَيْس تقدّمت فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعِشْرين بعد السبعمائة)
مجزوء الْكَامِل
(أيقنت أَنِّي لَا محا ... لَة حَيْثُ صَار الْقَوْم صائر)
على أَن صَار فِيهِ تَامَّة أَي: أيقنت أَنِّي منتقل حَيْثُ انْتقل الْقَوْم. فصائر خبر أَن وَصَارَ بِمَعْنى انثقل وَالْقَوْم فَاعله.
وَلَا محَالة بِفَتْح الْمِيم: لَا تَغْيِير وَلَا تَبْدِيل وَأَنِّي بِفَتْح الْهمزَة وأيقنت جَوَاب لما فِي الْبَيْت قبله وَهُوَ:
(لما رَأَيْت موارداً ... للْمَوْت لَيْسَ لَهَا مصَادر)
(وَرَأَيْت قومِي نَحْوهَا ... يمْضِي الأصاغر والأكابر)
(لَا يرجع الْمَاضِي إل ... ي وَلَا من البَاقِينَ غابر)
(أيقنت أَنِّي ... ... ....... ... ... ... . الْبَيْت)
стр. 4308
والقرون: جمع قرن بِالْفَتْح قَالَ الزّجاج: هُوَ أهل كل مُدَّة كَانَ فِيهَا نَبِي أَو طبقَة من أهل الْعلم سَوَاء قلت السنون أَو كثرت. والموارد: جمع مورد وَهُوَ مَحل الْوُرُود أَي: الإيتان.
والمصادر: جمع مصدر وَهُوَ مَوضِع الصُّدُور أَي: الِانْصِرَاف وَالرُّجُوع. وغابر بِالْمُعْجَمَةِ: اسْم فَاعل من غير بِمَعْنى مكث وَبَقِي وَبِمَعْنى مضى أَيْضا فَهُوَ ضد.
وَهَذِه الأبيات لقس بن سَاعِدَة. روى أهل السّير وَالْأَخْبَار بِسَنَد مُتَّصِل إِلَى ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: قدم وَفد إياد على رَسُول الله ﷺ َ فَقَالَ: أَيّكُم يعرف القس بن سَاعِدَة الْإِيَادِي قَالُوا: كلنا نعرفه يَا رَسُول الله. قَالَ: فَمَا فعل قَالُوا: هلك.
قَالَ: مَا أنساه بعكاظ على جمل أَحْمَر وَهُوَ يَقُول: أَيهَا النَّاس اجْتَمعُوا واسمعوا وعوا. من عَاشَ مَاتَ وَمن مَاتَ فَاتَ وكل مَا هُوَ آتٍ آتٍ. وَإِن فِي السَّمَاء لخبراً وَإِن فِي الأَرْض لعبراً.
مهاد مَوضِع وسقف مَرْفُوع ونجوم تمور وبحار لَا تغور. أقسم قس قسما حتما لَئِن كَانَ فِي الْأَمر رضَا لَيَكُونن سخطاً. إِن لله لدينا هُوَ أحب إِلَيّ من دينكُمْ الَّذِي أَنْتُم عَلَيْهِ. مَالِي أرى النَّاس يذهبون وَلَا يرجعُونَ أرضوا بالْمقَام فأقاموا أم تركُوا فَنَامُوا.
-
ثمَّ قَالَ: أَيّكُم يروي شعره فأنشدوه:
(فِي الذاهبين الأولي ... ن من الْقُرُون لنا بصائر))
إِلَى آخر الأبيات الْخَمْسَة.
وَتَقَدَّمت تَرْجَمَة قس فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالتسْعين من أَوَائِل الْكتاب.
стр. 4309
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْخَامِس وَالْعشْرُونَ بعد السبعمائة)
الطَّوِيل غَدا طاوياً يُعَارض الرّيح هافياً على أَن ابْن مَالك قَالَ: غَدا فعل تَامّ يَكْتَفِي بفاعله والمنصوب بعده حَال كَمَا فِي الْبَيْت.
قَالَ فِي التسهيل: وَالأَصَح أَن لَا يلْحق بهَا غَدا وَرَاح.
قَالَ شَارِحه ابْن عقيل: خلافًا للزمخشري وَأبي الْبَقَاء فالمنصوب بعدهمَا حَال لَا خير لالتزام وَهَذَا صدر وعجزه: يخوت بأذناب الشعاب ويعسل
وَالْبَيْت من القصيدة الْمَشْهُورَة بلامية الْعَرَب للشنفري وَقد تقدم شرح أَبْيَات من أَولهَا مَعَ تَرْجَمته فِي بَاب الِاسْتِثْنَاء وَفِي بَاب الْجمع.
وَقَبله:
(أَدِيم مطال الْجُوع حَتَّى أميته ... وأضرب عَنهُ الذّكر صفحاً فأذهل)
(وأستف ترب الأَرْض كي لَا يرى لَهُ ... عَليّ من الطول امْرُؤ متطول)
(وَلَوْلَا اجْتِنَاب الذام لم يلف مشرب ... يعاش بِهِ إِلَّا لدي ومأكل)
(وَلَكِن نفسا مرّة لَا تقيم بِي ... على الذام إِلَّا ريثما أتحول)
...
стр. 4310
(وأطوي على الخمص الحوايا كَمَا انطوت ... خيوطة ماري تغار وتفتل)
(وأغدو على الْقُوت الزهيد كَمَا غَدا ... أزل تهاداه التنائف أطحل)
غَدا طاوياً ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . الْبَيْت قَوْله: أَدِيم مطال الْجُوع ... إِلَخ المطال: مصدر ماطله بِمَعْنى مطله يمطله مطلاً من بَاب قتل إِذا سوفه بوعد الْوَفَاء مرّة بعد مرّة. وَضرب عَن كَذَا وأضرب عَنهُ أَيْضا: أعرض عَنهُ تركا أَو وَذهل عَن الشَّيْء يذهل بِفتْحَتَيْنِ ذهولاً بِمَعْنى غفل وَقد يتَعَدَّى بِنَفسِهِ فَيُقَال: ذهلته وَالْأَكْثَر أَن يتَعَدَّى بِالْألف فَيُقَال: أذهلني فلَان عَن الشَّيْء.)
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: ذهل عَن الْأَمر: تناساه عمدا وشغل عَنهُ. وَفِي لُغَة: ذهل يذهل من بَاب تَعب. وَجُمْلَة: أَدِيم مستأنفة وَحَتَّى بِمَعْنى إِلَى مُتَعَلقَة بأديم. وأضرب معطوفة على أَدِيم وأذهل مَعْطُوف على أضْرب لَا على أَدِيم لِأَن الْفَاء للتَّرْتِيب والتعقيب. وَالذكر مفعول أضْرب وصفحاً تَمْيِيز أَو مصدر فِي مَوضِع الْحَال أَي: معرضًا.
يَقُول: أقوى على رد نَفسِي عَمَّا تهوى وأغلبها وأذهل عَن الْجُوع حَتَّى أنساه.
-
وَقَوله: وأستف ترب ... إِلَخ يُقَال: سففت الدَّوَاء وَغَيره من كل شَيْء يَابِس أسفه من بَاب تَعب سفاً هُوَ أكله غير ملتوت. وَهُوَ سفوف مثل رَسُول. واستففت الدَّوَاء مثل سففته.
والطول: مصدر طَال على الْقَوْم يطول من بَاب قَالَ إِذا أفضل عَلَيْهِم. وتطول: تفضل.
وكي إِمَّا بِمَعْنى اللَّام حرف جر وَأَن مضمرة أَو بِمَعْنى أَن وَاللَّام مقدرَة. وفاعل
следующие страницы →