← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

وَصحت ابتدائيته مَعَ نكارته لوُقُوعه فِي حيّز الِاسْتِفْهَام وَأَن جملَة كَانَ ابْن المراغة خَبره. هَذَا كَلَامه. وَالْبَيْت من قصيدة للفرزدق هجا بهَا جَرِيرًا. وَأَرَادَ بِابْن المراغة جَرِيرًا وَكَانَ الفرزدق قد لقب أمه بالمراغة ونسبها إِلَى أَنَّهَا راعية حمير. والمراغة: الأتان الَّتِي لَا تمْتَنع من الفحول. وَإِذ: ظرف يتَعَلَّق بكان وفاعل هجا ضمير ابْن المراغة. وَأَرَادَ بتميم هَاهُنَا: بني دارم بن مَالك بن حَنْظَلَة وهم رَهْط الفرزدق وَجَرِير من رَهْط كُلَيْب بن يَرْبُوع بن حَنْظَلَة. فَلم يعْتد الفرزدق برهط جرير فِي تَمِيم احتقاراً لَهُم. وَأَرَادَ بجوف الشَّام: داخلها. وروى أَبُو عَليّ وَابْن جني وَغَيرهمَا: بِبَطن الشَّام وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. وَرُوِيَ: بجو الشَّام وَهَذَا تَحْرِيف. وترجمة الفرزدق تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ من أَوَائِل الْكتاب. وانشد بعده: الوافر (فَإنَّك لَا تبالي بعد حول ... أظبي كَانَ أمك أم حمَار) لما تقدم قبله. فاسم كَانَ ضمير ظَبْي وَهُوَ نكرَة وأمك بِالنّصب خَبَرهَا وَهُوَ معرفَة. وظبي اسْم لَكَانَ) المضمرة الْمَدْلُول علها بكان الْمَذْكُورَة وَهُوَ نكرَة أَيْضا وَخبر المحذوفة مَحْذُوف أَيْضا مَدْلُول عَلَيْهِ بِخَبَر الْمَذْكُورَة كَمَا تقدم عَن ابْن جني. قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي الأول أولى لِأَن همزَة الِاسْتِفْهَام بالجمل

стр. 4412

الفعلية أولى مِنْهَا بالاسمية. وَعَلَيْهِمَا فاسم كَانَ ضمير رَاجع إِلَيْهِ. وَقَول سِيبَوَيْهٍ إِنَّه أخبر عَن النكرَة بالمعرفة وَاضح على الأول لِأَن ظَبْيًا الْمَذْكُور اسْم كَانَ وَخَبره أمك وَأما على الثَّانِي فخبر ظَبْي إِنَّمَا هُوَ الْجُمْلَة والجمل نكرات وَلَكِن يكون مَحل الاستشهاد قَوْله: كَانَ أمك على أَن ضمير النكرَة عِنْده نكرَة. انْتهى. وَذهب صَاحب الْمِفْتَاح إِلَى أَن تنكير الْمسند إِلَيْهِ غير مَوْجُود بالاستقراء. وَأما هَذَا الْبَيْت وَنَحْوه فتنكير الْمسند إِلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ فِي ظَبْي إِذا ارْتَفع بالمضمر لَا فِي ضمير كَانَ الْعَائِد عَلَيْهِ. وَهُوَ وراد على الْقلب وَالْأَصْل: أظبياً كَانَ أمك أم حمارا قَالَ: إِن كَون الْمسند إِلَيْهِ نكرَة والمسند معرفَة سَوَاء قُلْنَا: يمْتَنع عقلا أَو يَصح عقلا لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب وَأما مَا جَاءَ من نَحْو قَوْله: وَلَا يَك موقف مِنْك الوداعا وَقَوله: يكون مزاجها عسل وَمَاء أظبي كَانَ أمك أم حمَار

стр. 4413

فَمَحْمُول على منوال: عرضت النَّاقة على الْحَوْض. وأصل الِاسْتِعْمَال: وَلَا بك موقفا مِنْك الْوَدَاع وَيكون مزاجها عسلاً وَمَاء وأظبياً كَانَ أمك أم حمارا. وَلَا تَظنن بَيت الْكتاب خَارِجا عَمَّا نَحن فِيهِ ذَهَابًا إِلَى أَن اسْم كَانَ هُوَ الضَّمِير وَالضَّمِير معرفَة فَلَيْسَ المُرَاد كَانَ أمك وَإِنَّمَا المُرَاد ظَبْي بِنَاء على أَن ارتفاعه بِالْفِعْلِ الْمُفَسّر لَا بِالِابْتِدَاءِ. وَلذَلِك قَدرنَا الأَصْل على مَا ترى. انْتهى. وَاخْتَارَ السعد فِي المطول هَذَا الْأَخير فَلَيْسَ فِيهِ قلب لَفْظِي وَإِنَّمَا يكون فِيهِ قلب معنوي. قَالَ: قيل: إِنَّه قلب من جِهَة اللَّفْظ بِنَاء على أَن ظَبْي مَرْفُوع بكان الْمقدرَة لَا بِالِابْتِدَاءِ فَصَارَ الِاسْم نكرَة وَالْخَبَر معرفَة.) وَالْحق أَن ظَبْي مُبْتَدأ وَكَانَ أمك خَبره فَحِينَئِذٍ لَا قلب فِيهِ من جِهَة اللَّفْظ لِأَن اسْم كَانَ ضمير وَالضَّمِير معرفَة. نعم فِيهِ قلب من جِهَة الْمَعْنى لِأَن الْمخبر عَنهُ فِي الأَصْل هُوَ الْأُم. انْتهى. وَيشْهد للقلب مَا رَوَاهُ ابْن خلف فِي شرح شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ قَالَ: وَقد ينشد: أظبياً كَأَن أمك أم حمَار على أَنه جعل اسْم كَانَ معرفَة وخبرها نكرَة فَهَذَا جيد إِلَّا أَنه كَانَ يجب أَن ينصب حمَار لِأَنَّهُ مَعْطُوف على ظَبْي. فَيجوز رَفعه على إِضْمَار مُبْتَدأ. قَالَ الْمبرد فِي كِتَابه الْجَامِع: والأجود فِي هَذِه الأبيات نصب الْأَخْبَار الْمُقدمَة وَرفع المعارف وَرفع القوافي على قطع وَابْتِدَاء. انْتهى. وَالْبَيْت من أَبْيَات لثروان بن فَزَارَة العامري الصَّحَابِيّ وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهَا مفصلا فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعِشْرين بعد الْخَمْسمِائَةِ.

стр. 4414

وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الثَّالِث وَالْأَرْبَعُونَ بعد السبعمائة) وَهُوَ من شَوَاهِد س: الوافر (أَلا من مبلغ حسان عني ... أطب كَانَ سحرك أم جُنُون) لما تقدم قبله وَالْكَلَام فِيهِ كَمَا تقدم. والطب بِالْكَسْرِ قَالَ الأعلم: هُوَ هُنَا الْعلَّة وَالسَّبَب أَي: أسحرت فَكَانَ ذَلِك سَبَب هجائك أم جننت. وسحر هُنَا مصدر سحر الْمَبْنِيّ للْمَفْعُول وَهُوَ مُضَاف للْمَفْعُول. وَالْبَيْت لأبي قيس بن الأسلت الْأنْصَارِيّ. وَقد اخْتلف فِي إِسْلَامه. وَحسان هُوَ ابْن ثَابت شَاعِر النَّبِي ﷺ َ. وَكَانَ أَبُو قيس من الْأَوْس وَحسان من الْخَزْرَج وَكَانَا يتهاجيان فَقَالَ أَبُو قيس لحسان: أذهب عَنْك عقلك بِسحر حَتَّى اجترأت على هجائي أم أَصَابَك جُنُون فَلم تدر مَا صنعت. يعظم فِي نفس حسان مَا يَأْتِي من هجاء الْأَوْس وشعرائها ويتوعده بالمقارضة. وَرَوَاهُ ابْن دُرَيْد فِي الجمهرة كَذَا: أطيب كَانَ داءك أم جُنُون) وَقَالَ: الطِّبّ هُنَا: السحر. وَرُوِيَ أَيْضا: أطب كَانَ شَأْنك أم جُنُون وهما أحسن من الرِّوَايَة الأولى. وَبعده: (فلست بزائل أبدا تمنى ... بصدرك من وحاوحه فنون)

стр. 4415

والوحاوح بواوين ومهملتين: الحزازات. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الرَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ بعد السبعمائة) وَهُوَ من شَوَاهِد س: الرمل إِنَّمَا يَجْزِي الْفَتى لَيْسَ الْجمل هَذَا عجز وصدره: وَإِذا أقرضت قرضا فاجزه على أَن لَيْسَ يجوز حذف خَبَرهَا كثيرا كَهَذا الْبَيْت أَي: لَيْسَ الْجمل جازياً أَو يَجْزِي. وَقيل: إِن الْجمل هُوَ الْخَبَر وَسكن للقافية وَاسْمهَا ضمير اسْم الْفَاعِل الْمَفْهُوم من يَجْزِي أَي: لَيْسَ الجازي الْجمل فَلَا حذف فِيهِ. وَقيل: إِن لَيْسَ فِيهِ عاطفة وَقد ذكره الشَّارِح فِي لَا العاطفة وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ هُنَاكَ إِن شَاءَ الله. هَذَا وَرِوَايَة الْبَيْت عِنْد سِيبَوَيْهٍ: إِنَّمَا يَجْزِي الْفَتى غير الْجمل وَكَذَا رَوَاهُ الطوسي فِي شرح ديوَان لبيد. وأنشده سِيبَوَيْهٍ على أَن الْفَتى هُوَ معرفَة قد نعت بِغَيْر وَهِي نكرَة وَالَّذِي سوغه أَن التَّعْرِيف بِاللَّامِ يكون للْجِنْس وَلَا يخص وأحداً بِعَيْنِه فَهُوَ مقارب للنكرة وَأَن غيراً مُضَاف إِلَى معرفَة فقاربت المعارف لذَلِك.

стр. 4416

وَكَذَا أوردهُ ابْن السراج فِي الْأُصُول قَالَ: إِن غيراً لَا تدخل فِي الِاسْتِثْنَاء إِلَّا فِي الْموضع الَّذِي ضارعت فِيهِ إِلَّا.) أَلا ترى أَنَّك تَقول: مَرَرْت بِرَجُل غَيْرك وَلَا تقع إِلَّا فِي مَكَانهَا لَا يجوز أَن تَقول: جَاءَنِي رجل إِلَّا زيد تُرِيدُ غير زيد على الْوَصْف. فالاستثناء هُنَا محَال. وَلَكِن تَقول: مَا يحسن بِالرجلِ إِلَّا زيد أَن يفعل كَذَا لِأَن الرجل جنس وَمَعْنَاهُ: بِالرجلِ الَّذِي هُوَ غير زيد كَمَا قَالَ: إِنَّمَا يَجْزِي الْفَتى غير الْجمل انْتهى. وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة للبيد بن ربيعَة الصَّحَابِيّ وَقد تقدم بَعْضهَا فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالْعِشْرين بعد الْمِائَتَيْنِ. وَهَذِه أَبْيَات مِنْهَا: الرمل (اعقلي ن كنت لما تعقلي ... وَلَقَد أَفْلح من كَانَ عقل) (فَلَقَد أعوص بالخصم وَقد ... أملأ الْجَفْنَة من شَحم القلل) (وَلَقَد تحمد لما فَارَقت ... جارتي وَالْحَمْد من خير الخول) (وَغُلَام أَرْسلتهُ أمه ... بألوك فبذلنا مَا سَأَلَ) (أَو نهته فَأَتَاهُ رزقه ... فاشتوى لَيْلَة ريح واجتمل) (من شواء لَيْسَ من عارضة ... بيَدي كل هضوم ذِي نزل) (فَإِذا جوزيت قرضا فاجزه ... إِنَّمَا يَجْزِي الْفَتى لَيْسَ الْجمل) (أعمل العيس على علاتها ... إِنَّمَا ينجح أَصْحَاب الْعَمَل) (وَإِذا رمت رحيلاً فارتحل ... واعص مَا يَأْمر توصيم الكسل) ...

стр. 4417

(واكذب النَّفس إِذا حدثتها ... إِن صدق النَّفس يزري بالأمل) (غير أَن لَا تكذبنها فِي التقى ... واخزها بِالْبرِّ لله الْأَجَل) قَوْله: اعقلي إِن كنت ... إِلَخ أعوص بالخصم إِذا لوى عَلَيْهِ أمره. وَقَالَ الطوسي: أعوص: أركب بِهِ الْأَمر العويص أَي: الشَّديد. وَيُقَال: أعوص بِهِ أَي: آتيه بالعويص. وَيُقَال: أعوص بِهِ أَي: أحملهُ على العوصاء وَهِي الشدَّة. والجفنة بِفَتْح الْجِيم: الْقَصعَة. وَأَرَادَ بالقلل الأسنمة: جمع سَنَام وَالْوَاحد قلَّة. وَقلة كل شَيْء: أَعْلَاهُ وأرفعه. يَقُول: إِنِّي وَإِن شبت فَإِنِّي أَنْفَع وأضر.) وَقَوله: وَلَقَد تحمد ... . إِلَخ جارتي فَاعل تحمد. والخول بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة: الْعَطِيَّة. وَقَوله: وَغُلَام أَرْسلتهُ ... إِلَخ الْوَاو وَاو رب. والألوك بِفَتْح الْهمزَة: الرسَالَة وَمِنْه ألكني السَّلَام إِلَى فلَان أَي: أبلغ عني السَّلَام. وَقَوله: أَو نهته فَأَتَاهُ ... إِلَخ مَعْطُوف على أَرْسلتهُ أَي: رب غُلَام نهته أمه عَن السُّؤَال منا حَيَاء أَو قنوعاً فَبَعَثنَا إِلَيْهِ بِمَا اشتوى واجتمل. يُرِيد: إننا ننعم على الْفَقِير على كل حَال سَوَاء جَاءَ يطْلب أَو منع من الطّلب. يُقَال: شويت اللَّحْم واشتويته. وَإِذا شويته فنضج قلت: قد انشوى بالنُّون لَا غير. واجتمل: اتخذ الْجَمِيل بِفَتْح الْجِيم وَهُوَ الشَّحْم الْمُذَاب. يُقَال: اجتمل أَي: أذاب الشَّحْم. وَفِي الحَدِيث: لعن الله الْيَهُود حرمت عَلَيْهِم الشحوم فجملوها فَبَاعُوهَا. وَقَالَ الطوسي: وَيُقَال: اجتمل اللَّحْم أَي: طبخه بالشحم لَيْسَ مَعَه مَاء وَذَلِكَ إِذا قلاه بِهِ. وَقَوله: لَيْلَة ريح أَي: لَيْلَة برد من الشتَاء. وَهَذَا غَايَة الْكَرم فَإِن شدَّة الْعَرَب وبؤسهم فِي الشتَاء لعد النَّبَات. وَهَذَا الْبَيْت اسْتشْهد بِهِ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَلَهُم مَا يدعونَ على أَن يدعونَ افتعال من الدُّعَاء أَي: يدعونَ لأَنْفُسِهِمْ كَمَا فِي اشتوى واجتمل أَي: شوى لنَفسِهِ وجمل لنَفسِهِ. وَمثله فِي الصِّحَاح قَالَ: اشتويت: اتَّخذت شواء. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. وَقَوله: من شواء ... إِلَخ من مُتَعَلقَة باشتوى فِي الْبَيْت الْمُتَقَدّم. قَالَ صَاحب الصِّحَاح: شويت اللَّحْم شياً وَالِاسْم الشواء. والعارضة: النَّاقة الَّتِي أَصَابَهَا كسر أَو عرض فنحرت. والهضوم بِفَتْح الْهَاء وَضم الْمُعْجَمَة: الْفَتى الَّذِي يهتضم مَاله يقطع مِنْهُ وَيكسر. والنزل بِفَتْح النُّون وَالزَّاي: الْمَعْرُوف وَالْخَيْر. وَقَوله: فَإِذا أقرضت ... إِلَخ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول يُقَال: أَقْرضنِي

стр. 4418

فلَان أَي: أَعْطَانِي قرضا. وَالْقَرْض: مَا تعطيه من المَال لتقضاه. وَالْقَرْض هُنَا: مَا سلف من إِحْسَان أَو إساءة. قَالَ أُميَّة بن أبي الصَّلْت: الْبَسِيط (لَا تخلطن خبيثات بِطيبَة ... واخلع ثِيَابك مِنْهَا وانج عُريَانا) (كل امْرِئ سَوف يجزى قرضه حسنا ... أَو سَيِّئًا ومدينا كَالَّذي دانا) وَزعم الْعَيْنِيّ أَن قرضا هُنَا مفعول مُطلق.) وَقَالَ الزّجاج عِنْد تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: من ذَا الَّذِي يقْرض الله قرضا حسنا: معنى الْقَرْض فِي اللُّغَة: الْبلَاء السَّيئ وَالْبَلَاء الْحسن. الْعَرَب تَقول: لَك عِنْدِي قرض حسن وقرض سيئ. وأصل الْقَرْض مَا يُعْطِيهِ الرجل ليجازى عَلَيْهِ. وَأنْشد بَيت لبيد وَبَيت أُميَّة. وَقَوله: فاجزه أَمر من الْجَزَاء. قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: جزى يَجْزِي مثل قضى يقْضِي وزنا وَمعنى. وَفِي الدُّعَاء: جزاه الله خيرا أَي: قَضَاهُ لَهُ وأثابه عَلَيْهِ وجزيت الدَّين: قَضيته. وَرُوِيَ: فَإِذا جوزيت قرضا فاجزه قَالَ الْعَيْنِيّ: هما بِمَعْنى وَاحِد. وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن الْجَزَاء لَا يكون إِلَّا بعد الْإِقْرَاض لَا على الْجَزَاء. وَقَوله: إِنَّمَا يَجْزِي الْفَتى ... إِلَخ بِالْبِنَاءِ للمعلوم والفتى فَاعله. وَزعم

стр. 4419

الْعَيْنِيّ أَنه بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول والفتى نَائِب الْفَاعِل. وَكَأَنَّهُ لم يتَصَوَّر الْمَعْنى. وَمَعْنَاهُ أَن الَّذِي يَجْزِي بِمَا يُعَامل بِهِ من حسن أَو قَبِيح هُوَ الْإِنْسَان لَا الْبَهِيمَة. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي المستقصى وَقيل: الْفَتى السَّيِّد اللبيب. وَالْعرب تَقول للجاهل: يَا جمل. أَي: إِنَّمَا يَجْزِي اللبيب من النَّاس لَا الْجَاهِل. يضْرب فِي الْحَث على مجازاة الْخَيْر وَالشَّر. انْتهى. وعَلى هَذَا فَيكون للجمل هُنَا موقع لَا أَنه جَاءَ للقافية فَقَط كَمَا زعم الطوسي. والجمل كنيته عِنْد الْعَرَب أَبُو أَيُّوب. قَالَ ابْن الْأَثِير فِي المرصع كني الْجمل بِهِ لِصَبْرِهِ على الْمسير والأحمال تَشْبِيها بصبر أَيُّوب ﵇. وَإِلَى هَذَا لمح عَليّ بن الْعَبَّاس الشهير بِابْن الرُّومِي فِي شعر لبيد وَقد ضمنه فِي شعره هاجياً وَزِير المعتضد أَبَا أَيُّوب سُلَيْمَان بن عبد الله فَقَالَ: الرمل (يَا أَبَا أَيُّوب هذي كنية ... من كنى الْأَنْعَام قدماً لم تزل) (وَلَقَد وفْق من كناكها ... وَأصَاب الْحق فِيهَا وَعدل) (أَنْت شبه للَّذي تكنى بِهِ ... ولبعض الْخلق من بعض مثل) (لست ألحاك على مَا سمتني ... من قَبِيح الرَّد أَو منع النَّفْل) (قد قضى قَول لبيد بَيْننَا ... إِنَّمَا يَجْزِي الْفَتى لَيْسَ الْجمل) ...

стр. 4420

(كم حدوناك لترقى فِي الْعلَا ... وأبى الله فَلَا تعل هُبل)) وَلم أر ذكر أَيُّوب واشتقاقه فِي كتب اللَّغْو الْمُدَوَّنَة كالقاموس والعباب والصحاح مَعَ كَثْرَة دورانه فِي الْأَلْسِنَة وَلَا فِي مُفْرَدَات الْقُرْآن مَعَ أَنه مَذْكُور فِيهِ. وَفِي المعربات للجواليقي: قَالَ أَبُو عَليّ: وَقِيَاس همزَة أَيُّوب أَن تكون أصلا زَائِدَة لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَن يكون فيعولاً أَو فعلولا. فَإِن جعلته فيعولاً كَانَ قِيَاسه لَو كَانَ عَرَبيا أَن يكون من الأوب مثل قيوم وَيُمكن أَن يكون فعولًا مثل سفود وكلوب وَإِن لم يعلم فِي الْأَمْثِلَة هَذَا لِأَنَّهُ لَا يُنكر أَن يَجِيء العجمي على مِثَال لَا يكون فِي الْعَرَبِيّ. وَلَا يكون من الأوب وَقد قلبت الْوَاو فِيهِ إِلَى الْيَاء لِأَن من يَقُول: صيم فِي صَوْم لَا يقلب إِذا تَبَاعَدت من الطّرف فَلَا يَقُول: إِلَّا صوام. وَكَذَلِكَ هَذِه الْعين إِذا تَبَاعَدت من الطّرف وحجز الْوَاو بَينه وَبَين الآخر لم يجز فِيهِ الْقلب. انْتهى. فَأجَاز أَن يكون من مَادَّة أَوب وَمن مَادَّة أيب والمادتان مذكورتان فِي الْقَامُوس وَفِي غَيره الأولى فَقَط.

стр. 4421

وَقَوله: أعمل العيس ... إِلَخ أعمل: أَمر من الإعمال وَهُوَ الإشغال. والعيس: الْإِبِل الْبيض. وروى: العنس بالنُّون وَهِي النَّاقة الشَّدِيدَة. والعلات بِالْكَسْرِ: الْحَالَات جمع عِلّة بِمَعْنى الْحَالة. وَقَوله: وَإِذا رمت رحيلاً ... إِلَخ توصيم: فَاعل يَأْمر وَالْمَفْعُول مَحْذُوف أَي: يَأْمُرهُ. والتوصيم بالصَّاد الْمُهْملَة هُوَ فِي الْجَسَد كالتكسير والفترة ووصمته الْحمى بِالتَّشْدِيدِ إِذا أحدثت فِيهِ فَتْرَة وتكسيراً. وَهُوَ من الوصم وَهُوَ الصدع فِي الْعود من غير بينونة. والوصم أَيْضا: الْعَيْب والعار. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي المستقصى: هَذَا المصراع مثل يضْرب فِي الْحَث على الجسارة أَي: حدثها بالظرف وبلوغ الْأَمر إِذا هَمَمْت بِأَمْر لتنشطها للإقدام وَلَا تنازعها بالخيبة فتثبطها. انْتهى. وَقَوله: إِن صدق ... إِلَخ يَعْنِي إِذا حدثت نَفسك بِالْمَوْتِ لم تعمر شَيْئا وَلم تؤثل مَالا وَفَسَد عَلَيْك عيشك فأزرى ذَلِك بأملك. والإزراء بِتَقْدِيم الْمُعْجَمَة على الْمُهْملَة: النَّقْص. قَالَ بَعضهم: الْكَامِل (وَإِذا صدقت النَّفس لم تتْرك لَهَا ... أملاً ويأمل مَا اشْتهى المكذوب) وَأورد هَذَا الْبَيْت صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: ونعلم مَا توسوس بِهِ نَفسه على أَن مَا) مَصْدَرِيَّة فَإِنَّهُ يُقَال: حدث نَفسه بِكَذَا كَمَا يَقُولُونَ: حدثته بِهِ نَفسه.

стр. 4422

وَقَوله: غير أَن لَا تكذبنها هُوَ اسْتثِْنَاء من قَوْله: اكذب النَّفس. واخزها بالمعجمتين: أَمر من خزاه يخزوه خزواً إِذا ساسه وقهره. وَالْبَاء مُتَعَلقَة بِهِ وَللَّه مُتَعَلق بِالْبرِّ. وَالْأَجَل: أفعل تَفْضِيل. وترجمة لبيد تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الْخَامِس وَالْأَرْبَعُونَ بعد السبعمائة) (لم يَك الْحق على أَن هاجه ... رسم دَار قد تعفى بالسرر) على أَن حذف نون يكن المجزوم الملاقى للساكن جَائِز عِنْد يُونُس. وَقَالَ السيرافي: هَذَا شَاذ. وَالْبَيْت أنْشدهُ أَبُو زيد فِي نوادره مَعَ بَيت آخر بعده وَهُوَ: (غير الْجدّة من عرفانه ... خرق الرّيح وطوفان الْمَطَر) وَقَالَ بعدهمَا: لَا أعرف بَيْتا حذفت مِنْهُ النُّون من يكن مَعَ الْألف وَاللَّام غير هَذَا الْبَيْت. وَهَذَا الْحصْر غير صَحِيح فقد سمع فِي غَيره قَالَ ابْن صَخْر الْأَسدي: الطَّوِيل (فَإِن لَا تَكُ الْمرْآة أبدت وسامة ... فقد أبدت الْمرْآة جبهة ضيغم) قَالَ ابْن السراج فِي الْأُصُول: قَالُوا: لم يكن الرجل لِأَن هَذَا مَوضِع تحرّك فِيهِ النُّون وَالنُّون إِذا وَليهَا الْألف وَاللَّام للتعريف

стр. 4423

لم تحذف إِلَّا أَن يضْطَر إِلَيْهِ شَاعِر فَيجوز ذك على قبح واضطرار. وَأنْشد هذَيْن الْبَيْتَيْنِ. وَكَذَلِكَ ذهب إِلَى أَنه ضَرُورَة أَبُو عَليّ فِي كتاب الشّعْر وَابْن عُصْفُور فِي الضرائر. وَقَالَ ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة: أنْشد قطرب وقرأناه على بعض أَصْحَابنَا بِرَفْعِهِ إِلَيْهِ: لم يَك الْحق سوى أَن هاجه الْبَيْت أَي: لم يكن الْحق. وَكَانَ حكمه إِذا وَقعت النُّون موقعاً تحرّك فِيهِ فتقوى بالحركة أَن لَا يحذفها وَحذف النُّون من يكن أقبح من حذف التَّنْوِين وَنون التَّثْنِيَة وَالْجمع لِأَن النُّون فِي يكن أصل وَهِي لَام الْفِعْل والتنوين وَالنُّون زائدتان فالحذف فيهمَا أسهل مِنْهُ فِي لَام الْفِعْل. وَحذف النُّون من يكن أَيْضا أقبح من حذف نون من فِي قَوْله: المنسرح غير الَّذِي قد يُقَال م الْكَذِب أَي: من الْكَذِب فَلِأَن يكن أَصله يكون حذفت مِنْهُ الْوَاو لالتقاء الساكنين فَإِذا حذفت مِنْهُ) النُّون أَيْضا لالتقاء الساكنين أجحفت بِهِ لتوالي الحذفين لَا سِيمَا من وَجه وَاحِد عَلَيْهِ. هَذَا قَول أَصْحَابنَا فِي

стр. 4424

هَذَا الْبَيْت. وَأرى أَنا شَيْئا آخر غير ذَلِك وَهُوَ أَن يكون جَاءَ بِالْحَقِّ بعد مَا حذق النُّون من يكن فَصَارَ يَك مثل قَوْله: وَلم تَكُ شَيْئا فَلَمَّا قدره يَك جَاءَ بِالْحَقِّ بعد مَا جَازَ الْحَذف فِي النُّون وَهِي سَاكِنة تَخْفِيفًا فَبَقيَ محذوفاً بِحَالهِ فَقَالَ: لم يَك الْحق. وَلَو كَانَ قدره يكن ثمَّ جَاءَ بِالْحَقِّ لوَجَبَ أَن يكسر نونه لالتقاء الساكنين. هَذَا كَلَامه. وَلَا يخفى أَن تعليه يَقْتَضِي قِيَاس هَذَا الْحَذف. وَهَذَا الَّذِي ادَّعَاهُ لنَفسِهِ هُوَ لشيخه أبي عَليّ فِي الْمسَائِل العسكرية قَالَ فِي آخرهَا بعد إنشاد الْبَيْت: إِن قلت فِيهِ إِن الْجَزْم لحقه قبل لحاق وَنَظِير هَذَا إنشاد من أنْشد: الوافر فغض الطّرف إِنَّك من نمير حرك السَّاكِن الأول فلحق السَّاكِن الثَّانِي وَقد مضى الْحَذف بِالْفَتْح للساكن الأول فَكَذَلِك لحق السَّاكِن وَقد مضى الْحَذف فِي الْحَرْف. وَإِن شِئْت قلت: إِن الْحَرَكَة هُنَا كَانَت لالتقاء الساكنين لم يعْتد بهَا وَكَانَ الْحَرْف فِي نِيَّة سُكُون فَكَمَا كَانَ يحذفها سَاكِنة كَذَلِك يحذفها إِذا كَانَت فِي نِيَّة السّكُون. انْتهى كَلَامه. وَقَوله: على أَن هاجه ظرف مُسْتَقر فِي مَوضِع الْخَبَر لَكَانَ. وَالْحق يُطلق على معَان مِنْهَا وَهُوَ المُرَاد هُنَا: الْمَوْجُود بِحَسب مُقْتَضى

стр. 4425

الْحِكْمَة أَي: لَيْسَ بلائق بالعاشق أَن يهيج حزنه الرَّسْم الدائر. وهاج هُنَا مُتَعَدٍّ بِمَعْنى أثار وَالْهَاء: مفعول مقدم ضمير العاشق فِي بَيت قبله وَهُوَ على حذف مُضَاف أَي: هاج حزنه ووجده. ورسم: فَاعل هاج وَهُوَ أثر الدَّار وَجُمْلَة: قد تعفى فِي مَوضِع الصّفة لرسم. وتعفى: مُبَالغَة عَفا الرَّسْم أَي: دثر ودرس وَقَوله: بالسرر ظرف مُسْتَقر فِي مَوضِع الصّفة لدار فقد وصف الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ. والسرر هُنَا ضَبطه أَبُو حَاتِم بِفَتْح السِّين وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَقد يكسر الأول وكل مِنْهُمَا اسْم قَالَ ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ: قَالَ نصر: السرر بِالتَّحْرِيكِ: وَاد يدْفع من الْيَمَامَة إِلَى أَرض حَضرمَوْت. والسرر بِكَسْر أَوله قَالَ السكرِي فِي قَول أبي ذُؤَيْب: المتقارب.) (بِآيَة مَا وقفت والركا ... ب بَين الْحجُون وَبَين السرر) هُوَ مَوضِع على أَرْبَعَة أَمْيَال من مَكَّة حرسها الله تَعَالَى عَن يَمِين الْجَبَل بطرِيق منى. وَكَانَ عبد الصَّمد بن عَليّ اتخذ عِنْده مَسْجِدا كَانَ بِهِ شَجَرَة ذكر أَنه سر تحتهَا سَبْعُونَ نَبيا أَي: قطعت سررهم. انْتهى. وَكَذَا قَالَ ياقوت نَاقِلا عَن الْأَزْهَرِي: عَن ابْن عمر أَنه سر تحتهَا سَبْعُونَ نَبيا سمي سرراً لذَلِك. ثمَّ قَالَ ياقوت: وروى المغاربة: السرر: وَاد على أَرْبَعَة أَمْيَال من مَكَّة عَن يَمِين الْجَبَل قَالُوا: هُوَ بِضَم السِّين وَفتح الرَّاء الأولى قَالُوا:

стр. 4426

كَذَا رَوَاهُ المحدثون بِلَا خلاف. قَالَ الرياشي: المحدثون يضمونه وَهُوَ إِنَّمَا هُوَ السرر بِالْفَتْح. وَهَذَا الْوَادي هُوَ الَّذِي سر فِيهِ سَبْعُونَ نَبيا أَي: قطعت سررهم بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْأَصَح. انْتهى. وروى: ودثر بدل قَوْله: بالسرر أَي: درس وَلم يبْق مِنْهُ شَيْء. وعَلى هَذَا يكون مَعْطُوفًا على تعفى فَيكون صفة لرسم أَيْضا. وَقَوله: غير الْجدّة ... إِلَخ هَذِه الْجُمْلَة صفة لرسم أَيْضا. وَالْجدّة بِكَسْر الْجِيم: مصدر جد الشَّيْء يجد بِالْكَسْرِ جدة هُوَ خلاف الْقَدِيم. والعرفان بِالْكَسْرِ: مصدر عَرفته عَرَفَة بِالْكَسْرِ وعرفاناً إِذا عَلمته بحاسة من الْحَواس الْخمس فَهُوَ مصدر مُضَاف لمفعوله وَالْهَاء ضمير الرَّسْم وفاعله مَحْذُوف. وخرق: فَاعل غير وَهُوَ بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء الْمُهْملَة أَي: الْقطع من الرّيح جمع خرقَة. وروى الْأَصْمَعِي: خرق بِضَمَّتَيْنِ جمع خريق وَهِي الرّيح الَّتِي تنخرق فِي الْجبَال وَغَيرهَا. وطوفان الْمَطَر: كثرته. كَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم فِيمَا كتبه على النَّوَادِر. يَقُول: غيرت كَثْرَة الرّيح والأمطار مَا استجددناه من معرفتنا لهَذَا الرَّسْم. والبيتان نسبهما أَبُو زيد لحسيل بن عرفطة قَالَ: وَهُوَ شَاعِر جاهلي. وحسيل: مصغر حسل بِكَسْر الْحَاء وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة بعدهمَا لَام وَهُوَ ولد الضَّب. قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: هُوَ حسيل بِفَتْح الْحَاء وَكسر السِّين وَقَالَ أَبُو حَاتِم: وحسين: مصغر حسن بالنُّون. وغلطه الْأَخْفَش فِيهِ. وَالله أعلم.

стр. 4427

(أَفعَال المقاربة) أنْشد فِيهِ (الشَّاهِد السَّادِس وَالْأَرْبَعُونَ بعد السبعمائة) الطَّوِيل (إِذا غير النأي المجين لم يكد ... رسيس الْهوى من حب مية يبرح) على أَن بَعضهم قَالَ: إِن النَّفْي إِذا دخل على كَاد تكون فِي الْمَاضِي للإثبات وَفِي الْمُسْتَقْبل كالأفعال مستمسكاً بِالْآيَةِ وَهَذَا الْبَيْت. وَهَذَا الْفَصْل فِي كَاد هُنَا وبِعَيْنِه عبارَة اللّبَاب بتغيير كَلمه. قَالَ صَاحب اللّبَاب: وَإِذا دخل النَّفْي على كَاد فَهُوَ كَسَائِر الْأَفْعَال على الصَّحِيح وَقيل: يكون للإثبات وَقيل: يكون فِي الْمَاضِي دون الْمُسْتَقْبل تمسكاً بقوله تَعَالَى: وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ وَبقول ذِي الرمة: إِذا غير الهجر المحبين لم يكد إِلَخ وَالْجَوَاب نه لنفي مقاربة الذّبْح وَحُصُول الذّبْح بعد لَا ينافيها وَلم يُؤْخَذ من لفظ: وَمَا كَادُوا بل من لفظ: فذبحوها. انْتهى. قَالَ شَارِحه الفالي: قَوْله: وَإِذا دخل النَّفْي ... إِلَخ مَعْنَاهُ نفي مَا دخل عَلَيْهِ إدراجاً لَهُ فِي الْأَمر الْعَام الْمَعْلُوم من اللُّغَة وَهُوَ أَنه إِذا دخل النَّفْي على فعل أَفَادَ نفي مضمونه. وَقيل: يكون للإثبات أَي: لإِثْبَات الْفِعْل الَّذِي دخل عَلَيْهِ كَاد فِي الْمَاضِي وَفِي الْمُسْتَقْبل. أما فِي الْمَاضِي فَلقَوْله تَعَالَى: وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ وَالْمرَاد أَنهم قد فعلوا الذّبْح. وَأما فِي الْمُضَارع فَلِأَن الشُّعَرَاء خطؤوا ذَا الرمة فِي قَوْله: ...

стр. 4428

( ... ... ... ... ... . لم يكد ... رسيس الْهوى من حب مية يبرح) وَهُوَ أَنه يُؤَدِّي إِلَى أَن الْمَعْنى: إِن رسيس الْهوى يبرح وَيَزُول وَإِن كَانَ بعد طول عهد. فلولا أَنهم فَهموا فِي اللُّغَة أَن النَّفْي إِذا دخل على الْمُضَارع من كَاد أَفَادَ إِثْبَات الْفِعْل الْوَاقِع بعده لم يكن لتخطئتهم وَجه. وَقيل: يكون فِي الْمَاضِي للإثبات دون الْمُسْتَقْبل تمسكاً بقوله تَعَالَى: وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ إِذْ الْمَعْنى قد فعلوا كَمَا ذكرنَا. وَبقول ذِي الرمة:) إِذا غير الهجر الْبَيْت إِذْ الْمَعْنى: وَمَا برح حبها من قلبِي. فَهَذَا الْقَائِل تمسك بقول ذِي الرمة وَالْقَائِل الأول تمسك بتخطئة الشُّعَرَاء ذَا الرمة. وَالْجَوَاب أَنه لنفي مقاربة الذّبْح وَحُصُول الذّبْح بعد أَي: بعد أَن نفى مقاربة الذّبْح لَا ينافيها. وَلم يُؤْخَذ من لفظ: كَادُوا بل من لفظ: فذبحوها. وَهَذَا جَوَاب عَن الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورين فَإنَّا لَا نسلم أَن النَّفْي الدَّاخِل على كَاد يُفِيد الْإِثْبَات لَا فِي الْمَاضِي وَلَا فِي الْمُسْتَقْبل بل هُوَ بَاقٍ على وَضعه وَهُوَ نفي المقاربة. وَلَيْسَ مَا تمسكوا بِهِ بِشَيْء أما فِي الْآيَة فَهُوَ أَن مَعْنَاهُ أَن بني إِسْرَائِيل مَا قاربوا أَن يَفْعَلُوا للإطناب فِي السؤالات وَلما سبق فِي قَوْلهم: أتتخذنا هزوا وَهَذَا التعنت دَلِيل على أَنهم كَانُوا لَا يقاربون فعله فضلا عَن نفس الْفِعْل. وَنفي المقاربة قد يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الْفِعْل وَقد لَا يَتَرَتَّب وَهُوَ قَوْله: وَحُصُول الذّبْح بعد لَا ينافيها. وَأما إِثْبَات الذّبْح فمأخوذ من الْخَارِج وَهُوَ قَوْله: فذبحوها

стр. 4429

وَأما الْبَيْت فَكَذَلِك مَعْنَاهُ لِأَن حبها لم يُقَارب أَن يَزُول فضلا عَن أَن يَزُول. وَهُوَ مُبَالغَة فِي نفي الزَّوَال فَإنَّك إِذا قلت: مَا كَاد زيد يُسَافر فَمَعْنَاه أبلغ من: مَا يُسَافر زيد أَي: لم يُسَافر وَلم يقرب من أَن يُسَافر أَيْضا. فالبيت مُسْتَقِيم وَلَا وَجه لتخطئة الشُّعَرَاء إِيَّاه. انْتهى. وَقد بَين الشَّارِح الْمُحَقق فَسَاد هذَيْن الْقَوْلَيْنِ فِي آخر الْبَاب. وَقَوله كَغَيْرِهِ: إِن الشُّعَرَاء خطؤوا ذَا قَالَ المرزباني فِي الموشح: حَدثنِي أَحْمد بن مُحَمَّد الْجَوْهَرِي وَأحمد بن إِبْرَاهِيم الْجمال قَالَا: حَدثنَا الْحسن بن عليل الْعَنزي قَالَ: حَدثنَا يزِيد بن مُحَمَّد بن الْمُهلب بن الْمُغيرَة بن حبيب بن الْمُهلب بن أبي صفرَة قَالَ: حَدثنَا عبد الصَّمد ابْن المعذل عَن أَبِيه عَن جده غيلَان بن الحكم قَالَ: قدم علينا ذُو الرمة الْكُوفَة فَوقف على رَاحِلَته بالكناسة ينشدنا قصيدته الحائية فَلَمَّا بلغ إِلَى هَذَا الْبَيْت: إِذا غير النأي المحبين ... ... ... . . إِلَخ فَقَالَ لَهُ ابْن شبْرمَة: يَا ذَا الرمة أرَاهُ قد برح. ففكر سَاعَة ثمَّ قَالَ: (إِذا غير النأي المحبين لم أجد ... رسيس الْهوى ... ... ... إِلَخ)) قَالَ: فَرَجَعت إِلَى أبي الحكم بن البخْترِي بن الْمُخْتَار فَأَخْبَرته

стр. 4430

الْخَبَر فَقَالَ: أَخطَأ ابْن شبْرمَة حَيْثُ أنكر عَلَيْهِ وَأَخْطَأ ذُو الرمة حَيْثُ رَجَعَ إِلَى قَوْله. إِنَّمَا هَذَا كَقَوْل الله : إِذا أخرج يَده لم يكد يَرَاهَا أَي: لم يَرَاهَا وَلم يكد. انْتهى. وَقَالَ السَّيِّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ: روى عبد الصَّمد بن المعذل عَن غيلَان عَن أَبِيه عَن جده غيلَان قَالَ: قدم علينا ذُو الرمة الْكُوفَة فأنشدنا بالكناسة وَهُوَ على رَاحِلَته قصيده الحائية إِذا غير النأي المحبين إِلَخ فَقَالَ لَهُ عبد الله بن شبْرمَة: قد برح يَا ذَا الرمة. ففكر سَاعَة ثمَّ قَالَ: إِذا غير النأي المحبين لم أجد إِلَخ قَالَ: فَأخْبرت أبي بِمَا كَانَ من قَول ذِي الرمة وَاعْتِرَاض ابْن شبْرمَة عَلَيْهِ فَقَالَ: أَخطَأ ذُو الرمة فِي رُجُوعه عَن قَوْله الأول وَأَخْطَأ ابْن شبْرمَة فِي اعتراضه عَلَيْهِ. وَهَذَا كَقَوْل الله تَعَالَى: إِذا أخرج يَده لم يكد يَرَاهَا. انْتهى. وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لذِي الرمة مطْلعهَا: (أمنزلتي مي سَلام عَلَيْكُمَا ... على النأي والنائي يود وَينْصَح) وَبعده: (فَلَا الْقرب يُبْدِي من هَواهَا ملالة ... وَلَا حبها إِن تنزح الدَّار ينْزح) ...

стр. 4431

(أتقرح أكباد المحبين كلهم ... كَمَا كَبِدِي من ذكر مية تقرح) وَقَوله: إِذا غير النأي ... إِلَخ النأي فَاعل غير وَمَعْنَاهُ الْبعد. ورسيس الْهوى: مَسّه. ويبرح: يَزُول وَهُوَ فعل تَامّ لَازم. ومية: اسْم معشوقته. يَقُول: إِن العشاق إِذا بعدوا عَمَّن يحبونَ دب السلو إِلَيْهِم وَزَالَ عَنْهُم مَا كَانُوا يقاسون وَأما أَنا وَزَاد على هَذَا الْمَعْنى قَوْله فِي هَذِه القصيدة: (أرى الْحبّ بالهجران يمحى فينمحي ... وحبك مياً يستجد ويربح) أَي: يزِيد الْحبّ كَمَا يزِيد الرِّبْح. وَقَوله: فَلَا الْقرب يُبْدِي ... إِلَخ نزحت الدَّار: بَعدت. يَقُول: حبها إِن بَعدت الدَّار لم يتَغَيَّر هُوَ لَازم ثَابت. وَقَوله: أتقرح الْقرح: الْجرْح.) وترجمة ذِي الرمة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن من أول الْكتاب. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد السَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ بعد السبعمائة) : الْكَامِل (ظَنِّي بهم كعسى وهم بتنوفة ... يتنازعون جوائز الْأَمْثَال) على أَن أَبَا عُبَيْدَة قَالَ: إِن عَسى تَأتي بِمَعْنى الْيَقِين كَمَا فِي الْبَيْت.

стр. 4432

وَنَقله عَنهُ عبد الْوَاحِد أَبُو الطّيب اللّغَوِيّ فِي كتاب الأضداد قَالَ فِيهِ: قَالَ أَبُو حَاتِم وقطرب: عَسى تكون شكا مرّة ويقيناً أُخْرَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: عَسى ربكُم أَن يَرْحَمكُمْ وَعَسَى فِي الْقُرْآن وَاجِبَة. قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄: هِيَ وَاجِبَة من الله. وكل مَا فِي الْقُرْآن من ذَلِك فَهُوَ وَاجِب من الله. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَمِنْه قَول ابْن مقبل: ظَنِّي بهم كعسى الْبَيْت أَي: ظَنِّي بهم كيقين. انْتهى. وَاعْترض عَلَيْهِ الشَّارِح الْمُحَقق بِأَنَّهُ لَا يعرف عَسى فِي غير كَلَام الله لليقين وَيجوز أَن يكون معنى: ظَنِّي بهم كعسى أَي: رَجَاء مَعَ طمع. وَيُؤَيّد توقفه مَا ذهب إِلَيْهِ ابْن السّكيت فِي كتاب الأضداد قَالَ فِيهِ: الظَّن يَقِين وَالظَّن شكّ وَمن الْيَقِين قَول ابْن مقبل: (ظن بهم كعسى وهم بتنوفة ... يتنازعون جوائز الْأَمْثَال) ويروى: جوائب أَي: تجوب الْبِلَاد. يَقُول: الْيَقِين مِنْهُم كعسى وَعَسَى شكّ. انْتهى. فَجعل الْيَقِين للظن وَعَسَى للشَّكّ على أَصْلهَا. وَالرِّوَايَة عِنْده: ظن بهم كعسى بتنوين ظن من غير إِضَافَة إِلَى الْيَاء. وَالْبَاء مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف على أَنه صفة لظن وَهُوَ مُبْتَدأ وَخَبره كعسى أَو خَبره مَحْذُوف أَي: للنَّاس ظن بهم فالياء مُتَعَلقَة بِظَنّ وَالْكَاف اسْم

стр. 4433

صفة لظن وَجُمْلَة: وهم والتنوفة: الفلاة. ويتنازعون: يتجاذبون. وجوائز الْأَمْثَال أَي: الْأَمْثَال السائرة فِي الْبِلَاد. وَبِمَعْنَاهُ جوائب الْأَمْثَال من جاب الْوَادي أَو الْمَكَان يجوبه جوباً إِذا سلكه وقطعه. وَأما على رِوَايَة ظَنِّي بِالْإِضَافَة فَهُوَ مُبْتَدأ وَخَبره كعسى أَي: يقيني بهم كشك فِي حَال كَونهم فِي الفلاة إِذْ لَيست أعلم الْغَيْب.) يُرِيد أَنه لَا يَقِين لَهُ بهم. وبهذه الرِّوَايَة فسر أَبُو حَاتِم الظَّن فِي الْبَيْت بِالْيَقِينِ نَقله عَنهُ عبد الْوَاحِد الْمَذْكُور قَالَ فِي كِتَابه الأضداد: قَالَ أَبُو حَاتِم: وَأما قَوْله تَعَالَى: وَظن أَنه الْفِرَاق فأظنه يستيقن. قَالَ الشَّاعِر فِي الظَّن بِمَعْنى الْيَقِين. ظَنِّي بهم كعسى الْبَيْت والجوائز: الَّتِي تجوز الْبِلَاد أَي: تقطعها. يَقُول: يقيني بهم كعسى. انْتهى. وَلم أَقف على تَتِمَّة هَذَا الْبَيْت وَهُوَ لِابْنِ مقبل وَهُوَ شَاعِر إسلامي تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ. ثمَّ رَأَيْت فِي كتاب الأضداد لأبي بكر مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن بشار الْأَنْبَارِي قَالَ: عَسى لَهَا مَعْنيانِ متضادان: أَحدهمَا: الشَّك والطمع وَالْآخر: الْيَقِين. قَالَ تَعَالَى: وَعَسَى أَن تكْرهُوا وَقَالَ بعض الْمُفَسّرين: عَسى فِي جَمِيع

стр. 4434

كتاب الله وَاجِبَة. وَقَالَ غَيره: عَسى فِي الْقُرْآن وَاجِبَة إِلَّا فِي موضِعين فِي سُورَة بني إِسْرَائِيل: عَسى ربكُم أَن يَرْحَمكُمْ يَعْنِي بني النَّضِير فَمَا رَحِمهم رَبهم بل قَاتلهم رَسُول الله ﷺ َ وأوقع الْعقُوبَة بهم. وَفِي سُورَة التَّحْرِيم: عَسى ربه إِن طَلَّقَكُن أَن يُبدلهُ أَزْوَاجًا فَمَا أبدله الله بِهن أَزْوَاجًا وَلَا بن مِنْهُ حَتَّى قبض ﵇. وَقَالَ تَمِيم بن أبي بن مقبل فِي كَون عَسى إِيجَابا: (ظن بهم كعسى وهم بتنوفة ... يتنازعون جوائز الْأَمْثَال) أَرَادَ: ظن بهم كيقين. ويروى: سوائر الْأَمْثَال. ويروى: جوائب الْأَمْثَال. وأنشدنا أَبُو الْعَبَّاس: الوافر عَسى الكرب الَّذِي أمسيت فِيهِ الْبَيْت فَعَسَى فِي هَذَا الْبَاب على معنى الشَّك. انْتهى كَلَامه. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الثَّامِن وَالْأَرْبَعُونَ بعد السبعمائة) الرجز على أَن الْمُتَأَخِّرين استدلوا بِهَذَا وبالمثل وَهُوَ: عَسى الغوير أبؤساً بِوُقُوع الْمُفْرد مَنْصُوبًا بعد مَرْفُوع على أَن أنْ وَالْفِعْل فِي قَوْلهم: عَسى

стр. 4435

زيد أَن يفعل فِي مَوضِع نصب على أَنه خبر لعسى وَهِي تعْمل عمل كَانَ. قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح أَبْيَات النَّاظِم: طعن فِي هَذَا الْبَيْت عبد الْوَاحِد الطراح فِي كِتَابه بغية الآمل ومنية السَّائِل. فَقَالَ: هُوَ بَيت مَجْهُول لم ينْسبهُ الشُّرَّاح إِلَى أحد فَسقط الِاحْتِجَاج بِهِ. وَلَو صَحَّ مَا قَالَه لسقط الِاحْتِجَاج بِخَمْسِينَ بَيْتا من كتاب سِيبَوَيْهٍ فَإِن فِيهِ ألف بَيت قد عرف قائلوها وَخمسين بَيْتا مَجْهُولَة الْقَائِلين. انْتهى. أَقُول: الشَّاهِد الَّذِي جهل قَائِله إِن أنْشدهُ ثِقَة كسيبويه وَابْن السراج والمبرد وَنَحْوهم فَهُوَ مقبل يعْتَمد عَلَيْهِ وَلَا يضر جهل قَائِله فَإِن الثِّقَة لَو لم يعلم أَنه من شعر من يَصح الِاسْتِدْلَال بِكَلَامِهِ لما أنْشدهُ. وَمُرَاد عبد الْوَاحِد أَنه لم ينْسبهُ الشُّرَّاح إِلَى أحد مِمَّن أنْشدهُ من الثِّقَات أَو إِلَى قَائِل معِين يحْتَج بِكَلَامِهِ. ثمَّ قَالَ ابْن هِشَام: وَقد حرف ابْن الشجري هَذَا الرجز فأنشده: الرجز (قُم قَائِما قُم قَائِما ... إِنِّي عَسَيْت صَائِما) وَإِنَّمَا قُم قَائِما صدر رجز آخر يَأْتِي فِي بَاب الْحَال وَلَا يتركب قَوْله: إِنِّي عَسَيْت صَائِما عَلَيْهِ بل أَصله: (أكثرت فِي العذل ملحاً دَائِما ... لَا تكثرن إِنِّي عَسَيْت صَائِما) فَإِن مَعْنَاهُ: أَيهَا العاذل الْملح فِي عذله إِنَّه لَا يُمكن مُقَابلَة كلامك بِمَا يُنَاسِبه من السب فإنني صَائِم. وَهُوَ مقتبس من الحَدِيث: فَلْيقل

стр. 4436

إِنِّي صَائِم. ويروى: لَا تلحني مَكَان لَا تكثرن وَهُوَ بِفَتْح التَّاء. يُقَال: لحيته ألحاه لحياً إِذا لمته. وَالشَّاهِد فِي قَوْله: صَائِما فَإِنَّهُ اسْم مُفْرد جِيءَ بِهِ خَبرا عَسى. كَذَا قَالُوا وَالْحق خِلَافه وَإِن عَسى هُنَا فعل تَامّ خبري لَا فعل نَاقص إنشائي. يدلك على أَنه خبري وُقُوعه خَبرا لإن وَلَا يجوز بالِاتِّفَاقِ: إِن زيدا هَل قَامَ وَأَن هَذَا الْكَلَام يقبل التَّصْدِيق) والتكذيب وعَلى هَذَا فَالْمَعْنى: إِنِّي رَجَوْت أَن أكون صَائِما. فصائماً خبر لَكَانَ وَأَن وَالْفِعْل مفعول لعسى. وسيبويه يُجِيز حذف أَن وَالْفِعْل إِذا قويت الدّلَالَة على الْمَحْذُوف. أَلا ترى أَنه قدر فِي قَوْله: من لد شولاً وَمن وُقُوع عَسى فعلا خبرياً قَوْله تَعَالَى: قَالَ هَل عسيتم إِن كتب عَلَيْكُم الْقِتَال أَلا تقاتلوا أَلا ترى أَن الِاسْتِفْهَام طلب فَلَا يدْخل على الْجُمْلَة الإنشائية وَأَن الْمَعْنى قد طمعتم أَن لَا تقاتلوا إِن كتب عَلَيْكُم الْقِتَال. وَمِمَّا يحْتَاج إِلَى النّظر قَول الْقَائِل: عَسى زيد أَن يقوم فَإنَّك قد قدرت عَسى فِيهِ فعلا إنشائياً كَمَا قَالَه النحويون أشكل إِذْ لَا يسند

стр. 4437

فعل الْإِنْشَاء إِلَّا إِلَى منشئه وَهُوَ الْمُتَكَلّم كبعت واشتريت وَأَقْسَمت وَقبلت وحررتك. وَأَيْضًا فَمن الْمَعْلُوم أَن زيدا لم يترج وَإِنَّمَا المترجي الْمُتَكَلّم. وَإِن قدرته خَبرا كَمَا فِي الْبَيْت وَالْآيَة فَلَيْسَ الْمَعْنى على الْإِخْبَار وَلِهَذَا لَا يَصح تَصْدِيق قَائِله وَلَا تَكْذِيبه. فَإِن قلت: يخلص من هَذَا الْإِشْكَال أَنهم نصوا على أَن كَانَ وَمَا أشبههَا أَفعَال جَارِيَة مجْرى الأدوات فَلَا يلْزم فِيهَا حكم سَائِر الْأَفْعَال. قلت: قد اعْتَرَفُوا مَعَ ذَلِك بِأَنَّهَا مُسندَة إِذْ لَا يَنْفَكّ الْفِعْل الْمركب عَن الْإِسْنَاد إِلَّا إِن كَانَ زَائِدا أَو مؤكداً على خلف فِي هذَيْن أَيْضا. وَقَالُوا: إِن كَانَ مُسندَة إِلَى مَضْمُون الْجُمْلَة. وَقد بَينا أَن الْفِعْل الإنشائي لَا يُمكن إِسْنَاده لغير الْمُتَكَلّم. وَإِنَّمَا الَّذِي يخلص من الْإِشْكَال أَن يدعى أَنَّهَا هُنَا حرف بِمَنْزِلَة لَعَلَّ كَمَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ والسيرافي بحرفيتها فِي نَحْو: عَسى وعساك وعساه. وَقد ذهب أَبُو كبر وَجَمَاعَة إِلَى أَنَّهَا حرف دَائِما. وَإِذا حملناها على الحرفية زَالَ الْإِشْكَال إِذْ الْجُمْلَة الإنشائية حِينَئِذٍ اسمية لَا فعلية كَمَا تَقول: لَعَلَّ زيدا يقوم. فاعرف الْحق ودع التَّقْلِيد واستفت نَفسك وَإِن أفناك النَّاس. هَذَا كَلَام ابْن هِشَام وَهُوَ خلاف مَسْلَك الشَّارِح الْمُحَقق.) وَقَالَ ابْن هِشَام فِي شرح الْمثل: إِن عَسى للإشفاق والغوير: مَاء لكَلْب مَعْرُوف. قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ. وَهُوَ فِي الأَصْل مصغر غور أَو غَار. والأبؤس: جمع بؤس وَهُوَ الشدَّة. وأصل الْمثل أَن الزباء لما قتلت جذيمة جَاءَ قصير إِلَى عَمْرو بن عدين فَقَالَ: أَلا تَأْخُذ ثأر خَالك فَقَالَ:

стр. 4438

كَيفَ السَّبِيل إِلَى ذَلِك. فَعمد قصير إِلَى أَنفه فجدعها فَقيل: لأمر مَا جدع قصير أَنفه وأتى الزباء وَزعم أَنه فر إِلَيْهَا وَأَنَّهُمْ آذوه بِسَبَبِهَا وَأقَام فِي خدمتها مُدَّة يتجر لَهَا ثمَّ إِنَّه أَبْطَأَ عَنْهَا فِي السّفر فَسَأَلت عَنهُ فَقيل: أَخذ فِي طَرِيق الغوير فَقَالَت: عَسى الغوير أبؤساً. ثمَّ لم يلبث أَن جَاءَ بالجمال عَلَيْهَا صناديق فِي جوفها الرِّجَال فَلَمَّا دخلُوا الْبَلَد خَرجُوا من الصناديق وانضاف إِلَيْهِم الرِّجَال الموكلون بالصناديق فَقتلُوا فِي النَّاس قتلا ذريعاً وَقتلُوا أهل الزباء وأسروها وفقؤوا عينهَا وَأتوا بهَا عمرا فَقَتلهَا. وَقيل: إِنَّهَا امتصت خَاتمًا كَانَ مَعهَا مسموماً. وَمعنى الْمثل: لَعَلَّ الشَّرّ يَأْتِي من قبل الغوير. يضْرب للرجل يتَوَقَّع الشَّرّ من جِهَة بِعَينهَا. وَجَاء رجل إِلَى عمر ﵁ يحمل لقيطاً فَقَالَ لَهُ عمر: عَسى الغوير أبؤساً. قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: عرض بِهِ أَي: لَعَلَّك صَاحب اللَّقِيط. وَوهم ابْن الخباز فِي أصل الْمثل فَقَالَ: قالته الزباء حِين ألجأها قصير إِلَى غارها. انْتهى. وَفِي الصِّحَاح: قَالَ الْأَصْمَعِي: أَصله أَنه كَانَ غَار فِيهِ نَاس فانهار عَلَيْهِم أَو أَتَاهُم فِيهِ عَدو فَقَتلهُمْ فَصَارَ مثلا لكل شَيْء يخَاف أَن يَأْتِي مِنْهُ شَرّ. قلت: وَتَكون الزباء تَكَلَّمت بِهِ تمثلاً. وَهَذَا حسن لِأَن الزباء فِيمَا زَعَمُوا رُومِية فَكيف يحْتَج بكلامها وَقد يُقَال: وَجه الْحجَّة أَن الْعَرَب تمثلت بِهِ بعْدهَا. وَاخْتلف فِي ناصب أبؤساً فَعِنْدَ سِيبَوَيْهٍ وَأبي عَليّ أَنه عَسى

стр. 4439

وَأَن ذَلِك من مُرَاجعَة الْأُصُول. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: يصير محذوفة. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: التَّقْدِير: أَن يكون أبؤساً كَقَوْلِه: الوافر لعمر أَبِيك إِلَّا الفرقدان وَمنع سِيبَوَيْهٍ أَن يكون إِضْمَار فِيهِ لِأَن فِيهِ إِضْمَار الْمَوْصُول وَقدر إِلَّا صفة. وَقيل التَّقْدِير: يكون أبؤساً وَفِيه مَجِيء الْفِعْل بعد عَسى بِغَيْر أَن وإضمار كَانَ غير وَاقعَة بعد أَدَاة تطلب الْفِعْل. وَقيل التَّقْدِير: عَسى الغوير يَأْتِي بأبؤس وَفِيه ترك أَن وَإِسْقَاط الْجَار توسعاً.) وَلَكِن يشْهد لَهُ قَول الْكُمَيْت: الْبَسِيط (قَالُوا أَسَاءَ بَنو بكر فَقلت لَهُم ... عَسى الغوير بإبآس وإغوار) وتلخص: أَن أبؤساً خبر لعسى أَو لَكَانَ أَو لصار أَو مفعول بِهِ. وَأحسن من ذَلِك كُله أَن يقدر يبأس أبؤساً فَيكون مَفْعُولا مُطلقًا وَيكون مثل قَوْله تَعَالَى: فَطَفِقَ مسحاً أَي: يمسح مسحاً وَقَول أبي دهبل الجُمَحِي: الطَّوِيل (لَأَوْشَكَ صرف الدَّهْر تَفْرِيق بَيْننَا ... وَلَا يَسْتَقِيم الدَّهْر والدهر أَعْوَج) أَي: لَأَوْشَكَ يفرق بَيْننَا تفريقاً ثمَّ حذف الْفِعْل وأقيم الْمصدر مقَامه وأضيف إِلَى ظرفه.

стр. 4440

انْتهى كَلَام ابْن هِشَام وَهَذَا خلاف مَا اخْتَارَهُ فِي الْمُغنِي قَالَ فِيهِ: الصَّوَاب أَنَّهُمَا أَي: الْبَيْت والمثل مِمَّا حذف فِيهِ الْخَبَر أَي: يكون أبؤساً وأكون صَائِما لِأَن فِي ذَلِك إبْقَاء لَهما على الِاسْتِعْمَال الْأَصْلِيّ وَلِأَن المرجو كَونه صَائِما لَا نفس الصَّائِم. انْتهى. وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يكون ذَلِك إبْقَاء على الِاسْتِعْمَال الْأَصْلِيّ أَن لَو جعل التَّقْدِير أَن يكون وَقد ذكر جَمِيع أوجه عَسى فِي الِاسْتِعْمَال ومذاهب النَّحْوِيين فِيهَا فِي مُغنِي اللبيب. وَقَول الشَّاعِر: أكثرت فِي العذل ... . إِلَخ يجوز أَن يكون بَيْتا مصرعاً من تَامّ الرجز من ضربه الأول وَأَن يكون بَيْتَيْنِ من مشطوره. وَقد نسب إِلَى رؤبة بن العجاج وَلم أَجِدهُ فِي ديوَان رجزه. وَالله أعلم. وَأنْشد بعده: لعمر أَبِيك إِلَّا الفرقدان هَذَا عجز وصدره: وكل أَخ مفارقه أَخُوهُ وَتقدم شَرحه مفصلا فِي الشَّاهِد الْأَرْبَعين بعد الْمِائَتَيْنِ. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعُونَ بعد السبعمائة)

стр. 4441

الطَّوِيل (هَمَمْت وَلم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عُثْمَان تبْكي حلائله) كَذَا قدره أَبُو عَليّ فِي كتاب الشّعْر وَأورد لَهُ نظيراً. وَالْمرَاد: هَمَمْت بقتْله وَلم أَفعلهُ وكدت أَقتلهُ. وَأوردهُ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَلَقَد هَمت بِهِ وهم بهَا على أَن الْهم الْقَصْد من هم بِالْأَمر: قَصده وعزم عَلَيْهِ كَمَا فِي الْبَيْت. وَمِنْه الْهمام للْملك لِأَنَّهُ إِذا قصد شَيْئا أَمْضَاهُ. والحلائل: جمع حَلِيلَة وَهِي الزَّوْجَة. وَالْمعْنَى: قصدت قتل عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ وَلم أفعل مَا قصدته وقاربته وليتني تركت زَوْجَاته يبْكين عَلَيْهِ. وَالْبَيْت من أَبْيَات سَبْعَة لضابئ البرجمي قَالَهَا فِي الْحَبْس وَمَات فِيهِ أوردهَا أَبُو تَمام فِي كتاب مُخْتَار أشعار الْقَبَائِل وَهِي: (من قافل أدنى الْإِلَه ركابه ... يبلغ عني الشّعْر إِذْ مَاتَ قَائِله) (فَلَا يقبلن بعدِي امْرُؤ سيم خطة ... حذار لِقَاء الْمَوْت وَالْمَوْت نائله) (وَلَا تتبعيني إِن هَلَكت ملامة ... فَلَيْسَ بِعَارٍ قتل من لَا تُقَاتِلهُ) (فَإِنِّي وَإِيَّاكُم وشوقاً إِلَيْكُم ... كقابض مَاء لم تطعه أنامله) (هَمَمْت وَلم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عُثْمَان تبْكي حلائله) (وقائلة لَا يبعدن ذَلِك الْفَتى ... إِذا احمر من برد الشتَاء أصائله)

стр. 4442

وَقَوله: من قافل اسْتِفْهَام أَي: من رَاجع وَجُمْلَة: أدنى الْإِلَه ركابه دعائية أَي: قرب الله إبِله إِلَى وَطنه. وَقَوله: سيم خطة أَي: كلف أمرا. ومفعول يقبلن مَحْذُوف. وَقَوله: وَلَا تتبعيني خطاب لامْرَأَته. وَقَوله: فَلَيْسَ بِعَارٍ ... إِلَخ أَي: قتل من لَا تقدر على مقاتلته لِأَن مَاتَ فِي حبس الإِمَام. وَقَوله: وقائلة أَي: رب قَائِله. وَلَا يبعدن أَي: لَا يهلكن من بعد من بَاب فَرح إِذا هلك. وَقَوله: إِذا احمر من برد ... إِلَخ يُرِيد أَنه مضياف فِي الشتَاء وَهُوَ زمن الْقَحْط عِنْد الْعَرَب لعدم نَبَات الأَرْض.) وَقَوله: لَا يبعد الله من أبعده أَي: أهلكه. وضابئ آخِره همزَة بعد مُوَحدَة وأوله ضاد مُعْجمَة وَهُوَ قَائِل الشّعْر. والكبش: السَّيِّد الشجاع. وضابئ هَذَا هُوَ ضابئ بن الْحَارِث بن أَرْطَاة من بني غَالب بن حَنْظَلَة التَّمِيمِي البرجمي بِضَم الْمُوَحدَة وَسُكُون الْمُهْملَة وَضم الْجِيم نِسْبَة إِلَى البراجم وهم سِتّ بطُون من أَوْلَاد حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم وهم: قيس وَعَمْرو وغالب وكلفة والظليم ومكاشر لقبوا بالبراجم لِأَن رجلا مِنْهُم اسْمه حَارِثَة بن عَامر قَالَ لَهُم: تَعَالَوْا فلنجتمع مثل براجم يَدي هَذِه

стр. 4443

وضابئ أدْرك النَّبِي ﷺ َ وَكن يقنص الْوَحْش فاستعار من بعض بني جَرْوَل بن نهشل كَلْبا اسْمه قرحان بِضَم الْقَاف وَسُكُون الْمُهْملَة بعْدهَا حاء مُهْملَة وَكَانَ يصيد بِهِ الْبَقر والظباء والضباع فطال مكثه عِنْده فطلبوه فَامْتنعَ فَرَكبُوا يطْلبُونَ كلبهم فَقَالَ لامْرَأَته: اخلطي لَهُم فِي قدرك من لُحُوم الْبَقر والظباء والضباع فَإِن عافوا بَعْضًا وأكلوا بَعْضًا تركُوا كلبك لَك وَإِن هم لم يفرقُوا فَلَا كلب لَك. فَلَمَّا أطْعمهُم أكلوه ثمَّ أخذُوا كلبهم فَغَضب ضابئ وَرمى أمّهم بالكلب وَقَالَ: الطَّوِيل (تجشم نحوي وَفد قرحان سربخاً ... تظل بِهِ الوجناء وَهِي حسير) (فأردفتهم كَلْبا فراحوا كَأَنَّمَا ... حباهم بتاج الهرمزان أَمِير) (وقلدتهم مَا لَو رميت متالعاً ... بِهِ وَهُوَ مغبر لكاد يطير) (فيا رَاكِبًا إِمَّا عرضت فبلغن ... أُمَامَة مني والأمور تَدور) ...

стр. 4444

(فأمكم لَا تتركوها وكلبكم ... فَإِن عقوق الوالدات كَبِير ) (فَإنَّك كلب قد ضريت بِمَا ترى ... سميع بِمَا فَوق الْفراش بَصِير) (إِذا عثنت من آخر اللَّيْل دخنة ... يبيت لَهُ فَوق الْفراش هرير) فَلَمَّا بَلغهُمْ الشّعْر وَأَنه رمى أمّهم بالكلب اسْتَعدوا عَلَيْهِ عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ فَقَالَ لَهُ عُثْمَان ﵁: مَا أعرف فِي الْعَرَب أفحش وَلَا ألأم مِنْك فَإِنِّي مَا رَأَيْت أحدا رمى أحدا بكلب غَيْرك وَإِنِّي لأظنك لَو كنت فِي زمن النَّبِي ﷺ َ لنزل فِيك وَحي فحبسه فِي السجْن فَقَالَ فِي الْحَبْس أبياتاً مِنْهَا: الطَّوِيل (وَمن يَك أَمْسَى بِالْمَدِينَةِ رَحْله ... فَإِنِّي وقيار بهَا لغريب) وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله مَعَ الأبيات فِي إِن الْمُشَدّدَة.) فَلَمَّا سَمعهَا أخرجه من الْحَبْس فَأخذ سكيناً فَجَعلهَا فِي أَسْفَل نَعله ليفتك بعثمان فَأعْلم بذلك فَضَربهُ ورده إِلَى الْحَبْس إِلَى أَن مَاتَ فِيهِ. وَفِي ذَلِك قَالَ الأبيات الَّتِي مِنْهَا: هَمَمْت وَلم فعل وكدت وليتني ... ... ... ... . . الْبَيْت وَلم يزل فِي الْحَبْس حَتَّى أَصَابَته الدُّبَيْلَة فَأَنْتن فَمَاتَ فِي الْحَبْس.

стр. 4445

وَلما قتل عُثْمَان جَاءَ عُمَيْر بن ضابئ فرفسه بِرجلِهِ فَكسر ضلعين من أضلاعه وَقَالَ: حبست أبي حَتَّى مَاتَ وَلما كَانَ زمن الْحجَّاج واستعرض أهل الْكُوفَة ليوجههم إِلَى الْمُهلب عرض عَلَيْهِ فيهم عُمَيْر بن ضابئ وَهُوَ شيخ كَبِير يرعش كبرا فَقَالَ: أَيهَا الْأَمِير إِنِّي من الضعْف على مَا ترى ولي ابْن أقوى على الْأَسْفَار مني أفتقبله بديلاً قَالَ: نعم. فَلَمَّا ولى قَالَ قَائِل: أَتَدْرِي من هَذَا أَيهَا الْأَمِير قَالَ: لَا قَالَ: هَذَا عُمَيْر ابْن ضابئ البرجمي الَّذِي يَقُول أَبوهُ: وَحكى الْقِصَّة فَقَالَ الْحجَّاج: ردُّوهُ عَليّ. فَلَمَّا رد قَالَ: أَيهَا الشَّيْخ هلا بعثت إِلَى عُثْمَان بديلاً يَوْم الدَّار إِن فِي قَتلك لصلاحاً للْمُسلمين يَا حرسي اضْرِب عُنُقه وَسمع ضوضاة فَقَالَ: مَا هَذَا قَالُوا: البراجم جَاءَت لتنصر عُمَيْرًا. قَالَ: أتحفوهم بِرَأْسِهِ فَوَلوا هاربين. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الْخَمْسُونَ بعد السبعمائة) وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:

стр. 4446

الوافر (عَسى الكرب الَّذِي أمسيت فِيهِ ... يكون وَرَاءه فرج قريب) على أَنه حذف أَن من خبر عَسى وَهُوَ قَلِيل وَالتَّقْدِير: أَن يكون وَرَاءه ... . إِلَخ. وَكَذَا قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي وَهُوَ ظَاهر كَلَام سِيبَوَيْهٍ قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَاعْلَم أَن من الْعَرَب من يَقُول: عَسى يفعل يشبهها بكاد يفعل فيفعل حِينَئِذٍ فِي مَوضِع الِاسْم الْمَنْصُوب فِي قَوْله عَسى الغوير أبؤساً. فَهَذَا مثل من أَمْثَال الْعَرَب أجروا فِيهِ عَسى مجْرى كَانَ. قَالَ هدبة: وَقَالَ: الطَّوِيل (عَسى الله يُغني عَن بِلَاد ابْن قَادر ... بمنهمر جون الربَاب سكوب) وَقَالَ: الوافر (فَمَا كيس فنجا وَلَكِن ... عَسى يغتر بِي حمق لئيم) اه. قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي هَذِه الأبيات إِسْقَاط أَن ضَرُورَة وَرفع الْفِعْل. والمستعمل فِي الْكَلَام أَن يكون كَمَا قَالَ تَعَالَى: عَسى أَن يَبْعَثك رَبك وعَسى الله أَن يَأْتِي بِالْفَتْح. والمنهمر: السَّائِل. والجون: الْأسود. والرباب: السَّحَاب. والحمق بِكَسْر الْمِيم: الأحمق.

стр. 4447

وَكَذَا قَالَ ابْن عُصْفُور فِي كتاب الضرائر وَبعد أَن أورد هَذِه الأبيات وَغَيرهَا قَالَ: وَمَا ذكرته من أَن اسْتِعْمَال الْفِعْل الْوَاقِع فِي مَوضِع خبر عَسى بِغَيْر أَن ضَرُورَة هُوَ مَذْهَب الْفَارِسِي وَجُمْهُور الْبَصرِيين. وَظَاهر كَلَام سِيبَوَيْهٍ يُعْطي أَنه جَائِز فِي الْكَلَام لِأَنَّهُ قَالَ: وَاعْلَم أَن من الْعَرَب من يقولك عَسى يفعل تَشْبِيها بكاد. فَأطلق القَوْل وَلم يُقيد ذَلِك بالشعر. إِلَّا أَنه يَنْبَغِي أَن لَا يحمل كَلَامه على عُمُومه لما ذكره أَبُو عَليّ من أَنَّهَا لَا تكَاد تَجِيء بِغَيْر أَن إِلَّا فِي ضَرُورَة. وَأَيْضًا فَإِن الْقيَاس يَقْتَضِي أَن لَا يجوز ذَلِك إِلَّا فِي الشّعْر وَلِأَن اسْتِعْمَالهَا بِغَيْر أَن إِنَّمَا هُوَ بِالْحملِ على كَاد لشبهها بهَا من حَيْثُ جمعتهما المقاربة. وَكَاد مَحْمُولَة فِي اسْتِعْمَالهَا بِغَيْر أَن على الْأَفْعَال الَّتِي هِيَ للأخذ فِي الشُّرُوع من جِهَة أَنَّهَا لمقاربة) ذَات الْفِعْل فقربت لذَلِك من الْأَفْعَال الَّتِي هِيَ للأخذ فِي الْفِعْل وَلَيْسَت عَسى كَذَلِك لِأَن فِيهَا تراخياً. أَلا ترى أَنَّك تَقول: عَسى زيد أَن يحجّ الْعَام وَإِنَّمَا عدت فِي أَفعَال المقاربة مَعَ مَا فِيهَا من التَّرَاخِي من جِهَة أَنَّهَا تدخل على الْفِعْل المرجو وَالْفِعْل المرجو قريب بِالنّظرِ إِلَى مَا لَيْسَ بمرجو. فَلَمَّا كَانَت مَحْمُولَة فِي اسْتِعْمَالهَا بِغَيْر أَن على مَا هُوَ مَحْمُول على غَيره ضعف الْحمل فَلم تَجِيء إِلَّا فِي الضَّرُورَة. انْتهى. وَالْبَيْت من قصيدة لهدبة بن خشرم قَالَهَا فِي الْحَبْس وَهِي: ...

стр. 4448

(طربت وَأَنت أَحْيَانًا طروب ... وَكَيف وَقد تعلاك المشيب) (يجد النأي ذكرك فِي فُؤَادِي ... إِذا ذهلت على النأي الْقُلُوب) (يؤرقني اكتئاب أبي نمير ... فقلبي من كآبته كئيب) (فَقلت لَهُ: هداك الله مهلا ... وَخير القَوْل ذُو اللب الْمُصِيب) (فَيَأْمَن خَائِف ويفك عان ... وَيَأْتِي أَهله الرجل الْغَرِيب) (أَلا لَيْت الرِّيَاح مسخرات ... بحاجتنا تباكر أَو تؤوب)

стр. 4449

(فتخبرنا الشمَال إِذا أتتنا ... وتخبر أهلنا عَنَّا الْجنُوب) (فَإنَّا قد حللنا دَار بلوى ... فتخطئنا المنايا أَو تصيب) (إِن يَك صدر هَذَا الْيَوْم ولى ... فَإِن غَدا لناظره قريب) (وَقد علمت سليمى أَن عودي ... على الْحدثَان ذُو أيد صَلِيب) (وَأَن خليقتي كرم وَأَنِّي ... إِذا أبدت نواجذها الحروب) (أعين على مكارمها وأغشى ... مكارهها إِذا كع الهيوب) (وَقد أبقى الْحَوَادِث مِنْك ركنا ... صليباً مَا تؤيسه الخطوب) (على أَن الْمنية قد توافي ... لوقت والنوائب قد تنوب) هَذَا مَا أوردهُ القالي فِي أَمَالِيهِ وَزَاد بعده الشريف الْحُسَيْنِي فِي حماسته: الوافر (وَإِنِّي فِي العظائم ذُو غناء ... وأدعى للفعال فأستجيب) (وَإِنِّي لَا يخَاف الْغدر جاري ... وَلَا يخْشَى غوائلي الْقَرِيب) (وَكَمن من صَاحب قد بَان عني ... رميت بفقده وَهُوَ الحبيب)) (مَخَافَة أَن يراني مستكيناً ... عَدو أَو يساء بِهِ قريب) (ويشمت كاشح ويظن أَنِّي ... جزوع عِنْد نائبة تنوب) (فبعدك سدت الْأَعْدَاء طرقاً ... إِلَيّ ورابني دهر يريب) ...

стр. 4450

(وَأنْكرت الزَّمَان وكل أَهلِي ... وهرتني لغيبتك الكليب) (وَكنت تقطع الْأَبْصَار دوني ... وَإِن وغرت من الغيظ الْقُلُوب) الطَّرب: خفَّة تصيب الْإِنْسَان لفرح أَو حزن. والنأي: الْبعد. ويؤرقني : يسهرني. والاكتئاب: افتعال من الكآبة وَهِي الْحزن. وَأَبُو نمير قَالَ اللَّخْمِيّ: هُوَ ابْن عَمه وَكَانَ مسجوناً مَعَه. وَقَالَ ابْن هِشَام فِي شرح شواهده: هُوَ رجل كَانَ مسجوناً مَعَه فجالسه يَوْمًا وَأظْهر لَهُ التألم. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: هُوَ رجل من قرَابَته زار هدبة أَيَّام حَبسه فأظهر الْحزن. والكآبة. وَقَوله: وَخير القَوْل ذُو اللب أَي: قَول ذِي اللب. وَرَوَاهُ ابْن المستوفي: وَخير القَوْل ذُو العيج الْمُصِيب بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّة وَالْجِيم وَقَالَ: وَهُوَ مَأْخُوذ من قَوْلهم: مَا عجت بِهِ أَي: لم أَرض بِهِ. وَإِن روى: العنج بالنُّون فَهُوَ الِاسْم من عنجت الْبَعِير أعنجه عنجاً وَهُوَ أَن يجذب الرَّاكِب قَالَ ابْن السيرافي: والعيج من القَوْل: مَا ينْتَفع بِهِ وَهُوَ مَأْخُوذ من قَوْلهم: مَا عدت بِكَلَامِهِ أَي: مَا انتفعت. كَذَا وجدته: العيج بِفَتْح الْعين وَالْيَاء. وَقَوله: عَسى الكرب الَّذِي أمسيت فِيهِ ... . إِلَخ الكرب: الْهم. قَالَ ابْن المستوفي: رُوِيَ بِفَتْح التَّاء وَضمّهَا من أمسيت. والنحويون إِنَّمَا يَرْوُونَهُ بِالضَّمِّ وَالْفَتْح عِنْدِي أولى لِأَنَّهُ يُخَاطب ابْن عَمه أَبَا نمير وَكَانَ مَعَه فِي السجْن. وَقَوله هَذَا لِابْنِ عَمه ليسليه بِهِ لما رَآهُ من خَوفه أَجود من أَن يكون يُرِيد بِهِ نَفسه لِأَن فِي قَوْله لِابْنِ عَمه زجرا
следующие страницы →