← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

ثَالِثهَا وَرَابِعهَا: مَا ذهب إِلَيْهِ الأعلم قَالَ: أَرَادَ: وقلما يَدُوم وصال فَقدم وَأخر مُضْطَرّا لإِقَامَة الْوَزْن والوصال على هَذَا التَّقْدِير فَاعل مقدم وَالْفَاعِل لَا يتَقَدَّم فِي الْكَلَام إِلَّا أَن يبتدأ بِهِ وَهُوَ من وضع الشَّيْء غير مَوْضِعه. وَنَظِيره قَول الزباء: مَا للجمال مشيها وئيدا أَي: وئيداً مشيها فَقدمت وأخرت ضَرُورَة. وَفِيه تَقْدِير آخر وَهُوَ أَن يرْتَفع بِفعل مُضْمر يدل عَلَيْهِ الظَّاهِر فَكَأَنَّهُ قَالَ: وقلما يَدُوم وصال يَدُوم. وَهَذَا أسهل فِي الضَّرُورَة وَالْأول أصح معنى وَإِن كَانَ أبعد فِي اللَّفْظ. انْتهى. وَإِلَى الأول مِنْهُمَا ذهب ابْن عُصْفُور فِي الضرائر قَالَ: يُرِيد: وقلما يَدُوم وصال على طول الصدود. ففصل بَين قَلما وَالْفِعْل بِالِاسْمِ الْمَرْفُوع وبالمجرور. خَامِسهَا: مَا ذهب إِلَيْهِ ابْن السراج قَالَ فِي فصل الضرائر من الْأُصُول: لَيْسَ يجوز أَن ترفع وصالاً يَدُوم وَلَكِن يجوز عِنْدِي على إِضْمَار يكون كَأَنَّهُ قَالَ: قَلما يكون وصال يَدُوم على طول الصدود. وَلَا يخفى أَن هَذَا لَيْسَ من مَوَاضِع حذف كَانَ. وَقَالَ أَبُو عَليّ: فَاعل ليثبت أَو يبْقى وَنَحْوه مِمَّا يفسره يَدُوم. وَقد رد أَبُو عَليّ وَابْن يعِيش مَا اخْتَارَهُ الشَّارِح قَالَ فِي البغداديات: وَلَا يصلح ارْتِفَاع وصال بِالِابْتِدَاءِ لِأَنَّهُ مَوضِع فعل كَمَا لَا يصلح أَن يرْتَفع الِاسْم عِنْد سِيبَوَيْهٍ يعد هلا الَّتِي للتحضيض وَإِن الَّتِي للجزاء وَإِذا الدَّالَّة على الزَّمَان

стр. 4937

بِالِابْتِدَاءِ وَلَكِن يكون الْعَامِل فِي الِاسْم الْوَاقِع بعد هَذِه الْحُرُوف فعلا يفسروه مَا يظْهر بعْدهَا من الْأَفْعَال. وَقد لخص ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي هَذِه الْأَقْوَال فَقَالَ: وَأما قَوْله: فَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: ضَرُورَة. فَقيل وَجه الضَّرُورَة أَن حَقّهَا أَن يَليهَا الْفِعْل صَرِيحًا والشاعر أولاها فعلا مُقَدرا فَإِن وصال مُرْتَفع بيدوم محذوفاً مُفَسرًا بالمذكور. وَقيل: وَجههَا أَنه قدم الْفَاعِل. ورده ابْن السَّيِّد بِأَن الْبَصرِيين لَا يجيزون تَقْدِيم الْفَاعِل فِي شعر وَلَا نثر. وَقيل: وَجههَا أَنه أناب الْجُمْلَة الاسمية عَن الفعلية كَقَوْلِه: فَهَلا نفس ليلى شفيعها) وَزعم الْمبرد أَن مَا زَائِدَة ووصال فَاعل ى مُبْتَدأ. وَزعم بَعضهم أَن مَا مَعَ هَذِه الْأَفْعَال مَصْدَرِيَّة لَا كَافَّة. انْتهى. وَأورد على ابْن السَّيِّد بِأَن نَص سِيبَوَيْهٍ ظَاهر بِأَن وَجه الضَّرُورَة تَقْدِيم الِاسْم على رافعه. وَإِلَيْهِ ذهب ابْن عُصْفُور. وَلَيْسَ هَذَا معنى كَلَام سِيبَوَيْهٍ فَإِن مَعْنَاهُ لما اضْطر الشَّاعِر قدم الِاسْم بعد قَلما وأضمر الْفِعْل لِأَن قَلما من أدوات الْفِعْل فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَة حرف النَّفْي. كَذَا قَرَّرَهُ خلف وَغَيره. وَقَول ابْن هِشَام: ووصال فَاعل لَا مُبْتَدأ غير جيد فَإِن الْمبرد مُرَاده أَن وصالاً فَاعل قل لَا أَنه فَاعل يَدُوم وَلَا غَيره من الْأَوْجه الْمَذْكُورَة.

стр. 4938

وَاخْتَارَ أَبُو عَليّ على مذْهبه وأيده فَقَالَ: وَلَو قَالَ قَائِل إِن مَا فِي الْبَيْت صلَة ووصال: فَاعل قل ومرتفع بِهِ ويدوم: صفة لوصال فَلَا يكون التَّأْوِيل على مَا ذكره سِيبَوَيْهٍ لِأَن الْفِعْل يبْقى بِلَا فَاعل وَلم نر فِي سَائِر كَلَامهم الْفِعْل بِلَا فَاعل. وَأَيْضًا فَإِن الْفِعْل على تَأْوِيله يصير دَاخِلا على فعل وَهَذَا أَيْضا غير مَوْجُود لَكَانَ عِنْدِي أثبت. وَيُقَوِّي هَذَا أَن الْفِعْل مَعَ دُخُول مَا هَذِه عَلَيْهِ تَجدهُ دَالا على مَا كَانَ يدل عَلَيْهِ قبل دُخُول هَذَا الْحَرْف من الْحَدث وَالزَّمَان فَحكمه أَن يَقْتَضِي الْفَاعِل وَلَا يَخْلُو مِنْهُ كَمَا لَا يخل مِنْهُ قبل. أَلا ترى أَن الِاسْم فِي حَال دُخُول هَذَا الْحَرْف إِيَّاه على مَا كَانَ

стр. 4939

عَلَيْهِ قبل من انتصابه بالظرف وتعلقه بِالْفِعْلِ. فَقَوله: (أعلاقة أم الْوَلِيد بَعْدَمَا ... أفنان رَأسك كالثغام المخلس) بعد منتصب بِمَا نصب بِهِ الْمصدر الَّذِي هُوَ علاقَة فَكَذَلِك يَنْبَغِي أَن يكون الْفِعْل على مَا كَانَ عَلَيْهِ قبل دُخُول هَذَا الْحَرْف من اقتضائه للْفَاعِل وَإِسْنَاده إِلَيْهِ. هَذَا كَلَامه. وَقَوله: وَلم نر فِي سَائِر كَلَامهم الْفِعْل بِلَا فَاعل يرد عَلَيْهِ زِيَادَة كَانَ فِي نَحْو: مَا كَانَ أحسن زيدا. - وَفِيه أَيْضا دُخُول فعل على فعل. فَقَوله: غير مَوْجُود مَمْنُوع. وَقَوله: وَيُقَوِّي هَذَا أَن الْفِعْل مَعَ دُخُول مَا هَذِه تَجدهُ دَالا إِلَى آخِره يرد عَلَيْهِ أَن الْحَرْف المكفوف وَقَوله: أَلا ترى أَن الِاسْم فِي حَال دُخُول هَذَا الْحَرْف إِيَّاه على مَا كَانَ عَلَيْهِ قبل انتصابه بالظرف وتعلقه بِالْفِعْلِ ... إِلَخ هَذَا يشْهد عَلَيْهِ لَا لَهُ فَإِن الْكَلَام فِي طلب الْمَعْمُول لَا فِي طلب الْعَامِل) والمعمول لبعد بِالْإِضَافَة مَفْقُود لوُجُود الْمَانِع وَهُوَ الْكَفّ. وَهَذَا هُوَ الْمُدعى. فَلَا يرد على سِيبَوَيْهٍ شَيْء مِمَّا ذكره. وَالله أعلم. وروى أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي: (صددت فأطولت الصدود وَلَا أرى ... وصالاً على طول الصدود يَدُوم) وَعَلِيهِ لَا شَاهد فِيهِ. وَالْبَيْت من أَبْيَات للمرار الفقعسي أوردهَا أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِي ضَالَّة الأديب وَفِي فرحة الأديب وَهِي: (صرمت وَلم تصرم وَأَنت صروم ... وَكَيف تصابى من يُقَال حَلِيم) (صددت فأطولت الصدود وقلما ... وصال على طول الصدود يَدُوم) (وَلَيْسَ الغواني للجفاء وَلَا الَّذِي ... لَهُ عَن تقاضي دينهن هموم) (ولنما يستنجز الْوَعْد تَابع ... هواهن حلاف لَهُنَّ أثيم) الصرم: الْقطع صرمه صرماً من بَاب ضرب وَالِاسْم الصرم بِالضَّمِّ. وَكَيف اسْتِفْهَام إنكاري. وتصابي: مصدر تصابى: تكلّف الصبوة وَهُوَ الْميل إِلَى الْجَهْل والفتوة. يُقَال: صبا يصبو والصدود كالإعراض. وأطولت كَانَ الْقيَاس فِيهِ أطلت لكنه جَاءَ مصححا على الأَصْل كاستحوذ. والغواني: جمع غانية الْجَارِيَة الَّتِي غنيت بزوجها وَقد تكون الَّتِي غنيت بحسنها وجمالها عَن الزِّينَة. والجفاء: خلاف الْبر وجفوته أجفوه إِذا أَعرَضت

стр. 4940

عَنهُ. والتقاضي والاقتضاء: طلب الدَّين بِفَتْح الدَّال. وهموم: جمع هم مُبْتَدأ وَله خبر مقدم. ويستنجز: يطْلب النجاز وَهُوَ الْوَفَاء. ويروى: مناهن بدل هواهن. قَالَ أَبُو مُحَمَّد: يَقُول: صرمت وَلم تصرم صرم بتات وَلَك صرم دلال. يُخَاطب نَفسه ويلومها على طول الصدود أَي: لَا يَدُوم وصال الغواني إِلَّا لمن يلازمهن ويخضع لَهُنَّ. وَفسّر ذَلِك بالبيتين بعدهمَا. انْتهى. وَلما كَانَ العاشق لَا يحصل مِنْهُ صرم وَإِنَّمَا الصرم يكون من المعشوق أجَاب بِأَنَّهُ صرم دلالاً. وَأجَاب غَيره بِأَنَّهُ صرم تجلد لَا إِعْرَاض. وَظن ابْن هِشَام أَن الْخطاب مَعَ الحبيبة لَا مَعَ النَّفس فَقَالَ فِي بعض تعاليقه: إِن الصَّوَاب فِي الْبَيْت أَن يُقَال: وقلما وداد عوض وصال وَإِن كَانَ سِيبَوَيْهٍ وَغَيره أوردهُ كَذَلِك. وَنَقله الدماميني عَنهُ فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة وَقَالَ: يَعْنِي أَن تسليط النَّفْي على دوَام الْوِصَال يَقْتَضِي) ودود أَصله وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ لَا وصال أصلا مَعَ الصدود طَال أَو لم يطلّ. انْتهى. وَلَا يخفى أَنه إِذا كَانَ خطابا مَعَ النَّفس فَلَا يرد هَذَا إِذْ من الْجَائِز أَن يبْقى الْوِصَال من المحبوبة مَعَ صدود الْمُحب. وَلما لم يقف الدماميني على الأبيات ظَنّه وارداً فَأجَاب عَنهُ بقوله: قد يُقَال عبر بالوصال عَن إِرَادَته وتوقعه أَو على حذف مُضَاف للقرينة فَإِن الْمُحب قد ييأس من الْوَصْل بطول الصدود واستمرار الْإِعْرَاض فَيَنْقَطِع رجاؤه مِنْهُ وتوقعه لَهُ فَيكون ذَلِك سَببا لسلوه وَعدم إِرَادَته للوصال. وَكَثِيرًا مَا يَقع ذَلِك لبَعض النَّاس. انْتهى.

стр. 4941

وَأجَاب غَيره أَيْضا بِأَنَّهُ إِن أَرَادَ لَا وصال مَعَ الصدود فِي زَمَنه فَمُسلم لَكِن من أَيْن أَن ذَلِك مُرَاد الشَّاعِر. وَإِن أُرِيد أَنه لَا وصال مِنْهُ مُطلقًا فَمَمْنُوع لجَوَاز تقدم الْوِصَال على الصدود أَو تَأَخره عَنهُ. هَذَا كَلَامه. وَلَو وقفُوا على الأبيات لما فتحُوا بَاب الْإِيرَاد وَالْجَوَاب. وترجمة المرار الفقعسي تقدّمت فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالتسْعين بعد الْمِائَتَيْنِ. وَأنْشد بعده: يجرح فِي عراقيبها نصلي هُوَ قِطْعَة من بَيت وَهُوَ: فَاعل تعتذر ضمير الْإِبِل. وَالْمحل: انْقِطَاع الْمَطَر ويبس الأَرْض. وَالْمرَاد بِذِي ضروعها: اللَّبن. والنصل: حَدِيدَة السَّيْف. وَمعنى اعتذارها للضيف أَن لَا يرى فِي ضروعها لبن. - يُرِيد إِن عدم لَبنهَا عرقبتها بِالسَّيْفِ وأطعمت لَحمهَا للضيوف بدل لَبنهَا. وَتقدم شَرحه فِي الشَّاهِد الثَّالِث بعد الْمِائَة.

стр. 4942

(الْحُرُوف المشبهة بِالْفِعْلِ) أنْشد فِيهَا (الشَّاهِد الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ بعد الثَّمَانمِائَة) وَهُوَ من شَوَاهِد س: يَا لَيْت أَيَّام الصِّبَا رواجعا على أَن الْفراء اسْتشْهد بِهِ على نصب الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر ب لَيْت. وَقدر الْكسَائي رواجع خَبرا لَكَانَ المحذوفة لِأَن كَانَ تسْتَعْمل كثيرا هُنَا قَالَ تَعَالَى: يَا ليتها كَانَت القاضية وَقَالَ تَعَالَى: يَا لَيْتَني كنت مَعَهم وَقَالَ الشَّاعِر: يَا ليتها كَانَت لأهلي إبِلا وَقد بَين الشَّارِح الْمُحَقق ضعفه. وَمثله فِي مُغنِي اللبيب وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن تقدم إِن وَلَو الشرطيتين شَرط لِكَثْرَة حذف كَانَ مَعَ اسْمهَا وَبَقَاء خَبَرهَا. وَلَا مَحْذُور فِي كَون الْبَيْت من الْقَلِيل. والبصريون يقدرُونَ خبر لَيْت محذوفاً ورواجع: حَال من ضَمِيره وَالتَّقْدِير: يَا لَيْت لنا أَيَّام الصِّبَا رواجع وَيَا ليتها أَقبلت رواجع. قَالَ سيبيويه فِي

стр. 4943

بَاب مَا يحسن عَلَيْهِ السُّكُوت فِي هَذِه الأحرف الْخَمْسَة يَعْنِي إِن وَأَخَوَاتهَا نَحْو: إِن مَالا وَإِن ولدا. إِلَى أَن قَالَ: وَمثل ذَلِك قَول الشَّاعِر: يَا لَيْت أَيَّام الصِّبَا رواجعا فَهَذَا كَقَوْلِك: أَلا مَاء بَارِدًا كَأَنَّهُ قَالَ: أَلا مَاء لنا بَارِدًا. وَكَأَنَّهُ قَالَ: يَا لَيْت لنا أَيَّام الصِّبَا رواجع أَي: يَا لَيْت أَيَّام الصِّبَا أَقبلت رواجع. انْتهى. وَقَالَ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف: الْمَشْهُور رفع أَخْبَار هَذِه الْحُرُوف. وَذهب ابْن سَلام فِي طَبَقَات الشُّعَرَاء وَجَمَاعَة من الْمُتَأَخِّرين إِلَى جوَار نَصبه وَالْكسَائِيّ إِلَى جَوَازه فِي لَيْت. وَكَذَا فِي نقل عَن الْفراء وَعنهُ أَيْضا فِي لَيْت وَكَأن وَلَعَلَّ. وَزعم ابْن سَلام أَنَّهَا لُغَة رؤبة وَقَومه وَحكي عَن تَمِيم أَنهم ينصبون بلعل وَسمع ذَلِك فِي خبر غن وَكَأن وَلَعَلَّ وَكثر فِي خبر لَيْت قَالَ ابْن المعتز: (مرت بِنَا سحرًا طير فَقلت لَهَا ... طوباك يَا لَيْتَني إياك طوباك)) وَلم يحفظ فِي خبر أَن وَلَا فِي خبر لَكِن. انْتهى. - قَالَ ابْن هِشَام: وَيصِح بَيت ابْن المعتز على إنابة ضمير النصب عَن ضمير الرّفْع. انْتهى. وَزعم أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات أَن نصب الجزأين بليت لُغَة بني تَمِيم. قَالَ عِنْد ذكر أَسمَاء الْقوس وَأورد مثلا من أمثالهم مَا هَذَا نَصه: وَزعم أَبُو زِيَاد أَن يَد الْقوس السية الْيُمْنَى. قَالَ: واليمنى مَا يكون عَن يَمِينك

стр. 4944

حِين تقبض عَلَيْهَا وَتَرْمِي ورجلها عَن يسارك حِين ترمي. وَقَالَ: رجل الْقوس أتم من يَدهَا. قَالَ: وَمن أَمْثَال الْعَرَب: لَيْت الْقيَاس كلهَا أرجلاً. كَذَا قَالَهَا نصبا وَهِي لُغَة لبني تَمِيم. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: أرجل القسي إِذا أوترت: أعاليها وأيديها: أسافلها وأرجلها أَشد من أيديها. وَأنْشد: لَيْت القسي كلهَا من أرجل وَالْقَوْل مَا قَالَ أَبُو زِيَاد. انْتهى. وَظهر من كَلَام ابْن الْأَعرَابِي أَن الْمثل الْمَذْكُور بَيت وَأَن خبر لَيْت فِيهِ الْجَار وَالْمَجْرُور لَا كَمَا وَالْبَيْت الشَّاهِد من الأبيات الْخمسين الَّتِي مَا عرف قائلوها. وَالله أعلم. وَبَيت ابْن المعتز من أَبْيَات قَالَهَا حِين مَا سلم لمؤنس للْقَتْل وَهِي: (يَا نفس صبرا لَعَلَّ الْخَيْر عقباك ... خانتك من بعد طول الْأَمْن دنياك) (مرت بِنَا سحرًا طير فَقلت لَهَا ... طوباك يَا لَيْتَني إياك طوباك) (إِن كَانَ قصدك شوقاً بِالسَّلَامِ على ... شاطي الْفُرَات ابلغي إِن كَانَ مثواك) (من موثق بالمنايا لَا فكاك لَهُ ... يبكي الدِّمَاء على إلْف لَهُ باكي)

стр. 4945

إِلَى أَن قَالَ: (أَظُنهُ آخر الْأَيَّام من عمري ... وأوشك الْيَوْم أَن يبكي لَهُ الباكي) وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ بعد الثَّمَانمِائَة) (كَأَن أُذُنَيْهِ إِذا تشوفا ... قادمةً أَو قَلما محرفا) على أَن أَصْحَاب الْفراء جوزوا نصب الجزأين بالخمسة الْبَاقِيَة أَيْضا وَمِنْهَا كَأَن وَقد نصب الشَّاعِر بهَا الجزأين: الأول أُذُنَيْهِ وَالثَّانِي قادمة. - فَإِن قلت: كَيفَ أخبر عَن الِاثْنَيْنِ بِالْوَاحِدِ قلت: إِن العضوين المشتركين فِي فعل وَاحِد مَعَ اتِّفَاقهمَا فِي التَّسْمِيَة يجوز إِفْرَاد خبرهما لِأَن حكمهمَا وَاحِد. وَقد ذَكرْنَاهُ مفصلا فِي بَاب الْمثنى. وَقد أُجِيب عَن نصب الْخَبَر بأجوبة: أَحدهَا: مَا قَالَه الشَّارِح الْمُحَقق أَنه لحن وَقد خطئَ قَائِله وَقت إنشاده وَأصْلح لَهُ بِمَا ذكر. قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: حدثت أَن الْعمانِي الراجز أنْشد الرشيد فِي صفة فرس: (كَأَن أُذُنَيْهِ إِذا تشوفا ... قادمةً أَو قَلما محرفا)

стр. 4946

فَعلم الْقَوْم كلهم أَنه قد لحن وَلم يهتد أحد مِنْهُم لإِصْلَاح الْبَيْت إِلَّا الرشيد فَإِنَّهُ قَالَ لَهُ: قل: تخال أُذُنَيْهِ إِذا تشوفا والراجز وَإِن كَانَ قد لحن فقد أحسن التَّشْبِيه. انْتهى. وَكَذَا نقل ابْن عبد ربه فِي العقد الفريد وَكَذَا روى الصولي فِي كتاب الأوراق عَن الطّيب بن مُحَمَّد الْبَاهِلِيّ عَن مُوسَى بن سعيد بن مُسلم أَنه قَالَ: كَانَ أبي يَقُول: كَانَ فهم الرشيد فهم الْعلمَاء أنْشدهُ الْعمانِي فِي صفة فرس: كَأَن أُذُنَيْهِ الْبَيْت فَقَالَ لَهُ: دع كَأَن وَقل: تخال أُذُنَيْهِ حَتَّى يَسْتَوِي الشّعْر. وَقَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: وَقيل أَخطَأ قَائِله وَقد أنْشدهُ بِحَضْرَة الرشيد فلحنه أَبُو عَمْرو والأصمعي. وَهَذَا وهم فَإِن أَبَا عَمْرو توفّي قبل الرشيد. وَتعقبه شراحه بِأَن هَذَا لَا يصلح تعليلاً للوهم فَإِن سبق وَفَاة أبي عَمْرو الرشيد لَا يُنَافِي حُضُور مَجْلِسه وَلَو غير خَليفَة إِلَّا أَن يُرَاد وَهُوَ خَليفَة لِأَن أَبَا عَمْرو توفّي سنة أَربع وَخمسين وَمِائَة والرشيد إِنَّمَا ولي الْخلَافَة سنة سبعين وَمِائَة.

стр. 4947

وَاعْترض ابْن السَّيِّد البطليوسي فِي حَاشِيَة الْكَامِل على الْمبرد بِأَن هَذَا لَا يعد لحناً لِأَنَّهُ قد حُكيَ أَن من الْعَرَب من ينصب خبر كَأَن ويشبهها بظننت. وعَلى هَذَا أنْشد قَول ذِي الرمة:) (كَأَن جلودهن مموهات ... على أبشارها ذَهَبا زلالا) وَعَلِيهِ قَول النَّابِغَة الذبياني: (كَأَن التَّاج معصوباً عَلَيْهِ ... لأذواد أصبن بِذِي أبان) فِي أحد التَّأْويلَيْنِ. انْتهى. وَيمْنَع الأول بِجعْل مموهات حَالا من جلودهن لِأَنَّهُ مفعول فِي الْمَعْنى وَالْخَبَر هُوَ قَوْله: على أبشارها. وَالرِّوَايَة مموهات على الخبرية. يصف النِّسَاء. والمموهات: المطليات. والأبشار: جمع بشرة وَهِي ظَاهر الْجلد. وذهباً: الْمَفْعُول الثَّانِي لمموهات. يُقَال: موهه ذَهَبا. وَيمْنَع الثَّانِي أَيْضا بِجعْل عَلَيْهِ هُوَ الْخَبَر ومعصوباً حَالا من التَّاج. وَذُو أبان: مَوضِع. يُرِيد أَنه أغار على قوم فَأخذ مِنْهُم أذواد إبل فيظن نَفسه ملكا. يهزأ بِهِ. وَالْجَوَاب الثَّانِي أَن خبر كَأَن مَحْذُوف وقادمة مَفْعُوله وَالتَّقْدِير: يحكيان قادمة. وَالثَّالِث: أَن الرِّوَايَة: قادمتا أَو قَلما محرفا بألفات من غير تَنْوِين على أَن الأَصْل قادمتان وقلمان محرفان فحذفت النُّون لضَرُورَة الشّعْر. وَعَلِيهِ اقْتصر ابْن عُصْفُور فِي كتاب الضرائر وَقَالَ: هَكَذَا أنْشدهُ الْكُوفِيُّونَ ونظروا بِهِ قَول أبي حناء: قد سَالم الْحَيَّات مِنْهُ القدما بِنصب الْحَيَّات وَحذف النُّون من القدمان. وَالرَّابِع: أَن الرِّوَايَة:

стр. 4948

تخال أُذُنَيْهِ لَا: كَأَن أُذُنَيْهِ. حكى هَذِه الْأَجْوِبَة ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي. وَالْعَامِل فِي إِذا مَا فِي كَأَن من معنى التَّشْبِيه. وتشوف: تطلع. وَالْمرَاد نصب الْأذن للاستماع. وَيجوز أَن تكون ضمير الْأُذُنَيْنِ وَأَن تكون للإطلاق. والقادمة: إِحْدَى قوادم الطير وَهِي مقاديم ريشه فِي كل جنَاح عشرَة. والقلم: آلَة الْكِتَابَة. والمحرف: المقطوط لَا على جِهَة الاسْتوَاء بل يكون الشق الوحشي أطول من الشق الْإِنْسِي. وَهَذَا الْمَعْنى أَصله لعدي بن زيد الْعَبَّادِيّ وَهُوَ: (يخْرجن من مستطير النَّقْع داميةً ... كَأَن آذانها أَطْرَاف أَقْلَام) والعماني من مخضرمي الدولتين عَاشَ مائَة وَثَلَاثِينَ سنة. قَالَ ابْن قُتَيْبَة

стр. 4949

فِي كتاب الشُّعَرَاء:) الْعمانِي الْفُقيْمِي: هُوَ مُحَمَّد بن ذُؤَيْب وَلم يكن من أهل عمان وَلَكِن نظر إِلَيْهِ دُكَيْن الراجز فَقَالَ: من هَذَا الْعمانِي. وَذَلِكَ أَنه كَانَ مصفراً مطحولاً وَكَذَلِكَ أهل عمان. وَقَالَ الشَّاعِر: (وَمن يسكن الْبَحْرين يعظم طحاله ... ويغبط بِمَا فِي بَطْنه وَهُوَ جَائِع) وَدخل على الرشيد لينشده وَعَلِيهِ قلنسوة وخف ساذج فَقَالَ: إياك وَأَن تدخل إِلَيّ إِلَّا وَعَلَيْك خفان دمالقان وعمامة عَظِيمَة الكور. فَدخل عَلَيْهِ وَقد تزيا بزِي الْأَعْرَاب فأنشده وَقبل يَده وَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد وَالله أنشدت مَرْوَان وَرَأَيْت وَجهه وَقبلت يَده وَأخذت جائزته. ثمَّ يزِيد بن الْوَلِيد وَإِبْرَاهِيم بن الْوَلِيد ثمَّ السفاح ثمَّ الْمَنْصُور ثمَّ الْمهْدي كل هَؤُلَاءِ رَأَيْت وجههم وَقبلت أَيْديهم وَأخذت جوائزهم لَا وَالله مَا رَأَيْت فيهم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أندى كفا وَلَا أبهى منْظرًا وَلَا أحسن وَجها مِنْك. فأجزل لَهُ الرشيد الْجَائِزَة وأضعفها لَهُ على كَلَامه وَأَقْبل عَلَيْهِ فبسطه حَتَّى تمنى جَمِيع من حضر أَنه قَامَ ذَلِك الْمقَام. انْتهى. وَزعم ابْن الملا فِي شرح الْمُغنِي أَن الْعمانِي كنيته أَبُو نخيلة. وَهُوَ خلاف الْوَاقِع بل هما راجزان.

стр. 4950

وعمان بِضَم الْعين وَتَخْفِيف الْمِيم: بلد على شاطئ الْبَحْرين بَين الْبَصْرَة وعدن وَإِلَيْهِ يُضَاف الأزد فَيُقَال: أَزْد عمان. كَذَا بِخَط مغلطاي على هَامِش مُعْجم مَا استعجم للبكري. وَقَالَ الْبكْرِيّ: عمان: مَدِينَة مَعْرُوفَة إِلَيْهَا ينْسب الْعمانِي الراجز سميت بعمان بن سِنَان بن إِبْرَاهِيم ﵇ كَانَ أول من اختطها ذكر ذَلِك الشَّرْقِي بن الْقطَامِي. وَأما عمان بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْمِيم فَهِيَ قَرْيَة من عمل دمشق سميت بعمان بن لوط ﵇. انْتهى. ٣ - (تَتِمَّة) قَول الشَّارِح الْمُحَقق: وَيجوز عِنْد بعض أَصْحَاب الْفراء نصب الجزأين بالخمسة الْبَاقِيَة أَيْضا تقدم عَن أبي حَيَّان أَنه لم يرد نصب خبر أَن الْمَفْتُوحَة الْهمزَة وَخبر لَكِن فالوارد عِنْدهم إِنَّمَا هُوَ فِي أَرْبَعَة مِنْهَا: فِي لَيْت وَفِي كَأَن وتقدما. الثَّالِث: إِن الْمَكْسُورَة. وأنشدوا: وَخرج على حذف الْخَبَر وَنصب أسداً على الحالية أَي: تلقاهم أسداً. وَأما الحَدِيث فقد أوردهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي كَذَا: إِن قَعْر جَهَنَّم سبعين خَرِيفًا بِلَا لَام وَقَالَ:) خرج الحَدِيث على أَن القعر مصدر قعرت الْبِئْر إِذا بلغت قعرها. وَسبعين: ظرف أَي: إِن بُلُوغ قعرها يكون فِي سبعين عَاما. وَهَذَا التَّخْرِيج وَالرِّوَايَة غير مَا ذكره الشَّارِح.

стр. 4951

وَالرَّابِع: لَعَلَّ. قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: قَالَ بعض أَصْحَاب الْفراء: وَقد تنصبهما. وَزعم يُونُس أَن ذَلِك لُغَة لبَعض الْعَرَب وَحكى لَعَلَّ أَبَاك مُنْطَلقًا وتأويله عندنَا على إِضْمَار يُوجد وَعند الْكسَائي على إِضْمَار يكون. انْتهى. وَذَاكَ الحَدِيث هُوَ كَلَام أبي هُرَيْرَة لَا من كَلَام النَّبِي ﷺ َ والمروي: لسَبْعين بِاللَّامِ. والْحَدِيث رَوَاهُ مُسلم فِي أَحَادِيث الشَّفَاعَة فِي أَوَاخِر كتاب الْإِيمَان من أول صَحِيحه عَن أبي هُرَيْرَة وَحُذَيْفَة قَالَا: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: يجمع الله ﵎ النَّاس فَيقوم الْمُؤْمِنُونَ حَتَّى تزلف لَهُم الْجنَّة فَيَأْتُونَ آدم فَيَقُولُونَ: يَا أَبَانَا استفتح لنا الْجنَّة. فَيَقُول: وَهل أخرجكم من الْجنَّة إِلَّا خَطِيئَة أبيكم آدم. - وَذكر الحَدِيث بِطُولِهِ وَآخره: وَالَّذِي نفس أبي هُرَيْرَة بِيَدِهِ إِن قَعْر جَهَنَّم لسبعون خَرِيفًا. قَالَ النَّوَوِيّ: وَقع فِي بعض الْأُصُول لسبعون بِالْوَاو وَهُوَ ظَاهر وَفِيه حذف تَقْدِيره: إِن مَسَافَة قَعْر جَهَنَّم سير سبعين سنة. وَوَقع فِي مُعظم الْأُصُول وَالرِّوَايَات: لسَبْعين بِالْيَاءِ وَهُوَ صَحِيح أَيْضا إِمَّا على مَذْهَب من يحذف الْمُضَاف ويبقي الْمُضَاف إِلَيْهِ على جَرّه فَيكون التَّقْدِير: سير سبعين. وَإِمَّا على أَن قَعْر جَهَنَّم مصدر يُقَال: قعرت الشَّيْء إِذا بلغت قَعْره وَيكون سبعين ظرف زمَان وَفِيه خبر غن وَالتَّقْدِير: إِن بُلُوغ قَعْر جَهَنَّم لكائن فِي سبعين خَرِيفًا. انْتهى. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الأجود رفع لسبعون على الْخَبَر وَبَعْضهمْ يرويهِ: لسَبْعين يتَأَوَّل فِيهِ الظّرْف. وَفِيه بعد. انْتهى.

стр. 4952

وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الثَّالِث وَالْأَرْبَعُونَ بعد الثمانمانة) (يَا لَيْت أَنِّي وسبيعاً فِي غنم ... والخرج مِنْهَا فَوق كراز أجم) على أَن أَن مَعَ اسْمهَا وخبرها مغنية عَن المعمولين وَهَذَا مِمَّا انْفَرَدت بِهِ لَيْت. قَالَ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف: وَلَا يجوز دُخُول لَعَلَّ على أَن فَتَقول: لَعَلَّ أَن زيدا قَائِم وَلَا كَأَن فَتَقول: كَأَن أَنَّك ذَاهِب وَلَا لَكِن فَتَقول: لَكِن أَنَّك منطلق خلافًا للأخفش فِي هَذِه الثَّلَاثَة. وَلَا دُخُول إِن على أَن فَتَقول: إِن أَن زيدا منطلق حق وَإِن أَنَّك قَائِم يُعجبنِي. خلافًا للفراء وَهِشَام. وَمذهب سِيبَوَيْهٍ أَنه لايجوز شَيْء من هَذَا إِلَّا بفصل أَخْبَار بَينهَا وَبَين أَن إِلَّا مَا جَاءَ فِي لَيْت. فَتَقول: إِن عِنْدِي أَنَّك فَاضل وَكَأن فِي نَفسك أَنَّك عَالم وَكَذَا مَا قبلهَا. انْتهى. وَقَالَ ابْن الخباز فِي النِّهَايَة: يجوز إِدْخَال إِن وَأَن على أَن المصدرية من غير فعل نَحْو: إِن أَن تَزُورنَا خير لَك وَعلمت أَن أَن تطيع الله خير لَك. انْتهى. وَاعْلَم أَنه قد تزاد الْبَاء فِي أَن بعد لَيْت نَحْو قَوْله: فليت بِأَنَّهُ فِي جَوف عكم كَمَا نبه عَلَيْهِ الشَّارِح الْمُحَقق فِي خبر مَا وَلَا وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالسبْعين بعد الْمِائَتَيْنِ.

стр. 4953

وَالْبَيْت أنْشدهُ ابْن السّكيت فِي إصْلَاح الْمنطق قَالَ فِيهِ: يُقَال: جعل مَتَاعه فِي خرجه وكرزه والكرز والخرج سَوَاء. وَيُقَال للكبش الَّذِي يحمل خرج الرَّاعِي: كراز. قَالَ الراجز: يَا لَيْت أَنِّي وسبيعاً إِلَخ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الكرز: الجوالق الصَّغِير وَإِنَّمَا سمي الْكَبْش كرازاً لِأَنَّهُ يحمل خرج الرَّاعِي بزاده وبأداة كنفه وحجارته وزناده. وَقَوله: إِن الخرج والكرز وَاحِد هُوَ الصَّحِيح لِأَن الْكَبْش لَا يحمل الجوالق إِنَّمَا يحمل الخرج. وَقَوله: يَا لَيْت أَنِّي الْبَيْت يَقُول: يَا لَيْتَني وَهَذَا الرجل فِي غنم نسوقها وَقد علقت على كَبْش مِنْهَا خرجا فِيهِ زادي. انْتهى. وَقَالَ شَارِح أبياته يُوسُف بن السيرافي: الأجم بِالْجِيم: الَّذِي لَا قرن لَهُ. وَإِنَّمَا تمنى أَن) يكون الخرج على كَبْش أجم لِأَنَّهُ لَا يَنْطَح وَلَا يُؤْذِي. وسبيع: اسْم رجل. يجوز أَن يكون ابْنه أَو صَاحبه. انْتهى. وَأوردهُ الْجَوْهَرِي فِي موضِعين من الصِّحَاح أَولهمَا فِي كرز قَالَ فِيهِ: ابْن السّكيت: الكرز: الخرج. قَالَ: وَالْجمع الكرزة مثل جُحر وجحرة. والكراز: الْكَبْش الَّذِي يحمل كرز الرَّاعِي وَلَا يكون إِلَّا أجم لِأَن الأقرن يشْتَغل بالنطاح. وَأنْشد: يَا لَيْت أَنِّي وسبيعاً إِلَخ وَلم يكْتب ابْن بري فِي حَاشِيَته عَلَيْهِ هُنَا شَيْئا. وَكَذَلِكَ الصَّفَدِي. وحذا حذوه الصَّاغَانِي فِي الْعباب وَلم أر مِنْهُم من ذكر قَائِله. - وَقَوله: والخرج: مُبْتَدأ وَفَوق: ظرف خَبره وَمِنْه حَال من الضَّمِير الْمُسْتَتر فِي أجم.

стр. 4954

وَأنْشد بعده: جاؤوا بمذق هَل رَأَيْت الذِّئْب قطّ على أَن جملَة هَل رَأَيْت ... إِلَخ فِي مَوضِع الصّفة لمذق بِتَأْوِيل وَهُوَ أَن تكون محكية بقول مَحْذُوف هُوَ الْوَصْف وَالتَّقْدِير: جاؤوا بمذق مقول فِيهِ: هَل رَأَيْت إِلَخ. وَتقدم شَرحه فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالتسْعين. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الرَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ بعد الثَّمَانمِائَة) (وَلَو أَرَادَت لقالت وَهِي صَادِقَة ... إِن الرياضة لَا تنصبك للشيب) على أَن الْجُمْلَة الطلبية يجوز أَن تقع خَبرا ل إِن كَمَا هُنَا فَإِن جملَة النَّهْي وَهِي جملَة: لَا تنصبك خبر إِن. وَكَذَا قَالَ أَبُو عَليّ فِي كتاب الشّعْر وَأنْشد هَذَا الْبَيْت: وَفِي الارتشاف: وَفِي دُخُول إِن على مَا خَبره نهي خلاف صحّح ابْن عُصْفُور جَوَازه فِي شَرحه الصَّغِير للجمل وَتَأَول ذَلِك فِي شَرحه الْكَبِير فِي قَوْله: إِن الرياضة لَا تنصبك للشيب

стр. 4955

وعَلى الْمَنْع نُصُوص شُيُوخنَا. وَقَالَ فِي شَرحه الصَّغِير لكتاب الْجمل: أما الْجُمْلَة غير المحتملة للصدق وَالْكذب فَفِي وُقُوعهَا خَبرا لهَذِهِ الْحُرُوف خلاف وَالصَّحِيح أَنَّهَا تقع فِي مَوضِع خَبَرهَا. انْتهى. فَأطلق. وَلَا يَصح أَن يكون فِي لَيْت وَلَعَلَّ وَلَا كَأَن. وَإِن ألحق لَكِن بإن فَيمكن. انْتهى. وَكَانَ عَلَيْهِ أَن يضم إِلَى هَذِه الثَّلَاثَة أَن الْمَفْتُوحَة الْهمزَة كَمَا بَينه الشَّارِح الْمُحَقق. فَظهر أَن وُقُوع الطلبية فِي إِن الْمَكْسُورَة فِيهِ خلاف: مِنْهُم من أجَاز وَمِنْهُم من منع. - وَلم يصب ابْن هِشَام فِي النَّقْل عَن النَّحْوِيين أَنهم منعُوا وُقُوع الطلبية خَبرا لَهَا وأضمر القَوْل فِي قَوْله: (إِن الَّذين قتلتم أمس سيدهم ... لَا تحسبوا ليلهم عَن ليلكم نَامَا) وَقَول الآخر: (إِنِّي إِذا مَا الْقَوْم كَانُوا أنجيه ... واضطرب الْقَوْم اضْطِرَاب الأرشيه) وَالْبَيْت من قصيدة عدتهَا اثْنَا عشر بَيْتا للجميح الْأَسدي ذكر فِيهَا نشوز امْرَأَته لقلَّة مَاله أوردهَا الْمفضل الضَّبِّيّ فِي المفضليات وأولها: (أمست أُمَامَة صمتا مَا تكلمنا ... مَجْنُونَة أم أحست أهل خروب) (مرت بِرَاكِب ملهوز فَقَالَ لَهَا ... ضري الجميح ومسيه بتعذيب) (وَلَو أَصَابَت لقالت وَهِي صَادِقَة ... إِن الرياضة لَا تنصبك للشيب)

стр. 4956

أُمَامَة: زوج الجميح. وصمتاً: مصدر وَقع حَالا. وَأهل خروب بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء: قَومهَا.) قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي شَرحه: يَقُول: مَا لَهَا أمست صامتة أَي: سَاكِنة لَا تكلمنا أخالطها جُنُون أم لقِيت أهل خروب وهم قَومهَا فأفسدوها فَغضِبت. وَقَوله: مرت بِرَاكِب ... إِلَخ يَقُول: مرت بِرَاكِب جمل ملهوز فأفسدها على زَوجهَا. والملهوز: الموسوم فِي أصل لحييْهِ أَي: أمرهَا بمضارة زَوجهَا ليُطَلِّقهَا فيتزوجها. قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: ملهوز: مَوْسُوم بِغَيْر ميسمه. يَقُول: مرت بِرَجُل من أعدائه وَمن ميسمه غير ميسمي فَأمرهَا بمضارتي. وَيُقَال: مرت بِرَجُل من قَومهَا فأفسدها عَلَيْهِ ليتزوجها. وضري بِضَم الضَّاد: أَمر بالضر. ومسيه بِفَتْح الْمِيم أَي: أوصلي إِلَيْهِ الْعَذَاب. فِي الْمِصْبَاح: مَسسْته من بَاب تَعب وَفِي لُغَة مَسسْته مساً من بَاب قتل: أفضيت إِلَيْهِ من غير حَائِل. هَكَذَا قيدوه. وَقَوله: وَلَو أَرَادَت لقالت رِوَايَة ابْن الْأَنْبَارِي: وَلَو أَصَابَت لقالت. والرياضة: تَهْذِيب الْأَخْلَاق النفسية. وتنصبك: مضارع أنصبه إنصاباً أَي: أتعبه متعدي نصب نصبا من بَاب فَرح إِذا تَعب وأعيا. وللشيب مُتَعَلق برياضة وَهُوَ جمع أشيب. - فِي الْمِصْبَاح: شَاب يشيب شيباً وَشَيْبَة وَالرجل أشيب على غير قِيَاس وَالْجمع شيب. وَلَا يُقَال: امْرَأَة شيباء وَإِن قيل: شَاب رَأسهَا. والمشيب: الدُّخُول فِي حد الشيب. وَقد يسْتَعْمل المشيب بِمَعْنى الشيب وَهُوَ ابيضاض الشّعْر المسود. قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: يَقُول: أَنا شيخ مجرب

стр. 4957

لَا أحفل بمضارتها لعلمي بإرادتها. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: قَوْله: لَا تنصبك للشيب نَهَاهُ عَن رياضة المسان. يَقُول: وَلَو أَصَابَت الصَّوَاب ووفقت لَهُ لقالت للرجل الَّذِي أمرهَا بمضارتي: لَا جعلك الله مِمَّن ينصب برياضة المسان فَإِن رياضتك إيَّاهُم عناء عَلَيْك وتعب لَا يجدي عَلَيْك شَيْئا لأَنهم قد يئسوا عَن ذَلِك وجربوا فَلَا يسمعُونَ مَا يؤمرون بِهِ لما مَعَهم من التجربة. وَهَذَا دُعَاء فِي صُورَة النَّهْي. قَالَ بعض الْمُحدثين: (كبر الْكَبِير عَن الْأَدَب ... أدب الْكَبِير من التَّعَب)) والجميح بِضَم الْجِيم وَفتح الْمِيم مصغر قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: هُوَ لقب واسْمه منقذ بن الطماح بن قيس بن طريف بن عَمْرو بن قعين بن طريف بن الْحَارِث بن ثَعْلَبَة بن دودان بن أَسد بن خُزَيْمَة بن مدركة بن إلْيَاس بن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان. قَالَ أَحْمد: والطماح بن منقذ هُوَ صَاحب امْرِئ الْقَيْس الَّذِي دخل مَعَه بِلَاد الرّوم ووشى بِهِ إِلَى قَيْصر فَصَارَ سَببا لهلاكه. وإياه عَنى امْرُؤ الْقَيْس بقوله: (لقد طمح الطماح من بعد أرضه ... ليلبسني من دائه مَا تلبسا) انْتهى. - وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي شرح أمالي القالي: الجميح لقبه واسْمه منقذ بن الطماح بن قيس الْأَسدي. وَهُوَ فَارس شَاعِر جاهلي قتل يَوْم جبلة. انْتهى. إِن الَّذين قتلتم أمس سيدهم إِلَخ

стр. 4958

لم يعرفهُ شرَّاح الْمُغنِي. وَقد أوردهُ أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِي ضَالَّة الأديب من جملَة أَبْيَات. قَالَ: خرج غُلَام من بني سعد بن ثَعْلَبَة وَغُلَام من بني مَالك بن مَالك فِي إبل لَهما وَمَعَ السَّعْدِيّ سيف لَهُ فَقَالَ الْمَالِكِي: وَالله مَا فِي سَيْفك هَذَا خير لَو ضربت بِهِ عنقِي مَا قطعه. قَالَ: فَمد عُنُقك. فَفعل فَضرب السَّعْدِيّ عُنُقه فَقَطعه. فَخرجت بَنو مَالك بن مَالك وَأخذُوا السَّعْدِيّ فَقَتَلُوهُ فاحتربت بَنو سعد بن ثَعْلَبَة وَبَنُو مَالك بن مَالك فمشت السفراء بَينهم فَقَالَت بَنو يعد بن ثَعْلَبَة: لَا نرضى حَتَّى نعطى مائَة من صاحبنا وتعطى بَنو مَالك سبعين. فَغَضب لَهُم بَنو سعد بن مَالك فَقَالَ أَبُو مكعت أَخُو بني سعد بن مَالك: (إِن الَّذين قتلتم أمس سيدهم ... لَا تحسبوا ليلهم عَن ليلكم نَامَا) (من يولهم صَالحا نمسك بجانبه ... وَمن يضمهم فإيانا إِذن ضاما) (أَدّوا الَّذِي نقضت سبعين من مائَة ... أَو ابْعَثُوا حكما بِالْحَقِّ علاما) أَي: أدونا مائَة كَامِلَة فَإِذا وضعت سبعين من مائَة بقيت ثَلَاثُونَ فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَدّوا الدِّيَة الَّتِي التزمتم مِنْهَا سبعين من مائَة. (أبلغ بني مَالك عني مغلغلةً ... أَن السنان إِذا مَا أكره اعتاما)) وَأَبُو مكعت هُوَ الَّذِي كَانَ يحيض فِي الْجَاهِلِيَّة. انْتهى.

стр. 4959

وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الْخَامِس وَالْأَرْبَعُونَ بعد الثَّمَانمِائَة) وَهُوَ من شَوَاهِد س: (قَالَت أَلا ليتما هَذَا الْحمام لنا ... إِلَى حمامتنا أَو نصفه فقد) على أَن لَيْت إِذا اتَّصل بهَا مَا جَازَ أَن تعْمل وَأَن تلغى. وَقد رُوِيَ هَذَا الْبَيْت بِالْوَجْهَيْنِ والإلغاء أَكثر. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَأما ليتما زيدا منطلق فَإِن الإلغاء فِيهِ حسن وَقد كَانَ رؤبة بن العجاج ينشد هَذَا الْبَيْت رفعا وَهُوَ قَول النَّابِغَة الذبياني: أَلا ليتما هَذَا الْحمام الْبَيْت فرفعه على وَجْهَيْن: على أَن يكون بِمَنْزِلَة قَول من قَالَ مثلا مَا بعوضة أَو يكون بِمَنْزِلَة قَوْله: إِنَّمَا زيد منطلق. وَأما لعلما فَهُوَ بِمَنْزِلَة كَأَنَّمَا. قَالَ الشَّاعِر: وَقَالَ الْخَلِيل: إِنَّمَا لَا تعْمل فِيمَا بعْدهَا كَمَا أَن أرى إِذا كَانَت لَغوا لم تعْمل فَجعلُوا هَذَا نظيرها من الْفِعْل كَمَا كَانَ نَظِير إِن من الْفِعْل مَا يعْمل. وَنَظِير إِنَّمَا قَول الشَّاعِر: (أعلاقةً أم الْوَلِيد بَعْدَمَا ... أفنان رَأسك كالثغام المخلس)

стр. 4960

جعل بعد مَعَ مَا بِمَنْزِلَة حرف وَاحِد وابتدأ مَا بعده. انْتهى. وَنقل ابْن الشجري هَذَا الْكَلَام وَقَالَ: سِيبَوَيْهٍ وَغَيره من النَّحْوِيين يرَوْنَ إِلْغَاء مَا فِي ليتما حسنا فيرجحون النصب فِي ليتما زيدا منطلق ويجيزون أَن تكون كَافَّة. وتشبيهه لَهَا بأرى يدل على أَنَّهَا رُبمَا أعملت لِأَن أرى لَيست تلغى على كل حَال وتشبيهه إِنَّمَا ببعدما مَانع من إِعْمَال إِنَّمَا كَمَا أَن قَوْله: بَعْدَمَا لَا يَصح إعماله. وَقَوله: لعلما بِمَنْزِلَة كَأَنَّمَا يغلب عَلَيْهَا أَن تكون مَا فِيهَا كَافَّة وَإِنَّمَا ولكنما فِي هَذَا نظيرتان لَيْسَ فيهمَا فِي الْأَغْلَب الْأَكْثَر إِلَّا الْكَفّ فهما فِي إِلْغَاء مَا دون لعلما وكأنما. وَإِنَّمَا غلب على ليتما الْعَمَل لقُوَّة شبه لَيْت بِالْفِعْلِ. أَلا ترى أَن وددت بِمَعْنى تمنيت وليت هِيَ علم التَّمَنِّي فَلذَلِك حسن نصب الْجَواب فِي قَوْلك: وددت أَنه زارني فَأكْرمه. انْتهى.) فَظهر بِمَا نقلنا إِن إِلْغَاء ليتما جَائِز حسن وإعمالها أحسن وَأكْثر خلاف مَا زَعمه الشَّارِح وَذهب الْفراء إِلَى أَنه لَا يجوز كف مَا لليت وَلَا للعل بل يجب إعمالهما. وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق لِأَنَّهَا تخرج بِمَا عَن اختصاصها بِالْجُمْلَةِ الاسمية يَعْنِي فَتدخل على الْجُمْلَة الفعلية. وَفِيه خلاف. قَالَ صَاحب الارتشاف: وَأما مَجِيء الْفِعْل بعد لعلما وليتما فَهُوَ مَذْهَب الْبَصرِيين أَجَازُوا: ليتما ذهبت ولعلما قُمْت. وَزعم الْفراء أَن ذَلِك لَا يجوز فَلَا تَجِيء الْجُمْلَة الفعلية بعدهمَا. وَوَافَقَهُ على ذَلِك فِي ليتما خَاصَّة أَصْحَابنَا الْمُتَأَخّرُونَ وَزَعَمُوا أَن ليتما بَاقِيَة على اختصاصها بِالْجُمْلَةِ الاسمية. انْتهى.

стр. 4961

وَجزم ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي بالاختصاص تبعا لِابْنِ النَّاظِم وَغَيره قَالَ: وتقترن بهَا مَا الحرفية فَلَا تزيلها عَن الِاخْتِصَاص بالأسماء لَا يُقَال: ليتما قَالَ زيد خلافًا لِابْنِ أبي الرّبيع وطاهر الْقزْوِينِي. وَيجوز: ليتما زيدا أَلْقَاهُ على الإعمال وَيمْتَنع على إِضْمَار فعل على شريطة التَّفْسِير. انْتهى. وَهَذَا هُوَ الْجيد إِذْ لم يسمع دُخُولهَا على الفعلية. وَقَول سِيبَوَيْهٍ فرفعه على وَجْهَيْن: على أَن يكون بِمَنْزِلَة من قَالَ: مثلا مَا بعوضة ... إِلَخ قَالَ النّحاس: يُرِيد أَن مَا مَوْصُولَة وَأَنه يضمر مُبْتَدأ أَي: فيا لَيْت الَّذِي هُوَ هَذَا الْحمام لنا. وَيُرِيد بِالْوَجْهِ الثَّانِي أَن مَا كَافَّة. وَيجوز النصب على أَن تكون مَا زَائِدَة للتوكيد وَيكون الْحمام بَدَلا من هَذَا. وَضعف ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي موصولية مَا فِي بحث لَيْت وَفِي بحث مَا الكافة قَالَ: هُوَ مَرْجُوح لِأَن حذف الْعَائِد الْمَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ فِي صلَة غير أَي مَعَ عدم طول الصِّلَة قَلِيل. وَزَاد فِي بحث مَا: وَسَهل ذَلِك تضمنه إبْقَاء الإعمال. ورد عَلَيْهِ بِأَن الصِّلَة هُنَا قد طَالَتْ بِالصّفةِ وَمَعَ احْتِمَال الموصولية لَا دَلِيل على إهمالها وَلَوْلَا أَن سِيبَوَيْهٍ ذكر الإهمال لمنع. وَالْبَيْت من قصيدة للنابغة الذبياني يُخَاطب بهَا النُّعْمَان بن الْمُنْذر ويعاتبه وَيعْتَذر إِلَيْهِ مِمَّا اتهمَ بِهِ عِنْده. وَقد مضى شرح سَببهَا وأكثرها فِي ماوضع عديدة فلنذكر هُنَا مِنْهَا مَا يتم معنى الْبَيْت. وَقَبله: (فاحكم كَحكم فتاة الْحَيّ إِذْ نظرت ... إِلَى حمام شراع وَارِد الثمد) (يحفه جانبا نيق وتتبعه ... مثل الزجاجة لم تكحل من الرمد) (قَالَت أَلا ليتما هَذَا الْحمام لنا ... إِلَى حمامتنا أَو نصفه فقد)) (فحسبوه فألفوه كَمَا ذكرت ... تسعا وَتِسْعين لم تنقص وَلم تزد)

стр. 4962

(فكملت مائَة فِيهَا حمامتها ... وأسرعت حسبَة فِي ذَلِك الْعدَد) قَوْله: فاحكم كَحكم أَي: كن حكيماً كهذه الفتاة أَي: أصب فِي أَمْرِي كإصابتها فِي حدسها بِالنّظرِ الصَّحِيح. وَكَذَا فِي شرح ابْن السَّيِّد قَالَ: هُوَ من الحكم الَّذِي يُرَاد بِهِ الْحِكْمَة لَا من الحكم الَّذِي يُرَاد بِهِ الْقَضَاء. قَالَ تَعَالَى: وَلما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلماً أَي: حِكْمَة يُقَال من ذَلِك: حكم الرجل يحكم من بَاب نصر إِذا صَار حكيماً. قَالَ النمر بن تولب: (أحبب حَبِيبك حبا رويداً ... فَلَيْسَ يعولك أَن تصرما) (وَأبْغض بَغِيضك بغضاً رويداً ... إِذا أَنْت حاولت أَن تحكما) انْتهى. وَأَرَادَ بفتاة الْحَيّ: زرقاء الْيَمَامَة. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي أبْصر من الزَّرْقَاء من مستقصى الْأَمْثَال: هِيَ من بَنَات لُقْمَان بن عَاد ملكة الْيَمَامَة. واليمامة اسْمهَا فسميت الْبَلدة باسمها. وَقيل اسْمهَا: عنز وَهِي إِحْدَى الزرق الثَّلَاث أعينها والزباء والبسوس. وَكَانَت جديسية وَحين قتل جديس طسماً

стр. 4963

استجاش قَبيلَة طسم حسان بن تبع إِلَى الْيَمَامَة فَلَمَّا صَارُوا من جو على مسيرَة ثَلَاث لَيَال صعدت الأطم الَّذِي يُقَال لَهُ: الْكَلْب فَنَظَرت إِلَيْهِم وَقد استتر كل بشجرة تلبيساً عَلَيْهَا فارتجزت بقولِهَا: (أقسم بِاللَّه لقد دب الشّجر ... أَو حمير قد أخذت شَيْئا تجر) فكذبها قَومهَا فَقَالَت: وَالله لقد أرى رجلا ينهش كَتفًا أَو يخصف نعلا. فَمَا تأهبوا حَتَّى صبحهمْ الْجَيْش. وَلما ظفر بهَا حسان قَالَ: مَا كَانَ طَعَامك فَقَالَت: درمكة فِي كل يَوْم بمخ قَالَ: فَبِمَ كنت تكتحلين قَالَت: بالإثمد. وشق عينهَا فَرَأى عروقاً سُودًا من الإثمد. وَهِي أول من اكتحل بالإثمد من الْعَرَب. انْتهى الْمَقْصُود مِنْهُ. وَقَالَ ابْن المستوفي: كَانَت زرقاء الْيَمَامَة تبصر الرَّاكِب من مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام وَيضْرب بهَا الْمثل يُقَال: أبْصر من زرقاء الْيَمَامَة. واليمامة بلد وَكَانَ اسْمهَا الجو فسميت باسم هَذِه الْمَرْأَة لِكَثْرَة) مَا أضيف إِلَيْهَا وَقيل: جو الْيَمَامَة. وَقَالُوا: هِيَ من بَنَات لُقْمَان بن عَاد وَقيل: هِيَ من جديس. انْتهى. وَالْحمام قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي أدب الْكَاتِب: يذهب النَّاس إِلَى أَنَّهَا الدواجن الَّتِي تستفرخ فِي الْبيُوت وَذَلِكَ غلط إِنَّمَا الْحمام ذَوَات الأطواق وَمَا أشبههَا مثل الفواخت والقماري والقطا. قَالَ ذَلِك الْأَصْمَعِي وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ

стр. 4964

الْكسَائي. قَالَ حميد بن ثَوْر: (وَمَا هاج هَذَا الشوق إِلَّا حمامة ... دعت سَاق حر ترحةً وترنما) وَقَالَ النَّابِغَة: واحكم كَحكم فتاة الْحَيّ ... ... ... . . الْبَيْت قَالَ الْأَصْمَعِي: هَذِه زرقاء الْيَمَامَة نظرت إِلَى قطاً. قَالَ: أما الدواجن فِي الْبيُوت فَإِنَّهَا وَمَا شاكلها من طير الصَّحرَاء: اليمام. انْتهى. قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شَرحه: مَا نَقله عَن الْأَصْمَعِي وَالْكسَائِيّ صَحِيح وَقد يُقَال لليمام حمام أَيْضا. حكى أَبُو عبيد فِي الْغَرِيب المُصَنّف عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ: اليمام ضرب من الْحمام بري. وَحكى أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي فِي كتاب الطير الْكَبِير: واليمام واحده يمامة الْحمام الْبري. وحمام مَكَّة يمام أجمع. قَالَ أَبُو حَاتِم: وَالْفرق بَين الْحمام الَّذِي عندنَا واليمام: أَن أَسْفَل ذَنْب الْحمام مِمَّا يَلِي ظهرهَا إِلَى الْبيَاض وَكَذَا حمام الْأَمْصَار وأسفل ذَنْب الْيَمَامَة لَا بَيَاض فِيهِ. وَلَيْسَ فِي بَيت النَّابِغَة من الدَّلِيل على أَنه أَرَادَ بالحمام القطا مثل مَا فِي بَيت حميد بن ثَوْر من الدَّلِيل على أَنه أَرَادَ بالحمامة القمرية. وَإِنَّمَا علم ذَلِك بالْخبر الْمَرْوِيّ عَن زرقاء الْيَمَامَة أَنَّهَا نظرت إِلَى قطاً فَقَالَت:

стр. 4965

(يَا لَيْت ذَا القطا لنا ... وَمثل نصفه مَعَه) وَقد رُوِيَ أَنَّهَا قَالَت: (لَيْت الْحمام ليه ... إِلَى حمامتيه) (وَنصفه قديه ... تمّ الْحمام ميه) ثمَّ قَالَ: وَكَانَ الْأَصْمَعِي يروي: شراع بالشين الْمَكْسُورَة الْمُعْجَمَة يُرِيد: الَّتِي شرعت فِي المَاء.) وروى غَيره: سراع بِالسِّين غير مُعْجمَة وَهنا جمع شارعة وسريعة. وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة أولى لاستغنائها عَن دَعْوَى التَّأْكِيد. والثمد: المَاء الْقَلِيل. وأفرد وارداً وَإِن كَانَ صفة لحمام حملا على معنى الْجمع كَمَا قَالَ تَعَالَى: من الشّجر الْأَخْضَر. انْتهى.

стр. 4966

فَإِن الْحمام اسْم جنس يفرق بَينه وَبَين واحده بِالتَّاءِ وَمثله يجوز أَن يعْتَبر جمعا ومفرداً كَمَا هُنَا فَإِن وَصفه جمع تَارَة وَهُوَ شراع وأفرد أُخْرَى وَهُوَ وَارِد. وَهَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ إِضَافَة وَارِد إِلَى الثمد على نِيَّة التَّنْوِين وَالنّصب وَلذَلِك نعت بِهِ النكرَة مَعَ إِضَافَته إِلَى الْمعرفَة إِذْ كَانَت إِضَافَته غير مَحْضَة. وَقَوله: يحفه جانبا نيق ... إِلَخ أَي: أحَاط بِهِ. وَالضَّمِير للحمام. وجانبا: مثنى جَانب حذفت نونه للإضافة وَهُوَ فَاعل يحفه. والنيق بِكَسْر النُّون قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي أَبْيَات الْمعَانِي: يَقُول: كَانَ الْحمام فِي مَوضِع ضيق قد ركب بعضه بَعْضًا فَهُوَ أَشد لعده. وَقَوله: وتتبعه ... إِلَخ مضارع أتبعه وفاعله ضمير الفتاة وَالْهَاء ضمير الْحمام وَمثل مفعول صفة لمَحْذُوف. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: أَي: تتبعه عينا مثل الزجاجة. لم تكحل تِلْكَ الفتاة من الرمد أَي: لم يكن بهَا رمد فتكحل مِنْهُ. مثل قَول الآخر: على لاحب لَا يهتدى بمناره وَقَوله: قَالَت أَلا ليتما ... الخ قَالَ ابْن قُتَيْبَة: أَو نصفه أَرَادَت وَنصفه أَو بِمَعْنى الْوَاو. قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: هَذَا قَول الْكُوفِيّين والأخفش والجرمي. وَاحْتَجُّوا بِأَبْيَات مِنْهَا هَذَا الْبَيْت. ويقويه أَنه روى: وَنصفه بِالْوَاو. انْتهى.

стр. 4967

- ورد ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف على الْكُوفِيّين بِأَن الرِّوَايَة بِالْوَاو لَا بِأَو وَلَو سلمنَا فَنَقُول: أَو فِيهِ بَاقِيَة على أَصْلهَا وَهُوَ أَن يكون التَّقْدِير ليتما هَذَا الْحمام أَو هُوَ وَنصفه فَحذف الْمَعْطُوف وحرف الْعَطف كَقَوْلِه تَعَالَى: فَقُلْنَا اضْرِب بعصاك الْحجر فانفجرت أَي: فَضرب فانفجرت. أَلا فالبثا شَهْرَيْن أَو نصف ثَالِث) أَي: أَو شَهْرَيْن وَنصف ثَالِث. أَلا ترى أَنَّك لَا تَقول مبتدئاً نصف ثَالِث. وَإِذا وَجب أَن يكون الْمَعْطُوف عَلَيْهِ محذوفاً كَانَت أَو بَاقِيَة على أَصْلهَا. هَذَا كَلَامه. وَلَا يخفى أَن تَخْرِيجه لَا يتمشى على رِوَايَة النصب وَإِنَّمَا هُوَ على رِوَايَة الرّفْع مَعَ أَن الْمَعْنى لَيْسَ عَلَيْهِ فَإِنَّهَا لم تتمن أَحدهمَا وَإِنَّمَا تمنت كليهمَا وَإِن كَانَ لرفع نصفه مَه نصب الْحمام وَجه ذكره ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد قَالَ: وَقد يجوز الرّفْع مَعَ نصب الْحمام. وَذَلِكَ على أَن تَجْعَلهُ مَعْطُوفًا على الضَّمِير الْمُسْتَتر فِي لنا وَحسن ذَلِك لأجل الْفَصْل. وَقَوله: فحسبوه فألفوه حسب بتَشْديد السِّين بِمَعْنى المخفف أَي: عدوه. وَالْهَاء فِي موضِعين ضمير الْحمام. وألفوه: وجدوه. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: نظرت هَذِه الْمَرْأَة إِلَى حمام مر بهَا بَين جبلين وَكَانَ سِتا وَسِتِّينَ فَقَالَت: لَيْت لي هَذَا الْحمام وَنصفه وَهُوَ ثَلَاث وَثَلَاثُونَ إِلَى حمامتي فَيتم لي مائَة. فنظروا فَإِذا هُوَ كَمَا قَالَت.

стр. 4968

- قَالَ حَمْزَة الْأَصْفَهَانِي فِي أَمْثَاله: قَالَ بعض أَصْحَاب الْمعَانِي: إِن النَّابِغَة لما أَرَادَ مدح هَذِه الحكيمة الحاسبة بِسُرْعَة إصابتها شدد الْأَمر وضيقه ليَكُون أحسن لَهُ إِذا أصَاب فَجعله حزر طير إِذْ كَانَ الطير أخف مَا يَتَحَرَّك ثمَّ جعله حَماما إِذْ كَانَ الْحمام أسْرع الطير ثمَّ كثر الْعدَد إِذْ كَانَت الْمُسَابقَة والمنافسة ثمَّ ذكر أَنَّهَا صَارَت بَين نيقين لِأَن الْحمام إِذا كَانَ فِي مضيق من الْهَوَاء كَانَ أسْرع طيراناً مِنْهُ إِذا اتَّسع عَلَيْهِ الفضاء ثمَّ جعلهَا وَارِدَة للْمَاء لِأَن الْحمام إِذا وَردت المَاء أعانها الْحِرْص للْمَاء على سرعَة الطيران. انْتهى. وَأغْرب الجواليقي هُنَا فَقَالَ: قَالَ الْأَصْمَعِي: سَمِعت نَاسا يحدثُونَ أَن ابْنة الخس كَانَت قَاعِدَة فِي جوَار فَمر بهَا قطاً وَارِد فِي مضيق من الْجَبَل فَقَالَت: (يَا لَيْت ذَا القطا لنا ... وَمثل نصفه مَعَه) (إِلَى قطاة أهلنا ... إِذن لنا قطاً ميه) فأتبعت القطا فعدت على المَاء فَإِذا هِيَ سِتّ وَسِتُّونَ. انْتهى. وابْنة الخس بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة وَاسْمهَا عِنْد الإيادية. وَهِي جَاهِلِيَّة قديمَة وَقد أدْركْت القلمس أحد حكام الْعَرَب فِي

стр. 4969

الْجَاهِلِيَّة تحاكمت هِيَ وَأُخْتهَا خمعة إِلَيْهِ فِي كَلَام لَهما ومدحته بِأَبْيَات مِنْهَا:) (إِذا الله جازى منعماً بوفائه ... فجازاك عني يَا قلمس بِالْكَرمِ) وَبَعض الروَاة يزْعم أَنَّهَا مَاتَت فِي زمن النُّعْمَان عِنْد هِنْد ابْنَته وَيسْتَشْهد على ذَلِك بقول (وفيت بِعَهْد كَانَ مِنْك تكرماً ... كَمَا لابنَة الخس الْإِيَادِي وفت هِنْد) وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك وَإِنَّمَا مُرَاد الفرزدق أَن هنداُ وفت لأختها خمعة ابْنة الخس لَا أَنَّهَا عِنْد ابْنة النُّعْمَان. وَقد ترجمها الشريف المرتضى فِي أَمَالِيهِ وَذكر طرفا من أمورها. وَقد أجحف الزَّمَخْشَرِيّ فِي قصَّة الزَّرْقَاء فَنَقُول: إِن الْيَمَامَة كَانَ اسْمهَا جواً فِي الزَّمن الأول وَكَانَ لأمتين إِحْدَاهمَا: طسم بن لوذ بن سَام بن نوح وَالْأُخْرَى: جديس بن جاثر بن إرم بن سَام بن نوح ﵇ وَكَانُوا أَصْحَاب زرع ونخيل ومواش وَكَانَ ملكهم من طسم يُقَال لَهُ: عملوق

стр. 4970

أَو عمليق أفرط فِي جوره على جديس حَتَّى أَمر أَن لَا تزف امْرَأَة من جديس إِلَّا أُتِي بهَا إِلَيْهِ حَتَّى يفتضها قبل زَوجهَا فَلَمَّا افتض بنت غفار خرجت من عِنْده رَافِعَة صَوتهَا ملطخة بدمها وَهِي تَقول: (لاأحد أذلّ من جديس ... أهكذا يفعل بالعروس) فِي أَبْيَات كَمَا تقد م شرح هَذِه الْقِصَّة مفصلا فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة. فَلَمَّا سمع قَومهَا ذَلِك اشْتَدَّ غضبهم وَمَشى بَعضهم إِلَى بعض وَكَانَ أَخُوهَا ابْن غفار سيدهم فَلَمَّا رأى ذَلِك من حَال الْقَوْم قَالَ: اطيعوني وَإِلَّا قتلت نَفسِي. قَالَ: اكْتُبْ إِلَى الْملك: إِنِّي قد زوجت أُخْتِي فليحضر الْملك وَجَمِيع أَهله إِلَى طَعَامي. فَإِذا أَتَوْكُم قَامَ كل وَاحِد مِنْكُم على رَأس رجل مِنْهُم وَقد دفن سلاحه تَحت رجله فَإِذا قرب الطَّعَام فَلْيقل كل رجل مِنْكُم من يَلِيهِ. فَقتلُوا جَمِيعهم إِلَّا رجلا يُقَال لَهُ: ريَاح بن مرّة فَإِنَّهُ أفلت مِنْهُم واستصحب كلبة لَهُ وَأخذ جَرِيدَة من جرائد نَخْلهمْ فطلاها بالطين ثمَّ توجه حَتَّى أَتَى حسان بن تبع مذعوراً فَقَالَ لَهُ: مَا وَرَاءَك قَالَ: أَتَيْتُك من عِنْد قوم كُنَّا مُلُوكهمْ وساداتهم وَقد وَثبُوا علينا ظلما وَذكر الْقِصَّة وَفِيهِمْ زروع ومواش وتبر وورق ومسك وَعَنْبَر وَجَمِيع آلَة الدُّنْيَا وَفِيهِمْ امْرَأَة يُقَال لَهَا: عنز تغذى بالزبد والشهد والمخ كَأَنَّهَا الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر.) فَلَمَّا سمع ذَلِك حسان

стр. 4971

دَعَا قومه وأسمعهم كَلَام ريَاح فَقَالُوا: مَا لنا وَلأمة قتلت أُخْتهَا لَيْسَ بَيْننَا وَبينهمْ حَرْب على أَن بلدهم شاسع ومسلكهم بعيد. قَالَ الْملك: أَرَأَيْتُم إِن ظلم أَخ أَخَاهُ أَلَيْسَ يجب على الْملك أَن ينصره قَالُوا: بلَى. قَالَ لَهُم ريَاح: كَيفَ يكون بلدي شاسعاً وَهَذِه جَرِيدَة من نخلها رطبَة فَلَو كَانَ بَعيدا يَبِسَتْ وَهَذِه كلبتي قد تبعتني عرجاء. وَكَانَ قد ضربهَا عِنْد دُخُوله فعرجت فَلم يزل بهم حسان حَتَّى أجابوه إِلَى الْمسير فَسَارُوا فِي ثلثمِائة ألف فَلَمَّا كَانَ من جو على مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام قَالَ لَهُم ريَاح: إِن فيهم امْرَأَة يُقَال لَهَا: الْيَمَامَة تبصر الرَّاكِب من مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام فَاقْطَعُوا الشّجر وليضع كل رَاكب مِنْكُم بَين يَدَيْهِ غصناً من أَغْصَانهَا ليشتبه عَلَيْهَا. فَقَامَتْ الْيَمَامَة على رَأس حصن لَهُم يُقَال لَهُ: البتيل فَقَالَت: أَي قوم زحفت إِلَيْكُم حمير وَأرى شَجرا وَخَلفهَا بشرا. فكذبوها وَقَالُوا: مَا تزالين تَأْتِينَا بالإفك ثمَّ رجعت بصرها فوضح لَهَا صدق مَا رَأَتْ فَقَالَت: (خُذُوا حذاركم يَا قوم ينفعكم ... فَلَيْسَ مَا قد أرى بالْأَمْس يحتقر) (إِنِّي أرى شَجرا من خلفهَا بشر ... وَكَيف تَجْتَمِع الْأَشْجَار والبشر) (خُذُوا طوائفكم من قبل داهية ... من الْأُمُور الَّتِي تخشى وتنتظر) ...

стр. 4972

(فقد زجرت سنيح الْقَوْم باكرةً ... لَو كَانَ يعلم ذَاك الْقَوْم إِذْ بَكرُوا) (إِنِّي أرى رجلا فِي كَفه كتف ... أَو يخصف النَّعْل خصفاً لَيْسَ يبتدر) (فغوروا كل مَاء قبل ثَالِثَة ... فَلَيْسَ من بعده ورد وَلَا صدر) (وناهضوا الْقَوْم بعض اللَّيْل إِذْ رقدوا ... وَلَا تخافوا لَهُم حَربًا وَإِن كَثُرُوا) فَلم يَلْبَثُوا أَن صبحهمْ حسان بعد أَرْبَعَة فَقتل الرِّجَال وسبى النِّسَاء ودعا بِالْيَمَامَةِ فَقلع عينهَا فَوجدَ فِيهَا عروقاً سُودًا فَسَأَلَ: مَا الَّذِي كَانَت تكتحل بِهِ فَقَالُوا: حجر يُقَال لَهُ الإثمد فاكتحل بالإثمد من ذَلِك الْيَوْم. فَلَمَّا قَتلهَا صلبها على بَاب جو فسميت بذلك الْيَمَامَة. وأتيت عنز بالجمل فَلم تدر مَا الْجمل من الْعِزَّة. وَإِن الْأسود بن غفار أفلت فلحق بجبلي طَيئ فَقتله عَمْرو بن لاغوث بن طَيئ كَمَا تقدم شَرحه) فِي الشَّاهِد الثَّامِن والثمانين من أَوَائِل الْكتاب. وترجمة النَّابِغَة الذبياني تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة.

стр. 4973

وَأنْشد بعده (الشَّاهِد السَّادِس وَالْأَرْبَعُونَ بعد الثَّمَانمِائَة) وَهُوَ من شَوَاهِد س: (وَكنت أرى زيدا كَمَا قيل سيداً ... إِذا إِنَّه عبد الْقَفَا واللهازم) قَالَ سِيبَوَيْهٍ: سَمِعت رجلا من الْعَرَب ينشد هَذَا الْبَيْت كَمَا أخْبرك بِهِ أَي: بِالْكَسْرِ فحال إِذا هَاهُنَا كحالها إِذا قلت: هُوَ عبد الْقَفَا واللهازم. وَإِنَّمَا جَاءَت إِن هُنَا لِأَن هَذَا الْمَعْنى أردْت كَمَا أردْت فِي حَتَّى معنى حَتَّى هُوَ منطلق. وَلَو قلت: مَرَرْت فَإِذا أَنه عبد تُرِيدُ فَإِذا الْعُبُودِيَّة واللؤم كَأَنَّك قلت: مَرَرْت فَإِذا أمره الْعُبُودِيَّة واللؤم ثمَّ وضعت إِن فِي هَذَا الْموضع جَازَ. انْتهى. قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي جَوَاز فتح إِن وَكسرهَا بعد إِذا. الْكسر على نِيَّة وُقُوع الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر بعد إِذا وَالتَّقْدِير: إِذا هُوَ عبد الْقَفَا. وَالْفَتْح على تَأْوِيل الْمصدر مُبْتَدأ والإخبار عَنهُ بإذا. انْتهى. والإخبار بإذا مَبْنِيّ على كَونهَا اسْما وَلَيْسَ الْإِخْبَار بهَا وَاجِبا عِنْد الْقَائِل بِهِ. قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد كَمَا قَالَ ابْن يعِيش: من يرى أَن ذَا ظرف صَحَّ تقديرها خَبرا وَلم يقدر محذوفاً أَي: فبالحضرة الْعُبُودِيَّة. وَصَحَّ

стр. 4974

تقديرها مُتَعَلقَة بِخَير مَحْذُوف أَي: فبالحضرة الْعُبُودِيَّة مَوْجُودَة. وَإِن قيل: إِنَّهَا حرف وَجب دَعْوَى الْحَذف. انْتهى. وَإِذا عِنْد الشَّارِح الْمُحَقق حرف كَمَا قَرَّرَهُ فِي بَاب الْمُبْتَدَأ وَبَاب الظروف وَلِهَذَا قدر الْخَبَر. وَكَذَا هِيَ حرف عِنْد السيرافي إِلَّا أَنه جعل الْمَحْذُوف الْمُبْتَدَأ قَالَ: وَإِذا فتحت قدر مَا بعْدهَا الْمصدر أَي: فَإِذا أمره الْعُبُودِيَّة وَذَاكَ أَن أَن الْمَفْتُوحَة مقدرَة بِالْمَصْدَرِ وَإِذا حرف لَا عَامل لَهَا لِأَنَّهَا دخلت لِمَعْنى المفاجأة وَهِي فِي معنى حُرُوف الْعَطف. انْتهى. وَقد فرق ابْن يعِيش معنى الْكسر عَن معنى الْفَتْح قَالَ: إِذا فتحت أردْت الْمصدر وكأنك قلت: فَإِذا الْعُبُودِيَّة واللؤم كَأَنَّهُ رأى فعل العَبْد. وَإِذا كسرت كَأَنَّهُ قد رَآهُ نَفسه عبدا.) وَقَوله: وَكنت أرى بِضَم الْهمزَة بِمَعْنى أَظن مُتَعَدٍّ إِلَى ثَلَاثَة مفاعيل: أَولهَا: نَائِب الْفَاعِل وَهُوَ ضمير الْمُتَكَلّم وَثَانِيها: زيد وَثَالِثهَا: سيد. وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: أَي عبد قَفاهُ بِرَفْع عبد منوناً أَشَارَ بِهَذَا التَّفْسِير إِلَى أَن عبد الْقَفَا من إِضَافَة الصّفة المشبهة إِلَى فاعلها. وَقصد بِهِ الرَّد على صَاحب المقتبس فِي زَعمه أَن الْقَفَا مقحم ثمَّ فسر كَون قَفاهُ عبدا باللئيم لِأَنَّهُ حَاصِل الْمَعْنى. واللَّئِيم: المهين والدنئ النَّفس والشحيح وَنَحْو ذَلِك لِأَن اللؤم ضد الْكَرم وَلِهَذَا يُضَاف اللؤم إِلَى الْقَفَا كَمَا يشاف الْكَرم إِلَى الْوَجْه فَيُقَال: لئيم الْقَفَا وكريم الْوَجْه.

стр. 4975

ثمَّ فسر الشَّارِح جِهَة كَونه لئيماً بصفعان وَهُوَ من يُمكن من صفع قَفاهُ ليَأْخُذ شَيْئا. وَلَا قَالَ الْجَوْهَرِي: الصفع كلمة مولدة وَالرجل صفعان. انْتهى. وَلم يتَعَرَّض لَهُ ابْن بري وَلَا الصَّفَدِي بِشَيْء. ورد عَلَيْهِ الفيومي فِي الْمِصْبَاح قَالَ: صفعه صفعاً. والصفعة: الْمرة وَهُوَ أَن يبسط الرجل كَفه فبضرب بهَا قفا إِنْسَان أَو بدنه. فَإِذا قبض كَفه ثمَّ ضربه فَلَيْسَ بصفع بل يُقَال: ضربه بِجمع كَفه. قَالَه الْأَزْهَرِي وَغَيره. وَرجل صفعان لمن يفعل بِهِ ذَلِك. وَلَا عِبْرَة بقول من جعل هَذِه الْكَلِمَة مولدة مَعَ شهرتها فِي كتب الْأَئِمَّة. انْتهى. وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: واللهزمتان: عظمان ... إِلَخ اللهزمة بِكَسْر اللَّام وَالزَّاي وَسُكُون الْهَاء. والناتئ: اسْم فَاعل من نتأ الشَّيْء بِالْهَمْز ينتأ بِفتْحَتَيْنِ نتوءاً إِذا خرج من مَوْضِعه وارتفع من غير أَن يبين. وَيجوز تَخْفيف الْفِعْل كَمَا يُخَفف قَرَأَ فَهُوَ نات مَنْقُوص. واللحي بِفَتْح اللَّام وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة: عظم الحنك وَهُوَ الَّذِي يثبت عَلَيْهِ الْأَسْنَان. وَقَوله: جَمعهمَا الشَّاعِر بِمَا حولهما يُرِيد أَن لكل حَيَوَان لهزمتين لَا غير فالجمع على تَأْوِيل جب مذاكير فلَان بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الْبَاء. قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: جببته جبا من بَاب قتل: قطعته وَمِنْه جببته فَهُوَ مجبوب بَين الْجبَاب بِالْكَسْرِ إِذا استؤصلت مذاكيره. وَمَا ذكره الشَّارِح من تَفْسِير اللهزمتين هُوَ كَلَام صَاحب الصِّحَاح وَقَالَ بعده: وَيُقَال هما مضغتان علبتان تحتهما. والمضغة اللَّحْم سمي بهَا لِأَنَّهَا مِقْدَار مَا يمضغ.) والعلبة بِالْمُوَحَّدَةِ من غلب اللَّحْم بِكَسْر اللَّام واستعلب إِذا غلظ. وَرُوِيَ أَيْضا: عليتان بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّة الْمُشَدّدَة. وَقَالَ أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن مُحَمَّد: اللهازم: عروق فِي الْقَفَا. وَالصَّحِيح مَا قَالَه الْجَوْهَرِي.
следующие страницы →