Полный текст (5 658 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.
стр. 4481
(فعل التَّعَجُّب)
أنْشد فِيهِ: الْبَسِيط يَا مَا أميلح غزلاناً شدن لنا تَمَامه: من هؤليائكن الضال والسمر وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي خَواص الِاسْم من أول الْكتاب.
قيل إِن هَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لعَلي بن مُحَمَّد المغربي. وَهُوَ مُتَأَخّر لَهُ قصيدة فِي مدح عَليّ بن عِيسَى وَزِير المقتدر. وَقتل المقتدر فِي شَوَّال سنة عشْرين وثلثمائة.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السَّادِس وَالْخَمْسُونَ بعد السبعمائة)
الوافر
(ونأخذ بعده بذناب عَيْش ... أجب الظّهْر لَيْسَ لَهُ سَنَام)
على أَن نصب الظّهْر على التَّشْبِيه بالمفعول بِهِ.
أَقُول: روى ابْن النَّاظِم وَغَيره الظّهْر فِي هَذَا الْبَيْت على ثَلَاثَة أوجه:
стр. 4482
الأول: بِالنّصب وَهُوَ ضَعِيف كَمَا قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق.
وَقَالَ ابْن الجاجب فِي أَمَالِيهِ: وَنصب الظّهْر كنصب الْوَجْه فِي: مَرَرْت بِرَجُل حسن الْوَجْه وَهِي لُغَة فصيحة على التَّشْبِيه بالمفعول. وَمِنْهُم من جعله نصبا على التَّمْيِيز وَلَا حَاجَة إِلَيْهِ لكَونه معرفَة والتمييز الْمَنْصُوب إِنَّمَا يكون بالنكرة.
وَفِيه رد على من قَالَ إِنَّه تَمْيِيز كالبيضاوي فَإِنَّهُ اسْتشْهد بِهِ عِنْد قَوْله تَعَالَى: إِلَّا من سفه نَفسه قَالَ: نَفسه مَنْصُوب على التَّمْيِيز كالظهر فِي الْبَيْت.
الثَّانِي: رفع الظّهْر على الفاعلية.
وَأم أجب فَهُوَ مجرور لَا غير. قَالَ ابْن الجاجب: أوجب مخفوض عَلامَة خفضه الفتحة صفة لذنابٍ أَو عَيْش. وَالْفَتْح إِنَّمَا هُوَ على رفع الظّهْر ونصبه وَأما على جَرّه فأجب مجرور بالكسرة للإضافة.
وَأما قطعه إِلَى الرّفْع على أَنه خبر لمبتدأ مَحْذُوف أَو إِلَى النصب بِتَقْدِير: أَعنِي
فَلَا يجوز لِأَن)
قطع النكرَة غير الموصوفة نَادِر.
وَقد خلط الْعَيْنِيّ وَنسب إِلَى ابْن النَّاظِم مَا لم يقلهُ. قَالَ: الاستشهاد فِي قَوْله: أجب الظّهْر فَإِنَّهُ يجوز فِيهِ ثَلَاثَة أوجه: الأول: أجب الظّهْر بِرَفْع أجب وَنصب الظّهْر. وَهَذَا من أَقسَام الضَّعِيف وَهُوَ على تَقْدِير: هُوَ أجب.
الثَّانِي: نصب أجب على الحالية وَرفع الظّهْر.
وَالثَّالِث: جر أجب على الصّفة لعيش وجر الظّهْر على الْإِضَافَة.
стр. 4483
هَذَا كَلَامه.
وَتَبعهُ على هَذَا خضر الْموصِلِي فِي شرح أَبْيَات التفسيرين.
وأنشده سِيبَوَيْهٍ بِنصب الظّهْر ب أجب على أَن فِي أجب تنويناً مُقَدرا وَلم يظْهر لِأَنَّهُ لَا وَالْبَيْت من أَبْيَات للنابغة الذبياني وَهِي:
(ألم أقسم عَلَيْك لتخبرني ... أمحمول على النعش الْهمام)
(فَإِنِّي لَا ألومك فِي دُخُول ... وَلَكِن مَا وَرَاءَك يَا عِصَام)
(فَإِن يهْلك أَبُو قَابُوس يهْلك ... ربيع النَّاس والشهر الْحَرَام)
(ونأخذ بعده بذناب عَيْش ... أجب الظّهْر لَيْسَ لَهُ سَنَام)
وَمن حَدِيث هَذِه الأبيات أَن النَّابِغَة كَانَ عِنْد النُّعْمَان ملك الْعَرَب بالحية كَبِيرا عِنْده خَاصّا بِهِ وَكَانَ من ندمائه وَأهل أنسه فحسد على مَنْزِلَته مِنْهُ فاتهموه بِأَمْر ذَكرْنَاهُ فِي مَوَاضِع من هَذَا الْكتاب فَغَضب عَلَيْهِ النُّعْمَان وَأَرَادَ الْبَطْش بِهِ.
وَكَانَ للنعمان بواب يُقَال لَهُ: عِصَام بن شهير الْجرْمِي قَالَ للنابغة: إِن النُّعْمَان موقع بك فَانْطَلق فهرب النَّابِغَة إِلَى مُلُوك غَسَّان مُلُوك الشَّام فَكَانَ يمدحهم وَترك النُّعْمَان فَاشْتَدَّ ذَلِك عَلَيْهِ وَعرف أَن الَّذِي بلغه كذب. فَبعث إِلَيْهِ: إِنَّك لم تعتذر من سخطَة إِن كَانَت بلغتك وَلَكنَّا تغيرنا لَك عَن شَيْء مِمَّا كُنَّا عَلَيْهِ وَلَقَد كَانَ فِي قَوْمك مُمْتَنع وحصن فتركته ثمَّ انْطَلَقت إِلَى قوم قتلوا جدي وبيني وَبينهمْ مَا قد علمت.
وَكَانَ النُّعْمَان وَأَبوهُ وجده قد أكْرمُوا النَّابِغَة وشرفوه وَأَعْطوهُ مَالا عَظِيما. وَبلغ النَّابِغَة أَن النُّعْمَان ثقيل من مرض أَصَابَهُ حَتَّى أشْفق عَلَيْهِ مِنْهُ فَأَتَاهُ النَّابِغَة فَأَلْقَاهُ مَحْمُولا على رجلَيْنِ ينْقل)
مَا بَين الْغمر وقصوره الَّتِي بَين الْحيرَة
стр. 4484
فَقَالَ لِبَوَّابِهِ عِصَام: ألم أقسم عَلَيْك لتخبرني ... ... ... ... . الأبيات الْمَذْكُورَة قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كَانَت مُلُوك الْعَرَب إِذا مرض أحدهم حَملته الرِّجَال على أكتافها يتعاقبونه لِأَنَّهُ عِنْدهم أوطأ من الأَرْض. فعافاه الله وَعَفا عَن النَّابِغَة.
قَالَ حسان بن ثَابت: وفدت إِلَى النُّعْمَان فحسدت النَّابِغَة على ثَلَاث لَا أَدْرِي على أيتهن كنت أحسد: أَعلَى إدناء النُّعْمَان لَهُ بعد المباعدة ومسايرته لَهُ وإصغائه إِلَيْهِ أَو على جودة شعره أَو على مَائه بعير من عصافيره أَمر لَهُ بهَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: قيل لأبي عَمْرو: أَمن مخافته امتدحه وَأَتَاهُ بعد هربه مِنْهُ أم لغير ذَلِك قَالَ: لَا لعمر الله مَا لمخافته فعل إِن كَانَ إِلَّا آمنا من أَن يُوَجه إِلَيْهِ النُّعْمَان جَيْشًا. وَمَا كَانَ النَّابِغَة يَأْكُل وَيشْرب إِلَّا فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة من عطايا النُّعْمَان وَأَبِيهِ وجده وَلَا يسْتَعْمل غير ذَلِك.
وَقَوله: ألم أقسم عَلَيْك ... إِلَخ هُوَ اسْتِفْهَام تقريري وَقَوله: لتخبرني جَوَاب الْقسم.
وَقَوله: أمحمول ... . إِلَخ خبر مقدم والهمام مُبْتَدأ مُؤخر وَالْجُمْلَة فِي مَوضِع الْمَفْعُول لتخبرني.
وَالتَّحْقِيق أَن الْوَاقِع مَفْعُولا مَحْذُوف مُضَاف إِلَى هَذَا
الِاسْتِفْهَام وَالتَّقْدِير: جَوَاب هَذَا الِاسْتِفْهَام.
стр. 4485
وَقَالَ الْعَيْنِيّ: وَقيل معنى أمحمول على النعش أَي: هَل مَاتَ فَحمل على النعش أم لَا انْتهى.
أَقُول: هَذَا كَلَام من لم يصل إِلَى العنقود.
والهمام: الْملك الْعَظِيم الهمة.
وَقَوله: فَإِنِّي لَا ألومك ... إِلَخ لَا ألومك فِي تَركك الْإِذْن لي فِي الِانْتِهَاء إِلَى الْملك وَلَكِن أَخْبرنِي بكنه أمره.
وَرَوَاهُ الْعَيْنِيّ: فَإِنِّي لَا ألام على دُخُول وَقَالَ: أَي لَا ألام على ترك الدُّخُول عَلَيْهِ لِأَنِّي مَحْجُوب لَا أصل إِلَيْهِ لغضبه عَليّ. وَهَذَا خلاف مَا رَوَاهُ النَّاس.
وَقَوله: مَا وَرَاءَك يَا عِصَام صَار مثلا عِنْد الْعَرَب وَأوردهُ الزَّمَخْشَرِيّ فِي أَمْثَاله قَالَ فِيهِ: هُوَ من قَول النَّابِغَة يضْرب فِي الاستخبار عَن الشَّيْء وَهُوَ عِصَام بن شهبر الْبَاهِلِيّ حَاجِب النُّعْمَان.)
وَمن شعر عِصَام هَذَا: الرجز
(نفس عِصَام سودت عصاما ... وعلمته الْكر والإقداما)
وَالْبَيْت الأول من هَذَا مثل أَيْضا يضْرب لمن شرف بِنَفسِهِ لَا بآبائه.
وَفِي الْأَمْثَال أَيْضا: كن عصامياً وَلَا تكن عظامياً أَي: افتخر بِنَفْسِك لَا بعظام آبَائِك البالية.
стр. 4486
قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَهُوَ عِصَام الْخَارِجِي وَإِنَّمَا سمته الْعَرَب خارجياً لِأَنَّهُ خرج عَن غير أولية كَانَت لَهُ.
ويحكى أَن الْحجَّاج ذكر عِنْده رجل بِالْجَهْلِ فَأَرَادَ اختباره فَقَالَ: أعظامي أم عصامي أَرَادَ: أشرفت بآبائك الَّذين صَارُوا عظاماً أم بِنَفْسِك فَقَالَ الرجل: أَنا عصامي عِظَامِي.
فَقَالَ الْحجَّاج: هَذَا أفضل النَّاس فَقضى حَوَائِجه وَمكث عِنْده ثمَّ فتشه فَوَجَدَهُ أَجْهَل النَّاس فَقَالَ لَهُ: تصدقني أَو لأَقْتُلَنك كَيفَ أجبتني بِمَا أجبتني حِين سَأَلتك عَمَّا سَأَلتك قَالَ: لم أعلم أعصامي خير أم عِظَامِي فَخَشِيت أَن أَقُول أَحدهمَا فَقلت: كليهمَا فَإِن ضرني أَحدهمَا نَفَعَنِي الآخر. فَقَالَ الْحجَّاج عِنْد ذَلِك: الْمَقَادِير تصير العيي خَطِيبًا.
وَقَوله: فَأن يهْلك أَبُو قَابُوس ... إِلَخ هُوَ كنية النُّعْمَان وقابوس: مُعرب كاووس كطاووس اسْم أحد مُلُوك الْفرس.
وَقَوله: ربيع النَّاس إِلَخ يُرِيد أَنه كَانَ كالربيع فِي الخصب لمجتديه وكالشهر الْحَرَام لجاره أَي: لَا يُوصل إِلَى من أجاره كَمَا لَا يُوصل فِي الشَّهْر الْحَرَام إِلَى أحد.
وَالْمعْنَى: إِن يمت النُّعْمَان يذهب خير الدُّنْيَا عَنْهَا كَانَت تعمر بِهِ وبجوده وعدله ونفعه للنَّاس. وَمن كَانَ فِي ذمَّته وسلطانه فَهُوَ آمن على نَفسه محقون الدَّم كَمَا يَأْمَن النَّاس فِي الشَّهْر الْحَرَام على دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالهمْ.
وروى بدله: وَالنعَم الركام بِالضَّمِّ أَي: المتراكمة.
وَقَوله: ونأخذ بعده ... إِلَخ الذناب والذنابة بكسرهما والذنابى بِالضَّمِّ وَالْقصر: الذَّنب.
قَالَ الشنتمري: الْمُسْتَعْمل للبعير وَنَحْوه الذَّنب وللطائر الذنابي وللعين وَنَحْوهَا الذنابة ولمالا خير فِيهِ. والأجب بِالْجِيم: الْجمل الْمَقْطُوع السنام والسنام: حدبة الْبَعِير.
يَقُول: إِن مَاتَ بَقينَا
стр. 4487
فِي طرف عَيْش قد مضى صَدره ومعظمه وَخَبره وَقد بَقِي مِنْهُ ذَنبه وَيكون الْعَيْش كبعير قد جب سنامه.)
يُرِيد: صَار النَّاس بعده فِي أسوإ حَال وأضيق عَيْش وَذَلِكَ وتمسكوا مِنْهُ بِمثل ذَنْب بعير أجب الظّهْر. والسنام يستعار كثيرا للعز حَتَّى كَأَنَّهُ غلب فِيهِ.
وَقد أورد أَبُو الْقَاسِم الزجاجي هَذِه الأبيات الثَّلَاثَة فِي أَمَالِيهِ الصُّغْرَى وَالْوُسْطَى وَقَالَ فيهمَا: أما عِصَام فحاجب النُّعْمَان.
يَقُول: لَا ألومك إِن منعتني من الْوُصُول إِلَيْهِ وَلَكِن عرفني خَبره. وَكَانَ الْملك إِذا مرض يَجْعَل فِي وَأما قَوْله: ونأخذ بعده فَيجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب والجزم. وَأما الْجَزْم فعلى الْعَطف على قَوْله: يهْلك ربيع النَّاس. وَالرَّفْع على الْقطع والابتداء وَالنّصب بِالصرْفِ على إِضْمَار أَن. وَكَذَلِكَ كل مَعْطُوف بعد جَوَاب الْجَزَاء من الْأَفْعَال الْمُسْتَقْبلَة تجوز فِيهِ هَذِه الْأَوْجه الثَّلَاثَة.
وَقَوله: أجب الظّهْر يَعْنِي مَقْطُوع الظّهْر. وَهَذَا تَمْثِيل وتشبيه. ويروى: أجب الظّهْر بخفضهما جَمِيعًا على إِضَافَة أجب إِلَى الظّهْر ويروى: أجب الظّهْر بِفَتْح أجب وَنصب الظّهْر على أَن يكون مَوضِع أجب خفضاً وَلكنه لَا ينْصَرف وبنصب الظّهْر على التَّشْبِيه بالمفعول بِهِ ويضمر فِي أجب الْفَاعِل كَأَنَّهُ قَالَ: أجب الظّهْر بِالتَّنْوِينِ ثمَّ مَنعه من التَّنْوِين لِأَنَّهُ لَا ينْصَرف وَهُوَ فِي تَقْدِير
قَوْلك: مَرَرْت بِرَجُل حسن الْوَجْه وَكثير المَال وَطيب الْعَيْش.
ويروى: أجب الظّهْر على أَنه فِي مَوضِع خفض وَرفع الظّهْر بِهِ كَأَنَّهُ قَالَ: أجب ظَهره فَأهل الْكُوفَة
стр. 4488
يجْعَلُونَ الْألف وَاللَّام عقيب الْإِضَافَة وَأهل الْبَصْرَة يضمرون مَا يعلق الذّكر بِالْأولِ وَتَقْدِيره عِنْدهم: أجب الظّهْر مِنْهُ. انْتهى.
وَتَقَدَّمت تَرْجَمَة النَّابِغَة الذبياني فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده وَهُوَ من شَوَاهِد س: الطَّوِيل وَللَّه عينا حبتر أَيّمَا فَتى على أَنه قد يُسْتَفَاد من الِاسْتِفْهَام معنى التَّعَجُّب كَمَا هُنَا فَإِن فِيهِ معنى التَّعَجُّب من الفتوة كَمَا تَقول: أَي رجل زيد وَقد تَضَمَّنت أَي معنى الْمَدْح والتعجب الَّذِي تضمنته نعم وحبذا.
وَأي: إِذا أضيفت إِلَى مُشْتَقّ من صفة يُمكن الْمَدْح بهَا كَانَت للمدح بِالْوَصْفِ الَّذِي اشتق مِنْهُ الِاسْم الَّذِي أضيفت إِلَيْهِ. فَإِذا قلت: مَرَرْت بِفَارِس أَي فَارس فقد أثنيت عَلَيْهِ بالفروسية خَاصَّة.)
وَإِن أضيفت إِلَى غير مُشْتَقّ فَهِيَ للثناء عَلَيْهِ بِكُل صفة يُمكن أَن يثنى عَلَيْهِ بهَا
فَإِذا قلت: مَرَرْت بِرَجُل، أَي رجل، فقد أتيت عَلَيْهِ ثَنَاء عَاما فِي كل مَا يمدح بِهِ الرجل. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَسَأَلته - يَعْنِي الْخَلِيل - عَن قَوْله: ...
стр. 4489
(فأومأت إِيمَاء خفِيا لحبتر ... وَللَّه عينا حبتر أَيّمَا فَتى)
فَقَالَ: أَيّمَا تكون صفة للنكرة، وَحَالا للمعرفة، وَتَكون استفهاماً مَبْنِيا عَلَيْهَا، ومبنية على غَيرهَا، وَلَا تكون لتبيين الْعدَد، وَلَا فِي الِاسْتِثْنَاء نَحْو قَوْلك: أَتَوْنِي إِلَّا زيدا. أَلا ترى أَنَّك لَا تَقول لَهُ: عشرُون أَيّمَا رجل وَلَا أَتَوْنِي إِلَّا أَيّمَا رجل. وَالنّصب فِي مثله رجلا كالنصب فِي عشْرين رجلا. فأيما لَا تكون فِي الِاسْتِثْنَاء، وَلَا يخْتَص بهَا نوع من الْأَنْوَاع، وَلَا يُفَسر بهَا عدد. وَأَيّمَا فَتى اسْتِفْهَام. أَلا ترى أَنَّك تَقول سُبْحَانَ الله من هُوَ وَمَا هُوَ؟ فَهَذَا اسْتِفْهَام فِيهِ معنى التَّعَجُّب. وَلَو كَانَ خَبرا لم يجز ذَلِك، لِأَنَّهُ لَا يجوز فِي الْخَبَر أَن تَقول: من هُوَ، وتسكت. انْتهى. قَالَ النّحاس: قد فسر الْخَلِيل أَيّمَا بقوله تكون صفة للنكرة، كَقَوْلِك: مَرَرْت بِرَجُل أَيّمَا رجل، وَحَالا للمعرفة، أَي: إِن شِئْت، رويت:
(فَللَّه عينا حبتر أَيّمَا فَتى)
بِالنّصب، أَي: كَامِلا ن ومبنياً عَلَيْهَا، كَقَوْلِك: أَيّمَا رجل، مَبْنِيَّة على غَيرهَا، نَحْو: زيد أَيّمَا رجل، وَلَا تكون لتبيين الْعدَد، وَلَا فِي الِاسْتِثْنَاء، لِأَنَّهَا لم تقو فِي الصِّفَات. على أَن الْأَخْفَش قد أجَاز ذَلِك. انْتهى. وَقَالَ الأعلم: رفع: " أَيّمَا " بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَر مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير: أَي فَتى هُوَ، وَمَا زَائِدَة مُؤَكدَة. وَفِي أَي معنى الْمَدْح والتعجب. وصف أَنه أَمر ابْن أُخْت لَهُ يُقَال لَهُ: حبتر، بنحر نَاقَة من أَصْحَابه، لِأَنَّهُ كَانَ فِي غير مَحَله، ليخلفها عَلَيْهِ إِذا لحق بأَهْله. وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ بذلك حَتَّى لَا يشْعر بِهِ أحد، ففهم عَنهُ وَعرف إِشَارَته لذكائه، وحدة بَصَره. والإيماء: الْإِشَارَة بِعَين أَو يَد. انْتهى.
стр. 4490
وروى الْمبرد فِي الْكَامِل الرّفْع وَالنّصب فِي أَيّمَا فَتى فِي الْبَيْت قَالَ عِنْد الْكَلَام على قَول ليلى الأخيلية: الطَّوِيل قَوْلهَا: أَي نظرة نَاظر يصلح فِيهِ الرّفْع وَالنّصب على قَوْله: نظرت أَي نظرة وأية نظرة وأيتما نظرة وَأَيّمَا نظرة كَمَا تَقول: مَرَرْت بِرَجُل أَيّمَا رجل. وتأويله: بِرَجُل كَامِل. فأيما فِي مَوضِع: كَامِل.
وَتقول: مَرَرْت بزيد أَيّمَا رجل على الْحَال. وَمن قَالَ أَي نظرة هِيَ فعلى الْقطع والابتداء)
والمخرج مخرج اسْتِفْهَام وَتَقْدِيره أَي نظرة هِيَ كَمَا تَقول: سُبْحَانَ الله أَي رجل زيد.
وَهَذَا الْبَيْت ينشد على وَجْهَيْن: فأومأت إِيمَاء خفِيا لحبتر وَللَّه عينا حبترٍ أَيّمَا فَتى وَأَيّمَا إِن شِئْت على مَا فسرنا. انْتهى كَلَامه.
وَقد أنْشدهُ ابْن مَالك فِي بَاب الْمَوْصُول من شرح التسهيل بِنصب أَيّمَا على أَنه حَال من حبتر.
وَأنْكرهُ أَبُو حَيَّان فِي شَرحه وَقَالَ: أَصْحَابنَا أنشدوه بِالرَّفْع على أَنه مُبْتَدأ أَو خبر مُبْتَدأ وقدروه: أَي فَتى. وَلم يذكر أَصْحَابنَا كَون أَي تقع حَالا وَإِنَّمَا ذكرُوا لَهَا خَمْسَة أَقسَام: مَوْصُولَة وشرطية واستفهامية وَصفَة لنكرة ومنادى.
هَذَا كَلَامه على مَا ذكره الْعَيْنِيّ وَمَا نَقَلْنَاهُ من كَلَام الْأَئِمَّة يرد عَلَيْهِ.
وَقَول الْمرَادِي فِي شَرحه تبعا لأوّل كَلَام أبي حَيَّان: أنْشدهُ المُصَنّف بِنصب أَي على الْحَال وَلَا أكاد أَقْْضِي الْعجب من قَول الْعَيْنِيّ: الاستشهاد فِيهِ أَن أياً فِيهِ صفة وَقد علم
وروى الْمبرد فِي الْكَامِل الرّفْع وَالنّصب فِي أَيّمَا فَتى فِي الْبَيْت قَالَ عِنْد الْكَلَام على قَول ليلى الأخيلية: الطَّوِيل قَوْلهَا: أَي نظرة نَاظر يصلح فِيهِ الرّفْع وَالنّصب على قَوْله: نظرت أَي نظرة وأية نظرة وأيتما نظرة وَأَيّمَا نظرة كَمَا تَقول: مَرَرْت بِرَجُل أَيّمَا رجل. وتأويله: بِرَجُل كَامِل. فأيما فِي مَوضِع: كَامِل.
وَتقول: مَرَرْت بزيد أَيّمَا رجل على الْحَال. وَمن قَالَ أَي نظرة هِيَ فعلى الْقطع والابتداء)
والمخرج مخرج اسْتِفْهَام وَتَقْدِيره أَي نظرة هِيَ كَمَا تَقول: سُبْحَانَ الله أَي رجل زيد.
وَهَذَا الْبَيْت ينشد على وَجْهَيْن: فأومأت إِيمَاء خفِيا لحبتر وَللَّه عينا حبترٍ أَيّمَا فَتى وَأَيّمَا إِن شِئْت على مَا فسرنا. انْتهى كَلَامه.
وَقد أنْشدهُ ابْن مَالك فِي بَاب الْمَوْصُول من شرح التسهيل بِنصب أَيّمَا على أَنه حَال من حبتر.
وَأنْكرهُ أَبُو حَيَّان فِي شَرحه وَقَالَ: أَصْحَابنَا أنشدوه بِالرَّفْع على أَنه مُبْتَدأ أَو خبر مُبْتَدأ وقدروه: أَي فَتى. وَلم يذكر أَصْحَابنَا كَون أَي تقع حَالا وَإِنَّمَا ذكرُوا لَهَا خَمْسَة أَقسَام: مَوْصُولَة وشرطية واستفهامية وَصفَة لنكرة ومنادى.
هَذَا كَلَامه على مَا ذكره الْعَيْنِيّ وَمَا نَقَلْنَاهُ من كَلَام الْأَئِمَّة يرد عَلَيْهِ.
وَقَول الْمرَادِي فِي شَرحه تبعا لأوّل كَلَام أبي حَيَّان: أنْشدهُ المُصَنّف بِنصب أَي على الْحَال
стр. 4491
وَلَا أكاد أَقْْضِي الْعجب من قَول الْعَيْنِيّ: الاستشهاد فِيهِ أَن أياً فِيهِ صفة وَقد علم
أَنه صفة لمعْرِفَة وَحَال من نكرَة وَلَا يُضَاف إِلَّا إِلَى نكرَة. انْتهى.
وَهَذَا من نمط اختراع الخراع الَّذِي صنعه الصَّفَدِي وَقصد بِهِ التحميض.
وَالْبَيْت من قصيدة لِلرَّاعِي النميري وَأورد مِنْهَا أَبُو تَمام فِي الحماسة ثَلَاثَة عشر بَيْتا وَكَانَ نزل بالراعي رجل من بني كلاب فِي ركب مَعَه لَيْلًا فِي سنة مُجْدِبَة وَقد عزبت عَن الرَّاعِي إبِله فَأَشَارَ إِلَى حبتر بخفية فَنحر لَهُم نَاقَة وأحلهم وصبحت الرَّاعِي إبِله فَأعْطى رب النَّاقة نَاقَة مثلهَا وزاده نَاقَة ثنية فَقَالَ هَذِه القصيدة فِي هَذِه الْقَضِيَّة.
وهجاه بَعضهم فِي نحر نَاقَة ضَيفه بِأَبْيَات وَأجَاب عَنْهَا الرَّاعِي بقصيدة وَالْجمع مَذْكُور فِي بَاب الهجاء من الحماسة.
قَالَ الطبرسي فِي شرح الحماسة: حبتر بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُوَحدَة وَفتح الْمُثَنَّاة من فَوق هُوَ ابْن أخي الرَّاعِي وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَة الْقصير من النَّاس وَإِنَّمَا رسم لَهُ عرقبتها فِي السِّرّ بعد أَن اخْتَارَهَا مَخَافَة أَن يمْتَنع صَاحبهَا بِمَا هم بِهِ فِيهَا.
وَقَوله: وَللَّه عينا حبتر اعْتِرَاض. وَإِذا عظموا الشَّيْء نسبوا ملكه إِلَى الله تَعَالَى.
وَأَيّمَا فَتى
стр. 4492
ينشد بِالرَّفْع وَالنّصب فالرفع على تَقْدِير أَيّمَا فَتى هُوَ وَالنّصب على الْحَال. انْتهى.
وَأنْشد بعده)
(الشَّاهِد الثَّامِن وَالْخَمْسُونَ بعد السبعمائة)
الْبَسِيط
(وَقد وجدت مَكَان القَوْل ذَا سَعَة ... فَإِن وجدت لِسَانا قَائِلا فَقل)
لما ذكره من معنى أحسن أَي: صفة بالْحسنِ كَيفَ شِئْت. فَإِن فِيهِ مِنْهُ كل مَا يُمكن أَن يكون فِي شخص كالبيت فَإِن مَعْنَاهُ وجدت مَكَانا لِلْقَوْلِ بِكَثْرَة مَا فِيهِ من المناقب فَإِن كَانَ لَك لِسَان قَائِل فَقل مَا شِئْت أَي: فلست تحْتَاج فِي شَيْء غَائِب إِلَى مدحه.
وَالْبَيْت من قصيدة للمتنبي مدح بهَا سيف الدولة.
وَقَبله:
(والمدح لِابْنِ أبي الهيجاء تنجده ... بالجاهلية عين العي والخطل)
تنجده: تعينه. والخطل: اضْطِرَاب القَوْل. وَهَذَا تَعْرِيض بِأبي الْعَبَّاس النامي فَإِنَّهُ مدح سيف الدولة بقصيدة ذكر فِيهَا آبَاء الَّذين
стр. 4493
كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة. يَقُول: إِذا مدحت وأعنته بكر آبَائِهِ الجاهليين كَانَ ذَلِك عين العي ثمَّ وضح هَذَا الْمَعْنى وتممه بقوله:
أَي: لَيْت مَا مدح بِهِ من الشّعْر استوفى ذكر مناقبه وَمَتى يتفرغ الشّعْر لذكر كُلَيْب وَأهل الدهور السَّابِقَة.
(خُذ مَا ترَاهُ ودع شَيْئا سَمِعت بِهِ ... فِي طلعة الشَّمْس مَا يُغْنِيك عَن زحل)
يَقُول: امدحه بِمَا تشاهده واترك مَا سَمِعت فَإِن الشَّمْس تغنيك عَن زحل. وَجعله كَالشَّمْسِ وآباءه كزحل.
وَالْمعْنَى: فِيمَا قرب مِنْك عوض عَمَّا بعد عَنْك وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ الْقَرِيب أفضل من الْبعيد.
وَقد وجدت مَكَان القَوْل ذَا سَعَة ... ... ... ... . الْبَيْت وترجمة المتنبي تقدّمت فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة. وَهَذَا الْبَيْت إِنَّمَا أوردهُ لتنظير معنى بِمَعْنى.
стр. 4494
(أَفعَال الْمَدْح والذم)
أنْشد فِيهِ
(الشَّاهِد التَّاسِع وَالْخَمْسُونَ بعد السبعمائة)
الرمل على أَن طرفَة اسْتعْمل نعم على الأَصْل بِفَتْح النُّون وَكسر الْعين.
قَالَ ابْن جني فِي الْمُحْتَسب عِنْد قِرَاءَة يحيى بن وثاب: فَنعم عَقبي الدَّار: أصل قَوْلنَا: نعم الرجل زيد: نعم كعلم. وكل مَا كَانَ على فعل وثانيه حرف حلقي فَلهم فِيهِ أَربع لُغَات وَذَلِكَ نَحْو: فَخذ ونغر بِفَتْح الأول وَكسر الثَّانِي على الأَصْل.
وَإِن شِئْت أسكنت الثَّانِي وأقررت الأول على فَتحه. وَإِن شِئْت أسكنت ونقلت الكسرة إِلَى الأول. وَإِن شِئْت أتبعت الكسرَ الْكسر. وَكَذَلِكَ الْفِعْل نَحْو: ضَحِك وَإِن شِئْت ضَحْك وَإِن شِئْت ضِحْكَ. وَإِن شِئْت ضِحِك.
فعلى هَذَا القَوْل نَعِم الرجل وَإِن شِئْت نَعْم وَإِن شِئْت نِعْم وَإِن شِئْت نِعِم. فَعَلَيهِ جَاءَ: فَنعم عُقبى الدَّار وأنشدنا أَبُو عَليّ لطرفة:
(ففداء لبني قيس على ... مَا أصَاب النَّاس من سر وضر)
(مَا أقلت قدمي إِنَّهُم ... نِعَم الساعون فِي الْأَمر المبر)
وروينا عَن قطرب: نَعٍ مَ الرجل زيد بإشباع كسرة الْعين وإنشاء
стр. 4495
يَاء بعْدهَا المطافيل والمساجيد. وَلَا بُد من أَن يكون الْأَمر على مَا ذكرنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي أَمْثِلَة الْأَفْعَال فَعِيلَ الْبَتَّةَ.
انْتهى.
وَقد بسط القَوْل على نعم وَبئسَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف وَابْن الشجري فِي الْمجْلس السِّتين من أَمَالِيهِ وَقيد قِرَاءَة يحيى بن وثاب بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الْعين.
وَقَوله: ففداء لبني قيس ... إِلَخ قَالَ شرَّاح أَبْيَات الْمفصل وَغَيره: أَي: أَنا فدَاء لهَذِهِ الْقَبِيلَة.
والسر والضر بضمهما: السَّرَّاء وَالضَّرَّاء. وَمَا: دوامية. والإقلال: الرّفْع. وَقدمي: فَاعل أقلت.
وَرُوِيَ: قدمايَ بالتثنية. وَعَلَيْهِمَا فمفعول أقلت مَحْذُوف التَّقْدِير: أقلتني. وَإِنَّهُم تَعْلِيل لقَوْله ففداء.
وَرُوِيَ أَيْضا:)
مَا أقلت قدم ناعلها والناعل: لابس النَّعْل أَي: سَاتِر الْقدَم بالنعل.
وَرُوِيَ أَيْضا: ثمَّ نادوا أَنهم فِي قَومهمْ أَي قَالُوا: هَؤُلَاءِ الْقَوْم هم الَّذين قَالَ النَّاس فِي حَقهم: نعم الساعون هم فِي الْأَمر المبر.
فالمخصوص بالمدح مَحْذُوف. والمبر: اسْم فَاعل من أبر فلَان على أَصْحَابه أَي: غلبهم. أَي: هم نعم الساعون فِي الْأَمر الْغَالِب الَّذِي عجز النَّاس عَن دَفعه. هَذَا مَا قَالُوا، والمروي فِي ديوَان طرفَة فِي عدَّة نسخ الْبَيْت الأول كَمَا رَوَاهُ ابْن جني
وَالْبَيْت الثَّانِي كَذَا:
(خَالَتِي وَالنَّفس قدماً إِنَّهُم ... نعم الساعون فِي الْقَوْم الشّطْر)
стр. 4496
قَالَ شَارِح ديوانه الأعلم الشنتمري: يَقُول: نَفسِي فدَاء لبني قيس على مَا أصَاب النَّاس من أَمر يسر هم أَو يضرهم. والسر والضر: السَّرَّاء وَالضَّرَّاء.
وَقَوله: فِي الْقَوْم الشّطْر يَعْنِي الْبعدَاء من النَّاس الغرباء. وَوَاحِد الشّطْر شطير. وأصل الشطير: النَّاحِيَة. وكل من بعد عَن أَهله فقد أَخذ فِي نَاحيَة من الأَرْض. يَقُول: سَعْيهمْ فِي الغرباء أحسن سعي. انْتهى.
وَفهم من كَلَامه أَن قَوْله: خَالَتِي مُبْتَدأ وَالنَّفس مَعْطُوف عَلَيْهِ.
وَقَوله: فدَاء خبر لَهما مقدم. لَكِن ينظر: مَا وَجه ذكر الْخَالَة هَاهُنَا وقدماً بِالْكَسْرِ: ظرف مُتَعَلق بنعم وَلَا يمْنَع مِنْهُ ذكر إِن الْمَكْسُورَة لِأَنَّهُ ظرف اغتفر فِيهِ التَّقَدُّم.
وَقيس: أَبُو قَبيلَة الشَّاعِر وَإِنَّمَا جعل نَفسه فدَاء لِبَنِيهِ لأَنهم يتبادرون فِي إغاثة الملهوف.
وَهَذَا نسب طرفَة الشَّاعِر: طرفَة بن العَبْد بن سُفْيَان بن سعد بن مَالك بن ضبيعة ابْن قيس بن ثَعْلَبَة بن عكابة بن صَعب بن عَليّ بن بكر بن وَائِل.
والبيتان من قصيدة طَوِيلَة لطرفة تقدم بعض أَبْيَات مِنْهَا فِي بَاب اسْم الْفَاعِل فِي
الشَّاهِد السَّابِع بعد الستمائة. وَهَذِه أَبْيَات قبل الْبَيْت الشَّاهِد: ...
стр. 4497
(نَحن فِي المشتاة نَدْعُو الجفلى ... لَا ترى الآدب فِينَا ينتقر)
(حِين قَالَ النَّاس فِي مجلسهم ... أقتار ذَاك أم ريح قطر))
(بجفان تعتري نادينا ... من سديف حِين هاج الصنبر)
(كالجوابي لَا تني مترعة ... لقرى الأضياف أَو للمحتضر)
(وَلَقَد تعلم بكر أننا ... آفَة الجزر مساميح يسر)
(وَلَقَد تعلم بكر أننا ... فاضلو الرَّأْي وَفِي الروع وقر)
(يكشفون الضّر عَن ذِي ضرهم ... ويبرون على الآبي المبر)
(فضل أحلامهم عَن جارهم ... رحب الأذرع بِالْخَيرِ أَمر)
(ذلق فِي غَارة مسفوحة ... ولدى الْبَأْس حماة مَا نفر)
(نمسك الْخَيل على مكروهها ... حِين لَا يمْسِكهَا إِلَّا الصَّبْر)
(حِين نَادَى الْحَيّ لما فزعوا ... ودعا الدَّاعِي وَقد لج الذعر)
(أَيهَا الفتيان فِي مَجْلِسنَا ... جردوا مِنْهَا وراداً وشقر)
ثمَّ وصف الْخَيل بِأَبْيَات تِسْعَة، وَقَالَ:
(ففداء لبني قيس على ... مَا أصَاب النَّاس من سر وضر)
(خَالَتِي وَالنَّفس قدماً إِنَّهُم ... نعم الساعون فِي الْقَوْم الشّطْر)
قَوْله: نَحن فِي المشتاة ... إِلَخ قَالَ شَارِحه الأعلم الشنتمري: يُرِيد زمن الشتَاء وَالْبرد وَذَلِكَ أَشد الزَّمَان.
والجفلى: أَن يعم بدعوته إِلَى الطَّعَام وَلَا يخص وَاحِدًا دون آخر. والآدب: الَّذِي يَدْعُو إِلَى المأدبة
стр. 4498
وَهِي كل طَعَام يدعى إِلَيْهِ.
والانتقار: أَن يَدْعُو النقرى وَهُوَ أَن يخصهم وَلَا يعمهم. يَقُول: لَا يخص الْأَغْنِيَاء وَمن يطمعون فِي مكافاته وَلَكنهُمْ يعمون طلبا للحمد ولاكتساب الْمجد.
وَقَوله: حِين قَالَ النَّاس ... إِلَخ القتار بِالضَّمِّ: رَائِحَة اللَّحْم إِذا شوي.
والقطر بِضَمَّتَيْنِ: الْعود الَّذِي يتبخر بِهِ. يَقُول: نَحن نطعم فِي شدَّة الزَّمَان إِذا كَانَ ريح القتار عِنْد الْقَوْم بِمَنْزِلَة رَائِحَة الْعود لما فِيهِ من الْجهد وَالْحَاجة إِلَى الطَّعَام.
وَقَوله: يجفان تعتري ... إِلَخ أَي: ندعوهم إِلَى الجفان. وَمعنى تعتري: تلم بِهِ وتأتيه.
والنادي: مجْلِس الْقَوْم ومتحدثهم. والسديف: قطع السنام. والصنبر أَشد مَا يكون من الْبرد.
قَالَ ابْن جني فِي الخصائص الصنبر بنُون مُشَدّدَة وباء سَاكِنة. وَكَانَ حَقه إِذا نقلت الْحَرَكَة أَن تكون الْبَاء مَضْمُومَة لِأَن الرَّاء مَرْفُوعَة وَلكنه قدر الْإِضَافَة إِلَى الْفِعْل يَعْنِي الْمصدر كَأَنَّهُ قَالَ:)
حِين هيج الصنبر. يَعْنِي: أَنه نقل الكسرة فِي الْوَقْف إِلَى الْبَاء الساكنة وسكنت الرَّاء.
قَالَ الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة بعد أَن نقل الْكَلَام: وَهَذَا من الغرائب فَإِن الصنبر لَا شكّ فِي كَونه فَاعِلا بهاج لكنه أعربه بالكسرة نظرا إِلَى أَن الْفِعْل فِي معنى الْمصدر الْمُضَاف إِلَى هَذَا الْفَاعِل ثمَّ نقل الكسرة. وَقد نظمته لغزاً فَقلت: الطَّوِيل
(أيا عُلَمَاء الْهِنْد إِنِّي سَائل ... فمنوا بتحقيق بِهِ يظْهر السِّرّ)
...
стр. 4499
(أرى فَاعِلا بِالْفِعْلِ أعرب لَفظه ... بجر وَلَا حرف يكون بِهِ الْجَرّ)
(وَلَيْسَ بمحكي وَلَا بمجاور ... لذِي الْخَفْض وَالْإِنْسَان للبحث يضْطَر)
فَهَل من جَوَاب مِنْكُم أستفيده فَمن بحركم مَا زَالَ يستخر الدّرّ وَقد اسْتشْهد الْجَوْهَرِي بِبَيْت طرفَة على أَن الصنبر بِكَسْر الْبَاء: شدَّة الْبرد فَجعل الكسرة أَصْلِيَّة وَجوز أَن تكون الْبَاء سَاكِنة فِي الأَصْل وَلَكِن حركت بِالْكَسْرِ للضَّرُورَة. وعَلى هَذَا لَا يلغز. انْتهى كَلَامه.
قَالَ الشمني: وَقد سبق الدماميني إِلَى اللغز فِي ذَلِك بِأبي سعيد فرج الْمَعْرُوف بِابْن لب النَّحْوِيّ الأندلسي فِي منظومته النونية فِي الألغاز النحوية فَقَالَ: وَفِي شرحها: يَعْنِي الصِّنَبِر من قَول طرفَة. اه.
وَقَوله: كالجوابي لاتني ... . إِلَخ الجوابي: جمع جابية وَهُوَ الْحَوْض الْعَظِيم يجبى فِيهِ المَاء أَي: يجمع. شبه الجفان بهَا فِي سعتها وعظمها. والمترعة: المملوءة.
قَوْله: لَا تني أَي: لَا تفتر وَلَا تزَال. والقرى: الْقيام بالضيف. والمحتضر: النَّازِل على المَاء اسْم فَاعل من احْتضرَ. والمحاضر: الْمِيَاه وَاحِدهَا محْضر كجعفر.
يَقُول: لَا تزَال جفاتنا مترعة لم جَاءَنَا ضيفاً أَو لمن كَانَ حَاضرا مَعنا نازلاً على مائنا.
وَقَوله: وَلَقَد تعلم بكر ... إِلَخ الجزر: جمع جزور. والمساميح: الأسخياء.
واليسر: الداخلون فِي الْيُسْر. يُرِيد: تفضل اراؤنا وسياستنا
стр. 4500
رَأْي غَيرنَا وَلَا نخف عِنْد الروع بل نثبت ونتوقر.
وَقَوله: ويبرون أَي: يغلبُونَ ويظهرون. على الآبي أَي: الْمُمْتَنع. أيك نَحن نغلب الآبي الْغَالِب.
وَقَوله: فضل أحلامهم يَقُول: إِن جهل جارهم حلموا عَنهُ حلماً فَاضلا وَلم يكافئوه على جَهله.)
وَقَوله: رحب الأذرع أَي: واسعو الصَّدْر بِالْمَعْرُوفِ. وَأمر: جمع أُمُور وَهُوَ الْكثير الْأَمر.
وَقَوله: ذلق فِي غَارة أَي: مسرعون إِلَى الْغَارة متقدمون فِيهَا. وَأَصله من ذَلِك السَّيْف إِذا كَانَ والمسفوحة: المصبوبة وَيُقَال: هِيَ الْكَثِيرَة. والحماة: جمع حام وَهُوَ الَّذِي يحمي حريمه وعشيرته.
وَقَوله: نمسك الْخَيل يَقُول: نصبر على ارتباط الْخَيل وَالْقِيَام عَلَيْهَا.
وَقَوله: على مكروهها أَي: نمسكها على شدَّة الزَّمَان وجوع النَّاس ونؤثرها على أَنْفُسنَا.
وَيحْتَمل أَن يُرِيد نمسك الْخَيل على مَا نَلْقَاهُ من شدَّة الْحَرْب وجهدها وَلَا ننهزم.
وَإِنَّمَا ذكر مَكْرُوه الْخَيل لِأَنَّهُ إِذا أَصَابَهَا مَكْرُوه فِي الْحَرْب فهم أَجْدَر أَن يصيبهم. وَالْبَيْت الَّذِي بعده يدل على هَذَا التَّفْسِير الثَّانِي.
وَقَوله: وَقد لج الذعر أَي: دَامَ الذعر فِي الْقلب وَاشْتَدَّ. والذُّعر: الْفَزع وحرك الْعين إتباعاً لحركة الذَّال.
وَقَوله: أَيهَا الفتيان ... إِلَخ جردوا مِنْهَا وراداً أَي: ألقوا عَنْهَا جلالها
стр. 4501
وأسرجوها للقاء.
وَقيل: الجريدة من الْخَيل وَهِي الَّتِي تخْتَار فتجرد أَي: تكمش فِي مُهِمّ الْأُمُور.
والوراد: جمع ورد. وشقر: جمع أشقر وحرك الثَّانِي إبتاعاً للْأولِ.
وَتَقَدَّمت تَرْجَمَة طرفَة بن العَبْد فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالْخمسين بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده: الْكَامِل تقدم شَرحه مُسْتَوْفِي عَلَيْهِ الْكَلَام فِي الشَّاهِد الْحَادِي والثمانين بعد الْمِائَتَيْنِ.
وَأنْشد بعده: الْكَامِل
فمضيت ثمت قلت لَا يعنيني على أَن ثمَّ إِذا لحقتها التَّاء اخْتصّت بعطف قصَّة على قصَّة.
تقدم هَذَا من الشَّارِح الْمُحَقق فِي بَاب الْمُذكر والمؤنث أَيْضا وَهُوَ الْمَشْهُور. وَقد وَقع فِي شعر رؤبة عطف الْمُفْرد بهَا قَالَ: الرجز
(فَإِن تكن سوائق الْحمام ... ساقتهم للبلد الشآم)
فبالسلام ثمت السَّلَام
стр. 4502
وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: وَقد جوزه ابْن الْأَنْبَارِي وَلَا أَدْرِي مَا صِحَّته أَقُول: تجويزه مَأْخُوذ من)
شعر رؤبة. وَحِينَئِذٍ صِحَّته وَاضِحَة.
وَالْمَذْكُور عجز وصدره: وَلَقَد أَمر على اللَّئِيم يسبني وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ مرَارًا وَأول مَا ذكر فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالْخمسين.
وَأنْشد بعده السَّرِيع
(ماوي يَا ربتما غَارة ... شعواء كاللذعة بالميسم)
على أَن التَّاء لحقت رب للإيذان بِأَن مجرورها مؤنث وَمَا زَائِدَة بَين رب ومجورها كَمَا قَالَه الشَّارِح الْمُحَقق فِي رب من حُرُوف الْجَرّ.
وَالْبَيْت أول أَبْيَات أَرْبَعَة لضمرة بن ضَمرَة النَّهْشَلِي أوردهَا أَبُو زيد فِي نوادره.
وَبعده:
(ناهبتها الْغنم على طيع ... أجرد كالقدح من الساسم)
(ماوي بل لست برعديدة ... أبلخ وجاد على المعدم)
(لَا وألت نَفسك خليتها ... للعامريين وَلم تكلم)
وماويَّ: منادى مرخم ماوية اسْم امْرَأَة. وَيَا فِي قَوْله: يَا ربتما
стр. 4503
للتّنْبِيه لَا للنداء.
وَفِي رِوَايَة أبي زيد: ماوي بل ربتما قَالَ أَبُو زيد: الشعواء: الْغَارة المنتشرة وَهِي بِالْعينِ الْمُهْملَة. والذعة بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة من لذعته النَّار إِذا أحرقته.
هَذَا مَا رَوَاهُ أَبُو زيد قَالَ الْعَيْنِيّ: وَإِنَّمَا اللدغة بِالدَّال المهلمة والغين الْمُعْجَمَة: المكوى. اه.
وَهَذَا مُعَارضَة النَّقْل بِالرَّأْيِ. قَالَ أَبُو زيد: والميسم: مَا يوسم بِهِ الْبَعِير بالنَّار.
وَقَوله: ناهبتها جَوَاب رب أَي: نهبت بالغارة الْغنم بِالضَّمِّ وَهِي الْغَنِيمَة. والغارة: اسْم من أغار الْقَوْم إغارة أَي: أَسْرعُوا فِي السّير.
وَقَوله: على طيع أَي: فرس طيع وَهُوَ فيعل من الطوع وَهُوَ الانقياد.
قَالَ أَبُو زيد: طيع: فرس لين الْعَنَان طوع. وأجرد بِالْجِيم وَالرَّاء قَالَ أَبُو زيد: هُوَ قصير الشّعْر. وَهُوَ صلب كَأَنَّهُ قدح من خشب الساسم الآبنوس وَهُوَ الساسم.
والقدح بِكَسْر الْقَاف: السهْم قبل أَن يراش وينصل. والساسم بسينين مهملتين مفتوحتين قَالَ)
أَبُو الْحسن الْأَخْفَش فِيمَا كتبه هُنَا: وأنشدت عَن ابْن الْأَعرَابِي: ناهبتها الْغنم على صُنْتُع وَزعم أَنه الصلب الشَّديد وَهُوَ بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَضم الْمُثَنَّاة من فَوق بعْدهَا عين مُهْملَة.
قَالَ أَبُو زيد: رجل رعديد ورعديدة إِذا كَانَ يرعد عِنْد الْقِتَال. والأبلخ
стр. 4504
بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْخَاء الْمُعْجَمَة صفة رعديدة قَالَ أَبُو زيد: المتكبر الفخور. ووجاد بتَشْديد الْجِيم صفة ثَانِيَة لرعديدة.
قَالَ أَبُو زيد: وجاد: كثير الْغَضَب وَهُوَ مُبَالغَة فَاعل من الوجد وَهُوَ الْغَضَب. وَيُقَال: الموجدة أَيْضا. والمعدم: الْفَقِير وَهُوَ اسْم فَاعل من أعدم فلَان إِذا افْتقر.
وَقَوله: لَا وألت نَفسك ... . إِلَخ هَذَا دُعَاء على رجل استأسر لأعدائه دون أَن يجرح. قَالَ أَبُو زيد: وألت: نجت. والموئل: المنجى. وَتكلم: تجرح بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول من الْكَلم وَهُوَ الْجرْح.
وضمرة بن ضَمرَة شَاعِر جاهلي تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّامِن والثمانين.
وَأنْشد بعده: الرجز
(يَا صاحبا ربت إِنْسَان حسن ... يسْأَل عَنْك الْيَوْم أَو يسْأَل عَن)
على أَنه جَاءَ مجرور ربت مذكراً على خلاف الْقيَاس.
وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي بَاب الْمُذكر والمؤنث فِي الشَّاهِد الْوَاحِد وَالْخمسين بعد الْخَمْسمِائَةِ.
وَأنْشد بعده: الْبَسِيط وَالْمُؤمن العائذات الطير على أَن العائذات كَانَ فِي الأَصْل صفة للطير فَقدم عَلَيْهِ وَصَارَ الطير بَدَلا من العائذات.
والعائذات مفعول بِهِ لِلْمُؤمنِ وَالْمُؤمن
стр. 4505
مَعْطُوف على مقسم بِهِ مُتَقَدم.
وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ بعد الثلثمائة.
وَأنْشد بعده الطَّوِيل لنعم السيدان وجدتما هُوَ قِطْعَة من بَيت وَهُوَ:
٧٦١ - لنعم السيدان وجدتما هُوَ قِطْعَة من بَيت، وَهُوَ:
(يَمِينا لنعم السيدان وجدتما ... على كل حَال من سحيل ومبرم))
على أَنه قد يدْخل الْفِعْل النَّاسِخ على الْمَخْصُوص بالمدح أَو الذَّم سَوَاء تقدم الْمَخْصُوص كَمَا فِي الْمِثَال أَو تَأَخّر كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت. وَأَصله لنعم السيدان أَنْتُمَا فَدخل عَلَيْهِ النَّاسِخ فَصَارَ وجدتما فضمير التَّثْنِيَة نَائِب الْفَاعِل لوجد وَهُوَ الْمَفْعُول الأول لَهُ.
وَقَوله: لنعم السيدان جَوَاب الْقسم وَالْقسم وَجَوَابه فِي مَوضِع الْمَفْعُول الثَّانِي لوجد.
وَكَذَا إعرابه على مُقْتَضى مُخْتَار الشَّارِح الْمُحَقق فِي جعل الْمَخْصُوص مُبْتَدأ وَجُمْلَة الْمَدْح أَو الذَّم خَبره.
والسحيل بالمهملتين: الْخَيط الَّذِي لم يحكم فتله. والمبرم: الْخَيط الَّذِي أحكم فتله. وَأَرَادَ بِالْأولِ: الْأَمر السهل وَبِالثَّانِي: الْأَمر الشَّديد.
وَالْبَيْت من معلقَة زُهَيْر بن أبي سلمى وَقد شرحناه مَعَ أَبْيَات مِنْهَا فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالْخمسين بعد الْمِائَة من بَاب الِاشْتِغَال.
стр. 4506
وَقَوله: فيدخله عوامل الْمُبْتَدَأ يَشْمَل بَاب كَانَ وَظن وَإِن وَأَخَوَاتهَا. والأولان جائزان وَالثَّالِث لَا يجوز فَإِنَّهُ لَا يُقَال: نعم الرجل إِن زيدا فَكَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول كَمَا قَالَ ابْن مَالك فِي التسهيل فِي صُورَة تَأْخِير الْمَخْصُوص: أَو أول معمولي فعل نَاسخ ليحترز عَن إِن وَأَخَوَاتهَا.
وَمِثَال الأول قَوْله: الطَّوِيل
(لعمري لَئِن أنزفتم أَو صحوتم ... لبئس الندامى كُنْتُم آل أبجرا
)
وتعميم النواسخ إِنَّمَا هُوَ فِي صُورَة تَقْدِيم الْمَخْصُوص كَقَوْلِه: مجزوء الْكَامِل
(إِن ابْن عبد الله نع ... م أَخُو الندى وَابْن الْعَشِيرَة)
وَقَول الآخر: الطَّوِيل
(إِذا أرسلوني عِنْد تعذير حَاجَة ... أمارس فِيهَا كنت نعم الممارس)
وَمِثَال ظن نَحْو: ظَنَنْت زيدا نعم الرجل.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّانِي وَالسِّتُّونَ بعد السبعمائة)
الرجز على أَن حرف الْجَرّ دَاخل على مَحْذُوف أَي: بمقول فِيهِ: نَام صَاحبه
стр. 4507
فَحذف القَوْل وَبَقِي المحكي بِهِ.
وَذهب صَاحب اللّبَاب إِلَى أَنه من بَاب حذف الْمَوْصُوف غير القَوْل قَالَ: تَقْدِيره: بلَيْل نَام صَاحبه فِيهِ فالجر دخل فِي الْحَقِيقَة على الْمَوْصُوف الْمُقدر لَا على الصّفة.
وَأَقُول: لَا فرق بَينهمَا فَإِن كلا مِنْهُمَا ضَرُورَة يخْتَص بالشعر. إِلَّا أَن مَا ذهب إِلَيْهِ الشَّارِح الْمُحَقق أقرب إِلَى الْقيَاس وَهُوَ قَول أبي عَليّ فِي التَّذْكِرَة قَالَ فِيهَا: وَمن زعم أَن نعم اسْم لدُخُول حرف الْجَرّ عَلَيْهِ فِي قَول حسان: الطَّوِيل
(أَلَسْت بنعم الْجَار يؤلف بَيته ... أَخا ثلة أَو معدم المَال مصرم)
فَلَا حجَّة لَهُ فِيهِ لِأَنَّهُ يقدر فِيهِ الْحِكَايَة وَيلْزمهُ على هَذَا أَن يكون نَام اسْما كَقَوْلِه:
(وَالله مَا زيد بنام صَاحبه ... وَلَا مخالط الليان جَانِبه)
اه.
وَكَذَا قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي وَابْن الشجري إِلَّا أَن روايتهما: مَا ليلِي بنام صَاحبه.
وَنقل الْعَيْنِيّ عَن ابْن سَيّده فِي الْمُحكم أَن رِوَايَته كَرِوَايَة أبي عَليّ. وَقَالَ: إِنَّه قَالَ: قيل إِن نَام صَاحبه علم رجل. وَإِذا كَانَ كَذَلِك جرى مجْرى شَاب قرناها. ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: إِن قَوْله وَلَا مخالط الليان جَانِبه لَيْسَ علما وَإِنَّمَا هُوَ صفة وَهُوَ مَعْطُوف على نَام صَاحبه فَيجب أَن
стр. 4508
يكون قَوْله: نَام صَاحبه أَيْضا صفة. قيل: قد يكون فِي الْجمل إِذا سمي بهَا مَعَاني الْأَفْعَال.
أَلا ترى أَن شَاب قرناها اسْم عليم وَفِيه مَعَ ذَلِك معنى الذَّم. وَإِذا كَانَ كَذَلِك جَازَ أَن يكون قَوْله: وَلَا مخالط الليان جَانِبه: مَعْطُوفًا على مَا فِي قَوْله نَام صَاحبه من معنى الْفِعْل. هَذَا كَلَامه.
قَالَ شَارِح اللّبَاب: الليان بِالْكَسْرِ: الملاينة. وبالفتح: مصدر لَان بِمَعْنى اللين. يُقَال: هُوَ فِي ليان من الْعَيْش أَي: فِي نعيم وخفض. اه.
وروى صَدره: عمرك مَا ليلى إِلَخ)
فَيكون عمرك مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف أَي: قسمي. وَجُمْلَة: مَا ليلِي إِلَخ جَوَاب الْقسم وزيدت الْبَاء فِي خبر مَا.
وَالْبَيْت مَعَ كَثْرَة دورانه فِي كتب النَّحْو غير مَعْلُوم قَائِله. وَالله أعلم بِهِ.
وَأنْشد بعده:
(يَمِينا لنعم السيدان وجدتما ... على كل حَال من سحيل ومبرم)
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّالِث وَالسِّتُّونَ بعد السبعمائة)
الوافر
(أَبُو مُوسَى فجدك نعم جدا ... وَشَيخ الْحَيّ خَالك نعم خالا)
على أَنه قد يكون فَاعل نعم ضميراً مُفَسرًا بنكرة مَعَ تقدم الْمَخْصُوص بالمدح
كَمَا هُنَا. فَإِن أَبُو مُوسَى هُوَ الْمَخْصُوص وفاعل نعم ضمير
стр. 4509
فسره بقوله: جدا. وَكَذَا المصراع الثَّانِي فَإِن قَوْله: شيخ الْحَيّ هُوَ الْمَخْصُوص وخالك بدل مِنْهُ وفاعل نعم ضمير مُفَسّر بقوله: خالا.
وَأما قَوْله: فجدك تَحْرِيف وَقع فِي نسخ هَذَا الشَّرْح وَلم يتَنَبَّه لَهُ أحد وَلَا فتش ديوَان قَائِله حَتَّى يُؤْخَذ المَاء من مجاريه.
وَقد تمحل لإعرابه الْمولى حسن الفناري فِي حَاشِيَة المطول وَهُوَ مَعْذُور. قَالَ: قَوْله: فجدك بدل من أَبُو مُوسَى وَالْأَقْرَب أَن أَبُو مُوسَى مُبْتَدأ فجدك خَبره وَالْفَاء زَائِدَة فِي الْخَبَر على مَا جوزه الْأَخْفَش. أما زيادتها فِي الْبَدَل فَلم أظفر بِهِ والمخصوص بالمدح مَحْذُوف على قِيَاس نعم العَبْد. وَهَذَا أولى لشيوعه.
وَالْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة عدتهَا مائَة بَيت مدح بهَا بِلَال بن أبي بردة بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ.
وَلَيْسَ الْبَيْت للأخطل كَمَا زعم الشَّارِح فَإِن الأخطل هلك قبل ظُهُور بِلَال فَإِن الأخطل كَانَ من شعراء مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وبلال كَانَ فِي زمن عمر بن عبد الْعَزِيز.
وَالْبَيْت مَوْجُود فِي قصيدة من شعر ذِي الرمة. وغالب شعر ذِي الرمة فِي مدح بِلَال.
وَقَبله: ...
стр. 4510
(بنى لَك أهل بَيْتك يَا ابْن قيسٍ ... وَأَنت تزيدهم شرفاً جلالا)
(مَكَارِم لَيْسَ يحصيهن مدح ... وَلَا كذبا أَقُول وَلَا انتحالا))
(أَبُو مُوسَى فحسبك نعم جدا ... وَشَيخ الركب خَالك نعم خالا)
(كَأَن النَّاس حِين تمر حَتَّى ... عواتق لم تكن تدع الحجالا)
(قيَاما ينظرُونَ إِلَى بِلَال ... رفاق الْحَج أَبْصرت الهلالا)
(فقد رفع الْإِلَه بِكُل أفق ... لضوئك يَا بِلَال سنا طوَالًا)
(كضوء الشَّمْس لَيْسَ بِهِ خَفَاء ... وَأعْطيت المهابة والجمالا)
والجلال بِضَم الْجِيم: الْجَلِيل. وَمَكَارِم: مفعول بنى لَك.
وَقَوله: أَبُو مُوسَى فحسبك ... إِلَخ هُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ الصَّحَابِيّ.
وَقَوله: فحسبك الْفَاء فِي فَحسب زَائِدَة لَازِمَة. وَحسب: اسْم بِمَعْنى ليكف كَمَا قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق فِي بَاب الْإِضَافَة مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره: هَذَا النّسَب أَو هَذَا الْمَدْح.
وَالْجُمْلَة اعتراضية بَين الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر.
وَقَوله: وَشَيخ الركب أَي: الْقَافِلَة. وروى بدله: وَزَاد الركب وَمَعْنَاهُ أَنه لَا يدع أحدا من الركب يحمل زَاد السفرة بل هُوَ يجْرِي النَّفَقَات على جَمِيع من صَحبه فِي السّفر.
ومدحه فِي هَذَا الْبَيْت بشرف النسبين: نسب الْأَب وَنسب الْأُم.
وَقَوله: كَأَن النَّاس ... . إِلَخ خبر كَأَن قَوْله: رفاق الْحَج فِي الْبَيْت بعده. وَحَتَّى: حرف جر غَايَة للنَّاس وَمَا بعْدهَا دَاخل فِي المغيا. وعواتق مجرور بالفتحة جمع عاتق وَهِي الْبِنْت الَّتِي أدْركْت فِي بَيت أَبَوَيْهَا
стр. 4511
وَلم تكن متزوجة.
والحجال: جمع حجلة بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ بَيتهَا الَّذِي تلازمه وَلَا تخرج مِنْهُ. وقياماً مَنْصُوب على الْحَال.
أَرَادَ: كَأَن النَّاس فِي حَال قيامهم حِين يمر بِلَال رفاق الْحَج إِذا نظرُوا إِلَى الْهلَال. والسنا بِالْقصرِ: الضَّوْء. والطوال: مُبَالغَة الطَّوِيل.
وَفِي هَذِه القصيدة أَبْيَات أخر شَوَاهِد مِنْهَا: الوافر
و (وميه أحسن الثقلَيْن جيدا ... وسالفه وَأَحْسَنهمْ قذالا) القذال: مَا بَين الْأذن والنقرة وهما قذالان. وَمِنْهَا:
(سَمِعت النَّاس ينتجعون غيثاً ... فَقلت لصيدح انتجعي بِلَالًا)
وَتقدم شَرحه فِي أَفعَال الْقُلُوب.
وَقد تقدّمت تَرْجَمَة بِلَال هَذَا فِي الشَّاهِد السِّتين بعد الْمِائَة. وترجمة ذِي الرمة فِي الشَّاهِد الثَّامِن)
من أول الْكتاب.
وَأنْشد بعده: ويلمها رَوْحَة هُوَ قِطْعَة من بَيت وَهُوَ: الْبَسِيط
(ويملها رَوْحَة وَالرِّيح معصفة ... والغيث مرتجز وَاللَّيْل مقترب)
стр. 4512
وَتقدم شَرحه فِي الشَّاهِد الْحَادِي عشر بعد الْمِائَتَيْنِ.
وَأنْشد بعده: فيا لَك من ليل هَذَا أَيْضا من بَيت وَهُوَ: الطَّوِيل
(فيا لَك من ليلٍ كَأَن نجومه ... بِكُل مغار الفتل شدت بيذبل)
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الرَّابِع وَالسِّتُّونَ بعد السبعمائة)
الوافر
(تزَود مثل زَاد أَبِيك فِينَا ... فَنعم الزَّاد زَاد أَبِيك زادا)
على أَنه قد يَجِيء بعد الْفَاعِل الظَّاهِر تَمْيِيز للتوكيد.
قَالَ ابْن يعِيش: اخْتلف الْأَئِمَّة فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَمنع سِيبَوَيْهٍ من ذَلِك وَأَنه
لَا يُقَال: نعم الرجل رجلا زيد وَكَذَلِكَ السيرافي وَابْن السراج وَأَجَازَهُ الْمبرد وَأَبُو عَليّ.
وَاحْتج فِي ذَلِك سِيبَوَيْهٍ بِأَن الْمَقْصُود من الْمَرْفُوع والمنصوب الدّلَالَة على الْجِنْس وَأَحَدهمَا كَاف عَن الآخر. وَأَيْضًا فَإِن ذَلِك رُبمَا أوهم بِأَن الْفِعْل الْوَاحِد لَهُ فاعلان وَذَلِكَ إِن رفعت اسْم الْجِنْس بِأَنَّهُ فَاعل.
وَإِذا نصبت النكرَة بعد ذَلِك آذَنت بِأَن الْفِعْل فِيهِ ضمير فَاعل لِأَن النكرَة المنصوبة لَا تَأتي إِلَّا كَذَلِك.
стр. 4513
وَحجَّة الْمبرد فِي الْجَوَاز الغلو فِي الْبَيَان والتأكيد وَالْأول أظهر.
تزَود مثل زَاد أَبِيك ... ... ... ... . إِلَخ فَإِن الْمبرد أنْشدهُ شَاهدا على مَا ادّعى من جَوَاز ذَلِك. فَإِن رفع الزَّاد الْمُعَرّف بِاللَّامِ بِأَنَّهُ فَاعل)
نعم وَزَاد أَبِيك هُوَ الْمَخْصُوص بالمدح وَزَادا تَمْيِيز وَتَفْسِير فَالْقَوْل عَلَيْهِ أَنا لَا نسلم أَن زاداً مَنْصُوب بنعم وَإِنَّمَا هُوَ مفعول بِهِ بتزود وَالتَّقْدِير: تزَود زاداً مثل زَاد أَبِيك فِينَا فَلَمَّا قدم صفته عَلَيْهِ نصبها على الْحَال.
وَيجوز أَن يكون مصدرا مؤكداً مَحْذُوف الزَّوَائِد وَالتَّقْدِير: تزَود مثل زَاد أَبِيك فِينَا تزوداً.
وَيجوز أَن يكون تمييزاً لمثل كَمَا يُقَال: مَا رَأَيْت مثله رجلا. وعَلى تَقْدِير أَن يكون الْعَامِل فِيهِ نعم فَإِن ذَلِك من ضَرُورَة الشّعْر وَلَا يَجْعَل قِيَاسا.
وَمثله قَول الآخر: الوافر
(ذَرِينِي أصطبح يَا بكر إِنِّي ... رَأَيْت الْمَوْت نقب عَن هِشَام)
(تخبره وَلم يعدل سواهُ ... وَنعم الْمَرْء من رجل تهامي)
فَقَوله: من رجل كَقَوْلِه رجلا لِأَن من تدخل على التَّمْيِيز. وَذَلِكَ كُله من ضَرُورَة الشّعْر.
وَقَالَ ابْن جني فِي الخصائص: إِن الرجل من نَحْو قَوْلهم: نعم الرجل زيد غير الْمُضمر فِي نعم إِذا قلت: نعم رجلا زيد لِأَن الْمُضمر
стр. 4514
على شريطة التَّفْسِير لَا يظْهر وَلَا يسْتَعْمل ملفوظاً بِهِ.
وَلذَلِك قَالَ سِيبَوَيْهٍ هَذَا بَاب مَا لَا يعلم فِي الْمَعْرُوف إِلَّا مضمراً أَي: إِذا فسر بالنكرة نَحْو: نعم رجلا زيد فَإِنَّهُ لَا يظْهر أبدا. وَإِذا كَانَ كَذَلِك علمت زِيَادَة الزَّاد فِي قَول جرير: تزَود مثل زَاد أَبِيك فِينَا ... ... ... ... الْبَيْت وَذَلِكَ أَن فَاعل نعم مظهر فَلَا حجَّة بِهِ إِلَى أَن يُفَسر. فَهَذَا يسْقط اعْتِرَاض الْمبرد على صَاحب الْكتاب فِي هَذَا الْموضع. اه.
وَهَذَا جَوَاب خَامِس.
وَقَالَ الْمرَادِي فِي شرح التسهيل: منع سِيبَوَيْهٍ الْجمع بَين التَّمْيِيز وَالْفَاعِل الظَّاهِر وَأَجَازَ ذَلِك الْمبرد والفارسي. قَالَ المُصَنّف: وَهُوَ الصَّحِيح. اه.
وبالجواز قَالَ ابْن السراج. وَفصل بَعضهم فَقَالَ: إِن أَفَادَ التَّمْيِيز معنى لَا يفِيدهُ الْفَاعِل جَازَ نَحْو: نعم الرجل رجلا فَارِسًا زيد وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ المُصَنّف: وَالْحَامِل لسيبويه على الْمَنْع كَون التَّمْيِيز فِي الأَصْل مسوقاً لدفع الْإِبْهَام والإبهام إِذا ظهر الْفَاعِل زائل فَلَا حَاجَة إِلَى التميز. وَهَذَا الِاعْتِبَار يلْزم مِنْهُ منع التَّمْيِيز فِي كل مَا لَا إِبْهَام فِيهِ كَقَوْلِك: عِنْدِي من الدَّرَاهِم عشرُون درهما. وَمثل هَذَا جَائِز بِلَا خلاف. اه.)
وَمَا ذكره من أَن الْحَامِل لسيبويه مَا ذكر لَيْسَ هُوَ فِي كِتَابه. وَفرق بَين نعم رجل رجلا يزِيد وَبَين: لَهُ من الدَّرَاهِم عشرُون درهما وَنَحْوه بِأَن عشْرين وأمثالها
محتاجة إِلَى التَّمْيِيز فِي الأَصْل بِخِلَاف نعم الرجل
стр. 4515
زيد. والتمييز مبناه على التَّبْيِين ثمَّ يعرض لَهُ فِي بعض الْمَوَاضِع أَن يقْتَرن بالْكلَام مَا يُغني عَنهُ فَيصير مؤكداً.
وَقد تَأَول الْفَارِسِي كَلَام سِيبَوَيْهٍ على أَن مَعْنَاهُ لَا يكون الْفَاعِل ظَاهرا حِين يلْزم التَّمْيِيز بل الْفَاعِل فِي حَال لُزُوم التَّمْيِيز مُضْمر لَا غير وَأما مَعَ الظَّاهِر فَلَا يكون لَازِما. وَفِيه بعد. وَاسْتدلَّ المُصَنّف على الْجَوَاز بِالْقِيَاسِ وَالسَّمَاع.
أما الْقيَاس فَقَالَ بعد التَّمْثِيل ب لَهُ من الدَّرَاهِم عشرُون درهما وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِن عدَّة الشُّهُور عِنْد الله اثْنَا عشر شهرا وَقَوله تَعَالَى: وَاخْتَارَ مُوسَى قومه سبعين رجلا وَقَوله تَعَالَى: فتم مِيقَات ربه أَرْبَعِينَ لَيْلَة وَقَوله تَعَالَى: فَهِيَ كالحجارة أَو أَشد قسوة.
فَكَمَا حكم بِالْجَوَازِ فِي مثل هَذَا وَجعل سَبَب الْجَوَاز التوكيد لَا رفع الْإِبْهَام فَكَذَلِك يفعل فِي نَحْو: نعم الرجل رجلا. وَلَا يمْنَع لِأَن تَخْصِيصه بِالْمَنْعِ كَحكم بِلَا دَلِيل. هَذَا لَو لم تستعمله الْعَرَب فَكيف وَقد استعملته. اه.
وَقد تقدم مَا فرق بِهِ بَين مَا ذكرته من التَّمْثِيل وَبَين نعم الرجل. قَالَ: وَمن وُرُوده التَّمْيِيز للتوكيد لَا لرفع الْإِبْهَام قَول أبي طَالب: الْكَامِل وَقَول الآخر: المتقارب
(فَأَما الَّتِي خَيرهَا يرتجى ... فأجود جوداً من اللافظة)
стр. 4516
اه.
وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِك الْفرق هُنَا. وَأما السماع فَقَوْل جرير: الْبَسِيط
(والتغلبيون بئس الْفَحْل فحلهم ... فحلاً وأمهم زلاء منطيق)
وَقَوله جرير أَيْضا: تزَود مثل زَاد أَبِيك ... ... ... ... الْبَيْت وَأنْشد غير المُصَنّف: الْبَسِيط
(نعم الفتاة فتاة هِنْد لَو بذلت ... رد التَّحِيَّة نطقاً أَو بإيماء)
وَحكي من كَلَام الْعَرَب: نعم الْقَتِيل قَتِيلا أصلح بَين بكر وتغلب. وَهَذَا وَارِد فِي الِاخْتِيَار.)
وَقد تَأَول المانعون السماع. أما فحلاً وفتاة فعلى الْحَال الْمُؤَكّدَة. وَأما زاداً فعلى أَنه مصدر مَحْذُوف الزَّوَائِد مَنْصُوب بتزود. وَقد حكى الْفراء اسْتِعْمَاله مصدرا. أَو على أَنه مفعول بِهِ وَمثل مَنْصُوب على الْحَال لِأَنَّهُ لَو تَأَخّر لَكَانَ صفة.
وَقَالَ أَبُو حَيَّان: وَعِنْدِي تَأْوِيل غير مَا ذَكرُوهُ وَهُوَ أقرب. وَذَلِكَ أَن يدعى أَن فِي نعم وَبئسَ ضميراً وفحلاً وفتاة وَزَادا تَمْيِيز لذَلِك الضَّمِير وَتَأَخر عَن الْمَخْصُوص على جِهَة الندور.
فالفحل والفتاة والزاد هِيَ الْمَخْصُوصَة وفحلهم
وَزَاد أَبِيك أبدال من الْمَرْفُوع قبلهَا.
هَذَا مَا أوردهُ الْمرَادِي ولفوائده سقناه برمتِهِ.
стр. 4517
وَالْبَيْت من قصيدة لجرير مدح بهَا عمر بن عبد الْعَزِيز مِنْهَا:
(وسدت النَّاس قبل سِنِين عشر ... كَذَاك أَبوك قبل الْعشْر سَادًّا)
(وَثَبت الْفُرُوع فهن خضر ... وَلَو لم تحي أصلهم لبادا)
تزَود مثل زَاد أَبِيك فِينَا ... ... ... ... ... . الْبَيْت
(فَلَمَّا كَعْب بن مامة وَابْن سعدى ... بأجود مِنْك يَا عمر الجوادا)
(وتبني الْمجد يَا عمر بن ليلى ... وتكفي الممحل السّنة الجمادا)
(يعود الْحلم مِنْك على قُرَيْش ... وتفرج عَنْهُم الكرب الشدادا)
(وَتَدْعُو الله مُجْتَهدا ليرضى ... وتذكر فِي رعيتك المعادا)
وباد: هلك. وأتبع الْجواد لموْضِع عمر وَهُوَ من شَوَاهِد المنادى.
وَكَعب هُوَ ابْن مامة الْإِيَادِي أحد أجواد الْعَرَب.
قَالَ الواحدي فِي
стр. 4518
أَمْثَاله: كَانَ كَعْب فِيمَا يُقَال أَجود من حَاتِم الطَّائِي. حُكيَ أَنه خرج فِي ركب وَفِيهِمْ رجل من النمر بن قاسط فِي القيظ فضلوا
فتصافنوا المَاء بالمقلة فَقعدَ أَصْحَاب كَعْب لشرب المَاء فَلَمَّا دَار الْقَعْب إِلَى كَعْب أبْصر النمري يحدد النّظر إِلَيْهِ فآثره كَعْب بمائه وَقَالَ للساقي: اسْقِ أَخَاك النمري يصطبح فَذَهَبت مثلا.
فَشرب النمري نصيب كَعْب ذَلِك الْيَوْم ثمَّ نزلُوا من الْغَد منزلا آخر فتصافنوا بَقِيَّة مَائِهِمْ فَنظر النمري إِلَى كَعْب كنظره بالْأَمْس فَفعل كَعْب فعلته بالْأَمْس وارتحل الْقَوْم وَقَالُوا: يَا كَعْب ارتحل. فَلم يكن بِهِ قُوَّة النهوض وَكَانُوا قد قربوا من المَاء فَقيل: رد كَعْب إِنَّك وراد. فعجز عَن الْإِجَابَة فَلَمَّا يئسوا مِنْهُ خيلوا عَلَيْهِ بِثَوْب يمنعهُ من السبَاع وتركوه مَكَانَهُ فَمَاتَ فَقَالَ أَبوهُ)
يبكيه: الْبَسِيط
(أوفى على المَاء كَعْب ثمَّ قيل لَهُ ... رد كَعْب إِنَّك وراد فَمَا وردا)
قَالَ: وَكَانَ من جوده أَنه إِذا مَاتَ جَار لَهُ أدّى دِيَته إِلَى أَهله وَإِن هلك لجاره بعير أَو شَاة أخلفه عَلَيْهِ فجاوره أَبُو دواد الْإِيَادِي فعامله بذلك فَصَارَت الْعَرَب إِذا حمدت مستجاراً بِهِ لحسن جواره قَالُوا: كجار أبي دواد. وَمِنْه قَول قيس بن زُهَيْر: الوافر
(سأفعل مَا بدا لي ثمَّ آوي ... إِلَى جَار كجار أبي دواد)
اه.
قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: والتصافن: أَن يطْرَح فِي الْإِنَاء حجر ثمَّ يصب فِيهِ من المَاء مَا يغمره لِئَلَّا يتغابنوا. والمقلة: اسْم ذَلِك الْحجر.
стр. 4519
وَابْن سعدى هُوَ كَمَا فِي كَامِل الْمبرد: أَوْس بن حَارِثَة بن لأم الطَّائِي. وَكَانَ سيداً مقداماً فوفد هُوَ وحاتم بن عبد الله الطَّائِي على عَمْرو بن هِنْد وَأَبوهُ الْمُنْذر بن الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء فَدَعَا أَوْسًا فَقَالَ: أَنْت أفضل أم حَاتِم فَقَالَ: أَبيت اللَّعْن لَو ملكني حَاتِم وَوَلَدي ولحمتي لوهبنا فِي غَدَاة وَاحِدَة ثمَّ دَعَا حاتماً فَقَالَ: أَنْت أفضل أم أَوْس فَقَالَ: أَبيت اللَّعْن إِنَّمَا ذكرت بأوس ولأحد وَلَده أفضل مني.
وَكَانَ النُّعْمَان بن الْمُنْذر دَعَا بحلة وَعِنْده وُفُود الْعَرَب من كل حَيّ فَقَالَ: احضروا فِي غَد فَإِنِّي ملبس هَذِه الْحلَّة أكْرمكُم. فَحَضَرَ الْقَوْم جَمِيعًا إِلَّا أَوْسًا فَقيل لَهُ: لم تتخلف فَقَالَ: إِن كن المُرَاد غَيْرِي فأجمل الْأَشْيَاء أَن لَا أكون حَاضرا وَإِن كنت المُرَاد فسأطلب وَيعرف مَكَاني.
فَلَمَّا جلس النُّعْمَان لم ير أَوْسًا فَقَالَ: اذْهَبُوا إِلَى أَوْس فَقولُوا لَهُ: احضر آمنا مِمَّا خفت.
فَحَضَرَ فألبسه الْحلَّة فحسده قوم من أَهله فَقَالُوا للحطيئة: اهجه وَلَك ثلثمِائة نَاقَة فَقَالَ: الحطيئة: كَيفَ أهجو رجلا لَا أرى فِي بَيْتِي أثاثاً وَلَا مَالا إِلَّا من عِنْده ثمَّ قَالَ: الْبَسِيط
(كَيفَ الهجاء وَمَا تنفك صَالِحَة ... من آل لأم بِظهْر الْغَيْب تَأتِينِي
فَقَالَ لَهُم بشر بن أبي خازم أحد بني أَسد بن خُزَيْمَة: أَنا أهجوه لكم. فَأخذ الْإِبِل وَفعل فَأَغَارَ أَوْس عَلَيْهَا فاكتسحها فَجعل لَا يستجير حَيا إِلَّا قَالَ: قد أجرتك إِلَّا من أَوْس.
وَكَانَ فِي هجائه قد ذكر أمه فَأتي بِهِ فَدخل أَوْس على أمه فَقَالَ: قد أَتَيْنَا ببشر الهاجي لَك ولي.
стр. 4520
قَالَت: أَو تطيعني قَالَ: نعم. قَالَت: أرى أَن ترد عَلَيْهِ مَاله وَتَعْفُو عَنهُ وتحبه وأفعل)
مثل ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يغسل هجاءه إِلَّا مدحه.
فَخرج فَقَالَ: إِن أُمِّي سعدى الَّتِي كنت تهجوها قد أمرت فِيك بِكَذَا وَكَذَا فَقَالَ: لَا جرم وَالله لَا مدحت حَتَّى أَمُوت أحدا غَيْرك. فَفِيهِ يَقُول: الوافر
(إِلَى أَوْس بن حَارِثَة بن لأم ... ليقضي حَاجَتي فِيمَن قَضَاهَا)
(فَمَا وطئ الثرى مثل ابْن سعدى ... وَلَا لبس النِّعَال وَلَا احتذاها)
وَأنْشد بعده: الوافر
أَنا ابْن جلا وطلاع الثنايا على أَن الْمَوْصُوف مَحْذُوف وَصفته جملَة فعلية وَهِي جلا على أَنه فعل مَاض وفاعله ضمير مستتر فِيهِ وَالتَّقْدِير: أَنا ابْن رجل الْأُمُور وكشفها.
وَهَذَا أحد التخريجين فِي الْبَيْت وَقد ذكرناهما مشروحين فِيمَا لَا ينْصَرف وَفِي النَّعْت.
(الشَّاهِد الْخَامِس وَالسِّتُّونَ بعد السبعمائة)
الْكَامِل
(نعم الْفَتى فجعت بِهِ إخوانه ... يَوْم البقيع حوادث الْأَيَّام)
على أَن الْمَخْصُوص بالمدح مَحْذُوف وَهُوَ مَوْصُوف بجملة أُقِيمَت مقَامه تَقْدِيره: نعم الْفَتى فَتى فجعت بِهِ إِلَخ.
следующие страницы →