← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

الوافر (عَسى الكرب الَّذِي أمسيت فِيهِ ... يكون وَرَاءه فرج قريب) على أَنه حذف أَن من خبر عَسى وَهُوَ قَلِيل وَالتَّقْدِير: أَن يكون وَرَاءه ... . إِلَخ. وَكَذَا قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي وَهُوَ ظَاهر كَلَام سِيبَوَيْهٍ قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَاعْلَم أَن من الْعَرَب من يَقُول: عَسى يفعل يشبهها بكاد يفعل فيفعل حِينَئِذٍ فِي مَوضِع الِاسْم الْمَنْصُوب فِي قَوْله عَسى الغوير أبؤساً. فَهَذَا مثل من أَمْثَال الْعَرَب أجروا فِيهِ عَسى مجْرى كَانَ. قَالَ هدبة: وَقَالَ: الطَّوِيل (عَسى الله يُغني عَن بِلَاد ابْن قَادر ... بمنهمر جون الربَاب سكوب) وَقَالَ: الوافر (فَمَا كيس فنجا وَلَكِن ... عَسى يغتر بِي حمق لئيم) اه. قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي هَذِه الأبيات إِسْقَاط أَن ضَرُورَة وَرفع الْفِعْل. والمستعمل فِي الْكَلَام أَن يكون كَمَا قَالَ تَعَالَى: عَسى أَن يَبْعَثك رَبك وعَسى الله أَن يَأْتِي بِالْفَتْح. والمنهمر: السَّائِل. والجون: الْأسود. والرباب: السَّحَاب. والحمق بِكَسْر الْمِيم: الأحمق.

стр. 4447

وَكَذَا قَالَ ابْن عُصْفُور فِي كتاب الضرائر وَبعد أَن أورد هَذِه الأبيات وَغَيرهَا قَالَ: وَمَا ذكرته من أَن اسْتِعْمَال الْفِعْل الْوَاقِع فِي مَوضِع خبر عَسى بِغَيْر أَن ضَرُورَة هُوَ مَذْهَب الْفَارِسِي وَجُمْهُور الْبَصرِيين. وَظَاهر كَلَام سِيبَوَيْهٍ يُعْطي أَنه جَائِز فِي الْكَلَام لِأَنَّهُ قَالَ: وَاعْلَم أَن من الْعَرَب من يقولك عَسى يفعل تَشْبِيها بكاد. فَأطلق القَوْل وَلم يُقيد ذَلِك بالشعر. إِلَّا أَنه يَنْبَغِي أَن لَا يحمل كَلَامه على عُمُومه لما ذكره أَبُو عَليّ من أَنَّهَا لَا تكَاد تَجِيء بِغَيْر أَن إِلَّا فِي ضَرُورَة. وَأَيْضًا فَإِن الْقيَاس يَقْتَضِي أَن لَا يجوز ذَلِك إِلَّا فِي الشّعْر وَلِأَن اسْتِعْمَالهَا بِغَيْر أَن إِنَّمَا هُوَ بِالْحملِ على كَاد لشبهها بهَا من حَيْثُ جمعتهما المقاربة. وَكَاد مَحْمُولَة فِي اسْتِعْمَالهَا بِغَيْر أَن على الْأَفْعَال الَّتِي هِيَ للأخذ فِي الشُّرُوع من جِهَة أَنَّهَا لمقاربة) ذَات الْفِعْل فقربت لذَلِك من الْأَفْعَال الَّتِي هِيَ للأخذ فِي الْفِعْل وَلَيْسَت عَسى كَذَلِك لِأَن فِيهَا تراخياً. أَلا ترى أَنَّك تَقول: عَسى زيد أَن يحجّ الْعَام وَإِنَّمَا عدت فِي أَفعَال المقاربة مَعَ مَا فِيهَا من التَّرَاخِي من جِهَة أَنَّهَا تدخل على الْفِعْل المرجو وَالْفِعْل المرجو قريب بِالنّظرِ إِلَى مَا لَيْسَ بمرجو. فَلَمَّا كَانَت مَحْمُولَة فِي اسْتِعْمَالهَا بِغَيْر أَن على مَا هُوَ مَحْمُول على غَيره ضعف الْحمل فَلم تَجِيء إِلَّا فِي الضَّرُورَة. انْتهى. وَالْبَيْت من قصيدة لهدبة بن خشرم قَالَهَا فِي الْحَبْس وَهِي: ...

стр. 4448

(طربت وَأَنت أَحْيَانًا طروب ... وَكَيف وَقد تعلاك المشيب) (يجد النأي ذكرك فِي فُؤَادِي ... إِذا ذهلت على النأي الْقُلُوب) (يؤرقني اكتئاب أبي نمير ... فقلبي من كآبته كئيب) (فَقلت لَهُ: هداك الله مهلا ... وَخير القَوْل ذُو اللب الْمُصِيب) (فَيَأْمَن خَائِف ويفك عان ... وَيَأْتِي أَهله الرجل الْغَرِيب) (أَلا لَيْت الرِّيَاح مسخرات ... بحاجتنا تباكر أَو تؤوب)

стр. 4449

(فتخبرنا الشمَال إِذا أتتنا ... وتخبر أهلنا عَنَّا الْجنُوب) (فَإنَّا قد حللنا دَار بلوى ... فتخطئنا المنايا أَو تصيب) (إِن يَك صدر هَذَا الْيَوْم ولى ... فَإِن غَدا لناظره قريب) (وَقد علمت سليمى أَن عودي ... على الْحدثَان ذُو أيد صَلِيب) (وَأَن خليقتي كرم وَأَنِّي ... إِذا أبدت نواجذها الحروب) (أعين على مكارمها وأغشى ... مكارهها إِذا كع الهيوب) (وَقد أبقى الْحَوَادِث مِنْك ركنا ... صليباً مَا تؤيسه الخطوب) (على أَن الْمنية قد توافي ... لوقت والنوائب قد تنوب) هَذَا مَا أوردهُ القالي فِي أَمَالِيهِ وَزَاد بعده الشريف الْحُسَيْنِي فِي حماسته: الوافر (وَإِنِّي فِي العظائم ذُو غناء ... وأدعى للفعال فأستجيب) (وَإِنِّي لَا يخَاف الْغدر جاري ... وَلَا يخْشَى غوائلي الْقَرِيب) (وَكَمن من صَاحب قد بَان عني ... رميت بفقده وَهُوَ الحبيب)) (مَخَافَة أَن يراني مستكيناً ... عَدو أَو يساء بِهِ قريب) (ويشمت كاشح ويظن أَنِّي ... جزوع عِنْد نائبة تنوب) (فبعدك سدت الْأَعْدَاء طرقاً ... إِلَيّ ورابني دهر يريب) ...

стр. 4450

(وَأنْكرت الزَّمَان وكل أَهلِي ... وهرتني لغيبتك الكليب) (وَكنت تقطع الْأَبْصَار دوني ... وَإِن وغرت من الغيظ الْقُلُوب) الطَّرب: خفَّة تصيب الْإِنْسَان لفرح أَو حزن. والنأي: الْبعد. ويؤرقني : يسهرني. والاكتئاب: افتعال من الكآبة وَهِي الْحزن. وَأَبُو نمير قَالَ اللَّخْمِيّ: هُوَ ابْن عَمه وَكَانَ مسجوناً مَعَه. وَقَالَ ابْن هِشَام فِي شرح شواهده: هُوَ رجل كَانَ مسجوناً مَعَه فجالسه يَوْمًا وَأظْهر لَهُ التألم. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: هُوَ رجل من قرَابَته زار هدبة أَيَّام حَبسه فأظهر الْحزن. والكآبة. وَقَوله: وَخير القَوْل ذُو اللب أَي: قَول ذِي اللب. وَرَوَاهُ ابْن المستوفي: وَخير القَوْل ذُو العيج الْمُصِيب بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّة وَالْجِيم وَقَالَ: وَهُوَ مَأْخُوذ من قَوْلهم: مَا عجت بِهِ أَي: لم أَرض بِهِ. وَإِن روى: العنج بالنُّون فَهُوَ الِاسْم من عنجت الْبَعِير أعنجه عنجاً وَهُوَ أَن يجذب الرَّاكِب قَالَ ابْن السيرافي: والعيج من القَوْل: مَا ينْتَفع بِهِ وَهُوَ مَأْخُوذ من قَوْلهم: مَا عدت بِكَلَامِهِ أَي: مَا انتفعت. كَذَا وجدته: العيج بِفَتْح الْعين وَالْيَاء. وَقَوله: عَسى الكرب الَّذِي أمسيت فِيهِ ... . إِلَخ الكرب: الْهم. قَالَ ابْن المستوفي: رُوِيَ بِفَتْح التَّاء وَضمّهَا من أمسيت. والنحويون إِنَّمَا يَرْوُونَهُ بِالضَّمِّ وَالْفَتْح عِنْدِي أولى لِأَنَّهُ يُخَاطب ابْن عَمه أَبَا نمير وَكَانَ مَعَه فِي السجْن. وَقَوله هَذَا لِابْنِ عَمه ليسليه بِهِ لما رَآهُ من خَوفه أَجود من أَن يكون يُرِيد بِهِ نَفسه لِأَن فِي قَوْله لِابْنِ عَمه زجرا

стр. 4451

لَهُ: مهلا أَي: امهل يدل على مَا ذكرته. وَلَا يجوز أَن يُقَال: إِن اكتئاب ابْن عَمه إِنَّمَا كَانَ حذرا على هدبة لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لما قَالَ لَهُ: مهلا وَلِأَن الْإِنْسَان أَكثر عناية بِنَفسِهِ من عنايته بِغَيْرِهِ. وَلَا يمْتَنع ضم التَّاء على أَن يُرِيد بِهِ: لَا يضق صدرك بِشَيْء فَإِن الكرب الَّذِي أمسيت فِيهِ يكون لَهُ فرج قريب فيزول مَا عنْدك. انْتهى.) وَعين اللَّخْمِيّ فتح التَّاء قَالَ: الرِّوَايَة عَن أبي الْقَاسِم الزجاجي ضم التَّاء وَإِنَّمَا هِيَ تَاء الْمُخَاطب لِأَن مَا قبل الْبَيْت يدل عَلَيْهَا لِأَنَّهُ يُخَاطب أَبَا نمير وَهُوَ ابْن عَمه وَكَانَ مسجوناً مَعَه. وَقَالَ ابْن هِشَام: وَرَاء ظرف مؤنث تصغيره على وريئة وَظُهُور الْهمزَة فِي تصغيره دَلِيل على أَنه لَيْسَ من واريت كَمَا قَالَ بَعضهم. وَالْأَظْهَر أَنه بِمَعْنى أَمَام كَقَوْلِه تَعَالَى: من وَرَائه جَهَنَّم وَكَانَ وَرَاءَهُمْ ملك يَأْخُذ كل سفينة غصبا. والفرج: انكشاف الْهم. وَفِي يكون ضمير الكرب وَيجوز أَن تكون نَاقِصَة وتامة وعَلى الأول يكون فرج: مُبْتَدأ وَقَرِيب: صفته والظرف: خبر وَالْجُمْلَة الاسمية خبر يكون. وعَلى الثَّانِي تكون الْجُمْلَة حَالا. وَيجوز على الْوَجْهَيْنِ أَن يكون فرج فَاعِلا بالظرف على أَنه خبر النَّاقِصَة وَحَال من فَاعل التَّامَّة. وَهَذَا أرجح من تَقْدِيره مُبْتَدأ. وَإِنَّمَا لم أقدر فرج اسْم يكون على أَنَّهَا النَّاقِصَة ووراءه الْخَبَر أَو فَاعِلا ليَكُون على أَنَّهَا التَّامَّة ووراءه مُتَعَلق

стр. 4452

بيكون كَمَا فعل بَعضهم لِأَن فَاعل الْفِعْل الْوَاقِع فِي بَاب كَاد لَا يكون إِلَّا ضميراً رَاجعا للاسم السَّابِق فَلَا يجوز كَاد زيد يَمُوت أَبوهُ. وَمَا خرج عَن ذَلِك نَادِر فَلَا يحمل عَلَيْهِ مَعَ وجود مندوحة عَنهُ. وَكَذَلِكَ لَا يكون اسْم يكون ضمير الشَّأْن كَمَا قدره جمَاعَة لما ذكرنَا. انْتهى كَلَامه. وعان: أَسِير. وَأَرَادَ بدار بلوى: السجْن. والناظر هُنَا: المنتظر. والأيد: الْقُوَّة. وكع: جبن وَخَافَ. وَمَا تؤيسه: مَا تذلله وَمَا تُؤثر بِهِ بِالْمُوَحَّدَةِ بعد الْهمزَة. وَبَاقِي أَلْفَاظ القصيدة ظَاهِرَة. وهدبة هُوَ هدبة بن خشرم بن كرز بن أبي حَيَّة بن الكاهن وَهُوَ سَلمَة ابْن أسحم بن عَامر بن ثَعْلَبَة بن عبد الله بن ذبيان بن الْحَارِث بن سعد بن هذيم وَسعد: ابْن أسلم بن الحاف بن قضاعة وَيُقَال: بل هُوَ سعد بن أسلم بن هذيم وهذيم عبد لِأَبِيهِ رباه فَقيل: سعد بن هذيم يَعْنِي سَعْدا هَذَا. وهدبة شَاعِر فصيح مُتَقَدم من بادية الْحجاز وَكَانَ شَاعِرًا راوية وَكَانَ يروي للحطيئة والحطيئة يروي لكعب بن زُهَيْر. وَكَانَ جميل راوية هدبة وَكثير راوية جميل. وَكَانَ لهدبة ثَلَاثَة أخوة كلهم شَاعِر وَأمه كَانَت شاعرة أَيْضا. كَذَا فِي الأغاني. وهدبة بِضَم الْهَاء وَسُكُون الدَّال بعْدهَا مُوَحدَة. وخشرم بِفَتْح الْخَاء وَسُكُون الشين) المعجمتين. وكرز بِضَم الْكَاف وَسُكُون الْمُهْملَة. وَأَبُو حَيَّة بِفَتْح الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة.

стр. 4453

وَسبب حَبسه على مَا رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ بِسَنَدِهِ فِي الأغاني: أَن هدبة بن خشرم وَزِيَادَة بن زيد بن مَالك بن عَامر بن قُرَّة بن حنيش بن عَمْرو بن ثَعْلَبَة بن عبد الله ابْن ذبيان بن الْحَارِث بن سعد بن هذيم الْمَذْكُور اصْطَحَبَا وهما مقبلان من الشَّام فِي ركب من قومهما فَكَانَا يتعاقبان السُّوق بِالْإِبِلِ وَكَانَ مَعَ هدبة أُخْته فَاطِمَة فَنزل زِيَادَة فارتجز فَقَالَ: الرجز (أَلا تَرين الدمع مني ساجما ... حذار دَار مِنْك أَن تلائما) (فعرجت مطرداً عراهما ... فعماً يبذ القطف الرواسما) (كَأَن فِي الْمُثَنَّاة مِنْهُ عائما ... إِنَّك وَالله لِأَن تباغما) (خوداً كَأَن البوص والماكما ... مِنْهَا نقاً مخالط صرائما) (خير من استقبالك السمائما ... وَمن مُنَاد يَبْتَغِي معاكما) وَقَوله: مَا بَين أَن يرى الْبَعِير أَي: مَا بَين مناخ الْبَعِير إِلَى قِيَامه. ومطرد: متتابع السّير وعراهم: شَدِيد. وفعم: ضخم. والرسيم: سير فَوق الْعُنُق. والرواسم: الْإِبِل الَّتِي تسير هَذَا السّير. والمثناة الزِّمَام وعائم: سابح. وتباغم: تكلم. والبوص: الْعَجز. والمأكمتان: مَا عَن يَمِين الْعَجز وشماله. والنقا: مَا عظم من الرمل. والصرائم: دونه. ومعاكماً أَي: يعينك على عكمك حَتَّى تشده.

стр. 4454

فَغَضب هدبة حِين سمع زِيَادَة يرجز بأخته فَنزل فرجز بأخت زِيَادَة وَكَانَت تدعى أم خازم وَقيل: أم قَاسم فَقَالَ: الرجز (لقد أَرَانِي والغلام الحازما ... نزجي الْمطِي ضمراً سواهُمَا) (يبلغن أم خازم وخازما ... إِذا هبطن مستحيراً قاتما) (وَرفع الْحَادِي لَهَا الهماهما ... أَلا تَرين الْحزن مني دَائِما) (حذار دَار مِنْك أَن تلائما ... وَالله لَا يشفي الْفُؤَاد الهائما) (تمساحك اللبات والماكما ... وَلَا اللمام دون أَن تلازما) (وَلَا اللئام قبل أَن تفاقما ... وَتَعْلُو القوائم القوائما)) وَقَوله: تَقول القلص ... إِلَخ أوردهُ النحويون شَاهدا على إِعْمَال القَوْل إِعْمَال الظَّن. والعياهم: الشداد. قَالَ: فشتمه زِيَادَة وَشَتمه هدبة وتسابا طَويلا فصاح بهما الْقَوْم: اركبا لَا حملكما الله فَإنَّا قوم حجاج. وخشوا أَن يَقع بَينهمَا شَرّ فوعظوهما حَتَّى أمسك كل وَاحِد مِنْهُمَا على مَا فِي نَفسه وهدبة أشدهما حنقاً لِأَنَّهُ رأى أَن زِيَادَة قد ضامه إِذْ رجز بأخته وَهِي تسمع

стр. 4455

قَوْله ورجز هُوَ بأخته وَكَانَت أُخْت زِيَادَة غَائِبَة لَا تسمع قَوْله فمضيا وَلم يتحاورا بِكَلِمَة حَتَّى قضيا حجهما ورجعا إِلَى عشائرهما. وَجعل هدبة وَزِيَادَة يتهاديان الْأَشْعَار. وَلم يزل هدبة يطْلب غرَّة زِيَادَة حَتَّى أَصَابَهَا فَقتله وهرب وعَلى الْمَدِينَة يَوْمئِذٍ سعيد بن الْعَاصِ فَأرْسل إِلَى عَم هدبة وَأَهله فحبسهم بِالْمَدِينَةِ فَلَمَّا بلغ هدبة ذَلِك أقبل حَتَّى أمكن من نَفسه وتخلص عَمه وَأَهله فَلم يزل مَحْبُوسًا حَتَّى شخص عبد الرَّحْمَن بن زيد أَخُو زِيَادَة إِلَى مُعَاوِيَة فأورد كِتَابه إِلَى سعيد بِأَن يُقَيِّدهُ مِنْهُ إِذا قَامَت الْبَيِّنَة. فكره سعيد الحكم بَينهمَا فحملهما إِلَى مُعَاوِيَة فَلَمَّا صَارُوا بَين يَدَيْهِ قَالَ لَهُ مُعَاوِيَة: قل يَا هدبة. فَقَالَ: إِن هَذَا الرجل سجاعة فَإِن شِئْت أَن أقص عَلَيْك قصتنا كلَاما أَو شعرًا فعلت. قَالَ: بل شعرًا. فَقل هدبة هَذِه القصدية ارتجالاً: الطَّوِيل (أَلا يَا لقومي للنوائب والدهر ... وللمرء يردي نَفسه وَهُوَ لَا يدْرِي) (وللأرض كم من صَالح قد تأكمت ... عَلَيْهِ فوارته بلماعة قفر) (فَلَا تتقي ذَا هَيْبَة لجلاله ... وَلَا ذَا ضيَاع هن يتركن للفقر) حَتَّى قَالَ: (رمينَا فرامينا فصادف رمينَا ... منايا رجال فِي كتاب وَفِي قدر) (وَأَنت أَمِير الْمُؤمنِينَ فَمَا لنا ... وَرَاءَك من معدى وَلَا عَنْك من قصر) وَهَذَا الْبَيْت الْأَخير من شَوَاهِد النَّحْوِيين. وتأكمت: صَارَت أكمة. وروى بدله: قد توأدت قد تلمأت وتلأمت أَي: وارته.)

стр. 4456

فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة: أَرَاك يَا هدبة قد أَقرَرت بقتل صَاحبهمْ. ثمَّ قَالَ لعبد الرَّحْمَن: هَل لزِيَادَة ولد فَقَالَ: نعم الْمسور وَهُوَ غُلَام صَغِير لم يبلغ وَأَنا عَمه وَولي دم أَبِيه. فَقَالَ: إِنَّك لَا تؤمن على أَخذ الدِّيَة أَو قتل الرجل بِغَيْر حق والمسور أَحَق بِدَم أَبِيه. فَرده إِلَى الْمَدِينَة فحبس ثَلَاث سِنِين حَتَّى بلغ الْمسور. وَذهب عبد الرَّحْمَن بالمسور وَقد بلغ إِلَى وَالِي الْمَدِينَة وَهُوَ سعيد بن الْعَاصِ وَقيل: مَرْوَان بن الحكم فَأخْرج هدبة فَلَمَّا مُضِيّ بِهِ من السجْن للْقَتْل والتفت فَرَأى امْرَأَته وَكَانَت من أجمل النِّسَاء فَقَالَ: الطَّوِيل (أقلي عَليّ اللوم يَا أم بوزعا ... وَلَا تعجبي مِمَّا أصَاب فأوجعا) (وَلَا تنكحي إِن فرق الدَّهْر بَيْننَا ... أغم الْقَفَا وَالْوَجْه لَيْسَ بأنزعا) (كليلاً سوى مَا كَانَ من حد ضرسه ... أعيبد مبطان العشيات أروعا) (ضروباً بلحييه على عظم زوره ... إِذا النَّاس هشوا للفعال تقنعا) (وحلي بِذِي أكرومة وحمية ... وصبر إِذا مَا الدَّهْر عض فأسرعا)

стр. 4457

فمالت زَوجته إِلَى جزار وَأخذت شفرته فجدعت بِهِ أنفها وجاءته تدمي مجدوعة فَقَالَت: أتخاف أَن يكون بعد هَذَا نِكَاح قَالَ: فرسف فِي قيوده وَقَالَ: الْآن طَابَ الْمَوْت فَإِذا هُوَ بأبويه يتوقعان الثكل فهما بِسوء حَال فَقبل عَلَيْهِمَا وَقَالَ: الرمل (أبلياني الْيَوْم صبرا مِنْكُمَا ... إِن حزنا إِن بدا بادئ شَرّ) (لَا أَرَانِي الْيَوْم إِلَّا مَيتا ... إِن بعد الْمَوْت دَار المستقر) (اصبرا الْيَوْم فَإِنِّي صابر ... كل حَيّ لقَضَاء وَقدر) قَالَ النَّوْفَلِي: حَدثنِي أبي عَن رجل من عذرة عَن أَبِيه قَالَ: إِنِّي لفي بِلَادنَا يَوْمًا فِي بعض الْمِيَاه فَإِذا أَنا بِامْرَأَة تمشي أَمَامِي وَهِي مُدبرَة وَلها خلق عَجِيب من عجز وهيئة وَتَمام جسم وَتَمام قامة وَإِذا صبيان قد اكتنفاها يمشيان قد ترعرعا فتقدمتها والتفت إِلَيْهَا وَإِذا هِيَ أقبح منظر وَإِذ هِيَ مجدوعة الْأنف مَقْطُوعَة الشفتين فَسَأَلت عَنْهَا فَقيل لي: هَذِه امْرَأَة هدبة تزوجت بعده رجلا أولدها هذَيْن الصَّبِيَّيْنِ. قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي حَدِيثه: فَسَأَلَ سعيد بن الْعَاصِ أَخا زِيَادَة أَن يقبل الدِّيَة عَنهُ فَقَالَ: أُعْطِيك مَا لم يُعْطه أحد من) الْعَرَب: أعطك مائَة نَاقَة حَمْرَاء لَيْسَ فِيهَا ذَات دَاء. فَقَالَ لَهُ: وَالله لَو نقبت لي قبتك هَذِه ثمَّ

стр. 4458

وَلم يزل سعيد يسْأَله حَتَّى عرض عَلَيْهِ سِتّ ديات فَأبى فَدفعهُ إِلَيْهِ حِينَئِذٍ لقَتله بأَخيه فَاسْتَأْذن هدبة فِي أَن يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَأذن لَهُ فصلاهما وخفف ثمَّ الْتفت إِلَى من حضر فَقَالَ: لَوْلَا أَن يظنّ بِي الْجزع لأطلتهما فقد كنت مُحْتَاجا إِلَى إطالتهما. ثمَّ قَالَ لأَهله: إِنَّه بَلغنِي أَن الْقَتِيل يعقل سَاعَة بعد سُقُوط رَأسه فَإِن عقلت فني قَابض رجْلي وباسطها ثَلَاثًا فَفعل ذَلِك حِين قتل. وَقَالَ قبل أَن يقتل: الطَّوِيل (إِن تقتلوني فِي الْحَدِيد فإنني ... قتلت أَخَاكُم مُطلقًا لم يُقيد) فَقَالَ عبد الرَّحْمَن أَخُو زِيَادَة: وَالله لَا قتلته إِلَّا مُطلقًا من وثَاقه. فَأطلق لَهُ وَتَوَلَّى قَتله ابْنه الْمسور دفع إِلَيْهِ عَمه السَّيْف وَقَالَ: قُم فَاقْتُلْ قَاتل أَبِيك. فَقَامَ فَضَربهُ ضربتين قَتله فيهمَا. وهدبة أول من سنّ رَكْعَتَيْنِ عِنْد الْقَتْل. هَذَا مَا اختصرته من الأغاني.

стр. 4459

وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ بعد السبعمائة) الطَّوِيل على أَن السِّين فِي قَوْله: ستطفئ قَائِمَة عِنْد الْمُتَأَخِّرين مقَام أَن لِكَوْنِهِمَا للاستقبال. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمفصل: وَلما انحرف الشَّاعِر فِي هَذَا الْبَيْت عَمَّا عَلَيْهِ الِاسْتِعْمَال جَاءَ بِالسِّين الَّتِي هِيَ نظيرة أَن يَعْنِي لما لم يَأْتِ الشَّاعِر بِمَا حَقه أَن يَجِيء بِهِ مَعَ عَسى فِي الْخَبَر وَهُوَ أَن أَتَى بِمَا يقوم مقَامه فِي الدّلَالَة على الِاسْتِقْبَال وَهُوَ السِّين. وعَلى أَن ذَلِك شَاذ. وكما دخل أَن فِي خبر لَعَلَّ حملا على عَسى دخل السِّين فِي خبر عَسى حملا على لَعَلَّ. وَالْبَيْت آخر أَبْيَات أَرْبَعَة أوردهَا أَبُو تَمام فِي بَاب المراثي من الحماسة وَعَزاهَا لقسام بن رَوَاحَة السنبسي. وَقَبله: (لبئس نصيب الْقَوْم من أخويهم ... طراد الْحَوَاشِي واستراق النَّوَاضِح) (وَمَا زَالَ من قَتْلَى رزاح بعالج ... دم ناقع أَو جاسد غير ماصح) (دَعَا الطير حَتَّى أَقبلت من ضرية ... دواعي دم مهراقة غير بارح) عَسى طَيئ من طَيئ ... ... ... ... . . الْبَيْت) يُرِيد بأخويهم: صاحبيهم يُقَال: يَا أَخا بكر يُرَاد: يَا وَاحِدًا

стр. 4460

مِنْهُم. والحاشية: صغَار الْإِبِل ورذالها. والنواضح: جمع نَاضِح وَهِي الْإِبِل الَّتِي يستسقى عَلَيْهَا المَاء جعلت كَأَنَّهَا تنضح الزَّرْع وَالنَّخْل. وطراد وَمَا عطف عَلَيْهِ بدل من نصيب يَقُول: إِنَّهُم لَا يقدمُونَ على الْقَوْم يَعْنِي: بلغ من جبنهم أَن لَا يتَعَرَّضُوا للرعاة إِلَّا سَرقَة يسرقون النَّوَاضِح ويطردون الْحَوَاشِي فيرضون بذلك من طلب الثأر فبئس الْعِوَض ذَلِك من دم أخويهم يهزأ بهم. وَهَذَا تَعْرِيض بِمن وَجب عَلَيْهِ طلب الدَّم فاقتصر على الْغَارة وسرقة الْإِبِل. وَفِيه بعث على طلب الدَّم. وأكد ذَلِك بقوله: وَمَا زَالَ من قَتْلَى رزاح ... . إِلَخ وَهُوَ برَاء مَفْتُوحَة وزاي وحاء مُهْملَة: قَبيلَة من خولان. وقتلى: جمع قَتِيل. وعالج بِالْجِيم: مَوضِع بالبادية فِيهِ رمل. وَالدَّم الناقع بالنُّون وَالْقَاف قيل: الثَّابِت وَقيل: الطري. وَالدَّم الجاسد بِالْجِيم قيل: الْقَدِيم وَقيل: الْيَابِس. والماصح بالصَّاد الْمُهْملَة من مصح كمنع مصوحاً: ذهب وَانْقطع. يَقُول: لَا يزَال من مقتولي هَذِه الْقَبِيلَة بِهَذَا الْمَكَان دم طري ويابس غير زائل. يَعْنِي: أَن دِمَاءَهُمْ بَاقِيَة بِحَالِهَا مَا لم يثاروا بهَا لِأَن غسل تِلْكَ الدِّمَاء إِنَّمَا يكون بِمَا يصب من دِمَاء أعداءهم. وَلم يكتف بِهَذَا الإغراء حَتَّى قَالَ: دَعَا الطير ... . إِلَخ يَقُول: دَعَا دواعي دِمَائِهِمْ طيور الْأَمَاكِن الْبَعِيدَة وَالْجِبَال المطلة حَتَّى أَتَت سباعهم وطيورها وَقعت عَلَيْهَا تَأْكُل مِنْهَا. ومهراقة: الْهَاء ضمير الدَّم يَعْنِي: أَنه مصبوب فِي مَوْضِعه لم يزل وَلم يحل. قَالَ الطبرسي: وَيجوز أَن يُرِيد بالمهراق الْموضع المصبوب فِيهِ الدَّم. وَفِيه حث على طلب الثأر. وضرية: اسْم بِلَاد تشْتَمل على بِلَاد سميت باسم ضرية بنت ربيعَة بن نزار كَمَا قيل للْمَاء الَّذِي بَين

стр. 4461

الْبَصْرَة وَمَكَّة الحوءب كجعفر بِالْحَاء الْمُهْملَة سمي بالحوءب بنت كلب بن وبرة. وَقَوله: عَسى طَيئ ... إِلَخ قَالَ المرزوقي: عَسى لَفْظَة وضعت للترجي والتأميل إِلَّا أَنَّهَا تؤذن بِأَن الْفِعْل مُسْتَقْبل مطموع فِيهِ. وَوضع السِّين بدل أَن فِي خبر عَسى لاشْتِرَاكهمَا فِي الدّلَالَة على الِاسْتِقْبَال مَعَ أَن السِّين أشهر فِيهَا. وَمعنى عَسى طَيئ: لَعَلَّ الْبَطن المغلوب من هَذِه الْقَبِيلَة فِي الْقِتَال ينتصف من الْبَطن الْغَالِب مِنْهَا فِيهِ. وَقَوله: بعد هَذِه إِشَارَة إِلَى الْحَالة الْحَاضِرَة بالتذكير الجامعة لكل مَا ذكره.) والغلات: جمع غلَّة بِالضَّمِّ: حرارة الْجوف. وَالْمعْنَى: المرجو من أَوْلِيَاء الدَّم أَن يطلبوا الثأر فِي الْمُسْتَقْبل وَإِن كَانُوا أخروه إِلَى هَذِه الْغَايَة فتسكن نفوس وتبرد قُلُوب. وَكَانَت القبيلتان مَعًا من طَيئ لِأَن طيئاً قبائل يكون أبدا بَينهم قتال. وطيئ بِالْهَمْزَةِ على وزن السَّيِّد وَقد تحذف الْهمزَة فَيبقى كحي. والكلى: جمع كُلية أَو كلوة. والجوانح: الضلوع جمع جانحة. قَالَ بَعضهم: الْغلَّة إِنَّمَا تكون فِي الْقلب وَلكنه أَرَادَ الْمُبَالغَة أَي: تجَاوز الْقلب والكبد إِلَى الْكُلية. وَقَالَ الْخَوَارِزْمِيّ: إِن سُئِلَ أَي غلَّة للكلى حَتَّى أضيفت إِلَيْهَا أُجِيب بِأَن المزاج عِنْد وُرُود الهموم وَالْأَحْزَان عَلَيْهِ مِمَّا ينفعل ويسخن فَإِذا سخن المزاج حمي الْبَوْل واحتد وَالْبَوْل مَمَره على الكلى فَكَأَنَّهُ قَالَ: ستطفئ الغلل الَّتِي يظْهر أَثَرهَا فِي الْبَوْل. هَذَا كَلَامه.

стр. 4462

وَقَائِل هَذِه الأبيات شَاعِر جاهلي وَهُوَ فِي بعض نسخ الحماسة: قسام بن رَوَاحَة وَفِي بعض آخر مِنْهَا: قسَامَة بن رَوَاحَة بِزِيَادَة الْهَاء. وَهُوَ بِفَتْح الْقَاف وَتَخْفِيف السِّين الْمُهْملَة. وَفِي كل مِنْهُمَا رُوِيَ ابْن رَوَاحَة السنبسي والعنبسي. وَقد أوردهُ الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف فِيمَن يُقَال لَهُ ابْن رَوَاحَة قَالَ: وَمِنْهُم قسام بن رَوَاحَة العنبسي لَيْسَ لَهُ عِنْدِي فِي شعراء طَيئ ذكر. وَأنْشد لَهُ الطَّائِي فِي الحماسة: لبئس نصيب الْقَوْم الأبيات الْأَرْبَعَة. هَذَا مَا ذكره وَلم يرفع نسبه. وَهَذَا نسبه من جمهرة الْأَنْسَاب وَقَالَ: قسَامَة الشَّاعِر ابْن رَوَاحَة بن جلّ بِضَم الْجِيم وَتَشْديد اللَّام ابْن حق بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْقَاف ابْن ربيعَة ابْن عبد رضى بِضَم الرَّاء الْمُهْملَة وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة بعْدهَا ألف مَقْصُورَة ابْن ود بِفَتْح الْوَاو وَتَشْديد الدَّال ابْن ود بضبط مَا قبله أَيْضا ابْن معن بن عتود بِفَتْح الْمُهْملَة بعْدهَا مثناة فوقية مَضْمُومَة ابْن عنين بِضَم الْمُهْملَة وَبَين النونين مثناة تحتية ابْن سلامان ابْن ثعل بِضَم الْمُثَلَّثَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة ابْن عَمْرو بن وَلم أر فِي نسبه لَا سنبسا وَلَا عنبسا وَالله أعلم. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ بعد السبعمائة)

стр. 4463

الوافر (فعادى بَين هاديتين مِنْهَا ... وَأولى أَن يزِيد على الثَّلَاث) على أَن أولى من مرادفات كَاد وَلَا تسْتَعْمل إِلَّا مَعَ أَن. كَذَا قَالَ ابْن مَالك فِي التسهيل وَمثل لَهُ شراحه بِهَذَا الْبَيْت. قَالَ ابْن عقيل: عادى من العداء بِكَسْر الْعين وَهُوَ الْمُوَالَاة بَين الصيدين بصرع أَحدهمَا على أثر الآخر فِي طلق وَاحِد وَمِنْه قَول امْرِئ الْقَيْس: الطَّوِيل (فَعَاد عداء بَين ثَوْر ونعجة ... داركاً وَلم ينضح بِمَاء فَيغسل) والهادية: أول الْوَحْش وَمِنْه قَول امْرِئ الْقَيْس: (كَأَن دِمَاء الهاديات بنحره ... عصارة حناء بشيب مرجل) وَقَالَ صَاحب الصِّحَاح: أنْشد الْأَصْمَعِي هَذَا الْبَيْت وَقَالَ: أَي قَارب أَن يزِيد. قَالَ ثَعْلَب: وَلم وَاسْتظْهر الشَّارِح الْمُحَقق أَن يكون أولى الْمُسْتَعْمل مَعَ أَن فعلا تَاما مُتَعَدِّيا وَأَن مَعَ منصوبه مَفْعُولا لأولى فَإِنَّهُ بِمَعْنى قَارب وَهُوَ فعل مُتَعَدٍّ. وَإِنَّمَا اسْتَظْهرهُ للُزُوم أَن مَعَ الْفِعْل وَهَذَا خلاف شَأْن أَفعَال المقاربة. وَأما أولى الْمُسْتَعْمل مَعَ اللَّام فِي قَوْلهم: أولى لَك وَأولى لَهُ وَأولى لي فَهُوَ اسْم للوعيد غير منصرف للعلمية وَوزن الْفِعْل. لَا أفعل تَفْضِيل لأَفْعَل بِدَلِيل قَوْلهم: أولاة الْآن. وَهُوَ من الْوَلِيّ وَهُوَ الْقرب. قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل عِنْد إنشاد قَول الخنساء:

стр. 4464

المتقارب (هَمَمْت بنفسي كل الهموم ... فَأولى لنَفْسي أولى لَهَا) يَقُول الرجل إِذا حاول شَيْئا فأفلته من بعد مَا كَاد يُصِيبهُ: أولى لَهُ. وَإِذا أفلت من عَظِيمَة قَالَ: أولى لي. ويروى عَن ابْن الْحَنَفِيَّة رَحْمَة الله عَلَيْهِ أَنه كَانَ يَقُول: إِذا مَاتَ ميت فِي جواره أَو فِي دَاره: أولى لي كدت أكون السوَاد المخترم. وَأنْشد لرجل يقتنص الصَّيْد فَإِذا أفلته الصَّيْد قَالَ: أولى لَك. فَكثر ذَلِك مِنْهُ فَقَالَ: الطَّوِيل (فَلَو كَانَ أولى يطعم الْقَوْم صدتهم ... وَلَكِن أولى يترق الْقَوْم جوعا) اه.) وَقَالَ الْفَارِسِي فِي كتاب الشّعْر: أولى: اسْم مُبْتَدأ وَلَك: الْخَبَر. وَلَا يجوز أَن يكون أفعل من كَذَا لِأَن أَبَا زيد حكى أَنهم يَقُولُونَ: أولاة الْآن إِذا أوعدوا. فدخول عَلامَة التَّأْنِيث على أفعل يدلك على أَنه لَيْسَ بأفعل من كَذَا وَأَنه مثل أرملة وأضحاة فِي أَنه على أفعل لَا يُرَاد بِهِ اتِّصَال الْجَار بِهِ إِلَّا أَنهم جعلُوا الْمُؤَنَّث فِيهِ أَيْضا معرفَة كَمَا جعلُوا الْمُذكر كَذَلِك فَصَارَ بِمَنْزِلَة شَيْء سمي بأضحاة فَلم ينْصَرف. فَأَما فِي قَوْله: أولى فَأولى يَا امْرِئ الْقَيْس فَالْخَبَر مِنْهُ مَحْذُوف للْعلم بِهِ. أَلا ترى أَن الْكَلِمَة اسْتعْملت كثيرا فِي الْوَعيد حَتَّى صَارَت علما لَهُ فَحذف الْخَبَر لذَلِك. فَإِن قلت: أَيجوزُ أَن يكون أولى اسْما للْفِعْل وَفِيه ضمير الْمُخَاطب كأف ووشكان وَيكون لَك فِي أولى لَك لَا يكون الْخَبَر وَلكنه

стр. 4465

بِمَنْزِلَة قَوْلهم لَك فِي: هَلُمَّ لَك للتبيين وَفِي سقيا لَك وَنَحْو ذَلِك وَيكون امْتنَاع التَّنْوِين من الدُّخُول عَلَيْهِ كامتناعه على وشكان وَنَحْوه لَا كَمَا امْتنع من الدُّخُول على غير المنصرف فَالْجَوَاب مَا قدمْنَاهُ من أَن مَوضِع أولى رفع بِالِابْتِدَاءِ. وَيدل على صِحَة ذَلِك أَن أَبَا زيد حكى أَنهم يَقُولُونَ: أولاة الْآن بِالرَّفْع وَهَذَا تَأْنِيث أولى وَلَو كَانَ اسْما للْفِعْل لم يرفع. أَلا ترى أَنَّك لَا تَجِد فِيمَا سمي بِهِ الْفِعْل شَيْئا مَرْفُوعا فَيجْعَل أولى مثله. والآن فِي قَوْلهم: أولاة وَأنْشد بعده: الطَّوِيل وَمَا كدت آيباً على أَنه اسْتعْمل كَاد فِي الضَّرُورَة مثل كَانَ فجَاء خَبَرهَا مُفردا فِي قَوْله: وَمَا كدت آيباً كَمَا يَجِيء خبر كَانَ مُفردا. وَهَذَا قِطْعَة من بَيت وَهُوَ: (فَأَبت إِلَى فهم وَمَا كدت آيباً ... وَكم مثل فارقتها وَهِي تصفر) وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ مشروحاً فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ بعد الستمائة. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الثَّالِث وَالْخَمْسُونَ بعد السبعمائة) وَهُوَ من شَوَاهِد س: الرجز قد كَاد من طول البلى أَن يمصحا

стр. 4466

على أَنه جَازَ اقتران خبر كَاد ب أَن لما ذكره. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقد جَاءَ فِي الشّعْر كَاد أَن يفعل شبهوه بعسى. قد كَاد من طول البلى أَن يمصحا وَقد يجوز فِي الشّعْر أَيْضا لعَلي أَن أفعل بِمَنْزِلَة عَسَيْت أَن أفعل. اه. وَمثله لِابْنِ عُصْفُور فِي الضرائر قَالَ: وَمن ذَلِك عِنْد بعض النَّحْوِيين دُخُول أَن فِي خبر كَاد نَحْو قَول رؤبة: قد كَاد من طول البلى أَن يمصحا وَقَول الآخر: الْخَفِيف (كَادَت النَّفس أَن تفيظ عَلَيْهِ ... إِذْ ثوى حَشْو ريطة وبرود) وَالصَّحِيح أَن دُخُولهَا فِي خبر كَاد ضَرُورَة غلا أَنَّهَا لَيست مَعَ ذَلِك بزائدة لعملها النصب والزائدة لَا تعْمل بل هِيَ مَعَ الْفِعْل الَّذِي

стр. 4467

نصبته بِتَأْوِيل مصدر وَذَلِكَ الْمصدر فِي مَوضِع خبر كَاد على حد قَوْلهم: زيد إقبال وإدبار. اه. قَالَ عَليّ بن حَمْزَة الْبَصْرِيّ فِيمَا كتبه على نَوَادِر أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ وَكَانَ أَبُو عَمْرو والأصمعي يَقُولَانِ: لَا يَقُول عَرَبِيّ: كَاد أَن وَإِنَّمَا يَقُولُونَ: كَاد يفعل. وَهَذَا مَذْهَب جمَاعَة النَّحْوِيين وَالْجَمَاعَة مخطؤون وَقد جَاءَ فِي الشّعْر الفصيح مِنْهُ مَا فِي بعضه مقنع. فَمِمَّنْ ذَلِك مَا أنْشدهُ ابْن الْأَعرَابِي: الرجز وَأنْشد هُوَ وَغَيره: الرجز (حَتَّى ترَاهُ وَبِه إكداره ... يكَاد أَن يَنْطَحُهُ أمجاره) لَو لم ينفس كربه هراره وَأنْشد أَبُو زيد وَغَيره فِي صفة كلب: الرجز (يرثم أنف الأَرْض فِي ذَهَابه ... يكَاد أَن ينسل من إهابه) وَقَالَ بعض الرجاز:) يكَاد من طول البلى أَن يمصحا

стр. 4468

وَقَالَ ذُو الرمة: الطَّوِيل (وجدت فُؤَادِي كَاد أَن يستخفه ... رجيع الْهوى من بعض مَا يتَذَكَّر) اه. أقولك مرادهما بقولهمَا: لَا يَقُول عَرَبِيّ كَاد أَن: أَنه لَا يَقُول ذَلِك فِي الْكَلَام وَأما الشّعْر فَهُوَ مَحل الضَّرُورَة. فَلَا خطأ فِي قَوْلهمَا. وَأما مَا ورد فِي صَحِيح البُخَارِيّ: وَكَاد أُميَّة بن أبي الصَّلْت أَن يسلم وَجَاء فِي الحَدِيث أَيْضا: كَاد الْفقر أَن يكون كفرا فنادر. وَقَبله: ربع عَفا من بعد مَا قد انمحى وأنشده ابْن يعِيش: ربع عفاه الدَّهْر طولا فامحى وَرَوَاهُ اللَّخْمِيّ: ربع عفاه الدَّهْر دأباً وامتحى وَلم أر هَذَا الرجز فِي ديوَان رؤبة. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات أدب الْكَاتِب وَاللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل بِأَنَّهُمَا لم يرياه فِي ديوانه. وَالرّبع: الْمنزل حَيْثُ كَانَ. وروى بدله: رسم. والرسم: أثر الدَّار. وَعَفا يكون لَازِما كالرواية الأولى يُقَال: عَفا الْمنزل يعْفُو عفوا وعفواً

стр. 4469

وعفاء بِالْفَتْح وَالْمدّ أَي: درس. وَيكون مُتَعَدِّيا كالرواية الثَّانِيَة. يُقَال: عفته الرّيح أَي: محته وامحى أَصله انمحى مُطَاوع محوته محواً أَي: أزلته فامحى أَي: زَالَ وَذهب أَثَره. وَيُقَال: محيته محياً بِالْيَاءِ من بَاب نفع. وَزعم الْعَيْنِيّ أَن من فِي قَوْله: من بعد زَائِدَة وَمَا مَصْدَرِيَّة وَاسم كَاد ضمير رَاجع إِلَى ربع. وَمن تعليلية مُتَعَلقَة بكاد لَا بيمصح لِأَنَّهُ صلَة أَن. والبلى بِالْكَسْرِ وَالْقصر: مصدر بلي الثَّوْب يبْلى إِذا أخلق. وبلي الْمنزل إِذا درس. فَإِن فتحت الْبَاء مددته. ويمصح بِفَتْح الْيَاء وَالصَّاد: مضارع مصح بِفَتْح الصَّاد أَيْضا. قَالَ الْجَوْهَرِي: مصح الشَّيْء) مصوحاً: ذهب وَانْقطع. قَالَ: ومصح الثَّوْب: أخلق. وَللَّه در الْقَائِل: الْكَامِل (يَا بدر إِنَّك قد كُسِيت مشابهاً ... من وَجه أم مُحَمَّد ابْنه صَالح) (وأراك تمصح فِي المحاق وحسنها ... بَاقٍ على الْأَيَّام لَيْسَ بماصح) وَهُوَ فِي الْأَشْهر فعل لَازم وَلم يذكروه مُتَعَدِّيا. وَفِي كثير من كتب اللُّغَة مَا يُخَالِفهُ. فقد ذكره الْهَرَوِيّ وَابْن شُمَيْل والصاغاني مُتَعَدِّيا. وَفِي الْقَامُوس: مصح الله مرضك أَي: أذهبه كمسحه. وَفِي الذيل والصلة للصاغاني: يُقَال للْمَرِيض: مصح الله مَا بك وَمسح وَالصَّاد أَعلَى. وَقَالَ ابْن بري فِيمَا كتبه على درة الغواص: هَذَا غلط لِأَن مسح لَا يتَعَدَّى إِلَّا بِالْبَاء يُقَال: مسحت بالشَّيْء أَي: ذهبت بِهِ. فَلَو كَانَ بالصَّاد قيل: مصح الله بِمَا بك أَي: أذهبه فتعديه بِالْبَاء أَو بِالْهَمْزَةِ فَيُقَال: أمصح الله مَا بك إِذْ لَا يُقَال مصحه بِدُونِ بَاء. اه.

стр. 4470

وَهَذَا مَأْخُوذ من الجواليقي قَالَ فِي تَكْمِلَة إصْلَاح الْمنطق: مَا تغلط فِيهِ الْعَامَّة. وَيَقُولُونَ فِي الدُّعَاء للْمَرِيض: مسح الله مَا بك. وَكَانَ النَّضر بن شُمَيْل يَقُول: مصح الله مَا بك أَي: أذهبه وَقَالَ اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل: سُئِلَ أَبُو بكر الزبيدِيّ عَن قَول الْقَائِل: مصح الله عَنْك بِيَمِينِهِ الشافية أبالسين يكْتب أم بالصَّاد فَقَالَ: الَّذِي أقوله وأعتقده وأرويه أَنه بِالسِّين لَا بالصَّاد فَإِن من كتبه بالصَّاد فَإِنَّمَا ذهب إِلَى قَوْلهم: مصح الظل إِذا ذهب. وَهُوَ قَول النَّضر بن شُمَيْل. وَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ لِأَن الصَّاد إِنَّمَا اسْتعْملت فِي الظل خَاصَّة. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الرَّابِع وَالْخَمْسُونَ بعد السبعمائة) الوافر (وَقد جعلت قلُوص ابْني زِيَاد ... من الأكوار مرتعها قريب) على أَنه قد جَاءَ نَادرا خبر جعل جملَة اسمية وَهُوَ قَوْله: مرتعها قريب. قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: أوقع الْجُمْلَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر موقع الْجُمْلَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل أَرَادَ: وَقد جعلت قلُوص ابْني سُهَيْل يقرب مرتعها من الأكوار كَمَا قَالَ:

стр. 4471

الطَّوِيل (فقد جعلت نَفسِي على النأي تنطوي ... وعيني على فقد الحبيب تنام) اه. أَقُول: الصَّوَاب فِي التَّقْدِير: تقرب من المرتع بِإِسْنَاد الْفِعْل إِلَى ضمير القلوص فَإِن جَمِيع أَفعَال المقاربة لَا يكون فَاعل خَبَرهَا الْفعْلِيّ إِلَّا ضمير اسْمهَا كَمَا نَص عَلَيْهِ الشَّارِح الْمُحَقق. وَقَالَ الْخَطِيب التبريزي فِي شرح الحماسة: وَقد جعلت قلُوص ابْني سُهَيْل يقرب مرتعها من الأكوار أَي: لم تتباعد فِي الرَّعْي لما حط رَحلهَا لما بهَا من الإعياء فبركت مَكَانهَا. وَجعلت هَاهُنَا بِمَعْنى طفقت وَأَقْبَلت وَلذَلِك لَا يتَعَدَّى. ومرتعها قريب فِي مَوضِع الْحَال. أَي: أَقبلت قلُوص هذَيْن الرجلَيْن قريبَة المرتع من رحالهم. وَهَذِه غَفلَة من الْخَطِيب فَإِنَّهُ بعد أَن قَالَ: إِن جعلت بِمَعْنى طفقت كَيفَ يسوغ لَهُ أَن يَجْعَل الجلمة حَالية. وَسَبقه إِلَى جعل الْجُمْلَة حَالية الإِمَام المرزوقي وتبعهما خضر الْموصِلِي فِي شرح شَوَاهِد التفسيرين. ثمَّ قَالَ الْخَطِيب: قَالَ أَبُو الْعَلَاء: ويروى: فقد جعلت قلُوص ابْني سُهَيْل بِنصب قلُوص وَكثير من النَّاس يرفع القلوص وَهُوَ وَجه رَدِيء لِأَن الْقَائِل إِذا قَالَ: جعلت وَهُوَ يُرِيد المقاربة لم يكن بُد من إِتْيَانه بِالْفِعْلِ كَمَا قَالَ: الطَّوِيل (جعلت وَمَا بِي من جفَاء وَلَا قلى ... أزوركم يَوْمًا وأهجركم شهرا)

стр. 4472

وعَلى ذَلِك جَمِيع مَا يرد فَإِذا قَالَ الْقَائِل: جعل زيد فعله جميل وَلم يَأْتِ بِلَفْظ الْفِعْل فَإِنَّمَا يحملهُ على الْمَعْنى كَأَنَّهُ قَالَ: جعل زيد يجمل. وَأحسن من هَذِه الرِّوَايَة أَن تنصب قلوصاً وَيكون فِي جعلت ضمير يعود على الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة) وَلَيْسَت جعلت فِي هَذَا القَوْل فِي معنى المقاربة وَإِنَّمَا هِيَ بِمَعْنى صيرت فَلَا تفْتَقر إِلَى فعل وَيكون قَوْله: مرتعها قريب جملَة فِي مَوضِع الْمَفْعُول الثَّانِي كَمَا يُقَال: جعلت أَخَاك مَاله كثير. اه. وَذكر الشلوبين فِيمَا كتب على الحماسة أَن بعض النَّاس أجَاز أَن يكون جعل بِمَعْنى صير وَحذف من جعلت ضمير الشَّأْن وَالتَّقْدِير: وَقد جعلته أَي: جعلت الْأَمر والشأن مرتعها قريب من الأكوار. وَأَن آخر أجَاز أَن يكون على إِلْغَاء جعلت مَعَ تقدمها على حد إجَازَة أبي الْحسن: ظَنَنْت عبد الله منطلق. اه. فَإِن أَرَادَ بِبَعْض النَّاس أَبَا الْعَلَاء فَلَا يَصح نِسْبَة حذف ضمير الشَّأْن إِلَيْهِ فَإِنَّهُ روى بِنصب القلوص على أَنه مفعول أول لجعل بِمَعْنى صير وَالْفَاعِل ضمير الْمَرْأَة. وَيرد على القَوْل الآخر أَن الإلغاء لَا يكون فِي أَفعَال التصيير وَإِنَّمَا يجوز فِي أَفعَال الْقُلُوب. وَقد أَخطَأ الْعَيْنِيّ فِي هَذِه الْكَلِمَة من وَجْهَيْن: الأول: أَنه قَالَ: جعل هُنَا من أَفعَال المقاربة وَإِنَّمَا هِيَ من أَفعَال الشُّرُوع. وَالثَّانِي: أَنه قَالَ: وَجعلت هُنَا على صِيغَة الْمَجْهُول أسندت إِلَى

стр. 4473

قلُوص. وَإِنَّمَا جعلت بِالْبِنَاءِ للمعلوم وقلوص اسْمهَا وَجُمْلَة: مرتعها قريب من الأكوار فِي مَحل نصب على أَنه خَبَرهَا. والقلوص: النَّاقة الشَّابَّة. ويروى: ابْني سُهَيْل بدل ابْني زِيَاد. والأكوار: جمع كور بِالضَّمِّ وَهُوَ الرحل بأداته. والمرتع: مَوضِع الرتوع وَهُوَ أكل الْمَاشِيَة مَا شَاءَت. تَقول: رتعت الْمَاشِيَة رتوعاً. وَهَذَا الْبَيْت أحد أَبْيَات ثَلَاثَة فِي الحماسة تقدّمت مشروحة فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالْخمسين بعد الثلثمائة. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الْخَامِس وَالْخَمْسُونَ بعد السبعمائة) الْبَسِيط (وَقد جعلت إِذا مَا قُمْت يشقلني ... ثوبي فأنهض نَهَضَ الشَّارِب الثمل) على أَنه قد يَجِيء خبر جعل جملَة شَرْطِيَّة مصدرة بإذا. فجملة: إِذا مَا قُمْت يثقلني ثوبي فِي مَحل نصب على أَنه خبر جعل. (وَقد جعلت إِذا مَا حَاجَة عرضت ... بِبَاب دَارك أدلوها بِأَقْوَام) أَي: أوصلها إِلَيْك بِأَقْوَام. وكقول عبد الله بن عَبَّاس ﵄:

стр. 4474

فَجعل الرجل إِذا لم يسْتَطع أَن يخرج أرسل رَسُولا. وعَلى هَذَا يكون ثوبي فَاعل يثقلني وَيكون وُقُوع الْجُمْلَة الشّرطِيَّة خَبرا لجعل موقع الْفِعْل الْمُضَارع نَادرا. وَقد تبع الشَّارِح الْمُحَقق فِي هَذَا ابْن مَالك فِي التسهيل قَالَ فِيهِ: وَرُبمَا جَاءَ خبر جعل جملَة اسمية وفعلية مصدرة بإذا. وَلَا يخفى أَنه إِذا جَازَ تخريجها على مَا ثَبت لَهَا لَا يَنْبَغِي الْعُدُول عَنهُ إِلَى ادِّعَاء الندرة فَإِنَّهُ لَا مَانع من جعل يثقلني خَبرا لَهَا وَيكون ثوبي بدل اشْتِمَال من التَّاء فِي جعلت وَذَلِكَ بِتَقْدِير إِذا ظرفية لَا شَرْطِيَّة. وَكَذَا الْحَال فِي الْبَيْت الثَّانِي وَفِي الْأَثر وَلَكِن فِيهِ شذوذ وَهُوَ مَجِيء الْمَاضِي خَبرا فَلَا يخرج هَذَا عَن قَوْله سَابِقًا: وَيتَعَيَّن فِي جَمِيع أَخْبَار أَفعَال المقاربة ن يكون فَاعل أَخْبَارهَا ضميراً عَائِدًا إِلَى اسْمهَا. واليه ذهب ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي قَالَ: اشترطوا الْإِضْمَار فِي بعض المعمولات. وَمن ذَلِك مَرْفُوع خبر كَاد وَأَخَوَاتهَا إِلَّا عَسى. وَمن الْوَهم قَول جمَاعَة فِي قَول هدبة : إِن فرج قريب اسْم يكون. وَالصَّوَاب أَنه مُبْتَدأ خَبره الظّرْف وَالْجُمْلَة خبر يكون وَاسْمهَا ضمير الكرب وَأما قَوْله: ...

стр. 4475

(وَقد جعلت إِذا مَا قُمْت يثقلني ... ثوبي ... ... ... ... . الْبَيْت) فثوبي بدل اشْتِمَال من تَاء جعلت لَا فَاعل يثقلني. اه. إِلَّا أَن مَا اسْتَثْنَاهُ ابْن هِشَام فِي عَسى لم يذكرهُ الشَّارِح الْمُحَقق. قَالَ ابْن هشم: تَقول: كَاد زيد يَمُوت وَلَا تَقول: يَمُوت أَبوهُ. وَيجوز عَسى زيد أَن يقوم أَبوهُ فَترفع السَّبي. وَلَا يجوز رَفعهَا) الْأَجْنَبِيّ نَحْو: عَسى زيد أَن يقوم عَمْرو عِنْده. اه. وَمَا اسْتَثْنَاهُ الشَّارِح الْمُحَقق فِي كَاد نَحْو: كَاد زيد تخرج نَفسه لم يذكرهُ ابْن هِشَام. فَأفَاد كل مِنْهُمَا فَائِدَة لَيست عِنْد الآخر. وَلَقَد صدق الْقَائِل فِي قَوْله: (مَا حوى الْعلم جَمِيعًا أحد ... لَا وَلَو مارسه ألف سنة) لَكِن ابْن مَالك جوز بقلة فِي خبر جَمِيع هَذِه الْأَفْعَال أَن يرفع غير ضمير الِاسْم قَالَ فِي التسهيل: وَيتَعَيَّن عود الضَّمِير من الْخَبَر إِلَى الِاسْم. وَكَون الْفَاعِل غَيره قَلِيل. اه. وَقع فِي بعض نسخ التسهيل: وَرُبمَا جَاءَ خبر جعل جملَة اسمية وفعلية مصدرة بإذا أَو كلما وندر إسنادها إِلَى ضمير الشَّأْن وَدخُول النَّفْي عَلَيْهَا. اه. قَالَ شَارِحه الْمرَادِي: وَلم يتَعَرَّض المُصَنّف لهَذِهِ الزِّيَادَة فِي شَرحه. وَمِثَال تصدره بكلما: جعل زيد كلما جَاءَ عَمْرو ضربه. وَيحْتَاج إِلَى سَماع إِلَّا أَن فِي صَحِيح البُخَارِيّ: فَجعل كلما جَاءَ ليخرج رمى فِي

стр. 4476

فِيهِ بِحجر. وَيُمكن تَمْثِيل الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة بِمَا حَكَاهُ الزَّاهِد غُلَام ثَعْلَب: أَنه يُقَال: عَسى زيد قَائِم بِرَفْع الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر بعد عَسى. فيتخرج على أَن فِي عَسى ضمير الشَّأْن. هَذَا إِن جعلنَا الضَّمِير فِي إسنادها إِلَى أَفعَال الْبَاب. وَإِن جَعَلْنَاهُ عَائِدًا إِلَى جعل احْتَاجَ إِلَى سَماع. وَمِثَال الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة: مَا جعل زيد يتَكَلَّم وَقَول أنس: فَمَا جعل يُشِير بِيَدِهِ إِلَى نَاحيَة من السَّمَاء إِلَّا انفرجت. وَلَا يَنْبَغِي أَن يعود الضَّمِير إِلَى أَفعَال الْبَاب إِذْ لم ينْدر دُخُول النَّفْي عَلَيْهَا. اه. وَالْبَيْت من أَبْيَات خَمْسَة لعَمْرو بن أَحْمَر الْبَاهِلِيّ إِلَّا أَن قافيتها رائية لَا لامية كَمَا وَقع فِي إنشاد النَّحْوِيين. والأبيات رَوَاهَا لعَمْرو الْمَذْكُور المرزباني فِي الموشح ورأيتها كَذَلِك بِخَط ابْن نباتة السَّعْدِيّ الْبَغْدَادِيّ صَاحب الْخطب النباتية كتبهَا فِي آخر ديوَان مُحَمَّد ابْن بشير الْخَارِجِي وَرَوَاهَا عَن أبي سعيد السكرِي عَن ابْن حبيب عَن ابْن الْأَعرَابِي وَقد أقوى فِي بَيْتَيْنِ مِنْهَا نَص عَلَيْهِمَا المرزباني وَهِي: الْبَسِيط (مَا للكواعب يَا عيساء قد جعلت ... تزور عني وتطوى دوني الْحجر))

стр. 4477

(قد كنت فراج أَبْوَاب مغلقة ... ذب الرياد إِذا مَا خولس النّظر) (فقد جعلت أرى الشخصين أَرْبَعَة ... وَالْوَاحد اثْنَيْنِ مِمَّا بورك النّظر) (وَكنت أَمْشِي على رجلَيْنِ معتدلاً ... فصرت أَمْشِي على رجل من الشّجر) (وَقد جعلت إِذا مَا قُمْت يثقلني ... ثوبي فأنهض نَهَضَ الشَّارِب السكر) قَوْله: مَا للكواعب اسْتِفْهَام إنكاري أنكر إِعْرَاض الكواعب عَنهُ وَهِي جمع كاعب ويه الشَّابَّة الَّتِي نتأ ثديها وَظهر. وعيساء: اسْم امْرَأَة. وازور عَن الشَّيْء وتزاور عَنهُ: مَال عَنهُ. وتطوى بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول. ودوني: أَمَامِي. وَالْحجر بِضَم فَفتح: جمع حجرَة. يُرِيد أَنَّهُنَّ لَا يقبلن عَليّ ويسددن أَبْوَاب الْحجر أَمَامِي. وفراج: مُبَالغَة فارج من فرجت الْبَاب من بَاب ضرب إِذا فَتحته. وذب الرياد بِالنّصب: خبر آخر لَكَانَ وَهُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة أَي: كثير الْحَرَكَة وَالدُّخُول وَالْخُرُوج. يُقَال: فلَان ذب الرياد: وخولس: مَجْهُول خالس الشَّيْء: فَاعل من خلست الشَّيْء إِذا اختطفته بِسُرْعَة على غَفلَة.

стр. 4478

يُرِيد أَن النِّسَاء كن يتسارقن النّظر إِلَيّ لحسني وشبابي عِنْدَمَا كنت خَفِيف الْحَرَكَة. وَجعلت من أَفعَال الشُّرُوع. وَإِنَّمَا رأى الشخصين أَرْبَعَة لضعف بَصَره من شيخوخته وسنه. وَقَوله: مِمَّا بورك النّظر تهكم واستهزاء ببصره جعل ضعف بَصَره بركَة لِأَنَّهُ يرِيه الشَّيْء مضاعفاً. وَقَوله: على رجل من الشّجر أَرَادَ الْعَصَا فَإِن الشُّيُوخ يعتمدون عَلَيْهَا فِي الْمَشْي. ويروى: على أُخْرَى من الشّجر أَي: على رجل أُخْرَى من الشّجر. وَقَوله: إِذا مَا قُمْت مَا: زَائِدَة وزيادتها بعد أَدَاة الشَّرْط جَازِمًا أَو غير جازم مطردَة حَتَّى نظمها بَعضهم بقوله: (خُذ لَك ذِي الفائده ... مَا بعد إِذا زائده) وَزعم الْعَيْنِيّ أَن مَا مَصْدَرِيَّة وَأَن التَّقْدِير حِين قيامي. وَقَوله: يثقلني من أثقله الشَّيْء: إِذا أجهده وَأتبعهُ بجعله ثقيلاً. وَقَوله: فأنهض مَعْطُوف على يثقلني فَهُوَ خبر بعد خبر لَا على جعلت كَمَا زعم الْعَيْنِيّ لوَجْهَيْنِ: وَثَانِيهمَا: تناسب المتعاطفين فِي المضارعية وَفِي السَّبَبِيَّة: فَإِن كلا مِنْهُمَا سَبَب للْآخر.) وَزعم الْعَيْنِيّ أَن التَّحْقِيق فِيهِ أَنه أَقَامَ السَّبَب وَهُوَ الإثقال مقَام الْمُسَبّب وَهُوَ النهوض نَهَضَ الشَّارِب. هَذَا كَلَامه.

стр. 4479

وأنهض: أقوم وَله مصدران أَحدهمَا مَا فِي الْبَيْت. وَالثَّانِي النهوض. ونهض الشَّارِب: صفة مفعول مُطلق نَائِب عَنهُ أَي: فأنهض نهضاً كنهض الشَّارِب. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: نَهَضَ الشَّارِب مَنْصُوب على الْإِطْلَاق وَهَذَا لَا معنى لَهُ وَكَأَنَّهُ يُرِيد على الْمَفْعُول الْمُطلق. وَالسكر بِكَسْر الْكَاف: صفة مشبهة من السكر. وَكَذَلِكَ الثمل بِكَسْر الْمِيم صفة مشبهة وَهُوَ الَّذِي أَخذ مِنْهُ الشَّرَاب قواه. وقافية هَذَا الْبَيْت وَالَّذِي قبله فيهمَا إقواء بِخِلَاف مَا قبلهمَا فَإِن قافيته مَرْفُوعَة. وَعَمْرو بن أَحْمَر الْبَاهِلِيّ شَاعِر إسلامي تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد السِّتين بعد الأربعمائة. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: قَائِل الْبَيْت الشَّاهِد أَبُو حَيَّة النميري. وَقد نسب للْحكم بن عبدل الْأَعْرَج الْأَسدي. وَلَيْسَ بِصَحِيح لِأَنَّهُ لَا يُوجد فِي ديوانه. ويروى الشّطْر الثَّانِي: فَقُمْت قيام الشَّارِب السكر وَمِمَّنْ رَوَاهُ هَكَذَا الجاحظ فِي بَاب العرجان من كتاب الْحَيَوَان لَهُ وَنسبه لأبي حَيَّة النميري هَكَذَا:

стр. 4480

(وَقد جعلت إِذا مَا قُمْت يوجعني ... ظَهْري فَقُمْت قيام الشَّارِب) السكر (وَكنت أَمْشِي على رجْلي معتدلاً ... فصرت أَمْشِي على أُخْرَى من الشّجر)

стр. 4481

(فعل التَّعَجُّب) أنْشد فِيهِ: الْبَسِيط يَا مَا أميلح غزلاناً شدن لنا تَمَامه: من هؤليائكن الضال والسمر وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي خَواص الِاسْم من أول الْكتاب. قيل إِن هَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لعَلي بن مُحَمَّد المغربي. وَهُوَ مُتَأَخّر لَهُ قصيدة فِي مدح عَليّ بن عِيسَى وَزِير المقتدر. وَقتل المقتدر فِي شَوَّال سنة عشْرين وثلثمائة. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد السَّادِس وَالْخَمْسُونَ بعد السبعمائة) الوافر (ونأخذ بعده بذناب عَيْش ... أجب الظّهْر لَيْسَ لَهُ سَنَام) على أَن نصب الظّهْر على التَّشْبِيه بالمفعول بِهِ. أَقُول: روى ابْن النَّاظِم وَغَيره الظّهْر فِي هَذَا الْبَيْت على ثَلَاثَة أوجه:

стр. 4482

الأول: بِالنّصب وَهُوَ ضَعِيف كَمَا قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق. وَقَالَ ابْن الجاجب فِي أَمَالِيهِ: وَنصب الظّهْر كنصب الْوَجْه فِي: مَرَرْت بِرَجُل حسن الْوَجْه وَهِي لُغَة فصيحة على التَّشْبِيه بالمفعول. وَمِنْهُم من جعله نصبا على التَّمْيِيز وَلَا حَاجَة إِلَيْهِ لكَونه معرفَة والتمييز الْمَنْصُوب إِنَّمَا يكون بالنكرة. وَفِيه رد على من قَالَ إِنَّه تَمْيِيز كالبيضاوي فَإِنَّهُ اسْتشْهد بِهِ عِنْد قَوْله تَعَالَى: إِلَّا من سفه نَفسه قَالَ: نَفسه مَنْصُوب على التَّمْيِيز كالظهر فِي الْبَيْت. الثَّانِي: رفع الظّهْر على الفاعلية. وَأم أجب فَهُوَ مجرور لَا غير. قَالَ ابْن الجاجب: أوجب مخفوض عَلامَة خفضه الفتحة صفة لذنابٍ أَو عَيْش. وَالْفَتْح إِنَّمَا هُوَ على رفع الظّهْر ونصبه وَأما على جَرّه فأجب مجرور بالكسرة للإضافة. وَأما قطعه إِلَى الرّفْع على أَنه خبر لمبتدأ مَحْذُوف أَو إِلَى النصب بِتَقْدِير: أَعنِي فَلَا يجوز لِأَن) قطع النكرَة غير الموصوفة نَادِر. وَقد خلط الْعَيْنِيّ وَنسب إِلَى ابْن النَّاظِم مَا لم يقلهُ. قَالَ: الاستشهاد فِي قَوْله: أجب الظّهْر فَإِنَّهُ يجوز فِيهِ ثَلَاثَة أوجه: الأول: أجب الظّهْر بِرَفْع أجب وَنصب الظّهْر. وَهَذَا من أَقسَام الضَّعِيف وَهُوَ على تَقْدِير: هُوَ أجب. الثَّانِي: نصب أجب على الحالية وَرفع الظّهْر. وَالثَّالِث: جر أجب على الصّفة لعيش وجر الظّهْر على الْإِضَافَة.

стр. 4483

هَذَا كَلَامه. وَتَبعهُ على هَذَا خضر الْموصِلِي فِي شرح أَبْيَات التفسيرين. وأنشده سِيبَوَيْهٍ بِنصب الظّهْر ب أجب على أَن فِي أجب تنويناً مُقَدرا وَلم يظْهر لِأَنَّهُ لَا وَالْبَيْت من أَبْيَات للنابغة الذبياني وَهِي: (ألم أقسم عَلَيْك لتخبرني ... أمحمول على النعش الْهمام) (فَإِنِّي لَا ألومك فِي دُخُول ... وَلَكِن مَا وَرَاءَك يَا عِصَام) (فَإِن يهْلك أَبُو قَابُوس يهْلك ... ربيع النَّاس والشهر الْحَرَام) (ونأخذ بعده بذناب عَيْش ... أجب الظّهْر لَيْسَ لَهُ سَنَام) وَمن حَدِيث هَذِه الأبيات أَن النَّابِغَة كَانَ عِنْد النُّعْمَان ملك الْعَرَب بالحية كَبِيرا عِنْده خَاصّا بِهِ وَكَانَ من ندمائه وَأهل أنسه فحسد على مَنْزِلَته مِنْهُ فاتهموه بِأَمْر ذَكرْنَاهُ فِي مَوَاضِع من هَذَا الْكتاب فَغَضب عَلَيْهِ النُّعْمَان وَأَرَادَ الْبَطْش بِهِ. وَكَانَ للنعمان بواب يُقَال لَهُ: عِصَام بن شهير الْجرْمِي قَالَ للنابغة: إِن النُّعْمَان موقع بك فَانْطَلق فهرب النَّابِغَة إِلَى مُلُوك غَسَّان مُلُوك الشَّام فَكَانَ يمدحهم وَترك النُّعْمَان فَاشْتَدَّ ذَلِك عَلَيْهِ وَعرف أَن الَّذِي بلغه كذب. فَبعث إِلَيْهِ: إِنَّك لم تعتذر من سخطَة إِن كَانَت بلغتك وَلَكنَّا تغيرنا لَك عَن شَيْء مِمَّا كُنَّا عَلَيْهِ وَلَقَد كَانَ فِي قَوْمك مُمْتَنع وحصن فتركته ثمَّ انْطَلَقت إِلَى قوم قتلوا جدي وبيني وَبينهمْ مَا قد علمت. وَكَانَ النُّعْمَان وَأَبوهُ وجده قد أكْرمُوا النَّابِغَة وشرفوه وَأَعْطوهُ مَالا عَظِيما. وَبلغ النَّابِغَة أَن النُّعْمَان ثقيل من مرض أَصَابَهُ حَتَّى أشْفق عَلَيْهِ مِنْهُ فَأَتَاهُ النَّابِغَة فَأَلْقَاهُ مَحْمُولا على رجلَيْنِ ينْقل) مَا بَين الْغمر وقصوره الَّتِي بَين الْحيرَة

стр. 4484

فَقَالَ لِبَوَّابِهِ عِصَام: ألم أقسم عَلَيْك لتخبرني ... ... ... ... . الأبيات الْمَذْكُورَة قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كَانَت مُلُوك الْعَرَب إِذا مرض أحدهم حَملته الرِّجَال على أكتافها يتعاقبونه لِأَنَّهُ عِنْدهم أوطأ من الأَرْض. فعافاه الله وَعَفا عَن النَّابِغَة. قَالَ حسان بن ثَابت: وفدت إِلَى النُّعْمَان فحسدت النَّابِغَة على ثَلَاث لَا أَدْرِي على أيتهن كنت أحسد: أَعلَى إدناء النُّعْمَان لَهُ بعد المباعدة ومسايرته لَهُ وإصغائه إِلَيْهِ أَو على جودة شعره أَو على مَائه بعير من عصافيره أَمر لَهُ بهَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: قيل لأبي عَمْرو: أَمن مخافته امتدحه وَأَتَاهُ بعد هربه مِنْهُ أم لغير ذَلِك قَالَ: لَا لعمر الله مَا لمخافته فعل إِن كَانَ إِلَّا آمنا من أَن يُوَجه إِلَيْهِ النُّعْمَان جَيْشًا. وَمَا كَانَ النَّابِغَة يَأْكُل وَيشْرب إِلَّا فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة من عطايا النُّعْمَان وَأَبِيهِ وجده وَلَا يسْتَعْمل غير ذَلِك. وَقَوله: ألم أقسم عَلَيْك ... إِلَخ هُوَ اسْتِفْهَام تقريري وَقَوله: لتخبرني جَوَاب الْقسم. وَقَوله: أمحمول ... . إِلَخ خبر مقدم والهمام مُبْتَدأ مُؤخر وَالْجُمْلَة فِي مَوضِع الْمَفْعُول لتخبرني. وَالتَّحْقِيق أَن الْوَاقِع مَفْعُولا مَحْذُوف مُضَاف إِلَى هَذَا الِاسْتِفْهَام وَالتَّقْدِير: جَوَاب هَذَا الِاسْتِفْهَام.

стр. 4485

وَقَالَ الْعَيْنِيّ: وَقيل معنى أمحمول على النعش أَي: هَل مَاتَ فَحمل على النعش أم لَا انْتهى. أَقُول: هَذَا كَلَام من لم يصل إِلَى العنقود. والهمام: الْملك الْعَظِيم الهمة. وَقَوله: فَإِنِّي لَا ألومك ... إِلَخ لَا ألومك فِي تَركك الْإِذْن لي فِي الِانْتِهَاء إِلَى الْملك وَلَكِن أَخْبرنِي بكنه أمره. وَرَوَاهُ الْعَيْنِيّ: فَإِنِّي لَا ألام على دُخُول وَقَالَ: أَي لَا ألام على ترك الدُّخُول عَلَيْهِ لِأَنِّي مَحْجُوب لَا أصل إِلَيْهِ لغضبه عَليّ. وَهَذَا خلاف مَا رَوَاهُ النَّاس. وَقَوله: مَا وَرَاءَك يَا عِصَام صَار مثلا عِنْد الْعَرَب وَأوردهُ الزَّمَخْشَرِيّ فِي أَمْثَاله قَالَ فِيهِ: هُوَ من قَول النَّابِغَة يضْرب فِي الاستخبار عَن الشَّيْء وَهُوَ عِصَام بن شهبر الْبَاهِلِيّ حَاجِب النُّعْمَان.) وَمن شعر عِصَام هَذَا: الرجز (نفس عِصَام سودت عصاما ... وعلمته الْكر والإقداما) وَالْبَيْت الأول من هَذَا مثل أَيْضا يضْرب لمن شرف بِنَفسِهِ لَا بآبائه. وَفِي الْأَمْثَال أَيْضا: كن عصامياً وَلَا تكن عظامياً أَي: افتخر بِنَفْسِك لَا بعظام آبَائِك البالية.
следующие страницы →