← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

وميسان: قَرْيَة من قرى الْعرَاق. يُرِيد: إِنِّي لم أكن من الْعَرَب العرباء بل من المولدين إِن صَحَّ مَا لحنتني فِيهِ. وَالْبَيْت من قصيدة للفرزدق يمدح بهَا هِشَام بن عبد الْملك ويهجو جَرِيرًا وأولها: (ألستم عائجين بِنَا لعنا ... نرى العرصات أَو أثر الْخيام) (فَقَالُوا إِن عرضت فأغن عَنَّا ... دموعاً غير راقئة السجام) (فَكيف إِذا مَرَرْت بدار قوم ... وجيران لنا كَانُوا كرام) (أكفكف عِبْرَة الْعَينَيْنِ مني ... وَمَا بعد المدامع من لمام) قَوْله: ألستم عائجين ... . . إِلَخ الْهمزَة للاستفهام التقريري وروى: هَل أَنْتُم بدله. وعائجون: جمع عائج اسْم فَاعل من عدت الْبَعِير أعوجه عوجا: إِذا عطفت رَأسه بالزمام. وَالْبَاء فِي بِنَا بِمَعْنى مَعَ. وروى الْعَيْنِيّ فَقَط: عالجون بِاللَّامِ وَقَالَ: أَي: داخلون فِي عالج وَهُوَ اسْم مَوضِع. وَلم أره لغيره. وَلَيْسَ فِي الصِّحَاح عالج بِمَعْنى دخل فِي عالج. ولعنا أَي: لَعَلَّنَا. وَلعن لُغَة فِي لَعَلَّ. وعرصة الدَّار: ساحتها وَهِي الْبقْعَة الواسعة الَّتِي لَيْسَ فِيهَا بِنَاء وَسميت عَرصَة لِأَن الصّبيان يعرصون فِيهَا أَي: يَلْعَبُونَ ويمرحون. وَقَوله: إِن عرضت كَذَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن الْمُبَارك فِي مُنْتَهى الطّلب من أشعار الْعَرَب: قَالَ صَاحب الصِّحَاح: وَعرض الرجل إِذا أَتَى

стр. 4342

الرَّوْض وَهِي مَكَّة وَالْمَدينَة وَمَا حولهما. قَالَ: الطَّوِيل فيا رَاكِبًا إِمَّا عرضت فبلغن وَقَول الْكُمَيْت: الطَّوِيل فأبلغ يزِيد إِن عرضت ومنذراً يَعْنِي إِن مَرَرْت بِهِ. انْتهى. وَمَا هُنَا يحْتَمل كلا مِنْهُمَا. وروى أَيْضا: إِن فعلت بدله أَي: فعلت العوج وَهُوَ عطف رَأس النَّاقة بالزمام.) وَقَوله: فأغن عَنَّا هُوَ أَمر من قَوْلهم: أغنيت عَنْك أَي: أَجْزَأت مجزأَة. يُرِيد أَن أَصْحَابه لم يرفقوه على عطف الزِّمَام. وَقَوله: دموعاً أَصله بدموع فَلَمَّا حذفت الْبَاء نصب. وراقئة بِالْهَمْزَةِ من رقأ الدمع رقئاً وَقَوله: فَكيف إِذا مَرَرْت ... إِلَخ كَيفَ: اسْتِفْهَام وفيهَا معنى التَّعَجُّب وَهِي هُنَا ظرف وَالْعَامِل فِيهَا مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ الْكَلَام وَهُوَ أكون وَهُوَ مُقَدّر بعْدهَا لِأَن الِاسْتِفْهَام لَا يعْمل فِيهِ مَا قبله. وَالتَّقْدِير: على

стр. 4343

أَي حَال أكون إِذا مَرَرْت بدار قوم إِلَخ وَجَوَاب إِذا مَحْذُوف لدلَالَة مَا تقدم عَلَيْهِ وَهُوَ الْعَامِل فِيهَا. كَذَا قَالَ اللَّخْمِيّ. وَقَالَ ابْن هِشَام: كَيفَ: ظرف لأكفكف. وَفِيه نظر. وَالتَّاء فِي مَرَرْت للمكلم بِدَلِيل لنا وأكفكف. وروى بدله: رَأَيْت. وَقَوله: أكفكف: أحبس. وَالْعبْرَة بِالْفَتْح: الدمعة. واللمام بِكَسْر اللَّام بعْدهَا مِيم. كَذَا فِي مُنْتَهى الطّلب وَالْمَشْهُور من ملام. وترجمة الفرزدق تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ من أَوَائِل الْكتاب. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ بعد السبعمائة) وَهُوَ من شَوَاهِد س: الوافر على أَن أَبَا الْبَقَاء جوز زِيَادَة يكون بِلَفْظ الْمُضَارع وَادّعى أَنَّهَا هُنَا زَائِدَة على رِوَايَة رفع مزاجها على الْمُبْتَدَأ وَعسل خَبَرهَا. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن السَّيِّد فِي أَبْيَات الْمعَانِي: تكون زَائِدَة لَا اسْم لَهَا وَلَا خبر فَيكون قَوْله: مزاجها عسل جملَة من مُبْتَدأ وَخبر. وَقد عطف مَاء على الْخَبَر فَرفع.

стр. 4344

وَذهب ابْن النَّاظِم أَيْضا فِي شرح الألفية إِلَى أَن زيادتها بِلَفْظ الْمُضَارع نَادِر كَقَوْل أم عقيل ﵁: الرجز (أَنْت تكون ماجد نبيل ... إِذا تهب شمأل بلَيْل) وارتضاه ابْن هِشَام فِي شرح شواهده لكنه أنكر زيادتها فِي الْمُغنِي قَالَ: ويروى برفعهن أَي: بِرَفْع مزاجها عسل وَمَاء على إِضْمَار الشَّأْن. وَأما قَول ابْن السَّيِّد: إِن كَانَ زَائِدَة فخطأ لِأَنَّهَا لَا تزاد بِلَفْظ الْمُضَارع بِقِيَاس وَلَا ضَرُورَة لدعوى ذَلِك هُنَا. انْتهى. وَهَذَا التَّخْرِيج مَشْهُور وَذكره ابْن خلف وَغَيره فَيكون اسْمهَا ضمير الشَّأْن وَالْأَمر وَجُمْلَة: مزاجها عسل من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر خَبَرهَا. وَذكر ابْن هِشَام اللَّخْمِيّ تخريجاً آخر بعد ذَلِك قَالَ: اسْم يكون ضمير سبيئة وَجُمْلَة: مزاجها عسل فِي مَوضِع الْخَبَر أَو إِن خَبَرهَا مقدم عَلَيْهَا وَهُوَ قَوْله من بَيت رَأس وَجُمْلَة: تكون من بَيت رَأس صفة لسبيئة وَجُمْلَة: مزاجها عسل صفة ثَانِيَة قَالَ: وعَلى هذَيْن الْقَوْلَيْنِ يُقَال: تكون بِالتَّاءِ. وَالسَّابِق إِلَى هَذَا التَّخْرِيج ابْن السَّيِّد فِي أَبْيَات الْمعَانِي. ثمَّ قَالَ: وَالْأَحْسَن أَن تَقول على هَذَا الْوَجْه: تكون بِالتَّاءِ لِأَن السلافة مُؤَنّثَة وَلَو قلت بِالْيَاءِ جَازَ لِأَن التَّأْنِيث غير حَقِيقِيّ وَلَيْسَ بالجيد.

стр. 4345

أَقُول: إِذا أسْند الْفِعْل إِلَى ضمير الْمُؤَنَّث الْمجَازِي فالتأنيث وَاجِب إِلَّا فِي الضَّرُورَة وَإِنَّمَا جَوَاز التَّأْنِيث فِي الْإِسْنَاد إِلَى ظَاهره. وَأما بَيت أم عقيل فَلم أر من خرجه. وَأَقُول بعن الله تَعَالَى: إِن اسْم تكون ضمير الْمُخَاطب الْمُسْتَتر فِيهَا وخبرها مَحْذُوف وماجد: خبر أَنْت وَالتَّقْدِير: أَنْت ماجد نبيل تكونه أَو تكون ذَاك وَالْجُمْلَة اعتراضية بَين الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر.) وَأم عقيل هِيَ أم عَليّ بن أبي طَالب ﵄ وَاسْمهَا فَاطِمَة بنت أَسد ابْن هَاشم بن عبد منَاف. وَهَذَا الرجز كَانَت ترقص بِهِ عقيلاً لما كَانَ طفْلا. وَقَبله: الرجز (إِن عقيلاً كاسمه عقيل ... وبيبي الملفف الْمَحْمُول) وَآخره: وَعقيل كل شَيْء: أفضله. وبيبي: بِأبي أَي: يفدى بِأبي أَو مفدى بِهِ. وَرَوَاهُ الْأَزْدِيّ فِي كتاب الترقيص: الزّجر (أَنْت تكون السَّيِّد النَّبِيل ... إِذا تهب الشمأل البليل) وَرِوَايَة سِيبَوَيْهٍ فِي الْبَيْت الْمُتَقَدّم بِنصب مزاجها على أَنه خبر مقدم وَرفع عسل على أَنه اسْم مُؤخر. وَإِن شَاءَ الله يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهَا فِي آخر الْبَاب.

стр. 4346

وروى أَيْضا بِرَفْع مزاجها وَنصب عسل على الِاسْم وَالْخَبَر وَيكون ارْتِفَاع مَاء بِفعل مَحْذُوف تَقْدِيره: ومازجها مَاء لِأَن الشَّيْء إِذا خالط شَيْئا فقد خالطه ذَلِك الشَّيْء أَيْضا. وَهَذِه رِوَايَة أبي عُثْمَان الْمَازِني ومختاره نَقله عَنهُ ابْن السَّيِّد وَابْن خلف وَغَيرهمَا. وَخبر كَأَن الْمُشَدّدَة فِي بَيت يَلِيهِ وَهُوَ: الوافر (على أنيابها أَو طعم غض ... من التفاح هصرة اجتناء) فَقَوله: على أنيابها هُوَ الْخَبَر. والأنياب أَرْبَعَة أَسْنَان: ثِنْتَانِ من يَمِين الثنايا: وَاحِدَة من فَوق وَوَاحِدَة من أَسْفَل وثنتان من شمالها كَذَلِك. شبه طعم رِيقهَا بطعم خمر قد مزجت بِعَسَل وَمَاء أَو بطعم تفاح غض قد اجتني. فَطَعِمَ بِالنّصب مَعْطُوف على سبيئة. وهصره: أماله. والاجتناء: أَخذ التَّمْر من الشّجر. ويروى بدله: جناء بِكَسْر الْجِيم وَهُوَ الثَّمر وَالْبَيْت الثَّانِي ثَابت فِي ديوَان حسان وَهُوَ عِنْدِي نُسْخَة قديمَة تَارِيخ كِتَابَته سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وثلثمائة. وَكَذَا رَوَاهُ من تكلم فِي شعره. وَقد أنكرهُ السُّهيْلي فِي الرَّوْض وَقَالَ: قَوْله: كَأَن سبيئة خبر كَأَن فِي هَذَا الْبَيْت مَحْذُوف تَقْدِيره: كَأَن فِي فِيهَا. وَمثله فِي النكرات حسن كَقَوْلِه: المنسرح إِن محلا وَإِن مرتحلاً

стр. 4347

أَي: إِن لنا محلا.) وكقول الآخر: وَلَكِن زنجياً طَويلا مشافره وَزعم بَعضهم أَن بعده بَيْتا فِيهِ الْخَبَر وَهُوَ على أنيابها الْبَيْت. وَهُوَ مَصْنُوع لَا يشبه شعر حسان وَلَا لَفظه. انْتهى. والسبيئة: فعيلة بِمَعْنى مفعولة. وَهِي الْخمر الَّتِي تسبأ أَي: تشترى بِالْهَمْزَةِ. قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل وَأنْشد الْبَيْت. يُقَال: سبأت الْخمر سبئاً إِذا اشْتَرَيْتهَا. والسابيء: الْخمار. قَالَ ابْن السَّيِّد: إِنَّمَا السابيء مبتاع الْخمر لَا بَائِعهَا. وَهَذَا مِنْهُ غلط. وَفِي الْقَامُوس: سبأ الْخمر كجعل سبئاً وسباءً ومسبأً: شراها كاستبأها وبياعها السباء. والسبيئة ككريمة: الْخمر. ثمَّ قَالَ فِي المعتل: سبى الْعَدو: أسره. وَالْخمر سبياً وسباء وَوهم الْجَوْهَرِي: حملهَا من بلد إِلَى بلد. انْتهى. والجوهري قيد السبء بشرائها للشُّرْب. قَالَ: فَأَما إِذا اشْتَرَيْتهَا لتحملها إِلَى بلد آخر قلت: سبيت الْخمر. فشراؤها للتِّجَارَة يكون عِنْده بِالْيَاءِ. ورد عله الصَّفَدِي فِي نُفُوذ السهْم فِيمَا وَقع للجوهري من الْوَهم. قَالَ: هَذَا تحكم مِنْهُ وَدَعوى بِلَا بِدَلِيل. وَقَول ابْن هرمة:

стр. 4348

المنسرح (خود تعاطيك بعد رقدتها ... إِذا تَلَاهَا الْعُيُون مهدؤها) (كأساً بفيها صهباء معرقة ... يغلو بأيدي التُّجَّار مسبؤها) يشْهد بِخِلَاف هَذَا الْفرق الَّذِي أبداه. وَلَا يجوز سبيت الْخمر بِالْيَاءِ إِلَّا على قَول من يرى تَحْويل الْهمزَة. انْتهى. وروى: كَأَن سلافة والسلافة: الْخمر وَقيل: خُلَاصَة الْخمر وَقيل: مَا سَالَ من الْعِنَب قبل وروى أَيْضا: كَأَن خبيئة وَهِي الْخمر المخبأة المصونة المضنون بهَا. وَقَوله: من بَيت رَأس مُتَعَلق بِمَحْذُوف على أَنه صفة أولى لسبيئة وَجُمْلَة: يكون إِلَخ صفة ثَانِيَة لَهَا كَأَنَّهُ قَالَ: سبيئة مشتراة من بَيت رَأس ممزوجة بِعَسَل وَمَاء.) وَبَيت رَأس: مَوضِع قَالَ ابْن السَّيِّد فِيمَا كتبه على كَامِل الْمبرد: قَالَ عبيد الله بن عبد الله بن خرداذبه: بَيت رَأس: اسْم قَرْيَة بِالشَّام من نَاحيَة الْأُرْدُن كَانَت الْخُمُور تبَاع فِيهَا وَبِه مَاتَت حبابة جَارِيَة يزِيد بن

стр. 4349

عبد الْملك فَمَاتَ يزِيد بعد بضع عشرَة جزعاً عَلَيْهَا. انْتهى. وَقيل: بيتُ: مَوضِع الْخمر وَرَأس: اسْم للخمار. وَقصد إِلَى بَيت هَذَا الْخمار لِأَن خمره أطيب الْخمر. وَقيل: الرَّأْس هُنَا بِمَعْنى الرئيس أَي: من بَيت رَئِيس. قَالَ اللَّخْمِيّ: وَهَذَا أحسن الْأَقْوَال لِأَن الرؤساء إِنَّمَا تشرب الْخمر ممزوجة. وَإِنَّمَا اشْترط أَن يمزجها لِأَنَّهَا خمر شامية صليبة فَإِن لم تمزج قتلت شاربها. وَخص الْعَسَل وَالْمَاء لِأَن الْعَسَل أحلى مَا يخالطها وَأَنه يذهب بمرارتها وَأما المَاء فيبردها ويلينها. وَقيل: إِنَّمَا عَنى شراب الرؤساء والملوك على قَول من جعل رَأْسا: بِمَعْنى رَئِيس لِأَنَّهَا إِذا مزجت لَا يشْربهَا إِلَّا الرؤساء وأشراف النَّاس كَرَاهِيَة أَن تخرجهم عَن عُقُولهمْ. لَا ترى إِلَى قَول عدي بن زيد: الرمل وَقد عابت على جذيمة الأبرش أُخْته شرب الْخمر صرفا لأمر لحقها من ذَلِك فَقَالَت لَهُ: الْخَفِيف (ذَاك من شربك المدامة صرفا ... وتماديك فِي الصِّبَا والمجون) وَقد مدح الله خمر الْجنَّة لما لم يكن الشَّارِب يؤوي وَجهه لَهَا فَقَالَ عزمن قَائِل: وأنهار من خمر لَذَّة للشاربين أَي: ن الشَّارِب إِذا شربهَا لم يقطب وَجهه وَلم تخرجه عَن عقله. وَبَيت حسان مَعَ مَا بعده مَأْخُوذ من قَول امْرِئ الْقَيْس وَإِن كَانَ فِي قَول امْرِئ الْقَيْس زِيَادَة أحسن فِيهَا مَا شَاءَ وأتبع دلوه فِي الإجادة الرشاء فَقَالَ:

стр. 4350

المتقارب (كَأَن المدام وَصوب الْغَمَام ... وريح الخزامى وَنشر الْقطر) (يعل بِهِ برد أنيابها ... إِذا طرب الطَّائِر المستحر) وَالزِّيَادَة الَّتِي زَادهَا قَوْله: إِذا طرب الطَّائِر المستحر يَعْنِي عِنْد تغير الأفواه. فَشبه حسان ريق هَذِه الْمَرْأَة بِخَمْر ممزوجة بِعَسَل وَمَاء أَو بطعم غض من التفاح. وَالْبَيْت من قصيدة لحسان بن ثَابت قَالَهَا قبل فتح مَكَّة مدح بهَا النَّبِي ﷺ َ وهجا أَبَا سُفْيَان وَكَانَ هجا النَّبِي ﷺ َ قبل إِسْلَامه وَهِي هَذِه: (عفت ذَات الْأَصَابِع فالجواء ... إِلَى عذراء منزلهَا خلاء)) (وَكَانَت لَا يزَال بهَا أنيس ... خلال مروجها نعم وَشاء) (فدع هَذَا وَلَكِن من لطيف ... يؤرقني إِذا ذهب الْعشَاء) (لشعثاء الَّتِي قد تيمته ... فَلَيْسَ لِقَلْبِهِ مِنْهَا شِفَاء) (كَأَن خبيئة من بَيت رَأس ... يكون مزاجها عسل وَمَاء) (إِذا مَا الأشربات ذكرن يَوْمًا ... فهن لطيب الراح الْفِدَاء) (نوليها الْمَلَامَة إِن ألمنا ... إِذا مَا كَانَ مغث أَو لحاء) (ونشربها فتتركنا ملوكاً ... وأسداً مَا ينهنهنا اللِّقَاء) (عدمنا خَيْلنَا إِن لم تَرَوْهَا ... تثير النَّقْع موعدها كداء) ...

стр. 4351

(يبارين الأسنة مصغيات ... على أكتافها الأسل الظلماء) (تظل جيادنا متمطرات ... تلطمهن بِالْخمرِ النِّسَاء) (فإمَّا تعرضوا عَنَّا اعتمرنا ... وَكَانَ الْفَتْح وانكشف الغطاء) (وَإِلَّا فَاصْبِرُوا لجلاد يَوْم ... يعين الله فِيهِ من يَشَاء) (وَقَالَ الله: قد يسرت جنداً ... هم الْأَنْصَار عرضتها اللِّقَاء) (لنا فِي كل يَوْم من معد ... قتال أَو سباب أَو هجاء) (وَقَالَ الله: قد أرْسلت عبدا ... يَقُول الْحق إِن نفع الْبلَاء) (شهِدت بِهِ وقومي صدقوه ... فقلتم مَا نجيب وَمَا نشَاء) (وَجِبْرِيل أَمِين الله فِينَا ... وروح الْقُدس لَيْسَ لَهُ كفاء) (أَلا أبلغ أَبَا سُفْيَان عني ... مغلغلة فقد برح الخفاء) (بِأَن سُيُوفنَا تركتك عبدا ... وَعبد الدَّار سادتها الْإِمَاء) (هجوت مُحَمَّدًا فأجبت عَنهُ ... وَعند الله فِي ذَاك الْجَزَاء) (أتهجوه وَلست لَهُ بكفء ... فشركما لخيركما الْفِدَاء) (هجوت مُبَارَكًا برا حَنِيفا ... أَمِين الله شيمته الْوَفَاء) (أَمن يهجو رَسُول الله مِنْكُم ... ويمدحه وينصره سَوَاء) (فَإِن أبي ووالده وعرضي ... لعرض مُحَمَّد مِنْكُم وقاء) (لساني صارم لَا عيب فِيهِ ... وبحري لَا تكدره الدلاء)

стр. 4352

) وَهَذِه رِوَايَة ابْن هِشَام فِي السِّيرَة. وَفِي الدِّيوَان ثَلَاثَة أَبْيَات أخر من آخر زِيَادَة على هَذَا. قَالَ ابْن هِشَام: قَالَهَا حسان قبل يَوْم الْفَتْح. ويروى: لساني صارم لَا عتب فِيهِ بِالتَّاءِ. وَبَلغنِي عَن الزُّهْرِيّ أَنه قَالَ: لما رأى رَسُول الله ﷺ َ النِّسَاء يلطمن الْخَيل بِالْخمرِ تَبَسم وَقَوله: عفت ذَات الْأَصَابِع ... إِلَخ عفت: بِمَعْنى: درست. وَذَات الْأَصَابِع: مَوضِع بِالشَّام. والجواء بِكَسْر الْجِيم كَذَلِك. قَالَ السُّهيْلي: وبالجواء كَانَ منزل الْحَارِث ابْن أبي شمر. وَكَانَ حسان كثيرا مَا يرد على مُلُوك غَسَّان بِالشَّام يمدحهم فَلذَلِك يذكر هَذِه الْمنَازل. وعذراء قَالَ السكرِي فِي شرح ديوانه: قَرْيَة على بريد من دمشق وَبهَا قتل مُعَاوِيَة حجر بن عدي وَأَصْحَابه. وَقَوله: ديار من بني الحسحاس بمهملات قَالَ السكرِي: الحسحاس بن مَالك بن عدي بن النجار. وَقَالَ السُّهيْلي: بَنو الحسحاس حب من بني أَسد. قَالَ السكرِي: والروامس: الرِّيَاح الَّتِي ترمس الْآثَار وتغطيها. وَقَالَ السُّهيْلي: يَعْنِي بالسماء الْمَطَر. وَالسَّمَاء لفظ مُشْتَرك يَقع على الْمَطَر وعَلى السَّمَاء الَّتِي هِيَ السّقف. وَلم تعلم ذَلِك من هَذَا الْبَيْت وَنَحْوه وَلَا من قَوْله: الوافر (إِذا سقط السَّمَاء بِأَرْض قوم ... رعيناه وَإِن كَانُوا غضابا) لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يُرِيد مطر السَّمَاء فَحذف الْمُضَاف وَلَكِن إِنَّمَا عَرفْنَاهُ من قَوْلهم فِي جمعه: سمي وأسمية وهم يَقُولُونَ فِي جمع السَّمَاء سماوات فَعلمنَا أَنه اسْم مُشْتَرك بَين شَيْئَيْنِ.

стр. 4353

وَقَوله: وَكَانَت لَا يزَال بهَا. . إِلَخ خلال ظرف بِمَعْنى بَين خبر مقدم. وَنعم: مُبْتَدأ مُؤخر. قَالَ السُّهيْلي: النعم: الْإِبِل فَإِذا قيل: الْأَنْعَام دخل فِيهَا الْبَقر وَالْغنم. وَالشَّاء والشوي: اسْم للْجَمِيع كالضأن والضئين وَالْإِبِل والأبيل والمعز والمعيز. فَأَما الشَّاة فَلَيْسَتْ من لفظ الشَّاء لَام الْفِعْل مِنْهَا تَاء. وَقَوله: فدع هَذَا ... إِلَخ الطيف: الْخِيَار. ويؤرقني: يسهرني. فَإِن قيل: كَيفَ يسهره الطيف والطيف حلم فِي الْمَنَام فَالْجَوَاب أَن الَّذِي يؤرقه لوعة يجدهَا عِنْد زَوَاله كَمَا قَالَ الطَّائِي: الْبَسِيط (ظَبْي تقنصته لما نصبت لَهُ ... من آخر اللَّيْل أشراكاً من الْحلم)) (ثمَّ انثنى وبنا من ذكره سقم ... بَاقٍ وَإِن كَانَ معسولاً من السقم) وَقَوله: لشعثاء الَّتِي ... إِلَخ شعثاء: بنت سَلام بن مشْكم الْيَهُودِيّ. وَبَيت: على أنيابها أَو طعم غض إِلَخ لم يُورِدهُ ابْن هِشَام فِي السِّيرَة وَلِهَذَا أنكرهُ السُّهيْلي. وَقَوله: نوليها الْمَلَامَة ... إِلَخ يُقَال: ألام إِذا أَتَى بِمَا يلام عَلَيْهِ. يَعْنِي إِن أَتَيْنَا بِمَا نلام عَلَيْهِ صرفنَا اللوم إِلَى الْخمر واعتذرنا بالسكر. والمغث بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة بعْدهَا واللحاء: الملاحاة بِاللِّسَانِ يرْوى أَن حسان مر بفتية يشربون الْخمر

стр. 4354

فِي الْإِسْلَام فنهاهم فَقَالُوا: وَالله لقد هممنا بِتَرْكِهَا فزينها لنا قَوْلك: ونشربها فتتركنا ملوكاً ... ... ... ... ... الْبَيْت فَقَالَ: وَالله لقد قلتهَا فِي الْجَاهِلِيَّة وَمَا شربتها مُنْذُ أسلمت. وَلذَلِك قيل: إِن بعض هَذِه القصيدة قَالَهَا فِي الْجَاهِلِيَّة وَقَالَ آخرهَا فِي الْإِسْلَام. وَقَوله: عدمنا خَيْلنَا ... إِلَخ النَّقْع: الْغُبَار. وكداء بِالْفَتْح وَالْمدّ: الثَّنية الَّتِي فِي أَصْلهَا مَقْبرَة مَكَّة وَمِنْهَا دخل الزبير يَوْمئِذٍ وَدخل النَّبِي ﷺ َ من شعب أذاخر. وَقَوله: يبارين الأسنة ... إِلَخ مباراتها الأسنة: أَن يضجع الرجل رمحه فَكَانَ الْفرس يرْكض ليسبق السنان. والمصغيات: الموائل المنحرفات المطعن. والأسل: الرماح. وَرِوَايَة ابْن هِشَام: ينازعن الأعنة مصغيات. وَقَوله: تظل جيادنا ... إِلَخ المتمطرات: الْخَوَارِج من جُمْهُور الْخَيل. قَالَ ابْن دُرَيْد فِي الجمهرة: كَانَ الْخَلِيل يروي: يطلمهن بِالْخمرِ النِّسَاء وينكر يلطمهن ويجعله بِمَعْنى ينفضن النِّسَاء بِخُمُرِهِنَّ مَا عَلَيْهِنَّ من غُبَار أَو نَحْو ذَلِك. قَالَ: وَالظُّلم: ضربك خبْزَة الْملَّة بِيَدِك لتنفض مَا عَلَيْهَا من

стр. 4355

وَقَوله: فنحكم بالقوافي أحكمه: كَفه وَمنعه. وَمِنْه سمي القَاضِي حَاكما لِأَنَّهُ يمْنَع النَّاس من الظُّلم. قَالَ جرير: الْكَامِل (أبني حنيفَة أحكموا سفهاءكم ... إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم أَن أغضبا) وَقَوله: أَلا أبلغ أَبَا سُفْيَان عني ... إِلَخ المغلغلة: الرسَالَة الذاهبة إِلَى كل بلد من تغلغل إِذا) ذهب. وروى غير ابْن هِشَام مصراعه الثَّانِي كَذَا: فَأَنت مجوف نخب هَوَاء والنخب بِفَتْح النُّون وَكسر الْمُعْجَمَة: الجبان ... وَقَوله: هجوت مُحَمَّدًا قَالَ اللَّخْمِيّ: قَالَ ابْن دُرَيْد: أخبرنَا السكن بن سعيد عَن عباد بن عباد عَن أَبِيه قَالَ: لما انْتهى حسان إِلَى هَذَا الْبَيْت قَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ َ: جزاؤك على الله الْجنَّة يَا حسان. وَلما انْتهى إِلَى قَوْله: أتهجوه وَلست لَهُ بكفء وَلما انْتهى إِلَى قَوْله: فَإِن أبي ووالده وعرضي قَالَ ﷺ َ: وقاك الله يَا حسان حر النَّار.

стр. 4356

وَقَوله: فشركما لخيركما الْفِدَاء قَالَ السُّهيْلي: فِي ظَاهر هَذَا اللَّفْظ شناعة لِأَن الْمَعْرُوف أَن لَا يُقَال: هُوَ شرهما إِلَّا وَفِي كليهمَا شَرّ. وَكَذَلِكَ شَرّ مِنْك وَلَكِن سِيبَوَيْهٍ قَالَ: تَقول: مَرَرْت بِرَجُل شَرّ مِنْك إِذا نقص عَن أَن يكون مثله. وَهَذَا يدْفع الشناعة عَن الْكَلَام الأول. وَنَحْو مِنْهُ قَوْله ﵇: شَرّ صُفُوف الرِّجَال آخرهَا يُرِيد: نُقْصَان حظهم عَن حَظّ الصَّفّ الأول كَمَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ. وَلَا يجوز أَن يُرِيد التَّفْضِيل فِي الشَّرّ. وَالله أعلم. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ بعد السبعمائة) الطَّوِيل على أَن قد فصل بالجار وَالْمَجْرُور أَعنِي الْجُمْلَة القسمية وَهُوَ وَأبي دهماء بَين لَا النافية وَبَين زَالَت. وَهَذَا الْفَصْل شَاذ. وَإِلَيْهِ ذهب ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي إِلَّا أَنه لم يُقَيِّدهُ بالشذوذ وَلَا بالقلة. وَكَأَنَّهُ مطرد عِنْده. قَالَ فِي بحث الْجُمْلَة المعترضة: ويفصل بني حرف النَّفْي ومنفيه كَقَوْلِه: المنسرح وَلَا أَرَاهَا تزَال ظالمة

стр. 4357

وَقَوله: فَلَا وَأبي دهماء زَالَت عزيزة قَالَ شَارِحه ابْن الملا الْحلَبِي: وَيجوز أَن تكون لَا ردا وحرف النَّفْي محذوفاً وَلَا اعْتِرَاض. انْتهى. وَقد رد الشَّارِح الْمُحَقق هَذَا الْجَوَاز فَقَالَ: وَلَيْسَ مِمَّا حذف مِنْهُ حرف النَّفْي إِلَخ. وَمرَاده الرَّد على الْفراء فَإِنَّهُ ذهب فِي موضِعين من تَفْسِيره إِلَى أَن حرف النَّفْي مِنْهُ مَحْذُوف: الأول فِي سُورَة يُوسُف عِنْد قَوْله تَعَالَى: تالله تفتؤ تذكر يُوسُف قَالَ: أَي لَا تزَال تذكر يُوسُف. وَلَا قد تضمر مَعَ الْأَيْمَان لِأَنَّهَا إِذا كَانَت خَبرا لَا يضمر فِيهَا لَا لم تكن إِلَّا بلام. أَلا ترى أَنَّك تَقول: وَالله لآتينك. وَلَا يجوز: وَالله آتِيك إِلَّا أَن تكون تُرِيدُ لَا. فَلَمَّا تبين قَالَ امْرُؤ الْقَيْس: الطَّوِيل فَقلت يَمِين الله أَبْرَح قَاعِدا ... ... ... ... الْبَيْت وأنشدني بَعضهم: (فَلَا وَأبي دهماء زَالَت عزيزة ... على قَومهَا مَا فتل الزند قَادِح) يُرِيد: لَا زَالَت.

стр. 4358

والموضع الثَّانِي فِي سُورَة الْكَهْف عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَإِذ قَالَ مُوسَى لفتاه لَا أَبْرَح. قَالَ: لَا يكون تزَال وأبرح وأفتأ إِلَّا بجحد ظَاهر أَو مُضْمر. فَأَما الظَّاهِر فقد ترَاهُ فِي الْقُرْآن: وَلَا يزالون مُخْتَلفين. والمضمر فِيهِ الْجحْد قَول الله تَعَالَى: تفتؤ مَعْنَاهُ لَا تفتؤ. وَمثله قَول الشَّاعِر:) فَلَا وَأبي دهماء زَالَت عزيزة ... ... ... ... . الْبَيْت وَكَذَلِكَ قَول امْرِئ الْقَيْس: فَقلت يَمِين الله أَبْرَح قَاعِدا ... ... ... ... ... . الْبَيْت انْتهى. وَقد جعله ابْن عُصْفُور من بَاب حذف النَّافِي وَهُوَ مَا لَكِن روى صَدره على خلاف هَذَا (لعمر أبي دهماء زَالَت عزيزة ... على قَومهَا مَا فتل الزند قَادِح) يُرِيد: مَا زَالَت عزيزة. انْتهى. وَكَذَا رَوَاهُ الْمرَادِي فِي شرح التسهيل وخرجه. إِلَّا أَنه قَالَ: أَي لَا زَالَت عزيزة. انْتهى. وَقَوله: فَلَا وَأبي دهماء ... إِلَخ الْفَاء فِي التَّقْدِير دَاخِلَة على وَاو الْقسم أَي: فو أبي دهماء لَا زَالَت عزيزة. أقسم الشَّاعِر بوالد هَذِه الْمَرْأَة. فَأبى مُضَاف إِلَى دهماء وَهِي اسْم امْرَأَة وَاسم زَالَت الضَّمِير الرَّاجِع إِلَى دهماء وعزيزة خَبَرهَا وَهِي من الْعِزَّة بِالْعينِ الْمُهْملَة وبالزاء الْمُعْجَمَة وَجُمْلَة:

стр. 4359

لَا زَالَت جَوَاب الْقسم وعَلى قَومهَا مُتَعَلق بعزيزة وَمَا مَصْدَرِيَّة ظرفية. وفتل بِالْفَاءِ بعْدهَا مثناة فوقية روى بشدها وتخفيفها وَهُوَ فعل مَاض والزند مَفْعُوله وقادح فَاعله. وَقد ذكر أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات صفة الزند والزندة وَكَيْفِيَّة الفتل فَلَا بَأْس بإيراده هُنَا قَالَ: أفضل مَا اتَّخذت مِنْهُ الزِّنَاد شجرتا المرخ والعفاء بِفَتْح الْعين المهلمة بعْدهَا فَاء فَتكون الْأُنْثَى وَهِي الزندة السُّفْلى مرخاً وَيكون الذّكر وَهُوَ الزند الْأَعْلَى عفاراً. أَخْبرنِي بعض عُلَمَاء الْأَعْرَاب وَأما المرخ فقد رَأَيْته ينْبت قضباناً سَمْحَة طوَالًا لَا ورق لَهَا. ولفضل هَاتين الشجرتين فِي سرعَة الوري وَكَثْرَة النَّار سَار قَول الْعَرَب فيهمَا مثلا فَقَالُوا: فِي كل الشّجر نَار واستمجد المرخ والعفار أَي: ذَهَبا بالمجد فَكَانَ الْفضل لَهما. وَلذَلِك قَالَ الْأَعْشَى: المتقارب (زنادك خير زناد الملو ... ك خالط فِيهِنَّ مرخ عفارا) ويختار أَن تكون الزندة من المرخ والزند من العفار.) وَمن فَضِيلَة المرخ فِي كَثْرَة النَّار وَسُرْعَة الوري مَا ذكر أَبُو زِيَاد الْكلابِي فَإِنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي الشّجر كُله أورى زناداً من المرخ قَالَ: وَرُبمَا كَانَ المرخ مجتمعاً ملتفاً وهبت الرّيح فحك بعضه بَعْضًا فأورى فَاحْتَرَقَ الْوَادي كُله. وَلم نر ذَلِك فِي شَيْء من الشّجر.

стр. 4360

ثمَّ بعد أَن ذكر الْأَشْجَار الَّتِي تتَّخذ مِنْهَا الزِّنَاد قَالَ: وَصفَة الزندة: عود مربع فِي طول الشبر أَو أَكثر وَفِي عرض إِصْبَع أَو أشف وَفِي صفحاتها فرض وَهِي نقر الْوَاحِدَة مِنْهَا فرضة وَتجمع فراضاً أَيْضا. والزند الْأَعْلَى نَحْوهَا غير أَنه مستدير وطرفه أدق من سائره. فَأَما وصف الاقتداح بهَا فَإِن المقتدح إِذا أَرَادَ أَن يقتدح بالزناد وضع الزندة ذَات الْقَرَاض بِالْأَرْضِ وَوضع رجلَيْهِ على طرفيها ثمَّ وضع طرف الزند الْأَعْلَى فِي فرضة من فراض الزندة وَقد تقدم فَهَيَّأَ فِي الفرضة مجْرى للنار إِلَى جِهَة الأَرْض يحز وَقد حزه بالسكين فِي جَانب الفرضة ثمَّ فتل الزند بكفه كَمَا يفتل المثقب وَقد ألْقى فِي الفرضة شَيْئا من التُّرَاب يَسِيرا يَبْتَغِي بذلك الخشنة ليَكُون الزند أعمل فِي الزندة وَقد جعل إِلَى جَانب الفرضة عِنْد مفضى الحز رية تَأْخُذ فِيهَا النَّار فَإِذا فتل الزند لم يلبث الدُّخان أَن يظْهر ثمَّ تتبعه النَّار فتنحدر فِي الحز وَتَأْخُذ فِي الربة. وَتلك النَّار هِيَ السقط. انْتهى كَلَامه بِاخْتِصَار كثير. وَقد صحف بَعضهم قَوْله: مَا فتل الزند قَادِح وروى: مَا قيل للزند قَادِح على أَنه فعل مَاض مَجْهُول من القَوْل. وجر الزند بِاللَّامِ. وَهَذَا الْبَيْت لم أَقف لَهُ على تَتِمَّة وَلَا قَائِل. وَالله أعلم.

стр. 4361

وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ بعد السبعمائة) مجزوء الْكَامِل (تنفك تسمع مَا حييّ ... ت بهَا لَك حَتَّى تكونه) على أَن حرف النَّفْي مَحْذُوف وَالتَّقْدِير: لَا تنفك. وَظَاهره أَن حذف النَّافِي أَي حرف نفي كَانَ يجوز حذفه من هَذِه الْأَفْعَال سَوَاء وَقعت جَوَاب قسم كالآية وَالْبَيْت الَّذِي بعده أم لَا كَهَذا الْبَيْت فَإِنَّهُ لم يتقدمه شَيْء. وَهُوَ الظَّاهِر أَيْضا من كَلَام الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمفصل وَمن كَلَام ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد. لَكِن ابْن يعِيش قيد حرف النَّفْي بِكَوْنِهِ لَا وَأَنه لَا يحذف من هَذِه الْأَفْعَال إِلَّا إِذا وَقعت جَوَاب قسم. قَالَ: إِن حرف النَّفْي قد يحذف فِي بعض الْمَوَاضِع وَإِنَّمَا يسوغ حذفه إِذا وَقع فِي جَوَاب الْقسم وَذَلِكَ لأمن اللّبْس كَقَوْلِه: تزَال حبال مبرمات أعدهَا ... ... ... ... ... الْبَيْت وَلَا يجوز أَن يحذف من هَذِه الْحُرُوف غير لَا لِأَنَّهُ لَا يجوز حذف لم وَمَا لِأَن لم عاملة فِيمَا بعْدهَا وَلَا يجوز أَن تحذف وتعمل وَكَذَلِكَ مَا قد تكون عاملة فِي لُغَة أهل الْحجاز. انْتهى. وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنه لَا يجوز حذف إِن أَيْضا لِأَنَّهَا قد تعْمل عمل لَيْسَ. وَفِي كَلَامه نظر: أما أَولا: فَلِأَنَّهُ قد مثل بِهَذَا الْبَيْت تبعا لصَاحب الْمفصل وتنفك فِيهِ لَيْسَ جَوَاب قسم.

стр. 4362

وَأما ثَانِيًا: فَلِأَن الْكَلَام فِي حُرُوف النَّفْي الدَّاخِلَة على الْأَفْعَال وَمَا الحجازية دَاخِلَة على الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر فَأَيْنَ هَذَا من ذَاك وَهل هُوَ إِلَّا اشْتِبَاه. وَقد تبعه الْمرَادِي فِي شرح التسهيل فِي الثَّانِي قَالَ: وينقاس الْحَذف فِي الْمُضَارع جَوَاب قسم وشذ فِي الْمَاضِي جَوَاب قسم كَقَوْلِه: لعمر أبي دهماء زَالَت عزيزة أَي: لَا زَالَت. وَشد فِي الْمُضَارع غير جَوَاب كَقَوْلِه: الوافر (وأبرح مَا أدام الله قومِي ... بِحَمْد الله منتطقاً مجيداً) أَي: لَا أَبْرَح وَقيل: لَا حذف. وَالْمعْنَى: أزول عَن أَن أكون منتطقاً مجيداً أَي: صَاحب نطاق وجواد مَا أدام الله قومِي) فَإِنَّهُم يكفونني ذَلِك. انْتهى. وَدَعوى عدم الْحَذف تعسف وَقع فِي أَشد مِمَّا فر مِنْهُ. وَأغْرب من قَول الْمرَادِي مَا ذهب إِلَيْهِ ابْن عُصْفُور من أَنه ضَرُورَة قَالَ: وَمِنْه إِضْمَار لَا النافية فِي غير جَوَاب الْقسم كَقَوْلِه: تنفك تسمع مَا حييت ... ... ... ... الْبَيْت انْتهى. فَللَّه در الشَّارِح الْمُحَقق مَا أَجود اخْتِيَاره وَمَا أرصن سبكه. وَقَوله: تنفك تسمع ... إِلَخ جملَة: تسمع مَعَ فَاعله الضَّمِير خبر لَا تنفك وَمَا: مَصْدَرِيَّة ظرفية. وحييت بِالْخِطَابِ أَي: مُدَّة حياتك.

стр. 4363

وَلَا وَجه لقَوْل بعض أفاضيل الْعَجم فِي شرح أَبْيَات الْمفصل: وَقَوله: مَا حييت بَيَان لقَوْله: تنفك تسمع وتأكيد لَهُ. انْتهى. وبهالك مُتَعَلق بتسمع على تَقْدِير مُضَاف أَي: بِخَبَر هَالك. وَسمع هُنَا لَيست مِمَّا يتَعَدَّى لمفعولين وتعديها بِالْبَاء أحد استعمالاتها كَمَا تقدم كَقَوْلِهِم: تسمع بالمعيدي. وَيجوز أَن تكون الْبَاء زَائِدَة فَتكون متعدية إِلَى مفعول وَاحِد كَقَوْلِك: سَمِعت الْخَبَر. وَهَذَا أَيْضا أحد استعمالاتها. وَحَتَّى حرف جر بِمَعْنى إِلَى وَالْهَاء فِي تكونه ضمير الْهَالِك. وَالْأَكْثَر فِي خبر كَانَ إِذا كَانَ ضميراً أَن يكون مُنْفَصِلا. وَهَذَا من الْقَلِيل. وَقد اسْتشْهد صَاحب اللّبَاب لقلته بِهَذَا الْبَيْت. قَالَ ابْن هِشَام: أَي لَا تزَال تسمع: مَاتَ فلَان حَتَّى تكون الْهَالِك. وَالْخطاب لغير معِين مثله فِي: بشر مَال الْبَخِيل بحادث أَو وَارِث. وَتسمع خبر وَالْبَاء وَحَتَّى متعلقان بِهِ وَمَا ظرف لَهُ وَالْهَاء من تكونه رَاجِعَة للهالك بِاعْتِبَار لَفظه دون مَعْنَاهُ لِأَن السَّامع غير المسموع. وَمثله مَسْأَلَة التَّنَازُع: ظنني وظننت زيدا قَائِما إِيَّاه. وَقد غمض هَذَا الْمَعْنى على ابْن الطراوة فَمنع الْمَسْأَلَة وَخَالف الْأَئِمَّة. وَبعده: (والمرء قد يَرْجُو الرجا ... ء مؤملاً وَالْمَوْت دونه)) وَكَانَ أَبُو بكر الصّديق ﵁ كثيرا مَا يتَمَثَّل بهما. انْتهى. وَكَذَا رَوَاهُ الْعَيْنِيّ. وَالَّذِي رَوَاهُ ابْن المستوفي وَغَيره: والمرء قد يَرْجُو الْحَيَاة

стр. 4364

ومؤملاً: حَال من ضمير يَرْجُو. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: مُؤَمل إِن كَانَ اسْم فَاعل فَهُوَ حَال من الْمَرْء وَإِن كَانَ اسْم مفعول فَهُوَ مفعول ليرجو. هَذَا كَلَامه. فَتَأَمّله. وَدون هُنَا بِمَعْنى أَمَام أَو خلف لِأَنَّهُ من الأضداد. وَجُمْلَة: وَالْمَوْت دونه حَال إِمَّا من ضمير مُؤَمل أَو من ضمير يَرْجُو. والبيتان نسبهما أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام فِي كتاب الْأَمْثَال لخليفة بن برَاز وَهُوَ جاهلي. وَقد أَخذ الْبَيْت بَعضهم فَقَالَ: الطَّوِيل وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ بعد السبعمائة) الطَّوِيل (تزَال حبال مبرمات أعدهَا ... لَهَا مَا مَشى يَوْمًا على خفه جمل) على أَن تزَال جَوَاب قسم وَحذف مِنْهُ حرف النَّفْي أَي: لَا تزَال. وَالْقسم فِي بَيت قبله وَهُوَ: (حَلَفت يَمِينا يَا ابْن قحفان بِالَّذِي ... تكفل بالأرزاق فِي السهل والجبل) تزَال حبال مبرمات ... ... ... ... الْبَيْت (فأعط وَلَا تبخل إِذا جَاءَ سَائل ... فعندي لَهَا عقل وَقد زاحت الْعِلَل) وروى أَيْضا: وتقسم ليلى يَا ابْن حفان بِالَّذِي

стр. 4365

إِلَخ. فجلمة: لَا تزَال بِتَقْدِير لَا جَوَاب الْقسم الَّذِي هُوَ تقسم ليلى. ومبرمات: محكمات. وأعدها: أهيئها. وَضمير لَهَا لِلْإِبِلِ فِي شعر قبل هَذَا يَأْتِي آنِفا. وَمَا مَصْدَرِيَّة ظرفية. وجمل فَاعل مَشى وَسكن للقافية. وعقل: جمع عقال وَهُوَ مَا يرْبط بِهِ وَكَانَ من حَدِيث هَذِه الأبيات مَا رَوَاهُ أَبُو تَمام فِي الحماسة: أَن سَالم بن قحفان جَاءَ إِلَيْهِ أَخُو امْرَأَته زَائِرًا فَأعْطَاهُ بَعِيرًا من إبِله وَقَالَ لامْرَأَته: هَاتِي حبلاً يقرن بِهِ مَا أعطيناه إِلَى بعير. ثمَّ) أعطَاهُ بَعِيرًا آخر وَقَالَ: مثل ذَلِك ثمَّ أعطَاهُ مثل ذَلِك فَقَالَت: مَا بَقِي عِنْدِي حَبل فَقَالَ: عَليّ الْجمال وَعَلَيْك الحبال. وَأَنْشَأَ يَقُول: (لقد بكرت أم الْوَلِيد تلومني ... وَلم أجترم جرما فَقلت لَهَا مهلا) (فَلَا تعذليني بالعطاء ويسري ... لكل بعير جَاءَ طَالبه حبلا) (فَإِنِّي لَا تبْكي عَليّ إفالها ... إِذا شبعت من روض أوطانها بقلا) (فَلم أر مثل الْإِبِل مَالا لمقتن ... وَلَا مثل أَيَّام الْحُقُوق لَهَا سبلا) فرمت إِلَيْهِ خمارها وَقَالَت: صيره حبلاً لبعضها. وأنشأت تَقول: حَلَفت يَمِينا يَا ابْن قحفان ... ... ... ... ... الأبيات الثَّلَاثَة انْتهى. وَلم يتَكَلَّم الْخَطِيب التبيريزي بِشَيْء فِي شَرحه على هَذِه الأبيات. والإفال: أَوْلَاد الْإِبِل. قَالَ ابْن المستوفي فِي قَوْله:

стр. 4366

قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: أَن الْإِبِل بهائم لَا تهتم بِي إِذا مت بل تربع وتشبع وَالثَّانِي: موتِي عِنْدهَا وَأَنا أنحرها أحب إِلَيْهَا فَلَعَلَّهُ يَأْخُذهَا من لَا يَنْحَرهَا وَلَا يغمهما موتى لِأَنِّي جواد. انْتهى وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِيمَا كتبه على أمالي القالي: إِن هَذَا مَأْخُوذ من قَول ضَمرَة بن ضَمرَة: الْكَامِل (أَرَأَيْت إِن صرخت بلَيْل هامتي ... وَخرجت مِنْهَا بَالِيًا أثوابي) (هَل تخمشن إبلي عَليّ وجوهها ... وتعصبن رؤوسها بسلاب) والسلاب: عصائب سود. يُقَال: امْرَأَة مسْلبَةٌ إِذا لبست السوَاد حداداً. وَسَالم بن قحفان بِضَم الْقَاف وَسُكُون الْمُهْملَة بعْدهَا فَاء لم أَقف لَهُ على خبر وَلَا على زَوجته ليلى. وَالله أعلم. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ بعد السبعمائة) وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الطَّوِيل (خراجيج مَا تنفك إِلَّا مناخة ... على الْخَسْف أَو نرمي بهَا بَلَدا قفرا) على أَنه خطئَ ذُو الرمة فِيهِ لِأَن مَا تنفك وأخواته بِمَعْنى الْإِيجَاب من حَيْثُ الْمَعْنى لَا يتَّصل الِاسْتِثْنَاء بخبرها كَمَا بَينه الشَّارِح الْمُحَقق.

стр. 4367

وَذكر عَنهُ جوابين: أَحدهمَا: أَن تنفك تَامَّة ومناخة حَال وعَلى الْخَسْف مُتَعَلق بمناخة ونرمي مَعْطُوف على مناخة. وَثَانِيهمَا: أَنَّهَا نَاقِصَة وعَلى الْخَسْف: خَبَرهَا ومناخة حَال. وَذكر مَا ورد على هَذَا الْجَواب. والمخطئ هُوَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء. قَالَ المرزباني فِي كتاب الموشح: أَخْبرنِي مُحَمَّد بن يحيى حَدثنَا الْفضل ابْن الْحباب حَدثنَا بكر بن مُحَمَّد الْمَازِني حَدثنَا الْأَصْمَعِي سَمِعت أَبَا عَمْرو بن الْعَلَاء يَقُول: أَخطَأ ذُو الرمة فِي قَوْله: حراجيج مَا تنفك إِلَّا مناخة ... ... ... ... الْبَيْت فِي إِدْخَاله إِلَّا بعد قَوْله: مَا تنفك ... قَالَ الصولي: وَحدثنَا مُحَمَّد بن سعيد الْأَصَم وَأحمد بن يزِيد قَالَا: حَدثنَا يزِيد المهلبي عَن إِسْحَاق الْموصِلِي أَنه كَانَ ينشد هَذَا الْبَيْت لذِي الرمة: حراجيج مَا تنفك آلا مناخة (فَلم تهبط على سفوان حَتَّى ... طرحن سخالهن وصرن آلا) وعَلى هَذَا يكون آل: خبر تنفك ومناخة: صفته وَأَنت الصّفة

стр. 4368

لِأَن الشَّخْص مِمَّا يؤنث وَيذكر. فرواية: إِلَّا بِالتَّشْدِيدِ غلط من الرَّاوِي لَا من الْقَائِل. وَيرد عَلَيْهِ أَن ذَا الرمة لما قَرَأَ الْبَيْت عِنْد ابْن الْعَلَاء غلطه فِيهِ بِمَا ذكره النحويون. وَقَالَ ابْن عُصْفُور فِي كتاب الضرائر: إِن ذَا الرمة لما عيب عَلَيْهِ قَوْله مَا تنفك إِلَّا مناخة فطن لَهُ فَقَالَ: إِنَّمَا قلت: آلا مناخة أَي: شخصا. وَكَذَا قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي الْإِنْصَاف: ألال: الشَّخْص. يُقَال: هَذَا آل قد بدا أَي: شخص. وَبِه سمي الْآل لِأَنَّهُ يرفع الشخوص أول النَّهَار وَآخره.) وَبِه يضمحل توقف ابْن الملا الْحلَبِي فِي شرح الْمُغنِي فِي قَوْله بَقِي شَيْء وَهُوَ أَن صَاحب الْقَامُوس على تبحره لم يذكر مَجِيء الْآل بِمَعْنى الشَّخْص. انْتهى. وخرجه الْمَازِني كَمَا قَالَ ابْن يعِيش على زِيَادَة إِلَّا وَتَبعهُ أَبُو عَليّ فِي القصريات وَقَالَ: إِلَّا هَاهُنَا زَائِدَة لَوْلَا ذَلِك لم يجز هَذَا الْبَيْت لِأَن تنفك فِي معنى تزَال وَلَا يزَال لَا يتَكَلَّم بِهِ إِلَّا منفياً عَنْهَا. انْتهى. وَنسب ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي هَذَا التَّخْرِيج إِلَى الْأَصْمَعِي وَابْن جني قَالَ: وَحمل عَلَيْهِ ابْن مَالك أرى الدَّهْر إِلَّا منجنوناً بأَهْله وَإِنَّمَا الْمَحْفُوظ: وَمَا الدَّهْر إِلَّا. ثمَّ إِن ثبتَتْ رايته فتتخرج على

стр. 4369

أَن أرى جَوَاب لقسم مُقَدّر وحذفت لَا كحذفها فِي: تالله تفتؤ وَدلّ على ذَلِك الِاسْتِثْنَاء المفرغ. انْتهى. وَلم يذكر ابْن عُصْفُور غَيره وَغير احْتِمَال التَّمام لكنه جعله من الضرائر. قَالَ: وَمِنْهَا زِيَادَة إِلَّا فِي قَوْله: أرى الدَّهْر إِلَّا منجنوناً ... ... ... ... الْبَيْت هَكَذَا رَوَاهُ الْمَازِني يُرِيد: يرى الدَّهْر منجوناً. وَكَذَلِكَ جعلهَا فِي قَول الآخر: الْبَسِيط (مَا زَالَ مذ وجفت فِي كل هاجرة ... بالأشعث الْورْد إِلَّا وَهُوَ مهموم) يُرِيد: هُوَ مهموم فَزَاد إِلَّا وَالْوَاو فِي خبر زَالَ. وَفِي قَول الآخر: الطَّوِيل (وَكلهمْ حاشاك إِلَّا وجدته ... كعين الكذوب جَحدهَا واحتفالها) يُرِيد: وَكلهمْ حاشاك وجدته. وَفِي قَول ذِي الرمة: حراجيج مَا تنفك إِلَّا مناخة ... ... ... ... . الْبَيْت

стр. 4370

وَيحْتَمل أَن يَجْعَل زَالَ وتنفك تامتين وَتَكون إِلَّا دَاخِلَة على الْحَال. وَكَذَلِكَ تجْعَل إِلَّا فِي قَوْله: وَكلهمْ حاشاك إِلَّا وجدته إِيجَابا للنَّفْي الَّذِي يُعْطِيهِ معنى الْكَلَام أَي: مَا مِنْهُم أحد حاشاك إِلَّا وجدته. وَعَلِيهِ حمله الْفراء. وَأما أرى الدَّهْر إِلَّا منجنوناً فَلَا تكون إِلَّا فِيهِ إِلَّا زَائِدَة. انْتهى. وَقد رَأَيْت تَخْرِيج ابْن هِشَام بَيت المنجون.) وَأول من ذهب إِلَى أَن تنفك فِي بَيت ذِي الرمة تَامَّة هُوَ الْفراء فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله: لم يكن الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب وَالْمُشْرِكين منفكين حَتَّى تأتيهم الْبَيِّنَة: قد يكون الانفكاك على جِهَة يزَال وَيكون على الانفكاك الَّذِي تعرفه. فَإِذا كَانَت على جِهَة يزَال فَلَا بُد لَهَا من فعل وَأَن يكون مَعهَا جحد فَتَقول: مَا انفككت أذكرك تُرِيدُ: مَا زلت أذكرك. فَإِذا كَانَت على غير معنى يزَال قلت: قد انفككت مِنْك وانفك الشَّيْء من الشَّيْء فَيكون بِلَا جحد وَبلا فعل. وَقد قَالَ ذُو الرمة: قَلَائِص لَا تنفك إِلَّا مناخة ... ... ... ... الْبَيْت فَلم يدْخل فِيهَا إِلَّا إِلَّا وَهُوَ يَنْوِي بهَا التَّمام وَخلاف يزَال لِأَنَّك لَا تَقول: مَا زلت إِلَّا قَائِما. وَنسبه ابْن الْأَنْبَارِي فِي الْإِنْصَاف إِلَى الْكسَائي قَالَ: وَهَذَا الْوَجْه رَوَاهُ هِشَام عَن الْكسَائي.

стр. 4371

وَبِمَا ذكرنَا يعلم أَن قَول الْمرَادِي فِي شرح التسهيل: وخرجه قوم مِنْهُم على أَنَّهَا نَاقِصَة خلاف الْوَاقِع. وتنفك على هَذَا مُطَاوع فكه إِذا خلصه أَو فَصله. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي حَوَاشِي الْمفصل: وَفِي تَصْحِيح الْبَيْت وجيه وَهُوَ أَن يُرِيد لَا تنفك عَن أوطائها أَي: لَا تنفصل عَنْهَا إِلَّا وَلها بعد الِانْفِصَال هَاتَانِ الحالتان: إِمَّا الإناخة على الْخَسْف فِي المراحل أَو السّير فِي الْبَلَد القفر. انْتهى. وَبِهَذَا يظْهر قَول الشَّارِح الْمُحَقق: مناخة حَال ونرمي مَعْطُوف عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْن عقيل والمرادي فِي شرحيهما للتسهيل: كَأَنَّهُ قَالَ: مَا تتخلص أَو مَا تنفصل علن السّير إِلَّا فِي حَال إناختها على الْخَسْف وَهُوَ حَبسهَا على غير علف. يُرِيد أَنَّهَا تناخ معدة للسير عَلَيْهَا فَلَا ترسل من أجل ذَلِك فِي المرعى. وأَو بِمَعْنى إِلَى وَسكن الْيَاء للضَّرُورَة. انْتهى. وَالْوَجْه الأول أوجه. والخسف بِفَتْح الْمُعْجَمَة: النقيصة يُقَال: رَضِي بالخسف أَي: بالنقيصة. وَبَات على الْخَسْف أَي: جائعاً. ورطبت الدَّابَّة على الْخَسْف أَي: على غير علف. وعَلى بِمَعْنى مَعَ. تَحِيَّة بَينهم ضرب وجيع يُرِيد أَن الإناخة إِنَّمَا تكون على الْعلف فَجعل الْخَسْف بَدَلا مِنْهُ كَمَا جعل الضَّرْب الوجيع بَدَلا) من التَّحِيَّة. ونرمي بالنُّون مَعَ الْبناء للمعلوم ويروى: يرْمى بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّة مَعَ الْبناء للْمَفْعُول. وَبهَا:

стр. 4372

نَائِب الْفَاعِل وبلداً ظرف للرمي وَهُوَ بِمَعْنى الْمَكَان وَالْأَرْض لَا بِمَعْنى الْمَدِينَة. والحرجوج كعصفور: النَّاقة الضامر قَالَه أَبُو زيد. وَقد روى مُناخة بِالرَّفْع أَيْضا. قَالَ ابْن المستوفي: قَالَ أَبُو الْبَقَاء: رُوِيَ مناخة بِالرَّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَمَوْضِع الْجُمْلَة حَال وَبِالنَّصبِ على الْحَال وَتَكون تنفك تَامَّة. وَكَذَا رَوَاهُ ابْن الْأَنْبَارِي فِي الْإِنْصَاف. وَأم التَّخْرِيج الثَّانِي من التخريجين اللَّذين ذكرهمَا الشَّارِح الْمُحَقق فَهُوَ للأخفش أبي الْحسن سعيد بن مسْعدَة الْمُجَاشِعِي قَالَ فِي كتاب المعاياة: أَرَادَ: لَا تنفك على الْخَسْف أَو نرمي بهَا بَلَدا قفراً إِلَّا وَهِي مناخة لِأَنَّهُ لَا يجوز لَا تنفك إِلَّا مناخة كَمَا لَا تقولك لَا تزَال إِلَّا مناخة. انْتهى. وَقد تبعه على هَذَا جمَاعَة مِنْهُم الزّجاج. قَالَ ابْن جني فِي بعض أَجْزَائِهِ: وَقد قَالَ فِيهِ بعض أَصْحَابنَا قولا أرَاهُ أَبَا إِسْحَاق وَرَأَيْت أَبَا عَليّ قد أَخذ بِهِ وَهُوَ ن يَجْعَل خبر مَا تنفك الظّرْف كَأَنَّهُ قَالَ: مَا تنفك على الْخَسْف وَنصب مناخة على الْحَال وَقدم إِلَّا عَن موضعهَا. وَقد جَاءَ فِي الْقُرْآن وَالشعر نقل إِلَّا عَن موضعهَا. انْتهى. وَمِنْهُم أَبُو الْبَقَاء قَالَ: يجوز أَن تكون تنفك النَّاقِصَة وَيكون على الْخَسْف الْخَبَر أَي: مَا تنفك على الْخَسْف إِلَّا إِذا أنيخت. وَعَلِيهِ الْمَعْنى. انْتهى.

стр. 4373

وَقد رده جمَاعَة مِنْهُم صَاحب اللّبَاب وَهُوَ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد الأسفرايني الْمَعْرُوف بِالْفَضْلِ قَالَ فِيهِ: وخطئ ذُو الرمة فِي قَوْله: حراجيج لَا تنفك إِلَّا مناخة والاعتذار بجعله حَالا وعَلى الْخَسْف خَبرا ضَعِيف لما أَن الِاسْتِثْنَاء المفرغ قَلما يَجِيء فِي الْإِثْبَات وَيقدر المستثني مِنْهُ بعده. وَتَقْدِير التَّمام فِي تنفك أحسن مِنْهُ. وَالله أعلم. انْتهى. قَالَ شَارِحه الفالي: مَعْنَاهُ أَن الِاسْتِثْنَاء المفرغ فِي الْإِثْبَات قَلِيل. وَبعد تَسْلِيمه إِنَّمَا يَأْتِي إِذا قدر الْمُسْتَثْنى مِنْهُ قبله لفظا وَهَاهُنَا يقدر بعده لِأَن قَوْله إِلَّا مناخة مُسْتَثْنى من أَحْوَال الضَّمِير الْمُسْتَتر فِي على الْخَسْف أَي: مَا تنفك مهانة مظلومة فِي جَمِيع الْأَحْوَال إِلَّا فِي حَال الإناخة. وَذَلِكَ غير مَعْهُود فِي الِاسْتِثْنَاء المفرغ فَإِن أَعم الْعَام فِي الِاسْتِثْنَاء المفرغ يقدر قبله لَا بعده) فَإنَّك إِذا قلت: مَا ضربت إِلَّا رَاكِبًا فالتقدير: مَا ضربت فِي حَال من الْأَحْوَال إِلَّا فِي حَال وَلذَا جَازَ فِي الْإِثْبَات نَحْو: قَرَأت إِلَّا يَوْم كَذَا التَّقْدِير: قَرَأت فِي جَمِيع الْأَيَّام إِلَّا يَوْم كَذَا. فالمستثنى مِنْهُ يقدر قبل الِاسْتِثْنَاء لَا بعده. انْتهى. وَمِنْهُم الشَّارِح الْمُحَقق كَمَا حَرَّره. وَمِنْهُم ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي قَالَ فِيهِ: قَالَ جمَاعَة كَثِيرَة: هِيَ نَاقِصَة وَالْخَبَر على الْخَسْف ومناخة: حَال. وَهَذَا فَاسد لبَقَاء الْإِشْكَال إِذْ لَا يُقَال: جَاءَ زيد إِلَّا رَاكِبًا. انْتهى. وَقَول أبي الْبَقَاء: وَعَلِيهِ الْمَعْنى مَرْدُود فَإِن الحالية سَوَاء نصبت مناخة أَو رفعتها كَمَا رُوِيَ بِتَقْدِير مُبْتَدأ مَحْذُوف وَالْجُمْلَة حَال

стр. 4374

يكون التَّقْدِير فِيهَا: هِيَ مستمرة على الْخَسْف فِي كل حَال إِلَّا حَال الإناخة فَإِنَّهَا تكون حِينَئِذٍ ذَات رَاحَة. وَهَذَا غير مُرَاد الشَّاعِر إِذْ مُرَاده وصف هَذِه الْإِبِل بِأَنَّهَا لَا تتخلص من تَعب إِلَّا إِلَى مثله فَلَيْسَ لَهَا حَال رَاحَة أصلا. وسيبويه قد أورد هَذَا الْبَيْت فِي بَاب أَو الَّتِي ينْتَصب بعْدهَا الْمُضَارع بإضمار أَن قَالَ: وَلَو رفعت لَكَانَ عَرَبيا جَائِزا على وَجْهَيْن: على أَن تشرك بَين الأول وَالْآخر وعَلى أَن يكون مَقْطُوعًا من الأول. قَالَ تَعَالَى: ستدعون إِلَى قوم أولي بَأْس شَدِيد تقاتلونهم أَو يسلمُونَ إِن شِئْت كَانَ على الْإِشْرَاك وَإِن شِئْت كَانَ على: أَو وهم يسلمُونَ. وَقَالَ ذُو الرمة: فَإِن شِئْت كَانَ على لَا تنفك ترمي أَو على الِابْتِدَاء. انْتهى. يُرِيد بِالْأولِ الْعَطف على خبر تنفك وَبِالثَّانِي الْقطع. قَالَ النّحاس: سَأَلت عَنهُ عليا يَعْنِي الْأَخْفَش الصَّغِير فَقَالَ: لَك أَن تجْعَل نرمي مَعْطُوفًا وَلَك أَن تقطعه وَلَك أَن تقدر أَو بِمَعْنى إِلَى أَن وتسكن الْيَاء فِي مَوضِع نصب. وَالْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة لذِي الرمة يُقَال لَهَا: أحجية الْعَرَب. وأولها: (لقد جشأت نَفسِي عَشِيَّة مشرف ... وَيَوْم لوى حزوى فَقلت لَهَا: صبرا) (نَحن إِلَى مي كَمَا حن نَازع ... دَعَاهُ الْهوى فارتاد من قَيده قصرا)

стр. 4375

جشأت: نهضت. ومشرف وحزوى: موضعان. واللوى: مُنْقَطع الرمل. وصبرا: اصْبِرِي. والنازع: الْبَعِير يحن إِلَى وَطنه. فارتاد من قَيده قصراً أَي: طلب السعَة فَوَجَدَهُ مَقْصُورا. وَيُقَال: ارتاد جدباً وارتاد خَبرا أَي: طلب الخصب فَوَقع على جَدب. إِلَى أَن قَالَ:) (فيا مي مَا أَدْرَاك أَيْن مناخنا ... معرقة الألحي يَمَانِية سجرا) (قد اكتفلت بالحزن واعوج دونهَا ... ضوارب من خفان مجتابة سدرا) حراجيج مَا تنفك إِلَّا مناخة ... ... ... ... ... الْبَيْت (أنخن لتعريس قَلِيل فصارف ... يُغني بنابيه مطلحة صعرا) معرقة الألحي: قَليلَة لحم الألحي جمع لحي. وَإِذا كثر لحم لحيها فَهُوَ عيب. يُقَال: نَاقَة سجراء: تضرب إِلَى الْحمرَة. وَقَوله: قد اكتفلت بالحزن أَي: صيرت النَّاقة الْحزن خلفهَا كَالرّجلِ الَّذِي يركب الكفل فَإِنَّمَا يركب على أقْصَى الكفل كَمَا تَقول: اكتفلت النَّاقة أَي: ركبت مَوضِع الكفل من النَّاقة. والحزن: مَا غلظ من الأَرْض. والضارب: منخفض كالوادي. وخفان: مَوضِع. ومجتابة سدراً أَي: لابسة سدراً. واعوج يَعْنِي: الضوارب لَيست على جِهَة النَّاقة. والحراجيج: الضمر. والخسف: الْجُوع وَهُوَ ن تبيت على غير علف والتعريس: النُّزُول فِي آخر اللَّيْل. وصارف أَي: فبعضها صَارف

стр. 4376

يصرف بنابيه من الضجر والجهد. ومطلحة: معيية. وصعر: فِيهَا ميل من الْجهد والهزال. وَهَذَا نقلته من شرح ديوانه. وترجمته تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن من أول الْكتاب. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ بعد السبعمائة) تَحِيَّة بَينهم ضرب وجيع على أَن جعل الضَّرْب الوجيع كالتحية كَمَا جعل الْخَسْف كالأرض الَّتِي يناخ عَلَيْهَا. يُرِيد أَن الْخَسْف جعل بَدَلا من الأَرْض كَمَا أَن الضَّرْب جعل بَدَلا من التَّحِيَّة وَلَا يُرِيد أَنَّهُمَا من بَاب التَّشْبِيه فَإِنَّهُ غير صَحِيح فيهمَا فَإِن الأول لَيْسَ فِيهِ من أَرْكَان التَّشْبِيه غير الْخَسْف وَلَا يُقَال لمثله إِلَّا اسْتِعَارَة وَإِن كَانَ أَصله التَّشْبِيه. فَإِن كَانَ الْمُشبه بِهِ مَذْكُورا والمشبه غير مَذْكُور فَهُوَ اسْتِعَارَة تصريحية وَإِن كَانَ بِالْعَكْسِ فَهُوَ استعالة بِالْكِنَايَةِ. والخسف وَإِن أمكن أَن يَجْعَل من الِاسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ لكنه لما شبه بِمَا بعده علم أَن مُرَاده أَنه من بَاب التنويع كَمَا يَأْتِي بَيَانه. وَأم الثَّانِي فَهُوَ لَيْسَ من التَّشْبِيه قطعا

стр. 4377

إِذْ الْمَعْهُود فِي مثله أَن يشبه الأول بِالثَّانِي لَا الْعَكْس إِذْ لَا يُقَال فِي زيد أَسد: إِن أسداً مشبه بزيد. وَلم يجيزوا أَيْضا أَن تشبه التَّحِيَّة بِالضَّرْبِ لِأَنَّهُ من بَاب التنويع وَهُوَ من خلاف مُقْتَضى الظَّاهِر وَهُوَ ادِّعَاء أَن مُسَمّى اللَّفْظ نَوْعَانِ: مُتَعَارَف وَغير مُتَعَارَف. على طَرِيق التخييل بِأَن ينزل مَا يَقع فِي موقع شَيْء بَدَلا عَنهُ. مَنْزِلَته بِدُونِ تَشْبِيه وَلَا اسْتِعَارَة سَوَاء كَانَ بطرِيق الْحمل كَقَوْلِه: تَحِيَّة بَينهم ضرب وجيع (وبلدة لَيْسَ بهَا أنيس ... إِلَّا اليعافير وَإِلَّا العيس) على معنى أنيسها اليعافير. أَي: إِن كَانَ يعد أنيساً فَلَا أنيس إِلَّا هُوَ. أَو بدونهما كَقَوْلِه: الْكَامِل (غضِبت حنيفَة أَن تقتل عَامر ... يَوْم النسار فأعقبوا بالصيلم) أَي: إِنَّهُم لما طلبُوا إِلَيْنَا العتبى وَضعنَا لَهُم السِّلَاح مَكَانهَا. وَهَذَا تهكم. والصيلم: الداهية. وَحَيْثُ أطلق التنويع فَالْمُرَاد بِهِ هَذَا كَمَا تراهم يَقُولُونَ: من بَاب: تَحِيَّة بَينهم ضرب وجيع

стр. 4378

فيجعلون الْمِثَال أساساً وَقَاعِدَة وَلَيْسَ من الْمجَاز فِي شَيْء لِأَن طَرفَيْهِ مستعملان فِي حقيقتهما وَلَا تَشْبِيها كَمَا صَرَّحُوا بِهِ بل التَّشْبِيه يعكس مَعْنَاهُ ويفسده. قَالَ الشَّيْخ فِي دَلَائِل الإعجاز: اعْلَم أَنه لَا يجوز أَن يكون سَبِيل قَوْله: الطَّوِيل) لعاب الأفاعي القاتلات لعابه سَبِيل قَوْلهم: عتابه السَّيْف. وَذَلِكَ لِأَن الْمَعْنى فِي بَيت أبي تَمام على أَنَّك تشبه شَيْئا بِشَيْء لجامع بَينهمَا فِي وصف. وَلَيْسَ الْمَعْنى فِي عتابك السَّيْف على أَنَّك تشبه عتابه بِالسَّيْفِ بَدَلا من العتاب. أَلا ترى أَنه يَصح أَن تَقول: مداد قلمه قَاتل كسم الأفاعي وَلَا يَصح أَن تَقول: عتابك كالسيف اللَّهُمَّ إِلَّا أَن تخرج إِلَى بَاب آخر وَشَيْء لَيْسَ هُوَ غرضهم بِهَذَا الْكَلَام فتريد أَنه قد عَاتب عتاباً خشناً مؤلماً. ثمَّ إِنَّك إِذا قلت السَّيْف عتابك خرجت بِهِ إِلَى معنى ثَالِث وَهُوَ أَن تزْعم أَن عتابه قد بلغ فِي إيلامه وَشدَّة تَأْثِيره مبلغا صَار لَهُ السَّيْف كَأَنَّهُ لَيْسَ بِسيف. انْتهى. وَلَيْسَ هَذَا من قبيل التَّشْبِيه الَّذِي ذكر مَعَه مَا يحل دُخُول أَدَاة التَّشْبِيه كَقَوْلِه: الْكَامِل أَسد دم الْأسد الهزبر خضابه

стр. 4379

فَإِنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى التَّصْرِيح بأداة التَّشْبِيه لدلَالَة التَّشْبِيه على أَنه دون الْأسد وَدلَالَة الْوَصْف على أَنه فَوْقه. فالوصف مَانع. وَأما هُنَا فالتشبيه يعكس الْمَعْنى المُرَاد. وَأَيْضًا فَإِن الْمَقْصُود نفي مَا صدر بِهِ يَعْنِي لَا تَحِيَّة بَينهم. والتشبيه لَا يُفِيد هَذَا الْمَعْنى. وَلَيْسَ الشَّيْخ أَبَا عذرة هَذَا بل صرح بِهِ النُّحَاة مِنْهُم سِيبَوَيْهٍ وَقد فَصله فِي بَاب الِاسْتِثْنَاء من كِتَابه وَنَقله ابْن عُصْفُور وَابْن الطراوة قَالُوا: إِذا كَانَ الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر معرفتين إِمَّا أَن تكون إِحْدَاهمَا قَائِمَة مقَام الْأُخْرَى أَو مشبهة بهَا أَو هِيَ نَفسهَا. فَإِن كَانَت قَائِمَة مقَامهَا كَانَ الْخَبَر مَا تُرِيدُ إثْبَاته نَحْو قَول عبد الْملك بن مَرْوَان: كَانَ عُقُوبَتك وَلَو قلت: كَانَ عزلك عُقُوبَتك كَانَ معاقباً لَا معزولاً وَلَو قلت: كَانَ زُهَيْر زيدا أثبت التَّشْبِيه لزهير بزيد. قَالَ ابْن الطراوة: وَقد غلط فِي هَذَا أجلة من الشُّعَرَاء مِنْهُم المتنبي فِي قَوْله: الطَّوِيل (ثِيَاب كريم مَا يصون حسانها ... إِذا نشرت كَانَ الهبات صوانها) فذمه وَهُوَ يرى أَنه مدحه. أَلا ترى أَنه أثبت الصون وَنفى الهبات كَأَنَّهُ قَالَ: الَّذِي يقوم لَهَا مقَام الهبات أَن تصان. وَقد أُجِيب عَن المتنبي.

стр. 4380

فَإِذا لم يكن فِي شَيْء من أَطْرَافه تجوز وَلم يقْصد التَّشْبِيه فَهُوَ حَقِيقَة يَجْعَل بدل الشَّيْء الْقَائِم) مقَامه فَردا مِنْهُ ادِّعَاء. فالتصرف فِي النِّسْبَة. أَلا ترى لَو قلت إِن كَانَ الضَّرْب تَحِيَّة فَهُوَ تحيتهم كَانَ حَقِيقَة قطعا. فَجعل الْغَرَض الْمُقدر كَالظَّاهِرِ وَهُوَ نوع على حجَّة من خلاف مُقْتَضى الظَّاهِر. وَأما وَجه بلاغته وعَلى مَاذَا يدل فقد حَقَّقَهُ صَاحب الْكَشَّاف فِي مَوَاضِع: مِنْهَا انه قَالَ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: يَوْم لَا ينفع مَال وَلَا بنُون الْآيَة. هُوَ من بَاب: تَحِيَّة بَينهم ضرب وجيع وَمَا ثَوَابه إِلَّا السَّيْف. وَبَيَانه أَن يُقَال: هَل لزيد مَال وبنون فَتَقول: مَاله وَبَنوهُ سَلامَة قلبه. تُرِيدُ وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: إِنَّه يدل على إِثْبَات النَّفْي فَمَعْنَى: لَيْسَ بهَا أنيس إِلَّا اليعافير أَي: إِنَّه لَا أنيس بهَا قطعا. لِأَنَّهُ جعل أنيسها اليعافير دون غَيرهَا. وَهِي لَيست بأنيس قطعا. فَدلَّ على أَنه لَا أنيس بهَا. وَهُوَ قريب مِمَّا لَو قلت: إِن كَانَت اليعافير أنيساً فَإِنَّهَا أنيس. وَوجه دلَالَته على إِثْبَات النَّفْي أَنه استعملته الْعَرَب مرَادا بِهِ الْحصْر فَإِن الْكَلَام قد يدل عَلَيْهِ نَحْو: الْجواد زيد وَالْكَرم فِي
следующие страницы →