Полный текст (5 658 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.
стр. 4901
فانجحرت أَي: دخلت فِي جحرتها. يَقُول: لَا تفزع أهوال تِلْكَ الْمَفَازَة الأرنب لِأَنَّهُ لَا أرنب حَتَّى تفزع من أهوالها لِأَنَّهُ لَا يُمكنهَا السّكُون فِيهَا لشدَّة أهوالها وَلَا تشاهد الضَّب فِيهَا منجحراً لِأَنَّهُ لَا ضَب فِيهَا فينجحر.
وَهَذَا الْبَيْت نسبه ابْن الْأَنْبَارِي فِي شرح المفضليات لعَمْرو بن أَحْمَر الْبَاهِلِيّ وَهُوَ شَاعِر إسلامي تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد السِّتين بعد الأربعمائة.
وَالْمَشْهُور والمستعمل فِي هَذَا الْمَعْنى قَول امْرِئ الْقَيْس:
(على لاحب لَا يهتدى بمناره ... إِذا سلفه الْعود الديافي جرجرا)
فَإِنَّهُ لم يرد أَن فِيهِ مناراً لَا يهتدى بِهِ وَلكنه نفى أَن يكون بِهِ منار. وَالْمعْنَى: لَا منار فِيهِ فيهتدى بِهِ. واللاحب بِالْحَاء الْمُهْملَة: الطَّرِيق الْوَاضِح.)
والمنار: جمع مَنَارَة وَأَصلهَا منورة مفعلة من النُّور وَسمي بذلك لِأَنَّهَا فِي الأَصْل كل مُرْتَفع عَلَيْهِ نَار وَلذَلِك قَالُوا فِي جمعهَا: مناور. وسافه: شمه ومصدره السوف. وَالْعود: بِفَتْح الْمُهْملَة: الْبَعِير الْهَرم. الديافي مَنْسُوب إِلَى دياف: قَرْيَة بِالشَّام وَقيل: بالجزيرة. وَقيل: بل دياف أَنْبَاط بِالشَّام. وَفتح بَعضهم أَوله. والجرجرة: صَوت يردده الْبَعِير فِي حنجرته. وَإِنَّمَا يجرجر فِي الطَّرِيق إِذا
شمه لما يعرف من شدته وصعوبة مسلكه.
стр. 4902
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
على أَن الْكَاف قد تدخل على الضَّمِير الْمَنْصُوب الْمُنْفَصِل لضَرُورَة الشّعْر كَمَا هُنَا.
قَالَ ابْن عُصْفُور فِي كتاب الضرائر: وَمِنْه وضع صِيغَة ضمير النصب الْمُنْفَصِل بدل صِيغَة ضمير الرّفْع الْمُنْفَصِل المجعول فِي مَوضِع خفض بكاف التَّشْبِيه. وَذَلِكَ قَوْله: فأجمل وَأحسن ... ... . . الْبَيْت يُرِيد: كَأَنْت آسر فَوضع إياك مَوضِع أَنْت للضَّرُورَة وَإِنَّمَا قضى على إياك بِأَنَّهَا فِي مَوضِع أَنْت لِأَن الْكَاف لَا تدخل فِي سَعَة الْكَلَام على مُضْمر إِلَّا أَن تكون صيغته ضمير رفع مُنْفَصِل نَحْو قَوْلهم: مَا أَنا كَأَنْت وَلَا أَنْت كأنا. انْتهى.
وَمثله لثعلب فِي أَمَالِيهِ قَالَ: وَمَا رَأَيْت كإياك إِلَّا فِي الشّعْر. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَقَالَ أَبُو حَيَّان فِي أَمَالِيهِ: أنْشد الْفراء وَهِشَام عَن الْكسَائي: وَأحسن وأجمل فِي أسيرك إِنَّه الْبَيْت
نصب إياك فِي مَوضِع الْخَفْض لتقارب مَا بَين النصب والخفض وَالنّصب على إياك أغلب كَمَا أَنْت بِالرَّفْع أشهر وَأعرف. انْتهى.
وَقَوله: فأجمل بِقطع الْهمزَة الْمَفْتُوحَة وَكسر الْمِيم أَي: عَامل بالجميل. وَأحسن بِفَتْح الْهمزَة وَكسر السِّين أَي: افْعَل الْحسن. وأسرته أسراً من
стр. 4903
بَاب ضرب فَهُوَ أَسِير وَذَاكَ آسر. وَهُوَ وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(فَلَا أرى بعلاً وَلَا حلائلا ... كه وَلَا كهن إِلَّا حاظلا)
على أَن الْكَاف قد تدخل أَيْضا على الضَّمِير الْمَجْرُور فِي ضَرُورَة الشّعْر.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب مَا لَا يكون فِيهِ الْإِضْمَار من حُرُوف الْجَرّ: وَذَلِكَ الْكَاف الَّتِي فِي: أَنْت كزيد وَحَتَّى ومذ. وَذَلِكَ أَنهم استغنوا بقَوْلهمْ: مثلي وشبهي عَنهُ فأسقطوه.
-
واستغنوا عَن الْإِضْمَار فِي حَتَّى بقَوْلهمْ: دَعه حَتَّى يَوْم كَذَا وَكَذَا وبقولهم: دَعه حَتَّى ذَاك.
وبالإضمار فِي إِلَى قَوْلهم: دَعه إِلَيْهِ لِأَن الْمَعْنى وَاحِد.
كَمَا استغنوا بمثلي وبمثله عَن كي وكه. واستغنوا عَن الْإِضْمَار فِي مذ بقَوْلهمْ: مذ ذَاك لِأَن ذَاك اسْم مُبْهَم وَإِنَّمَا يذكر حِين يظنّ أَنَّك قد عرفت مَا يَعْنِي. إِلَّا أَن الشُّعَرَاء إِذا اضطروا أضمروا فِي الْكَاف فيجرونها على الْقيَاس.
قَالَ العجاج: وَقَالَ:
(فَلَا ترى بعلاً وَلَا حلائلا ... كه وَلَا كهن إِلَّا حاظلا)
شبهوه بقوله: لَهُ ولهن. وَلَو اضْطر شَاعِر فأضاف الْكَاف إِلَى نَفسه قَالَ: كي. وكي خطأ من قبل أَنه لَيْسَ من حرف يفتح قبل يَاء الْإِضَافَة. انْتهى.
قَالَ النّحاس: هَذَا عِنْد سِيبَوَيْهٍ قَبِيح. وَالْعلَّة لَهُ أَن الْإِضْمَار يرد الشَّيْء إِلَى أَصله. فالكاف فِي مَوضِع مثل فَإِذا أضمرت مَا بعْدهَا وَجب أَن تَأتي بِمثل. وَأَبُو الْعَبَّاس فِيمَا حكى لنا عَليّ بن سُلَيْمَان يُجِيز الْإِضْمَار فِي هَذَا على الْقيَاس لِأَن الْمُضمر عقيب الْمظهر وَقد نطقت بِهِ الْعَرَب.
وَقد ذكرنَا قبل مَا ذكره بعض النَّحْوِيين من إجازتهم: أَنا كَأَنْت وكإياك ورد أبي الْعَبَّاس لذَلِك. انْتهى كَلَامه. وَقَالَ ابْن عُصْفُور فِي كتاب الضَّرُورَة: وَمِنْه أيسْتَعْمل الْحَرْف للضَّرُورَة اسْتِعْمَالا لَا يجوز مثله فِي الْكَلَام نَحْو قَول العجاج: وَأم أوعال كها أَو أقربا
стр. 4904
فجر بِالْكَاف الضَّمِير الْمُتَّصِل. وَحكمهَا فِي سَعَة الْكَلَام أَن لَا تجر إِلَّا الظَّاهِر أَو الضَّمِير الْمُنْفَصِل لجريانه مجْرى الظَّاهِر فَيُقَال: مَا أَنا كَأَنْت وَلَا أَنْت كأنا.)
-
حكى الْكسَائي عَن بعض الْعَرَب أَنه قيل لَهُ: من تَعدونَ الصعلوك فِيكُم فَقَالَ: هُوَ الْغَدَاة كأنا. لكنه لما اضْطر أبدلها من حكمهَا حكم مَا هِيَ فِي مَعْنَاهُ وَهُوَ مثل فَجَعلهَا تجر الضَّمِير الْمُتَّصِل كَمَا تجر الضَّمِير الْمُنْفَصِل كَمَا يجره مثل.
وَمن ذَلِك قَوْله:
стр. 4905
وَإِذا الْحَرْب شمرت لم تكن كي حِين تَدْعُو الكماة فِيهَا نزال أنْشدهُ الْفراء وَقَالَ: أنشدنيه بعض أَصْحَابنَا وَلم أسمعهُ أَنا من الْعَرَب. قَالَ الْفراء: وَحكي عَن الْحسن الْبَصْرِيّ: أَنا كك وَأَنت كي. وَاسْتِعْمَال هَذَا فِي حَال السعَة شذوذ لَا يلْتَفت إِلَيْهِ.
انْتهى.
وَمن دُخُولهَا على الضَّمِير قَول أبي مُحَمَّد اليزيدي اللّغَوِيّ النَّحْوِيّ أَخذ عَن أبي عَمْرو وَيُونُس وأكابر الْبَصرِيين وَكَانَ معلم الْمَأْمُون بن هَارُون الرشيد:
(شكوتم إِلَيْنَا مجانينكم ... ونشكو إِلَيْكُم مجانيننا)
(فلولا المعافاة كُنَّا كهم ... وَلَوْلَا الْبلَاء لكانوا كُنَّا)
وَقَالَ آخر:
(لَا تلمني فإنني كك فِيهَا ... إننا فِي الملام مشتركان)
وَكتب بعض الْفُضَلَاء إِلَى ابْن المقفع كتابا يباريه فِي الوجازة: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. نَحن صَالِحُونَ فَكيف أَنْتُم فَكتب إِلَيْهِ ابْن المقفع: نَحن كك. وَالسَّلَام. وَبِمَا نقلنا عَن سِيبَوَيْهٍ يعرف أَن نسبه جَوَاز ذَلِك إِلَيْهِ مُطلقًا غير صَحِيح. وَمِمَّنْ نسب الْجَوَاز إِلَيْهِ مُطلقًا أَبُو حَيَّان قَالَ فِي الارتشاف وَفِي
الْوَاضِح: أجَاز سِيبَوَيْهٍ وَأَصْحَابه أَنْت كي وَأَنا كك. وَضَعفه الْكسَائي وَالْفراء وَهِشَام.
وَقَالَ فِي تَذكرته أَيْضا: وَاخْتلفُوا فِي دُخُول الْكَاف على الْيَاء وَالْكَاف فَأجَاز سِيبَوَيْهٍ وَأَصْحَابه: أَنْت كي وَأَنا كك.
وَضعف هَذَا الْكسَائي وَالْفراء
стр. 4906
وَهِشَام وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ قَلِيل فِي كَلَام الْعَرَب. وَقَالَ الْفراء: أَنْشدني بعض أَصْحَابنَا: وَإِذا الْحَرْب شمرت لم تكن كي الْبَيْت قَالَ الْفراء: وَمَا سَمِعت أَنا هَذَا الْبَيْت من الْعَرَب. وَقَالَ هِشَام: مَا قَالَت الْعَرَب: أَنا كك)
وَأَنت كي. قَالَ: وَالْبَيْت الَّذِي ينشد فِي كي مؤلف من قَول بشار لَا يلْتَفت إِلَيْهِ.
وَقَالَ الْفراء: قد حُكيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ: أَنا كك وَأَنت كي. وَقَالَ الْفراء: لم تقل الْعَرَب: أَنْت كي وآثروا أَنْت كأنا وَلم يَقُولُوا: أَنا كك وآثروا أَنا كَأَنْت وَجعلُوا أَنْت وَأَنا للخفض كَمَا جعلُوا هُوَ للخفض فَقَالُوا: أَنا كَهُوَ.
وَالرَّفْع أغلب على أَنا وَأَنت وَهُوَ وَلم يصيروهن مخفوضات وَالرَّفْع أغلب عَلَيْهِنَّ إِلَّا لِأَن الكنى تجْرِي مجْرى حُرُوف الْمعَانِي فتعرف بالدلالات فَلذَلِك قَالُوا: ضربتك أَنْت ومررت بك أَنْت فَجعلُوا أَنْت للنصب والخفض وَكَذَلِكَ هُوَ وَأَنا.
قَالَ الْكسَائي: قيل لبَعض الْعَرَب: من تَعدونَ الصعلوك فِيكُم فَقَالَ: هُوَ الْغَدَاة كأنا. وَلما صلحت الْكَاف للرفع وَالنّصب والخفض فِي قيامك وضربتك وَبِك لم يستنكر كَون أَنْت مَنْصُوبًا مخفوضاً وَكَذَلِكَ أَنا وَهُوَ. انْتهى كَلَام أبي حَيَّان.
-
وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَن دُخُول الْكَاف على ضمير الرّفْع الْمُنْفَصِل جَائِز فِي السعَة عِنْد الْكُوفِيّين. وَنقل عَنْهُم خِلَافه فِي الارتشاف قَالَ: وَفِي الْبَسِيط: وَقد
стр. 4907
ورد أَيْضا فِي ضمير الرّفْع فِي قَوْلهم: أَنْت كأنا وَأَنا كَهُوَ. وَأنْكرهُ الْكُوفِيُّونَ. انْتهى.
وَكَيف ينكرونه وهم الَّذين نقلوه عَن الْعَرَب سَمَاعا. وَللَّه در الشَّارِح الْمُحَقق فِي قَوْله: قد تدخل فِي السعَة على الْمَرْفُوع نَحْو أَنا كَأَنْت لوُرُود السماع بِهِ. وَفِي جعله دُخُولهَا على الضَّمِير الْمَنْصُوب والمخفوض خَاصّا بالشعر لعدم ورودهما عَن الْعَرَب.
وَقد سوى أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف بَين الْمَرْفُوع والمنصوب فَقَالَ: وَقد أدخلت الْعَرَب الْكَاف على ضمير الرّفْع الْمُنْفَصِل وعَلى ضمير النصب الْمُنْفَصِل قَالَت: مَا أَنا كَأَنْت وَقَالَ: وَهَذَا غير جيد لِأَن الثَّانِي إِنَّمَا ورد فِي الشّعْر.
وَذهب ابْن مَالك فِي التسهيل إِلَى أَن دُخُولهَا على الضَّمِير الْغَائِب الْمَجْرُور قَلِيل وعَلى الْمَرْفُوع والمنصوب أقل. ونازعه شراحه فِيهِ فَقَالُوا: إِن لم يَكُونَا أَكثر من المخفوض فَيَنْبَغِي أَن يَكُونَا مساويين لَهُ.
وَالْبَيْت من أرجوزة لرؤبة بن العجاج. وَقَبله:
(تحسبه إِذا استتب دائلاً ... كَأَنَّمَا ينحي هجاراً مائلا)
وهما فِي صوف حمَار وأتنه. وَقَوله: تحسبه بِالْخِطَابِ وَالْهَاء ضمير العير وَهُوَ الْحمار.)
-
واستتب: جد فِي عدوه حَتَّى انْقَطع. وأصل التباب الخسران والهلاك. ودائلاً حَال مُؤَكدَة لعاملها وَهُوَ من الدالان بِفَتْح الدَّال
стр. 4908
الْمُهْملَة وَفتح الْهمزَة وَهُوَ الْعَدو.
وَجُمْلَة: كَأَنَّمَا ينحي إِلَخ مفعول ثَان لحسب وَجَوَاب إِذا مَحْذُوف يدل عَلَيْهِ الْفِعْل قبلهَا. وينحي بالنُّون والحاء الْمُهْملَة: يعْتَمد.
فِي الصِّحَاح: أنحى فِي سيره أَي: اعْتمد على الْجَانِب الْأَيْسَر. هَذَا هُوَ الأَصْل ثمَّ صَار الانتحاء الِاعْتِمَاد والميل فِي كل وَجه.
والهجار بِكَسْر الْهَاء بعْدهَا جِيم: حَبل يشد بِهِ وظيف الْبَعِير. يُرِيد أَنه يعدو فِي شقّ فَكَأَنَّهُ وَقَوله: فَلَا ترى بعلاً ... إِلَخ هُوَ بِالْخِطَابِ أَيْضا. وَترى بِمَعْنى تعلم مُتَعَدٍّ إِلَى مفعولين أَولهمَا بعلاً وَثَانِيهمَا مَا بعد إِلَّا. وَالْجَار وَالْمَجْرُور وَهُوَ كه صفة لبعل أَي: لَا ترى بعلاً كَهَذا الْحمار وَلَا حلائل كهذه الأتن إِلَّا مَانِعا لَهَا عَن أَن يقربهَا غَيره من الفحول لِأَن الْحمار يمْنَع أتنه من حمَار آخر.
والبعل: الزَّوْج. والحلائل: جمع حَلِيلَة وَهِي الزَّوْجَة. والحاظل بِالْحَاء الْمُهْملَة والظاء الْمُعْجَمَة المشالة قَالَ الأعلم: هُوَ والعاضل سَوَاء وَهُوَ الْمَانِع.
وَقَالَ النّحاس: يُقَال: حظل أنثاه إِذا منعهَا عَن التَّزَوُّج. كَذَا فِي نُسْخَتي الَّتِي قرأتها على أبي إِسْحَاق. وَسَأَلت أَبَا الْحسن فَقَالَ: الحظلان مشْيَة فِيهَا تثاقل. وَقَوله: كه وَلَا كهن أَي: مثله وَلَا مِثْلهنَّ.
وَأعَاد الْكَاف مَعَ الْمَعْطُوف لما قَالَ جُمْهُور الْبَصرِيين: لَا يعْطف على الضَّمِير الْمَجْرُور إِلَّا بِإِعَادَة الْجَار نَحْو: مَرَرْت بك وبزيد.
وَلم يشْتَرط الْكُوفِيُّونَ وَيُونُس والأخفش ذَلِك وأجازوا فِي الْكَلَام: مَرَرْت بك وَزيد. وَعَلِيهِ جَاءَ الْبَيْت الْآتِي وَهُوَ قَوْله: كها وأقربا.
وَهَذَا إِذا كَانَ الضَّمِير الْمَجْرُور بطرِيق الْأَصَالَة وَأما إِن كَانَ بطرِيق الِاسْتِعَارَة كَأَن يستعار ضمير
قَالَ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف والتذكرة: قَالَ الْفراء: وَمن لم يقل مَرَرْت بِي وَزيد على اخْتِيَار قَالَ مُخْتَارًا: أَنْت كأنا وَزيد وَأَنا كَأَنْت وَزيد. انْتهى.
стр. 4909
قَالَ الأعلم: الْوَقْف على كه بِالْهَاءِ لِأَنَّهُ ضمير جر مُتَّصِل بِالْكَاف اتِّصَاله بِمثل وَالْوَقْف عَلَيْهِ هُنَا كالوقف عَلَيْهِ ثمَّة. انْتهى.)
ويروى فِي بعض النّسخ من كتب النَّحْو: كَهُوَ وَلَا كهن برسم ضمة الْهَاء المشبعة واواً. وَذَلِكَ غير جيد. وَمن هُنَا قَالَ الْمرَادِي فِي شرح التسهيل: وَلَا حجَّة فِي قَوْله: كهن وَلَا كه لاحْتِمَال أَن يكون كَهُوَ وَيجْعَل هُوَ وكهن ضمير رفع منفضل بنيابة ضمير الرّفْع عَن ضمير الْجَرّ.
وَقد شرح الْعَيْنِيّ هذَيْن الْبَيْتَيْنِ بِمَا لَا يظْهر مَعَه مَعْنَاهُمَا بل يزِيد الطَّالِب خبط عشواء. قَالَ: استتب: استقام. ودائلاً من الدألان وَهُوَ مشي يُقَارب فِيهِ الخطو كَأَنَّهُ مثقل من الْحمل.
والهجار: حَبل يشد فِي رسغ رجل الْبَعِير ثمَّ يشد إِلَى حقوه إِن كَانَ عرياً وَإِن كَانَ مرحولاً يشد فِي الحقب.
تَقول مِنْهُ: هجرت الْبَعِير أهجره هجراً. وهجار الْقوس: وترها. وبعلاً: زوجا. وحليلة الرجل: امْرَأَته. والحاظل: الْمَانِع من التَّزْوِيج كالعاضل بالضاد.
وَجُمْلَة لَا ترى: منفية من الْفِعْل وَالْفَاعِل وبعلاً مَفْعُوله وَلَا حلائلاً عطف عَلَيْهِ. وَقَوله كه: الْكَاف للتشبيه وَمحله النصب لِأَنَّهُ مفعول ثَان لترى وَلَا كهن عطف على كه وحاظلاً اسْتثِْنَاء من قَوْله بعلاً وَلَا حلائلاً. هَذَا كَلَامه فَتَأمل واعجب.
وترجمة رؤبة تقدّمت فِي الشَّاهِد الْخَامِس من أول الْكتاب.
стр. 4910
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: وَأم أوعال كها أَو اقربا لما تقدم قبله.
وَهُوَ من أرجوزة للعجاج مطْلعهَا:
(مَا هاج دمعاً ساكباً مستسكبا ... من أَن رَأَيْت صاحبيك أكأبا)
أَي: دخلا فِي الكآبة وَهِي الْحزن. ثمَّ وصف فِيهَا حمَار الْوَحْش وأتنه أَرَادَ أَن يرد المَاء فَرَأى الصياد فهرب بأتنه.
إِلَى أَن قَالَ: ذَات الْيَمين غير مَا أَن ينكبا نحاه تنحية: أبعده عَنهُ وَجعله فِي نَاحيَة. وفاعل نحى ضمير يعود إِلَى حمَار وَحش ذكره. يَعْنِي أَنه مضى فِي عدوه نَاحيَة فَجعل الذنابات فِي جَانب شِمَاله وَأم أوعال فِي نَاحيَة يَمِينه. وروى خلى الذنابات وَشمَالًا على الأول ظرف وعَلى الثَّانِي ظرف أَيْضا فِي وضع الْمَفْعُول الثَّانِي لتضمين خلى معنى جعل.
-
والذنابات قَالَ الأندلسي فِي شرح الْمفصل: هُوَ جمع ذنابة بِكَسْر الذَّال وَهِي آخر الْوَادي يَنْتَهِي إِلَيْهِ السَّيْل. وَكَذَلِكَ آخر النَّهر. ووجدتها فِي مَوضِع آخر: الذبابات بالموحدتين وَهِي الْجبَال الصغار. انْتهى.
وَقَالَ غَيره: الذنابات بِالذَّالِ وَالنُّون: اسْم مَوضِع. وَلم أره فِي المعجم لأبي عبيد الْبكْرِيّ وَلَا فِي مُعْجم الْبلدَانِ لياقوت الْحَمَوِيّ وَلَا فِي كتب اللُّغَة الْمُدَوَّنَة.
стр. 4911
وَفَسرهُ شَارِح اللّبَاب بالجبال الصغار وَقَيده الْعَيْنِيّ بِفَتْح الذَّال وَقَالَ: اسْم مَوضِع بِعَيْنِه.
والكثب بِفَتْح الْكَاف والمثلثة: الْقرب وَأَرَادَ الْقَرِيب وَهُوَ صفة الشمَال.
وَأم أوعال قَالَ الْبكْرِيّ: على لفظ جمع وعل: هضبة فِي ديار بني تَمِيم وَيُقَال لَهَا: ذَات أوعال.
وَأنْشد هَذَا الشّعْر.
وَقَالَ ياقوت: هضبة مَعْرُوفَة قرب برقة أنقد وَهِي أكمة بِعَينهَا. قَالَ ابْن السّكيت: وَيُقَال لكل هضبة فِيهَا أوعال: أم أوعال. وَأنْشد هَذَا الشّعْر وَغَيره وَقَالَ: والوعل: كَبْش الْجَبَل.)
والهضبة: الْجَبَل المنبسط على وَجه الأَرْض. والأكمة: تل وَقيل: شرفة كالرابية وَهُوَ مَا اجْتمع فِي مَكَان وَاحِد وَرُبمَا لم يغلظ.
وَقَوله: كها الضَّمِير للذنابات. قَالَ ابْن السيرافي: أم أوعال: مُبْتَدأ وكها هُوَ الْخَبَر وَأقرب مَعْطُوف على مجرور الْكَاف من غير إِعَادَة الْجَار.
يَعْنِي أَنه مضى فِي عدوه نَاحيَة من الذنابات فَكَأَنَّهُ نحاها عَن طَرِيقه وَهِي عَن شِمَاله فِي الْموضع الَّذِي عدا فِيهِ بِالْقربِ من الْموضع وَلَيْسَت ببعيدة. وَأم أوعال من الْموضع الَّذِي عدا فِيهِ كالذنابات مِنْهُ أَو اقْربْ إِلَيْهِ مِنْهَا. انْتهى.
-
وَقَالَ ابْن يعِيش وَصدر الأفاضل: الْمَحْفُوظ أَن أم أوعال بِالنّصب فَيكون مَعْطُوفًا على الذنابات.
وَقَالَ صدر الأفاضل: وَالْمعْنَى نحى الذنابات عَن طَرِيقه جَانب شمال قريب مِنْهُ بِأَن مضى نَاحيَة مِنْهَا ونحى أم أوعال فِي جَانب يَمِينه مثل الذنابات فِي الْقرب مِنْهُ أَو أقرب مِنْهَا إِلَيْهِ.
وَقَوله: غير مَا أَن ينكبا بِنصب غير على الِاسْتِثْنَاء وَمَا زَائِدَة وَأَن ناصبة وفاعل ينكب قَالَ الْأَصْمَعِي فِي كتاب الْإِبِل:
стр. 4912
نكب ينكب نكباً ونكوباً إِذا انحرف عَن الطَّرِيق. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. وَهُوَ من بَاب نصر.
قَالَ ابْن السيرافي: يَقُول: هما عَن يَمِين طَرِيقه وشماله وَمِقْدَار مَا بَين كل وَاحِد من الْمَوْضِعَيْنِ وَبَين طَرِيقه مُتَقَارب إِلَّا أَن يجوز فِي عدوه فَتَصِير الذنابات إِن مَال إِلَيْهَا أقرب من أم أوعال وَإِن مَال فِي الْعَدو إِلَى أم أوعال صَارَت أقرب إِلَيْهِ من الذنابات.
وَقَالَ الْعَيْنِيّ: أم أوعال: مُبْتَدأ وَخَبره: كها وَأقرب: مَعْطُوف على الضَّمِير الْمَجْرُور.
وَيجوز نصب أم أوعال بالْعَطْف على الذنابات على معنى جعل أم أوعال كالذنابات أَو أقرب فَيكون أقرب حِينَئِذٍ مَعْطُوفًا على مَحل الْجَار وَالْمَجْرُور. هَذَا كَلَامه.
يُرِيد أَن مَوضِع الْجَار وَالْمَجْرُور النصب على أَنه مفعول ثَان لجعل وَأقرب مَعْطُوف على الْمحل.
وترجمة العجاج تقدّمت فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالْعِشْرين من أَوَائِل الْكتاب.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
(فَإِن الْحمر من شَرّ المطايا ... كَمَا الحبطات شَرّ بني تَمِيم)
على أَن الْكَاف المكفوفة بِمَا. قد تكون لتشبيه مَضْمُون جملَة بمضمون جملَة أُخْرَى. ومضمون الأولى كَون الْحمر من شَرّ المطايا ومضمون الثَّانِيَة كَون
стр. 4913
الحبطات سر بني تَمِيم. فَشبه ذَاك الْكَوْن بِهَذَا الْكَوْن وهما مَضْمُونا الجملتين وَوجه الشّبَه الْحُصُول فِي الْوُجُود. وَكَذَا تَقول فِي الْآيَة قبله.
وَكَذَا الْحَال إِن كَانَ بعد كَمَا أَن.
وَقد فرق بَينهمَا ابْن الخباز فِي النِّهَايَة قَالَ: قد كفوا الْكَاف بِمَا كَمَا كفوا رب فتليها الْجُمْلَة الاسمية والفعلية. تَقول: زيد قَاعد كَمَا عَمْرو قَائِم شبهت جملَة بجملة بكونهما حاصلين فِي الْوُجُود.
وَتقول: زيد قَاعد كَمَا أَن عمرا قَائِم وَالْمعْنَى: قعُود زيد لَا محَالة وَقيام عَمْرو لَا محَالة. فَالْأولى فِيهَا تَشْبِيه جملَة بجملة وَهَذِه توجب حُصُول الْأَمريْنِ فِي الْوُجُود. فَهَذَا فرق مَا بَينهمَا. وَتقول: زرني كَمَا أزورك فتحتمل مَا أَن تكون مَصْدَرِيَّة أَي: زرني كزيارتي إياك أَو تكون بِمَعْنى لَعَلَّ أَي: لعَلي أزورك. انْتهى.
وَزعم أَبُو عَليّ أَن مَا فِي الْآيَة وَالْبَيْت مَوْصُولَة وَصدر الصِّلَة مَحْذُوف قَالَ: وَأما قَوْله: قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لنا إِلَهًا كَمَا لَهُم آلِهَة فالتقدير: اجْعَل لنا إِلَهًا مثل الَّتِي هِيَ لَهُم آلِهَة وَحذف الْمُبْتَدَأ من الصِّلَة كَمَا حذف فِي قَوْله تَعَالَى: تَمامًا على الَّذِي أحسن بِالرَّفْع التَّقْدِير: الَّذِي هُوَ أحسن. وَمثله قِرَاءَة رؤبة: مثلا مَا بعوضة بِرَفْع بعوضة. فالتقدير أَن يضْرب الَّذِي هُوَ بعوضة مثلا. وعَلى هَذَا حمل الْأَخْفَش قَول الشَّاعِر:
стр. 4914
وجدنَا الْحمر من شَرّ المطايا الْبَيْت قَالَ: مَعْنَاهُ كَالَّذِين هم الحبطات. قَالَ: وَإِن شِئْت جعلت مَا زَائِدَة وجررت الحبطات بِالْكَاف. انْتهى.
وَهَذَا غير جيد فَإِنَّهُ تَخْرِيج على الْقَلِيل النَّادِر مَعَ إِمْكَانه على التَّخْرِيج الْكثير الشَّائِع. وَكَأَنَّهُ مَبْنِيّ على أَن الْكَاف لَا تكف بِمَا كَمَا زَعمه صَاحب المستوفي.
ورد عَلَيْهِ بقوله:
(أعلم أنني وَأَبا حميد ... كَمَا النشوان وَالرجل الْحَلِيم))
قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: وَإِنَّمَا يَصح الِاسْتِدْلَال بِهَذَا إِذا لم يثبت أَن مَا المصدرية توصل بالجمل الاسمية. انْتهى.
فَمَا اللاحقة للكاف عِنْد الْبَصرِيين ثَلَاثَة أَقسَام على خلاف فِيهَا: مَصْدَرِيَّة وموصولة وكافة.
وَهَذِه قِسْمَانِ: أَحدهمَا: كَافَّة ومهيئة فَقَط.
وَثَانِيهمَا: تَغْيِير معنى الْكَلِمَة مَعهَا. وَلها مَعْنيانِ حِينَئِذٍ إِمَّا معنى: لَعَلَّ وَإِمَّا معنى: الْقرَان فِي
وَمِمَّا قيل إِن مَا فِيهِ مَوْصُولَة قَوْلهم: كن كَمَا أَنْت. وللنحويين فِيهِ خَمْسَة أَقْوَال: قَولَانِ على الموصولية وقولان على أَنَّهَا كَافَّة وَقَول بزيادتها.
стр. 4915
الأول: أَن الْكَاف بِمَعْنى عَليّ وَمَا مَوْصُولَة وَأَنت مُبْتَدأ حذف خَبره أَي: كن على مَا أَنْت عَلَيْهِ.
الثَّانِي: أَنَّهَا مَوْصُولَة وَأَنت: خبر مَحْذُوف مبتدؤه أَي: كَالَّذي هُوَ أَنْت. وَقد قيل بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: اجْعَل لنا إِلَهًا كَمَا لَهُم آلِهَة كَمَا تقدم.
الثَّالِث: أَن مَا كَافَّة وَأَنت مُبْتَدأ حذف خَبره أَي: عَلَيْهِ أَو كَائِن. وَقد قيل فِي كَمَا لَهُم آلِهَة أَيْضا.
الرَّابِع: أَن مَا كَافَّة وَأَنت فَاعل وَالْأَصْل كَمَا كنت ثمَّ حذفت كَانَ فانفصل الضَّمِير.
الْخَامِس: أَن مَا زَائِدَة وَالْكَاف جَارة كَمَا فِي قَوْله: كَمَا النَّاس مجروم عَلَيْهِ وجارم وَأَنت ضمير رفع أنيب عَن الْمَجْرُور وَالْمعْنَى: كن فِيمَا يسْتَقْبل مماثلاً لنَفسك فِيمَا مضى.
حكى هَذِه الْخَمْسَة ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي وَقَالَ: تقع كَمَا بعد الْجمل كثيرا صفة فِي الْمَعْنى فَتكون نعتاً لمصدر أَو حَالا ويحتملهما قَوْله تَعَالَى: يَوْم نطوي
السَّمَاء كطي السّجل للْكتاب كَمَا بدأنا فَإِن قدرته نعتاً لمصدر فَهُوَ إِمَّا مَعْمُول لنعيده أَي: نعيد أول خلف إِعَادَة مثل مَا بدأناه أَو لنطوي أَي: نَفْعل هَذَا الْفِعْل الْعَظِيم كفعلنا هَذَا الْفِعْل.
وَإِن قدرته
стр. 4916
حَالا فذو الْحَال مفعول نعيده أَي: نعيده مماثلاُ للَّذي بدأناه. وَتَقَع كلمة كَذَلِك أَيْضا كَذَلِك. فَإِن قلت: فَكيف اجْتمعت مَعَ مثل فِي قَوْله تَعَالَى: وَقَالَ الَّذين لَا يعلمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمنَا الله أَو تَأْتِينَا آيَة كَذَلِك قَالَ الَّذين من قبلهم مثل قَوْلهم وَمثل فِي الْمَعْنى نعت لمصدر قَالَ الْمَحْذُوف أَي: كَمَا أَن كَذَلِك نعت لَهُ وَلَا يتَعَدَّى عَامل وَاحِد لمتعلقين بِمَعْنى وَاحِد لَا تَقول:)
ضربت زيدا عمرا.
وَلَا يكون مثل توكيداً لكذلك لِأَنَّهُ أبين مِنْهُ كَمَا لَا يكون زيد من قَوْلك: هَذَا زيد يفعل كَذَا توكيداً لهَذَا كَذَلِك وَلَا خَبرا لمَحْذُوف بِتَقْدِير: الْأَمر كَذَلِك لما يُؤَدِّي إِلَيْهِ من عدم ارتباط مَا بعده بِمَا قبله.
قلت: مثل بدل من كَذَلِك أَو بَيَان أَو نصب بيعلمون أَي: لَا يعلمُونَ اعْتِقَاد الْيَهُود وَالنَّصَارَى.
فَمثل بمنزلتها فِي: مثلك لَا يفعل كَذَا أَو نصب بقال. وَالْكَاف: مُبْتَدأ والعائد مَحْذُوف أَي: قَالَه.
ورد ابْن الشجري ذَلِك على مكي بِأَن قَالَ: قد استوفى معموله وَهُوَ مثل. وَلَيْسَ بِشَيْء لِأَن وَالْبَيْت من أَبْيَات ثَلَاثَة لزياد الْأَعْجَم وَهِي:
(وَأعلم أنني وَأَبا حميد ... كَمَا النشوان وَالرجل الْحَلِيم)
(أُرِيد حباءه وَيُرِيد قَتْلِي ... وَأعلم أَنه الرجل اللَّئِيم)
(فَإِن الْحمر من شَرّ المطايا ... كَمَا الحبطات شَرّ بني تَمِيم)
стр. 4917
كَذَا أوردهَا الْعَيْنِيّ وَلم يُنَبه على أَن الْبَيْت الْأَخير فِيهِ إقواء.
وَقَوله: وَأعلم أنني فعل مضارع وروى بدله: لعمرك إِنَّنِي. وعَلى الأول همزَة أنني مَفْتُوحَة وعَلى الثَّانِي مَكْسُورَة. وَقَوله: كَمَا النشوان ... إِلَخ أوردهُ الْمرَادِي فِي شرح الألفية وَابْن هِشَام فِي الْمُغنِي على أَن مَا كفت الْكَاف عَن عمل الْجَرّ. والنشوان: السَّكْرَان. والنشوة: السكر.
والحليم: الَّذِي عِنْده تأن وَتحمل لما يثقل على النَّفس.
يَقُول: أَنا وَأَبُو حميد كَالسَّكْرَانِ والحليم أتحمل مِنْهُ وَهُوَ يعبث بِي كَالسَّكْرَانِ يسفه على الْحَلِيم وَهُوَ متحمل. وَهَذَا تَشْبِيه تمثيلي شبه حَالَته مَعَه بِحَالَة الْحَلِيم مَعَ السَّكْرَان. والمخبر عَنهُ اثْنَان وَمَا بعد كَمَا خبرهما إِلَّا أَنه أخبر عَن الثَّانِي بِالْأولِ وَعَن الأول بِالثَّانِي لظُهُور الْمَعْنى وَعدم اللّبْس.
وتكلف الدماميني فَجعل النشوان: مُبْتَدأ وَالرجل: مَعْطُوفًا عَلَيْهِ وخبرهما محذوفاً أَي: وَتَبعهُ ابْن الملا وَلم يكتف بِهِ بل أَطَالَ لِسَانه على الْجلَال السُّيُوطِيّ وَقَالَ: النشوان: مُبْتَدأ لَا خبر كَمَا وهم الْجلَال:
(وَكم من عائب قولا صَحِيحا ... وآفته من الْفَهم السقيم))
وَرُوِيَ: كَمَا النشوان ... إِلَخ يجرهما على جعل مَا زَائِدَة لَا كَافَّة فَيكون الإقواء فِي الْبَيْت الثَّانِي
стр. 4918
ويروى: لكالنشوان. وَاللَّام للتوكيد فِي خبر إِن وعَلى هَذَا لَا شَاهد فِي الْبَيْت.
-
وَقَوله: أُرِيد حباءه وَيُرِيد قَتْلِي أَخذ هَذَا المصراع من قَول عَمْرو بن معديكرب الصَّحَابِيّ فِي ابْن أُخْته قيس بن المكشوح الْمرَادِي:
(أُرِيد حباءه وَيُرِيد قَتْلِي ... عذيرك من خَلِيلك من مُرَاد)
والحباء: بِكَسْر الْمُهْملَة بعْدهَا مُوَحدَة: الْعَطِيَّة. حدث أَمر بَينهمَا أوجب التقاطع. يَقُول: أُرِيد نَفعه وحباءه مَعَ إِرَادَته قَتْلِي وتمنيه موتِي فَمن يعذرني مِنْهُ.
ويروى: أُرِيد حَيَاته بِلَفْظ ضد الْمَمَات. وَكَانَ عَليّ ﵁ ينشد هَذَا الْبَيْت كلما يرى عبد الرَّحْمَن بنم ملجم قَاتله الله.
وَالْبَيْت من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ. قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ نصب عذيرك وَوَضعه مَوضِع الْفِعْل بَدَلا مِنْهُ. وَالْمعْنَى: هَات عذرك وَقرب عذرك. وَالتَّقْدِير: اعذرني مِنْهُ عذرا.
وَاخْتلف فِي العذير فَمنهمْ من جعله مصدرا بِمَعْنى الْعذر وَهُوَ مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ. وَمِنْهُم من جعله بِمَعْنى عاذر كعليم وعالم. وَالْمعْنَى عِنْده: هَات عذرك. وَامْتنع أَن يَجعله بِمَعْنى الْعذر لِأَن فعيلاً لَا يَأْتِي مصدرا إِلَّا فِي الْأَصْوَات نَحْو: الصهيل.
ورد بِأَن الْمصدر يطرد وَضعه مَوضِع الْفِعْل بَدَلا مِنْهُ وَلَا يطرد ذَلِك فِي اسْم الْفَاعِل وَقد جَاءَ فعيل فِي غير الصَّوْت كَقَوْلِهِم: وَجب الْقلب وجيباً إِذا اضْطربَ. انْتهى.
وروى الدماميني المصراع الأول كَذَا:
(أُرِيد هجاءه وأخاف رَبِّي ... وَاعْلَم أَنه عبد لئيم)
стр. 4919
وَقَالَ: ادّعى الْحلم لكنه أبان عَن عدم حلمه بِهَذَا الْبَيْت. وَأي حلم وَأي كف عَن الهجاء مَعَ التسجيل عَلَيْهِ بِهَذَا الْوَصْف الذميم. وغرضه أَن مَا ذكره لَا يعد
هجواً لاتصافه بِمَا يكون هَذَا الْمَذْكُور بِالنِّسْبَةِ للمسكوت عَنهُ من أَوْصَافه كالمدح لَهُ. وَفِي الْحَقِيقَة هَذَا غَايَة الذَّم والهجاء.
وَقَوله: فَإِن الْحمر ... إِلَخ هُوَ جمع حمَار. والمطايا: جمع مَطِيَّة. قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: والمطا على وزن الْعَصَا: الظّهْر وَمِنْه قيل للبعير: مَطِيَّة فعيلة بِمَعْنى مفعولة لِأَنَّهُ يركب مطاه ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى وَيجمع على مطي ومطايا فَلَا يَصح جعل الْحمير من شَرّ المطايا لِأَن الْحمير غير الْإِبِل.
والجيد قَول صَاحب الْقَامُوس: المطية: الدَّابَّة الَّتِي تمطو فِي السّير أَي: تَجِد وتسرع. وَفِيه رِوَايَة)
فَإِن النيب من شَرّ المطايا والنيب: جمع نَاب وَهِي النَّاقة المسنة. وَأغْرب الْعَيْنِيّ هُنَا فَقَالَ: الْحمر جمع حمَار هَكَذَا وجدته مضبوطاً فِي نُسْخَة صَحِيحَة لأبي عَليّ أَعنِي التَّذْكِرَة.
وَوجدت فِي مَوضِع آخر: فَإِن الْخمر بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَهِي الَّتِي تشرب وَهَذَا أقرب وَإِن كَانَ ذَاك أصوب. وَقد شبه الْخمر بالمطية الَّتِي لَا خير فِيهَا وَوجه الشّبَه حُصُول الشَّرّ من كل مِنْهُمَا.
هَذَا كَلَامه.
وَهَذِه غَفلَة فَإِنَّهُ لَا تَشْبِيه هُنَا وَإِنَّمَا أخبر عَن الْحمر بِكَوْنِهَا من شَرّ المطايا. وَرِوَايَة الْخمر بِالْمُعْجَمَةِ تَحْرِيف على تَصْحِيف.
والحبطات بِفَتْح الْمُهْملَة وَكسر الْمُوَحدَة وهم بَنو الْحَارِث بن عَمْرو بن تَمِيم. قَالَ صَاحب الصِّحَاح: الحبط بِالتَّحْرِيكِ: أَن تَأْكُل الْمَاشِيَة فتكثر حَتَّى
стр. 4920
تنتفخ لذَلِك بطونها وَلَا يخرج عَنْهَا مَا فِيهَا.
-
وَقَالَ ابْن السّكيت: وَهُوَ أَن ينتفخ بَطنهَا عَن أكل الذرق وَهُوَ الحندقوق. وَيُقَال: حبطت الشَّاة بِالْكَسْرِ وَفِي الحَدِيث: وَإِن مِمَّا ينْبت الرّبيع مَا يقتل حَبطًا أَو يلم.
وَمِنْه سمي الْحَارِث بن عَمْرو بن تَمِيم: الحبط بِفَتْح فَكسر وَقيل لَهُ: الحبط لِأَنَّهُ كَانَ فِي سفر فَأَصَابَهُ مثل ذَلِك. وَولده هَؤُلَاءِ الَّذين يسمون الحبطات من بني تَمِيم وَالنِّسْبَة إِلَيْهِم حبطي.
انْتهى.
قَالَ ابْن السَّيِّد فِيمَا كتبه على الْكَامِل: الحبطي بِفَتْح الْبَاء كَرَاهَة الكسرات.
قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: يرْوى أَن الفرزدق بلغه أَن رجلا من الحبطات بن عَمْرو بن تَمِيم خطب امْرَأَة من بني دارم بن مَالك بن حَنْظَلَة بن زيد مَنَاة بن تَمِيم فَقَالَ الفرزدق:
(بَنو دارم أكفاؤهم آل مسمع ... وَتنْكح فِي أكفائها الحبطات)
آل مسمع: بَيت بكر بن واائل فِي الْإِسْلَام وهم من بني قيس بن ثَعْلَبَة بن عكابة بن صَعب بن عَليّ بن بكر بن وَائِل.
والحبطات هم بَنو الْحَارِث بن عَمْرو بن تَمِيم: فَقَالَ رجل من الحبطات يجِيبه:
(أما كَانَ عباد كفيئاً لدارم ... بلَى ولأبيات بهَا الحجرات)
يَعْنِي بني هَاشم من قَول الله : إِن الَّذين يُنَادُونَك من وَرَاء الحجرات. انْتهى.)
стр. 4921
-
قَالَ ابْن السَّيِّد: عباد هَذَا هُوَ ابْن حُصَيْن صَاحب البغلة. والكفيء: فعيل بِمَعْنى الْكُفْء.
وَقَالَ بَعضهم: غنما سمي الْحَارِث حَبطًا لِأَنَّهُ كَانَ فِي سفر فَأكل أكلا فانتفخ بَطْنه فَمَاتَ فَسُمي حَبطًا وعيروا بذلك. فانحطاط قدره وَقدر أَوْلَاده إِنَّمَا هُوَ لهَذَا لَا لما زعم ابْن نباتة فِي وجدنَا النيب من شَرّ المطايا الْبَيْت فلزمهم هَذَا القَوْل. انْتهى.
وَلَا يخفى أَن هَذَا الْبَيْت لزياد الْأَعْجَم وَهُوَ من معاصري الفرزدق وَتَقَدَّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّانِي بعد الثَّمَانمِائَة. وتسميتهم بالحبطات قديم جدا قبل أَن يخلق أجداد زِيَاد فَكيف لقبوا بقوله. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
لَا تَشْتُم النَّاس كَمَا لَا تَشْتُم على أَن كَمَا أَصْلهَا كَاف التَّشْبِيه المكفوفة بِمَا قد تغير مَعْنَاهَا بالتركيب فَصَارَت بِمَعْنى لَعَلَّ أَي: لَعَلَّك لَا تَشْتُم. وَهِي مُهْملَة لَا تعْمل شَيْئا وَلَا يلْزم من كَونهَا بِمَعْنى لَعَلَّ أَن تعْمل عَملهَا.
وَتقدم نقل كَلَام سِيبَوَيْهٍ وَغَيره فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالْخمسين بعد الستمائة.
وَفِي الارتشاف لأبي حَيَّان: وَذهب الْفراء إِلَى أَن قَوْلهم: انتظرني كَمَا آتِيك وَلَا تَشْتُم النَّاس كَمَا لَا تَشْتُم
стр. 4922
الْكَاف فيهمَا للتشبيه وَالْكَاف صفة لمصدر مَحْذُوف أَي: انتظرني انتظاراً مثل إتياني لَك أَي: ف لي بالانتظار كَمَا أَفِي لَك بالإتيان وانته عَن شتم النَّاس كانتهائهم عَن شتمك. انْتهى.
وَقَوله: لَا تَشْتُم لَا: ناهية. وَقَوله: كَمَا لَا تَشْتُم بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَرفع الْفِعْل.
وَهُوَ من أرجوزة لرؤبة بن العجاج وَتَقَدَّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الْخَامِس من أول الْكتاب.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(وَإِنَّا لمما نضرب الْكَبْش ضَرْبَة ... على رَأسه تلقي اللِّسَان من الْفَم)
стр. 4923
على أَن من الجارة لما كفت بِمَا تغير مَعْنَاهَا وَصَارَت بِمَعْنى رُبمَا مفيدة للتكثير أَو للتقليل على خلاف فِي مدلولها.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب من أَبْوَاب أَن الَّتِي تكون وَالْفِعْل بِمَنْزِلَة مصدره مَا نَصه: وَتقول: إِنِّي مِمَّا أَن أفعل ذَاك كَأَنَّهُ قَالَ: أَنِّي من الْأَمر أَو من الشَّأْن أَن أفعل ذَاك. فَوَقَعت مَا فِي هَذَا الْموضع كَمَا تَقول الْعَرَب: بئْسَمَا يُرِيدُونَ بئس الشَّيْء. إِلَى أَن قَالَ: وَإِن شِئْت قلت: إِنِّي مِمَّا أفعل فَتكون مَا مَعَ من بِمَنْزِلَة كلمة وَاحِدَة نَحْو: رُبمَا. قَالَ أَبُو حَيَّة النميري: وَإِنَّا لمما نضرب الْكَبْش ... ... ... ... . الْبَيْت انْتهى.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي قَوْله: لمما وَمَعْنَاهُ لربما وَهِي من زيدت إِلَيْهَا مَا وَجعلت مَعهَا على معنى رُبمَا فركبت تركيبها. انْتهى.
وَفِي البغداديات لأبي عَليّ: قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: إِن أَرَادَ سِيبَوَيْهٍ أَن مَا كَافَّة لمن أَنَّهَا كَافَّة لرب فَهُوَ كَمَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ. وَإِن أَرَادَ أَنه للتقليل كَمَا أَن رُبمَا للتقليل كَانَ ذَلِك مسوغاً إِذا ثَبت مسموعاً.
وَيبعد ذَلِك فِي الْبَيْت فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَن يكون غير مقلل لضربه للكبش على رَأسه انْتهى. وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَن رب وَرُبمَا عِنْده لَا تفِيد إِلَّا الْقلَّة. وَكَأن أَبَا حَيَّان لم يقف على مَا قدمْنَاهُ.
قَالَ فِي الارتشاف: وَزعم السيرافي والأعلم وَابْن طَاهِر وَابْن خروف
أَن من إِذا كَانَ بعْدهَا مَا كَانَت بِمَعْنى رُبمَا وَزَعَمُوا أَن سِيبَوَيْهٍ يُشِير إِلَى هَذَا الْمَعْنى فِي كَلَامه.
وَأنكر الْأُسْتَاذ أَبُو عَليّ وَأَصْحَابه ذَلِك وردوه وتأولوا مَا زعموه من ذَلِك. هَذَا كَلَامه.
وَتَبعهُ ابْن هِشَام فِي موضِعين من الْمُغنِي أَحدهمَا: فِي من قَالَ عِنْد مَعَانِيهَا: الْعَاشِر مرادفة رُبمَا وَإِنَّا لمما نضرب الْكَبْش الْبَيْت
стр. 4924
قَالَه السيرافي وَابْن خروف وَابْن طَاهِر والأعلم وَخَرجُوا عَلَيْهِ قَول سِيبَوَيْهٍ: إِنَّهُم مِمَّا يحذفون كَذَا. وَالظَّاهِر أَن من فيهمَا ابتدائية وَمَا مَصْدَرِيَّة وَأَنَّهُمْ جعلُوا كَأَنَّهُمْ خلقُوا من الضَّرْب والحذف مثل: خلق الْإِنْسَان من عجل. انْتهى.)
وَثَانِيهمَا: فِي مَا الكافة قَالَ: إِنَّهَا تتصل بأحرف فتكفها من عمل الْجَرّ. الرَّابِع: من كَقَوْل أبي حَيَّة: وَإِنَّا لمما نضرب الْكَبْش الْبَيْت قَالَه ابْن الشجري. وَالظَّاهِر أَن مَا مَصْدَرِيَّة وَأَن الْمَعْنى مثله فِي: خلق الْإِنْسَان من عجل وَقَوله:
وضنت علينا والضنين من الْبُخْل فَجعل الْإِنْسَان والبخيل مخلوقين من الْعجل وَالْبخل مُبَالغَة. انْتهى.
وَسِيَاق الْكَلَام مِنْهُمَا ظَاهر فِي أَن الْمَعْنى الأول لم يقل بِهِ سِيبَوَيْهٍ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْء استنبطه خدمَة كِتَابه من كَلَامه وَلَيْسَ كَذَلِك.
وَتَخْرِيج ابْن هِشَام فَاسد وَذَلِكَ أَن فعل الصِّلَة فِي المثالين الْأَوَّلين مُسْند إِلَى ضمير الْمُحدث عَنهُ فَيلْزم عِنْد السبك إِضَافَة الْمصدر إِلَى ذَلِك الضَّمِير
стр. 4925
فيؤول الْأَمر إِلَى جعلهم كَأَنَّهُمْ خلقُوا من ضَربهمْ وَمن حذفهم. وَذَلِكَ غير مُتَصَوّر الْبَتَّةَ. وَلَا يلْزم هَذَا فِي الْآيَة وَالْبَيْت الْأَخير.
والكبش هُنَا: الرئيس وَسيد الْقَوْم لِأَنَّهُ يقارع دونهم ويحميهم. قَالَ ابْن النّحاس: وَإِن شِئْت جعلت مَا بِمَعْنى الَّذِي وَرفعت الْكَبْش. انْتهى.
أَقُول: هَذَا لَا يَصح. فَتَأمل. وَمثل هَذَا الْبَيْت قَول الفرزدق:
(وَإِنَّا لمما نضرب الْكَبْش ضَرْبَة ... على رَأسه وَالْحَرب قد لَاحَ نارها)
وَالظَّاهِر أَن أَبَا حَيَّة ألم بِبَيْت الفرزدق فَإِنَّهُ قبل أبي حَيَّة وَأَبُو حَيَّة توفّي فِي بضع وَثَمَانِينَ وَمِائَة.
قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: وَكَانَ يروي عَن الفرزدق. وَهُوَ بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة. وصحفه ابْن الملا بِالْمُوَحَّدَةِ قَالَ: وَرَأَيْت من صحفه بمثناة تحتية. انْتهى.
واسْمه الْهَيْثَم بن الرّبيع وَيَنْتَهِي نسبه إِلَى نمير بن عَامر بن صعصعة.
-
قَالَ صَاحب الأغاني: وَهُوَ شَاعِر مجيد مُتَقَدم من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية. وَقد مدح الْخُلَفَاء فيهمَا جَمِيعًا. وَكَانَ فصيحاً مقصداً راجزاً من سَاكِني الْبَصْرَة. وَكَانَ أهوج جَبَانًا بَخِيلًا كذابا مَعْرُوفا بذلك أجمع. وَكَانَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء يقدمهُ.
وَقيل: إِنَّه كَانَ يصرع. وَكَانَ من أكذب النَّاس: حدث يَوْمًا أَنه يخرج إِلَى الصَّحرَاء فيدعو)
الْغرْبَان فَتَقَع حوله فَيَأْخُذ مِنْهَا
стр. 4926
مَا شَاءَ. فَقيل: يَا أَبَا حَيَّة أَفَرَأَيْت إِن أخرجناك إِلَى الصَّحرَاء فدعوتها فَلم تأتك فَمَاذَا تصنع بك قَالَ: أبعدها الله إِذن وَحدث يَوْمًا قَالَ: عَن لي ظَبْي يَوْمًا فرميته فرَاغ عَن سهمي فعارضه السهْم ثمَّ راغ فعارضه فَمَا زَالَ وَالله يروغ ويعارضه حَتَّى صرعه بِبَعْض الجبانات.
وَإِلَى هَذَا السهْم لمح ابْن نباتة الْمصْرِيّ بقوله:
(وبديع الْجمال لم ير طرفِي ... مثل أعطافه وَلَا طرف غَيْرِي)
(كلما حدت عَن هَوَاهُ أَتَانِي ... سهم ألحاظه كسهم النميري)
وَقَالَ يَوْمًا: رميت وَالله ظَبْيَة فَلَمَّا نفذ سهمي عَن الْقوس ذكرت بالظبية حَبِيبَة لي فعدوت خلف السهْم حَتَّى قبضت على قذذة قبل أَن يُدْرِكهَا.
وَكَانَ لأبي حَيَّة سيف يُسَمِّيه: لعاب الْمنية لَيْسَ بَينه وَبَين الْخَشَبَة فرق. وَكَانَ أجبن النَّاس حدث جَار لَهُ قَالَ: دخل لَيْلَة إِلَى بَيته كلب فَظَنهُ لصاً فَأَشْرَفت عَلَيْهِ وَقد انتضى سَيْفه لعاب الْمنية وَهُوَ وَاقِف فِي وسط الدَّار وَهُوَ يَقُول: أَيهَا المغتر بِنَا والمجترئ علينا بئس وَالله مَا اخْتَرْت لنَفسك: خير قَلِيل وَسيف صقيل لعاب الْمنية الَّذِي سَمِعت بِهِ
مَشْهُور ضَربته لَا تخَاف نبوته اخْرُج بِالْعَفو عَنْك قبل أَن أَدخل بالعقوبة عَلَيْك. إِنِّي وَالله إِن أدع قيسا إِلَيْك لَا تقم لَهَا وَمَا قيس تملأ وَالله الفضاء خيلاً ورجلاً سُبْحَانَ الله مَا أَكْثَرهَا وأطيبها.
فَبينا هُوَ كَذَلِك إِذْ الْكَلْب قد خرج فَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي مسخك كَلْبا وكفاني حَربًا وَنَظِير هَذِه الْحِكَايَة مَا رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاق الحصري صَاحب زهر الْآدَاب
стр. 4927
فِي كتاب الْجَوَاهِر فِي الْملح والنوادر قَالَ: نزل أَعْرَابِي من بني نهشل يكنى أَبَا الْأَغَر على بني أُخْت لَهُ من قُرَيْش بِالْبَصْرَةِ وَذَلِكَ فِي شهر رَمَضَان فَخرج الرِّجَال إِلَى ضياعهم وَخرج النِّسَاء يصلين فِي الْمَسْجِد وَلم يبْق فِي الدَّار إِلَّا الْإِمَاء فَدخل كلب فَرَأى بَيْتا فدخله وانصفق الْبَاب فَسمع الْإِمَاء حَرَكَة فظنن أَن لصاً قد دخل الدَّار فَذَهَبت إِحْدَاهُنَّ إِلَى أبي الْأَغَر فَأَخْبَرته فَأخذ عَصا وَجَاء حَتَّى وقف على بَاب الْبَيْت فَقَالَ: أَيهَا اللص وَالله أما إِنِّي بك لعارف فَهَل أَنْت من لصوص بني مَازِن شربت نبيذاً حامضاً خبيثاً حَتَّى إِذا دارت الأقداح فِي رَأسك منتك نَفسك الْأَمَانِي. فَقلت: أطرق دور بني عَمْرو وَالرِّجَال خلوف وَالنِّسَاء يصلين فِي مسجدهن فأسرقهن سوءة لَك وَالله مَا يفعل هَذَا)
الْأَحْرَار بئْسَمَا منتك نَفسك فَاخْرُج بِالْعَفو عَنْك وَإِلَّا دخلت بالعقوبة عَلَيْك وَايْم الله لتخْرجن أَو لأهتفن هتفة
يلتقي فِيهَا الْحَيَّانِ: عَمْرو وحَنْظَلَة وتسيل عَلَيْك الرِّجَال من هُنَا وَلَئِن فعلت لتكونن أشأم مَوْلُود فِي بني تَمِيم فَلَمَّا رأى أَنه لَا يجِيبه أَخذه باللين فَقَالَ: اخْرُج بِأبي أَنْت مصوناً مَسْتُورا إِنِّي وَالله مَا أَرَاك تعرفنِي وَلَئِن عَرفتنِي لقد وثقت بِقَوْلِي واطمأننت
стр. 4928
إِلَيّ. أَنا أَبُو الْأَغَر النَّهْشَلِي وَأَنا خَال الْقَوْم وجلدة مَا بَين أَعينهم لَا يعصون لي رَأيا وَأَنا كَفِيل خفير أجعلك بَين شحمة أُذُنِي وعاتقي فَاخْرُج فَأَنت فِي ذِمَّتِي وَإِلَّا فعندي قوصرتان أهداهما إِلَيّ ابْن أُخْتِي الْبَار الْوُصُول فَخذ إِحْدَاهمَا فانتبذها حَلَالا من الله وَرَسُوله.
فَكَانَ الْكَلْب إِذا سمع هَذَا الْكَلَام أطرق وَإِذا سكت وثب ويروم الْخُرُوج. فتهاتف أَبُو الْأَغَر ثمَّ قَالَ: يَا ألأم النَّاس وأوضعهم أَرَانِي لَك اللَّيْلَة فِي وَاد وَأَنت فِي آخر وَالله لتخْرجن أَو لألجن فَلَمَّا طَال وُقُوفه جَاءَت جَارِيَة وَقَالَت: أَعْرَابِي مَجْنُون وَالله مَا أرى فِي الْبَيْت أحدا. وَدفعت الْبَاب فَخرج الْكَلْب مبادراً وَوَقع أَبُو الْأَغَر مُسْتَلْقِيا فَقُلْنَ لَهُ: قُم وَيحك فَإِنَّهُ كلب فَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي مسخه كَلْبا وَكفى الْعَرَب حَربًا. انْتهى.
٣ - (تَتِمَّة)
قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق: وَقَالَ بَعضهم: إِن بِمَا تَجِيء أَيْضا بِمَعْنى رُبمَا نَحْو: إِنِّي بِمَا
أفعل أَي: رُبمَا.
هَذَا قَول ابْن مَالك قَالَ: إِن مَا الكافة أحدثت مَعَ الْبَاء معنى التقليل بِالْقَافِ كَمَا أحدثت فِي الْكَاف معنى التَّعْلِيل بِالْعينِ، فى قَوْله تَعَالَى واذكروه كَمَا هدَاكُمْ
стр. 4929
قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: وَالظَّاهِر أَن الْبَاء وَالْكَاف للتَّعْلِيل وَأَن مَا مَعَهُمَا مَصْدَرِيَّة: وَقد سلم أَن كلا من الْكَاف وَالْبَاء يَأْتِي للتَّعْلِيل مَعَ عدم مَا كَقَوْلِه تَعَالَى: فبظلم من الَّذين هادوا حرمنا عَلَيْهِم طَيّبَات. وَقُرِئَ: وي كَأَنَّهُ لَا يفلح الْكَافِرُونَ.
وَقَالَ: التَّقْدِير: أعجب لعدم فلاح الْكَافرين. ثمَّ الْمُنَاسب فِي الْبَيْت معنى التكثير لَا التقليل.
انْتهى. وَهَذَا مَأْخُوذ من شرح التسهيل لأبي حَيَّان. ومثاله مَا أنْشدهُ ابْن مَالك والمرادي فيشرح الألفية وَابْن هِشَام فِي الْمُغنِي:
(فلئن صرت لَا تحير جَوَابا ... لبما قد ترى وَأَنت خطيب)
تحير: مضارع أحار بِالْحَاء الْمُهْملَة أَي: أجَاب. يُقَال: كَلمته فَلم يحر جَوَابا أَي: لم يردهُ. وَاللَّام فِي لَئِن موطئة للقسم لَا للتَّأْكِيد كَمَا وهم الْعَيْنِيّ.
وَقَوله: لبما اللَّام فِي جَوَاب الْقسم وَمَا بعْدهَا جَوَاب الْقسم لَا جَوَاب الشَّرْط كَمَا وهم الْعَيْنِيّ)
أَيْضا.
وَقد ترى بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول. والرؤية بصرية لَا ظنية كَمَا زعم الْعَيْنِيّ. وَجُمْلَة وَأَنت خطيب: حَالية.
-
وَالْبَيْت فِي رثاء ميت يَقُول: إِن صرت الْآن لَا ترد جَوَابا لمن يكلمك فكثيراً مَا ترى وَأَنت خطيب بِلِسَان الْحَال فَإِن من نظر إِلَى قبرك وتذكر مَا كنت عَلَيْهِ وَمَا ألت الْآن إِلَيْهِ اتعظ بذلك.
وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد كثيرا مَا رئيت فِي حَال الْحَيَاة خَطِيبًا. إِلَّا أَنه عبر بالمضارع لاستحضار تِلْكَ الْحَالة.
стр. 4930
قَالَ الْعَيْنِيّ: وَقَائِل الْبَيْت مَجْهُول.
أَقُول: قَالَ صَاحب تَهْذِيب الطَّبْع لما مَاتَ الاسكندر نَدبه أرسطاليس فَقَالَ: طالما كَانَ هَذَا الشَّخْص واعظاً بليغاً وَمَا وعظ بِكَلَامِهِ موعظة قطّ أبلغ من موعظة الْيَوْم بسكوته فَأَخذه صَالح بن عبد القدوس فَقَالَ:
(وينادونه وَقد صم عَنْهُم ... ثمَّ قَالُوا وللنساء نحيب)
(مَا الَّذِي عَاق أَن ترد جَوَابا ... أَيهَا الْمَقُول الْخَطِيب الأريب)
(إِن تكن لَا تطِيق رَجَعَ جَوَاب ... فبمَا قد ترى وَأَنت خطيب)
(ذُو عظات وَمَا وعظت بِشَيْء ... مثل وعظ السُّكُوت إِذْ لَا تجيب)
وَاخْتَصَرَهُ أَبُو الْعَتَاهِيَة فِي بَيت فَقَالَ:
(وَكَانَت فِي حياتك لي عظات ... فَأَنت الْيَوْم خير مِنْك أمس)
انْتهى. وَرَأَيْت فِي أمالي القالي: أنشدنا أَبُو عبد الله نفطويه أنشدنا ثَعْلَب لمطيع بن إِيَاس
(وينادونه وَقد صم عَنْهُم ... ثمَّ قَالُوا وللنساء نحيب)
(مَا الَّذِي غال أَن تحير جَوَابا ... أَيهَا المصقع الْخَطِيب الأديب)
(فِي مقَال وَمَا وعظت بِشَيْء ... مثل وعظ بِالصَّمْتِ إِذْ لَا تجيب)
هَذَا مَا أوردهُ وَلم يذكر الْبَيْت الشَّاهِد.
стр. 4931
وَأوردهُ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي شرح أمالي القالي كصاحب تَهْذِيب الطَّبْع وَقَالَ: مُطِيع بن إِيَاس بن أبي قزعة سلم بن نَوْفَل من بني الدول ابْن بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة.
وَقيل: من بني لَيْث بن بكر بن عبد مَنَاة. والدؤل وَلَيْث أَخَوان لأم وَأب وَأم أمهما أم خَارِجَة)
وَهِي الَّتِي يضْرب بهَا الْمثل فَيُقَال: أسْرع من نِكَاح أم خَارِجَة. ويكنى مُطِيع أَبَا سليم. أدْرك الدولتين. وَكَانَ شَاعِرًا ظريفاً حُلْو الْعشْرَة مليح النادرة. وَكَانَ مُتَّهمًا بالزندقة.
وَكَانَ يحيى بن زِيَاد الْحَارِثِيّ وَحَمَّاد الراوية وَحَمَّاد عجرد وَابْن المقفع ووالية ابْن
الْحباب لَا يفترقون وَلَا يستأثر أحدهم على صَاحبه بِمَال وَلَا ملك شَيْء قل أَو كثر. وَكَانُوا جَمِيعًا مطعونين فِي دينهم. انْتهى بِاخْتِصَار.
وَأنْشد بعده: لَا تظلموا النَّاس كَمَا لَا تظلموا وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ مفصلا فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالْخمسين بعد الستمائة.
стр. 4932
وَقد نقل ابْن الْأَنْبَارِي فِي كتاب الْإِنْصَاف فِي مسَائِل الْخلاف اخْتِلَاف أهل البلدين فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَلَا بَأْس بإيراده هُنَا قَالَ: ذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَن كَمَا تَأتي بِمَعْنى كَيْمَا وينصبون بهَا مَا بعْدهَا وَلَا يمْنَعُونَ جَوَاز الرّفْع. وَاسْتَحْسنهُ أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد من الْبَصرِيين. وَذهب البصريون إِلَى أَن كَمَا لَا تَأتي بِمَعْنى كَيْمَا وَلَا يجوز نصب مَا بعْدهَا.
أما الْكُوفِيُّونَ فاحتجوا بِأَن قَالُوا: الدَّلِيل على أَن الْفِعْل ينصب بهَا أَنه قد جَاءَ ذَلِك كثيرا فِي كَلَامهم قَالَ صَخْر الغي:
(جَاءَت كَبِير كَمَا أخفرها ... وَالْقَوْم صيد كَأَنَّهُمْ رمدوا)
أَرَادَ: كَيْمَا أخفرها وَلِهَذَا انتصب أخفرها.
وَقَالَ الآخر:
(وطرفك إِمَّا جئتنا فاصرفنه ... كَمَا يحسبوا أَن الْهوى حَيْثُ تنظر)
أَرَادَ: كَيْمَا يحسبوا. وَقَالَ رؤبة: لَا تظلموا النَّاس كَمَا لَا تظلموا راد: كَيْمَا لَا تظلموا. وَقَالَ عدي بن زيد الْعَبَّادِيّ: وَقَالَ آخر:
(يقلب عَيْنَيْهِ كَمَا لأخافه ... تشاوس رويداً إِنَّنِي من تَأمل)
стр. 4933
أَرَادَ: كَيْمَا أخافه إِلَّا انه أَدخل اللَّام توكيداً وَلِهَذَا الْمَعْنى كَانَ الْفِعْل مَنْصُوبًا. فَهَذِهِ الأبيات كلهَا تدل على صِحَة مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ. وَأما البصريون فاحتجوا بِأَن قَالُوا:)
إِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّه لَا يجوز النصب بهَا لِأَن الْكَاف فِي كَمَا كَاف التَّشْبِيه أدخلت عَلَيْهَا مَا وَجعلا بِمَنْزِلَة حرف وَاحِد كَمَا أدخلت مَا على رب وَجعلا بِمَنْزِلَة حرف وَاحِد ويليها الْفِعْل كربما.
وكما أَنهم لَا ينصبون الْفِعْل بعد رُبمَا فَكَذَلِك هَاهُنَا.
-
وَأما الْجَواب عَن كَلِمَات الْكُوفِيّين: أما الْبَيْت الأول فَلَا حجَّة لَهُم فِيهِ لِأَنَّهُ رُوِيَ: كَمَا أخفرها بالفرع لِأَن الْمَعْنى جَاءَت كَمَا أجيئها.
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْفراء من أصحابكم وَاخْتَارَ الرّفْع فِي هَذَا الْبَيْت. وَهَذِه الرِّوَايَة الصَّحِيحَة.
وَأما الْبَيْت الثَّانِي فَلَا حجَّة فِيهِ أَيْضا لِأَن الرِّوَايَة: لكَي يحسبوا.
وَأما الْبَيْت الثَّالِث فَلَا حجَّة لَهُم فِيهِ أَيْضا لِأَن الرِّوَايَة فِيهِ بِالتَّوْحِيدِ: لَا تظلم النَّاس كَمَا لَا تظلم كالرواية الْأُخْرَى: وَأما الْبَيْت الرَّابِع فَلَيْسَ فِيهِ أَيْضا حجَّة لِأَن الروَاة اتَّفقُوا على أَن الرِّوَايَة كَمَا يَوْمًا تحدثه بِالرَّفْع كَقَوْل أبي النَّجْم:
(قلت لشيبان ادن من لِقَائِه ... كَمَا تغدي الْقَوْم من شوائه)
وَلم يروه أحد كَمَا يَوْمًا تحدثه بِالنّصب إِلَّا الْمفضل الضَّبِّيّ وَحده فَإِنَّهُ كَانَ يرويهِ مَنْصُوبًا وَإِجْمَاع الروَاة من نَحْويي الْبَصْرَة والكوفة على خِلَافه والمخالف لَهُ أقوم مِنْهُ بِعلم الْعَرَبيَّة.
стр. 4934
وَأما الْبَيْت الْخَامِس فَفِيهِ تكلّف قَبِيح وَالْأَظْهَر فِيهِ: يقلب عَيْنَيْهِ لكيما أخافه على أَنه لَو صَحَّ مَا رَوَوْهُ من هَذِه الأبيات على مُقْتَضى مَذْهَبهم فَلَا يخرج ذَلِك عَن حد الشذوذ والقلة فَلَا يكون فِيهِ حجَّة. وَالله أعلم.
هَذَا مَا أوردهُ الْأَنْبَارِي.
وأنشده بعده
(الشَّاهِد الْأَرْبَعُونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:
(صددت وأطولت الصدود وقلما ... وصال على طول الصدود يَدُوم)
على أَن مَا فِي قَلما عِنْد بَعضهم زَائِدَة ووصال: فَاعل قَلما. وَهِي عِنْد سِيبَوَيْهٍ كَافَّة ووصال: مُبْتَدأ. أوردهُ سِيبَوَيْهٍ فِي بَابَيْنِ من كِتَابه الأول فِي بَاب مَا يحْتَمل الشّعْر قَالَ: إِنَّمَا الْكَلَام: وقلما يَدُوم وصال. وَالثَّانِي فِي بَاب الْحُرُوف الَّتِي لَا يَليهَا بعْدهَا إِلَّا الْفِعْل وَلَا تغير الْفِعْل عَن حَاله.
قَالَ: وَمن تِلْكَ الْحُرُوف رُبمَا وقلما وأشبههما جعلُوا رب مَعَ مَا بِمَنْزِلَة كلمة وَاحِدَة وهيؤوها ليذكر بعْدهَا الْفِعْل لأَنهم لم يكن لَهُم سَبِيل إِلَى رب يَقُول وَلَا إِلَى قل يَقُول فألحقوهما وأخلصوهما للْفِعْل.
-
وَمثل
стр. 4935
ذَلِك: هلا وَلَوْلَا وَألا ألزموهن لَا وَجعلُوا كل وَاحِدَة مَعَ لَا بِمَنْزِلَة حرف وَاحِد وأخلصوهن للْفِعْل حَيْثُ دخل فِيهِنَّ معنى التحضيض. وَقد يجوز فِي الشّعْر تَقْدِيم الِاسْم قَالَ: صددت وأطولت الصدود ... ... ... . الْبَيْت انْتهى.
قَالَ النّحاس: أخبرنَا عَليّ بن سُلَيْمَان عَن مُحَمَّد بن يزِيد الْمبرد أَنه خَالف سِيبَوَيْهٍ فِي هَذَا وَجعل مَا زَائِدَة وَقدره: وَقل وصال يَدُوم على طول الصدود. قَالَ: وَالصَّوَاب عِنْدِي مَا ذهب إِلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ تقليل الدَّوَام وقلما نقيضه كثر مَا. وَجعل سِيبَوَيْهٍ مَا كَافَّة. انْتهى.
وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: ووصال مُبْتَدأ ظَاهره أَنه عِنْد سِيبَوَيْهٍ مُبْتَدأ. وَلَيْسَ كَذَلِك وَقصد بِهِ أَحدهَا: مَا قدمه من أَن بَعضهم ذهب إِلَى أَن مَا فِي الْأَفْعَال الثَّلَاثَة مَصْدَرِيَّة والمصدر فَاعل الْفِعْل.
قَالَ ابْن خلف: لَا يجوز أَن تكون مَا مَصْدَرِيَّة لِأَنَّهَا معرفَة وَقل تطلب النكرَة تَقول: قل رجل يفعل ذَلِك فَلذَلِك حكمت على من فِي قَوْلهم: قل من يفعل ذَلِك أَنَّهَا نكرَة مَوْصُوفَة.
وَأَيْضًا لَو كَانَت مَصْدَرِيَّة لجَاز أَن تدخل على الْمَاضِي والمستقبل وَهِي هَاهُنَا لَا تدخل إِلَّا على الْمُسْتَقْبل. انْتهى.
ثَانِيهَا: قَول الْمبرد وَهُوَ أَن مَا: زَائِدَة ووصال: فَاعل قل. قَالَ الأعلم: وَهُوَ ضَعِيف لِأَن مَا إِنَّمَا تزاد فِي قل وَرب لتليهما الْأَفْعَال ويصيرا من الْحُرُوف المخترعة لَهَا.)
стр. 4936
ثَالِثهَا وَرَابِعهَا: مَا ذهب إِلَيْهِ الأعلم قَالَ: أَرَادَ: وقلما يَدُوم وصال فَقدم
وَأخر مُضْطَرّا لإِقَامَة الْوَزْن والوصال على هَذَا التَّقْدِير فَاعل مقدم وَالْفَاعِل لَا يتَقَدَّم فِي الْكَلَام إِلَّا أَن يبتدأ بِهِ وَهُوَ من وضع الشَّيْء غير مَوْضِعه.
وَنَظِيره قَول الزباء: مَا للجمال مشيها وئيدا أَي: وئيداً مشيها فَقدمت وأخرت ضَرُورَة. وَفِيه تَقْدِير آخر وَهُوَ أَن يرْتَفع بِفعل مُضْمر يدل عَلَيْهِ الظَّاهِر فَكَأَنَّهُ قَالَ: وقلما يَدُوم وصال يَدُوم. وَهَذَا أسهل فِي الضَّرُورَة وَالْأول أصح معنى وَإِن كَانَ أبعد فِي اللَّفْظ. انْتهى.
وَإِلَى الأول مِنْهُمَا ذهب ابْن عُصْفُور فِي الضرائر قَالَ: يُرِيد: وقلما يَدُوم وصال على طول الصدود. ففصل بَين قَلما وَالْفِعْل بِالِاسْمِ الْمَرْفُوع وبالمجرور.
خَامِسهَا: مَا ذهب إِلَيْهِ ابْن السراج قَالَ فِي فصل الضرائر من الْأُصُول: لَيْسَ يجوز أَن ترفع وصالاً يَدُوم وَلَكِن يجوز عِنْدِي على إِضْمَار يكون كَأَنَّهُ قَالَ: قَلما يكون وصال يَدُوم على طول الصدود.
وَلَا يخفى أَن هَذَا لَيْسَ من مَوَاضِع حذف كَانَ. وَقَالَ أَبُو عَليّ: فَاعل ليثبت أَو يبْقى وَنَحْوه مِمَّا يفسره يَدُوم.
وَقد رد أَبُو عَليّ وَابْن يعِيش مَا اخْتَارَهُ الشَّارِح قَالَ فِي البغداديات: وَلَا يصلح ارْتِفَاع وصال بِالِابْتِدَاءِ لِأَنَّهُ مَوضِع فعل كَمَا لَا يصلح أَن يرْتَفع الِاسْم عِنْد سِيبَوَيْهٍ يعد هلا الَّتِي للتحضيض وَإِن الَّتِي للجزاء وَإِذا الدَّالَّة على الزَّمَان
стр. 4937
بِالِابْتِدَاءِ
وَلَكِن يكون الْعَامِل فِي الِاسْم الْوَاقِع بعد هَذِه الْحُرُوف فعلا يفسروه مَا يظْهر بعْدهَا من الْأَفْعَال.
وَقد لخص ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي هَذِه الْأَقْوَال فَقَالَ: وَأما قَوْله: فَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: ضَرُورَة. فَقيل وَجه الضَّرُورَة أَن حَقّهَا أَن يَليهَا الْفِعْل صَرِيحًا والشاعر أولاها فعلا مُقَدرا فَإِن وصال مُرْتَفع بيدوم محذوفاً مُفَسرًا بالمذكور. وَقيل: وَجههَا أَنه قدم الْفَاعِل.
ورده ابْن السَّيِّد بِأَن الْبَصرِيين لَا يجيزون تَقْدِيم الْفَاعِل فِي شعر وَلَا نثر. وَقيل: وَجههَا أَنه أناب الْجُمْلَة الاسمية عَن الفعلية كَقَوْلِه: فَهَلا نفس ليلى شفيعها)
وَزعم الْمبرد أَن مَا زَائِدَة ووصال فَاعل ى مُبْتَدأ. وَزعم بَعضهم أَن مَا مَعَ هَذِه الْأَفْعَال مَصْدَرِيَّة لَا كَافَّة. انْتهى.
وَأورد على ابْن السَّيِّد بِأَن نَص سِيبَوَيْهٍ ظَاهر بِأَن وَجه الضَّرُورَة تَقْدِيم الِاسْم على رافعه.
وَإِلَيْهِ ذهب ابْن عُصْفُور.
وَلَيْسَ هَذَا معنى كَلَام سِيبَوَيْهٍ فَإِن مَعْنَاهُ لما اضْطر الشَّاعِر قدم الِاسْم بعد قَلما
وأضمر الْفِعْل لِأَن قَلما من أدوات الْفِعْل فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَة حرف النَّفْي. كَذَا قَرَّرَهُ خلف وَغَيره.
وَقَول ابْن هِشَام: ووصال فَاعل لَا مُبْتَدأ غير جيد فَإِن الْمبرد مُرَاده أَن وصالاً فَاعل قل لَا أَنه فَاعل يَدُوم وَلَا غَيره من الْأَوْجه الْمَذْكُورَة.
стр. 4938
وَاخْتَارَ أَبُو عَليّ على مذْهبه وأيده فَقَالَ: وَلَو قَالَ قَائِل إِن مَا فِي الْبَيْت صلَة ووصال: فَاعل قل ومرتفع بِهِ ويدوم: صفة لوصال فَلَا يكون التَّأْوِيل على مَا ذكره سِيبَوَيْهٍ لِأَن الْفِعْل يبْقى بِلَا فَاعل وَلم نر فِي سَائِر كَلَامهم الْفِعْل بِلَا فَاعل.
وَأَيْضًا فَإِن الْفِعْل على تَأْوِيله يصير دَاخِلا على فعل وَهَذَا أَيْضا غير مَوْجُود لَكَانَ عِنْدِي أثبت.
وَيُقَوِّي هَذَا أَن الْفِعْل مَعَ دُخُول مَا هَذِه عَلَيْهِ تَجدهُ دَالا على مَا كَانَ يدل عَلَيْهِ قبل دُخُول هَذَا الْحَرْف من الْحَدث وَالزَّمَان فَحكمه أَن يَقْتَضِي الْفَاعِل وَلَا يَخْلُو مِنْهُ كَمَا لَا يخل مِنْهُ قبل.
أَلا ترى أَن الِاسْم فِي حَال دُخُول هَذَا الْحَرْف إِيَّاه على مَا كَانَ
стр. 4939
عَلَيْهِ قبل من انتصابه بالظرف وتعلقه بِالْفِعْلِ. فَقَوله:
(أعلاقة أم الْوَلِيد بَعْدَمَا ... أفنان رَأسك كالثغام المخلس)
بعد منتصب بِمَا نصب بِهِ الْمصدر الَّذِي هُوَ علاقَة فَكَذَلِك يَنْبَغِي أَن يكون الْفِعْل على مَا كَانَ عَلَيْهِ قبل دُخُول هَذَا الْحَرْف من اقتضائه للْفَاعِل وَإِسْنَاده إِلَيْهِ. هَذَا كَلَامه. وَقَوله: وَلم نر فِي سَائِر كَلَامهم الْفِعْل بِلَا فَاعل يرد عَلَيْهِ زِيَادَة كَانَ فِي نَحْو: مَا كَانَ أحسن زيدا.
-
وَفِيه أَيْضا دُخُول فعل على فعل. فَقَوله: غير مَوْجُود مَمْنُوع.
وَقَوله: وَيُقَوِّي هَذَا أَن الْفِعْل مَعَ دُخُول مَا هَذِه تَجدهُ دَالا إِلَى آخِره يرد عَلَيْهِ أَن الْحَرْف المكفوف وَقَوله: أَلا ترى أَن الِاسْم فِي حَال دُخُول هَذَا الْحَرْف إِيَّاه على مَا كَانَ عَلَيْهِ قبل انتصابه بالظرف وتعلقه بِالْفِعْلِ ... إِلَخ هَذَا يشْهد عَلَيْهِ لَا لَهُ فَإِن الْكَلَام فِي طلب الْمَعْمُول لَا فِي طلب الْعَامِل)
والمعمول لبعد بِالْإِضَافَة مَفْقُود لوُجُود الْمَانِع وَهُوَ الْكَفّ. وَهَذَا هُوَ الْمُدعى. فَلَا يرد على سِيبَوَيْهٍ شَيْء مِمَّا ذكره. وَالله أعلم.
وروى أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي:
(صددت فأطولت الصدود وَلَا أرى ... وصالاً على طول الصدود يَدُوم)
وَعَلِيهِ لَا شَاهد فِيهِ. وَالْبَيْت من أَبْيَات للمرار الفقعسي أوردهَا أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِي ضَالَّة الأديب وَفِي فرحة الأديب وَهِي:
(صرمت وَلم تصرم وَأَنت صروم ... وَكَيف تصابى من يُقَال حَلِيم)
(صددت فأطولت الصدود وقلما ... وصال على طول الصدود يَدُوم)
(وَلَيْسَ الغواني للجفاء وَلَا الَّذِي ... لَهُ عَن تقاضي دينهن هموم)
(ولنما يستنجز الْوَعْد تَابع ... هواهن حلاف لَهُنَّ أثيم)
الصرم: الْقطع صرمه صرماً من بَاب ضرب وَالِاسْم الصرم بِالضَّمِّ. وَكَيف اسْتِفْهَام إنكاري.
وتصابي: مصدر تصابى: تكلّف الصبوة وَهُوَ الْميل إِلَى الْجَهْل والفتوة. يُقَال:
صبا يصبو والصدود كالإعراض. وأطولت كَانَ الْقيَاس فِيهِ أطلت لكنه جَاءَ مصححا على الأَصْل كاستحوذ.
والغواني: جمع غانية الْجَارِيَة الَّتِي غنيت بزوجها وَقد تكون الَّتِي غنيت بحسنها وجمالها عَن الزِّينَة. والجفاء: خلاف الْبر وجفوته أجفوه إِذا أَعرَضت
стр. 4940
عَنهُ. والتقاضي والاقتضاء: طلب الدَّين بِفَتْح الدَّال. وهموم: جمع هم مُبْتَدأ وَله خبر مقدم. ويستنجز: يطْلب النجاز وَهُوَ الْوَفَاء. ويروى: مناهن بدل هواهن.
قَالَ أَبُو مُحَمَّد: يَقُول: صرمت وَلم تصرم صرم بتات وَلَك صرم دلال. يُخَاطب نَفسه ويلومها على طول الصدود أَي: لَا يَدُوم وصال الغواني إِلَّا لمن يلازمهن ويخضع لَهُنَّ. وَفسّر ذَلِك بالبيتين بعدهمَا. انْتهى. وَلما كَانَ العاشق لَا يحصل مِنْهُ صرم وَإِنَّمَا الصرم يكون من المعشوق أجَاب بِأَنَّهُ صرم دلالاً. وَأجَاب غَيره بِأَنَّهُ صرم تجلد لَا إِعْرَاض.
وَظن ابْن هِشَام أَن الْخطاب مَعَ الحبيبة لَا مَعَ النَّفس فَقَالَ فِي بعض تعاليقه: إِن الصَّوَاب فِي الْبَيْت أَن يُقَال: وقلما وداد عوض وصال وَإِن كَانَ سِيبَوَيْهٍ وَغَيره أوردهُ كَذَلِك.
وَنَقله الدماميني عَنهُ فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة وَقَالَ: يَعْنِي أَن تسليط النَّفْي على دوَام الْوِصَال يَقْتَضِي)
ودود أَصله وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ لَا وصال أصلا مَعَ الصدود طَال أَو لم يطلّ. انْتهى.
وَلَا يخفى أَنه إِذا كَانَ خطابا مَعَ النَّفس فَلَا يرد هَذَا إِذْ من الْجَائِز أَن يبْقى الْوِصَال من المحبوبة مَعَ صدود الْمُحب.
وَلما لم يقف الدماميني على الأبيات ظَنّه وارداً فَأجَاب عَنهُ بقوله: قد يُقَال عبر بالوصال عَن إِرَادَته وتوقعه أَو على حذف مُضَاف للقرينة فَإِن الْمُحب قد ييأس
من الْوَصْل بطول الصدود واستمرار الْإِعْرَاض فَيَنْقَطِع رجاؤه مِنْهُ وتوقعه لَهُ فَيكون ذَلِك سَببا لسلوه وَعدم إِرَادَته للوصال. وَكَثِيرًا مَا يَقع ذَلِك لبَعض النَّاس. انْتهى.
следующие страницы →