← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

يصرف بنابيه من الضجر والجهد. ومطلحة: معيية. وصعر: فِيهَا ميل من الْجهد والهزال. وَهَذَا نقلته من شرح ديوانه. وترجمته تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن من أول الْكتاب. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ بعد السبعمائة) تَحِيَّة بَينهم ضرب وجيع على أَن جعل الضَّرْب الوجيع كالتحية كَمَا جعل الْخَسْف كالأرض الَّتِي يناخ عَلَيْهَا. يُرِيد أَن الْخَسْف جعل بَدَلا من الأَرْض كَمَا أَن الضَّرْب جعل بَدَلا من التَّحِيَّة وَلَا يُرِيد أَنَّهُمَا من بَاب التَّشْبِيه فَإِنَّهُ غير صَحِيح فيهمَا فَإِن الأول لَيْسَ فِيهِ من أَرْكَان التَّشْبِيه غير الْخَسْف وَلَا يُقَال لمثله إِلَّا اسْتِعَارَة وَإِن كَانَ أَصله التَّشْبِيه. فَإِن كَانَ الْمُشبه بِهِ مَذْكُورا والمشبه غير مَذْكُور فَهُوَ اسْتِعَارَة تصريحية وَإِن كَانَ بِالْعَكْسِ فَهُوَ استعالة بِالْكِنَايَةِ. والخسف وَإِن أمكن أَن يَجْعَل من الِاسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ لكنه لما شبه بِمَا بعده علم أَن مُرَاده أَنه من بَاب التنويع كَمَا يَأْتِي بَيَانه. وَأم الثَّانِي فَهُوَ لَيْسَ من التَّشْبِيه قطعا

стр. 4377

إِذْ الْمَعْهُود فِي مثله أَن يشبه الأول بِالثَّانِي لَا الْعَكْس إِذْ لَا يُقَال فِي زيد أَسد: إِن أسداً مشبه بزيد. وَلم يجيزوا أَيْضا أَن تشبه التَّحِيَّة بِالضَّرْبِ لِأَنَّهُ من بَاب التنويع وَهُوَ من خلاف مُقْتَضى الظَّاهِر وَهُوَ ادِّعَاء أَن مُسَمّى اللَّفْظ نَوْعَانِ: مُتَعَارَف وَغير مُتَعَارَف. على طَرِيق التخييل بِأَن ينزل مَا يَقع فِي موقع شَيْء بَدَلا عَنهُ. مَنْزِلَته بِدُونِ تَشْبِيه وَلَا اسْتِعَارَة سَوَاء كَانَ بطرِيق الْحمل كَقَوْلِه: تَحِيَّة بَينهم ضرب وجيع (وبلدة لَيْسَ بهَا أنيس ... إِلَّا اليعافير وَإِلَّا العيس) على معنى أنيسها اليعافير. أَي: إِن كَانَ يعد أنيساً فَلَا أنيس إِلَّا هُوَ. أَو بدونهما كَقَوْلِه: الْكَامِل (غضِبت حنيفَة أَن تقتل عَامر ... يَوْم النسار فأعقبوا بالصيلم) أَي: إِنَّهُم لما طلبُوا إِلَيْنَا العتبى وَضعنَا لَهُم السِّلَاح مَكَانهَا. وَهَذَا تهكم. والصيلم: الداهية. وَحَيْثُ أطلق التنويع فَالْمُرَاد بِهِ هَذَا كَمَا تراهم يَقُولُونَ: من بَاب: تَحِيَّة بَينهم ضرب وجيع

стр. 4378

فيجعلون الْمِثَال أساساً وَقَاعِدَة وَلَيْسَ من الْمجَاز فِي شَيْء لِأَن طَرفَيْهِ مستعملان فِي حقيقتهما وَلَا تَشْبِيها كَمَا صَرَّحُوا بِهِ بل التَّشْبِيه يعكس مَعْنَاهُ ويفسده. قَالَ الشَّيْخ فِي دَلَائِل الإعجاز: اعْلَم أَنه لَا يجوز أَن يكون سَبِيل قَوْله: الطَّوِيل) لعاب الأفاعي القاتلات لعابه سَبِيل قَوْلهم: عتابه السَّيْف. وَذَلِكَ لِأَن الْمَعْنى فِي بَيت أبي تَمام على أَنَّك تشبه شَيْئا بِشَيْء لجامع بَينهمَا فِي وصف. وَلَيْسَ الْمَعْنى فِي عتابك السَّيْف على أَنَّك تشبه عتابه بِالسَّيْفِ بَدَلا من العتاب. أَلا ترى أَنه يَصح أَن تَقول: مداد قلمه قَاتل كسم الأفاعي وَلَا يَصح أَن تَقول: عتابك كالسيف اللَّهُمَّ إِلَّا أَن تخرج إِلَى بَاب آخر وَشَيْء لَيْسَ هُوَ غرضهم بِهَذَا الْكَلَام فتريد أَنه قد عَاتب عتاباً خشناً مؤلماً. ثمَّ إِنَّك إِذا قلت السَّيْف عتابك خرجت بِهِ إِلَى معنى ثَالِث وَهُوَ أَن تزْعم أَن عتابه قد بلغ فِي إيلامه وَشدَّة تَأْثِيره مبلغا صَار لَهُ السَّيْف كَأَنَّهُ لَيْسَ بِسيف. انْتهى. وَلَيْسَ هَذَا من قبيل التَّشْبِيه الَّذِي ذكر مَعَه مَا يحل دُخُول أَدَاة التَّشْبِيه كَقَوْلِه: الْكَامِل أَسد دم الْأسد الهزبر خضابه

стр. 4379

فَإِنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى التَّصْرِيح بأداة التَّشْبِيه لدلَالَة التَّشْبِيه على أَنه دون الْأسد وَدلَالَة الْوَصْف على أَنه فَوْقه. فالوصف مَانع. وَأما هُنَا فالتشبيه يعكس الْمَعْنى المُرَاد. وَأَيْضًا فَإِن الْمَقْصُود نفي مَا صدر بِهِ يَعْنِي لَا تَحِيَّة بَينهم. والتشبيه لَا يُفِيد هَذَا الْمَعْنى. وَلَيْسَ الشَّيْخ أَبَا عذرة هَذَا بل صرح بِهِ النُّحَاة مِنْهُم سِيبَوَيْهٍ وَقد فَصله فِي بَاب الِاسْتِثْنَاء من كِتَابه وَنَقله ابْن عُصْفُور وَابْن الطراوة قَالُوا: إِذا كَانَ الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر معرفتين إِمَّا أَن تكون إِحْدَاهمَا قَائِمَة مقَام الْأُخْرَى أَو مشبهة بهَا أَو هِيَ نَفسهَا. فَإِن كَانَت قَائِمَة مقَامهَا كَانَ الْخَبَر مَا تُرِيدُ إثْبَاته نَحْو قَول عبد الْملك بن مَرْوَان: كَانَ عُقُوبَتك وَلَو قلت: كَانَ عزلك عُقُوبَتك كَانَ معاقباً لَا معزولاً وَلَو قلت: كَانَ زُهَيْر زيدا أثبت التَّشْبِيه لزهير بزيد. قَالَ ابْن الطراوة: وَقد غلط فِي هَذَا أجلة من الشُّعَرَاء مِنْهُم المتنبي فِي قَوْله: الطَّوِيل (ثِيَاب كريم مَا يصون حسانها ... إِذا نشرت كَانَ الهبات صوانها) فذمه وَهُوَ يرى أَنه مدحه. أَلا ترى أَنه أثبت الصون وَنفى الهبات كَأَنَّهُ قَالَ: الَّذِي يقوم لَهَا مقَام الهبات أَن تصان. وَقد أُجِيب عَن المتنبي.

стр. 4380

فَإِذا لم يكن فِي شَيْء من أَطْرَافه تجوز وَلم يقْصد التَّشْبِيه فَهُوَ حَقِيقَة يَجْعَل بدل الشَّيْء الْقَائِم) مقَامه فَردا مِنْهُ ادِّعَاء. فالتصرف فِي النِّسْبَة. أَلا ترى لَو قلت إِن كَانَ الضَّرْب تَحِيَّة فَهُوَ تحيتهم كَانَ حَقِيقَة قطعا. فَجعل الْغَرَض الْمُقدر كَالظَّاهِرِ وَهُوَ نوع على حجَّة من خلاف مُقْتَضى الظَّاهِر. وَأما وَجه بلاغته وعَلى مَاذَا يدل فقد حَقَّقَهُ صَاحب الْكَشَّاف فِي مَوَاضِع: مِنْهَا انه قَالَ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: يَوْم لَا ينفع مَال وَلَا بنُون الْآيَة. هُوَ من بَاب: تَحِيَّة بَينهم ضرب وجيع وَمَا ثَوَابه إِلَّا السَّيْف. وَبَيَانه أَن يُقَال: هَل لزيد مَال وبنون فَتَقول: مَاله وَبَنوهُ سَلامَة قلبه. تُرِيدُ وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: إِنَّه يدل على إِثْبَات النَّفْي فَمَعْنَى: لَيْسَ بهَا أنيس إِلَّا اليعافير أَي: إِنَّه لَا أنيس بهَا قطعا. لِأَنَّهُ جعل أنيسها اليعافير دون غَيرهَا. وَهِي لَيست بأنيس قطعا. فَدلَّ على أَنه لَا أنيس بهَا. وَهُوَ قريب مِمَّا لَو قلت: إِن كَانَت اليعافير أنيساً فَإِنَّهَا أنيس. وَوجه دلَالَته على إِثْبَات النَّفْي أَنه استعملته الْعَرَب مرَادا بِهِ الْحصْر فَإِن الْكَلَام قد يدل عَلَيْهِ نَحْو: الْجواد زيد وَالْكَرم فِي

стр. 4381

الْعَرَب وَشر أهر ذَا نَاب. وَلذَا ذكره النُّحَاة فِي بَاب الِاسْتِثْنَاء. والحصر الملاحظ فِيهِ جَار على نهج الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطع لِأَنَّهُ من التنويع عِنْد الْخَلِيل. فعلى هَذَا وضح إفادته ثبات النَّفْي وَظهر عدم التَّجَوُّز فِي مفرداته وَأَنه لَا يتَصَوَّر فِيهِ التَّشْبِيه. وَأما قَوْله فِي الْمَائِدَة فِي تَفْسِير: بشر من ذَلِك مثوبة فَإِن قلت: المثوبة مُخْتَصَّة بِالْإِحْسَانِ فَكيف جَاءَت فِي الْإِسَاءَة قلت: وضعت المثوبة مَوضِع الْعقُوبَة على طَريقَة قَوْله: تَحِيَّة بَينهم ضرب وجيع وَمِنْه: فبشرهم بِعَذَاب أَلِيم. انْتهى. فمراده أَن الْآيَة من بَاب الإيجاز وَأَن فِي الْكَلَام تنويعاً مُقَدرا. وَهَذَا تَفْرِيع مَبْنِيّ عَلَيْهِ. وَالتَّقْدِير: إِن نقمتم مِنْهُم وادعيتم لَهُم الْعقُوبَة فعقوبتهم المثوبة. وَقد صرح فِي سُورَة مَرْيَم وَقَالَ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: والباقيات الصَّالِحَات خير عِنْد رَبك ثَوابًا فَإِن قل: كَيفَ قيل خير ثَوابًا كَأَن لمفاخراتهم ثَوابًا حَتَّى يَجْعَل ثَوَاب الصَّالِحَات خيرا مِنْهُ قلت: كَأَنَّهُ قيل: ثوباهم النَّار على طَريقَة قَوْله:

стр. 4382

فأعتبوا بالصيلم) وَقَوله: تَحِيَّة بَينهم ضرب وجيع ثمَّ بني عَلَيْهِ خير ثَوابًا. وَفِيه ضرب من التهكم الَّذِي هُوَ أَغيظ للمتهدد من أَن يُقَال لَهُ: عقابك النَّار. انْتهى. وَالْمرَاد أَن بعض التنويع قد يسْتَعْمل فِي مقَام التهكم. وَقد صرح بِهِ ابْن فَارس فِي فقه اللُّغَة للصاحبي فِي بَاب مَا يجْرِي مجْرى التهكم والهزء فَقَالَ: وَمن هَذَا الْبَاب أَتَانِي فقريته جفَاء وأعطيته حرما. وَقَول الفرزدق: قريناهم المأثورة الْبيض انْتهى. وَقد يسْتَعْمل بِدُونِهِ كَمَا فِي قَوْله: يَوْم لَا ينفع مَال وَلَا بنُون الْآيَة. وَفِي الحَدِيث: من كَانَ لَهُ إِمَام فقراءة الإِمَام قِرَاءَة لَهُ وَقد فسر بِهَذَا الْمَعْنى وَلَا يُمكن فِيهِ التهكم. وَهَذَا المصراع عجز وصدره: (وخيل قد دلفت لَهَا بخيل ... تَحِيَّة بَينهم ضرب وجيع)

стр. 4383

وَالْخَيْل: اسْم جمع الْفرس لَا وَاحِد لَهُ من لَفظه وَالْمرَاد بِهِ الفرسان كَمَا فِي قَوْله ﷺ َ: يَا خيل الله ارْكَبِي. وَأَرَادَ بِالْخَيْلِ الأول خيل الْأَعْدَاء وَبِالثَّانِي خيله وَالضَّمِير فِي بنهم للخيلين. ودلفت: دَنَوْت وزحفت من دلف الشَّيْخ من بَاب ضرب إِذا مَشى مشياً لينًا. وَالْبَاء للتعدية أَي: جَعلتهَا دالفة إِلَيْهَا. فَاللَّام بِمَعْنى إِلَى. وتحية مُضَاف وَبينهمْ مُضَاف إِلَيْهِ مجرور بِكَسْر النُّون لِأَنَّهُ ظرف متصرف وَلَو فتح كَانَ مَبْنِيا لِإِضَافَتِهِ للمبني. وَزعم ميربادشاه فِي حَاشِيَة الْبَيْضَاوِيّ أَن مَعْنَاهُ إِن ضَربهمْ الوجيع كتحية بَينهم على التَّشْبِيه البليغ المقلوب. وَقد بَينا بُطْلَانه. وَوصف الضَّرْب بالوجيع مجَازًا. وَيجوز أَن يكون وجيع بِمَعْنى موجع وَالْمعْنَى رب خيل للأعداء أَقبلت عَلَيْهِم بخيل أُخْرَى كَانَ التَّحِيَّة بَينهم ضربا وجيعاً أَي: كَانَ مَكَان التَّحِيَّة هَذَا وَقد أوردهُ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب الِاسْتِثْنَاء وَقَالَ: جعلُوا الضَّرْب تَحِيَّة كَمَا جعلُوا اتِّبَاع الظَّن علمهمْ.) وَأوردهُ ثَانِيًا فِي بَاب أَو وَقَالَ: الْعَرَب تَقول: تحيتك الضَّرْب وعتابك السَّيْف وكلامك الْقَتْل. قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ جعل الضَّرْب تَحِيَّة على الاتساع الْمُقدم ذكره. وَإِنَّمَا ذكر هَذَا تَقْوِيَة لجَوَاز الْبَدَل فِيمَا لم يكن من جنس الأول.

стр. 4384

يَقُول: إِذا تلاقوا فِي الْحَرْب جعلُوا بَدَلا من تَحِيَّة بَعضهم لبَعض الضَّرْب الوجيع. وَهَذَا الْبَيْت نسبه شرَّاح أَبْيَات الْكتاب وَغَيرهم إِلَى عَمْرو بن معد يكرب الصَّحَابِيّ وَلم أره فِي شعره. وَالْعجب من شَيخنَا الشهَاب الخفاجي أَنه نسبه إِلَيْهِ فِي حَاشِيَة الْبَيْضَاوِيّ وَقَالَ: هُوَ من قصيدة مسطورة لَهُ فِي المفضليات مَعَ أَنه غير مَوْجُود شعره فِي المفضليات لَا من كَثِيره وَلَا من قَلِيله. قَالَ ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة فِي بَاب السرقات الشعرية: وَمِمَّا يعد سرقاً وَلَيْسَ بسرق اشْتِرَاك اللَّفْظ الْمُتَعَارف كَقَوْل عنترة: الوافر (وخيل قد دلفت لَهَا بخيل ... عَلَيْهَا الْأسد تهتصر اهتصارا) وَقَول عَمْرو بن معد يكرب: الوافر وَقَول الخنساء ترثي أخاها صخراً: الوافر وخيل قد دلفت لَهَا بخيل فدارت بَين كبشيها رحاها وَقَول الْأَعرَابِي: الوافر (وخيل قد دلفت لَهَا بخيل ... ترى فرسانها مثل الْأسود) وأمثال هَذَا كثير. انْتهى.

стр. 4385

وَإِن يكن الْبَيْت لعَمْرو بن معد يكرب فقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْخمسين بعد الْمِائَة. وَأنْشد بعده: الرجز إِذْ ذهب الْقَوْم الْكِرَام ليسي على أَن لَيْسَ لنُقْصَان فعليتها جَازَ ترك نون الْوِقَايَة مَعهَا. وصدره: عددت قومِي كعديد الطيس) وَتقدم شَرحه فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالتسْعين بعد الثلمائة. وَأنْشد بعده: الطَّوِيل وَهَذَا صدر وعجزه: ثَلَاثًا وَمن يخرق أعق وأظلم على أَن جملَة: وَالطَّلَاق ألية من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر اعتراضية. وَتقدم شَرحه مفصلا فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ بعد السبعمائة) الوافر وكوني بالمكارم ذكريني على أَنه جَاءَ خبر كَانَ جملَة طلبية. وَهَذَا مُخْتَصّ بالشعر. وَالْمعْنَى: كوني مذكرة بالمكارم وَلَيْسَ يُرِيد كوني بالمكارم. يُقَوي ذَلِك قَوْله قبله: ...

стр. 4386

(أَلا يَا أم فارع لَا تلومي ... على شَيْء رفعت بِهِ سَمَاعي) (وكوني بالمكارم ذكريني ... ودلي دلّ ماجدة صناع) فَالْمَعْنى: لَا تلوميني على شَيْء رفعت بِهِ صيتي وذكري وذكريني بِهِ. قَالَ ابْن عُصْفُور فِي كتاب الضَّرُورَة: جعل ذكريني فِي مَوضِع مذكرة وَهُوَ قَبِيح لِأَن فعل الْأَمر لَا يقوم مقَام الْخَبَر فِي بَاب كَانَ وَإِنَّمَا فعل ذَلِك لِأَن كوني أَمر فِي اللَّفْظ ومحصول الْأَمر مِنْهُ لَهَا إِنَّمَا وَقع على التَّذْكِير فَلَمَّا كَانَ فِي الْمَعْنى أمرا لَهَا بتذكيره اسْتعْمل فِيهِ لفظ الْأَمر. انْتهى. وَقَالَ السكرِي فِيمَا كتب على نَوَادِر أبي زيد: الْمَعْنى: وصيري مذكرة لي بالمكارم. وَتَقْدِيره فِي الْعَرَبيَّة رَدِيء لَو قلت: يَا فلَان كن بِغُلَام بشرني لم يجز. وَهُوَ يُرِيد يَا أم فارعة فَحذف الْهَاء اسْتِخْفَافًا وَذَلِكَ شَاذ لِأَنَّهُ لَيْسَ بمنادى إِنَّمَا المنادى الْأُم. والصناع بِفَتْح الصَّاد: الرفيقة الْكَفّ. والماجدة: الْكَرِيمَة. يَقُول: اضبطي دلالك بِمَنْفَعَة وصنعة وَلَا تَكُونِي خرقاء لَا تَنْفَع أَهلهَا. انْتهى. وَقَالَ أَبُو زيد: قَوْله: سَمَاعي أَي ذكري وَحسن الثَّنَاء عَليّ. ودلي بِفَتْح الدَّال من دلّت تدل ودللت أَنا أدل مثل خجلت أخجل. انْتهى.)

стр. 4387

قَالَ ابْن عقيل: الدل قريب الْمَعْنى من الْهَدْي وهما من السكينَة وَالْوَقار فِي الْهَيْئَة والمنظر وَالشَّمَائِل وَغير ذَلِك. قَالَه أَبُو عُبَيْدَة. والصناع: الماهرة الحاذقة بِعَمَل الْيَدَيْنِ. وَقَالَ الْأَخْفَش فِي حَوَاشِيه على النَّوَادِر: قَوْله: كوني بالمكارم ذكريني تَقْدِيره: كوني مِمَّن أَقُول لَهُ ذَكرنِي إِذا سَهَوْت فَجرى هَذَا على الْحِكَايَة كَمَا قَالَ: أَرَادَ: سَمِعت قَائِلا يَقُول: النَّاس ينتجعون غيثاً فَحكى. هَذَا كَلَامه. وَقَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: جملَة: ذكريني مؤولة بِالْجُمْلَةِ الخبرية أَي: وكوني تذكرينني. انْتهى. وَإِنَّمَا أَوله لما عرف من أَن شَرط خبر كَانَ إِذا كَانَت جملَة أَن تكون خبرية. وَقَالَ السخاوي: يجوز أَن يكون الْخَبَر محذوفاً وذكريني أمرا مستأنفاً أَي: كوني بالمكارم مذكرة ذكريني. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ بعد السبعمائة) الطَّوِيل (قنافذ هداجون حول بُيُوتهم ... بِمَا كَانَ إيَّاهُم عَطِيَّة عودا) على أَن كَانَ فِي الْبَيْت عِنْد الْبَصرِيين إِمَّا شأنية وَإِمَّا زَائِدَة فَيكون عَطِيَّة فِي الأول: مُبْتَدأ وعوداً: فعل مَاض وألفه للإطلاق وفاعله ضمير عَطِيَّة ومفعوله إيَّاهُم الْمُتَقَدّم على الْمُبْتَدَأ وَالْأَصْل عودهم فَلَمَّا

стр. 4388

تقدم انْفَصل وَجُمْلَة: عودهم خبر الْمُبْتَدَأ وَالْجُمْلَة الْكُبْرَى أَعنِي عَطِيَّة عودهم فِي مَحل نصب خبر كَانَ وَاسْمهَا ضمير الشَّأْن. قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد: وَيجوز أَن يكون اسْم كَانَ ضميراً مستتراً فِيهَا عَائِدًا على مَا الموصولة أَي: بِسَبَب الْأَمر الَّذِي كَانَ هُوَ عَطِيَّة عودهم إِيَّاه وَجُمْلَة: عَطِيَّة عودهم خبر كَانَ وَحذف الْعَائِد لِأَنَّهُ ضمير مَنْصُوب. وَيجوز أَيْضا أَن يكون عَطِيَّة اسْم كَانَ وَتَقْدِيم مَعْمُول الْخَبَر للضَّرُورَة. وَهَذَا الْجَواب عِنْدِي أولى لاطراده فِي نَحْو قَوْله: الْبَسِيط (باتت فُؤَادِي ذَات الْخَال سالبة ... فالعيش إِن حم لي عَيْش من الْعجب) إِذْ الأَصْل: باتت ذَات الْخَال سالبة فُؤَادِي. وَلَا يجوز تَقْدِير ذَات مُبْتَدأ لنصب سالبة. وَاعْترض على هَذِه الْأَوْجه بِأَن الْخَبَر الْفعْلِيّ لَا يسْبق الْمُبْتَدَأ فَكَذَا معموله. وَالْجَوَاب: أَن الْمَانِع من تَقْدِيم الْفِعْل خشيَة التباس الاسمية بالفعلية وَذَلِكَ مَأْمُون مَعَ تقدم الْمَعْمُول. انْتهى.) وأوضحه فِي الْمُغنِي بقوله: ولانتفاء الْأَمريْنِ وهما تهيئة الْعَامِل للْعَمَل مَعَ قطعه وإعمال الضَّعِيف مَعَ إِمْكَان الْقوي جَازَ عِنْد الْبَصرِيين وَهِشَام تَقْدِيم مَعْمُول الْخَبَر على الْمُبْتَدَأ فِي نَحْو: زيد ضرب عمرا وَإِن لم يجز تَقْدِيم الْخَبَر. وَقَالَ البصريون فِي نَحْو قَوْله: بِمَا كَانَ إيَّاهُم عَطِيَّة عودا إِن عَطِيَّة مُبْتَدأ وإياهم مفعول عود وَالْجُمْلَة خبر كَانَ وَاسْمهَا

стр. 4389

ضمير الشَّأْن. وَقد خفيت هَذِه النُّكْتَة على ابْن عُصْفُور فَقَالَ: هربوا من مَحْذُور وَهُوَ أَن يفصلوا بَين كَانَ وَاسْمهَا بمعمول خَبَرهَا فوقعوا فِي مَحْذُور آخر وَهُوَ تَقْدِيم مَعْمُول الْخَبَر حِين لَا يتَقَدَّم الْخَبَر. وَقد بَينا أَن امْتنَاع تقدم الْخَبَر فِي ذَلِك لِمَعْنى مَفْقُود فِي تقدم معموله. انْتهى. وبهذه الْأَجْوِبَة يرد على الْكُوفِيّين قَوْلهم: يجوز أَن يَلِي كَانَ أَو إِحْدَى أخواتها مَعْمُول خَبَرهَا غير الظّرْف. وَاحْتَجُّوا بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ. قَالَ ابْن النَّاظِم وَبِقَوْلِهِ: الْبَسِيط (فَأَصْبحُوا والنوى عالي معرسهم ... وَلَيْسَ كل النَّوَى يلقِي الْمَسَاكِين) وَقد خطأه ابْن هِشَام فِيهِ بِأَنَّهُ لَو كَانَ الْمَسَاكِين اسْما لَكَانَ يجب أَن يُقَال: يلقون أَو تلقي وَإِنَّمَا كَانَ فِيهِ عِنْد الْفَرِيقَيْنِ مُسندَة إِلَى ضمير الشَّأْن. وَالْبَيْت من قصيدة للفرزدق مَذْكُورَة فِي النقائض هجا بهَا جَرِيرًا. وَقَوله: قنافذ هداجون: جمع قنفذ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة الْمُهْملَة وَهُوَ حَيَوَان مَعْرُوف يضْرب بِهِ الْمثل فِي سرى اللَّيْل يُقَال: أسرى من قنفذ. وَهُوَ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هم قنافذ. وَهَذَا تَشْبِيه بليغ كَمَا

стр. 4390

حَقَّقَهُ السعد التَّفْتَازَانِيّ لَا اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ كَمَا توهم الْعَيْنِيّ مَعَ اعتراضه بِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ كَمَا ذكرنَا. وهداجون: فعالون من الهدج بالإسكان والهدجان بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ السّير السَّرِيع. وَفعله كضرب. ويروى: دراجون من درج الصَّبِي وَالشَّيْخ وَفعله كدخل وَمَعْنَاهُ تقَارب الخطو بِمَنْزِلَة مشي الصَّبِي. وعطية: أَبُو جرير. يَقُول: إِن رَهْط جرير كالقنافذ لمشيهم فِي اللَّيْل للسرقة والفجور وَإِن أَبَا جرير هُوَ الَّذِي عودهم ذَلِك. وَقد هجاه الأخطل بِمثل هَذَا أَيْضا قَالَ من قصيدة: الْبَسِيط) (أما كُلَيْب بن يَرْبُوع فَلَيْسَ لَهَا ... عِنْد التفاخر إِيرَاد وَلَا صدر) (مخلفون وَيَقْضِي النَّاس أَمرهم ... وهم بِغَيْب وَفِي عمياء مَا شعروا) (مثل القنافذ هداجون قد بلغت ... نَجْرَان أَو بلغت سوءاتهم هجر) وترجمة الفرزدق قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ من أَوَائِل الْكتاب.

стр. 4391

وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الْأَرْبَعُونَ بعد السبعمائة) وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الرجز مَا دَامَ فِيهِنَّ فصيل حَيا على أَنه يجوز فِي بَاب كَانَ الْإِخْبَار عَن النكرَة الْمَحْضَة إِذا حصلت الْفَائِدَة كَمَا هُنَا فَإِن قَوْله: فصيل اسْم دَامَ. وَحيا خَبَرهَا وحصلت الْفَائِدَة من تَقْدِيم فِيهِنَّ وَهُوَ مُتَعَلق بالْخبر وَلَو حذفت فِيهِنَّ انْقَلب الْمَعْنى لِأَنَّك إِذا قلت: مَا دَامَ فصيل حَيا فَالْمُرَاد أبدا كَمَا تَقول: مَا طلعت شمس وَمَا ناح قمري. فَلَمَّا لم تتمّ الْفَائِدَة إِلَّا بِهِ حسن تَقْدِيمه لمضارعته الْخَبَر فِي الْفَائِدَة. وَمثله قَوْله تَعَالَى: وَلم يكن لَهُ كفوا أحد فَإِن قَوْله: لَهُ وَإِن لم يكن خَبرا فَإِنَّهُ بِهِ يتم الْمَعْنى لِأَن سُقُوطهَا يبطل معنى الْكَلَام إِلَى ذكر لَهُ صَار بِمَنْزِلَة الْخَبَر الَّذِي لَا يسْتَغْنى عَنهُ وَإِن لم يكن خَبرا. وَلم يكن بِمَنْزِلَة قَوْله: مَا كَانَ فِيهَا أحد خيرا مِنْك لِأَنَّك لَو حذفت فِيهَا كَانَ كلَاما صَحِيحا. وَهَذَا الْبَيْت أوردهُ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب الْإِخْبَار عَن النكرَة بالنكرة وأمثلته فِي كَانَ وَأَخَوَاتهَا قَالَ فِيهِ: وَتقول: مَا كَانَ فِيهَا أحد خيرا مِنْك وَمَا كَانَ أحد مثلك فِيهَا وَلَيْسَ أحد فِيهَا خير مِنْك إِذا جعلت

стр. 4392

فِيهَا مُسْتَقرًّا وَلم تَجْعَلهُ على قَوْلك: فِيهَا زيد قَائِم أجريت الصّفة على الِاسْم. فَإِن جعلته على قَوْلك: فِيهَا زيد قَائِم نصبتها تَقول: مَا كَانَ فِيهَا أحد خيرا مِنْك وَمَا كَانَ أحد خيرا مِنْك فِيهَا إِلَّا أَنَّك إِذا أردْت الإلغاء فَكلما أخرت الَّذِي تلغيه كَانَ أحسن. وَإِذا أردْت أَن يكون مُسْتَقرًّا مكتفى بِهِ فَكلما قَدمته كَانَ أحسن لِأَنَّهُ إِذا كَانَ عَاملا فِي شَيْء قَدمته كَمَا تقدم أَظن وأحسب. وَإِذا ألغيته أَخَّرته كَمَا تؤخرهما لِأَنَّهُمَا ليسَا يعملان شَيْئا. والتقديم هَاهُنَا وَالتَّأْخِير والإلغاء والاستقرار عَرَبِيّ جيد كثير. فَمن ذَلِك قَوْله : وَلم) يكن لَهُ كفوا أحد. وَأهل الْجفَاء يَقُولُونَ: وَلم يكن كُفؤًا لَهُ أحد كَأَنَّهُمْ أخروها حَيْثُ كَانَت غير مُسْتَقِرَّة. قَالَ الشَّاعِر: الرجز (لتقربن قرباً جلذياً ... مَا دَامَ فِيهِنَّ فصيل حَيا) وَقد دجا اللَّيْل فهيا هيا انْتهى كَلَام سِيبَوَيْهٍ. قَالَ ابْن يعِيش: سِيبَوَيْهٍ يُسَمِّي الظّرْف الْوَاقِع خَبرا: مُسْتَقرًّا لِأَنَّهُ يقدر باستقر وَإِن لم يكن خَبرا سَمَّاهُ لَغوا. وَتَقْدِيم الظّرْف وتأخيره إِذا كَانَ مُسْتَقرًّا جَائِز عِنْده وَإِنَّمَا يخْتَار تَقْدِيمه. فَإِن قيل: فَمَا تصنع بقوله سُبْحَانَهُ: وَلم يكن لَهُ كفوا أحد قدم الظّرْف . مَعَ أَنه لَغْو قيل: لما كَانَت الْحَاجة ماسة وَالْكَلَام غير مستغن عَنهُ كَأَنَّهُ خبر مقدم لذَلِك. أَلا ترى أَن قَوْله تَعَالَى: الله الصَّمد مُبْتَدأ وَخبر. وَقَوله: وَلم يكن لَهُ كفوا أحد مَعْطُوف عَلَيْهِ وَمَا عطف على الْخَبَر

стр. 4393

كَانَ فِي حكم الْخَبَر فَلذَلِك لم يكن من الْعَائِد فِي قَوْله: لَهُ بُد لِأَن الْجُمْلَة إِذا وَقعت خَبرا افْتَقَرت إِلَى الْعَائِد. قَالَ: وَأهل الْجفَاء يَقُولُونَ: وَلم يكن كُفؤًا لَهُ أحد. أَرَادَ بِأَهْل الْجفَاء الْأَعْرَاب الَّذين لم يبالوا بِخَط الْمُصحف وَلم يعلمُوا كَيفَ هُوَ. فَأَما قَوْله: مَا دَامَ فِيهِنَّ فصيل حَيا فَإِنَّهُ قدم الظّرْف هَاهُنَا وَإِن لم يكن مُسْتَقرًّا فَإِنَّهُ مُتَعَلق بالْخبر وَذَلِكَ لجَوَاز التَّقْدِيم عِنْده مَعَ أَنه قد تَدْعُو الْحَاجة إِلَيْهِ وَلَا يسوغ حذفه إِذْ حذفه يُغير الْمَعْنى وَيصير بِمَعْنى الْأَبَد كَقَوْلِك: مَا طلعت الشَّمْس. فَلَمَّا كَانَ الْمَعْنى مُتَعَلقا بِهِ صَار كالمستقر فقدمه لذَلِك. انْتهى. وَقد أورد الشَّارِح الْمُحَقق هَذَا الْكَلَام فِي آخر الْبَحْث فِي الْحُرُوف المشبهة بِالْفِعْلِ وَقَالَ: يجوز الْإِخْبَار عَن النكرَة فِي بَاب إِن وَفِي بَاب كن بالنكرة والمعرفة. وَجوزهُ أَبُو حَيَّان فِي الأول دون الثَّانِي قَالَ فِي تَذكرته: نصب إِن وَأَخَوَاتهَا للنكرات لَا ينْحَصر وَقد أخبر بالمعرفة وَهَذَا غَرِيب وَلَا يجوز فِي الِابْتِدَاء وَلَا فِي كَانَ. حكى سِيبَوَيْهٍ: إِن قَرِيبا مِنْك زيد وَإِن بَعيدا مِنْك زيد. وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ:

стр. 4394

الطَّوِيل) وَحكى: إِن ألفا فِي دراهمك بيض وَإِن بِالطَّرِيقِ أسداً رابض. وَجَاز عِنْدِي أَن يكون الْمعرفَة خَبرا عَن النكرَة هُنَا لما كَانَ الْمَعْنى وَاحِدًا وَأَنه لما كَانَ فضلَة فَكَأَنَّهُ غير مُسْند إِلَيْهِ فَجَاز تنكيره وَلما كَانَ الْخَبَر مَرْفُوعا صَار كَأَنَّهُ مُسْند إِلَيْهِ فَكَانَ معرفَة. وَذكر الْجرْمِي هَذِه الْمَسْأَلَة فِي الفرخ وَقَالَ: إِنَّه يبتدأ بالنكرة ويخبر بالمعرفة عَنْهَا فِي هَذَا الْبَاب. وَقَالَ: جَائِز ذَلِك لأَنهم لَا يقدمُونَ خبر إِن كَمَا يتسعون فِي ذَلِك فأعطوا إِن مَا منعُوا فِي كَانَ. وَقد منعُوا خبر كَانَ وَمنعُوا أَن يكون خَبَرهَا معرفَة وَاسْمهَا نكرَة فأعطوا كل وَاحِد مِنْهُمَا مَا مَنعه صَاحبه. انْتهى. وَالشَّارِح تَابع فِي ذَلِك لِابْنِ مَالك. وَكَثْرَة السماع يشْهد لصِحَّة قَوْلهمَا. وَهَذِه الأبيات الثَّلَاثَة نَسَبهَا ابْن السيرافي وَابْن خلف لِابْنِ ميادة. وَتَقَدَّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد التَّاسِع عشر من أَوَائِل الْكتاب. وَقَوله: لتقربن قَالَ ابْن السيرافي: هُوَ جَوَاب قسم مَحْذُوف وَهُوَ بِضَم الرَّاء وَكسر الْبَاء. قَالَ الْجَوْهَرِي: قربت أقرب قرَابَة مثل كتبت أكتب كِتَابَة إِذا سرت إِلَى المَاء وَبَيْنك وَبَينه لَيْلَة. وَالِاسْم الْقرب بِفتْحَتَيْنِ. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: قلت لأعرابي: مَا الْقرب قَالَ: سير اللَّيْل لورد الْغَد. قلت: مَا الطلق قَالَ: سير اللَّيْل لورد الغب. وَقَالَ: أقرب الْقَوْم فهم قاربون وَلَا يُقَال: مقربون. قَالَ أَبُو عبيد: هَذَا الْحَرْف شَاذ.

стр. 4395

أَقُول: قد سمع ثلاثية فَلَا شذوذ. وَقَالَ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش: لتقربن: لتردن. وَلَيْلَة الْقرب: لَيْلَة الْورْد. وَهَذَا خطاب لناقته. يَقُول: لتسيرن إِلَى المَاء سيراً حثيثاً. والجلذي بِضَم الْجِيم وَسُكُون اللَّام بعْدهَا ذال مُعْجمَة وَمَعْنَاهُ السَّرِيع الشَّديد فَهُوَ وصف الْقرب. وَقيل. منادى مرخم. وجلذية: اسْم نَاقَته. وَالضَّمِير فِي فِيهِنَّ عَائِد على الْإِبِل وَدلّ عَلَيْهِ سِيَاق الْكَلَام وَذكر النَّاقة فأضمر وَإِن لم يجر لَهَا ذكر. والفصيل: ولد النَّاقة وَغنما ذكره لِأَنَّهُ نَاقَته من جملَة الْإِبِل يَسُوقهَا إِلَى المَاء سوقاً حثيثاً. فَيَقُول: لَا أعذرك مَا دَامَ فِيهِنَّ فصيل يُطيق السّير. ودجا اللَّيْل: أظلم. وهيا هيا زجر لَهَا) وتصويت حَتَّى تسير أَي: مبادرة. وَلَيْسَ مِنْهُ فعل وَهِي مَكْسُورَة الأول. وَقد حكيت بِالْفَتْح. قَالَه ابْن خلف. وَقَوله: وَلَيْسَ مِنْهُ فعل يناقضه قَول الجواليقي فِي شرح أدب الْكَاتِب: يُقَال: هوى يهوي هياً وَمُقْتَضَاهُ أَنه بِالْفَتْح لَا بِالْكَسْرِ وَأَنه مصدر لَا اسْم فعل إِلَّا أَن يكون هَذَا هُوَ الأَصْل ثمَّ نقل إِلَى اسْم الْفِعْل. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ بعد السبعمائة) وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:

стр. 4396

الطَّوِيل وَإِن شِفَاء عِبْرَة مهراقة على أَنه يجوز أَن يخبر فِي بَاب إِن أَيْضا عَن النكرَة كَمَا هُنَا فَإِن شِفَاء وَقع اسْم مُنْكرا وَأخْبر عَنهُ ب عِبْرَة. قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق: وَكَذَا أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ. أَقُول: هَذَا نَصه فِي بَاب مَا يحسن عَلَيْهِ السُّكُوت فِي هَذِه الأحرف الْخَمْسَة إِن وَأَخَوَاتهَا قَالَ: وَتقول: إِن قَرِيبا مِنْك زيدا إِذا جعلت قَرِيبا مِنْك موضعا. وَإِن جعلت الأول هُوَ الآخر قلت: إِن قَرِيبا مِنْك زيد وَتقول: إِن بَعيدا مِنْك زيد. وَالْوَجْه إِذا أردْت هَذَا أَن تَقول: إِن زيدا قريب أَو بعيد مِنْك لِأَنَّهُ اجْتمع معرفَة ونكرة. (وَإِن شِفَاء عِبْرَة مهراقة ... فَهَل عِنْد رسم دارس من معول) فَهَذَا أحسن لِأَنَّهُ نكرَة. وَإِن شِئْت قلت: إِن بَعيدا مِنْك زيدا. وقلما يكون بَعيدا مِنْك ظرفا لِأَنَّك لَا تَقول: إِن بعْدك وَتقول: إِن قربك فالدنو أَشد تمكيناً فِي الظّرْف من الْبعد. انْتهى كَلَامه. وَالرِّوَايَة الْمَشْهُورَة فِي الْبَيْت: وَإِن شفائي بِالْإِضَافَة إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور الْمَعْرُوف. وَالْبَيْت من أول معلقَة امْرِئ الْقَيْس وَلم يذكر شراحها تِلْكَ الرِّوَايَة إِلَّا أَن الْخَطِيب التبريزي قَالَ: روى سِيبَوَيْهٍ هَذَا الْبَيْت وَإِن شِفَاء عِبْرَة وَاحْتج فِيهِ بِأَن النكرَة يخبر عَنْهَا بالنكرة. ويروى:) وَإِن شفائي عِبْرَة لَو سفحتها

стр. 4397

أَي: صببتها. وَلَو: لِلتَّمَنِّي لَا جَوَاب لَهَا. وَالْعبْرَة بِالْفَتْح: الدمعة وَجَمعهَا عبر كبدرة وَبدر. ومهراقة بِفَتْح الْهَاء أَي: مصبوبة. قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أدب الْكَاتِب: قد ذكر ابْن قُتَيْبَة فِي بَاب فعلت وأفعلت هرقت المَاء وأهرقته. وَقد قَالَ مثله بعض اللغويين مِمَّن لَا يحسن التصريف وتوهم أَن هَذِه الْهَاء فِي هَذِه الْكَلِمَة أصل. وَهُوَ غلط وَالصَّحِيح أَن هرقت وَأَهْرَقت فعلان رباعيان معتلان أصهلما أرقت. فَمن قَالَ: هرقت فالهاء عِنْده بدل من همزَة أفعلت كَمَا قَالُوا: أرحت الْمَاشِيَة وهرحتها وأنرت الثَّوْب وهنرته. وَمن قَالَ: أهرقت فالهاء عِنْده عوض من ذهَاب حَرَكَة عين الْفِعْل عَنْهَا ونقلها إِلَى الْفَاء لِأَن الأَصْل أريقت أَو أروقت بِالْيَاءِ أَو بِالْوَاو على الِاخْتِلَاف فِي ذَلِك ثمَّ نقلت حَرَكَة الْوَاو أَو الْيَاء إِلَى الرَّاء فَانْقَلَبَ حرف الْعلَّة ألفا لانفتاح مَا قبلهَا ثمَّ حذف لسكونه وَسُكُون الْقَاف. والساقط من أرقت يحْتَمل أَن يكون واواً فَيكون مشتقاً من راق الشَّيْء يروق وَيحْتَمل ن يكون يَاء لِأَن الْكسَائي حكى: راق المَاء يريق إِذا انصب. وَالدَّلِيل على أَن الْهَاء فِي هرقت وَأَهْرَقت لَيست فَاء الْفِعْل على مَا توهم من ظَنّهَا كَذَلِك أَنَّهَا لَو كَانَت كَذَلِك للَزِمَ أَن يجرى هرقت فِي تصريفه مجْرى ضربت فَيُقَال: هرقت أهرق هرقاً كَمَا تَقول: ضربت أضْرب ضربا أَو مجْرى غَيره من الْأَفْعَال الثلاثية الَّتِي يَجِيء مضارعها بِضَم الْعين وتجيء مصادرها مُخْتَلفَة. وَكَانَ يلْزم أَن يجرى أهرقت فِي تصريفه مجْرى أكرمت وَنَحْوه من الْأَفْعَال الرّبَاعِيّة المصححة

стр. 4398

وَلم تقل الْعَرَب شَيْئا من ذَلِك وَإِنَّمَا يَقُولُونَ فِي تصريف هرقت أهريق يفتحون الْهَاء وَكَذَلِكَ يفتحونها فِي اسْم الْفَاعِل فَيَقُولُونَ: مهريق وَفِي سم الْمَفْعُول مهراق لِأَنَّهَا بدل من همزَة لَو ثبتَتْ فِي تصريف الْفِعْل لكَانَتْ مَفْتُوحَة. أَلا ترى أَنَّك لَو صرفت أرقت على مَا يَنْبَغِي من التصريف وَلم تحذف الْهمزَة مِنْهُ لَقلت فِي مضارعه يؤريق وَفِي اسْم فَاعله مؤريق وَفِي اسْم مَفْعُوله مؤريق. وَقَالُوا فِي الْمصدر: هراقة كَمَا قَالُوا إِرَاقَة.) وَإِذا صرفُوا أهرقت قَالُوا فِي الْمُضَارع أهريق وَفِي الْمصدر إهراقة وَفِي اسْم الْفَاعِل مهريق وَفِي اسْم الْمَفْعُول مهراق فأسكنوا الْهَاء فِي جَمِيع تصريف الْكَلِمَة. فَهَذَا يدل على أَنه رباعي معتل وَلَيْسَ بِفعل صَحِيح وَأَن الْهَاء فِيهِ بدل من همزَة. أرقت أَو عوض كَمَا قُلْنَا. قَالَ العديل بن الفرخ: الطَّوِيل (فَكنت كمهريق الَّذِي فِي سقائه ... لرقراق آل فَوق رابية صلد) وَقَالَ ذُو الرمة: الطَّوِيل فَلَمَّا دنت إهراقة المَاء أنصتت وَقَالَ الْأَعْشَى فِي أَرَاك:

стр. 4399

الْخَفِيف انْتهى كَلَامه ولجودته سقناه بِتَمَامِهِ. وَقَوله: فَهَل عِنْد رسم ... . إِلَخ الرَّسْم: الْأَثر. والدارس: المنطمس. وَالْفَاء فِي جَوَاب شَرط مُقَدّر قَالَ ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة: وَمن ذَلِك قَول امْرِئ الْقَيْس: وَإِن شقائي عِبْرَة ... ... ... ... . الْبَيْت فَفِي قَوْله معول مذهبان: أَحدهمَا: أَنه مصدر عولت بِمَعْنى: أعولت أَي: بَكَيْت. أَي: فَهَل عِنْد رسم دارس من إعوال وبكاءٍ. وَالْآخر: أَنه مصدر عولت على كَذَا أَي: اعتمدت عَلَيْهِ كَقَوْلِهِم: إِنَّمَا عَلَيْك معولي أَي: اتكالي. وعَلى أَي الْأَمريْنِ حملت الْمعول فدخول الْفَاء على: فَهَل عِنْد رسم حسن جميل أما على الأول فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِن شفائي أَن أسفح عبرتي. ثمَّ خَاطب نَفسه أَو صَاحِبيهِ فَقَالَ: إِذا كَانَ الْأَمر على مَا قدمت من أَن فِي الْبكاء شِفَاء وجدي فَهَل من بكاء أشفي بِهِ غليلي فَهَذَا ظَاهره اسْتِفْهَام لنَفسِهِ وَمَعْنَاهُ التحضيض لَهَا على الْبكاء كَمَا تَقول: قد أَحْسَنت إِلَيّ فَهَل أشكرك أَي: فلأشكرنك. وَقد زرتني فَهَل أكافئك أَي: فلأكافئنك. وَإِذا خَاطب صَاحِبيهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: قد عرفتكما سَبَب شفائي وَهُوَ الْبكاء والإعوال فَهَل تعولان وتبكيان معي لأشفي وجدي ببكائكما. فَهَذَا التَّفْسِير على قَول من قَالَ: إِن معولي بِمَنْزِلَة إعوالي.) وَالْفَاء عقدت آخر الْكَلَام بأوله لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ قَالَ: إِن كنتما قد عرفتما مَا أوثره من الْبكاء فابكيا معي. كَمَا أَنه إِذا استفهم نَفسه فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِذا كنت قد علمت أَن فِي الإعوال رَاحَة لي فَلَا عذر لي فِي ترك الْبكاء. وَأما من جعل معولي بِمَعْنى تعويل على كَذَا أَي: اعتمادي واتكالي عَلَيْهِ فَوجه دُخُول الْفَاء على فَهَل فِي قَوْله: أَنه لما قَالَ: إِن شفائي عِبْرَة

стр. 4400

مهراقة فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا راحتي فِي الْبكاء فَمَا معنى اتكالي فِي شِفَاء غليلي على رسم دارس لَا غناء عِنْده عني. فسبيلي أَن أقبل على بُكَائِي وَلَا أعول فِي برد غليلي على مَا لَا غناء عِنْده. وَهَذَا أَيْضا معنى يحْتَاج مَعَه إِلَى الْفَاء لتربط آخر الْكَلَام بأوله فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِذا كَانَ شفائي إِنَّمَا هُوَ فِي فيض دمعي فسبيلي أَن لَا أعول على رسم دارس فِي دفع حزني وَيَنْبَغِي أَن أجد فِي الْبكاء الَّذِي هُوَ سَبَب الشِّفَاء. انْتهى كَلَامه. وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن هِشَام وَهل بِالْوَاو قَالَ فِي الْمُغنِي فِي بحث هَل وَفِي عطف الْإِنْشَاء على الْخَبَر من الْبَاب الرَّابِع: إِن هَل فِيهِ للنَّفْي وَلذَا صَحَّ الْعَطف إِذْ لَا يعْطف الْإِنْشَاء على الْخَبَر. وَقد تقدم فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالتسْعين بعد الْمِائَة عَن الباقلاني فِي إعجاز الْقُرْآن أَن هَذَا الْبَيْت مُنَاقض لما قبله فَرَاجعه. وترجمة امْرِئ الْقَيْس تقدّمت فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ. وَأنْشد بعده: الوافر يكون مزاجها عسل وَمَاء على أَنه يجوز أَن يخبر فِي بَابي كَانَ وَإِن بِمَعْرِِفَة عَن نكرَة فِي الِاخْتِيَار كَمَا هُنَا فَإِن مزاجها رُوِيَ بِالنّصب على أَنه خبر مقدم وَهُوَ معرفَة وَعسل اسْم كَانَ مُؤخر وَهُوَ نكرَة.

стр. 4401

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: لَا يجوز هَذَا إِلَّا فِي ضَرُورَة الشّعْر. وَهَذَا مَذْهَب ابْن جني قَالَ فِي الْمُحْتَسب: رُوِيَ عَن عَاصِم أَنه قَرَأَ: وَمَا كَانَ صلاتَهم عِنْد الْبَيْت نصبا إِلَّا مكاءٌ وتصديةٌ رفعا. ولحنه الْأَعْمَش. وَقد رُوِيَ هَذَا الْحَرْف أَيْضا عَن أبان بن تغلب أَنه قَرَأَهُ كَذَلِك. ولسنا ندفع أَن جعل اسْم كَانَ نكرَة وخبرها معرفَة قَبِيح فَإِنَّمَا جَاءَت مِنْهُ أَبْيَات شَاذَّة وَهُوَ فِي) ضَرُورَة الشّعْر أعذر وَالْوَجْه اخْتِيَار الْأَفْصَح الأعرب وَلَكِن وَرَاء ذَلِك مَا أذكرهُ. اعْلَم أَن نكرَة الْجِنْس تفِيد مفَاد مَعْرفَته. أَلا ترى أَنَّك تَقول: خرجت فَإِذا أَسد بِالْبَابِ فتجد مَعْنَاهُ معنى قَوْلك: خرجت فَإِذا الْأسد بِالْبَابِ لَا فرق بَينهَا. وَذَلِكَ أَنَّك فِي الْمَوْضِعَيْنِ لَا تُرِيدُ أسداً وَاحِدًا معينا وَإِنَّمَا تُرِيدُ خرجت فَإِذا بِالْبَابِ وَاحِد من هَذَا الْجِنْس. وَإِذا كَانَ كَذَلِك جَازَ هُنَا الرّفْع فِي مكاء وتصدية جَوَازًا قَرِيبا حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ: وَمَا كَانَ صلَاتهم عِنْد الْبَيْت إِلَّا مكاءُ والتصديةُ أَي: إِلَّا هَذَا الْجِنْس من الْفِعْل. وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يجر هَذَا مجْرى قَوْلك: كَانَ قَائِم أَخَاك وَكَانَ جَالس أَبَاك لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي جَالس وقائم من معنى الجنسية الَّتِي تلاقي معنيا نكرتها ومعرفتها. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يجوز مَعَ النَّفْي من جعل اسْم كَانَ وَأَخَوَاتهَا نكرَة مَا لَا يجوز مَعَ الْإِيجَاب فَكَذَلِك هَذِه الْقِرَاءَة لما

стр. 4402

دَخلهَا النَّفْي قوي وَحسن جعل اسْم كَانَ نكرَة. هَذَا إِلَى مَا ذكرنَا من مشابهة نكرَة اسْم الْجِنْس لمعرفته. وَلِهَذَا ذهب بَعضهم فِي قَول حسان: (كَأَن سبيئة من بَيت رَأس ... يكون مزاجها عسل وَمَاء) أَنه إِنَّمَا جَازَ ذَلِك من حَيْثُ كَانَ عسل ومكاء جِنْسَيْنِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: يكون مزاجها الْعَسَل وَالْمَاء. فَبِهَذَا تسهل هَذِه الْقِرَاءَة وَلَا تكون من الْقبْح واللحن الَّذِي ذهب إِلَيْهِ الْأَعْمَش. انْتهى. وَإِلَيْهِ أَيْضا ذهب ابْن السَّيِّد فِي أَبْيَات الْمعَانِي قَالَ: هَذَا لَا يجوز إِلَّا فِي ضَرُورَة الشّعْر فَأَما فِي الْكَلَام فَلَا يجوز. وَقَالَ اللَّخْمِيّ: حسن ذَلِك أَن مزاجاً مُضَاف إِلَى ضمير نكرَة. قَالَ السيرافي عِنْدَمَا أنْشد سِيبَوَيْهٍ: الوافر أظبي كَانَ أمك أم حمَار إِن ضمير النكرَة لَا تستفيد مِنْهُ إِلَّا نكرَة. أَلا ترى إِذا قلت: مَرَرْت بِرَجُل فكلمته لم تكن الْهَاء بموجبة تعريفاً لشخص بِعَيْنِه وَإِن كَانَت معرفَة من حَيْثُ علم الْمُخَاطب أَنَّهَا ترجع إِلَى ذَلِك المنكور. انْتهى. وَقَالَ ابْن خلف: فِي هَذَا أَرْبَعَة أَقْوَال: قيل هُوَ على وَجه الضَّرُورَة وَقيل: أَرَادَ مزاجاً لَهَا فَنوى) بِالْإِضَافَة الِانْفِصَال فَأخْبر بنكرة عَن نكرَة. وَقَالَ أَبُو عَليّ: نصب مزاجها على الظّرْف الساد مسد الْخَبَر كَأَنَّهُ قَالَ: يكون مُسْتَقرًّا فِي مزاجها. فَإِذا كَانَ ظرفا تعلق بِمَحْذُوف يكون

стр. 4403

الناصب لَهُ وَقدم على عسل وَمَاء كعادتهم فِي ثمَّ نقل تَوْجِيه ابْن جني. وَكَذَلِكَ نقل اللَّخْمِيّ عَنهُ قَالَ: وَعَن أبي عَليّ أَن مزاجها ينْتَصب على الظّرْف تَقْدِيره على الْمَعْنى: يكون مَكَان مزاجها عسل وَمَاء. قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: وتأويله الْفَارِسِي على أَن انتصاب المزاج على الظَّرْفِيَّة المجازية. وَزعم شَارِحه ابْن الملا أَن كَانَ على تَأْوِيل أبي عَليّ تكون تَامَّة. وَذهب الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمفصل إِلَى أَن هَذَا وَنَحْوه من الْقلب الَّذِي شجع عَلَيْهِ أَمن الإلباس. وَإِلَيْهِ جنح ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي قَالَ فِي الْبَاب الثَّامِن: من فنون كَلَامهم الْقلب وَأكْثر وُقُوعه فِي الشّعْر. وَأنْشد الْبَيْت. وَقَالَ فِي الْبَاب الرَّابِع مِنْهُ: إِنَّه ضَرُورَة. وَلم يذكر الْقلب. وَرُوِيَ فِي الْبَيْت رفع مزاجها وَنصب عسل وَرفع مَاء وبرفع الْجَمِيع. وَقد تقدم كُله مشروحاً مَعَ القصيدة فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ بعد السبعمائة. وَأنْشد بعده: الوافر وَلَا يَك موقف مِنْك الوداعا

стр. 4404

لما تقدم قبله من أَنه يجوز فِي الِاخْتِيَار أَن يخبر عَن نكرَة بِمَعْرِِفَة فِي ذَيْنك الْبَابَيْنِ. قَالَ ابْن مَالك فِي التسهيل: وَقد يخبر هُنَا وَفِي بَاب إِن بِمَعْرِِفَة عَن نكرَة اخْتِيَارا. وَقَالَ فِي شَرحه: لما كَانَ الْمَرْفُوع هُنَا مشبهاً بالفاعل والمنصوب مشبهاً بالمفعول جَازَ أَن يُغني هُنَا تَعْرِيف الْمَنْصُوب عَن تَعْرِيف الْمَرْفُوع كَمَا جَازَ فِي بَاب الْفَاعِل لَكِن بِشَرْط الْفَائِدَة وَكَون النكرَة غير مَحْضَة. من ذَلِك قَول حسان: يكون مزاجها عسل وَمَاء وَلَيْسَ بمضطر إِذْ يُمكنهُ أَن يَقُول: مزاجها بِالرَّفْع فَيجْعَل اسْم يكون ضمير الشَّأْن. وَقَول الْقطَامِي: وَلَا يَك موقف مِنْك الوداعا وَلَيْسَ بمضطر إِذْ لَهُ ن يَقُول: وَلَا يَك موقفي. والمحسن لهَذَا شبه الْمَرْفُوع بالفاعل والمنصوب) بالمفعول. وَقد حمل هَذَا الشّبَه فِي بَاب إِن كَقَوْل الفرزدق: الطَّوِيل (وَإِن حَرَامًا أَن أسب مجاشعاً ... بآبائي الشم الْكِرَام الخضارم) انْتهى. وَهَذَا مَبْنِيّ على تَفْسِير الضَّرُورَة بِمَا لَا مندوحة للشاعر عَنهُ. وَهَذَا

стр. 4405

فَاسد من وُجُوه تقدم بَيَانهَا فِي شرح أول شَاهد. وَعند الْجُمْهُور هُوَ من الضَّرُورَة وَمَعْنَاهَا مَا وَقع فِي الشّعْر سَوَاء كَانَ عَنهُ مندوحة أَو لَا. قَالَ اللَّخْمِيّ: جعل موقفا وَهُوَ نكرَة اسْم يَك والوداع وَهُوَ معرفَة الْخَبَر ضَرُورَة لإِقَامَة الْوَزْن. وَحسن الضَّرُورَة فِيهِ ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَن النكرَة قد قربت من الْمعرفَة بِالصّفةِ. وَالثَّانِي: أَن الْمصدر جنس فمفاد نكرته ومعرفته وَاحِد. وَالثَّالِث: أَن الْخَبَر هُوَ الْمُبْتَدَأ فِي الْمَعْنى. وَقَالَ صَاحب اللّبَاب: وهما أَي: الْمَرْفُوع والمنصوب بكان على شرائطهما فِي بَاب الِابْتِدَاء. وَزعم بعض المنتمين إِلَى هَذِه الصَّنْعَة أَن بِنَاء الْكَلَام على بعضهما من غير تَقْدِير دُخُول على الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر سَائِغ بِدَلِيل قَوْله: وَلَا يَك موقف مِنْك الوداعا وَلَيْسَ بمحمول على الضَّرُورَة إِذْ لَا يتم الْمَعْنى الْمَقْصُود إِلَّا هَكَذَا إِذْ لَو عرفهما لم يؤد أَنه لم يرخص أَن يكون مَا سوى ذَلِك من المواقف وداعاً. وَلَو نكرهما لم يؤد أَن الْوَدَاع قد كره إِلَيْهِ حَتَّى صَار نصب عَيْنَيْهِ. وَلَو عرف الأول ونكر الثَّانِي لجمع بَين الهجنتين. وَالْجَوَاب بعد تَسْلِيم جَمِيع مَا ذكره أَنه لَو أَرَادَ إِيرَاد هَذَا الْمَعْنى بطرِيق النَّفْي دون النَّهْي لَا بُد أَن يَقُول: مَا موقف مِنْك الْوَدَاع بِعَين مَا ذكره. على أَن

стр. 4406

الْمَقْصُود أَن لَا يكون الْوَدَاع موقفا مِنْهَا يكون مزاجها عسل وَمَاء انْتهى. أَرَادَ بالهجنتين ترخيص كَون مَا سوى هَذَا الْموقف الْمعِين موقف وداع وفوات النُّكْتَة المستفادة من تَعْرِيف الْوَدَاع. وَحَاصِله أَنه لما اخْتَار أَو وجود شَرَائِط الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر فِي هَذِه الْأَفْعَال لَازم ذهب إِلَى أَن الْبَيْت مَحْمُول على الضَّرُورَة لِأَنَّهَا دعت إِلَى الْقلب.) وَأجَاب عَن اسْتِدْلَال الْمُخَالف بِوَجْهَيْنِ: الأول: أَن يُقَال: لَا نسلم أَنَّهُمَا إِن كَانَا معرفتين يلْزم قبح لِأَن مبناه أَن اللَّام فِي الْموقف للْعهد وَهُوَ مَمْنُوع لجَوَاز أَن تكون للْجِنْس أَي: لَا يَك جنس الْموقف الْوَدَاع. وَفِيه عُمُوم سلمناه لَكِن لَا نسلم أَنَّهُمَا إِن كَانَا منكرين يلْزم قبح لِأَنَّهُ مَبْنِيّ على أَن اللَّام فِي الْوَدَاع للْعهد إِلَى الشَّيْء الْمُكْره عِنْده وَهُوَ مَمْنُوع لجَوَاز كَونه للْجِنْس. سلمناه لكنه منقوض بِنَقْض إجمالي وتوجيهه لَو صَحَّ مَا ذكرت لَكَانَ الْوَاجِب أَن يُقَال عِنْد إِرَادَة هَذَا الْمَعْنى بطرِيق النَّفْي دون النَّهْي: مَا موقف مِنْك الْوَدَاع بِعَين مَا ذكرت. لَكِن التَّالِي بَاطِل لِأَن تنكير الْمُبْتَدَأ وتعريف الْخَبَر بعد النَّفْي لَيْسَ حد الْكَلَام الَّذِي يجب أَن يكون عَلَيْهِ الِاتِّفَاق. وعَلى هَذَا كَانَ الْوَدَاع اسْم كَانَ

стр. 4407

والموقف خَبره فَقلب بِأَن جعل الِاسْم خَبرا وَالْخَبَر اسْما وَالْقلب مِمَّا يشجع عَلَيْهِ عِنْد أَمن الالتباس. وَهَذَا المصراع عجز وصدره: قفي قبل التَّفَرُّق يَا ضباعا وَالْبَيْت مطلع قصيدة للقطامي تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ بعد السبعمائة) وَهُوَ من شَوَاهِد س: الطَّوِيل (أسكران كَانَ ابْن المراغة إِذْ هجا ... تميماً بجوف الشَّام أم متساكر) على أَن سِيبَوَيْهٍ مثل بِهِ للإخبار عَن النكرَة بالمعرفة. وَهَذَا نَصه: اعْلَم أَنه إِذا وَقع فِي الْبَاب نكرَة وَمَعْرِفَة فَالَّذِي تشغل بِهِ كَانَ الْمعرفَة لِأَنَّهُ حد الْكَلَام وَلِأَنَّهُمَا شَيْء وَاحِد وَلَيْسَ بِمَنْزِلَة قَوْلك: ضرب رجل زيدا لِأَنَّهُمَا شَيْئَانِ مُخْتَلِفَانِ وهما فِي كَانَ بمنزلتهما فِي الِابْتِدَاء. فَإِذا قلت: كَانَ زيد فقد ابتدأت بِمَا هُوَ مَعْرُوف عِنْده مثله عنْدك وَإِنَّمَا ينْتَظر الْخَبَر. فَإِذا قلت: حَلِيمًا فقد أعلمته مثل مَا علمت. فَإِذا قلت: كَانَ حَلِيمًا فَإِنَّمَا ينْتَظر أَن تعرفه صَاحب الصّفة فَهُوَ مبدوء بِهِ فِي الْفِعْل وَإِن كَانَ مُؤَخرا فِي اللَّفْظ. فَإِن قلت: كَانَ حَلِيم

стр. 4408

أَو رجل فقد بدأت بنكرة فَلَا يَسْتَقِيم أَن تخبر الْمُخَاطب عَن المنكور. وَلَا يبْدَأ بِمَا فِيهِ يكون اللّبْس وَهُوَ النكرَة. أَلا ترى أَنَّك لَو قلت: كَانَ حَلِيمًا أَو كَانَ رجل مُنْطَلقًا كنت تلبس لِأَنَّهُ لَا يستنكر أَن يكون إِنْسَان هَكَذَا. فكرهوا أَن يبدؤوا باللبس ويجعلوا الْمعرفَة خَبرا لما يكون فِي هَذَا اللّبْس. وَقد يجوز فِي الشّعْر فِي ضعف من الْكَلَام. حملهمْ على ذَلِك أَنه فعل بِمَنْزِلَة ضرب وَأَنه قد يعلم إِذا ذكرت زيدا وَجَعَلته خَبرا أَنه صَاحب الصّفة على ضعف من الْكَلَام. وَذَلِكَ قَول خِدَاش بن زُهَيْر: الوافر (فَإنَّك لَا تبالي بعد حول ... أظبي كَانَ أمك أم حمَار) وَقَالَ حسان: الوافر (كَأَن سبيئة من بَيت رَأس ... يكون مزاجها عسل وَمَاء) وَقَالَ أَبُو قيس بن الأسلت الْأنْصَارِيّ: الوافر وَقَالَ الفرزدق: (أسكران كَانَ ابْن المراغة إِذْ هجا ... تميماً بجوف الشَّام أم متساكر) فَهَذَا إنشاد بَعضهم. وَأَكْثَرهم ينصب بالسكران وَيرْفَع الآخر على قطع وَابْتِدَاء. انْتهى كَلَام سِيبَوَيْهٍ.) وَقَوله: وَأَكْثَرهم ينصب السَّكْرَان أَي: وَيرْفَع ابْن المراغة على أَنه اسْم كَانَ وَيكون الْخَبَر مقدما وَهُوَ سَكرَان. وعَلى هَذَا لَا قبح. وَقَوله: وَيرْفَع الآخر هُوَ متساكر وَيكون رَفعه على الْقطع بجعله خبر

стр. 4409

مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: أم هُوَ متساكر فَتكون أم مُنْقَطِعَة. وَإِذا رفع سَكرَان وَنصب ابْن المراغة وَهَذِه مَسْأَلَتنَا فَفِيهِ قبح لضَرُورَة الشّعْر لِأَنَّهُ جعل اسْم كَانَ ضمير سَكرَان وَهُوَ نكرَة وَيكون ابْن المراغة خبر كَانَ فَيكون قد أخبر بِمَعْرِِفَة عَن نكرَة ويرتفع سَكرَان حِينَئِذٍ بكان محذوفة كَمَا يَأْتِي بَيَانه وَيكون متساكر مَعْطُوفًا عَلَيْهِ وعَلى هَذَا أم مُتَّصِلَة وَيكون الْعَطف من عطف مُفْرد على مُفْرد وَالْجُمْلَة وَاحِدَة. وعَلى الأول جملتان. وَإِنَّمَا قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق: وَأورد سِيبَوَيْهٍ للتمثيل بالإخبار عَن النكرَة بالمعرفة وَلم يقل: اسْتشْهد للإخبار لِأَن سِيبَوَيْهٍ لم يذهب إِلَى أَن هَذَا جَائِز فِي الِاخْتِيَار حَتَّى يستشهد لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ قَبِيح خَاص بالشعر لم يرتضه فِي الْكَلَام. فأورد هَذِه الأبيات أَمْثِلَة لما استقبحه فِي الشّعْر. وَقد رُوِيَ رفع ابْن المراغة مَعَ رفع سَكرَان فَيكون الْمُعَرّف على هَذَا مُبْتَدأ وَالْمُنكر خَبرا وَكَانَ زَائِدَة. وَجوز ابْن خلف أَن يضمر فِي كَانَ ضمير الشَّأْن. وَهَذَا خطأ تبع فِيهِ يُوسُف بن السيرافي فِي شَرحه لشواهد سِيبَوَيْهٍ. قَالَ ابْن هِشَام: وَضمير الشَّأْن يعود على مَا بعده لُزُوما وَلَا يجوز للجملة المفسرة لَهُ أَن تتقدم هِيَ وَلَا شَيْء مِنْهَا عَلَيْهِ. وَقد غلظ يُوسُف بن السيرافي إِذْ قَالَ فِي قَوْله: أسكران كَانَ ابْن المراغة إِذْ هجا الْبَيْت

стр. 4410

فِيمَن رفع سَكرَان وَابْن المراغة: إِن كَانَ شأنية وَابْن المراغة وسكران مُبْتَدأ وَخَبره وَالْجُمْلَة خبر كَانَ. وَالصَّوَاب أَن كَانَ زَائِدَة. وَالْأَشْهر فِي إنشاده نصب سَكرَان وَرفع ابْن المراغة فارتفاع متساكر على نه خبر لَهو محذوفاً. ويروى بِالْعَكْسِ فاسم كَانَ مستتر فِيهَا. انْتهى. قَوْله: أسكران رفع بِفعل مُضْمر تكون كَانَ تَفْسِيرا لَهُ ودليلاً عَلَيْهِ. وَحسن الرّفْع فِي هَذَا) لموْضِع لِأَن التَّقْدِير: أَكَانَ سَكرَان ابْن المراغة فاستفهم عَن سكره لَا عَنهُ فِي نَفسه. وَإِذا كَانَ كَذَلِك كَانَ الأولى أَن يرفع لِأَن النكرَة لما دَخلهَا هَذَا الْمَعْنى من أَن الْقَصْد إِنَّمَا وَقع إِلَيْهَا وَجب أَن يكون الرّفْع فَترفع بكان. وَكَذَلِكَ قَول الآخر: أظبي كَانَ أمك أم حمَار انْتهى. وَمثله لِابْنِ جني فِي الخصائص قَالَ: وَقد حذف خبر كَانَ فِي قَوْله: أسكران كَانَ ابْن المراغة الْبَيْت أَلا ترى أَن تَقْدِيره: أَكَانَ سَكرَان ابْن المراغة فَلَمَّا حذف الْفِعْل فسره بِالثَّانِي وَابْن المراغة الْمَذْكُور خبر كَانَ الظَّاهِرَة وَخبر كَانَ المضمرة مَحْذُوف مَعهَا لِأَن كَانَ الثَّانِيَة دلّت على الأولى. وَكَذَلِكَ الْخَبَر الثَّانِي الظَّاهِر دلّ على الْخَبَر الأول الْمَحْذُوف. انْتهى. وَزعم ابْن الملا الْحلَبِي فِي شرح الْمُغنِي أَن سَكرَان مُبْتَدأ. قَالَ:

стр. 4411

وَصحت ابتدائيته مَعَ نكارته لوُقُوعه فِي حيّز الِاسْتِفْهَام وَأَن جملَة كَانَ ابْن المراغة خَبره. هَذَا كَلَامه. وَالْبَيْت من قصيدة للفرزدق هجا بهَا جَرِيرًا. وَأَرَادَ بِابْن المراغة جَرِيرًا وَكَانَ الفرزدق قد لقب أمه بالمراغة ونسبها إِلَى أَنَّهَا راعية حمير. والمراغة: الأتان الَّتِي لَا تمْتَنع من الفحول. وَإِذ: ظرف يتَعَلَّق بكان وفاعل هجا ضمير ابْن المراغة. وَأَرَادَ بتميم هَاهُنَا: بني دارم بن مَالك بن حَنْظَلَة وهم رَهْط الفرزدق وَجَرِير من رَهْط كُلَيْب بن يَرْبُوع بن حَنْظَلَة. فَلم يعْتد الفرزدق برهط جرير فِي تَمِيم احتقاراً لَهُم. وَأَرَادَ بجوف الشَّام: داخلها. وروى أَبُو عَليّ وَابْن جني وَغَيرهمَا: بِبَطن الشَّام وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. وَرُوِيَ: بجو الشَّام وَهَذَا تَحْرِيف. وترجمة الفرزدق تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ من أَوَائِل الْكتاب. وانشد بعده: الوافر (فَإنَّك لَا تبالي بعد حول ... أظبي كَانَ أمك أم حمَار) لما تقدم قبله. فاسم كَانَ ضمير ظَبْي وَهُوَ نكرَة وأمك بِالنّصب خَبَرهَا وَهُوَ معرفَة. وظبي اسْم لَكَانَ) المضمرة الْمَدْلُول علها بكان الْمَذْكُورَة وَهُوَ نكرَة أَيْضا وَخبر المحذوفة مَحْذُوف أَيْضا مَدْلُول عَلَيْهِ بِخَبَر الْمَذْكُورَة كَمَا تقدم عَن ابْن جني. قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي الأول أولى لِأَن همزَة الِاسْتِفْهَام بالجمل

стр. 4412

الفعلية أولى مِنْهَا بالاسمية. وَعَلَيْهِمَا فاسم كَانَ ضمير رَاجع إِلَيْهِ. وَقَول سِيبَوَيْهٍ إِنَّه أخبر عَن النكرَة بالمعرفة وَاضح على الأول لِأَن ظَبْيًا الْمَذْكُور اسْم كَانَ وَخَبره أمك وَأما على الثَّانِي فخبر ظَبْي إِنَّمَا هُوَ الْجُمْلَة والجمل نكرات وَلَكِن يكون مَحل الاستشهاد قَوْله: كَانَ أمك على أَن ضمير النكرَة عِنْده نكرَة. انْتهى. وَذهب صَاحب الْمِفْتَاح إِلَى أَن تنكير الْمسند إِلَيْهِ غير مَوْجُود بالاستقراء. وَأما هَذَا الْبَيْت وَنَحْوه فتنكير الْمسند إِلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ فِي ظَبْي إِذا ارْتَفع بالمضمر لَا فِي ضمير كَانَ الْعَائِد عَلَيْهِ. وَهُوَ وراد على الْقلب وَالْأَصْل: أظبياً كَانَ أمك أم حمارا قَالَ: إِن كَون الْمسند إِلَيْهِ نكرَة والمسند معرفَة سَوَاء قُلْنَا: يمْتَنع عقلا أَو يَصح عقلا لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب وَأما مَا جَاءَ من نَحْو قَوْله: وَلَا يَك موقف مِنْك الوداعا وَقَوله: يكون مزاجها عسل وَمَاء أظبي كَانَ أمك أم حمَار

стр. 4413

فَمَحْمُول على منوال: عرضت النَّاقة على الْحَوْض. وأصل الِاسْتِعْمَال: وَلَا بك موقفا مِنْك الْوَدَاع وَيكون مزاجها عسلاً وَمَاء وأظبياً كَانَ أمك أم حمارا. وَلَا تَظنن بَيت الْكتاب خَارِجا عَمَّا نَحن فِيهِ ذَهَابًا إِلَى أَن اسْم كَانَ هُوَ الضَّمِير وَالضَّمِير معرفَة فَلَيْسَ المُرَاد كَانَ أمك وَإِنَّمَا المُرَاد ظَبْي بِنَاء على أَن ارتفاعه بِالْفِعْلِ الْمُفَسّر لَا بِالِابْتِدَاءِ. وَلذَلِك قَدرنَا الأَصْل على مَا ترى. انْتهى. وَاخْتَارَ السعد فِي المطول هَذَا الْأَخير فَلَيْسَ فِيهِ قلب لَفْظِي وَإِنَّمَا يكون فِيهِ قلب معنوي. قَالَ: قيل: إِنَّه قلب من جِهَة اللَّفْظ بِنَاء على أَن ظَبْي مَرْفُوع بكان الْمقدرَة لَا بِالِابْتِدَاءِ فَصَارَ الِاسْم نكرَة وَالْخَبَر معرفَة.) وَالْحق أَن ظَبْي مُبْتَدأ وَكَانَ أمك خَبره فَحِينَئِذٍ لَا قلب فِيهِ من جِهَة اللَّفْظ لِأَن اسْم كَانَ ضمير وَالضَّمِير معرفَة. نعم فِيهِ قلب من جِهَة الْمَعْنى لِأَن الْمخبر عَنهُ فِي الأَصْل هُوَ الْأُم. انْتهى. وَيشْهد للقلب مَا رَوَاهُ ابْن خلف فِي شرح شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ قَالَ: وَقد ينشد: أظبياً كَأَن أمك أم حمَار على أَنه جعل اسْم كَانَ معرفَة وخبرها نكرَة فَهَذَا جيد إِلَّا أَنه كَانَ يجب أَن ينصب حمَار لِأَنَّهُ مَعْطُوف على ظَبْي. فَيجوز رَفعه على إِضْمَار مُبْتَدأ. قَالَ الْمبرد فِي كِتَابه الْجَامِع: والأجود فِي هَذِه الأبيات نصب الْأَخْبَار الْمُقدمَة وَرفع المعارف وَرفع القوافي على قطع وَابْتِدَاء. انْتهى. وَالْبَيْت من أَبْيَات لثروان بن فَزَارَة العامري الصَّحَابِيّ وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهَا مفصلا فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعِشْرين بعد الْخَمْسمِائَةِ.

стр. 4414

وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الثَّالِث وَالْأَرْبَعُونَ بعد السبعمائة) وَهُوَ من شَوَاهِد س: الوافر (أَلا من مبلغ حسان عني ... أطب كَانَ سحرك أم جُنُون) لما تقدم قبله وَالْكَلَام فِيهِ كَمَا تقدم. والطب بِالْكَسْرِ قَالَ الأعلم: هُوَ هُنَا الْعلَّة وَالسَّبَب أَي: أسحرت فَكَانَ ذَلِك سَبَب هجائك أم جننت. وسحر هُنَا مصدر سحر الْمَبْنِيّ للْمَفْعُول وَهُوَ مُضَاف للْمَفْعُول. وَالْبَيْت لأبي قيس بن الأسلت الْأنْصَارِيّ. وَقد اخْتلف فِي إِسْلَامه. وَحسان هُوَ ابْن ثَابت شَاعِر النَّبِي ﷺ َ. وَكَانَ أَبُو قيس من الْأَوْس وَحسان من الْخَزْرَج وَكَانَا يتهاجيان فَقَالَ أَبُو قيس لحسان: أذهب عَنْك عقلك بِسحر حَتَّى اجترأت على هجائي أم أَصَابَك جُنُون فَلم تدر مَا صنعت. يعظم فِي نفس حسان مَا يَأْتِي من هجاء الْأَوْس وشعرائها ويتوعده بالمقارضة. وَرَوَاهُ ابْن دُرَيْد فِي الجمهرة كَذَا: أطيب كَانَ داءك أم جُنُون) وَقَالَ: الطِّبّ هُنَا: السحر. وَرُوِيَ أَيْضا: أطب كَانَ شَأْنك أم جُنُون وهما أحسن من الرِّوَايَة الأولى. وَبعده: (فلست بزائل أبدا تمنى ... بصدرك من وحاوحه فنون)

стр. 4415

والوحاوح بواوين ومهملتين: الحزازات. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الرَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ بعد السبعمائة) وَهُوَ من شَوَاهِد س: الرمل إِنَّمَا يَجْزِي الْفَتى لَيْسَ الْجمل هَذَا عجز وصدره: وَإِذا أقرضت قرضا فاجزه على أَن لَيْسَ يجوز حذف خَبَرهَا كثيرا كَهَذا الْبَيْت أَي: لَيْسَ الْجمل جازياً أَو يَجْزِي. وَقيل: إِن الْجمل هُوَ الْخَبَر وَسكن للقافية وَاسْمهَا ضمير اسْم الْفَاعِل الْمَفْهُوم من يَجْزِي أَي: لَيْسَ الجازي الْجمل فَلَا حذف فِيهِ. وَقيل: إِن لَيْسَ فِيهِ عاطفة وَقد ذكره الشَّارِح فِي لَا العاطفة وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ هُنَاكَ إِن شَاءَ الله. هَذَا وَرِوَايَة الْبَيْت عِنْد سِيبَوَيْهٍ: إِنَّمَا يَجْزِي الْفَتى غير الْجمل وَكَذَا رَوَاهُ الطوسي فِي شرح ديوَان لبيد. وأنشده سِيبَوَيْهٍ على أَن الْفَتى هُوَ معرفَة قد نعت بِغَيْر وَهِي نكرَة وَالَّذِي سوغه أَن التَّعْرِيف بِاللَّامِ يكون للْجِنْس وَلَا يخص وأحداً بِعَيْنِه فَهُوَ مقارب للنكرة وَأَن غيراً مُضَاف إِلَى معرفَة فقاربت المعارف لذَلِك.
следующие страницы →