Полный текст (5 658 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.
стр. 4866
بقْعَة لَا لِأَن أَلفه للتأنيث كَمَا تقدم. فَهَذَا خبط مِنْهُ وتخليط فِي تَقْرِير الْمَسْأَلَة عِنْد الْفَرِيقَيْنِ.
رَابِعهَا: لَا يَصح وصف الْمعرفَة بالنكرة.
خَامِسهَا: لَا وَجه لإضافة الْمعرفَة إِلَى النكرَة.
وَمن هَذَا الْبَيْت إِلَى آخر القصيدة خَمْسَة وَعِشْرُونَ بَيْتا كلهَا فِي وصف القطا.
ومزاحم الْعقيلِيّ شَاعِر إسلامي تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالسِّتِّينَ بعد الأربعمائة.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد التَّاسِع وَالْعشْرُونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(وَلَقَد أَرَانِي للرماح درية ... من عَن يَمِيني مرّة وأمامي)
على أَن عَن فِيهِ اسْم بِمَعْنى جَانب لدُخُول حرف الْجَرّ عَلَيْهَا. وَاسْتشْكل هَذَا بِأَن الْكَلِمَة إِنَّمَا تعد حرفا واسماً إِذا اتَّحد أصل معنييهما والجانب لَيْسَ بِمَعْنى الْمُجَاوزَة.
стр. 4867
وَأجِيب بِأَن الزَّمَخْشَرِيّ بَين فِي مفصله أَن معنى: جلس عَن يَمِينه أَنه جلس متراخياً عَن بدنه فِي الْمَكَان الَّذِي بحيال يَمِينه. فَمَعْنَى جَلَست عَن يَمِينه: جَلَست من جَانب يَمِينه وَمَوْضِع متجاوز عَن بدنه فِي الْمَكَان الَّذِي بحيال يَمِينه. فَيكون المُرَاد بالجانب الْجِهَة الْمُجَاوزَة لبدنه لَا مُطلق الْجِهَة فيتحد أصل معنى عَن.
قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: اسمية عَن متعينة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع: أَحدهَا: أَن تدخل عَلَيْهَا من وَهُوَ كثير. وَمن الدَّاخِلَة على عَن زَائِدَة عِنْد ابْن مَالك ولابتداء الْغَايَة عِنْد غَيره.
قَالُوا: فَإِذا قيل: قعدت عَن يَمِينه فَالْمَعْنى فِي جَانب يَمِينه وَذَلِكَ مُحْتَمل للملاصقة ولخلافها. فَإِن جِئْت بِمن تعين كَون الْقعُود ملاصقاً لأوّل النَّاحِيَة.
وَالثَّانِي: أَن تدخل عَلَيْهَا على وَذَلِكَ نَادِر وَالْمَحْفُوظ مِنْهُ بَيت وَاحِد وَهُوَ قَوْله:
(على عَن يَمِيني مرت الطير سنحاً ... وَكَيف سنوح وَالْيَمِين قطيع)
وَالثَّالِث: أَن يكون مجرورها وفاعل متعلقها ضميرين لمسمى وَاحِد قَالَه الْأَخْفَش كَقَوْل امْرِئ)
(دع عَنْك نهباً صِيحَ فِي حجراته ... وَلَكِن حَدِيثا مَا حَدِيث الرَّوَاحِل)
стр. 4868
وَذَلِكَ لِئَلَّا يُؤَدِّي إِلَى تعدِي فعل الْمُضمر الْمُتَّصِل إِلَى ضَمِيره الْمُتَّصِل. وَتقدم الْجَواب عَنهُ. وَمِمَّا يدل على أَنَّهَا لَيست هُنَا اسْما أَنَّهَا لَا يَصح حُلُول الْجَانِب محلهَا. انْتهى.
وَالْبَيْت من أَبْيَات أَرْبَعَة أوردهَا أَبُو تَمام فِي الحماسة لقطري بن الْفُجَاءَة وَهِي:
(لَا يركنن أحد إِلَى الإحجام ... يَوْم الوغى متخوفاً لحمام)
فَلَقَد أَرَانِي للرماح دريةً ... ... ... ... ... ... . . الْبَيْت
(حَتَّى خضبت بِمَا تحدر من دمي ... أكناف سرجي أَو عنان لجامي)
(ثمَّ انصرفت وَقد أصبت وَلم أصب ... جذع البصيرة قارح الْإِقْدَام)
قَوْله: لَا يركنن أحد ... إِلَخ لَا: ناهية وركن إِلَى الشَّيْء: مَال إِلَيْهِ.
والإحجام بِتَقْدِيم الْمُهْملَة: التَّأَخُّر والنكوص. والمتخوف: الْخَائِف شَيْئا بعد شَيْء. وَالْحمام بسكر الْمُهْملَة: الْمَوْت.
وَهَذَا الْبَيْت أوردهُ شرَّاح الألفية شَاهدا لمجيء الْحَال من النكرَة لوقوعها بعد النَّهْي.
-
وَأرَانِي: أعلمني ولكونه من أَفعَال الْقُلُوب صَحَّ أَن يَقع فَاعله ومفعوله لمسمىً وَاحِد. ودرية: مَفْعُوله الثَّانِي.
قَالَ ثَعْلَب فِي أَمَالِيهِ: الدريئة بِالْهَمْز: الْحلقَة الَّتِي يَرْمِي فِيهَا المتعلم
стр. 4869
ويطعن. والدرية بِلَا همز: النَّاقة الَّتِي ترسل مَعَ الْوَحْش لتأنس بهَا ثمَّ يسْتَتر بهَا ويرمى الْوَحْش. انْتهى.
وَقَالَ القالي فِي أَمَالِيهِ بعد إنشاد هَذِه الأبيات الْأَرْبَعَة: الدريئة مَهْمُوزَة: الْحلقَة الَّتِي يتَعَلَّم عَلَيْهَا الطعْن وَهِي فعلية بِمَعْنى مفعولة. من درأت أَي: دفعت. والدرية غير المهموز: دَابَّة أَو جمل يسْتَتر بِهِ الصَّائِد فَيَرْمِي الصَّيْد. وَهُوَ من دَريت أَي: ختلت.
قَالَ الشَّاعِر:
(فَإِن كنت لَا أَدْرِي الظباء فإنني ... أدس لَهَا تَحت التُّرَاب الدواهيا)
وَبَنوهُ على وزن خديعة إِذْ كَانَ فِي مَعْنَاهَا. انْتهى.
قَالَ شارحها أَبُو عبيد الْبكْرِيّ: هَذَا الْبَيْت لعبد الله بن مُحَمَّد بن عباد الْخَولَانِيّ قَالَه الْهَمدَانِي فِي كتاب الإكليل. وكنى بالظباء عَن النِّسَاء.
والصيادون يدفنون للوحش فِي طرقها إِلَى المَاء حدائد أشباه الكلاليب فَإِذا جَازَت عَلَيْهَا)
قطعت قَوَائِمهَا. انْتهى.
قَالَ شرَّاح الحماسة: وَيُمكن حمل الْبَيْت عَلَيْهِمَا. فَالْمُرَاد على الأول: أَن الطعْن يَقع فِيهِ كَمَا يَقع فِي تِلْكَ الْحلقَة وعَلى الثَّانِي: أَنه يصير ستْرَة لغيره من الطعْن كَمَا تكون تِلْكَ الدَّابَّة ستْرَة
وَإِنَّمَا اقْتصر على الْيَمين والأمام أَي: القدام لِأَنَّهُ يعلم أَن الْيَسَار فِي ذَلِك كاليمين. وَأما الظّهْر فَإِن الْفَارِس لَا يُمكن مِنْهُ أحدا. وَمن على قَول ابْن مَالك زَائِدَة ومتعلقة بِمَحْذُوف على قَول غَيره. أَي: تَأتِينِي من هَذِه الْجِهَات.
وَقَوله: حَتَّى خضبت ... إِلَخ أكناف السرج: جوانبه جمع كنف بِفتْحَتَيْنِ. وعنان اللجام: سيره الَّذِي تمسك بِهِ الدَّابَّة. وأو للتقسيم وَقَالَ
стр. 4870
القالي فِي أَمَالِيهِ: أَرَادَ وعنان لجامي.
وَالْمعْنَى: انتصبت للرماح حَتَّى خضبت بِمَا سَالَ من دمي جَوَانِب السرج وعنان فرسي وَذَلِكَ على حسب مواقع الطعْن فالعنان لما سَالَ من أعاليه وجوانب السرج لما سَالَ من أسافله.
وَقيل: إِنَّمَا أَرَادَ دم من قَتله فأضافه إِلَى نَفسه لِأَنَّهُ أراقه.
وَقَوله: وَقد أصبت وَلم أصب الأول بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل وَالثَّانِي للْمَفْعُول وجذع وقارح: حالان.
والجذع بِفَتْح الْجِيم والذال الْمُعْجَمَة: الشَّاب الْحَدث والقارح: المنتهي فِي السن.
قَالَ الْخَطِيب: هما مثلان وأصلهما فِي الْخَيل وَذَوَات الحوافر. وَذَلِكَ أَن الْمهْر يركب بعد حول سياسة ورياضة فَإِذا بلغ حَوْلَيْنِ فَهُوَ جذع فَحِينَئِذٍ يَسْتَغْنِي عَن الرياضة.
يَقُول: أَنا جذع البصيرة لَا أحتاج إِلَى تَهْذِيب كَمَا لَا يحْتَاج الْجذع إِلَى الرياضة وإقدامي قارح أَي: قد بلغ النِّهَايَة كَمَا أَن القروح نِهَايَة سنّ الْفرس.
وَهَذَا مَا ذكره الشُّرَّاح. وَمَعْنَاهُ كَمَا ذكره أَبُو الْعَلَاء المعري أَنه يُرِيد أَنه لم يزل شجاعاً فإقدامه قارح لِأَنَّهُ قديم.
-
وَيَعْنِي بجذع البصيرة أَنه كَانَ فِيمَا سلف لَا يرى رَأْي الْخَوَارِج ثمَّ تبصر فِي آخر أمره فَعلم أَنهم على لَاحق فبصيرته جَذَعَة أَي: محدثة. وَذَلِكَ أَنه كَانَ خارجياً سلم عَلَيْهِ بالخلافة ثَلَاث عشرَة سنة. انْتهى.
وَقَالَ القالي: أَي وَأَنا على بصيرتي الأولى. وقارح الْإِقْدَام أَي: متناه فِي الْإِقْدَام.
وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي شرحها قَالَ النمري: يُرِيد ثمَّ انصرفت وَقد قتلت وَلم أقتل بعد أَن خضبت سرجي ولجامي. يُرِيد أَن الْأَجَل حرز فَلَا يركنن أحد إِلَى الْجُبْن خوف الْمَوْت.)
وَقَوله: جذع البصيرة يُرِيد استبصاره الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فِي أول الْأَمر لم ينْتَقل عَنهُ لما ناله من الْجِرَاحَات وَلم يضعف فِيهِ
стр. 4871
قارح الْإِقْدَام أَي: قد بلغ إقدامه النِّهَايَة.
وَقَالَ قوم: إِنَّمَا يُرِيد بقوله: وَلم أصب لم ألف على هَذِه الْحَال وَلَكِنِّي قارح البصيرة جذع الْإِقْدَام أَي: رَأْيه رَأْي شيخ وإقدامه إقدام غُلَام.
وَيكون البصيرة على هَذَا الرَّأْي وَالتَّدْبِير كالاستبصار فِي الْأَمر وَهُوَ الأعرف فِي كَلَام الْعَرَب فَإِن البصيرة للقلب كالبصر للعين.
وَالْحجّة لهَذَا الْمَذْهَب: قَوْله وَلم أصب وَهُوَ قد قَالَ قبل هَذَا: حَتَّى خضبت بِمَا تحدر من دمي والإصابة قد تكون فِيمَا دون النَّفس وَهُوَ الْأَكْثَر. انْتهى.
وَبعد هَذِه الْأَرْبَعَة بيتان لم يوردهما أَبُو تَمام وهما:
(متعرضاً للْمَوْت أضْرب معلما ... بهم الحروب مشهر الْإِعْلَام)
(أَدْعُو الكماة إِلَى النزال وَلَا أرى ... نحر الْكَرِيم على القنا بِحرَام)
وقطري هُوَ رَأس الْخَوَارِج كَانَ أحد الْأَبْطَال الْمَذْكُورين خرج فِي مُدَّة
ابْن الزبير وَبَقِي يُقَاتل ويستظهر بضع عشرَة سنة وَسلم عَلَيْهِ بإمرة الْمُؤمنِينَ. وجهز عَلَيْهِ الْحجَّاج جَيْشًا بعد جَيش وَهُوَ يستظهر عَلَيْهِم ويكسرهم. وتغلب على نواحي فَارس وَغَيرهَا. وَوَقَائعه مَشْهُورَة.
وَقد ذكر الْمبرد كثيرا من أخباره فِي الْكَامِل. وَكَانَ مَعَ شجاعته من البلغاء وَله شعر جيد.
وَكَانَ آخر أمره أَن الْحجَّاج ندب لَهُ سُفْيَان بن الْأَبْرَد فِي جَيش كثيف وَاجْتمعَ مَعَه إِسْحَاق بن مُحَمَّد بن الْأَشْعَث فِي جَيش لأهل الْكُوفَة فَأَقْبَلَا فِي طلب قطري فأدركوه فِي شعب من شعاب طبرستان فقاتلوه فَتفرق عَنهُ أَصْحَابه وَسقط عَن دَابَّته فتدهده إِلَى أَسْفَل الشّعب.
وَأَتَاهُ علج من أهل الْبَلَد
стр. 4872
فحدر عَلَيْهِ حجرا من فَوْقه فَأصَاب وركه فأوهنه وَصَاح بِالنَّاسِ فَأَقْبَلُوا نَحوه وَجَاء نفر من أهل الْكُوفَة فَقَتَلُوهُ وَأَرْسلُوا رَأْيه إِلَى الْحجَّاج فسيره إِلَى عبد الْملك وقطري بِفَتْح الْقَاف والطاء وَتَشْديد الْيَاء قَالَ الْجَوْهَرِي: وقطري بن فجاءة الْمَازِني زعم بَعضهم أَن أصل الِاسْم مَأْخُوذ من قطري النِّعَال.
قَالَ الصّلاح الصَّفَدِي فِي حَاشِيَته على الصِّحَاح قلت: بل هُوَ مَنْسُوب إِلَى قطر بِالسَّيْفِ على مَا ذكره بَعضهم. انْتهى.
أَقُول: السَّيْف بِكَسْر السِّين: سَاحل الْبَحْر قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم: قطر)
بِفَتْح أَوله وثانيه بعده رَاء مُهْملَة: مَوضِع بَين الْبَحْرين وعمان تنْسب إِلَيْهِ الْإِبِل الْجِيَاد وَهِي اكثر بِلَاد الْبَحْرين حمراً.
والفجاءة بِضَم الْفَاء وَالْمدّ قَالَ صَاحب الصِّحَاح: فاجأه الْأَمر مفاجأة وفجئاً وَكَذَلِكَ فجئه الْأَمر وفجأه الْأَمر بِالْكَسْرِ وَالنّصب فجاءة بِالضَّمِّ وَالْمدّ. وَمِنْه قطري بن فجاءة الْمَازِني.
قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي شرح أمالي القالي: اخْتلف فِي اسْم الْفُجَاءَة فَقيل:
اسْمه جَعونَة وَقيل: مَازِن بن يزِيد بن زِيَاد بن حنثر بن كابية بن حرقوص بن مَازِن بن مَالك بن عَمْرو بن تَمِيم.
وَسمي الْفُجَاءَة لِأَنَّهُ غَابَ دهراً بِالْيمن ثمَّ جَاءَهُم فجاءة. انْتهى.
وَجزم صَاحب الجمهرة أَن اسْمه جَعونَة بن مَازِن فَجعل مازناً وَالِد جَعونَة لَا وَالِد قطري.
وَهُوَ بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْعين وَبعد الْوَاو نون. وحنثر الْمَشْهُور
стр. 4873
أَنه حبتر بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون قَالَ الْأَمِير الْحَافِظ أَبُو نصر عَليّ بن مَاكُولَا فِي إكماله: وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: قطري بن الْفُجَاءَة وَرفع فِي نسبه إِلَى حنثر بن كابية بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون بعْدهَا ثاء مُعْجمَة بِثَلَاث. ويروى حبتر وَالصَّوَاب بالنُّون والمثلثة. وَالله أعلم.
وكابية بموحدة بعْدهَا مثناة تحتية. وحرقوص بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَالْقَاف.
وَأنْشد بعده:
(باتت تنوش الْحَوْض نوشاً من علا ... نوشاً بِهِ تقطع أجواز الفلا)
على أَن علا الاسمية لَا تلْزم الْإِضَافَة كَمَا هُنَا بِخِلَاف عَن فَإِنَّهَا تلزمها.
-
قَالَ أَبُو عَليّ فِي تَذكرته: بجوز أَن يكون علا مَبْنِيا معرفَة وَيجوز أَن يكون معرباً نكرَة. فَإِن كَانَ مَبْنِيا كَانَت الْألف منقلبة عَن الْوَاو لتحركها بالضمة. وَإِن كَانَ معرباً كَانَت منقلبة عَن الْوَاو لتحركها بِالْجَرِّ.
فَإِن قيل: لَا يكون إِلَّا مَبْنِيا لِأَنَّهُ معرفَة لتقدم الْحَوْض وَالْمعْنَى: من علا الْحَوْض. قيل: قد قَالَ الله تَعَالَى: لله الْأَمر من قبل وَمن بعد فهما نكرتان وَإِن كَانَ ذكر الْغَلَبَة قد تقدم وَكَانَ مَعْلُوما إِذْ معنى الْكَلَام من قبل الْغَلَبَة وَمن بعْدهَا. انْتهى.
وعَلى هَذَا يقْرَأ قَول الشَّارِح الْمُحَقق أَي: من فَوق بِضَم الْقَاف وَكسرهَا منونة.
وَقد أخل ابْن جني فِي شرح تصريف الْمَازِني فِي النَّقْل عَن أبي عَليّ فَإِنَّهُ قَالَ: قد كَانَ أَبُو عَليّ يَقُول فِي علا من هَذَا الرجز أَن الْألف فِي علا منقلبة
стр. 4874
عَن الْوَاو لِأَنَّهُ من عَلَوْت وَأَن الْكَلِمَة فِي)
مَوضِع مَبْنِيّ نَحْو: قبل وَبعد لِأَنَّهُ يُرِيد نوشاً من علاهُ. فَلَمَّا اقتطع الْمُضَاف من الْمُضَاف إِلَيْهِ وَجب بِنَاء الْكَلِمَة على الضَّم نَحْو: قبل وَبعد فَلَمَّا وَقعت الْوَاو مَضْمُومَة وَقبلهَا فَتْحة قلبت ألفا. وَهَذَا مَذْهَب حسن. انْتهى.
فَللَّه در الشَّارِح الْمُحَقق حَيْثُ لم يُقيد. لَكِن أنْشدهُ الشَّارِح فِي أول حُرُوف الْجَرّ على أَن عَلامَة علا فِيهِ مَبْنِيّ على الضَّم لحذف الْمُضَاف إِلَيْهِ وَإِرَادَة مَعْنَاهُ.
وَأوردهُ ثَعْلَب فِي أَمَالِيهِ على أَنه يُقَال: من علو بِسُكُون اللَّام وَكسر الْوَاو مَعَ التَّنْوِين وعلو بِضَم الْوَاو وعلو بِفَتْحِهَا وَمن علونا بِضَم الْعين وَكسر الْوَاو وَمن عل وَمن عَال وَمن علا. وَأنْشد الْبَيْتَيْنِ.
وَقَالَ: من قَالَ: من علا جعله مثل قفاً وعال مثل فَاعل وعل مثل عَم وَمن معال مثل مفاعل بِضَم الْمِيم وَمن علو مثل قبل وَبعد وَمن علو مثل لَيْت. انْتهى.
وَتقدم شَرحه بأبسط مِمَّا هُنَا فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالسبْعين بعد السبعمائة.
وَأنْشد بعده يضحكن عَن كَالْبردِ المنهم على أَن الْكَاف يتَعَيَّن اسميتها إِذا انجرت كَمَا هُنَا. فالكاف اسْم بِمَعْنى مثل
стр. 4875
صفة مَوْصُوف مَحْذُوف أَي: عَن ثغر مثل الْبرد. قَالَ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف: وَاخْتلفُوا هَل تكون اسْما فِي الْكَلَام أَو يخْتَص ذَلِك بضرورة الشّعْر فَذهب الْأَخْفَش والفارسي فِي ظَاهر قَوْله وتبعهما ابْن مَالك أَنَّهَا تكون اسْما فِي الْكَلَام وَقد كثر جرها بِالْبَاء وعَلى وَعَن وأضيف إِلَيْهَا وَأسْندَ فاعلة ومبتدأة ومفعولة. لَكِن كل هَذَا فِي الشّعْر. وَذهب سِيبَوَيْهٍ إِلَى أَن اسْتِعْمَالهَا اسْما إِنَّمَا يجوز فِي ضَرُورَة الشّعْر. انْتهى.
وَمِثَال جرها بِالْبَاء قَول امْرِئ الْقَيْس يصف فرسا:
(ورحنا بكابن المَاء يجنب وَسطنَا ... تصوب فِيهِ الْعين طوراً وترتقي)
وَابْن المَاء: طَائِر يُقَال لَهُ: الغرنيق شبه الْفرس بِهِ فِي سرعته وسهولة مَشْيه. ويجنب: يُقَاد.
وتصوب: تنحدر. وترتقي: ترْتَفع. يُرِيد أَن عين النَّاظر إِلَيْهِ تصعد فِيهِ النّظر وتصوبه إعجاباً بِهِ. وَمِثَال جرها بعلى قَول ذِي الرمة:
(أَبيت على مي كئيباً وبعلها ... على كالنقا من عالج يتبطح))
وَمِثَال وُقُوعهَا فاعلة الْبَيْت الْآتِي. وَمِثَال وُقُوعهَا مُبتَدأَة قَول الْكُمَيْت: أَي: علينا مثل النهاء. وَمِثَال وُقُوعهَا مفعولة قَول النَّابِغَة: ...
стр. 4876
(لَا يبرمون إِذا مَا الْأُفق جلله ... برد الشتَاء من الإمحال كالأدم)
فالكاف مفعول جلله. وَمِثَال وُقُوعهَا مُضَافا إِلَيْهَا قَوْله:
(تيم الْقلب حب كالبدر لَا بل ... فاق حسنا من تيم الْقلب حبا)
وَالْبَيْت الْآتِي وَهُوَ: فصيروا مثل كعصف مَأْكُول وَبَقِي عَلَيْهِ جرها بِالْكَاف وَسَيَأْتِي. وَمِثَال جرها بعن الْبَيْت الشَّاهِد. وَقَبله:
(وَلَا تلمني الْيَوْم يَا ابْن عمي ... عِنْد أبي الصَّهْبَاء أقْصَى همي)
(بيض ثَلَاث كنعاج جم ... يضحكن عَن كَالْبردِ المنهم)
تَحت عرانين أنوف شم أَبُو الصَّهْبَاء: كنية رجل. والهم بِالْفَتْح الهمة بِالْكَسْرِ: أول الْعَزْم وَهُوَ الْإِرَادَة وَقد يُطلق على الْعَزْم الْقوي فَيُقَال: لَهُ همة عالية.
قَالَ ابْن فَارس: الْهم: مَا هَمَمْت بِهِ إِذا أردته وَلم تَفْعَلهُ.
وبيض بِالرَّفْع: إِمَّا بدل من أقْصَى همي وَإِمَّا خبر لمبتدأ مَحْذُوف أَي: هُوَ وَالْجُمْلَة جَوَاب سُؤال مُقَدّر. وَقيل: بيض بِالْجَرِّ بدل من همي
وَلَا وَجه لَهُ. وَقيل بيض ثَلَاث: مُبْتَدأ. وَجُمْلَة يضحكن خَبره وَقيل: خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هن بيض وَقيل: مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف أَي: مِنْهُنَّ بيض. ذكر هَذِه الْأَوْجه الثَّلَاثَة الْأَخِيرَة
стр. 4877
الْعَيْنِيّ تبعا لصَاحب التخمير. وَالْبيض: الحسان جمع بَيْضَاء وَهِي الْحَسْنَاء. والنعاج: جمع نعجة فِي الْمِصْبَاح: النعجة الْأُنْثَى من الضَّأْن. وَالْعرب تكنى عَن الْمَرْأَة بالنعجة. انْتهى.
وَنقل عَن أبي عبيد أَنه لَا يُقَال لغير بقر الْوَحْش نعاج. وتشبه النِّسَاء بهَا فِي الْعُيُون والأعناق.
والجم بِضَم الْجِيم: جمع جماء وَهِي الَّتِي لَا قرن لَهَا يُقَال: جمت الشَّاة جمماً من بَاب تَعب: إِذا لم يكن لَهَا قرن فالذكر أجم وَالْأُنْثَى جماء وجمعهما جم بِالضَّمِّ. وَفَائِدَة الْوَصْف بجم نفي مَا يكسبهن سماجة.
وَالْبرد: حب الْغَمَام وَهُوَ شَيْء ينزل من السَّحَاب يشبه الْحَصَى وَيُسمى حب المزن أَيْضا.)
والمنهم: الذائب.
قَالَ الْجَوْهَرِي: انهم الْبرد والشحم: ذاب. وهمه: أذابه. شبه ثغر النِّسَاء بالبرد الذائب فِي اللطافة والجلاء. والثغر أَصله المبسم وَيُطلق على الثنايا.
وَقَوله: تَحت العرانين مُتَعَلق بِمَحْذُوف على أَنه صفة ثَانِيَة للبرد. والعرانين: جمع عرنين وَهُوَ مَا والشمم: ارْتِفَاع قَصَبَة الْأنف مَعَ اسْتِوَاء أَعْلَاهُ. فَإِن كَانَ احديداب فَهُوَ القنا وَالْأنف وَالرجل أقنى وَالْأُنْثَى قنواء.
وَهَذَا الرجز للعجاج. وَتَقَدَّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالْعِشْرين من أَوَائِل الْكتاب.
стр. 4878
وَأنْشد بعده:
(أتنتهون وَلنْ ينْهَى ذَوي شطط ... كالطعن يهْلك فِيهِ الزَّيْت والفتل)
على أَنه يتَعَيَّن فِيهِ اسميتها أَيْضا إِذا طلبَهَا عَامل رفع كَمَا هُنَا فَإِنَّهَا اسْم بِمَعْنى مثل وَقعت عاملة لينهى.
وَقَوله: إِذا ارْتَفَعت مَعْطُوف على قَوْله: إِذا انجرت.
وَتقدم كَلَام ابْن السراج فِي تعين اسمية الْكَاف عِنْد الْكَلَام على هَذَا الْبَيْت فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالسبْعين بعد السبعمائة.
وَقد بسط عَلَيْهَا الْكَلَام ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة وَجوز اسميتها فِي الِاخْتِيَار دون الضَّرُورَة بِخِلَاف ابْن عُصْفُور فِي كتاب ابْن الضرائر. وَلَا بَأْس بإيراد كَلَامهمَا. ولنقدم الثَّانِي فَإِنَّهُ أخصر وأجمل قَالَ: وَمِنْه اسْتِعْمَال الْحَرْف اسْما للضَّرُورَة كَقَوْل الْأَعْشَى: أتنتهون الْبَيْت
(وَإنَّك لم يفخر عَلَيْك كفاخر ... ضَعِيف وَلم يَغْلِبك مثل مغلب)
فَجعل الْكَاف فاعلة بيفخر. وَالدَّلِيل على أَنَّهَا فاعلة فِي الْبَيْتَيْنِ أَنه لَا بُد للْفِعْل من فَاعل فَلَا يجوز أَن يكون الْفَاعِل محذوفاً وَيكون تَقْدِيره فِي الْبَيْت الأول ناه كالطعن وَفِي الْبَيْت الثَّانِي فاخر كفاخر. لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو بعد الْحَذف أَن يُقَام الْمَجْرُور مقَامه أَو لَا يُقَام. فَإِن لم يقم مقَامه لم يجز ذَلِك لِأَن الْفَاعِل لَا يحذف من غير أَن يُقَام شَيْء مقَامه. وَإِن قدر لزم أَن يكون الْمَجْرُور فَاعِلا وَالْمَجْرُور الَّذِي
стр. 4879
حرف الْجَرّ فِيهِ غير زَائِد لَا يكون فَاعِلا.
فَلَمَّا تعذر حذف الْفَاعِل على التَّقْدِيرَيْنِ لم يبْق إِلَّا أَن تكون الْكَاف هِيَ الفاعلة عوملت)
مُعَاملَة مثل لِأَن مَعْنَاهَا كمعناه. وَحكم لَهَا بِحكمِهِ بَدَلا من حكمهَا للضَّرُورَة. وَمِمَّا اسْتعْملت أَيْضا الْكَاف فِيهِ اسْما قَول ذِي الرمة: وبعله على كالنقا.
وَقَول امْرِئ الْقَيْس: ورحنا بكابن المَاء وَالدَّلِيل على أَن الْكَاف فيهمَا لَيست بِحرف جر أَن حرف الْجَرّ لَا يدْخل على حرف الْجَرّ إِلَّا أَن يَكُونَا فِي معنى وَاحِد فَيكون أَحدهمَا تَأْكِيدًا للْآخر.
فَإِن قيل: لَعَلَّ الْكَاف حرف جر وَيكون الْمَجْرُور بعلى وَالْبَاء محذوفاً. وَالتَّقْدِير: على كفل كالنقا وبفرس كَابْن المَاء فَالْجَوَاب: أَن ذَلِك لَا يسوغ لِأَنَّك إِن لم تقدر الْمَجْرُور قَائِما مقَام الْمَحْذُوف لزم من ذَلِك أَن يكون الْحَرْف الَّذِي هُوَ الْكَاف مَعَ الِاسْم الْمَجْرُور بِهِ فِي مَوضِع خفض بعلى وَالْبَاء وَذَلِكَ لَا يجوز لِأَن حُرُوف الْجَرّ إِنَّمَا تجر الْأَسْمَاء وَحدهَا فَلَمَّا تعذر أَن تكون الْكَاف حرفا على التَّقْدِيرَيْنِ لم يبْق إِلَّا أَن تكون قد جعلت اسْما. انْتهى.
-
وَقَالَ ابْن جني: إِن قَالَ قَائِل: هَل يجوز أَن تكون الْكَاف فِي كالطعن حرف جر وَتَكون صفة قَامَت مقَام الْمَوْصُوف.
وَالتَّقْدِير: وَلنْ ينْهَى ذَوي شطط شَيْء كالطعن فَيكون الْفَاعِل الْمَحْذُوف الْمَوْصُوف حذف جَائِزا كَمَا حذف الْمَوْصُوف فِي قَوْله: ودانيةً عَلَيْهِم ظلالها أَي: جنَّة دانية وكقول الآخر:
стр. 4880
كَأَنَّك من جمال بني أقيش أَي: جمل من جمال بني أقيش فَالْجَوَاب: أَن حذف الْمَوْصُوف وَإِقَامَة الْوَصْف مقَامه قَبِيح وَفِي بعض الْأَمَاكِن أقبح.
فَأَما دانية فَالْوَجْه أَن يكون حَالا معطوفة على متكئين فَهَذَا لَا ضَرُورَة فِيهِ. وَأما قَوْله: كَأَنَّك من جمال فَإِنَّمَا جَازَ فِي ضَرُورَة الشّعْر.
وَلَو جَازَ لنا أَن نجد من فِي بعض الْمَوَاضِع قد جعلت اسْما لجعلناها هُنَا اسْما وَلم نحمل الْكَلَام على إِقَامَة الصّفة.
فَأَما قَوْله: وَلنْ ينْهَى ذَوي شطط كالطعن فَلَو حَملته على إِقَامَة الصّفة مقَام الْمَوْصُوف لَكَانَ أقبح من تَأَول قَوْله تَعَالَى: ودانية على حذف الْمَوْصُوف لِأَن الْكَاف فِي بَيت الْأَعْشَى هِيَ)
الفاعلة فِي الْمَعْنى ودانية إِنَّمَا هِيَ مفعول وَالْمَفْعُول قد يكون غير اسْم صَرِيح نَحْو: ظَنَنْت زيدا يقوم وَالْفَاعِل لَا يكون إِلَّا اسْما صَرِيحًا مَحْضا.
فَإِن قلت: أَلَسْت تعلم أَن خبر كَأَن يجْرِي مجْرى الْفَاعِل وَقد قَالُوا: كَأَنَّك من جمال بني أقيش وَأَرَادُوا: جمل من جمال بني أقيش فَهَلا أجزت حذف الْفَاعِل وَإِقَامَة الصّفة مقَامه فِي قَول الْأَعْشَى فَالْجَوَاب: أَن بَينهمَا فرقا من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن خبر كَأَن وَإِن شبه بالفاعل فِي ارتفاعه فَلَيْسَ فِي الْحَقِيقَة فَاعِلا وجعلهم خَبَرهَا فعلا يدل على أَنه لَا يبلغ قُوَّة الْفَاعِل. وَالْآخر: أَن قَوْله: كَأَنَّك من جما لبني أقيش
стр. 4881
اضطررنا فِيهِ إِلَى إِقَامَة الصّفة مقَام الْمَوْصُوف وَبَيت الْأَعْشَى لم نضطر فِيهِ إِلَى ذَلِك لِأَنَّهُ قد قَامَت الدّلَالَة الْبَيِّنَة عندنَا على استعمالهم الْكَاف اسْما فِي نَحْو قَوْله: وبعلها على كالنقا فَهَذَا وَنَحْوه يشْهد بِكَوْن الْكَاف اسْما وَبَيت الْأَعْشَى أَيْضا يشْهد بِمَا قُلْنَا. ولسنا نخالف الشَّائِع المطرد إِلَى ضَرُورَة واستقباح إِلَّا بِأَمْر يَدْعُو إِلَى ذَلِك وَلَا ضَرُورَة هُنَا. فَنحْن على مَا يجب من لُزُوم الظَّاهِر ومخالفنا مُعْتَقد لما لَا قِيَاس يعضده. فقد صَحَّ بِمَا قدمنَا أَن كَاف الْجَرّ تكون مرّة اسْما وَمرَّة حرفا. فَإِذا رَأَيْتهَا فِي مَوضِع تصلح فِيهِ أَن تكون اسْما وَأَن تكون حرفا فجوز فِيهَا الْأَمريْنِ وَذَلِكَ كَقَوْلِك: زيد كعمرو فقد تصلح أَن تكون الْكَاف هُنَا اسْما كَقَوْلِك: زيد مثل عَمْرو وَيجوز أَن تكون حرفا كَقَوْلِك: زيد من الْكِرَام. فَكَمَا أَن من حرف جر وَقع خَبرا عَن الْمُبْتَدَأ كَذَلِك الْكَاف تصلح أَن تكون حرف جر.
فَإِذا قلت: أَنْت كزيد وَجعلت الْكَاف اسْما فَلَا ضمير فِيهَا كَمَا أَنَّك إِذا
قلت: أَنْت مثل زيد فَلَا ضمير فِي مثل كَمَا لَا ضمير فِي الْأَخ وَلَا الابْن إِذا قلت: أَنْت أَخُو زيد وَأَنت ابْن زيد.
هَذَا قَول أَصْحَابنَا وَإِن كَانَ قد أجَاز بعض البغداديين أَن يكون فِي هَذَا النَّحْو الَّذِي هُوَ غير مُشْتَقّ من الْفِعْل ضمير كَمَا يكون فِي الْمُشْتَقّ.
فَإِذا جعلت الْكَاف فِي: أَنْت كزيد حرفا فَفِيهَا ضمير كَمَا تَتَضَمَّن حُرُوف الْجَرّ الضَّمِير إِذا وَاعْلَم أَنه كَمَا جَازَ أَن تجْعَل هَذِه الْكَاف فاعلة فِي بَيت الْأَعْشَى وَغَيره فَكَذَلِك يجوز أَن تجْعَل)
مُبتَدأَة فَنَقُول على هَذَا: كزيد جَاءَنِي وَأَنت تُرِيدُ: مثل زيد جَاءَنِي. فَإِن أدخلت إِن على هَذَا قلت: إِن كبكر غُلَام لمُحَمد فَرفعت
стр. 4882
الْغُلَام لِأَنَّهُ خبر إِن وَالْكَاف فِي مَوضِع نصب لِأَنَّهَا اسْم إِن. وَتقول: إِذا جعلت الْكَاف حرفا وخبراً مقدما: إِن كبكر أَخَاك.
وَاعْلَم أَن أَقيس الْوَجْهَيْنِ فِي أَنْت كزيد أَن تكون الْكَاف حرفا جاراً بِمَنْزِلَة الْبَاء وَاللَّام لِأَنَّهَا مَبْنِيَّة مثلهمَا وَلِأَنَّهَا أَيْضا على حرف وَاحِد وَلَا أصل لَهَا فِي الثَّلَاثَة فَهِيَ بالحروف أشبه. وَلِأَن اسْتِعْمَالهَا حرفا أَكثر من اسْتِعْمَالهَا اسْما.
هَذَا كَلَام ابْن جني وَهُوَ صَرِيح فِي جَوَاز اسميتها فِي الاختبار خلاف مَا نقل عَن سِيبَوَيْهٍ.
وَإِلَيْهِ ذهب صَاحب الْكَشَّاف أَيْضا قَالَ فِي: فأنفخ فِيهِ: إِن الضَّمِير للكاف من كَهَيئَةِ الطير أَي: فأنفخ فِي ذَلِك الشَّيْء المماثل فَيصير كَسَائِر الطُّيُور. انْتهى.
وجميعهم امْتَنعُوا فِيمَا ذَكرْنَاهُ من جعل الْكَاف حرفا تكون مَعَ مجرورها صفة لمَحْذُوف لِأَن شَرط جَوَازه أَن يكون بَعْضًا من مجرور بِمن أَو فِي نَحْو: منا ظعن وَمنا أَقَامَ. وَلم يلْتَفت أَبُو عَليّ فِي البغداديات إِلَى هَذَا الشَّرْط وخرجه على حذف
الْفَاعِل الْمَوْصُوف فَقَالَ: وَلَو قَالَ قَائِل إِن الْكَاف بِمَعْنى الْحَرْف الْجَار لم يكن مخطئاً وَيكون التَّقْدِير: وَلنْ ينْهَى ذَوي شطط شَيْء كالطعن وَنَظِيره من التَّنْزِيل: وَمن آيَاته يريكم الْبَرْق تَقْدِيره: وَمن آيَاته أَنه يريكم فِيهَا الْبَرْق فنصب الظّرْف على الاتساع نصب الْمَفْعُول بِهِ كَأَنَّهُ يريكموها الْبَرْق. مثل وَيَوْما شهدناه ثمَّ حذف الضَّمِير. وَنَظِير ذَلِك: ...
стр. 4883
(وَمَا الدَّهْر إِلَّا تارتان فمنهما ... أَمُوت وَأُخْرَى أَبْتَغِي الْعَيْش أكدح)
أَي: مِنْهُمَا تَارَة أَمُوت فِيهَا وَأُخْرَى أَبْتَغِي الْعَيْش.
وَمن هَذَا الْبَاب قَول أبي الْحسن: قَوْله تَعَالَى: أَو جاؤوكم حصرت صُدُورهمْ أَي: جاؤوكم قوما حصرت صُدُورهمْ.
فَكَذَلِك قَوْله: وَلنْ ينْهَى ذَوي شطط يحْتَمل أَن يكون على هَذَا الَّذِي وَصفنَا من حذف الْمَوْصُوف وَلَكِن يدل على كَونهَا اسْما فِي الشّعْر قَول الْقَائِل:
فصيروا مثل كعصف مَأْكُول لِأَن الِاسْم لَا يُضَاف إِلَى الْحَرْف. وَكَذَلِكَ: وصاليات ككما يؤثفين)
تدل الْكَاف الأولى على أَن الثَّانِيَة اسْم إِذْ لَا يدْخل حرف خفض على مثله انْتهى كَلَامه.
وَقد رَجَعَ عَنهُ فِي الْمسَائِل البصريات وَهَذَا نَصه: لَا تَخْلُو الْكَاف من أَن تكون اسْما أَو حرفا.
لَا يجوز أَن تكون حرفا لِأَنَّك إِن جَعلتهَا حرفا لزم أَن تجعلها صفة لمَحْذُوف كَأَنَّك قلت: شَيْء كالطعن وَالْفَاعِل لَا يحذف.
أَلا ترى إِلَى أَن قَول من قَالَ: ضَرَبَنِي وَضربت زيدا إِن الْفَاعِل مِنْهُ مَحْذُوف خطأ عندنَا.
وَكَذَلِكَ إِن جعلت الْكَاف حرفا كَانَ وَصفا وَإِذا صَار وَصفا فالموصوف مَحْذُوف.
стр. 4884
وَإِذا جعلته وصف مَحْذُوف بَقِي الْفِعْل لبلا فَاعل وَذَلِكَ غير جَائِز عندنَا. فَإِذا كَانَ كَذَلِك جعلت الْكَاف نَفسهَا فاعلة وموضعها رفع كَمَا أَن موضعهَا جر فِي قَوْله: ككما يؤثفين وكما أَن موضعهَا جر فِي قَوْله:
على كالقطا الْجونِي فَإِن قلت: فَهَلا حذفت الْمَجْرُور فِي قَوْله: على كالقطا الْجونِي لِأَنَّهُ لَيْسَ بفاعل قُلْنَا: يفْسد كَمَا يفْسد حذف الْفَاعِل فَإنَّك إِذا حذفته قدرت الْكَاف وَصفا لَهُ وَإِذا كَانَت وَصفا لَهُ كَانَت حرفا وَإِذا كَانَت حرفا أدخلت حرف جر على حرف جر.
وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يجز فَمن ثمَّ لزمك أَن تحكم بِأَن الْكَاف فِي قَوْله: على كالقطا اسْم فِي مَوضِع جر بعلى كَمَا أَنَّهَا اسْم فِي مَوضِع رفع بِأَنَّهَا فاعلة فِي بَيت الْأَعْشَى. انْتهى كَلَامه.
وعَلى هَذَا مَشى فِي التَّذْكِرَة القصرية وَفِي كتاب الشّعْر. وَمن جَمِيعه تعلم أَن اسميتها عِنْده خَاصَّة بالشعر خلافًا لما نقل عَنهُ. وَمعنى الْبَيْت: لَا يمْنَع الجائرين عَن الْجور مثل طعن نَافِذ إِلَى الْجوف يغيب فِيهِ الزَّيْت مَعَ فَتِيلَة الْجراح.
وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ مفصلا فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالسبْعين بعد السبعمائة.
стр. 4885
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
لواحق الأقراب فِيهَا كالمقق على أَن الْكَاف فِيهِ زَائِدَة. قَالَ ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة: المقق: الطول وَلَا يُقَال فِي الشَّيْء كالطول إِنَّمَا يُقَال: فِيهِ طول فَكَأَنَّهُ قَالَ: فِيهَا مقق أَي: طول. انْتهى.
وَالْبَيْت لرؤبة بن العجاج. قَالَ الْأَصْمَعِي فِي شَرحه: هُوَ مثل قَوْلهم: هُوَ كذي الْهَيْئَة أَي: هُوَ ذُو هَيْئَة.
وَكَذَا قَالَ ابْن السراج فِي الْأُصُول وَأَبُو عَليّ فِي البغداديات قَالَ: وَأما مَجِيء الْكَاف حرفا زَائِدا لغير معنى التَّشْبِيه فكقولهم فِيمَا حدّثنَاهُ عَن أبي الْعَبَّاس: فلَان كذي الْهَيْئَة يُرِيدُونَ فلَان ذُو لواحق الأقراب فِيهَا كالمقق أَي: فِيهَا مقق لِأَنَّهُ يصف الأضلاع بِأَن فِيهَا طولا وَلَيْسَ يُرِيد أَن شَيْئا مثل الطول نَفسه.
وَمِنْه: لَيْسَ كمثله شَيْء.
وَمِنْه أَيْضا: أَو كَالَّذي مر على قَرْيَة تَقْدِيره: أَرَأَيْت الَّذِي حَاج إِبْرَاهِيم فِي ربه وَالَّذِي مر على قَرْيَة. انْتهى.
стр. 4886
قَالَ أَبُو حَيَّان: وَحكى الْفراء انه قيل لبَعض الْعَرَب: كَيفَ تَصْنَعُونَ الأقط قَالَ: كهين يُرِيد هيناً. وَمن زيادتها قَول بَعضهم: كمذ أخذت فِي حَدِيثك جَوَابا لمن قَالَ لَهُ: مذ كم لم تَرَ فلَانا يُرِيد: مذ أخذت. انْتهى.
وَمِنْه يعلم أَنه لَا وَجه لتخصيص زيادتها بالضرائر الشعرية كَمَا زعم ابْن عُصْفُور.
واللواحق: جمع لاحقة اسْم فَاعل من لحق كسمع لُحُوقا: ضمر وهزل.
والأقراب: جمع قرب بضمة فَسُكُون وبضمتين: الخاصرة وَقيل: من الشاكلة إِلَى مراق الْبَطن. يُرِيد أَنَّهَا خماص الْبُطُون. وَضمير فِيهَا للأقراب.
والمقق بِفَتْح الْمِيم وَالْقَاف: الطول وَقَالَ اللَّيْث: الطول الْفَاحِش فِي دقة. فَقَوله: كالمقق مَرْفُوع الْموضع على الِابْتِدَاء وَخَبره الظّرْف قبله وَالْجُمْلَة حَال من الأقراب.
وَالْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة تزيد على مِائَتي بَيت شرحنا قِطْعَة كَبِيرَة مِنْهَا فِي الشَّاهِد الْخَامِس من أول الْكتاب وَهُوَ من جملَة أَبْيَات كَثِيرَة فِي وصف أتن حمَار الْوَحْش الَّتِي شبه نَاقَته بهَا فِي الجلادة والعدو السَّرِيع لَا فِي وصف الْخَيل كَمَا زعم الْعَيْنِيّ وَتَبعهُ غَيره. فَيَنْبَغِي أَن نشرح أبياتاً)
قبله حَتَّى يَتَّضِح مَا قُلْنَا.
وَقد وصف حمَار الْوَحْش بِأَبْيَات إِلَى أَن قَالَ:
(أحقب كالمحلج من طول القلق ... كَأَنَّهُ إِذْ رَاح مسلوس الشمق)
فِي الصِّحَاح: الأحقب: حمَار الْوَحْش سمي بذلك لبياض فِي حقْوَيْهِ وَالْأُنْثَى حقباء.
والمحلج قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: حلجت الْقطن حلجاً من بَاب ضرب. والمحلج بِكَسْر الْمِيم: خَشَبَة يحلج بهَا حَتَّى يخلص الْحبّ من
стр. 4887
الْقطن.
قَالَ الْأَصْمَعِي: شبهه بالمحلج لصلابته. وَيَنْبَغِي أَن يُقَال: ولكثرة حركته واضطرابه. وَمن طول القلق هُوَ وَجه الشّبَه وَهُوَ كِنَايَة عَن عدم سكونه. والقلق: الِاضْطِرَاب. د
وَرَاح: نقيض غَدا يُقَال: سرحت الْمَاشِيَة بِالْغَدَاةِ وراحت بالْعَشي أَي: رجعت. وَالْعَامِل فِي إِذا مَا فِي كَأَن من معنى التَّشْبِيه. يصف رُجُوعه إِلَى مَأْوَاه. ومسلوس خبر كَأَنَّهُ وَهُوَ من السلاس بِالضَّمِّ وَهُوَ ذهَاب الْعقل.
والمسلوس: الْمَجْنُون وَقد سَلس بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول. والشمق: النشاط مصدر شمق كفرح. وَقَالَ اللَّيْث: هُوَ مرح الْجُنُون.
(نشر عَنهُ أَو أَسِير قد عتق ... منسرحاً إِلَّا ذعاليب الْخرق)
نشر بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول بِالتَّخْفِيفِ والتثقيل أَي: كشف عَنهُ وَهُوَ من النشرة بِالضَّمِّ. قَالَ صَاحب الْقَامُوس: هِيَ رقية يعالج بهَا الْمَجْنُون وَالْمَرِيض وَقد نشر عَنهُ. وانتشر: انبسط كتنشر.
وَفِي الصِّحَاح: والتنشير من النشرة وَهِي كالتعويذ والرقية. وَجُمْلَة: نشر حَال من ضمير مسلوس.
يَقُول: كَانَ هَذَا الْحمار الأحقب كالاً من كَثْرَة حركته فحين أَرَادَ الرُّجُوع إِلَى مَأْوَاه نشط شوقاً إِلَيْهِ فَكَأَنَّهُ مَجْنُون نشاط زَالَ جُنُونه ومريض شوق ذهب داؤه. وَالتَّعْبِير بالجنون عَن كَثْرَة اللهج بالشَّيْء وفرط الْميل إِلَيْهِ مستفيض.
وأسير مَعْطُوف على مسلوس. وَعتق العَبْد من بَاب ضرب وعتاقاً وعتاقة: صَار حرا.
وَالِاسْم الْعتْق بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْحُرِّيَّة. وَهُوَ عاتق أَي: حر. وَأعْتقهُ: جعله حرا فَهُوَ مُعتق بِكَسْر التَّاء وَذَلِكَ مُعتق بِفَتْحِهَا.
стр. 4888
يَقُول: هَذَا الأحقب يشبه أَسِيرًا صَادف غرَّة فتفلت من أسره فهرب أَشد الْهَرَب.)
والمنسرح بِالسِّين والحاء الْمُهْمَلَتَيْنِ: الْخَارِج من ثِيَابه وَهُوَ حَال من ضمير رَاح. والذعاليب بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة: جمع ذعلوب كعصفور.
والذعالب: جمع ذعلبة بِالْكَسْرِ وهما قطع الْخرق وَقَالَ أَبُو عَمْرو: أَطْرَاف الثِّيَاب وَقَالَ صَاحب الْقَامُوس: أَو مَا تقطع نمه فَتعلق. وثوب ذعاليب: خلق.
وَهَذَا تَمْثِيل يُؤَيّد أَن هَذَا الأحقب انسرح من وبره إِلَّا بقايا بقيت عَلَيْهِ. وَهَذَا مِمَّا ينشطه. وروى صَاحب الصِّحَاح: منسرحاً عَنهُ ذعاليب الْخرق فَيكون حَالا سببياً. وَضمير عَنهُ رَاجع للأحقب. وذعاليب فَاعل منسرحاً. وَالْمعْنَى: تساقط عَنهُ وبره كُله.
قَالَ ابْن المستوفي فِي شرح أَبْيَات الْمفصل: الحرق بِالْحَاء وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ المفتوحتين هُوَ تَحت الْوَبر من قَوْلهم: حرق شعره أَي: تقطع ونسل. وَلَيْسَ للخرق هُنَا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَجه. وَهُوَ على مَا أوردته فِي شعر رؤبة.
(منتحياً من قَصده على وفْق ... صَاحب عادات من الْورْد الغفق)
فِي الصِّحَاح: أنحى فِي سيره أَي: اعْتمد على الْجَانِب الْأَيْسَر. والانتحاء مثله. هَذَا هُوَ الأَصْل ثمَّ صَار الانتحاء الِاعْتِمَاد والميل فِي كل وَجه. انْتهى.
وَفِيه نظر فَإِن حَقِيقَة الانتحاء أَخذ النَّحْو أَي: النَّاحِيَة والجانب فَمن أَيْن يدْخل الْأَيْسَر فِي مَفْهُومه
стр. 4889
وَالْقَصْد كَمَا فِي الْمِصْبَاح: مصدر قصدت الشَّيْء وَله وَإِلَيْهِ من بَاب ضرب: طلبته بِعَيْنِه. وَهُوَ على قصد أَي: رشد. وَيَأْتِي بِمَعْنى: استقامة الطَّرِيق. والوفق بِفتْحَتَيْنِ كَمَا فِي الْقَامُوس: مصدر وفقت أَمرك كرشدت: صادفته مُوَافقا.
وَصَاحب عادات ومنتحياً: حالان من ضمير الأحقب فِي رَاح. والورد بِالْكَسْرِ فِي الْمِصْبَاح: ورد الْبَعِير وَغَيره المَاء يردهُ وروداً: بلغه ووافاه من غير دُخُول وَقد يكون دُخُولا. وَالِاسْم الْورْد بِالْكَسْرِ.
-
والغفق بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَالْفَاء هُوَ أَن ترد الْإِبِل كل سَاعَة.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: ظلّ يتغفق المَاء إِذا جعل يشرب سَاعَة فساعة. وَهُوَ وصف الْورْد بتأويله بوصفه بالمتكرر والمتعدد. وَإِذا كَانَ ورده مُتَعَددًا فِي الْيَوْم فَهُوَ يسْرع ليرد المَاء. فَهَذِهِ الْعَادة مِمَّا تنشطه للإسراع أَيْضا.)
(ترمي ذِرَاعَيْهِ بجثجات السُّوق ... ضرجاً وَقد أنجدن من ذَات الطوق)
فَاعل ترمي صوادق الْعقب الْآتِي. وَضمير ذِرَاعَيْهِ للأحقب. والجثجات بجيمين ومثلثتين قَالَ الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات: هُوَ جمع الْوَاحِدَة جثجانة.
وَأَخْبرنِي أَعْرَابِي من ربيعَة أَن الجثجاثة ضخمة يستدفئ بهَا الْإِنْسَان إِذا عظمت. ومنابتها القيعان وَلها زهرَة صفراء تنْبت على هَيْئَة العصفر.
وَقَالَ غَيره من الْأَعْرَاب: هُوَ من الأمرار وَهُوَ أَخْضَر ينْبت بالقيظ لَهُ زهرَة طيبَة الرّيح تَأْكُله الْإِبِل إِذا لم تَجِد غَيره. وَقَالَ أَبُو نصر: الجثجاث شَبيه بالقيصوم. ولطيب رِيحه ومنابته فِي الرياض.
قَالَ الشَّاعِر: ...
стр. 4890
(فَمَا رَوْضَة بالحزن طيبَة الثرى ... يمج الندى جثجاثها وعرارها)
(بأطيب من فِيهَا إِذا جِئْت طَارِقًا ... وَقد أوقدت بالمجمر اللدن نارها)
والسوق بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو: مَوضِع وَكَذَلِكَ ذَات الطوق بِضَم الطَّاء الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو. وَلم أر من ذكرهمَا. وَقد راجعت مُعْجم مَا
استعجم ومعجم الْبلدَانِ والمرصع والصحاح والعباب والقاموس فَمَا وجدتهما فِيهَا.
يُرِيد أَن الأحقب يَسُوق أتنه فَهِيَ تمشي قدامه وَمن شدَّة سرعتها يتكسر هَذَا النبت فيتطاير كَسره فتصيب ذِرَاعَيْهِ.
وضرجاً بالضاد الْمُعْجَمَة وَالْجِيم: مصدر ضرجه بِمَعْنى شقَّه وَهُوَ هُنَا حَال من الجثجاث بتأويله باسم الْمَفْعُول أَي: مضروجة. وأنجدن: صرن إِلَى نجد. والنجد: مَا ارْتَفع من الأَرْض.
وَجُمْلَة قد أنجدن: حَال من فَاعل ترمي. وَفِيه مُبَالغَة فِي جلادتها فَإِن الطُّلُوع من منخفض إِلَى مُرْتَفع أَمر شاق وَهِي مَعَ هَذِه الْحَال يتكسر الجثجاث من شدَّة وَطئهَا.
(صوادق الْعقب مهاذيب الولق ... مستويات الْقد كالجنب النسق)
صوادق: فَاعل ترمي الْمُتَقَدّم وَهُوَ جمع صَادِقَة اسْم فَاعل من الصدْق وَهُوَ كَمَا يكون فِي القَوْل يكون فِي الْفِعْل بِمَعْنى التحقق. والعقب بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف: الجري الَّذِي يَجِيء بعد الجري الأول.
يُقَال: لهَذَا
стр. 4891
الْفرس عقب حسن. وَفِيه مُبَالغَة حَيْثُ يتَحَقَّق جري هَذِه الأتن بعد تعبها وكلالها)
فَهِيَ لَا تفتر أبدا. ومهاذيب: جمع مهذابة كمطاعيم جمع مطعامة مُبَالغَة هاذبة بِمَعْنى مسرعة.
يُقَال: هذب هذباً وهذابة أَي: أسْرع. وَيُقَال أَيْضا: أهذب وهذب وهاذب بِمَعْنَاهُ.
وَفِي الصِّحَاح: الإهذاب والتهذيب: الْإِسْرَاع فِي الطيران والعدو وَالْكَلَام. وَهُوَ صفة صوادق وَكَذَلِكَ مستويات.
والولق بِفَتْح الْوَاو: مصدر ولق يلق من بَاب فَرح بِمَعْنى الْإِسْرَاع. وَالْإِضَافَة بِمَعْنى فِي. يُرِيد: أَنَّهُنَّ سراع فِي عدوهن.
-
وَالْقد بِكَسْر الْقَاف قَالَ صَاحب الْقَامُوس: الطَّرِيقَة. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْحذاء يُقَال: حذاؤهن وَاحِد. انْتهى.
وَأَرَادَ بالحذاء مصدر حاذيته أَي: قاربته. وَالْجنب هُوَ مَا تَحت الْإِبِط إِلَى الكشح. والنسق فعل بِمَعْنى منسوق يُقَال: در نسق أَي: منسوق وَفعله نسقت الدّرّ نسقاً من بَاب قتل: نظمته.
يَقُول: كأنهن فِي قرب بَعضهنَّ لبَعض كأضلاع الْجنب فَلَا تتأخر إِحْدَاهُنَّ عَن صاحبتها. يُرِيد: أَنَّهُنَّ فِي السرعة سَوَاء فَلَا يفضل بَعْضهَا على بعض.
(تحيد عَن أظلالها من الْفرق ... من غائلات اللَّيْل والهول الزعق)
حاد عَن الشَّيْء حيدة وحيوداً: تنحى وَبعد. وَالْجُمْلَة استئنافية. وَالْفرق: مصدر فرق كفرح بِمَعْنى خَافَ. وَهُوَ عِلّة لقَوْله: تحيد. وحرفا الْجَرّ متعلقان بتحيد. وَهَذَا مثل قَوْلهم: فلَان يفرق من ظله.
وغائلات اللَّيْل: الصياد والأسد وَالذِّئْب وَمَا أشبه ذَلِك. وَهَذَا مِمَّا يزِيد الأتن نشاطاً فِي الْإِسْرَاع. والهول: مصدر هاله من بَاب قَالَ بِمَعْنى أفزعه.
والزعق بِفَتْح الزَّاي الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة: مصدر زعق كفرح وَهُوَ الْخَوْف فِي اللَّيْل. فَهُوَ بدل ...
стр. 4892
(قب من التعداء حقب فِي سوق ... لواحق الأقراب فِيهَا كالمقق)
أَي: هَذِه الأتن قب. وَالْجُمْلَة استئنافية. والقب: جمع أقب وقباء من القبب ودقة الخصر وضمر الْبَطن أَي: هن خماص من كَثْرَة عدوهن. والتعداء: مصدر عدا من بَاب قَالَ وَهُوَ أبلغ من الْعَدو.
والحقب خبر بعد خبر وَهُوَ جمع حقباء وَتقدم شَرحه. والسوق بِفتْحَتَيْنِ: طول السَّاق.)
والأسوق: الطَّوِيل السَّاقَيْن وَقَالَ ابْن دُرَيْد: غليظهما وَقيل: حسنهما. وَهِي سوقاء. ولواحق خبر ثَالِث.
-
فَظهر بسوق هَذِه الأبيات أَن الْبَيْت الشَّاهِد فِي وصف الأتن الوحشية لَا فِي وصف الْخَيل.
وَالله أعلم. وترجمة رؤبة تقدّمت فِي الشَّاهِد الْخَامِس من أول الْكتاب.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: فَأَصْبحُوا مثل كعصف مَأْكُول قَالَ ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة: وَأما قَوْله:
стр. 4893
فصيروا مثل كعصف مَأْكُول فَلَا بُد من زِيَادَة الْكَاف فَكَأَنَّهُ قَالَ: فصيروا مثل عصف مَأْكُول فأكد الشّبَه بِزِيَادَة الْكَاف كَمَا أكد الشّبَه بِزِيَادَة الْكَاف فِي قَوْله تَعَالَى: لَيْسَ كمثله
شَيْء إِلَّا أَنه فِي الْآيَة أَدخل الْحَرْف على الِاسْم وَهَذَا سَائِغ وَفِي الْبَيْت أَدخل الِاسْم على الْحَرْف فَشبه شَيْئا بِشَيْء. انْتهى.
وأنشده سِيبَوَيْهٍ على أَنَّهَا فِيهِ اسْم لضَرُورَة الشّعْر قَالَ: إِن نَاسا من الْعَرَب إِذا اضطروا فِي الشّعْر جعلوها بِمَنْزِلَة مثل. قَالَ الراجز: فصيروا مثل كعصف مَأْكُول وَقَالَ الآخر: وصاليات ككما يؤثفين قَالَ الأعلم: أَدخل مثلا على الْكَاف إِلْحَاقًا لَهَا بنوعها من الْأَسْمَاء ضَرُورَة. وَجَاز الْجمع بَينهمَا جَوَازًا حسنا لاخْتِلَاف لفظيهما مَعَ مَا قَصده من الْمُبَالغَة فِي التَّشْبِيه. وَلَو كرر الْمثل لم يحسن.
وَقَالَ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله: لَيْسَ كمثله شَيْء: وَلَك أَن تزْعم أَن كلمة التَّشْبِيه كررت للتَّأْكِيد كَمَا كررها من قَالَ. وَأنْشد الْبَيْت وَمَا بعده.
وَأورد عَلَيْهِ أَن الْكَاف تفِيد كَونهَا التَّشْبِيه لَا تَأْكِيد النَّفْي وَنفي الْمُمَاثلَة الْمُهْملَة أبلغ من نفي الْمُمَاثلَة الْمُؤَكّدَة فَلَيْسَتْ الْآيَة نظيراً للبيت. وَأجِيب بِأَنَّهَا
стр. 4894
تفِيد تَأْكِيد التَّشْبِيه إِن سلباً فسلب وَإِن إِثْبَاتًا فإثبات.
قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: وَفِي الْآيَة قَول ثَالِث وَهُوَ أَن الْكَاف ومثلاً لَا زَائِد مِنْهُمَا. ثمَّ اخْتلف)
فَقيل: مثل بِمَعْنى الذَّات. وَقيل: بِمَعْنى الصّفة وَقيل: الْكَاف اسْم مُؤَكد بِمثل كَمَا عكس ذَلِك من قَالَ: فصيروا مثل كعصف مَأْكُول
وَأورد عَلَيْهِ الدماميني بِأَنَّهُ يلْزم عَلَيْهِ إِضَافَة الْمُؤَكّد إِلَى التَّأْكِيد والبصريون لَا يعتدون بهَا لِأَنَّهَا فِي غَايَة الندرة فَلَا يَنْبَغِي تَخْرِيج التَّنْزِيل عَلَيْهَا.
وَالشَّارِح الْمُحَقق لما حكم بِزِيَادَة الْكَاف فِي الْبَيْت ورد عَلَيْهِ سُؤال وَهُوَ مَا مجرور مثل فَأجَاب بجوابين: أَولهمَا: لِابْنِ جني فِي سر الصِّنَاعَة وَثَانِيهمَا: مَأْخُوذ أَيْضا من تَقْرِيره وَقد بسط الْكَلَام فِيهِ فَلَا بَأْس بإيراده لِكَثْرَة فَوَائده قَالَ: فَإِن قَالَ قَائِل: إِذا جر العصف أَبَا لكاف الَّتِي تجاوره أم بِإِضَافَة مثل إِلَيْهِ على أَنه فصل بِالْكَاف بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ فَالْجَوَاب: أَنه لَا يجوز أَن يكون مجروراً إِلَّا بِالْكَاف وَإِن كَانَت زَائِدَة كَمَا أَن من وَجَمِيع حُرُوف الْجَرّ فِي أَي مَوضِع وقعن زَوَائِد فَلَا بُد من أَن يجررن مَا بعدهن.
فَالْجَوَاب: أَن مثلا وَإِن لم تكن مُضَافَة فِي اللَّفْظ فَإِنَّهَا مُضَافَة فِي الْمَعْنى وجارة لما هِيَ مُضَافَة إِلَيْهِ فِي التَّقْدِير. وَذَلِكَ أَن التَّقْدِير: فصيروا مثل عصف
стр. 4895
فَلَمَّا جَاءَت الْكَاف تولت جر العصف وَبقيت مثل غير جَارة وَلَا مُضَافَة فِي اللَّفْظ وَكَانَ احْتِمَال هَذِه الْحَال فِي الِاسْم الْمُضَاف أسوغ مِنْهُ فِي الْحَرْف الْجَار.
وَذَلِكَ أَنا لَا نجد حرفا جاراً مُعَلّقا غير عَامل فِي اللَّفْظ وَقد نجد بعض الْأَسْمَاء مُعَلّقا عَن الْإِضَافَة جاراً فِي الْمَعْنى غير جَار فِي اللَّفْظ وَذَلِكَ نَحْو قَوْلهم: جِئْت قبل وَبعد وَقَامَ زيد لَيْسَ غير. وَقَالَ:
بَين ذراعي وجبهة الْأسد أَي: بَين ذراعي الْأسد وجبهته. وَهَذَا كثير. وَإِنَّمَا أردْت أَن أوجدك أَن الْأَسْمَاء تعلق عَن الْإِضَافَة فِي ظَاهر اللَّفْظ وَأَن الْحُرُوف لَا يُمكن أَن تعلق عَن الْجَرّ فِي اللَّفْظ الْبَتَّةَ.
فَأَما قَول الشَّاعِر:
(جِيَاد بني أبي بكر تسامى ... على كَانَ المسومة العراب)
فَإِنَّمَا جَازَ الْفَصْل بكان من قبل أَنَّهَا زَائِدَة مُؤَكدَة فجرت مجْرى مَا الْمُؤَكّدَة فِي نَحْو قَوْله: فبمَا نقضهم ميثاقهم وعَمَّا قَلِيل)
وَلَا يجوز فِي قَوْله: ككما يؤثفين أَن تكون مَا مجرورة بِالْكَاف الأولى لِأَن الْكَاف الثَّانِيَة عاملة للجر وَلَيْسَت كَانَ جَارة فتجري مجْرى الْكَاف فِي ككما.
فَإِن قبل: فَمن أَيْن جَازَ تَعْلِيق الْأَسْمَاء عَن الْإِضَافَة فِي اللَّفْظ وَلم يجز فِي حُرُوف الْجَرّ إِلَّا أَن تتصل بالمجرور فَالْجَوَاب أَن ذَلِك جَائِز فِي الْأَسْمَاء من وَجْهَيْن:
стр. 4896
أَحدهمَا: أَن الْأَسْمَاء أقوى وأعم تَصرفا من الْحُرُوف وَهِي الأول الْأُصُول فَغير مُنكر أَن يتجوز فِيهَا مَا لَا يتجوز فِي الْحُرُوف.
أَلا ترى أَن تَاء التَّأْنِيث فِي الِاسْم نَحْو: مسلمة قد أبدلوها هَاء فِي الْوَقْف وَلم يبدلوها فِي ربت وثمت. وَالْفِعْل أَيْضا فِي هَذَا جَار مجْرى الْحَرْف.
وَالثَّانِي: أَن الْأَسْمَاء لَيست فِي أول وَضعهَا مَبْنِيَّة على أَن تُضَاف ويجر بهَا وَإِنَّمَا الْإِضَافَة فِيهَا ثَان لَا أول فَجَاز فِيهَا أَن تعرى فِي اللَّفْظ من الْإِضَافَة وَإِن كَانَت الْإِضَافَة فِيهَا منوية.
وَأما حُرُوف الْجَرّ فَوضعت على أَنَّهَا للجر الْبَتَّةَ وعَلى أَنَّهَا لَا تفارق الْمَجْرُور لِضعْفِهَا وَقلة استغنائها عَن الْمَجْرُور فَلم يُمكن تَعْلِيقهَا عَن الْجَرّ وَالْإِضَافَة لِئَلَّا يبطل الْعرض.
فَإِن قيل: فَمن أَيْن جَازَ للاسم أَن يدْخل على الْحَرْف فِي قَوْله: مثل كعصف فَالْجَوَاب: أَنه إِنَّمَا جَازَ لما بَين الْكَاف وَمثل من المضارعة فِي الْمَعْنى فَكَمَا حَاز أَن يدخلُوا الْكَاف على الْكَاف فِي ككما يؤثفين لمشابهته لمثل حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ: كَمثل مَا يؤثفين كَذَلِك أدخلُوا مثلا على الْكَاف فِي قَوْله: كعصف وَجعلُوا ذَلِك تَنْبِيها على قُوَّة الشّبَه بَين الْكَاف وَمثل.
فَإِن قيل: فَهَل تجيز أَن تكون الْكَاف مجرورة بِإِضَافَة مثل إِلَيْهَا وَيكون العصف مجروراً بِالْكَاف فَتكون قد أضفت كل وَاحِد من مثل والْكَاف فيزول عَنْك الِاعْتِذَار بتركهم مثلا غير مُضَافَة وَيكون جر الْكَاف بِإِضَافَة مثل إِلَيْهَا كجرها بِدُخُول الْكَاف على الْكَاف فِي ككما يؤثفين فَكَمَا أَن الْكَاف الثَّانِيَة
هُنَا مجرورة بِالْأولَى كَمَا انجرت بعلى فِي قَوْله: على كالقطا الْجونِي
стр. 4897
فَالْجَوَاب: أَن قَوْله: مثل كعصف قد ثَبت أَن مثلا أَو الْكَاف فِيهِ زَائِدَة كَمَا أَن إِحْدَاهمَا زَائِدَة فِي لَيْسَ كمثله شَيْء وَإِذا ثَبت ذَلِك فَلَا يجوز أَن تكون مثل هِيَ الزَّائِدَة لِأَنَّهَا اسْم والأسماء لَا تزاد إِنَّمَا تزاد الْحُرُوف فالزائد الْكَاف فَإِذا كَانَت هِيَ الزَّائِدَة فَهِيَ حرف وَإِذا)
كَانَت حرفا بَطل أَن تكون مجرورة وَإِذا لم تكن مجرورة بَطل أَن تكون مثل مُضَافَة إِلَيْهَا.
على أَن أَبَا عَليّ قد كَانَ أجَاز أَن تكون مثل مُضَافَة إِلَى الْكَاف وَتَكون الْكَاف هُنَا مجرورة اسْما. وَفِيه عِنْدِي ضعف لما ذكرته.
وَأما قَوْله: ككما يؤثفين فقد استدللنا بِدُخُول الْكَاف الأولى على الثَّانِيَة أَن الثَّانِيَة اسْم وَأَن الأولى حرف قد جر الثَّانِيَة وَهُوَ مَعَ ذَلِك زَائِد. وَلَا يُنكر وَإِن كَانَ زَائِدا أَن يكون جاراً. انْتهى كَلَام ابْن جني.
وَكَأن الدماميني لم يقف على كَلَام الشَّارِح الْمُحَقق وَلَا على كَلَام ابْن جني فَقَالَ فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة: يَنْبَغِي أَن تكون الْكَاف فِي الْبَيْت اسْما أضيف إِلَيْهِ مثل فَيكون عمل كل من الْكَلِمَتَيْنِ موفراً. أما إِذا جعلت حرفا وَجعل مثل مُضَافا إِلَى عصف لزم قطع الْحَرْف الْجَار عَن عمله بِلَا كَاف اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال: ينزل منزلَة الْجُزْء من الْمَجْرُور. هَذَا كَلَامه.
قَالَ الْعَيْنِيّ: الْبَيْت من شعر لرؤبة بن العجاج.
وَقَبله:
(ومسهم مَا مس أَصْحَاب الْفِيل ... ولعبت طير بهم أبابيل)
(ترميهم حِجَارَة من سجيل ... فصيروا مثل كعصف مَأْكُول)
وَلم يذكر مَا مرجع الضَّمِير وَمن الَّذين جرى عَلَيْهِم هَذَا الْأَمر.
стр. 4898
وَأَصْحَاب الْفِيل: أَبْرَهَة بن الصَّباح الأشرم ملك الْيمن من قبل أَصْحَمَة النَّجَاشِيّ وجيشه.
وَكَانَ من أَمر أَبْرَهَة أَنه بنى كَنِيسَة بِصَنْعَاء وَأَرَادَ صرف الْحَاج إِلَيْهَا فَخرج رجل من بني كنَانَة فَقضى حَاجته فِيهَا فأغضبه ذَلِك وَحلف ليهدمن الْكَعْبَة. فَخرج بجيشه وَمَعَهُ الفيلة وفيل قوي يُسمى مَحْمُودًا فَلَمَّا نهي لدُخُول الْحرم عبى جَيْشه وَقدم الْفِيل فَكَانَ كلما وجهوه إِلَى الْحرم برك وَلم يبرح وَإِذا وجهوه إِلَى الْيمن أَو إِلَى جِهَة أُخْرَى هرول.
فَأرْسل الله طيراً أبابيل فِي منقار كل مِنْهَا حجر وَفِي رجلَيْهِ حجران أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة فرمتهم فَكَانَ الْحجر يَقع فِي رَأس الرجل فَيخرج من دبره. فهلكوا جَمِيعًا.
السجيل: الطين المتحجر. مُعرب: سنك كل. والأبابيل: الْجَمَاعَات من الطير جمع إبالة بِكَسْر الْهمزَة وَتَشْديد الْمُوَحدَة وَهِي الحزمة الْكَبِيرَة شبهت بهَا الْجَمَاعَة من الطير لتضامها. وَقيل: هِيَ الْجَمَاعَات من الطير لَا وَاحِد لَهَا.
-
وَقَوله: فَأَصْبحُوا رُوِيَ بدله: فصيروا بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول. وَبِه اسْتشْهد ابْن هِشَام فِي شرح الألفية)
لتعدية صير إِلَى مفعولين: أَحدهمَا: نَائِب الْفَاعِل.
وَثَانِيهمَا: مثل. والعصف قَالَ صَاحب الْعباب: قَالَ الْفراء: هُوَ بقل الزَّرْع. وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ: الزَّرْع الَّذِي أكل حبه وَبَقِي تبنه.
стр. 4899
وترجمة رؤبة تقدّمت فِي الشَّاهِد الْخَامِس من أول الْكتاب.
وَأنْشد بعده: وصاليات ككما يؤثفين
وَلَا للما بهم أبدا دَوَاء أَوله: فَلَا وَالله لَا يلفى لما بِي وَتقدم شَرحه فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده: يَا تيم تيم عدي تَمَامه:
( ... ... ... ... . . لَا أَبَا لكم ... لَا يلقينكم فِي سوءة عمر)
وَتقدم شَرحه فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة.
стр. 4900
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
وَلَا ترى الضَّب بهَا ينجحر على أَن قَوْله تَعَالَى: لَيْسَ كمثله شَيْء النَّفْي فِيهِ منصب على مثل مثله وعَلى مثله جَمِيعًا فَلَيْسَ لله مثل حَتَّى يكون لمثله شَيْء يماثله. فالمنفي الْمثل وَمثل الْمثل جَمِيعًا وَهَذَا كَقَوْل عَمْرو بن أَحْمَر فِي وصف فلاة: لم يرد أَن بهَا أرانب لَا تفزعها أهوالها وَلَا ضباباً غير منحجرة وَلكنه نفى أَن يكون بهَا حَيَوَان.
وَقد أوردهُ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: سنلقي فِي قُلُوب الَّذين كفرُوا الرعب بِمَا أشركوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا الْآيَة. على أَن المُرَاد نفي السُّلْطَان يَعْنِي الْحجَّة وَالنُّزُول جَمِيعًا لَا نفي التَّنْزِيل فَقَط بِأَن يكون ثمَّة سُلْطَان لكنه لم ينزل.
كَمَا أَن الْمَنْفِيّ فِي الْبَيْت الضَّب والانجحار جَمِيعًا لَا الانجحار فَقَط إِذْ المُرَاد وصف هَذِه الْمَفَازَة بِكَثْرَة الْأَهْوَال بِحَيْثُ لَا يُمكن أَن يسكنهَا حَيَوَان.
والإفزاع: الإخافة. والأرنب: مفعول مقدم وأهوالها: فَاعل يفزع وَالضَّمِير للمفازة والفلاة وَهِي جمع هول وَهِي الشدائد الَّتِي تفزع. والهول: مصدر هاله الشَّيْء أَي: أفزعه.
-
والضب: حَيَوَان مَعْرُوف. والانجحار بِتَقْدِيم الْجِيم على الْحَاء الْمُهْملَة: الدُّخُول فِي الْجُحر بِضَم الْجِيم وَهُوَ مَا حفره الْهَوَام السبَاع لأنفسها.
وَفِي أساس البلاغة: جحرت الضباب
стр. 4901
فانجحرت أَي: دخلت فِي جحرتها. يَقُول: لَا تفزع أهوال تِلْكَ الْمَفَازَة الأرنب لِأَنَّهُ لَا أرنب حَتَّى تفزع من أهوالها لِأَنَّهُ لَا يُمكنهَا السّكُون فِيهَا لشدَّة أهوالها وَلَا تشاهد الضَّب فِيهَا منجحراً لِأَنَّهُ لَا ضَب فِيهَا فينجحر.
وَهَذَا الْبَيْت نسبه ابْن الْأَنْبَارِي فِي شرح المفضليات لعَمْرو بن أَحْمَر الْبَاهِلِيّ وَهُوَ شَاعِر إسلامي تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد السِّتين بعد الأربعمائة.
وَالْمَشْهُور والمستعمل فِي هَذَا الْمَعْنى قَول امْرِئ الْقَيْس:
(على لاحب لَا يهتدى بمناره ... إِذا سلفه الْعود الديافي جرجرا)
فَإِنَّهُ لم يرد أَن فِيهِ مناراً لَا يهتدى بِهِ وَلكنه نفى أَن يكون بِهِ منار. وَالْمعْنَى: لَا منار فِيهِ فيهتدى بِهِ. واللاحب بِالْحَاء الْمُهْملَة: الطَّرِيق الْوَاضِح.)
والمنار: جمع مَنَارَة وَأَصلهَا منورة مفعلة من النُّور وَسمي بذلك لِأَنَّهَا فِي الأَصْل كل مُرْتَفع عَلَيْهِ نَار وَلذَلِك قَالُوا فِي جمعهَا: مناور. وسافه: شمه ومصدره السوف. وَالْعود: بِفَتْح الْمُهْملَة: الْبَعِير الْهَرم. الديافي مَنْسُوب إِلَى دياف: قَرْيَة بِالشَّام وَقيل: بالجزيرة. وَقيل: بل دياف أَنْبَاط بِالشَّام. وَفتح بَعضهم أَوله. والجرجرة: صَوت يردده الْبَعِير فِي حنجرته. وَإِنَّمَا يجرجر فِي الطَّرِيق إِذا
شمه لما يعرف من شدته وصعوبة مسلكه.
стр. 4902
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
على أَن الْكَاف قد تدخل على الضَّمِير الْمَنْصُوب الْمُنْفَصِل لضَرُورَة الشّعْر كَمَا هُنَا.
قَالَ ابْن عُصْفُور فِي كتاب الضرائر: وَمِنْه وضع صِيغَة ضمير النصب الْمُنْفَصِل بدل صِيغَة ضمير الرّفْع الْمُنْفَصِل المجعول فِي مَوضِع خفض بكاف التَّشْبِيه. وَذَلِكَ قَوْله: فأجمل وَأحسن ... ... . . الْبَيْت يُرِيد: كَأَنْت آسر فَوضع إياك مَوضِع أَنْت للضَّرُورَة وَإِنَّمَا قضى على إياك بِأَنَّهَا فِي مَوضِع أَنْت لِأَن الْكَاف لَا تدخل فِي سَعَة الْكَلَام على مُضْمر إِلَّا أَن تكون صيغته ضمير رفع مُنْفَصِل نَحْو قَوْلهم: مَا أَنا كَأَنْت وَلَا أَنْت كأنا. انْتهى.
وَمثله لثعلب فِي أَمَالِيهِ قَالَ: وَمَا رَأَيْت كإياك إِلَّا فِي الشّعْر. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَقَالَ أَبُو حَيَّان فِي أَمَالِيهِ: أنْشد الْفراء وَهِشَام عَن الْكسَائي: وَأحسن وأجمل فِي أسيرك إِنَّه الْبَيْت
نصب إياك فِي مَوضِع الْخَفْض لتقارب مَا بَين النصب والخفض وَالنّصب على إياك أغلب كَمَا أَنْت بِالرَّفْع أشهر وَأعرف. انْتهى.
وَقَوله: فأجمل بِقطع الْهمزَة الْمَفْتُوحَة وَكسر الْمِيم أَي: عَامل بالجميل. وَأحسن بِفَتْح الْهمزَة وَكسر السِّين أَي: افْعَل الْحسن. وأسرته أسراً من
стр. 4903
بَاب ضرب فَهُوَ أَسِير وَذَاكَ آسر. وَهُوَ وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(فَلَا أرى بعلاً وَلَا حلائلا ... كه وَلَا كهن إِلَّا حاظلا)
على أَن الْكَاف قد تدخل أَيْضا على الضَّمِير الْمَجْرُور فِي ضَرُورَة الشّعْر.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب مَا لَا يكون فِيهِ الْإِضْمَار من حُرُوف الْجَرّ: وَذَلِكَ الْكَاف الَّتِي فِي: أَنْت كزيد وَحَتَّى ومذ. وَذَلِكَ أَنهم استغنوا بقَوْلهمْ: مثلي وشبهي عَنهُ فأسقطوه.
-
واستغنوا عَن الْإِضْمَار فِي حَتَّى بقَوْلهمْ: دَعه حَتَّى يَوْم كَذَا وَكَذَا وبقولهم: دَعه حَتَّى ذَاك.
وبالإضمار فِي إِلَى قَوْلهم: دَعه إِلَيْهِ لِأَن الْمَعْنى وَاحِد.
كَمَا استغنوا بمثلي وبمثله عَن كي وكه. واستغنوا عَن الْإِضْمَار فِي مذ بقَوْلهمْ: مذ ذَاك لِأَن ذَاك اسْم مُبْهَم وَإِنَّمَا يذكر حِين يظنّ أَنَّك قد عرفت مَا يَعْنِي. إِلَّا أَن الشُّعَرَاء إِذا اضطروا أضمروا فِي الْكَاف فيجرونها على الْقيَاس.
قَالَ العجاج: وَقَالَ:
(فَلَا ترى بعلاً وَلَا حلائلا ... كه وَلَا كهن إِلَّا حاظلا)
شبهوه بقوله: لَهُ ولهن. وَلَو اضْطر شَاعِر فأضاف الْكَاف إِلَى نَفسه قَالَ: كي. وكي خطأ من قبل أَنه لَيْسَ من حرف يفتح قبل يَاء الْإِضَافَة. انْتهى.
قَالَ النّحاس: هَذَا عِنْد سِيبَوَيْهٍ قَبِيح. وَالْعلَّة لَهُ أَن الْإِضْمَار يرد الشَّيْء إِلَى أَصله. فالكاف فِي مَوضِع مثل فَإِذا أضمرت مَا بعْدهَا وَجب أَن تَأتي بِمثل. وَأَبُو الْعَبَّاس فِيمَا حكى لنا عَليّ بن سُلَيْمَان يُجِيز الْإِضْمَار فِي هَذَا على الْقيَاس لِأَن الْمُضمر عقيب الْمظهر وَقد نطقت بِهِ الْعَرَب.
وَقد ذكرنَا قبل مَا ذكره بعض النَّحْوِيين من إجازتهم: أَنا كَأَنْت وكإياك ورد أبي الْعَبَّاس لذَلِك. انْتهى كَلَامه. وَقَالَ ابْن عُصْفُور فِي كتاب الضَّرُورَة: وَمِنْه أيسْتَعْمل الْحَرْف للضَّرُورَة اسْتِعْمَالا لَا يجوز مثله فِي الْكَلَام نَحْو قَول العجاج: وَأم أوعال كها أَو أقربا
стр. 4904
فجر بِالْكَاف الضَّمِير الْمُتَّصِل. وَحكمهَا فِي سَعَة الْكَلَام أَن لَا تجر إِلَّا الظَّاهِر أَو الضَّمِير الْمُنْفَصِل لجريانه مجْرى الظَّاهِر فَيُقَال: مَا أَنا كَأَنْت وَلَا أَنْت كأنا.)
-
حكى الْكسَائي عَن بعض الْعَرَب أَنه قيل لَهُ: من تَعدونَ الصعلوك فِيكُم فَقَالَ: هُوَ الْغَدَاة كأنا. لكنه لما اضْطر أبدلها من حكمهَا حكم مَا هِيَ فِي مَعْنَاهُ وَهُوَ مثل فَجَعلهَا تجر الضَّمِير الْمُتَّصِل كَمَا تجر الضَّمِير الْمُنْفَصِل كَمَا يجره مثل.
وَمن ذَلِك قَوْله:
стр. 4905
وَإِذا الْحَرْب شمرت لم تكن كي حِين تَدْعُو الكماة فِيهَا نزال أنْشدهُ الْفراء وَقَالَ: أنشدنيه بعض أَصْحَابنَا وَلم أسمعهُ أَنا من الْعَرَب. قَالَ الْفراء: وَحكي عَن الْحسن الْبَصْرِيّ: أَنا كك وَأَنت كي. وَاسْتِعْمَال هَذَا فِي حَال السعَة شذوذ لَا يلْتَفت إِلَيْهِ.
انْتهى.
وَمن دُخُولهَا على الضَّمِير قَول أبي مُحَمَّد اليزيدي اللّغَوِيّ النَّحْوِيّ أَخذ عَن أبي عَمْرو وَيُونُس وأكابر الْبَصرِيين وَكَانَ معلم الْمَأْمُون بن هَارُون الرشيد:
(شكوتم إِلَيْنَا مجانينكم ... ونشكو إِلَيْكُم مجانيننا)
(فلولا المعافاة كُنَّا كهم ... وَلَوْلَا الْبلَاء لكانوا كُنَّا)
وَقَالَ آخر:
(لَا تلمني فإنني كك فِيهَا ... إننا فِي الملام مشتركان)
وَكتب بعض الْفُضَلَاء إِلَى ابْن المقفع كتابا يباريه فِي الوجازة: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. نَحن صَالِحُونَ فَكيف أَنْتُم فَكتب إِلَيْهِ ابْن المقفع: نَحن كك. وَالسَّلَام. وَبِمَا نقلنا عَن سِيبَوَيْهٍ يعرف أَن نسبه جَوَاز ذَلِك إِلَيْهِ مُطلقًا غير صَحِيح. وَمِمَّنْ نسب الْجَوَاز إِلَيْهِ مُطلقًا أَبُو حَيَّان قَالَ فِي الارتشاف وَفِي
الْوَاضِح: أجَاز سِيبَوَيْهٍ وَأَصْحَابه أَنْت كي وَأَنا كك. وَضَعفه الْكسَائي وَالْفراء وَهِشَام.
وَقَالَ فِي تَذكرته أَيْضا: وَاخْتلفُوا فِي دُخُول الْكَاف على الْيَاء وَالْكَاف فَأجَاز سِيبَوَيْهٍ وَأَصْحَابه: أَنْت كي وَأَنا كك.
وَضعف هَذَا الْكسَائي وَالْفراء
следующие страницы →