← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

دَعَا قومه وأسمعهم كَلَام ريَاح فَقَالُوا: مَا لنا وَلأمة قتلت أُخْتهَا لَيْسَ بَيْننَا وَبينهمْ حَرْب على أَن بلدهم شاسع ومسلكهم بعيد. قَالَ الْملك: أَرَأَيْتُم إِن ظلم أَخ أَخَاهُ أَلَيْسَ يجب على الْملك أَن ينصره قَالُوا: بلَى. قَالَ لَهُم ريَاح: كَيفَ يكون بلدي شاسعاً وَهَذِه جَرِيدَة من نخلها رطبَة فَلَو كَانَ بَعيدا يَبِسَتْ وَهَذِه كلبتي قد تبعتني عرجاء. وَكَانَ قد ضربهَا عِنْد دُخُوله فعرجت فَلم يزل بهم حسان حَتَّى أجابوه إِلَى الْمسير فَسَارُوا فِي ثلثمِائة ألف فَلَمَّا كَانَ من جو على مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام قَالَ لَهُم ريَاح: إِن فيهم امْرَأَة يُقَال لَهَا: الْيَمَامَة تبصر الرَّاكِب من مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام فَاقْطَعُوا الشّجر وليضع كل رَاكب مِنْكُم بَين يَدَيْهِ غصناً من أَغْصَانهَا ليشتبه عَلَيْهَا. فَقَامَتْ الْيَمَامَة على رَأس حصن لَهُم يُقَال لَهُ: البتيل فَقَالَت: أَي قوم زحفت إِلَيْكُم حمير وَأرى شَجرا وَخَلفهَا بشرا. فكذبوها وَقَالُوا: مَا تزالين تَأْتِينَا بالإفك ثمَّ رجعت بصرها فوضح لَهَا صدق مَا رَأَتْ فَقَالَت: (خُذُوا حذاركم يَا قوم ينفعكم ... فَلَيْسَ مَا قد أرى بالْأَمْس يحتقر) (إِنِّي أرى شَجرا من خلفهَا بشر ... وَكَيف تَجْتَمِع الْأَشْجَار والبشر) (خُذُوا طوائفكم من قبل داهية ... من الْأُمُور الَّتِي تخشى وتنتظر) ...

стр. 4972

(فقد زجرت سنيح الْقَوْم باكرةً ... لَو كَانَ يعلم ذَاك الْقَوْم إِذْ بَكرُوا) (إِنِّي أرى رجلا فِي كَفه كتف ... أَو يخصف النَّعْل خصفاً لَيْسَ يبتدر) (فغوروا كل مَاء قبل ثَالِثَة ... فَلَيْسَ من بعده ورد وَلَا صدر) (وناهضوا الْقَوْم بعض اللَّيْل إِذْ رقدوا ... وَلَا تخافوا لَهُم حَربًا وَإِن كَثُرُوا) فَلم يَلْبَثُوا أَن صبحهمْ حسان بعد أَرْبَعَة فَقتل الرِّجَال وسبى النِّسَاء ودعا بِالْيَمَامَةِ فَقلع عينهَا فَوجدَ فِيهَا عروقاً سُودًا فَسَأَلَ: مَا الَّذِي كَانَت تكتحل بِهِ فَقَالُوا: حجر يُقَال لَهُ الإثمد فاكتحل بالإثمد من ذَلِك الْيَوْم. فَلَمَّا قَتلهَا صلبها على بَاب جو فسميت بذلك الْيَمَامَة. وأتيت عنز بالجمل فَلم تدر مَا الْجمل من الْعِزَّة. وَإِن الْأسود بن غفار أفلت فلحق بجبلي طَيئ فَقتله عَمْرو بن لاغوث بن طَيئ كَمَا تقدم شَرحه) فِي الشَّاهِد الثَّامِن والثمانين من أَوَائِل الْكتاب. وترجمة النَّابِغَة الذبياني تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة.

стр. 4973

وَأنْشد بعده (الشَّاهِد السَّادِس وَالْأَرْبَعُونَ بعد الثَّمَانمِائَة) وَهُوَ من شَوَاهِد س: (وَكنت أرى زيدا كَمَا قيل سيداً ... إِذا إِنَّه عبد الْقَفَا واللهازم) قَالَ سِيبَوَيْهٍ: سَمِعت رجلا من الْعَرَب ينشد هَذَا الْبَيْت كَمَا أخْبرك بِهِ أَي: بِالْكَسْرِ فحال إِذا هَاهُنَا كحالها إِذا قلت: هُوَ عبد الْقَفَا واللهازم. وَإِنَّمَا جَاءَت إِن هُنَا لِأَن هَذَا الْمَعْنى أردْت كَمَا أردْت فِي حَتَّى معنى حَتَّى هُوَ منطلق. وَلَو قلت: مَرَرْت فَإِذا أَنه عبد تُرِيدُ فَإِذا الْعُبُودِيَّة واللؤم كَأَنَّك قلت: مَرَرْت فَإِذا أمره الْعُبُودِيَّة واللؤم ثمَّ وضعت إِن فِي هَذَا الْموضع جَازَ. انْتهى. قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي جَوَاز فتح إِن وَكسرهَا بعد إِذا. الْكسر على نِيَّة وُقُوع الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر بعد إِذا وَالتَّقْدِير: إِذا هُوَ عبد الْقَفَا. وَالْفَتْح على تَأْوِيل الْمصدر مُبْتَدأ والإخبار عَنهُ بإذا. انْتهى. والإخبار بإذا مَبْنِيّ على كَونهَا اسْما وَلَيْسَ الْإِخْبَار بهَا وَاجِبا عِنْد الْقَائِل بِهِ. قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد كَمَا قَالَ ابْن يعِيش: من يرى أَن ذَا ظرف صَحَّ تقديرها خَبرا وَلم يقدر محذوفاً أَي: فبالحضرة الْعُبُودِيَّة. وَصَحَّ

стр. 4974

تقديرها مُتَعَلقَة بِخَير مَحْذُوف أَي: فبالحضرة الْعُبُودِيَّة مَوْجُودَة. وَإِن قيل: إِنَّهَا حرف وَجب دَعْوَى الْحَذف. انْتهى. وَإِذا عِنْد الشَّارِح الْمُحَقق حرف كَمَا قَرَّرَهُ فِي بَاب الْمُبْتَدَأ وَبَاب الظروف وَلِهَذَا قدر الْخَبَر. وَكَذَا هِيَ حرف عِنْد السيرافي إِلَّا أَنه جعل الْمَحْذُوف الْمُبْتَدَأ قَالَ: وَإِذا فتحت قدر مَا بعْدهَا الْمصدر أَي: فَإِذا أمره الْعُبُودِيَّة وَذَاكَ أَن أَن الْمَفْتُوحَة مقدرَة بِالْمَصْدَرِ وَإِذا حرف لَا عَامل لَهَا لِأَنَّهَا دخلت لِمَعْنى المفاجأة وَهِي فِي معنى حُرُوف الْعَطف. انْتهى. وَقد فرق ابْن يعِيش معنى الْكسر عَن معنى الْفَتْح قَالَ: إِذا فتحت أردْت الْمصدر وكأنك قلت: فَإِذا الْعُبُودِيَّة واللؤم كَأَنَّهُ رأى فعل العَبْد. وَإِذا كسرت كَأَنَّهُ قد رَآهُ نَفسه عبدا.) وَقَوله: وَكنت أرى بِضَم الْهمزَة بِمَعْنى أَظن مُتَعَدٍّ إِلَى ثَلَاثَة مفاعيل: أَولهَا: نَائِب الْفَاعِل وَهُوَ ضمير الْمُتَكَلّم وَثَانِيها: زيد وَثَالِثهَا: سيد. وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: أَي عبد قَفاهُ بِرَفْع عبد منوناً أَشَارَ بِهَذَا التَّفْسِير إِلَى أَن عبد الْقَفَا من إِضَافَة الصّفة المشبهة إِلَى فاعلها. وَقصد بِهِ الرَّد على صَاحب المقتبس فِي زَعمه أَن الْقَفَا مقحم ثمَّ فسر كَون قَفاهُ عبدا باللئيم لِأَنَّهُ حَاصِل الْمَعْنى. واللَّئِيم: المهين والدنئ النَّفس والشحيح وَنَحْو ذَلِك لِأَن اللؤم ضد الْكَرم وَلِهَذَا يُضَاف اللؤم إِلَى الْقَفَا كَمَا يشاف الْكَرم إِلَى الْوَجْه فَيُقَال: لئيم الْقَفَا وكريم الْوَجْه.

стр. 4975

ثمَّ فسر الشَّارِح جِهَة كَونه لئيماً بصفعان وَهُوَ من يُمكن من صفع قَفاهُ ليَأْخُذ شَيْئا. وَلَا قَالَ الْجَوْهَرِي: الصفع كلمة مولدة وَالرجل صفعان. انْتهى. وَلم يتَعَرَّض لَهُ ابْن بري وَلَا الصَّفَدِي بِشَيْء. ورد عَلَيْهِ الفيومي فِي الْمِصْبَاح قَالَ: صفعه صفعاً. والصفعة: الْمرة وَهُوَ أَن يبسط الرجل كَفه فبضرب بهَا قفا إِنْسَان أَو بدنه. فَإِذا قبض كَفه ثمَّ ضربه فَلَيْسَ بصفع بل يُقَال: ضربه بِجمع كَفه. قَالَه الْأَزْهَرِي وَغَيره. وَرجل صفعان لمن يفعل بِهِ ذَلِك. وَلَا عِبْرَة بقول من جعل هَذِه الْكَلِمَة مولدة مَعَ شهرتها فِي كتب الْأَئِمَّة. انْتهى. وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: واللهزمتان: عظمان ... إِلَخ اللهزمة بِكَسْر اللَّام وَالزَّاي وَسُكُون الْهَاء. والناتئ: اسْم فَاعل من نتأ الشَّيْء بِالْهَمْز ينتأ بِفتْحَتَيْنِ نتوءاً إِذا خرج من مَوْضِعه وارتفع من غير أَن يبين. وَيجوز تَخْفيف الْفِعْل كَمَا يُخَفف قَرَأَ فَهُوَ نات مَنْقُوص. واللحي بِفَتْح اللَّام وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة: عظم الحنك وَهُوَ الَّذِي يثبت عَلَيْهِ الْأَسْنَان. وَقَوله: جَمعهمَا الشَّاعِر بِمَا حولهما يُرِيد أَن لكل حَيَوَان لهزمتين لَا غير فالجمع على تَأْوِيل جب مذاكير فلَان بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الْبَاء. قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: جببته جبا من بَاب قتل: قطعته وَمِنْه جببته فَهُوَ مجبوب بَين الْجبَاب بِالْكَسْرِ إِذا استؤصلت مذاكيره. وَمَا ذكره الشَّارِح من تَفْسِير اللهزمتين هُوَ كَلَام صَاحب الصِّحَاح وَقَالَ بعده: وَيُقَال هما مضغتان علبتان تحتهما. والمضغة اللَّحْم سمي بهَا لِأَنَّهَا مِقْدَار مَا يمضغ.) والعلبة بِالْمُوَحَّدَةِ من غلب اللَّحْم بِكَسْر اللَّام واستعلب إِذا غلظ. وَرُوِيَ أَيْضا: عليتان بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّة الْمُشَدّدَة. وَقَالَ أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن مُحَمَّد: اللهازم: عروق فِي الْقَفَا. وَالصَّحِيح مَا قَالَه الْجَوْهَرِي.

стр. 4976

قَالَ الأعلم: وَمعنى عبد الْقَفَا واللهازم أَن من بنظرهما يتَبَيَّن عبوديته ولؤمه لِأَن الْقَفَا مَوضِع الصفع واللهزمة مَوضِع اللكز وَهُوَ بِفَتْح اللَّام وَسُكُون الْكَاف وَآخره زاء مُعْجمَة: مصدر لكزه لكزاً من بَاب قتل إِذا ضربه بِجمع كَفه بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْمِيم. يُقَال: ضربه بِجمع كَفه أَي: مَقْبُوضَة. وَالْمعْنَى: كنت أَظن زيدا سيداً شريفاً كَمَا قيل فِيهِ إِنَّه سيد فَظهر انه لئيم وَكَانَ مَا قيل فِيهِ بَاطِلا. - وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ الْخمسين الَّتِي لَا يعرف قَائِل كل بَيت مِنْهَا. وَالله اعْلَم. وانشد بعده وَهُوَ من شَوَاهِد س: (إِنِّي إِذا خفيت نَار لمرملة ... ألفى بأرفع تل رَافعا نَارِي) (ذَاك وَإِنِّي على جاري لذُو حدب ... أحنو عَلَيْهِ بِمَا يحنى على الْجَار) على أَن إِن فِي هَذَا الْبَيْت لَيْسَ فِيهَا إِلَّا الْكسر. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: تَقول ذَاك وَأَن لَك عِنْدِي مَا أَحْبَبْت. وَقَالَ : وذلكم وَأَن الله موهن كيد الْكَافرين وَقَالَ جلّ ثَنَاؤُهُ: ذَلِكُم فذقوه وَأَن

стр. 4977

للْكَافِرِينَ عَذَاب النَّار. وَذَلِكَ لِأَنَّهَا شركت ذَلِك فِيمَا حمل عَلَيْهِ كَأَنَّهُ قَالَ: الْأَمر ذَلِك وَأَن الله. وَلَو جَاءَت مُبتَدأَة لجازت يدلك على ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ذَلِك وَمن عاقب بِمثل مَا عُوقِبَ بِهِ وَلَيْسَ مَحْمُولا على مَا حمل عَلَيْهِ ذَلِك فَكَذَلِك يجوز أَن تكون إِن مُنْقَطِعَة من ذَلِك. قَالَ الْأَحْوَص: (عودت قومِي إِذا مَا الضَّيْف نبهني ... عقر العشار على عسري وإيساري) إِنِّي إِذا خفيت نَار لمرملة ... ... إِلَى آخر الشّعْر فَهَذَا لَا يكون إِلَّا مستأنفاً غير مَحْمُول على مَا حمل عَلَيْهِ ذَاك. فَهَذَا أَيْضا يُقَوي ابْتِدَاء إِن فِي الأول. انْتهى.) قَالَ النّحاس: إِنَّمَا لم يجز فِي إِن هَاهُنَا إِلَّا الْكسر لِأَن بعْدهَا اللَّام كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِن رَبهم بهم يَوْمئِذٍ لخبير. وَقَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي كسر إِن لدُخُول لَام التَّأْكِيد وَلَو لم تدخل لفتحت حملا على مَا قبلهَا. انْتهى. وَلما كَانَ سِيبَوَيْهٍ فِيهِ بعض خَفَاء لخصه الشَّارِح الْمُحَقق وأوضحه. وَذَلِكَ أَن مُحَصل كَلَام سِيبَوَيْهٍ جَوَاز الْوَجْهَيْنِ فِي إِن الْمَذْكُورَة وَقد جَاءَ على الْفَتْح وَهُوَ أحد الجائزين من قَوْله تَعَالَى: ذَلِكُم وَأَن الله موهن كيد الْكَافرين وَقَوله تَعَالَى: ذَلِكُم فذقوه وَأَن للْكَافِرِينَ عَذَاب النَّار.

стр. 4978

فاسم الْإِشَارَة فِي الْآيَة الأولى خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف التَّقْدِير: الْأَمر ذَلِكُم وَأَن مَعَ معموليها فِي تَأْوِيل مصدر مَرْفُوع مَعْطُوف على ذَلِك وَقد شاركته أَن مَعَ معموليها فِي الخبرية للمبتدأ الْمُقدر. وَهَذَا معنى قَول سِيبَوَيْهٍ: وَذَلِكَ لِأَنَّهَا شركت ذَلِك فِيمَا حمل عَلَيْهِ كَأَنَّهُ قَالَ: الْأَمر ذَلِك وَأَن الله. - قَالَ الْبَيْضَاوِيّ: ذَلِكُم إِشَارَة إِلَى الْبلَاء الْحسن أَو الْقَتْل أَو الرَّمْي وَمحله الرّفْع: أَي: الْمَقْصُود أَو الْأَمر ذَلِكُم. وَقَوله تَعَالَى: وَأَن الله ... إِلَخ مَعْطُوف عَلَيْهِ أَي: الْمَقْصُود إبلاء الْمُؤمنِينَ وتوهين وَهَذَا يكون من عطف الْمُفْردَات. وَأما قَول الشَّارِح الْمُحَقق: أَي: الْأَمر ذَلِكُم وَالْأَمر أَيْضا أَن الله موهن فتكرير الْمُبْتَدَأ للإيضاح لَا أَنه من عطف الْجمل. ثمَّ قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَلَو جَاءَت مُبتَدأَة لجازت. . إِلَخ يُرِيد: لَو جَاءَت إِن بعد اسْم الْإِشَارَة مَكْسُورَة كَمَا تكسر فِي ابْتِدَاء الْكَلَام لجازت. وَهَذَا الْوَجْه الثَّانِي من الجائزين وَقد جَاءَ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: هَذَا ذكر وَإِن لِلْمُتقين لحسن مآب وَقَوله تَعَالَى: هَذَا وَإِن للطاغين لشر مآب فَذَلِك فِي الأولى وَهَذَا فِي الثَّالِثَة خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: الْأَمر ذَلِك وَالْأَمر هَذَا. وَجُمْلَة إِن معطوفة على الْجُمْلَة قبلهَا فِي الثَّلَاث وَهَذَا من عطف الْجمل وَلَيْسَ من الْعَطف على اسْم الْإِشَارَة حَتَّى تشاركه فِي الخبرية. وَمثل هَذِه الْآيَات قَول الشَّاعِر: ذَاك وَإِنِّي على جاري لذُو حدب

стр. 4979

فَذَاك: خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَالتَّقْدِير: شأني ذَاك وأمري ذَاك. وَجُمْلَة: إِنِّي على) جاري ... إِلَخ معطوفة على الْجُمْلَة قبلهَا. وَيدل على أَن هَذَا من عطف الْجمل قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الْحَج: ذَلِك وَمن عاقب بِمثل مَا عُوقِبَ بِهِ ثمَّ بغي عَلَيْهِ لينصرنه الله فَقَوله: لينصرنه الله جَوَاب قسم مُقَدّر وَجُمْلَة الْقسم الْمُقدر مَعَ جَوَابه خبر من عاقب ... إِلَخ وَجُمْلَة: من عاقب ... إِلَخ معطوفة على الْجُمْلَة الْمَحْذُوف مبتدؤها أَي: الْأَمر ذَلِك وَمن عاقب ... إِلَخ. فالبيت الْمَذْكُور مثل هَذِه الْآيَة فِي الْإِعْرَاب. وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: فالجملة القسمية عطف على الْجُمْلَة الْمُقدمَة فِيهِ مُسَامَحَة وَأَرَادَ الْجُمْلَة الَّتِي خبر مبتدئها جملَة قسمية. ولنرجع إِلَى شرح الأبيات فَنَقُول: قَوْله: عودت قومِي ... إِلَخ أَرَادَ بقوله: نبهني: طرقني لَيْلًا فنبهني. وعقر: الْمَفْعُول الثَّانِي لعود ومفعوله الأول: قومِي وَهُوَ مصدر عقرت الْبَعِير من بَاب ضرب إِذا ضربت قوائمه بِالسَّيْفِ. وَلَا يكون الْعقر فِي غير القوائم وَرُبمَا قيل: عقره إِذا نَحره. والعشار: جمع عشراء وَهِي النَّاقة الَّتِي أَتَى على حملهَا عشرَة أشهر وَمثله نِفَاس جمع نفسَاء. وَلَا ثَالِث لَهما. والعشار عِنْد الْعَرَب أعز الْإِبِل فذبحها للضيف يكون غَايَة فِي الْجُود وَالْإِكْرَام. وَقَوله: على عسري وإيساري أَي: أعقرها على كل حَالَة سَوَاء كنت مُعسرا أَو مُوسِرًا. والعسر: الْفقر وَهُوَ اسْم للإعسار. يُقَال: أعْسر الرجل إِذا افْتقر. والإيسار: مصدر أيسر وَقَوله: إِنِّي إِذا خفيت ... إِلَخ ألفى جَوَاب إِذا وَجُمْلَة: إِذا خفيت ... إِلَخ خبر إِنِّي. قَالَ الأعلم: قَوْله أَن بِالْفَتْح مَحْمُول على الْبَدَل من الْعقر لِأَن عقر العشار

стр. 4980

مُشْتَمل على إيقاد النَّار ودال عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: عودت قومِي أَنِّي أوقد النَّار للطارق. وَكسر إِن هَاهُنَا أَجود على الِاسْتِئْنَاف وَالْقطع. والمرملة: الْجَمَاعَة الَّتِي نفذ زَادهَا. وَرجل مرمل: لَا شَيْء لَهُ مُشْتَقّ من الرمل كَأَنَّهُ لَا يملك غَيره كَمَا يُقَال: ترب الرجل إِذا افْتقر. يُقَال: أرمل الرجل إِذا نفذ زَاده وافتقر فَهُوَ مرمل. وَجَاء أرمل على غير قِيَاس وَالْجمع أرامل. وأرملت الْمَرْأَة فَهِيَ أرملة للَّتِي لَا زوج لَهَا لافتقارها إِلَى من ينْفق عَلَيْهَا.) وَقَالَ الْأَزْهَرِي: لَا يُقَال لَهَا أرملة إِلَّا إِذا كَانَت فقيرة فَإِن كَانَت موسرة فَلَيْسَتْ بأرملة. وَالْجمع أرامل. وألفى بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول من ألفيته إِذا وجدته مُتَعَدٍّ لمفعولين: أَحدهمَا: نَائِب الْفَاعِل وَهُوَ ضمير الْمُتَكَلّم وَثَانِيهمَا: قَوْله رَافعا. والتل: مَا ارْتَفع من الأَرْض. وَإِيقَاد النَّار فِي الْأَمَاكِن الْعَالِيَة من أَخْلَاق الْكِرَام حَتَّى يَهْتَدِي الضَّيْف إِلَيْهِ فِي اللَّيْل المظلم وَيَأْتِي. يَقُول: إِذا خفيت نَار غَيْرِي بِأَن لَا توقد فِي أَيَّام الجدب والقحط فَأَنا أوقدها فِي تِلْكَ الْأَيَّام. وَقَوله: ذَاك إِشَارَة إِلَى عقر العشار وَإِيقَاد النَّار. فَإِن قلت: كَيفَ أُشير بِذَاكَ إِلَى اثْنَيْنِ قلت: صَحَّ لِأَنَّهُ بِتَأْوِيل مَا ذكر. وَكَذَا قَوْله: عوان بَين ذَلِك أَي: بَين الفارض وَالْبكْر. وذَاك: خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: شأني وأمري ذَاك. وَجُمْلَة: إِنِّي لذُو حدب: معطوفة على الْجُمْلَة الْمَحْذُوف صدرها وَأوجب كسر إِن هُنَا لوُجُود اللَّام فِي الْخَبَر ولولاها لجَاز فتح إِن وَكَانَت مؤولة مَعَ معموليها بمصدر مَرْفُوع مَعْطُوف على ذَاك عطف مُفْرد على مُفْرد. والحدب بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالدَّال: مصدر حدب عَلَيْهِ كفرح إِذا عطف عَلَيْهِ وأحنو خبر بعد خبر والحنو بِمَعْنى الحدب. فِي الْمِصْبَاح: حنت الْمَرْأَة على وَلَدهَا

стр. 4981

تحنى وتحنو حنواً: عطفت وأشفقت فَلم تتَزَوَّج بعد أَبِيهِم. وَقَوله: بِمَا يحنى بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول. والأحوص بمهملتين شَاعِر إسلامي تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الْخَامِس والثمانين من أَوَائِل الْكتاب. - وَأنْشد بعده وَهُوَ من شَوَاهِد س: أحقاً أَن أخطلكم هجاني على أَن حَقًا فِي معنى الظّرْف فَأن مَعَ معموليها مؤولة بمصدر فَاعل لثبت محذوفاً أَو فَاعل للظرف على الْخلاف فِي نَحْو: أعندك زيد أَو مُبْتَدأ مُؤخر والظرف قبله خبر. وَإِنَّمَا قَالَ فِي معنى الظّرْف لِأَنَّهُ ظرف مجازي مُشْتَمل على الْمُحَقق كاشتمال الظّرْف على المظروف. وَالدَّلِيل على أَنه جَار مجْرى الظّرْف وُقُوعه خَبرا عَن الْمصدر دون الجثة كَمَا أَن) ظرف الزَّمَان كَذَلِك. قَالَ الأعلم: جَازَ وُقُوعه ظرفا وَهُوَ مصدر فِي الأَصْل لما بَين الْفِعْل وَالزَّمَان من المضارعة وَكَأَنَّهُ على حذف الْوَقْت وَإِقَامَة الْمصدر مقَامه كَمَا قَالُوا: أَتَيْتُك خفوق النَّجْم فَكَأَن تَقْدِيره: أَفِي وَقت حق. انْتهى. وَهَذَا الْوَجْهَانِ معروفان فِي الظّرْف الْمُعْتَمد. هَذَا إِن كَانَ حَقًا مَنْصُوبًا على

стр. 4982

الْمصدر فَأن فَاعل لَا غير تَقول: أحقاً أَنَّك ذَاهِب أَي: أَحَق ذَلِك حَقًا. فقولك: حق فعل مَاض هُوَ الناصب لَحقا وَأَن فَاعل الْمصدر أَو فَاعل الْفِعْل على الْخلاف فِيهِ والهمزة للاستفهام. فَإِن قلت: إِذا كَانَ حَقًا تَفْسِيرا لأما فَمن أَيْن جَاءَ الِاسْتِفْهَام حَتَّى قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق: أَي: قلت: تَفْسِيرهَا بحقاً أحد قَوْلَيْنِ وَالثَّانِي: أَنَّهَا بِمَعْنى أحقاً مَعَ همزَة الِاسْتِفْهَام وَهُوَ الصَّحِيح. - فَإِن قلت: ظَاهر أما أَنَّهَا حرف فَكيف تكون بِمَعْنى حَقًا أَو أحقاً وَكَيف تكون أَن فِي قَوْلهم: أما أَنَّك قَائِم فَاعِلا أَو مُبْتَدأ قلت: قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي قَالَ بَعضهم: هِيَ اسْم بِمَعْنى حَقًا وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ كلمتان الْهمزَة للاستفهام ومَا اسْم بِمَعْنى شَيْء حق فَالْمَعْنى أحقاً. وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب وَمَوْضِع مَا النصب على الظَّرْفِيَّة كَمَا انتصب حَقًا على ذَلِك فِي نَحْو قَوْله: أحقاً أَن جيرتنا استقلوا وَهُوَ قَول سِيبَوَيْهٍ وَهُوَ الصَّحِيح بِدَلِيل قَوْله: أَفِي الْحق أَنِّي مغرم بك هائم

стр. 4983

فَأدْخل عَلَيْهَا فِي وَأَن وصلتها: مُبْتَدأ والظرف: خَبره. وَقَالَ الْمبرد: حَقًا مصدر لحق محذوفاً وَأَن وصلتها: فَاعل. انْتهى. - وَوجه الصَّوَاب فِي كَونهَا بِمَعْنى أحقاً: أَنَّك إِذا قلت: أما أَنَّك قَائِم فِيهِ معنى الِاسْتِفْهَام فَلَو كَانَ أما مجموعها بِمَعْنى حَقًا لزم إِمَّا أَن لَا يكون اسْتِفْهَام وَهُوَ خلاف الْمَعْنى وَإِمَّا أَن يقدر أداته دَائِما. وَيرد أَنه لم يلفظ بِهِ مَعهَا فِي وَقت قطّ مَعَ أَن حذف الْهمزَة بِدُونِ أَن شَاذ عِنْد سِيبَوَيْهٍ ضَرُورَة عِنْد غَيره وَكلهَا بعيدَة عَن الصَّوَاب. وَإِذا كَانَت مركبة من الْهمزَة وَمَا كَانَ كل معنى مستفاداً من لَفظه الْمَوْضُوع لَهُ. ومَا هَذِه) نكرَة تَامَّة لَا تحْتَاج إِلَى صفة أَو صلَة عَامَّة بِمَعْنى شَيْء وَمن مَا صدقاتها حق. وَلذَلِك قَالَ: بِمَعْنى شَيْء وَذَلِكَ حق وَلم يقل ابْتِدَاء بِمَعْنى حق. وَلَيْسَت التَّامَّة الَّتِي فِي قَوْله تَعَالَى: إِن تبدوا الصَّدقَات فنعمل هِيَ لِأَنَّهَا بِمَعْنى الشَّيْء خلافًا لِابْنِ الملا فَإِنَّهُ زعم أَنَّهَا كَالَّتِي فِي الْآيَة وَقَالَ: أَي فَنعم شَيْئا هِيَ. فَأَخْطَأَ فِي موضِعين. وَإِذا كَانَ مَجْمُوع أما بِمَعْنى حَقًا غير صَوَاب فَمَا الظَّن بالْقَوْل بحرفيتها قَالَ ابْن هِشَام: وَهِي حرف عِنْد ابْن خروف وَجعلهَا مَعَ أَن ومعموليها كلَاما تركب من حرف وَاسم كَمَا قَالَ الْفَارِسِي فِي: يَا زيد. انْتهى. وَهَذَا بعيد عَن الصَّوَاب بمراحل كَمَا لَا يخفى. وَقَول ابْن هِشَام: وَأَن وصلتها: مُبْتَدأ والظرف: خَبره هَذَا مَرْجُوح وَالرَّاجِح كَونه فَاعِلا للظرف أَو لثبت محذوفاً. وَمَا نَقله عَن الْمبرد هُوَ الْمَشْهُور. وَزعم الْعَيْنِيّ أَن مذْهبه كَون حَقًا صفة لمصدر مَحْذُوف أَي: أهجاني أخطلكم هجواً حَقًا.

стр. 4984

وَفِي التَّذْكِرَة القصرية: قلت لأبي عَليّ: قَوْله: أحقاً أَن أخطلكم هجاني يدل على أَن حَقًا بِمَعْنى: أَفِي الْحق لِأَنَّهُ لَيْسَ يُرِيد أتحقون حَقًا أَن أخطلكم هجاني وَإِنَّمَا يُرِيد أَفِي الْحق أَي: أخبروني هَل هجاني أخطلكم وَلَيْسَ يُرِيد: أتحقون هَذَا الْخَبَر فَلم يُنكر أَبُو عَليّ هَذَا وَصَححهُ وَصَوَّبَهُ. انْتهى. وَبِهَذَا يعلم أَنه لَيْسَ الْمَعْنى أهجاني هجواً حَقًا. وَهَذَا نَص سِيبَوَيْهٍ وَفِيه فَوَائِد كَثِيرَة قَالَ فِي بَاب من أَبْوَاب إِن تكون أَن فِيهِ مَبْنِيَّة على مَا قبلهَا: وَذَلِكَ قَوْلك: أحقاً أَنَّك ذَاهِب وَالْحق أَنَّك ذَاهِب وَكَذَلِكَ: أأكبر ظَنك أَنَّك ذَاهِب وأجهد رَأْيك أَنَّك ذَاهِب. وَكَذَلِكَ هما فِي الْخَبَر. وَسَأَلت الْخَلِيل ﵀ فَقلت لَهُ: مَا مَنعهم أَن يَقُولُوا: أحقاً إِنَّك ذَاهِب على الْقلب. كَأَنَّك قلت: إِنَّك ذَاهِب حَقًا وَإنَّك ذَاهِب الْحق فَقَالَ: لِأَن إِن لَا تبتدأ فِي كل مَوضِع وَلَو جَازَ هَذَا لجَاز يَوْم الْجُمُعَة إِنَّك ذَاهِب تُرِيدُ إِنَّك ذَاهِب يَوْم الْجُمُعَة. ولقلت أَيْضا: لَا محَالة إِنَّك ذَاهِب تُرِيدُ: إِنَّك لَا محَالة ذَاهِب. فَلَمَّا لم يجز ذَلِك حملوه على أَحَق أَنَّك ذَاهِب وأفي أكبر ظَنك أَنَّك ذَاهِب وَصَارَت أَن مَبْنِيَّة عَلَيْهِ كَمَا تبني الرحيل على غَد إِذا قلت: غَدا الرحيل. وَالدَّلِيل على ذَلِك إنشاد الْعَرَب كَمَا أَخْبَرتك. زعم يُونُس أَنه سمع الْعَرَب يَقُولُونَ فِي بَيت الْأسود بن يعفر: أحقا بنى سلمى بن جندل ... تهددكم اياى وسط الْمجَالِس

стр. 4985

فَزعم الْخَلِيل أَن التهدد هُنَا بِمَنْزِلَة الرحيل بعد غَد وَأَن أَن بِمَنْزِلَتِهِ وموضعه كموضعه. - وَنَظِير أحقاً أَنَّك ذَاهِب من أشعار الْعَرَب قَول الْعَبْدي: (أحقاً أَن جيرتنا استقلوا ... فنيتنا ونيتهم فريق) وَقَالَ عمر بن أبي ربيعَة: (أألحق إِن دَار الربَاب تَبَاعَدت ... أَو انبت حَبل أَن قَلْبك طَائِر) وَقَالَ النَّابِغَة الْجَعْدِي: (أَلا أبلغ بني خلف رَسُولا ... أحقاً أَن أخطلكم هجاني) فَكل هَذِه الْبيُوت سمعناها من أهل الثِّقَة هَكَذَا وَالرَّفْع فِي جَمِيع هَذَا جيد قوي. وَذَلِكَ أَنَّك إِن شِئْت قلت: أَحَق أَنَّك ذَاهِب وأأكبر ظَنك أَنَّك منطلق تجْعَل الآخر هُوَ الأول. انْتهى. يُرِيد أَنَّك تجْعَل أَن مُبْتَدأ مُؤَخرا وَمَا قبلهَا خَبرا مقدما. وَقد تقدم مَا يتَعَلَّق بِهِ فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالسِّتِّينَ فِي بَاب الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر. وَقَوله: (أَلا أبلغ بني خلف رَسُولا ... أحقاً أَن أخطلكم هجاني) الأخطل هُنَا هُوَ الشَّاعِر الْمَشْهُور النَّصْرَانِي وَكَانَت بَينه وَبَين النَّابِغَة الْجَعْدِي الصَّحَابِيّ مهاجاة. وَبَنُو خلف: رَهْط الأخطل من بني تغلب. وَرُوِيَ:

стр. 4986

وجشم بِضَم الْجِيم وَفتح الشين الْمُعْجَمَة من بني تغلب أَيْضا. قَالَ الأعلم: الرَّسُول هَاهُنَا بِمَعْنى الرسَالَة وَهُوَ مِمَّا جَاءَ على فعول كَالْوضُوءِ وَالطهُور. ونظيرها الألوك وَهِي الرسَالَة أَيْضا. انْتهى. وَقَالَ ابْن هِشَام فِي شرح أَبْيَات ابْن النَّاظِم: رَسُولا حَال من الْفَاعِل أَو اسْم للمصدر أَو بِمَعْنى الرسَالَة مثلهَا فِي قَوْله: (لقد كذب الواشون مَا بحت عِنْدهم ... بليلى وَلَا أرسلتهم برَسُول) فَيكون مَفْعُولا ثَانِيًا. وَلَو منع مَانع مَجِيء رَسُول بِمَعْنى الرسَالَة محتجاً بِأَنَّهُم لم يستندوا فِي ذَلِك إِلَّا إِلَى هَذَا الْبَيْت وَهُوَ مُحْتَمل للوصفية على أَنه حَال لم يحسن لِأَنَّهُ يلْزم عَنهُ كَون الْحَال مُؤَكدَة لعاملها لفظا وَمعنى ومجيء فعول للْجَمَاعَة وَزِيَادَة الْبَاء فِي الْحَال. وَهَذِه وَإِن كَانَت أموراً ثَابِتَة نَحْو: وأرسلناك للنَّاس رَسُولا وَنَحْو: فَإِنَّهُم عَدو لي وَنَحْو: (فَمَا رجعت بخائبة ركاب ... حَكِيم بن الْمسيب مُنْتَهَاهَا)) إِلَّا أَن اجتماعها بعيد. انْتهى. وَقد أَخذ الْعَيْنِيّ هَذَا الْكَلَام بإخلال فِيهِ وَلم يعزه إِلَيْهِ. وَهَذَا الْبَيْت اسْتشْهد بِهِ ابْن النَّاظِم فِي شرح الألفية على أَنه إِذا غلب الِاسْم بِالْألف وَاللَّام لم يجز نَزعهَا مِنْهُ إِلَّا فِي نِدَاء نَحْو: يَا نَابِغَة وَيَا أخطل أَو إِضَافَة نَحْو: نَابِغَة بني ذبيان وأخطلكم فِي هَذَا الْبَيْت.

стр. 4987

والاستفهام هُنَا للتقرير وَمَعْنَاهُ حملك الْمُخَاطب على الْإِقْرَار وَالِاعْتِرَاف بِأَمْر قد اسْتَقر عِنْده ثُبُوته أَو نَفْيه. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: الْهمزَة للإنكار التوبيخي فَيَقْتَضِي تحقق مَا بعْدهَا وَأَن فَاعله ملوم على ذَلِك وَكِلَاهُمَا خارجان عَن الِاسْتِفْهَام الْحَقِيقِيّ. وَالْبَيْت من قصيدة للنابغة الْجَعْدِي هجا بهَا الأخطل وَبني سعد بن زيد مَنَاة ومدح بهَا كَعْب بن جعيل لقضائه لَهُ على بني سعد. وَبعده: (فلولا أَن تغلب رَهْط أُمِّي ... وَكَعب وَهُوَ مني ذُو مَكَان) (تراجمنا بصدر القَوْل حَتَّى ... نصير كأننا فرسا رهان) ومطلع القصيدة: (وظل لنسوة النُّعْمَان منا ... على سفوان بوم أروناني) (فأعتقنا حليلته وَجِئْنَا ... بِمَا قد كَانَ جمع من هجان) وسفوان بِالتَّحْرِيكِ: اسْم مَاء. وأروناني: شَدِيد. والحليلة: الزَّوْجَة. والهجان: كرائم الْأَمْوَال وَأَشْرَفهَا. وترجمة النَّابِغَة الْجَعْدِي تقدّمت فِي الشَّاهِد السَّادِس والثمانين بعد الْمِائَة.

стр. 4988

وَأنْشد بعده (الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعُونَ بعد الثَّمَانمِائَة) (أَفِي حق مواساتي أَخَاكُم ... بِمَالي ثمَّ يظلمني السريس) على أَن مَجِيء فِي مَعَ حق يدل على أَن حَقًا إِنَّمَا ينصب على الظَّرْفِيَّة بِتَقْدِير فِي. وَهَذَا ظَاهر. وَالْبَيْت من قصيدة لأبي زبيد الطَّائِي النَّصْرَانِي أَولهَا: (أَلا أبلغ بني عَمْرو بن كَعْب ... بِأَنِّي فِي مودتكم نَفِيس) وفيهَا يَقُول: (فَمَا أَنا بالضعيف فتظلموني ... وَلَا حظي اللفاء وَلَا الخسيس) (أَفِي حق مواساتي أَخَاكُم ... بِمَالي ثمَّ يظلمني السريس) كَانَ أخوال أبي زبيد تغلب وَكَانَ يُقيم فيهم أَكثر أَيَّامه وَكَانَ لَهُ غُلَام يرْعَى إبِله فغزت بهراء بني تغلب فَمر بَنو تغلب بغلامه فَدفع إِلَيْهِم إبل أبي يزبيد وَقَالَ: انْطَلقُوا أدلكم على عَورَة الْقَوْم وأقاتل مَعكُمْ. والتقوا فانهزمت بهراء وَقتل الْغُلَام وَلم يبْعَث إِلَيْهِ بَنو تغلب دِيَة غُلَامه وَمَا ذهب لَهُ من إبِله. فَقَالَ فِي ذَلِك هَذِه القصيدة. ونَفِيس: رَاغِب فِيهِ لنفاسته يُقَال: نفست فِيهِ نفاسة أَي: رغبت فِيهِ ونافست فِي الشَّيْء مُنَافَسَة ونفاساً إِذا رغبت فِيهِ على وَجه المباراة فِي الْكَرم.

стр. 4989

واللفاء بِفَتْح اللَّام بعْدهَا فَاء قَالَ صَاحب الصِّحَاح: هُوَ الخسيس من الشَّيْء وكل شَيْء يسير حقير فَهُوَ لفاء. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وَقَالَ: يُقَال: رَضِي فلَان من الْوَفَاء باللفاء أَي: من حَقه الوافي بِالْقَلِيلِ. وَيُقَال: لفاه حَقه أَي: بخسه. الخسيس: الدنيء. والْمُوَاسَاة: مصدر واساه بِمَالِه قَالَ صَاحب الصِّحَاح: آسيته بِمَالي مؤاساة أَي: جعلته أسوتي فِيهِ. وواسيته لُغَة ضَعِيفَة فِيهِ. وَفِي الْمِصْبَاح: آسيته بنفسي بِالْمدِّ: سويته. وَيجوز إِبْدَال الْهمزَة واواً فِي لُغَة الْيمن فَيُقَال: واسيته. والسريس بسينين مهملتين قَالَ صَاحب الصِّحَاح: هُوَ الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاء. قَالَ أَبُو عبيد: هُوَ الْعنين. د وَأنْشد لأبي زبيد الطَّائِي: أَقُول: أنْشدهُ أَبُو عبيد فِي الْغَرِيب المُصَنّف. قَالَ شَارِح أبياته ابْن السيرافي: يَقُول: أَيكُون فِي الْحق أَن أبذل مَالِي وأتفضل بِإِعْطَاء مَا لَا) يسْتَحق عَليّ ثمَّ أظلم وَأَمْنَع مَالِي وَيتم عَليّ ذَلِك من رجل سريس. يُرِيد أَن الَّذِي ظلمه لَيْسَ بكامل من الرِّجَال. انْتهى. - وَفِي درة الغواص للحريري: الْعَرَب تسمي الْعنين السريس كَمَا قَالَ الشَّاعِر: (أَلا حييت عَنَّا يَا لميس ... عَلَانيَة فقد بلغ النسيس) (رغبت إِلَيْك كَيْمَا تنكحيني ... فَقلت بِأَنَّهُ رجل سريس) (وَلَو جربتني فِي ذَاك يَوْمًا ... رضيت وَقلت: أَنْت الدردبيس) انْتهى. ولميس: اسْم امْرَأَة. والنسيس بالنُّون بعْدهَا سين مُهْملَة: بَقِيَّة الرّوح. والدردبيس: الداهية.

стр. 4990

وترجمة أبي زبيد تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّانِي والثمانين بعد الْمِائَتَيْنِ. وَأنْشد بعده: أحقاً بني أَبنَاء سلمى بن جندل تهددكم إيَّايَ وسط الْمجَالِس فِي أَنه مثل قَوْله: أَفِي حق مواساتي أَخَاكُم فِي أَن تهددكم فَاعل أحقاً أَو مُبْتَدأ وأحقاً ظرف وَقع خَبرا لَهُ. وَكَذَلِكَ مواساتي فَاعل والظرف قبله خَبره. وَقد جَاءَ فيهمَا الْفَاعِل الصَّرِيح أَو الْمُبْتَدَأ الصَّرِيح مَوضِع أَن المؤولة بِأَحَدِهِمَا. وبني: منادى. وَقد أنْشد الشَّارِح هَذَا الْبَيْت ابْتِدَاء فِي بَاب الْمُبْتَدَأ وَفِي بَاب الْمَفْعُول الْمُطلق وَفِي بَاب الْحَال وَلِهَذَا قَالَ الْبَيْت وَلم ينشده كَامِلا. وَقد شرحناه فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالسِّتِّينَ.

стр. 4991

وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الْخَمْسُونَ بعد الثَّمَانمِائَة) وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: (وَلَقَد طعنت أَبَا عُيَيْنَة طعنةً ... جرمت فَزَارَة بعْدهَا أَن يغضبوا) على أَن سِيبَوَيْهٍ قَالَ: جرم فِي الْبَيْت: فعل مَاض بِمَعْنى حق وفَزَارَة: فَاعل وأَن وَقَالَ الْفراء: بل الرِّوَايَة بِنصب فَزَارَة أَي: كسبت الطعنة فَزَارَة الْغَضَب أَي: جرمت لَهُم الْغَضَب. هَذَا كَلَام الشَّارِح وَلَيْسَ فِي كَلَام سِيبَوَيْهٍ مَا نَقله عَنهُ وَهَذَا نَصه: وَأما قَوْله تَعَالَى: لَا جرم أَن لَهُم النَّار وَأَنَّهُمْ مفرطون فَإِن جرم عملت لِأَنَّهَا فعل وَمَعْنَاهَا: لقد حق أَن لَهُم النَّار وَلَقَد اسْتحق أَن لَهُم النَّار. وَقَول الْمُفَسّرين: مَعْنَاهَا حَقًا أَن لَهُم النَّار يدلك على أَنَّهَا بِمَنْزِلَة هَذَا الْفِعْل إِذا مثلت. - فجرم بعد لَا عملت فِي أَن عَملهَا فِي قَول الْفَزارِيّ: (وَلَقَد طعنت أَبَا عُيَيْنَة طعنةً ... جرمت فَزَارَة بعْدهَا أَن يغضبوا) أَي: أحقت فَزَارَة. وَزعم الْخَلِيل أَن جرم إِنَّمَا تكون جَوَابا لما قبلهَا من الْكَلَام يَقُول الرجل: كَانَ كَذَا وَكَذَا فَتَقول: لَا جرم أَنهم سيندمون وَأَنه سَيكون كَذَا وَكَذَا. انْتهى كَلَامه. فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي أَن فَزَارَة: فَاعل وَأَن يغضبوا: بدل وَإِنَّمَا أورد الْبَيْت تأييداً لكَون جرم فِي الْآيَة وَنَحْوهَا فِي الأَصْل فعلا يرفع الْفَاعِل وفاعلها فِي الْبَيْت

стр. 4992

ضمير الطعنة وَلَا يُرِيد أَن فَزَارَة مَرْفُوع بهَا وَإِلَّا لما كَانَ لقَوْله: أحقت فَزَارَة وَجه. وَإِنَّمَا أَتَى بِهِ ليفرق بَين مَا فِي الْآيَة وَبَين مَا فِي الْبَيْت فَأفَاد أَنَّهَا فِي الْبَيْت متعدية وَلذَا قَالَ أحقت بِالْألف. قَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس: وَعِنْدِي عَن أبي الْحسن فِي كتاب سِيبَوَيْهٍ: أَي: أحقت فَزَارَة بِالْألف. انْتهى. وَقَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي قَوْله: جرمت فَزَارَة وَمَعْنَاهُ على مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ حقتها للغضب. وَغَيره يزْعم أَن معنى: جرمت فَزَارَة أَن يغضبوا أكسبتهم الْغَضَب من قَوْله : لَا يجرمنكم شنآن قوم. وَيُقَال: حققته أَن يفعل بِمَعْنى أحققته. وحققته أَي: جعلته حَقِيقا بِفِعْلِهِ. انْتهى. وَكَأن رِوَايَته فِي الْكتاب: أَي: حقت فَزَارَة بِلَا ألف. وحقت متعدية كَمَا بَينهَا.) وَيدل لما قُلْنَا أَيْضا قَول ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات أدب الْكَاتِب قَالَ: قَوْله: جرمت فَزَارَة بعْدهَا أَن يغضبوا أَي: كسبت فَزَارَة الْغَضَب عَلَيْك. وَقَول الْفراء: وَلَيْسَ قَول من قَالَ: حق لفزارة الْغَضَب بِشَيْء ردا مِنْهُ على سِيبَوَيْهٍ والخليل لِأَن مَعْنَاهُ عِنْدهمَا: أحقت فَزَارَة الْغَضَب. فَأن يغضبوا على تأويلهما مفعول سقط مِنْهُ حرف الْجَرّ وَهُوَ على قَول الْفراء مفعول لَا تَقْدِير فِيهِ لحرف الْجَرّ. وكلا التَّأْويلَيْنِ صَحِيح وَجُمْلَة جرمت فَزَارَة: صفة لطعنة كَأَنَّهُ قَالَ: طعنة جازمة. انْتهى. وَكَأَنَّهُ لم يقف على كَلَام الْفراء. وَهَذَا نَصه فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: لَا جرم أَنهم فِي الْآخِرَة هم الأخسرون من سُورَة هود قَالَ قَوْله: لَا جرم أَنهم كلمة كَانَت فِي الأَصْل وَالله أعلم بِمَنْزِلَة لَا بُد أَنَّك قَائِم

стр. 4993

وَلَا محَالة أَنَّك ذَاهِب فجرت على ذَلِك وَكثر استعمالهم إِيَّاهَا حَتَّى صَارَت بِمَنْزِلَة حَقًا. أَلا ترى أَن الْعَرَب تَقول: لَا جرم لآتينك لَا جرم لقد أَحْسَنت. وَكَذَلِكَ فَسرهَا الْمُفَسِّرُونَ بِمَعْنى الْحق وَأَصلهَا من جرمت أَي: كسبت الذَّنب. وَلَيْسَ قَول من قَالَ: إِن جرمت كَقَوْلِك: حققت أَو حققت بِشَيْء وَإِنَّمَا لبس على قَائِله قَول الشَّاعِر: وَلَقَد طعنت أَبَا عُيَيْنَة ... ... ... . الْبَيْت فَرفعُوا فَزَارَة وَقَالُوا: نجْعَل الْفِعْل لفزارة كَأَنَّهُ بِمَنْزِلَة حق أَو حق لَهَا أَن تغْضب. وفزارة مَنْصُوبَة فِي قَول الْفراء أَي: جرمتهم الطعنة أَن يغضبوا أَي: كسبتهم. وَمَوْضِع أَن مَرْفُوع كَقَوْل الشَّاعِر: (أحقاً عباد الله جرْأَة محلق ... عَليّ وَقد أعييت عاداً وتبعا) ومحلق: رجل. انْتهى كَلَامه ونقلته من خطّ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ الْمُحدث الْمَشْهُور. - فجرم عِنْد الْفراء اسْم وَعند سِيبَوَيْهٍ فعل مَاض. وَلَيْسَ مَا رده الْفراء مَوْجُودا فِي كَلَام سِيبَوَيْهٍ حَتَّى يكون ردا على كَلَام سِيبَوَيْهٍ والخليل وَإِنَّمَا هُوَ رد على من قَالَه غير سِيبَوَيْهٍ كَأبي عَمْرو بن الْعَلَاء وَأبي زيد وَيُونُس وأضرابهم. وَيُؤَيِّدهُ أَن الشريف المرتضى نقل كَلَام الْفراء وَمَا رده فِي أَمَالِيهِ وَلم يجر لسيبويه ذكرا. قَالَ: فَأَما قَوْله لَا جرم فَقَالَ قوم: معنى جرم كسب.) وَقَالُوا فِي قَوْله تَعَالَى: لَا جرم أَن لَهُم النَّار إِن لَا رد على الْكفَّار ثمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: جرم أَن لَهُم النَّار بِمَعْنى كسب قَوْلهم أَن لَهُم النَّار. وَقَول الشَّاعِر: ...

стр. 4994

(نصبنا رَأسه فِي رَأس جذع ... بِمَا جرمت يَدَاهُ وَمَا اعتدينا) أَي: بِمَا كسبت. وَقَالَ آخَرُونَ: معنى جرم حق وتأولوا الْآيَة بِمَعْنى حقق قَوْلهم أَن لَهُم النَّار. وأنشدوا: وَلَقَد طعنت أَبَا عُيَيْنَة طعنةً الْبَيْت أَرَادَ: حققت فَزَارَة. وروى الْفراء: فَزَارَة بِالنّصب على معنى كسبت الطعنة فَزَارَة الْغَضَب. وَقَالَ الْفراء: لَا جرم فِي الأَصْل مثل لَا بُد وَلَا محَالة ثمَّ استعملته الْعَرَب فِي معنى حَقًا وَجَاءَت فِيهِ بِجَوَاب الْأَيْمَان. انْتهى. وَقد نقل الْجَوْهَرِي كَلَام الْفراء بِعَيْنِه فِي الصِّحَاح. الْعجب من ابْن بري فِي قَوْله تبعا لِابْنِ السَّيِّد: هَذَا رد على الْخَلِيل وسيبويه لِأَنَّهُمَا قدراه أحقت فَزَارَة الْغَضَب أَي: بِالْغَضَبِ فأسقط الْبَاء. - وَفِي قَول الْفراء لَا يحْتَاج إِلَى إِسْقَاط حرف الْجَرّ فِيهِ لِأَن تَقْدِيره كسبت فَزَارَة الْغَضَب عَلَيْك. انْتهى. وَمَا نَقله مِنْهُمَا حق لَا شُبْهَة فِيهِ. وَأما مَا وَجه التَّعَجُّب فَإِنَّهُ كَيفَ يَصح قَوْله: هَذَا رد على الْخَلِيل وسيبويه لِأَنَّهُمَا قدراه: أحقت فَزَارَة الْغَضَب مَعَ قَول الْفراء: فَرفعُوا فَزَارَة بجعله قَول سِيبَوَيْهٍ والخليل وَالَّذِي قَالَه الشَّارِح. رَأَيْته فِي تَفْسِير الزّجاج وَهُوَ مُتَأَخّر عَن الْفراء قَالَ عِنْد قَوْله تَعَالَى: لَا جرم أَن الله يعلم مَا يسرون وَمَا يعلنون من سُورَة النَّحْل مَا نَصه:

стр. 4995

معنى لَا جرم حق أَن الله وَوَجَب أَن الله. وَقَوله: لَا رد لفعلهم. قَالَ الشَّاعِر: وَلَقَد طعنت أَبَا عُيَيْنَة ... ... ... الْبَيْت الْمَعْنى: حقت فَزَارَة بِالْغَضَبِ. انْتهى. وَقَالَ أَيْضا فِي هَذِه السُّورَة عِنْد قَوْله تَعَالَى: لَا جرم أَن لَهُم النَّار: لَا رد لقَولهم. الْمَعْنى وَالله) أعلم: لَيْسَ ذَلِك كَمَا وصفوا جرم فعلهم هَذَا أَي: كسب. وَقيل: إِن أَن فِي مَوضِع رفع. ذكر ذَلِك قطرب. انْتهى. وقطرب تلميذ سِيبَوَيْهٍ. وَقَول الشَّارِح ﵀: أَي جرمت لَهُم الْغَضَب كَقَوْلِه تَعَالَى: وَلَا يجرمنكم شنآن قوم أَي: لَا يجرمن لكم ظَاهره أَن هَذَا من كَلَام الْفراء. وَلَيْسَ كَذَلِك كَمَا نقلنا كَلَامه. وَهَذِه عِبَارَته فِي آيَة الْمَائِدَة: وَقَوله: وَلَا يجرمنكم شنآن قوم أَن صدوكم عَن الْمَسْجِد الْحَرَام أَن تَعْتَدوا قَرَأَ يحيى بن وثاب وَالْأَعْمَش: وَلَا يجرمنكم من أجرمت. - وَكَلَام الْعَرَب وَقِرَاءَة الْقُرَّاء يجرمنكم بِفَتْح الْيَاء جَاءَ التَّفْسِير: وَلَا يحملنكم بغض قوم. قَالَ الْفراء: وَسمعت الْعَرَب تَقول: فلَان جريمة أَهله يُرِيدُونَ كاسب لأَهله. وَخرج يجرمهم: يكْسب لَهُم وَالْمعْنَى فيهمَا مُتَقَارب أَي: لَا يكسبنكم بغض قوم أَن تَفعلُوا شرا فَأن فِي مَوضِع نصب. فَإِذا جعلت فِي أَن تَعْتَدوا على ذهبت إِلَى معنى لَا يحملنكم بغضهم على أَن تَعْتَدوا فَيصح طرح على كَمَا تَقول: حَملتنِي أَن أسوءك وعَلى أَن أسوءك. انْتهى كَلَامه. وَقد أَخذه صَاحب الْكَشَّاف وأوضحه قَالَ: جرم يجْرِي مجْرى كسب فِي تعديته إِلَى مفعول وَاحِد واثنين تَقول: جرم ذَنبا نَحْو كَسبه وجرمته ذَنبا نَحْو

стр. 4996

كسبته إِيَّاه. وَيُقَال: أجرمته ذَنبا على نقل الْمُتَعَدِّي إِلَى مفعول بِالْهَمْزَةِ إِلَى مفعولين كَقَوْلِهِم: أكسبته ذَنبا. وَعَلِيهِ قِرَاءَة عبد الله: لَا يجرمنكم بِضَم الْيَاء وَأول المفعولين على الْقِرَاءَتَيْن ضمير المخاطبين وَالثَّانِي أَن تَعْتَدوا وَأَن صدوكم بِفَتْح الْهمزَة مُتَعَلق بالشنآن بِمَعْنى الْعلَّة. والشنآن: شدَّة البغض. وَالْمعْنَى: لَا يكسبنكم بغض قوم لِأَن صدوكم الاعتداء وَلَا يحملنكم عَلَيْهِ. انْتهى. وَقَالَ أَيْضا فِي قَوْله تَعَالَى: لَا يجرمنكم شقاقي أَن يُصِيبكُم من سُورَة هود: جرم مثل كسب فِي تعديه إِلَى مفعول وَاحِد وَإِلَى مفعولين. تَقول: جرم ذَنبا وَكَسبه. وجرمته ذَنبا وكسبته إِيَّاه. - قَالَ: جرمت فَزَارَة بعْدهَا أَن يغضبوا وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: لَا يجرمنكم شقاقي أَن يُصِيبكُم أَي: لَا يكسبنكم شقاقي إِصَابَة الْعَذَاب. وَكَذَا قَالَ الزّجاج فِي تَفْسِيره قَالَ: أَي: لَا يحملنكم بغضكم الْمُشْركين على ترك الْعدْل. يُقَال: أجرمني كَذَا وجرمني وجرمت وأجرمت بِمَعْنى وَاحِد. وَقيل لَا يجرمنكم: لَا يدخلنكم فِي) الجرم كَمَا تَقول آثمته: أدخلته فِي الْإِثْم. انْتهى.

стр. 4997

وَحَاصِله أَن لَا جرم فعل عِنْد سِيبَوَيْهٍ بِمَعْنى حق يطْلب فَاعِلا ومصدر عِنْد الْفراء يطْلب فَاعِلا أَيْضا. وَهَذَا عِنْدهمَا إِذا كَانَت أَن بعْدهَا وَأما فِي الْقسم نَحْو: لَا جرم لقد كَانَ كَذَا فَلَا. وَلَا عِنْد سِيبَوَيْهٍ زَائِدَة إِلَّا أَنَّهَا لَزِمت جرم لِأَنَّهَا كالمثل. كَذَا قَالَ الأعلم. وَقَالَ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف: وَالْوَقْف على لَا عِنْد سِيبَوَيْهٍ وَلَا يجوز أَن توصل بجرم لِأَنَّهَا لَيست نَفيهَا. انْتهى. وَعند الْفراء لَا ركبت مَعَ جرم وَصَارَت بِمَعْنى لَا بُد وَلَا محَالة ثمَّ اسْتعْملت بِمَعْنى حَقًا كَمَا تقدم. وَقَالَ أَبُو حَيَّان: وَذهب الْفراء إِلَى أَن جرم بِمَعْنى كسب ركبت مَعَ لَا وَصَارَت بِمَنْزِلَة لَا بُد. وَلَا يقف على لَا. وَأَن بعْدهَا على تَقْدِير من كَمَا تَقول: لَا بُد أَنَّك ذَاهِب أَي: من أَنَّك ذَاهِب. هَذَا كَلَامه وَفِيه نظر. وَأما جرم بِدُونِ لَا المتصرفة كَالَّتِي فِي الْبَيْت فَهِيَ فعل مُتَعَدٍّ عِنْد سِيبَوَيْهٍ كَمَا يظْهر من قَوْله: أَي: أحقت فَزَارَة بِالْألف. وَعند الْفراء متعدية تَارَة إِلَى مفعولين كَقَوْلِه فِي سُورَة هود وَلَيْسَ الأول على تَقْدِير حرف الْجَرّ كَمَا أَوله الشَّارِح وَإِلَى وَاحِد تَارَة كَقَوْلِه فِي سُورَة الْمَائِدَة. وَعَلِيهِ مَشى الزّجاج والزمخشري. وَلم يقل أحد فِيمَا رَأَيْت إِنَّهَا فعل لَازم غير قطرب. وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: وَحكى الْكُوفِيُّونَ فِيهَا عَن الْعَرَب وُجُوهًا من التَّغْيِير حكى الْفراء مِنْهَا وَجْهَيْن: قَالَ فِي تَفْسِير آيَة هود: ولكثرتها فِي الْكَلَام

стр. 4998

حذفت مِنْهَا الْمِيم فبنو فَزَارَة يَقُولُونَ: لَا جر أَنَّك قَائِم وتوصل من أَولهَا بذا. أَنْشدني بعض بني كلاب: (إِن كلاباً وَالِدي لَا ذَا جرم ... لأهدرن الْيَوْم هدرا فِي النعم) هدر الْمَعْنى ذِي الشقاشيق اللَّهُمَّ انْتهى. قَالَ السَّيِّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ وَذكر هذَيْن الْوَجْهَيْنِ وَالشعر: الْمَعْنى: الَّذِي يدْخل الْعنَّة من الْإِبِل وَهِي الحظيرة. وَذَلِكَ أَن الْفَحْل اللَّئِيم إِذا هاج حبس حَتَّى لَا يضْرب فِي النوق الْكِرَام وَمِنْه قَول) الْوَلِيد بن عقبَة: (قطعت الدَّهْر كالسدم الْمَعْنى ... تهدر فِي دمشق فَلَا تريم) وَأَصله المعنن فقلبت إِحْدَى النونات يَاء. واللَّهُمَّ بِكَسْر اللَّام وَفتح الْهَاء: الَّذِي يلتهم كل شَيْء: أَي: يبتلعه. وَقد زَاد لُغَة ثَالِثَة وَهِي لَا جرم بِضَم الْجِيم وتسكين الرَّاء مَعَ الْمِيم. انْتهى. وَهَذِه زِيَادَة على وَنقل الْمفضل بن سَلمَة فِي كتاب الفاخر وَجْهي الْفراء وَقَالَ: وَحكى غير الْفراء لَا أَن ذَا جرم وَلَا ذُو جرم. انْتهى. وَهَذِه الْأَخِيرَة زِيَادَة على مَا ذكره الشَّارِح.

стр. 4999

وَزَاد ابْن الْأَعرَابِي ذِي على مَا نَقله عَنهُ ابْن مكرم فَقَالَ: قَالَ ثَعْلَب: الْفراء وَالْكسَائِيّ يَقُولَانِ: لَا جرم تبرئة بِمَعْنى لَا بُد وَيُقَال: لَا جرم وَلَا ذَا جرم وَلَا عَن ذَا جرم وَلَا جر بِلَا مِيم. وَذَلِكَ أَنه كثر فِي الْكَلَام فحذفت الْمِيم كَمَا قَالُوا: حاش لله وَالْأَصْل: حاشا. وسو أفعل وَالْأَصْل: سَوف أفعل. انْتهى. ولنرجع الْآن إِلَى شرح الْبَيْت فَنَقُول: قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات أدب الْكَاتِب: الْبَيْت لأبي أَسمَاء بن الضريبة وَقيل بل هُوَ لعطية بن عفيف. وَيقْرَأ طعنت بِضَم التَّاء وَهُوَ غلط وَالصَّوَاب فتحهَا لِأَن الشَّاعِر خَاطب بهَا كرزاً الْعقيلِيّ ورثاه وَكَانَ طعن أَبَا عُيَيْنَة وَهُوَ حصن بن حُذَيْفَة بن بدر الْفَزارِيّ يَوْم الحاجر. وَيدل على ذَلِك قَوْله قبله: (يَا كرز إِنَّك قد فتكت بِفَارِس ... بَطل إِذا هاب الكماة وجببوا) وجببوا بِالْجِيم وَالْبَاء الأولى مُشَدّدَة. قَالَ صَاحب الصِّحَاح: التجبيب: النفار. يُقَال: جبب فلَان فَذهب. وَقَالَ غَيره: التجبيب: الْفِرَار. وكرز بِضَم الْكَاف.

стр. 5000

وَأَبُو أَسمَاء جاهلي. والضريبة فعيلة من الضَّرْب. وَكَذَا عَطِيَّة بن عفيف جاهلي. (الشَّاهِد الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ بعد الثَّمَانمِائَة) أعن ترسمت من خرقاء منزلَة تَمَامه: مَاء الصبابة من عَيْنَيْك مسجوم على أَن عَن أَصْلهَا أَن فأبدلت الْألف عينا. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي حُرُوف الْمصدر. - والهمزة للاستفهام وَعَن مَصْدَرِيَّة وَاللَّام مقدرَة قبلهَا عِلّة للمصراع الثَّانِي. وترسمت الدَّار: تَأَمَّلت رسمها. وَالتَّاء للخطاب. وخرقاء: اسْم معشوقة ذِي الرمة غيلَان وَهُوَ قَائِل الْبَيْت وَهُوَ مطلع قصيدة. ومنزلَة مفعول ترسمت. والصبابة: رقة الشوق ومسجوم من سجمت الْعين الدمع أَي: أسالته وَالتَّقْدِير: ألأجل ترسمك ونظرك دارها الَّتِي نزلت فِيهَا بَكت عَيْنك.

стр. 5001

وَيَأْتِي إِن شَاءَ الله بَقِيَّة الْكَلَام هُنَاكَ. وَذُو الرمة تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّامِن من أول الْكتاب. (الشَّاهِد الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ بعد الثَّمَانمِائَة) وَهُوَ من شَوَاهِد س: (وَإِلَّا فاعلموا أَنا وَأَنْتُم ... بغاةً مَا بَقينَا فِي شقَاق) على أَن سِيبَوَيْهٍ اسْتشْهد بِهِ على الْعَطف على مَحل اسْم إِن الْمَكْسُورَة بِتَقْدِير حذف الْخَبَر من الأول وَالتَّقْدِير: إِنَّا بغاة وَأَنْتُم بغاة. هَذَا نَقله وَلم يقل سِيبَوَيْهٍ كَذَا وَإِنَّمَا قَالَ: أَنْتُم فِي نِيَّة التَّأْخِير وبغاة فِي نِيَّة التَّقْدِيم وَهَذَا نَصه. - وَاعْلَم أَن نَاسا من الْعَرَب يغلطون فَيَقُولُونَ: إِنَّهُم أَجْمَعُونَ ذاهبون وَإنَّك وَزيد ذاهبان. وَذَلِكَ أَن مَعْنَاهُ معنى الِابْتِدَاء فَيرى أَنه قَالَ: هم كَمَا قَالَ: وَلَا سَابق شَيْئا إِذا كَانَ جائيا على مَا ذكرت لَك. وَأما قَوْله والصائبون فعلى التَّقْدِيم

стр. 5002

وَالتَّأْخِير كَأَنَّهُ ابْتِدَاء على قَوْله: والصابئون بعد مَا يمْضِي الْخَبَر. وَقَالَ الشَّاعِر: كَأَنَّهُ قَالَ: نَحن بغاة مَا بَقينَا وَأَنْتُم. انْتهى كَلَامه. قَالَ النّحاس: يَعْنِي أَنه عطف أَنْتُم على الْموضع مثل: إِنِّي منطلق وَزيد. انْتهى. وَكَذَا نقل الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمفصل. وَقَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي قَوْله: وَأَنْتُم على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير أَي: فاعلموا أَنا بغاة وَأَنْتُم فَأنْتم: مُبْتَدأ وَالْخَبَر: مَحْذُوف لعلم السَّامع وَالْمعْنَى: وَأَنْتُم بغاة. وَيجوز أَن يكون الْمَحْذُوف خبر أَن كَمَا تَقول: إِن هنداً وَزيد منطلق. وَالْمعْنَى إِن هنداً منطلقة وَزيد منطلق فحذفت خبر الأول لدلَالَة الآخر عَلَيْهِ. وَالْآيَة الَّتِي اسْتشْهد بهَا سِيبَوَيْهٍ مَعَ الْبَيْت إِنَّمَا هِيَ آيَة الصائبين كَمَا رَأَيْت. وَأما آيَة بَرَاءَة فَلم يوردها سِيبَوَيْهٍ مَعَ الْبَيْت وَإِنَّمَا أوردهَا قبله بِثَلَاثَة أَبْوَاب وَهُوَ بَاب الْعَطف على اسْم إِن قَالَ: تَقول: إِن عمرا منطلق وَسَعِيد فسعيد يرْتَفع على وَجْهَيْن: حسن وَضَعِيف. فَأَما الْحسن فَأن يكون مَحْمُولا على الِابْتِدَاء لِأَن معنى: إِن زيدا منطلق زيد منطلق وَإِن دخلت توكيداً. وَفِي الْقُرْآن مثله: وأذان من الله وَرَسُوله إِلَى النَّاس يَوْم الْحَج الْأَكْبَر أَن الله بَرِيء) من الْمُشْركين وَرَسُوله. وَأما الْوَجْه الآخر الضَّعِيف فَأن يكون مَحْمُولا

стр. 5003

على الِاسْم الْمُضمر فِي المنطلق. فَإِذا أردْت ذَلِك وَإِن شِئْت جعلت الْكَلَام على الأول فَقلت: إِن زيدا منطلق وعمراً ظريف فَجَعَلته على قَوْله : وَلَو أَن مَا فِي الأَرْض من شَجَرَة أَقْلَام وَالْبَحْر يمده من بعده. وَقد رَفعه قوم على: لَو ضربت عمرا وَزيد قَائِم مَا ضرك أَي: لَو ضربت عمرا وَزيد فِي هَذِه الْحَال كَأَنَّهُ قَالَ: وَلَو أَن مَا فِي الأَرْض من شَجَرَة أَقْلَام وَالْبَحْر هَذَا أمره مَا نفذت كَلِمَات الله. انْتهى. - قَالَ الشاطبي فِي شرح الألفية: يُمكن أَن يكون رفع الْبَحْر فِي الْآيَة على مثل الرّفْع فِي إِن الْمَكْسُورَة لَا على أَنَّهَا حَالية وَإِن أجَاز ذَلِك سِيبَوَيْهٍ بِدَلِيل الْقِرَاءَة الْأُخْرَى بِالنّصب ليتحد معنى الْقِرَاءَتَيْن. انْتهى. وَإِنَّمَا فسر الشَّارِح الْمُحَقق أَذَان بإعلام لِأَن شَرط أَن الْمَفْتُوحَة فِي الْعَطف على اسْمهَا عِنْد المُصَنّف أَن تقع بعد مَا يُفِيد الْعلم. وَإِلَيْهِ ذهب ابْن مَالك فِي شرح التسهيل قَالَ: وَمثل إِن وَلَكِن فِي رفع الْمَعْطُوف: أَن إِذا تقدمها علم أَو مَعْنَاهُ ثمَّ مثل الْعلم بِالْبَيْتِ وَمَعْنَاهُ بِهَذِهِ الْآيَة. وَقَالَ السيرافي بعد أَن قرر كَلَام سِيبَوَيْهٍ على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير: يجوز أَن يكون خبر الَّذين محذوفاً لدلَالَة خبر: والصابئون عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْله: من آمن بِاللَّه فَيكون على حد قَول الشَّاعِر: (نَحن بِمَا عندنَا وَأَنت بِمَا ... عنْدك رَاض والرأي مُخْتَلف) أَرَادَ: نَحن بِمَا عندنَا راضون وَأَنت بِمَا عنْدك رَاض. ونظم الْآيَة هُوَ: إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا والصابئون وَالنَّصَارَى من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَعمل

стр. 5004

صَالحا فَلَا خوف عَلَيْهِم وَإِن فِيهَا مَكْسُورَة وَفِي الْبَيْت مَفْتُوحَة. وَقد سوى بَينهمَا سِيبَوَيْهٍ فِي الحكم. وَكَلَام المُصَنّف الَّذِي رده الشَّارِح مَذْكُور فِي شَرحه وَفِي أَمَالِيهِ قَالَ فِيهَا: إِنَّمَا سدت أَن الْمُشَدّدَة والمخففة مِنْهَا مسد المفعولين فِي بَاب ظَنَنْت وَأَخَوَاتهَا لاشتمالها على مَحْكُوم بِهِ ومحكوم عَلَيْهِ وَهُوَ مَا يَقْتَضِيهِ. وتتعلق بهما فِي الْمَعْنى على حسب مَا كَانَ فَلم تقتض أمرا آخر وَمن هَاهُنَا جَازَ كسرهَا عِنْد إِدْخَال اللَّام كَقَوْلِك: ظَنَنْت إِن زيدا لقائم. وَلَوْلَا أَن مَعْنَاهَا مَا ذَكرْنَاهُ لم يجز ذَلِك. أَلا ترى أَنَّك لَا تَقول: أعجبني إِن زيدا لقائم لتعذر تقديرها فِي معنى الْجُمْلَة المستقلة لكَونه) فَاعِلا. وَمن هَاهُنَا أَيْضا عطف على موضعهَا بِالرَّفْع وَإِن كَانَت مَفْتُوحَة لفظا لِأَنَّهَا فِي معنى الْمَكْسُورَة بِاعْتِبَار مَا ذَكرْنَاهُ فَتَقول: ظَنَنْت أَن زيدا قَائِم وَعَمْرو كَمَا تَقول: إِن زيدا قَائِم وَعَمْرو. وَلَا يجوز ذَلِك فِي الْمَفْتُوحَة فِي غَيرهَا كَقَوْلِك: أعجبني أَن زيدا قَائِم وَعَمْرو لكَونهَا لَيست فِي معنى الْجُمْلَة. انْتهى. وَهُوَ مَسْبُوق بِابْن جني قَالَ: فَأَما وَجه الْقيَاس فَهُوَ أَن الْمَفْتُوحَة وَإِن لم تكن من مَوَاضِع الِابْتِدَاء فَإِنَّهَا فِي التَّحْقِيق مثل الْمَكْسُورَة فَلَمَّا اسْتَويَا فِي الْمَعْنى وَالْعَمَل وتقاربا فِي اللَّفْظ صَارَت كل وَاحِدَة كَأَنَّهَا أُخْتهَا. يزِيد ذَلِك وضوحاً أَنَّك تَقول: علمت أَن زيدا قَائِم وَعلمت إِن زيدا لقائم فتجد معنى الْمَكْسُورَة كمعنى الْمَفْتُوحَة تؤكد فِي الْمَوْضِعَيْنِ كليهمَا قيام زيد لَا محَالة وَالْقِيَام مصدر كَمَا ترى. وتأتى هُنَا بِصَرِيح الِابْتِدَاء فَتَقول: قد علمت لزيد أفضل مِنْك كَمَا تَقول: علمت أَن زيدا أفضل مِنْك. أَفلا ترى إِلَى تجاري هَذِه التراكيب إِلَى معنى وتناظر بَعْضهَا إِلَى بعض. وَسبب ذَلِك كُله مَا ذكرت لَك من مشابهة أَن لإن لفظا وَمعنى وَعَملا. انْتهى.

стр. 5005

وَقد رد ابْن جني كَلَام السيرافي قِيَاسا وسماعاً كَمَا يَأْتِي فِي الْبَيْت الْآتِي. وَأما قَول سِيبَوَيْهٍ: وَاعْلَم أَن نَاسا من الْعَرَب يغلطون يَأْتِي إِن شَاءَ الله شَرحه فِي الْبَيْت الثَّانِي بعد هَذَا الْبَيْت. وَهُوَ من قصيدة لبشر بن أبي خازم الْأَسدي مطْلعهَا: وفيهَا يَقُول: (وسوف أخص بالكلمات أَوْسًا ... فيلقاه بِمَا قد قلت لاقي) إِلَى أَن قَالَ: (فَإذْ جزت نواصي آل بدر ... فأدوها وَأسرى فِي الوثاق) (وَإِلَّا فاعلموا أَنا وَأَنْتُم ... بغاة مَا بَقينَا فِي شقَاق) وَسبب هَذَا الشّعْر كَمَا فِي شرح ديوانه وَنَقله ابْن السيرافي فِي شرح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ:) أَن قوما من آل بدر الفزاريين جاوروا بني لأم من طَيئ فَعمد بَنو لأم إِلَى الفزاريين فجزوا تواصيهم وَقَالُوا: قد مننا عَلَيْكُم وَلم نقتلكم وَبَنُو فَزَارَة حلفاء بني أَسد فَغَضب بَنو أَسد لأجل مَا صنع بالبدريين فَقَالَ بشر هَذِه القصيدة يذكر فِيهَا مَا صنع ببني بدر وَيَقُول للطائيين: فَإذْ قد جززتم نواصيهم فاحملوها إِلَيْنَا وأطلقوا من قد أسرتم مِنْهُم وَإِن لم تَفعلُوا فاعلموا أَنا نبغيكم ونطلبكم فَإِن أصبْنَا أحدا مِنْكُم طلبتمونا بِهِ فَصَارَ كل وَاحِد منا يَبْغِي صَاحبه فنبقى فِي شقَاق وعداوة أبدا.

стр. 5006

وَقد تحرف هَذَا الْكَلَام على ابْن هِشَام فَقَالَ فِي شرح الشواهد وَتَبعهُ الْعَيْنِيّ: وَالسَّبَب فِيهِ أَن قوما من آل بدر جاوروا الفزاريين من بني لأم من طَيئ فجزوا نواصيهم وَقَالُوا: مننا عَلَيْكُم وَلم وَلَا يَصح هَذَا إِلَّا إِذا كَانَ بشر فزارياً وَإِنَّمَا هُوَ من أَسد بن خُزَيْمَة. وَقَوله: وسوف أخص بالكلمات أَوْسًا هُوَ أَوْس بن حَارِثَة بن لأم الطَّائِي أحد الأجواد الْمَشْهُورين. وَقَوله: فَإذْ جزت نواصي ... إِلَخ جزت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول. والجز: بِالْجِيم وَالزَّاي: قطع الصُّوف وَالشعر. والنواصي: جمع نَاصِيَة وَهِي الشّعْر فِي مقدم الرَّأْس فَوق الْجَبْهَة. وَكَانَت الْعَرَب إِذا أَنْعَمت على الرجل الشريف بعد أسره جزوا ناصيته وأطلقوه فَتكون الناصية عِنْد الرجل يفخر بهَا. وأسرى: جمع أَسِير. والوثاق: الْقَيْد وَالْحَبل وَنَحْوه. وَقَوله: وَإِلَّا أَي: وَإِن لم تُؤَدُّوا النواصي المجزوزة مَعَ الأسرى. وَأَخْطَأ الْعَيْنِيّ فِي قَوْله: أَي وَإِن لم تجزوا نواصيهم وتطلقوا أَسْرَاهُم. انْتهى. وبغاة: جمع بَاغ وَهُوَ الطَّالِب أَو مَعْنَاهُ يَبْغِي بَعْضنَا على بعض. وَفِي ديوانه: بغاء بِكَسْر الْمُوَحدَة وَضمّهَا مَعَ الْمَدّ. أما الْمَكْسُورَة فَهُوَ مصدر بغى أَي: سعى فِي الْفساد. وَأما المضموم فَهُوَ اسْم للمصدر يُقَال: بغيته بغياً: طلبته وَالِاسْم الْبغاء بِالضَّمِّ وَعَلَيْهِمَا يكون فيهمَا مُضَاف مَحْذُوف أَي: ذُو بغاء. وَمَا: مَصْدَرِيَّة

стр. 5007

ظرفية أَي: مُدَّة بقائنا. وروى بدله: مَا حيينا من الْحَيَاة. والشقاق: مصدر شاقه مشاقة وشقاقاً أَي: خَالفه. وَحَقِيقَته أَن يَأْتِي كل مِنْهُمَا مَا يشق على صَاحبه فَيكون كل مِنْهُمَا فِي شقّ غير شقّ صَاحبه. والشق بِالْكَسْرِ: الْجَانِب وَالْمَشَقَّة وَنصف الشَّيْء.) - وَأورد عَلَيْهِ بِأَن فِيهِ الْحَذف من الأول لدلَالَة الثَّانِي وَإِنَّمَا الْكثير الْعَكْس. وخرجه بَعضهم كَمَا نَقله الْعَيْنِيّ على أَن: بغاة خبر إِنَّا وَخبر انتم مَحْذُوف وَالتَّقْدِير: إِنَّا بغاة وَأَنْتُم كَذَلِك فَيكون جملَة أَنْتُم كَذَلِك فَيكون جملَة وَأَنْتُم كَذَلِك اعْترض بهَا بَين الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر. وَيرد على التخاريج الثَّلَاثَة أَن الْمُتَكَلّم لَا يثبت لنَفسِهِ الْبَغي والعدوان وَإِنَّمَا ينْسبهُ إِلَى الْمُخَاطب. وَيُجَاب بِأَن الْمَعْنى مَا ذكر فِي سَبَب هَذَا الشّعْر كَمَا تقدم وَلَيْسَ مَعْنَاهُ مَا أورد. وَكَأن الشَّارِح الْمُحَقق لحظ هَذَا الْوُرُود فخرجه على أَن قَوْله مَا بَقينَا فِي شقَاق خبر إِنَّا وَجُمْلَة وَأَنْتُم وَهَذَا التَّخْرِيج لَا غُبَار عَلَيْهِ جيد إعراباً وَمعنى. وَجعل الْجُمْلَة اعتراضية أحسن من جعلهَا عاطفة لِأَنَّهُ يلْزم عَلَيْهِ الْعَطف قبل تَمام الْمَعْطُوف عَلَيْهِ. وَإِلَى هَذَا ذهب صَاحب اللّبَاب قَالَ: وَقد يتَوَهَّم أَن أَن الْمَفْتُوحَة فِي بَاب علمت لَهَا حكم الْمَكْسُورَة فِي صِحَة الْعَطف على الْمحل كَقَوْلِه: وَإِلَّا فاعلموا أَنا وَأَنْتُم الْبَيْت وَلَيْسَ بثبت لاحْتِمَال أَن يكون الْعَطف بِاعْتِبَار الْجمل لَا بِاعْتِبَار التَّشْرِيك فِي الْعَامِل. وَإنَّهُ جَائِز فِي الْجَمِيع.

стр. 5008

قَالَ شَارِحه الفالي: يَعْنِي يحْتَمل أَن لَا يكون مَعْطُوفًا عَلَيْهِ عطف الْمُفْرد بِاعْتِبَار تشريكهما فِي عَامل وَاحِد بل بِاعْتِبَار عطف الْجُمْلَة على الْجُمْلَة بِأَن يكون خبر إِنَّا هُوَ فِي شقَاق إِذْ لَيْسَ ينسبون الْبَغي إِلَى أنفسهم بل إِلَى المخاطبين خَاصَّة. فالعطف بِاعْتِبَار الْجمل لَا بِاعْتِبَار التَّشْرِيك. والعطف بِاعْتِبَار الْجمل جَائِز فِي الْجَمِيع. وَقد أوضح صَاحب الْكَشَّاف فِي تَفْسِير سُورَة الْمَائِدَة وَتَبعهُ الْبَيْضَاوِيّ كَلَام سِيبَوَيْهٍ فِي التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير فَقَالَ: والصائبون رفع على الِابْتِدَاء وَخَبره مَحْذُوف وَالنِّيَّة بِهِ التَّأْخِير عَمَّا فِي حيّز إِن من اسْمهَا وخبرها كَأَنَّهُ قيل: إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا وَالنَّصَارَى حكمهم كَذَا) وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ شَاهدا لَهُ: (وَإِلَّا فاعلموا أَنا وَأَنْتُم ... بغاة مَا بَقينَا فِي شقَاق) أَي: فاعلموا أَنا بغاة وَأَنْتُم كَذَلِك. فَإِن قلت: هلا زعمت أَن ارتفاعه للْعَطْف على مَحل أَن وَاسْمهَا قلت: لَا يَصح ذَلِك قبل الْفَرَاغ من الْخَبَر لَا تَقول: إِن زيدا وَعَمْرو منطلقان. فَإِن قلت: لم لَا يَصح وَالنِّيَّة بِهِ التَّأْخِير فكأنك قلت: إِن زيدا منطلق وَعَمْرو قلت: لِأَنِّي إِذا رفعته رفعته عطفا على مَحل إِن وَاسْمهَا وَالْعَامِل فِي محلهَا هُوَ الِابْتِدَاء فَيجب أَن يكون هُوَ الْعَامِل فِي الْخَبَر لِأَن الِابْتِدَاء يَنْتَظِم الجزأين فِي عمله كَمَا تنتظمهما إِن فِي عَملهَا فَلَو رفعت الصابئون الْمَنوِي بِهِ التَّأْخِير بِالِابْتِدَاءِ وَقد رفعت الْخَبَر بإن لأعملت فيهمَا رافعين مُخْتَلفين.

стр. 5009

فَإِن قلت: فَقَوله: والصابئون مَعْطُوف لَا بُد لَهُ من مَعْطُوف عَلَيْهِ فَمَا هُوَ قلت: هُوَ مَعَ خَبره الْمَحْذُوف جملَة معطوفة على جملَة قَوْله: إِن الَّذين آمنُوا إِلَخ وَلَا مَحل لَهَا كَمَا لَا مَحل للَّتِي عطفت عَلَيْهَا. فَإِن قلت: مَا التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير إِلَّا لفائدة فَمَا فَائِدَة هَذَا التَّقْدِيم قلت: فَائِدَته التَّنْبِيه على أَن الصابئين يُتَاب عَلَيْهِم إِن صَحَّ مِنْهُم الْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح فَمَا الظَّن بغيرهم وَذَلِكَ أَن الصابئين أبين هَؤُلَاءِ الْمَعْدُودين ضلالا وأشدهم غياً وَمَا سموا صابئين إِلَّا لأَنهم صبؤوا عَن الْأَدْيَان كلهَا أَي: خَرجُوا. كَمَا أَن الشَّاعِر قدم قَوْله: وَأَنْتُم تَنْبِيها على أَن المخاطبين أوغل فِي الْوَصْف بالبغاة من قومه حَيْثُ عَاجل بِهِ قبل الْخَبَر الَّذِي هُوَ بغاة لِئَلَّا يدْخل قومه فِي الْبَغي قبلهم مَعَ كَونهم أوغل فِيهِ مِنْهُم. وَأثبت قدماً. انْتهى. وَكَون هَذَا عِنْد سِيبَوَيْهٍ من عطف الْجمل لَا من عطف الْمُفْردَات هُوَ صَرِيح كَلَامه. - قَالَ الشاطبي: وَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَر أَن الرّفْع فِي الْمَعْطُوف على الِابْتِدَاء هُوَ اسْتِئْنَاف جملَة معطوفة على أُخْرَى وَهُوَ الْأَظْهر من كَلَام سِيبَوَيْهٍ. وَنقل عَن الْأَخْفَش وَالْفراء والمبرد وَابْن السراج والفارسي فِي غير الْإِيضَاح وَابْن أبي الْعَافِيَة والشلوبين فِي آخر قوليه وَجَمَاعَة من أَصْحَابه. وَمِنْهُم من جعل ذَلِك عطفا حَقِيقَة من بَاب عطف الْمُفْردَات وَأَن قَوْلك: إِن زيداُ قَائِم وَعَمْرو) عطف فِيهِ عَمْرو على مَوضِع زيد وَهُوَ الرّفْع كَمَا عطف على مَوضِع خبر لَيْسَ فِي نَحْو: فلسنا بالجبال وَلَا الحديدا

стр. 5010

وَإِلَيْهِ ذهب الشلوبين فِي أول قوليه وَابْن أبي الرّبيع. وَهُوَ ظَاهر الْإِيضَاح وجمل الزجاجي وَمَال وَذهب ابْن مَالك فِي شرح التسهيل إِلَى الأول وَنَصره وزيف غَيره وَهُوَ الصَّحِيح من المذهبين الْمُعْتَمد المعضود بِالدَّلِيلِ. وَقد تصدى ابْن أبي الْعَافِيَة لنصره فِي مَسْأَلَة أفردها وَابْن الزبير من شُيُوخ شُيُوخنَا اعتنى بالمسالة جدا وَطول فِيهَا الْكَلَام. وَهُوَ الَّذِي ذهب إِلَيْهِ من اعتمدناه من شُيُوخنَا فتلقيناه عَنْهُم. فَمن أَرَادَ التَّرْجِيح بَين المذهبين فَعَلَيهِ بِكَلَام ابْن الزبير فَفِيهِ غَايَة الشِّفَاء فِي الْمَسْأَلَة. - وَقد احْتج لَهُ ابْن مَالك بِأَنَّهُم اقتصروا فِي هَذَا الْعَطف على الْإِتْيَان بِهِ بعد تَمام الْجُمْلَة. وَلَو كَانَ من عطف الْمُفْردَات لَكَانَ وُقُوعه قبل التَّمام أولى لِأَن وصل الْمَعْطُوف بالمعطوف عَلَيْهِ أَجود من فَصله. وَأَيْضًا لَو كَانَ كَذَلِك لجَاز وُقُوع غَيره من التوابع. وَلم يحْتَج سِيبَوَيْهٍ فِي قَوْله تَعَالَى: قل إِن رَبِّي يقذف بِالْحَقِّ علام الغيوب إِلَى أَن يَجعله خبر مُبْتَدأ أَو بَدَلا من فَاعل يقذف. وَاسْتدلَّ بِغَيْر ذَلِك مِمَّا يطول بِهِ الْكَلَام. انْتهى كَلَامه الْمَقْصُود مِنْهُ. وَبشر بن أبي خازم شَاعِر جاهلي تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعِشْرين بعد الثلثمائة.
следующие страницы →