Полный текст (5 658 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
أَي: عاراً يسب بِهِ. وتجر: بِفَتْح الْجِيم مضارع جر من جر عَلَيْهِم جريرة أَي: جنى عَلَيْهِم جِنَايَة. وَفِي بِمَعْنى بَين.
والبيتان من قصيدة طَوِيلَة تزيد على مائَة بَيت لأبي طَالب عاذ فِيهَا بحرم مَكَّة وبمكانه مِنْهَا وتودد فِيهَا إِلَى أَشْرَاف قومه وَأخْبر قُريْشًا أَنه غير مُسلم مُحَمَّدًا رَسُول الله ﷺ َ لأحد أبدا حَتَّى يهْلك دونه ومدحه فِيهَا أَيْضا. وَقَالَهَا فِي الشّعب لما اعتزل مَعَ بني هَاشم وَبني عبد الْمطلب قُريْشًا.
وَسبب دُخُوله الشّعب: أَن كفار قُرَيْش اتّفق رَأْيهمْ على قتل رَسُول الله ﷺ َ)
وَقَالُوا: قد أفسد أبناءنا وَنِسَاءَنَا. فَقَالُوا لِقَوْمِهِ: خُذُوا منا دِيَة مضاعفة ويقتله رجل من غير قُرَيْش وتريحوننا وتريحون أَنفسكُم فَأبى بَنو هَاشم من ذَلِك وظاهرهم بَنو عبد الْمطلب.
فَاجْتمع الْمُشْركُونَ من قُرَيْش على منابذتهم وإخراجهم من مَكَّة إِلَى الشّعب.
فَلَمَّا دخلُوا الشّعب أَمر رَسُول الله ﷺ َ من كَانَ بِمَكَّة من الْمُؤمنِينَ أَن يخرجُوا إِلَى أَرض الْحَبَشَة وَكَانَت متجراً لقريش وَكَانَ يثني على النَّجَاشِيّ بِأَنَّهُ لَا يظلم عِنْده أحد.
فَانْطَلق عَامَّة من آمن بِاللَّه وَرَسُوله إِلَى الْحَبَشَة وَدخل بَنو هَاشم وَبَنُو عبد الْمطلب الشّعب مؤمنهم وكافرهم: فالمؤمن دينا وَالْكَافِر حمية. فَلَمَّا عرفت قُرَيْش أَن رَسُول الله ﷺ َ قد مَنعه قومه أَجمعُوا على أَن لَا يبايعوهم وَلَا يدخلُوا إِلَيْهِم شَيْئا من الرِّفْق وَقَطعُوا عَنْهُم الْأَسْوَاق وَلم يتْركُوا
стр. 527
طَعَاما وَلَا إدَامًا إِلَّا بَادرُوا إِلَيْهِ واشتروه وَلَا يناكحوهم وَلَا يقبلُوا مِنْهُم صلحا أبدا وَلَا تأخذهم بهم رأفة حَتَّى يسلمُوا رَسُول الله ﷺ َ للْقَتْل وَكَتَبُوا بذلك صحيفَة وعلقوها فِي الْكَعْبَة وتمادوا على الْعَمَل بِمَا فِيهَا من ذَلِك ثَلَاث سِنِين.
فَاشْتَدَّ الْبلَاء على بني هَاشم وَمن مَعَهم فَأَجْمعُوا على نقض مَا تَعَاهَدُوا عَلَيْهِ من الْغدر والبراءة وَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ لأبي طَالب: يَا عَم إِن رَبِّي قد سلط الأرضة على صحيفَة قُرَيْش فلحستها إِلَّا مَا كَانَ اسْما لله فأبقته. قَالَ: أربك أخْبرك بِهَذَا قَالَ: نعم قَالَ: فو الله مَا يدْخل عَلَيْك أحد ثمَّ خرج إِلَى قُرَيْش فَقَالَ: يَا معشر قُرَيْش إِن ابْن أخي أَخْبرنِي وَلم يكذبنِي أَن هَذِه الصَّحِيفَة الَّتِي فِي أَيْدِيكُم قد بعث الله عَلَيْهَا دَابَّة فلحست مَا فِيهَا فَإِن كَانَ كَمَا يَقُول فأفيقوا فَلَا وَالله لَا نسلمه حَتَّى نموت وَإِن كَانَ يَقُول بَاطِلا دفعناه إِلَيْكُم.
فَقَالُوا: قد رَضِينَا. ففتحوا الصَّحِيفَة فوجدوها كَمَا أخبر بِهِ ﷺ َ وَقَالُوا: هَذَا سحر ابْن أَخِيك وَزَادَهُمْ ذَلِك بغياً وعدواناً. فَقَالَ أَبُو طَالب: يَا معشر قُرَيْش علام نحصر ونحبس وَقد بَان الْأَمر وَتبين أَنكُمْ أهل الظُّلم والقطيعة ثمَّ دخل هُوَ وَأَصْحَابه بَين أَسْتَار الْكَعْبَة وَقَالَ: اللَّهُمَّ انصرنا على من ظلمنَا وَقطع أرحامنا واستحل مَا يحرم عَلَيْهِ منا. ثمَّ انْصَرف إِلَى الشّعب وَقَالَ هَذِه القصيدة.
قَالَ ابْن كثير: هِيَ قصيدة بليغة جدا لَا يَسْتَطِيع أَن يَقُولهَا إِلَّا من نسبت إِلَيْهِ وَهِي أفحل من المعلقات السَّبع وأبلغ فِي تأدية الْمَعْنى.
وَقد أَحْبَبْت أَن أوردهَا هُنَا منتخبة مشروحةً بشرح يُوفي الْمَعْنى محبَّة فِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ)
وَسلم وَهِي هَذِه:
стр. 528
(خليلي مَا أُذُنِي لأوّل عاذل ... بصغواء فِي حق وَلَا عِنْد بَاطِل)
بصغواء: خبر مَا النافية وَهِي حجازية وَلذَا زيدت الْبَاء. والصغو: الْميل. وأصغيت إِلَى فلَان: إِذا ملت بسمعك نَحوه. ولأول عاذل: مُتَعَلق بصغواء. وَفِي حق مُتَعَلق بعاذل أَي: لَا أميل بأذني لأوّل عاذل فِي الْحق وَإِنَّمَا قيد العاذل بِالْأولِ لِأَنَّهُ إِذا لم يقبل عذل العاذل الأول فَمن بَاب أولى أَن لَا يقبل عذل العاذل الثَّانِي فَإِن النَّفس إِذا كَانَت خَالِيَة الذِّهْن فَفِي الْغَالِب أَن يسْتَقرّ فِيهَا أول مَا يرد عَلَيْهَا.
(خليلي إِن الرَّأْي لَيْسَ بشركةٍ ... وَلَا نهنه عِنْد الْأُمُور البلابل)
أَرَادَ أَن الرَّأْي الْجيد يكون بمشاركة الْعُقَلَاء فَإِن لم يتشاركوا: بِأَن كَانُوا متباغضين لم ينْتج شَيْئا والرأي مَا لم يتخمر فِي الْعُقُول كَانَ فطيرا. والنهنه بنونين وهائين كجعفر: المضيء والنير الشفاف الَّذِي يظْهر الْأَشْيَاء على جليتها وَأَصله الثَّوْب الرَّقِيق النسج وَمن شَأْنه أَن لَا يمْنَع النّظر إِلَى مَا وَرَاءه وَهُوَ مَعْطُوف على شركَة.
والبلابل: إِمَّا جمع بلبلة بِفَتْح البائين أَو جمع بلبال بفتحمها وهما بِمَعْنى الْهم ووساوس الصَّدْر كزلازل جمع زَلْزَلَة وزلزال بِالْفَتْح وَهُوَ إِمَّا على حذف مُضَاف أَي: ذَات البلابل أَو إِنَّهَا بدل من الْأُمُور.
(وَلما رَأَيْت الْقَوْم لَا ود عِنْدهم ... وَقد قطعُوا كل العرى والوسائل)
стр. 529
أَرَادَ بالقوم كفار قُرَيْش. والعرا: جمع عُرْوَة وَهِي مَعْرُوفَة وَأَرَادَ بهَا هُنَا مَا يتَمَسَّك بِهِ من
(وَقد صارحونا بالعداوة والأذى ... وَقد طاوعوا أَمر الْعَدو المزايل)
صارحونا: كاشفونا بالعداوة صَرِيحًا والصراحة وَإِن كَانَت لَا زمة لَكِنَّهَا لما نقلت إِلَى بَاب المفاعلة تعدت. والمزايل: اسْم فَاعل من زايله مزايلة وزيلاً: فَارقه وباينه وَإِنَّمَا يكون الْعَدو مفارقاً إِذا صرح بالعداوة فَلَا تمكن الْعشْرَة. وَمن قَالَ: المزايل: المعالج وظنه من المزاولة لم يصب.
(وَقد حالفوا قوما علينا أظنةً ... يعضون غيظاً خلفنا بالأنامل)
حالفوا قوما: مثل صارحونا فِي أَنه كَانَ لَازِما وتعدى إِلَى الْمَفْعُول بنقله إِلَى بَاب المفاعلة.
والتحالف: التعاهد والتعاقد على أَن يكون الْأَمر وَاحِدًا فِي النُّصْرَة والحماية وَبَينهمَا حلف أَي:)
عهد والحليف: الْمعَاهد. وعلينا مُتَعَلق بحالفوا. والأظنة جمع ظنين وَهُوَ الرجل الْمُتَّهم والظنة بِالْكَسْرِ التُّهْمَة وَالْجمع الظنن. يُقَال مِنْهُ أطنه وَأَظنهُ: بِالطَّاءِ والظاء إِذا اتهمه.
قَالَ الشاطبي فِي شرح الألفية: أفعلة قياسٌ فِي كل اسْم مُذَكّر رباعي فِيهِ مُدَّة ثَالِثَة فَهَذِهِ أَرْبَعَة أَوْصَاف مُعْتَبرَة فَإِن كَانَ صفة لم يجمع قِيَاسا على أفعلة فَإِن جَاءَ عَلَيْهِ فمحفوظ لَا يُقَاس عَلَيْهِ قَالُوا فِي شحيح. أشحة وَفِي ظنين: أظنة. قَالَ تَعَالَى: أشحة عَلَيْكُم وَقَالَ أَبُو طَالب. . وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
الصَّبْر: الْحَبْس. والسمراء: الْقَنَاة. والسمحة: اللدنة اللينة الَّتِي
تسمح بالهز والانعطاف.
والأبيض: السَّيْف. والعضب: الْقَاطِع. والمقاول: جمع
стр. 530
مقول بِكَسْر الْمِيم: الرئيس وَهُوَ دون الْملك كَذَا فِي الْمِصْبَاح عَن ابْن الْأَنْبَارِي.
وَقَالَ السُّهيْلي فِي الرَّوْض الْأنف: أَرَادَ بالمقاول آباءه شبههم بالملوك وَلم يَكُونُوا ملوكاً وَلَا كَانَ فيهم ملك بِدَلِيل حَدِيث أبي سُفْيَان حِين قَالَ لَهُ هِرقل: هَل كَانَ فِي آبَائِهِ من ملك فَقَالَ: لَا.
وَيحْتَمل أَن يكون هَذَا السَّيْف من هبات الْمُلُوك لِأَبِيهِ فقد وهب ابْن ذِي يزن لعبد الْمطلب هباتٍ جزيلةً حِين وَفد عَلَيْهِ مَعَ قُرَيْش يهنئونه بظفره بِالْحَبَشَةِ وَذَلِكَ بعد مولد رَسُول الله ﷺ َ بعامين.
(وأحضرت عِنْد الْبَيْت رهطي وإخوتي ... وَأَمْسَكت من أثوابه بالوصائل)
الوصائل: ثِيَاب مخططة يَمَانِية كَانَ الْبَيْت يكسى بهَا.
(قيَاما مَعًا مُسْتَقْبلين رتاجه ... لَدَى حَيْثُ يقْضى حلفه كل نافل)
الرتاج: الْبَاب الْعَظِيم وَهُوَ مفعول مُسْتَقْبلين. والنافل: فَاعل من النَّافِلَة وَهُوَ التَّطَوُّع.
(أعوذ بِرَبّ النَّاس من كل طاعنٍ ... علينا بسوءٍ أَو ملحٍ بباطل)
(وَمن كاشحٍ يسْعَى لنا بمعيبة ... وَمن ملحقٍ فِي الدَّين مَا لم نحاول)
ملح: اسْم فَاعل من ألح على الشَّيْء: إِذا أقبل عَلَيْهِ مواظباً. والمعيبة: الْعَيْب والنقيصة.
ونحاول نُرِيد.
(وثورٍ وَمن أرسى ثبيراً مَكَانَهُ ... وراقٍ لبرٍ فِي حراء ونازل)
وثورٍ: مَعْطُوف على رب النَّاس. وَهُوَ وثبير وحراء. جبال بِمَكَّة. وَالْبر: خلاف الْإِثْم. وَهُوَ رِوَايَة ابْن اسحاق وَغَيره وروى ابْن هِشَام:
стр. 531
ليرقى وَهُوَ خطأ لِأَن الراقي لَا يرقى. وَإِنَّمَا هُوَ لبر)
أَي: فِي طلب بر. أقسم بطالب الْبر بصعوده فِي حراء للتعبد فِيهِ وبالنازل مِنْهُ.
(وبالبيت حق الْبَيْت من بطن مَكَّة ... وَبِاللَّهِ إِن الله لَيْسَ بغافل)
(وبالحجر الْأسود إِذْ يمسحونه ... إِذا اكتنفوه بالضحى والأصائل)
قَالَ السُّهيْلي: وَقَوله بِالْحجرِ الْأسود فِيهِ زحاف يُسمى الْكَفّ وَهُوَ حذف النُّون من مفاعيلن وَهُوَ بعد الْوَاو من الْأسود. والأصائل: جمع أصيلة وَالْأَصْل: جمع أصيل وَذَلِكَ لِأَن فعائل جمع فعيلة. والأصيلة: لُغَة مَعْرُوفَة فِي الْأَصِيل انْتهى. وَهُوَ مَا بعد صَلَاة الْعَصْر إِلَى الْغُرُوب.
(وموطئ إِبْرَاهِيم فِي الصخر رطبَة ... على قَدَمَيْهِ حافياً غير ناعل)
موطئ إِبْرَاهِيم ﵇: هُوَ مَوضِع قَدَمَيْهِ حِين غسلت كنته رَأسه وَهُوَ رَاكب فاعتمد بقدمه على الصَّخْرَة حِين أمال رَأسه ليغسل وَكَانَت سارة قد أخذت عَلَيْهِ عهدا حِين استأذنها فِي أَن يطالع مَا تَركه بِمَكَّة. فَحلف لَهَا أَنه لَا ينزل عَن دَابَّته وَلَا يزِيد على السَّلَام واستطلاع الْحَال غيرَة من سارة عَلَيْهِ من هَاجر فحين اعْتمد على الصَّخْرَة ألْقى الله فِيهَا أثر قدمه آيَة. قَالَ تَعَالَى: فِيهِ آياتٌ بيناتٌ مقَام إِبْرَاهِيم. أَي مِنْهَا مقَام إِبْرَاهِيم. وَمن جعل مقَام إِبْرَاهِيم بَدَلا من آيَات قَالَ: الْمقَام جمع مقامة. وَقيل: بل هُوَ أثر قدمه حِين رفع الْقَوَاعِد من الْبَيْت وَهُوَ قَائِم عَلَيْهِ.
(وأشواط بَين المروتين إِلَى الصَّفَا ... وَمَا فيهمَا من صورةٍ وتماثل)
هُوَ جمع تماثلن وَأَصله تماثيل فَحذف الْيَاء. ...
стр. 532
(وَمن حج بَيت الله من كل رَاكب ... وَمن كل ذِي نذرٍ وَمن كل راجل)
(فَهَل بعد هَذَا من معاذٍ لعائذٍ ... وَهل من معيذٍ يَتَّقِي الله عَادل)
المعاذ بِالْفَتْح: اسْم مَكَان من عاذ فلَان بِكَذَا إِذا لَجأ إِلَيْهِ واعتصم بِهِ. والمعيذ: اسْم فَاعل من أَعَاذَهُ بِاللَّه أَي: عصمه بِهِ. وعادل: صفة معيذ بِمَعْنى غير جَائِر.
(يطاع بِنَا العدا وودوا لَو أننا ... تسد بِنَا أَبْوَاب تركٍ وكابل)
العدا بِضَم الْعين وَكسرهَا: اسْم جمع لِلْعَدو ضد الصّديق وروى الأعدا وَهُوَ جمع عَدو.
وتسد بِنَا أَي: علينا. وَالتّرْك وكابل بِضَم الْبَاء. صنفان من الْعَجم.
أَي: وَالله لَا نَتْرُك مَكَّة وَلَا نظعن مِنْهَا لَكِن أَمركُم فِي هموم ووساوس صدر. وروى: فِي تلاتل بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة جمع تلتلة وَهُوَ الِاضْطِرَاب وَالْحَرَكَة.)
(كَذبْتُمْ وَبَيت الله نبزى مُحَمَّدًا ... وَلما نطاعن دونه ونناضل)
الْوَاو للقسم ونبزى جَوَاب الْقسم على تَقْدِير لَا النافية فَإِنَّهَا يجوز حذفهَا فِي الْجَواب كَقَوْلِه تَعَالَى: تالله تفتؤ أَي: لَا تفتؤ. ونبزى بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول أَي: نغلب ونقهر عَلَيْهِ يُقَال أَبْزَى فلَان بفلان إِذا غَلبه وقهرهن كَذَا فِي الصِّحَاح. فَهُوَ بِالْبَاء وَالزَّاي المنقوطة. ومحمداً مَنْصُوب بِنَزْع الْبَاء. وَلما: نَافِيَة جازمة وَالْجُمْلَة المنفية حَال من نَائِب فَاعل نبزى. والطعن يكون بِالرُّمْحِ والنضال يكون بِالسَّهْمِ.
(ونسلمه حَتَّى نصرع حوله ... ونذهل عَن أَبْنَائِنَا والحلائل)
стр. 533
ونسلمه بِالرَّفْع مَعْطُوف على نبزى أَي: لَا نسلمه من أسلمه بِمَعْنى سلمه لفُلَان أَو من أسلمه بِمَعْنى خذله. ونصرع ونذهل بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول. والحلائل: جمع حَلِيلَة وَهِي الزَّوْجَة.
قَالَ ابْن هِشَام فِي السِّيرَة: قَالَ عُبَيْدَة بن الْحَارِث بن الْمطلب لما أُصِيب فِي قطع رجله يَوْم بدر: أما وَالله لَو أدْرك أَبَا طَالب هَذَا الْيَوْم لعلم أَنِّي أَحَق بِمَا قَالَ مِنْهُ حَيْثُ يَقُول: كَذبْتُمْ وَبَيت الله نبزى مُحَمَّدًا ... . . الْبَيْت وَمَا بعده.
وينهض بِفَتْح الْيَاء وَهُوَ مَنْصُوب مَعْطُوفًا على نصرع والنهوض فِي الْحَدِيد عبارَة عَن لبسه واستعماله فِي الْحَرْب. والروايا: جمع راوية وَهُوَ الْبَعِير أَو الْبَغْل أَو الْحمار الَّذِي يستقى عَلَيْهِ.
وَذَات الصلاصل هِيَ المزادة الَّتِي ينْقل فِيهَا
المَاء وتسميها الْعَامَّة الراوية والصلاصل جمع صلصلة بِضَم الصادين وَهِي بَقِيَّة المَاء فِي الإدرة. يُرِيد: أَن الرِّجَال مثقلين بالحديد كالجمال الَّتِي تحمل الْمِيَاه مثقلة شبه قعقعة الْحَدِيد بصلصلة المَاء فِي المزادات.
(وَحَتَّى نرى ذَا الضغن يركب ردعه ... من الطعْن فعل الأنكب المتحامل)
نرى بالنُّون من رُؤْيَة الْعين. والضغن بِالْكَسْرِ الحقد. وَجُمْلَة يركب حَال من مفعول نرى يُقَال للقتيل. ركب ردعه: إِذْ خر لوجهه على دَمه. والردع بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الدَّال: اللطخ والأثر من الدَّم والزعفران. وَمن
стр. 534
الطعْن مُتَعَلق بيركب. والأنكب: المائل إِلَى جِهَة وَأَرَادَ كَفعل الأنكب فِي الصِّحَاح: والنكب أَي: بِفتْحَتَيْنِ: دَاء يَأْخُذ الْإِبِل فِي مناكبها فتظلع مِنْهُ وتمشي منحرفة يُقَال نكب الْبَعِير بِالْكَسْرِ ينكب نكباً فَهُوَ أنكبٌ. وَهُوَ من صفة المتطاول الجائر. والمتحامل بِالْمُهْمَلَةِ: الجائر والظالم.
(وَإِنَّا لعمر الله إِن جد مَا أرى ... لتلتبسن أسيافنا بالأماثل))
عمر الله مُبْتَدأ وَالْخَبَر مَحْذُوف أَي: قسمي وَجُمْلَة لتلتبسن جَوَاب الْقسم وَالْجُمْلَة القسمية خبر وَقَوله إِن جد إِن شَرْطِيَّة وجد بِمَعْنى لج ودام وَعظم وَمَا مَوْصُولَة وَأرى من رُؤْيَة الْبَصَر وَالْمَفْعُول مَحْذُوف وَهُوَ الْعَائِد وَجَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف وجوبا لسد جَوَاب الْقسم مَحَله.
والالتباس: الِاخْتِلَاط والملابسة وَالنُّون الْخَفِيفَة للتوكيد وأسيافنا فَاعل تَلْتَبِس. والأماثل: الْأَشْرَاف جمع أمثل. وَالْمعْنَى إِن دَامَ هَذَا العناد الَّذِي أرَاهُ تنَلْ سُيُوفنَا أشرافكم.
بكفي: تَثْنِيَة كف وَالْبَاء مُتَعَلقَة بقوله تَلْتَبِس وَقد حقق الله مَا تفرسه أَبُو طَالب يَوْم بدر.
وَقَوله: مثل الشهَاب يُرِيد أَنه شجيع لَا يقاومه أحد فِي الْحَرْب كَأَنَّهُ شعلة نَار يحرق من يقرب مِنْهُ. والسميدع بِفَتْح السِّين وَضمّهَا خطأ وبفتح الدَّال الْمُهْملَة وإعجامها لَا أصل لَهُ خلافًا لصَاحب الْقَامُوس وَمَعْنَاهُ السَّيِّد الْمُوَطَّأ الأكناف.
قَالَ الْمبرد فِي أول الْكَامِل: معنى موطأ الأكناف: أَن ناحيته
стр. 535
يتَمَكَّن فِيهَا صَاحبهَا غير مؤذى وَلَا نَاب بِهِ مَوْضِعه. والتوطئة التذليل والتمهيد يُقَال دَابَّة وطئ يَا فَتى وَهُوَ الَّذِي لَا يُحَرك رَاكِبه فِي مسيره وفراش وطئ إِذا كَانَ وثيراً لَا يُؤْذِي جنب النَّائِم عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: حَدثنِي الْعَبَّاس بن الْفرج الرياشي قَالَ: حَدثنِي الْأَصْمَعِي قَالَ: قيل لأعرابي وَهُوَ المنتجع بن نَبهَان: مَا السميدع فَقَالَ: السَّيِّد الْمُوَطَّأ الأكناف. وَتَأْويل الأكناف: الجوانب يُقَال فِي الْمثل: فلَان فِي كنف فلَان كَمَا يُقَال فلَان فِي ظلّ فلَان وَفِي ذرا فلَان وَفِي نَاحيَة فلَان وَفِي والثقة: مصدر وثقت بِهِ أَثِق بكسرهما: إِذا ائتمنته. وَالْأَخ يسْتَعْمل بِمَعْنى الملازم والمداوم.
والحقيقة: مَا يحِق على الرجل أَن يحميه. والباسل: الشجيع الشَّديد الَّذِي يمْتَنع أَن يَأْخُذهُ أحد فِي الْحَرْب والمصدر البسالة وَفعله بسل بِالضَّمِّ. وَأَرَادَ بِصَاحِب هَذِه الصِّفَات الفاضلة مُحَمَّدًا ﷺ َ.
(وَمَا ترك قومٍ لَا أَبَا لَك سيداً ... يحوط الذمار غير ذربٍ مواكل)
مَا: استفهامية تعجبية مُبْتَدأ عِنْد سِيبَوَيْهٍ وَترك: خبر الْمُبْتَدَأ وَعند الْأَخْفَش بِالْعَكْسِ. وَقَوله: لَا أَبَا لَك يسْتَعْمل كِنَايَة عَن الْمَدْح والذم وَوجه الأول: أَن يُرَاد نفي نَظِير الممدوح بِنَفْي أَبِيه وَوجه الثَّانِي: أَن يُرَاد أَنه مَجْهُول النّسَب والمعنيان محتملان هُنَا. وَالسَّيِّد من السِّيَادَة وَهُوَ الْمجد والشرف. وحاطه يحوطه حوطاً. رعاه وَفِي الصِّحَاح: وَقَوْلهمْ فلَان حامي الذمار أَي إِذا ذمر وَغَضب حمي وَفُلَان أمنع ذماراً من فلَان. وَيُقَال الذمار: مَا وَرَاء الرجل مِمَّا يحِق عَلَيْهِ أَن)
يحميه لأَنهم قَالُوا: حلمي الذمار كَمَا قَالُوا حامي الْحَقِيقَة.
стр. 536
وَسمي ذماراً لِأَنَّهُ يجب على أَهله التذمر لَهُ وَسميت حَقِيقَة لِأَنَّهُ يحِق على أَهلهَا الدّفع عَنْهَا.
وظل يتذمر على فلَان: إِذا تنكر لَهُ وأوعده.
والذرب بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء لكنه سكنه هُنَا وَهُوَ الْفَاحِش
البذي اللِّسَان.
والمواكل: اسْم فَاعل من واكلت فلَانا موكلة: إِذا اتكلت عَلَيْهِ واتكل هُوَ عَلَيْك وَرجل وكل بِفتْحَتَيْنِ ووكله كهمزة وتكله أَي عَاجز يكل أمره إِلَى غَيره ويتكل عَلَيْهِ.
(وأبيض يستسقى الْغَمَام بِوَجْهِهِ ... ثمال الْيَتَامَى عصمَة للأرامل)
أَبيض: مَعْطُوف على سيد الْمَنْصُوب بِالْمَصْدَرِ قبله وَهُوَ من عطف الصِّفَات الَّتِي موصوفها وَاحِد هَكَذَا أعربه الزَّرْكَشِيّ فِي نكته على البُخَارِيّ الْمُسَمّى بالتنقيح لألفاظ الْجَامِع الصَّحِيح وَقَالَ: لَا يجوز غير هَذَا. وَتَبعهُ ابْن حجر فِي فتح الْبَارِي وَكَذَلِكَ الدماميني فِي تَعْلِيق المصابيح على الْجَامِع الصَّحِيح وَفِي حَاشِيَته على مُغنِي اللبيب أَيْضا.
وَزعم ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: أَن أَبيض مجرور بِرَبّ مقدرَة وَأَنَّهَا للتقليل. وَالصَّوَاب الأول فَإِن الْمَعْنى لَيْسَ على التنكير بل الْمَوْصُوف بِهَذَا الْوَصْف واحدٌ مَعْلُوم. والأبيض هُنَا بِمَعْنى الْكَرِيم.
قَالَ السمين فِي عُمْدَة الْحفاظ: عبر عَن الْكَرم بالبياض فَيُقَال: لَهُ عِنْدِي يَد بَيْضَاء أَي: مَعْرُوف وَأورد هَذَا الْبَيْت. وَالْبَيَاض أشرف الألوان وَهُوَ أَصْلهَا إِذْ هُوَ قَابل لجميعها وَقد كني بِهِ عَن السرُور والبشر وبالسواد عَن الْغم. وَلما كَانَ الْبيَاض أفضل الألوان قَالُوا: الْبيَاض أفضل والسواد أهول والحمرة أجمل والصفرة أشكل.
ويستسقى بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَالْجُمْلَة صفة أَبيض. والثمال: الْعِمَاد والملجأ والمطعم وَالْمُغني وَالْكَافِي. والعصمة: مَا يعتصم بِهِ ويتمسك قَالَ الزَّرْكَشِيّ: يجوز فيهمَا النصب وَالرَّفْع.
والأرامل جمع أرملة وَهِي الَّتِي لَا زوج لَهَا
стр. 537
لافتقارها إِلَى من ينْفق عَلَيْهَا وَأَصله من أرمل الرجل: إِذا نفذ زَاده وافتقر فَهُوَ مرمل وَجَاء أرمل على غير قِيَاس. قَالَ الْأَزْهَرِي: لَا يُقَال للْمَرْأَة أرملة إِلَّا إِذا كَانَت فقيرة فَإِن كَانَت موسرة فَلَيْسَتْ بأرملة وَالْجمع أرامل حَتَّى قيل رجل أرمل إِذا لم يكن لَهُ زوج.
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: وَهُوَ قَلِيل لِأَنَّهُ لَا يذهب بفقد امْرَأَته لِأَنَّهَا لم تكن قيمَة عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْن السّكيت: الأرامل: الْمَسَاكِين رجَالًا كَانُوا أَو نسَاء.)
قَالَ السُّهيْلي فِي الرَّوْض الْأنف: فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ أَبُو طَالب: وأبيض يستسقى الْغَمَام بِوَجْهِهِ وَلم يره قطّ استسقي بِهِ إِنَّمَا كَانَت استقاءاته ﵊ ُ بِالْمَدِينَةِ فِي سفر وَحضر وفيهَا شوهد مَا كَانَ من سرعَة إِجَابَة الله لَهُ فَالْجَوَاب: أَن أَبَا طَالب قد شَاهد من ذَلِك فِي حَيَاة عبد الْمطلب مَا دله على مَا قَالَ. انْتهى.
ورده بَعضهم بِأَن قَضِيَّة الاسْتِسْقَاء متكررة إِذْ وَاقعَة أبي طَالب كَانَ الاسْتِسْقَاء بِهِ عِنْد الْكَعْبَة وواقعة عبد الْمطلب كَانَ أَولهَا أَنهم أمروا باستلام الرُّكْن ثمَّ بصعودهم جبل أبي قبيس ليدعو عبد الْمطلب وَمَعَهُ النَّبِي ﷺ َ ويؤمن الْقَوْم فسقوا بِهِ.
قَالَ ابْن هِشَام فِي السِّيرَة: حَدثنِي من أَثِق بِهِ قَالَ: أقحط أهل الْمَدِينَة فَأتوا رَسُول الله ﷺ َ فشكوا ذَلِك إِلَيْهِ فَصَعدَ رَسُول
стр. 538
الله ﷺ َ الْمِنْبَر فَاسْتَسْقَى فَمَا لبث أَن جَاءَ من الْمَطَر مَا أَتَاهُ أهل الضواحي يَشكونَ مِنْهُ الْغَرق فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ: اللَّهُمَّ حوالينا وَلَا علينا فانجاب السَّحَاب عَن الْمَدِينَة فَصَارَ حواليها كالإكليل فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ: لَو أدْرك أَبُو طَالب هَذَا الْيَوْم لسره. فَقَالَ لَهُ بعض أَصْحَابه وَهُوَ عَليّ ﵁: كَأَنَّك أردْت يَا رَسُول الله قَوْله
وأبيض يستسقى الْغَمَام بِوَجْهِهِ. . الْبَيْت قَالَ أجل انْتهى.
وبتصديق النَّبِي ﷺ َ كَون هَذَا الْبَيْت لأبي طَالب وَعلي اتّفق أهل السّير سقط مَا أوردهُ الدَّمِيرِيّ فِي شرح الْمِنْهَاج فِي بَاب الاسْتِسْقَاء عَن الطَّبَرَانِيّ وَابْن سعد: أَن عبد الْمطلب استسقى بِالنَّبِيِّ ﷺ َ فسقوا وَلذَلِك يَقُول عبد الْمطلب فِيهِ يمدحه.
وأبيض يستسقى الْغَمَام بِوَجْهِهِ. . الْبَيْت قَالَ ابْن حجر الهيتمي فِي شرح الهمزية: وَسبب غلط الدَّمِيرِيّ فِي نِسْبَة هَذَا الْبَيْت لعبد الْمطلب: أَن رقيقَة برَاء مَضْمُومَة وقافين بنت أبي صَيْفِي بن هَاشم وَهِي الَّتِي سَمِعت الْهَاتِف فِي النّوم أَو فِي الْيَقَظَة لما تَتَابَعَت على قُرَيْش سنُون أهلكتهم يصْرخ: يَا معشر قُرَيْش إِن هَذَا النَّبِي الْمَبْعُوث قد أَظَلَّتْكُم أَيَّامه فَحَيَّهَلا بالحيا وَالْخصب. ثمَّ امرهم بِأَن يستسقوا بِهِ وَذكر كَيْفيَّة يطول ذكرهَا. . فَلَمَّا ذكرت الرِّوَايَة فِي الْقِصَّة أنشأت تمدح النَّبِي ﷺ َ بِأَبْيَات آخرهَا:)
стр. 539
(مبارك الْأَمر يستسقى الْغَمَام بِهِ ... مَا فِي الْأَنَام لَهُ عدلٌ وَلَا خطر)
فَإِن الدَّمِيرِيّ لما رأى هَذَا الْبَيْت فِي رِوَايَة قصَّة عبد الْمطلب الَّتِي رَوَاهَا الطَّبَرَانِيّ وَهُوَ يشبه بَيت أبي طَالب إِذْ فِي كل استسقاء الْغَمَام بِهِ توهم أَن بَيت أبي طَالب لعبد الْمطلب. وَإِنَّمَا هُوَ لرقيقة الْمَذْكُورَة.
وَالْحكم عَلَيْهِ بِأَنَّهُ عين الْبَيْت الْمَنْسُوب لأبي طَالب لَيْسَ كَذَلِك بل شتان مَا بَينهمَا. فَتَأمل هَذَا الْمحل فَإِنَّهُ مُبْهَم. وَقد اغْترَّ بِكَلَام الدَّمِيرِيّ من لَا خيرة لَهُ بالسير انْتهى.
(يلوذ بِهِ الْهَلَاك من آل هاشمٍ ... فهم عِنْده فِي رَحْمَة وفواضل)
يلوذ صفة أُخْرَى لموصوف سيد. والهلاك: الْفُقَرَاء والصعاليك الَّذين ينتابون النَّاس طلبا لمعروفهم من سوء الْحَال وَهُوَ جمع هَالك قَالَ جميل:
(أَبيت مَعَ الْهَلَاك ضيفاً لأَهْلهَا ... وَأَهلي قريب موسعون ذَوُو فضلٍ)
(ترى الأرامل والهلاك تتبعه ... يستن مِنْهُ عَلَيْهِم وابلٌ رذم)
(جزى الله عَنَّا عبد شمسٍ ونوفلاً ... عُقُوبَة شَرّ عَاجلا غير آجل)
نَوْفَل هُوَ ابْن خويلد بن أَسد ابْن عبد الْعُزَّى بن قصي وَهُوَ ابْن العدوية وَكَانَ من شياطين قُرَيْش قَتله عَليّ بن أبي طَالب يَوْم بدر. ...
стр. 540
(بميزان قسطٍ لَا يخس شعيرَة ... لَهُ شاهدٌ من نَفسه غير عائل)
بميزان مُتَعَلق بجزى الله. والقسط بِالْكَسْرِ: الْعدْل. وخس يخس من بَاب ضرب: إِذا نقص وخف وَزنه فَلم يعادل مَا يُقَابله. وَله أَي: للميزان شَاهد أَي: لِسَان من نَفسه أَي: من نفس الْقسْط غير عائل صفة شَاهد أَي غير مائل يُقَال: عَال الْمِيزَان يعول: إِذا مَال كَذَا فِي الْعباب وَأنْشد هَذَا الْبَيْت كَذَا:
(بميزان صدق لَا يغل شعيرَة ... لَهُ شَاهد ... . . الْبَيْت)
(وَنحن الصميم من ذؤابة هاشمٍ ... وأل قصي فِي الخطوب الْأَوَائِل)
الصميم: الْخَالِص من كل شَيْء. والذؤابة: الْجَمَاعَة الْعَالِيَة وَأَصله الْخصْلَة من شعر الرَّأْس.
(وكل صديقٍ وَابْن أختٍ نعده ... لعمري وجدنَا غبه غير طائل)
الغب بِالْكَسْرِ: الْعَاقِبَة. وَيُقَال هَذَا الْأَمر لَا طائل فِيهِ إِذا لم يكن فِيهِ غناء ومزية مَأْخُوذ من
(سوى أَن رهطاً من كلاب بن مرةٍ ... براءٌ إِلَيْنَا من معقة خاذل))
قَالَ السُّهيْلي: يُقَال قوم برَاء بِالضَّمِّ وبراء بِالْفَتْح وبراء بِالْكَسْرِ: فَأَما برَاء بِالْكَسْرِ فَجمع بَرِيء مثل كريم وكرام وَأما برَاء فمصدر مثل سَلام والهمزة فِيهِ وَفِي الَّذِي قبله لَام الْفِعْل وَيُقَال رجل برَاء ورجلان برَاء وَإِذا كسرتها أَو ضممت لم يجز إِلَّا فِي الْجمع وَأما برَاء بِضَم الْبَاء فَالْأَصْل فِيهِ بُرَآء
стр. 541
مثل كرماء واستثقلوا اجْتِمَاع الهمزتين فحذفوا الأولى وَكَانَ وَزنه فعلاء فَلَمَّا حذفوا الَّتِي هِيَ لَام الْفِعْل صَار وَزنه فعاء وَانْصَرف لِأَنَّهُ أشبه فعالا. والمعقة بِفَتْح الْمِيم: مصدر بِمَعْنى العقوق.
(وَنعم ابْن أُخْت الْقَوْم غير مكذبٍ ... زهيرٌ حساماً مُفردا من حمائل)
قَالَ ابْن هِشَام فِي السِّيرَة: زُهَيْر هُوَ ابْن أبي أُميَّة بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم وَأمه عَاتِكَة بنت عبد الْمطلب انْتهى.
وَزُهَيْر هُوَ الْمَخْصُوص بالمدح مُبْتَدأ وَجُمْلَة نعم ابْن أُخْت الْقَوْم هُوَ الْخَبَر وَغير مكذب بِالنّصب حَال من فَاعل نعم وَهُوَ ابْن. ومكذب: على صِيغَة اسْم الْمَفْعُول يُقَال كَذبته بِالتَّشْدِيدِ إِذا نسبته إِلَى الْكَذِب وَوَجَدته كَاذِبًا أَي: هُوَ صَادِق فِي مودته لم يلف كَاذِبًا فِيهَا. والحسام: السَّيْف الْقَاطِع وَهُوَ مَنْصُوب على الْمَدْح بِفعل مَحْذُوف أَي: يشبه الحسام المسلول فِي المضاء.
وَرَوَاهُ الْعَيْنِيّ فِي شرح شَوَاهِد الألفية: حسامٌ مفردٌ برفعهما وَقَالَ:
حسام صفة لزهير وَقَوله مُفْرد من حمائل صفة للحسام وَهَذَا على تَقْدِير صِحَة الرِّوَايَة خبط عشواء فَإِن زهيراً علم وحسام نكرَة والمفرد: الْمُجَرّد. والحمائل: جمع حمالَة وَهِي علاقَة السَّيْف مثل الْمحمل بِكَسْر الْمِيم هَذَا قَول الْخَلِيل وَقَالَ الْأَصْمَعِي: حمائل السَّيْف لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا وَإِنَّمَا وَاحِدهَا محمل كَذَا فِي الْعباب.
وَهَذَا الْبَيْت اسْتشْهد بِهِ شرَّاح الألفية على أَن فَاعل نعم مظهر مُضَاف إِلَى مَا أضيف إِلَى الْمُعَرّف بِاللَّامِ.
(أَشمّ من الشم البهاليل ينتمي ... إِلَى حسبٍ فِي حومة الْمجد فَاضل)
стр. 542
الشمم: ارْتِفَاع فِي قَصَبَة الْأنف مَعَ اسْتِوَاء أَعْلَاهُ وَهَذَا مِمَّا يمدح بِهِ وَهُوَ أَشمّ من قوم شم.
والبهاليل: جمع بهْلُول بِالضَّمِّ.
قَالَ الصَّاغَانِي: والبهلول من الرِّجَال الضَّحَّاك وَقَالَ ابْن عباد: هُوَ الْحَيِي الْكَرِيم. وينتمي: ينتسب. وفاضل بالضاد الْمُعْجَمَة صفة حسب.)
(لعمري لقد كلفت وجدا بأحمدٍ ... وَإِخْوَته دأب الْمُحب المواصل)
كلفت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَالتَّشْدِيد: مُبَالغَة كلفت بِهِ كلفاً من بَاب تَعب: إِذا أحببته وأولعت بِهِ ووجداً أَي: كلف وجد يُقَال: وجدت بِهِ وجدا: إِذا حزنت عَلَيْهِ. وبأحمد مُتَعَلق بكلفت وَهُوَ اسْم نَبينَا مُحَمَّد ﷺ َ. وَيجوز أَن يكون من كلفته الْأَمر فتكلفه مثل حَملته فتحمله وزنا وَمعنى مَعَ مشقة فوجداً مَفْعُوله الثَّانِي وَبِدُون التَّضْعِيف مُتَعَدٍّ لوَاحِد يُقَال كلفت الْأَمر من بَاب تَعب: حَملته على مشقة. وَأَرَادَ بإخوته أَوْلَاده جعفراً وعقيلاً وعلياً ﵃ فَإِن أَبَا طَالب كَانَ عَم النَّبِي ﷺ َ وَالْعم أَب فأولاده إخْوَة النَّبِي ﷺ َ. ودأب مصدر مَنْصُوب بِفِعْلِهِ الْمَحْذُوف أَي: ودأبت دأب الْمُحب يُقَال فلَان دأب فِي عمله: إِذا جد وتعب.
(فَلَا زَالَ فِي الدُّنْيَا جمالاً لأَهْلهَا ... وزيناً لمن ولاه ذب المشاكل)
الذب: الدّفع والمشاكل: جمع مشكلة
(فَمن مثله فِي النَّاس أَي مؤملٍ ... إِذا قاسه الْحُكَّام عِنْد التَّفَاضُل)
أَي هِيَ الدَّالَّة على الْكَمَال خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هُوَ والمؤمل الَّذِي يُرْجَى لكل خير: والتفاضل بالضاد الْمُعْجَمَة وَهُوَ التغالب بِالْفَضْلِ.
(حليمٌ رشيدٌ عادلٌ غير طائش ... يوالي إِلَهًا لَيْسَ عَنهُ بغافل)
стр. 543
أَي: هُوَ حَلِيم. والطيش: النزق والخفة: ويوالي إِلَهًا أَي: يَتَّخِذهُ وليا. وَهُوَ فعيل بِمَعْنى فَاعل.
(فأيده رب الْعباد بنصره ... وَأظْهر دينا حَقه غير ناصل)
الْحق: خلاف الْبَاطِل وَهُوَ مصدر حق الشَّيْء من بَاب ضرب وَقتل: إِذا وَجب وَثَبت.
والناصل: الزائل المضمحل يُقَال نصل السهْم: إِذا خرج مِنْهُ النصل ونصل الشّعْر ينصل نصولاً: زَالَ عَنهُ الخضاب.
(فو الله لَوْلَا أَن أجيء بسبةٍ ... تجر على أشياخنا فِي الْقَبَائِل)
(لَكنا اتبعناه على كل حالةٍ ... من الدَّهْر جدا غير قَول التهازل)
تقدم شرحهما أَولا.
(لقد علمُوا أَن ابننا لَا مكذبٌ ... لدينا وَلَا يعْنى بقول الأباطل)
فِي النِّهَايَة: يُقَال عنيت بحاجتك أعنى بهَا فَأَنا بهَا معني وعنيت بهَا فَأَنا عانٍ وَالْأول أَكثر أَي:)
اهتممت بهَا واشتغلت. انْتهى. وَهُوَ من بَاب تَعب.
(فَأصْبح فِينَا أحمدٌ فِي أرومةٍ ... يقصر عَنْهَا سُورَة المتطاول)
تَنْوِين أَحْمد للضَّرُورَة. والأرومة بِفَتْح الْهمزَة وَضم الرَّاء الْمُهْملَة: الأَصْل وَالسورَة بِالضَّمِّ: الْمنزلَة وبفتح السِّين السطوة والاعتداء. والمتطاول من الطول بِالْفَتْح وَهُوَ الْفضل وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمنزلَة أَو من تطاول عَلَيْهِ: إِذا قهره وغلبه وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى السطوة.
стр. 544
حدب عَلَيْهِ كفرح وتحدب عَلَيْهِ أَيْضا بِمَعْنى تعطف عَلَيْهِ وَحَقِيقَته جعل نَفسه كالأحدب بالانحناء أَمَامه ليتلقى عَنهُ مَا يُؤْذِيه. ودونه أَمَامه. والذرا
بِالضَّمِّ: أعالي الشَّيْء جمع ذرْوَة بِكَسْر الذَّال وَضمّهَا. والكلاكل: جمع كلكل كجعفر بِمَعْنى الصَّدْر.
تَنْبِيه رِوَايَة هَذِه القصيدة كَمَا سطرت نقلتها من سيرة الشَّامي وَرَوَاهَا ابْن هِشَام فِي السِّيرَة أَزِيد من ثَمَانِينَ بَيْتا ومطلعها عِنْده:
(وَلما رَأَيْت الْقَوْم لَا ود فيهم ... وَقد قطعُوا كل العرى والوسائل)
وَلم يذكر الْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلين مطلع القصيدة فِي رِوَايَة الشَّامي وَلَا تعرض لَهما السُّهيْلي بِشَيْء.
وَأَبُو طَالب هُوَ عَم النَّبِي ﷺ َ وناصره. ولد قبل النَّبِي ﷺ َ بِخمْس وَثَلَاثِينَ سنة. وَلما مَاتَ عبد الْمطلب وصّى بِالنَّبِيِّ ﷺ َ إِلَيْهِ فَكَفَلَهُ وَأحسن تَرْبِيَته وسافر بِهِ إِلَى الشَّام وَهُوَ شَاب وَلما بعث ﷺ َ قَامَ بنصرته وذب عَنهُ من عَادَاهُ ومدحه عدَّة مدائح.
واسْمه عبد منَاف على الْمَشْهُور واشتهر بكنيته وَقيل: اسْمه عمرَان
стр. 545
وَقيل: شيبَة. قَالَ الْوَاقِدِيّ: وَتُوفِّي أَبُو طَالب فِي النّصْف من شَوَّال فِي السّنة الْعَاشِرَة من النُّبُوَّة وَهُوَ ابْن بضع وَثَمَانِينَ وَاخْتلف فِي إِسْلَامه قَالَ ابْن حجر: رَأَيْت لعَلي بن حَمْزَة الْبَصْرِيّ جُزْءا جمع فِيهِ شعر أبي طَالب وَزعم أَنه كَانَ مُسلما وَمَات على الْإِسْلَام وَأَن الحشوية تزْعم أَنه مَاتَ كَافِرًا وَاسْتدلَّ لدعواه بِمَا لَا دلَالَة فِيهِ. انْتهى.
وَمن شعره قَوْله:
(وَدَعَوْتنِي وَزَعَمت أَنَّك صادقٌ ... وَلَقَد صدقت وَكنت قبل أَمينا)
(وَلَقَد علمت بِأَن دين محمدٍ ... من خير أَدْيَان الْبَريَّة دينا)
)
وَمن شعره الَّذِي قَالَه وَهُوَ فِي الشّعب:
(أَلا أبلغا عني على ذَات بَيْننَا ... لؤياً وخصا من لؤَي بني كَعْب)
(ألم تعلمُوا أَنا وجدنَا مُحَمَّدًا ... نَبيا كموسى خطّ فِي أول الْكتب)
(وَأَن عَلَيْهِ فِي الْعباد مَوَدَّة ... وَخير فِيمَن خصّه الله بالحب)
وَهِي قصيدة جَيِّدَة على هَذَا الأسلوب.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّانِي وَالتِّسْعُونَ
стр. 546
على أَن جدكما لَيْسَ مصدرا مؤكداً لقَوْله: لَا تقضيان بل هُوَ إِمَّا مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض وَإِمَّا حَال وَإِمَّا مصدر حذف عَامله وجوبا.
أما كَونه لَيْسَ مؤكداً لمضمون الْجُمْلَة بعده فلشيئين: الأول: أَن قَوْله أجدكما لَو جعل مؤكداً لمضمون مَا بعده لَكَانَ مؤكداً لمضمون الْمُفْرد وَهُوَ الْفِعْل فَقَط لَا لمضمون الْجُمْلَة كَمَا بَينه الشَّارِح.
وَالثَّانِي: أَنه إِنَّمَا يكون الْمصدر مؤكداً لغيره إِذا أكد معنى القَوْل الَّذِي هُوَ مَضْمُون الْجُمْلَة وَلَا يجوز أَن يقدر أجدكما أَقُول لَا تقضيان لفساد الْمَعْنى لِأَن القَوْل من الْمُتَكَلّم وَعدم الْقَضَاء من الْمُخَاطب.
وَأما كَونه مَنْصُوبًا بِنَزْع الْخَافِض فَلِأَنَّهُ فِي معنى حَقًا وَهُوَ على تَقْدِير فِي وَجدك وَحقا متقاربان معنى فالأنسب تقاربهما فِي الْإِعْرَاب أَيْضا.
وَأما كَونه حَالا فَمَعْنَاه: لَا تقضيان كراكما جادين فعامل الْحَال الْفِعْل الَّذِي بعْدهَا وصاحبها ضمير التَّثْنِيَة.
وَأما الثَّالِث فَهُوَ مُؤَكد لنَفسِهِ لِأَنَّهُ أكد مَضْمُون الْمُفْرد لَا مَضْمُون الْجُمْلَة لِأَنَّهُ أكد الْفِعْل بِدُونِ الْفَاعِل وَالْفِعْل يدل وَحده على الْحَدث وَالزَّمَان.
هَذَا مُحَصل كَلَامه. والحالية لَا تطرد فِي كل مَوضِع وَلِهَذَا ذهب الإِمَام المرزوقي فِي شرح فصيح ثَعْلَب إِلَى أَن انتصاب أجدكما إِمَّا بِنَزْع الْخَافِض وَإِمَّا بِفِعْلِهِ الْمَحْذُوف.
وَالْمَفْهُوم من كَلَام بن جني على هَذَا الْبَيْت فِي إِعْرَاب الحماسة: أَن أجدكما مَنْصُوب بِفِعْلِهِ الْمَحْذُوف. لَكِن جعله جملَة لَا تقضيان حَالا غير جيد لِأَنَّهَا مُقَيّدَة وجدكما قيد لَهَا والمقيد هُوَ)
أصل الْكَلَام. ثمَّ جَوَابه عَن إِيرَاده
стр. 547
على جعله الْجُمْلَة حَالا أَنَّهَا مصدرة بِعلم الِاسْتِقْبَال بِأَن الشَّاعِر أَرَادَ امتداد الْحَال فَلَمَّا لاحظ حَال الِاسْتِمْرَار والاستقبال أَتَى بِلَا غير صَحِيح فَإِن لَا لَيست للاستقبال على الصَّحِيح والمضارع الْمَنْفِيّ بهَا يَقع حَالا نَحْو: مالكم لَا ترجون لله وقارا. وَقد تعسف أَيْضا فِي نَحْو أجدك لَا تفعل بِأَنَّهُ على إِرَادَة اسْتِمْرَار حِكَايَة الْحَال الممتدة فِيمَا مضى.
قَالَ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف: وَلَا تفعل عِنْد أبي عَليّ حَال أَو على إِضْمَار أَن فَحذف أَن وارتفع الْفِعْل.
وَاعْلَم أَن صَنِيع الشَّارِح الْمُحَقق فِيهِ رد لمن جعل كَابْن الْحَاجِب أجدك لَا تفعل كَذَا من قبيل الْمصدر الْمُؤَكّد لغيره قَالَ ابْن الْحَاجِب فِي الْإِيضَاح: أَصله لَا تفعل كَذَا جدا لِأَن الَّذِي يَنْبَغِي الْفِعْل عَنهُ يجوز أَن يكون بجد مِنْهُ وَيجوز أَن يكون من غير جد فَإِذا قَالَ: جدا فقد ذكر أحد المحتملين ثمَّ أدخلُوا همزَة الِاسْتِفْهَام إِيذَانًا بِأَن الْأَمر يَنْبَغِي أَن يكون كَذَلِك على سَبِيل التَّقْرِير فَقدم الْمصدر من أجل همزَة الِاسْتِفْهَام فَصَارَ: أجدك لَا تفعل ثمَّ لما كَانَ مَعْنَاهُ تَقْرِير أَن يكون الْأَمر على وفْق مَا أخبر صَار فِي معنى تَأْكِيد كَلَام الْمُتَكَلّم فيتكلم بِهِ من يقْصد إِلَى التَّأْكِيد وَإِن كَانَ مَا تقدم هُوَ الأَصْل الْجَارِي على قِيَاس لغتهم.
وَيجوز أَن يكون معنى أجدك فِي مثله: أتفعله جدا مِنْك على سَبِيل الْإِنْكَار لفعله جدا ثمَّ نَهَاهُ عَنهُ أَو أخبر عَنهُ بِأَنَّهُ لَا يفعل فَيكون أجدك توكيداً لجملة مقدرَة دلّ سِيَاق الْكَلَام عَلَيْهَا. وَمِمَّا يدل على أَنهم يَقُولُونَ أَفعلهُ جدا قَول أبي طَالب:
إِذن لاتبعناه على كل حَالَة ... الْبَيْت هَذَا كَلَامه.
وَقَوله ثمَّ نَهَاهُ عَنهُ يفهم مِنْهُ أَن أجدك يَقع بعْدهَا النَّهْي
стр. 548
وَكَذَا قَول بَعضهم أجدك هَل تفعل كَذَا يفهم مِنْهُ أَن الِاسْتِفْهَام يَقع بعده.
وَقد قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق: إِن أجدك لَا يسْتَعْمل إِلَّا مَعَ النَّفْي. وَلم أر هَذَا التقيد لغيره وَظَاهره: سَوَاء كَانَ النَّافِي لَا أَو مَا أَو لن كَقَوْلِه:
(أجدك لن ترى بثعيلبات ... وَلَا بيدان نَاجِية ذمولا)
(أجدك لم تغتمض لَيْلَة ... فترقدها مَعَ رقادها))
فَإِن قلت: قد وَقع بعْدهَا الِاسْتِفْهَام فِي هَذَا الْبَيْت الَّذِي أوردهُ ثَعْلَب فِي فصيحه وَهُوَ:
(أجدك مَا لعينيك لَا تنام ... كَأَن جفونها فِيهَا كَلَام)
قلت: النَّفْي الَّذِي يَقع بعد أجدك مَوْجُود وَهُوَ قَوْله لَا تنام والاستفهام الثَّانِي سُؤال عَن عِلّة عدم نوم عينه وَمثله قَول كَعْب بن مَالك الصَّحَابِيّ ﵁ فِي غَزْوَة الطَّائِف:
(أجدهم أَلَيْسَ لَهُم نصيحٌ ... من الأقوام كَانَ لنا عريفا)
(يُخْبِرهُمْ بِأَنا قد جَمعنَا ... عتاق الْخَيل وَالْبخْت الطروفا)
وَفِي الارتشاف: وَلَا يسْتَعْمل أجدك إِلَّا مُضَافا وغالباً بعده لَا أَو لم أَو لن.
وَفِي النِّهَايَة لِابْنِ الخباز قَالَ الْأَعْشَى:
стр. 549
أجدك ودعت الدمى والولائدا ودعت موجبٌ وَجَاء مَعَ لَا كثيرا.
وَقد ذكر صَاحب الصِّحَاح وَغَيره: أَن أجدك يجوز فِي جيمه الْكسر وَالْفَتْح لَكِن الْكسر هُوَ الفصيح وَلِهَذَا قَالَ ثَعْلَب فِي فصيحه: وَمَا أَتَاك أجدك فمكسور وَمَا أَتَاك وَجدك فمفتوح. وَهُوَ من الْجد ضد الْهزْل وَأَصله من الْجد فِي الْأَمر بِمَعْنى الِاجْتِهَاد فِيهِ لِأَن الهازل لَا يبْذل الِاجْتِهَاد وَأغْرب صَاحب الْقَامُوس حَيْثُ جعله من جاده بِمَعْنى حاققه ثمَّ قَالَ: وأجدك لَا تفعل لَا يُقَال إِلَّا مُضَافا وَإِذا كسر استحلفه بحقيقته وَإِذا فتح استحلفه ببخته انْتهى. وَهَذَا شَيْء انْفَرد بِهِ وَكَأَنَّهُ جنح لما ذهب إِلَيْهِ الشلوبين حَيْثُ زعم أَن فِيهِ معنى الْقسم وَلذَلِك قدم.
وَهَذَا المصارع من شعر لقس بن سَاعِدَة. وَهُوَ:
(خليلي هبا طالما قد رقدتما ... أجدكما لَا تفيضان كراكما)
(ألم تعلما أَنِّي بسمعان مُفردا ... وَمَالِي فِيهِ من خَلِيل سواكما)
(مُقيم على قبريكما لست بارحاً ... طوال اللَّيَالِي أَو يُجيب صداكما)
(أبكيكما طول الْحَيَاة وَمَا الَّذِي ... يرد على ذِي لوعةٍ أَن بكاكما)
(كأنكما وَالْمَوْت اقْربْ غائبٍ ... بروحي فِي قبريكماٍ قد أتاكما)
...
стр. 550
(أَمن طول نوم لَا تجيبان دَاعيا ... كَأَن الَّذِي يسْقِي الْعقار سقاكما)
(فَلَو جعلت نفسٌ لنفسٍ وقايةً ... لجدت بنفسي أَن تكون فداكما)
فِي سيرة ابْن سيد النَّاس بِسَنَدِهِ إِلَى ابْن عَبَّاس فِي حَدِيث الْجَارُود بن عبد الله لما قدم مُؤمنا)
بِالنَّبِيِّ ﷺ َ وَسَأَلَهُ النَّبِي ﷺ َ عَن قس بن سَاعِدَة والْحَدِيث طَوِيل إِلَى أَن قَالَ ابْن عَبَّاس: وَقَامَ رجل أشدق أجش الصَّوْت فَقَالَ: لقد رَأَيْت من قس عجبا:
(يَا أَيهَا الراقد فِي اللَّيْل الأحم ... قد بعث الله نَبيا فِي الْحرم)
(من هَاشم أهل الْوَقار وَالْكَرم ... يجلو دجنات اللَّيَالِي والبهم)
قَالَ: فأدرت طرفِي فَمَا رَأَيْت لَهُ شخصا. فأنشأت أَقُول:
(يَا أَيهَا الْهَاتِف فِي دجى الظُّلم ... أَهلا وسهلاً بك من طيفٍ ألم)
(بَين هداك الله فِي لحن الْكَلم ... من الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ تغتنم)
فَإِذا أَنا بنحنحة وقائلٍ يَقُول: ظهر النُّور وَبَطل الزُّور وَبعث الله مُحَمَّدًا ﷺ َ بالحبور صَاحب النجيب الْأَحْمَر والتاج والمغفر وَالْوَجْه الْأَزْهَر والحاجب الْأَقْمَر والطرف الأحور صَاحب قَول شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله فَذَاك مُحَمَّد الْمَبْعُوث إِلَى الْأسود والأحمر أهل الْمدر والوبر. ثمَّ أنشأ يَقُول:
(الْحَمد لله الَّذِي ... لم يخلق الْخلق عَبث)
...
стр. 551
(وَلم يخلنا سدى ... من بعد عِيسَى واكترث)
(أرسل فِينَا أحمدا ... خير نَبِي قد بعث)
(صلى عَلَيْهِ الله مَا ... حج لَهُ ركبٌ وحث)
قَالَ: ولاح الصَّباح فَإِذا أَنا بالفنيق يشقشق إِلَى النوق فملكت خطامه وعلوت سنامه حَتَّى إِذا لغب فَنزلت فِي رَوْضَة خضرَة فَإِذا أَنا بقس بن سَاعِدَة فِي
ظلّ شَجَرَة وَبِيَدِهِ قضيب من أَرَاك ينكت بِهِ الأَرْض وَهُوَ يَقُول:
(يَا ناعي الْمَوْت والأموات فِي جدثٍ ... عَلَيْهِم من بقايا بزهم خرق)
(دعهم فَإِن لَهُم يَوْمًا يصاح بهم ... فهم إِذا انتبهوا من نومهم فرقوا)
(حَتَّى يعودوا لحَال غير حَالهم ... خلقا جَدِيدا كَمَا من قبله خلقُوا)
(مِنْهُم عراةٌ وَمِنْهُم فِي ثِيَابهمْ: ... مِنْهَا الْجَدِيد وَمِنْهَا الْمنْهَج الْخلق)
قَالَ: فدنوت مِنْهُ فَسلمت عَلَيْهِ فَرد عَليّ السَّلَام وَإِذا أَنا بِعَين خرارة فِي أَرض خوارة وَمَسْجِد بَين قبرين وأسدين عظيمين يلوذان بِهِ وَإِذا بِأَحَدِهِمَا قد سبق الآخر إِلَى المَاء فَتَبِعَهُ الآخر يطْلب المَاء. فَضَربهُ بالقضيب الَّذِي فِي يَده وَقَالَ: ارْجع ثكلتك أمك حَتَّى يشرب الَّذِي ورد قبلك)
فَرجع ثمَّ ورد بعده. فَقلت لَهُ: مَا هَذَانِ القبران قَالَ: هَذَانِ قبرا أَخَوَيْنِ كَانَا لي يعبدان الله معي فِي هَذَا الْمَكَان لَا يشركان بِاللَّه شَيْئا فأدركهما الْمَوْت فقبرتهما وَهَا أَنا بَين قبريهما حَتَّى ألحق بهما ثمَّ نظر إِلَيْهِمَا وَجعل يَقُول: ...
стр. 552
(خليلي هبا طالما قد رقدتما ... أجدكما لَا تقضيان كراكما)
الأبيات السَّابِقَة: فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ: رحم الله قساً إِنِّي أَرْجُو أَن يَبْعَثهُ الْأمة: الشَّخْص الْمُنْفَرد بدين أَي: يبْعَث وَاحِدًا يقوم مقَام جمَاعَة. والأجش: الغليظ الصَّوْت.
وعسعس اللَّيْل: أدبر وَيَأْتِي بِمَعْنى أقبل فَهُوَ ضد. والأحم: الْأسود. والدجنة بِضَمَّتَيْنِ وَتَشْديد النُّون: الظلمَة وَكَذَلِكَ البهمة وَجَمعهَا بهم. ولحن القَوْل قَالَ الْأَزْهَرِي: هُوَ كالعنوان والعلامة تُشِير بهَا فيظن الْمُخَاطب لغرضك. والنجيب: الْكَرِيم من الْإِبِل. والحاجب الْأَقْمَر: أَرَادَ أَنه مفروق مَا بَين الحاجبين فَيكون أَبْلَج نيرا. والفنيق: الْفَحْل المكرم من الْإِبِل الَّذِي لَا يركب وَلَا يهان لكرامته. ويشقشق: يهدر بشقشقته. ولغب: تَعب. وَالْعين الخرارة: الغزيرة النبع من الخرير وَهُوَ صَوت المَاء. وَالْأَرْض الخوارة: اللينة السهلة من خار يخور: إِذا ضعف.
وهبا: أَمر مُسْند إِلَى ضمير الخليلين من الهب يُقَال هَب من نَومه من بَاب قتل: إِذا اسْتَيْقَظَ.
وطالما: قَالَ التبريزي فِي شرح الحماسة: إِن جعلت مَا مَصْدَرِيَّة كتبت مُنْفَصِلَة وَإِن جعلت كَافَّة فمتصلة. والرقود: النّوم فِي ليل أَو نَهَار وَخَصه بَعضهم بنوم اللَّيْل وَالْأول هُوَ الْحق وَيشْهد لَهُ الْمُطَابقَة فِي قَوْله تَعَالَى: وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِذا رَأَيْتهمْ حسبتهم أيقاظاً لِأَن أَعينهم مفتحة وهم نيام. وتقضيان: من قضيت. وطري: إِذا بلغته ونلته. والكرى: النّوم قَالُوا: أول النّوم النعاس والوسن ثقل النعاس ثمَّ الترنيق وَهُوَ مُخَالطَة النعاس للعين
стр. 553
ثمَّ الْكرَى والغمض وَهُوَ أَن يكون الْإِنْسَان بَين النَّائِم وَالْيَقظَان ثمَّ الهجود والهجوع وَهُوَ النّوم الْغَرق.
وسمعان بِفَتْح السِّين. مَوضِع. وبارحاً بِالْمُوَحَّدَةِ والمهملة: فَاعل من برح الشَّيْء يبرح من بَاب تَعب براحاً: إِذا زَالَ من مَكَانَهُ. وطوال اللَّيَالِي بِفَتْح الطَّاء بِمَعْنى الطول بضمهما وَهُوَ مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة يُقَال: لَا ُأكَلِّمهُ طوال الدَّهْر وَطول الدَّهْر وهما بِمَعْنى يُرِيد إِنَّنِي مُقيم أبدا. وأو بِمَعْنى إِلَى أَو بِمَعْنى إِلَّا ويجيب مَنْصُوب بِأَن بعْدهَا. والصدى هُنَا بِمَعْنى مَا يبْقى من الْمَيِّت فِي قَبره وَمِنْه قَول النمر بن تولب الصَّحَابِيّ ﵁:
(أعاذل إِن يصبح صداي بقفرةٍ ... بَعيدا نآني صَاحِبي وقريبي))
(ترى أَن مَا أبقيت لم أك ربه ... وَأَن الَّذِي أنفقت كَانَ نَصِيبي)
وَله معَان أخر: أَحدهمَا ذكر البوم ثَانِيهمَا: حشْوَة الرَّأْس يُقَال لذَلِك الهامة والصدى وَتَأْويل ذَلِك عِنْد الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة: أَن الرجل كَانَ عِنْدهم إِذا قتل فَلم يدْرك بِهِ الثأر أَنه يخرج من رَأسه طَائِر كالبومة وَهِي الهامة وَالذكر الصدى فَيَصِيح على قَبره: اسقوني اسقوني فَإِن قتل قَاتله كف ذَلِك الطَّائِر. قَالَ:
(ياعمرو إِن لَا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حَتَّى تَقول الهامة اسقوني)
ثالثهما مَا يرجع عَلَيْك من الصَّوْت إِذا كنت بمتسع من الأَرْض أَو بِقرب جبل. رَابِعهَا: بِمَعْنى الْعَطش مصدر صدى يصدى. والصدأ بِالْهَمْزَةِ: صدأ الْحَدِيد وَمَا أشبهه كَذَا فِي الْكَامِل
стр. 554
وأبكيكما قَالَ الْأَصْمَعِي: بَكَيْت الرجل وبكيته بِالتَّشْدِيدِ كِلَاهُمَا إِذا بَكَيْت عَلَيْهِ. وَمَا اسْم اسْتِفْهَام مُبْتَدأ وَالَّذِي خَبره أَو بِالْعَكْسِ وَالْمعْنَى: أَي شَيْء الَّذِي يردهُ الْبكاء على ذِي اللوعة وَهِي الحرقة. وروى ذِي عولة وَهِي رفع الصَّوْت بالبكاء بِمَعْنى العويل. أَن بكاكما: بِفَتْح الْهمزَة مَصْدَرِيَّة ومؤولها فَاعل يرد وروى بِكَسْر الْهمزَة فَهِيَ شَرْطِيَّة وَالْجَوَاب مَدْلُول عَلَيْهِ بأبكيكما وفاعل يرد ضمير مَفْهُوم من أبكيكما وَهُوَ الْبكاء وَيجوز أَن يكون دلّ عَلَيْهِ قَوْله أَن بكاكما.
وَقَوله كأنكما. كَأَن هُنَا للتقريب وَجُمْلَة قد أتاكما خبر كَأَن وفاعل أَتَى ضمير الْمَوْت والظرفان متعلقان بِهِ وَجُمْلَة وَالْمَوْت أقرب غَائِب اعتراضية. وَالْعَقار بِالضَّمِّ: الْخمر.
والفدى بِكَسْر الْفَاء وَفتحهَا وبالقصر: مصدر فدَاه من الْأسر يفْدِيه: إِذا استنقذه بِمَال وَاسم ذَلِك المَال الْفِدْيَة وَهُوَ عوض الْأَسير وَأما الْفِدَاء بِالْكَسْرِ وَالْمدّ فمصدر فاديته مفاداة وَفِدَاء: أخذت فديته وأطلقته وَقَالَ الْمبرد: المفاداة: أَن تدفع رجلا وَتَأْخُذ رجلا والفدى: أَن تشتريه وَقيل هما وَاحِد.
تَنْبِيه أورد أَبُو تَمام فِي الحماسة هَذِه الأبيات على غير هَذَا النمط وَقَالَ: ذكرُوا أَن رجلَيْنِ من بني أَسد خرجا إِلَى أَصْبَهَان فآخيا بهَا دهقاناً فِي مَوضِع يُقَال لَهُ راوند فَمَاتَ أَحدهمَا وَبَقِي الآخر والدهقان ينادمان قَبره ويشربان كأسين ويصبان على
قَبره كأساً فَمَاتَ الدهْقَان فَكَانَ الْأَسدي ينادم قبريهما وَيشْرب قدحاً وَيصب على قبريهما قدحين ويترنم بِهَذَا الشّعْر:)
стр. 555
خليلي هبا طالما قد رقدتما ... ... ... ... ... ... ... ... . الْبَيْت
(ألم تعلما مَا لي براوند كلهَا ... وَلَا بخزاق من صديق سواكما)
(أصب على قبريكما من مدامة ... فإلا تنالاها ترو جثاكما)
أقيم على قبريكما ... ... ... ... ... ... ... ... . . الْبَيْت وأبكيكما حَتَّى الْمَمَات وَمَا الَّذِي ... ... ... ... الْبَيْت
(جرى النّوم بَين الْجلد وَاللَّحم مِنْكُمَا ... كأنكما ساقي عقار سقاكما)
وروى الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني بِسَنَدِهِ إِلَى يَعْقُوب بن السّكيت أَن هَذَا الشّعْر لعيسى بن قدامَة الْأَسدي قدم قاشان وَله نديمان فماتا فَكَانَ يجلس عِنْد قبريهما وهما براوند بِموضع يُقَال لَهُ خزاق فيشرب وَيصب على القبرين حَتَّى يقْضِي وطره ثمَّ ينْصَرف وينشد وَهُوَ يشرب. وروى مَا رَوَاهُ أَبُو تَمام وَزَاد عَلَيْهِ.
(تحمل من يَبْغِي القفول وغادروا ... أَخا لَكمَا أشجاه مَا قد شجاكما)
(أناديكما كَيْمَا تجيبا وتنطقا ... وَلَيْسَ مجاباً صَوته من دعاكما)
(قضيت بِأَنِّي لَا محَالة هَالك ... وَأَنِّي سيعروني الَّذِي قد عراكما)
وروى الْأَصْبَهَانِيّ أَيْضا بِسَنَدِهِ إِلَى عبد الله بن صَالح البَجلِيّ أَنه قَالَ:
стр. 556
بَلغنِي أَن ثَلَاثَة نفرٍ من أهل الْكُوفَة كَانُوا فِي الْجَيْش الَّذِي وَجهه الْحجَّاج إِلَى الديلم وَكَانُوا يتنادمون وَلَا يخالطون غَيرهم وَإِنَّهُم لعلى ذَلِك إِذا مَاتَ أحدهم فدفنه صَاحِبَاه فَكَانَا يشربان عِنْد قَبره فَإِذا بلغه الكأس هراقاها على قَبره وبكيا. ثمَّ إِن الثَّانِي مَاتَ
فدفنه الْبَاقِي إِلَى جنب صَاحبه وَكَانَ يجلس عِنْد قبريهما فيشرب وَيصب كأسين عَلَيْهِمَا ويبكي وَيَقُول ثمَّ ذكر الأبيات الَّتِي تقدم ذكرهَا وَقَالَ مَكَان براوند: بقزوين قَالَ: وقبورهم هُنَاكَ تعرف بقبور الندماء.
قَالَ الْأَصْبَهَانِيّ: وَذكر الْعُتْبِي عَن أَبِيه أَن الشّعْر للحزين بن الْحَارِث أحد بني عَامر بن صعصعة وَكَانَ أحد نديميه من بني أَسد وَالْآخر من بني حنيفَة فَلَمَّا مَاتَ أَحدهمَا كَانَ يشرب وَيصب على قَبره وَيَقُول:
(لَا تصرد هَامة من كأسها ... واسقه الْخمر وَإِن كَانَ قبر)
(كَانَ حرا فهوى فِيمَن هوى ... كل عودٍ ذِي شعوبٍ ينكسر)
ثمَّ مَاتَ الآخر فَكَانَ يشرب على قبريهما وَيَقُول:)
وَأما أَبُو عبيد فِي مُعْجم مَا استعجم وَيَاقُوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ فقد نسبا هَذِه الأبيات للأسدي وذكرا حكايته كَأبي تَمام ثمَّ قَالَ ياقوت: وَقَالَ بَعضهم: إِن هَذَا الشّعْر لقس بن سَاعِدَة فِي خليلين لَهُ كَانَا وَمَاتَا.
وَقَالَ آخَرُونَ
стр. 557
هَذَا الشّعْر لنصر بن غَالب يرثي بِهِ أَوْس بن خَالِد وأنيسا وَزَاد فِي الأبيات وَنقص وَهَذِه رِوَايَته بعد الْبَيْت الأول:
(أجدكما مَا ترثيان لموجع ... حزينٍ على قبريكما قد رثاكما)
جرى النّوم بَين الْعظم وَالْجَلد مِنْكُمَا ... ... ... ... الْبَيْت ألم تعلما مَالِي براوند كلهَا ... ... ... ... ... ... ... الْبَيْت
(أصب على قبريكما من مدامةٍ ... فإلا تذوقاها ترو ثراكما)
(ألم ترحماني أنني صرت مُفردا ... وَأَنِّي مشتاقٌ إِلَى أَن أراكما)
(فَإِن كنتما لَا تسمعان فَمَا الَّذِي ... خليلي عَن سمع الدُّعَاء نهاكما)
أقيم على قبريكما لست بارحا ... ... ... ... ... ... ... . . الْبَيْت
وأبكيكماطول الْحَيَاة وَمَا الَّذِي ... ... ... ... ... ... ... . . الْبَيْت قَالَ ياقوت راوند: بليدَة قرب قاشان وأصفهان قَالَ حَمْزَة: أَصْلهَا راهاوند وَمَعْنَاهَا الْخَيْر المضاعف. قَالَ بَعضهم: وراوند مَدِينَة بالموصل قديمَة بناها راوند الْأَكْبَر بن بيوراسف الضَّحَّاك.
وخزاق: بِضَم الْخَاء وبالزاي المعجمتين وَآخره قَاف: مَوضِع فِي سَواد أضفهان. كَذَا فِي المعجم لأبي عبيد وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. وَرَأَيْت فِي هامشه بِخَط من يوثق بِهِ: خزاق اسْم قَرْيَة من قرى راوند من أَعمال أصفهان. والجثا بِضَم الْجِيم وبالثاء الْمُثَلَّثَة: جمع جثوَة مُثَلّثَة الْجِيم وَهِي الْحِجَارَة الْمَجْمُوعَة
стр. 558
والجسد. والدهقان مُعرب دهجان وَمَعْنَاهُ رَئِيس الْقرْيَة وَفِي الْقَامُوس: الدهْقَان بِالْكَسْرِ وَالضَّم زعيم فلاحي الْعَجم وَرَئِيس الإقليم مُعرب.
وَقَوله ألم تعلما مَالِي: مَا نَافِيَة قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: استعملها بعد الْعلم وَهِي مقتضية لمفعوليها لما دَخلهَا من معنى الْقسم فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَالله مَالِي براوند من صديق غيركما وَجَاز اسْتِعْمَال الْعلم فِي مَوضِع الْقسم من حَيْثُ كَانَا مثبتين مؤكدين. انْتهى.
وَقس بن سَاعِدَة إيادي بِكَسْر الْهمزَة وإياد حَيّ من معد بن عدنان. قَالَ الذَّهَبِيّ: قس بن)
سَاعِدَة أوردهُ ابْن شاهين وعبدان فِي الصَّحَابَة. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن حجر فِي الْإِصَابَة: ذكره أَبُو عَليّ بن السكن وَابْن شاهين وعبدان الْمروزِي وَأَبُو مُوسَى فِي الصَّحَابَة وَصرح ابْن السكن بِأَنَّهُ مَاتَ قبل الْبعْثَة.
وَفِي سيرة ابْن سيد النَّاس بِسَنَدِهِ إِلَى ابْن عَبَّاس قَالَ: قدم الْجَارُود بن عبد الله وَكَانَ سيداً فِي قومه على رَسُول الله ﷺ َ فَقَالَ: وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ
لقد وجدت صِفَتك فِي الْإِنْجِيل وَلَقَد بشر بك ابْن البتول فَأَنا أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنَّك مُحَمَّد رَسُول الله. قَالَ: فَآمن الْجَارُود وَأمن من قومه كل سيد. فسر النَّبِي ﷺ َ بهم وَقَالَ: يَا جارود هَل فِي جمَاعَة وَفد عبد الْقَيْس من يعرف لنا قساً قَالُوا: كلنا نعرفه يَا رَسُول الله وَأَنا من بَين يَدي الْقَوْم كنت أقفو أَثَره
стр. 559
كَانَ من أَسْبَاط الْعَرَب فصيحاً عمر سَبْعمِائة سنة أدْرك من الحواريين سمْعَان فَهُوَ أول من تأله من الْعَرَب أَي: تعبد كَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ يقسم بالرب الَّذِي هُوَ لَهُ ليبلغن الْكتاب أَجله وليوفين كل عَامل عمله ثمَّ أنشأ يَقُول:
(هاج للقلب من جواه ادكار ... وليالٍ خلالهن نَهَار)
فِي أَبْيَات آخرهَا:
(وَالَّذِي قد ذكرت دلّ على الله ... نفوساً لَهَا هدى وَاعْتِبَار)
فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ: على رسلك ياجارود فلست أنساه بسوق عكاظ على جمل أَوْرَق وَهُوَ يتَكَلَّم بِكَلَام مَا أَظن أَنِّي أحفظه. فَقَالَ أَبُو بكر ﵁: يَا رَسُول الله فَإِنِّي أحفظه: كنت حَاضرا ذَلِك الْيَوْم بسوق عكاظ فَقَالَ فِي خطبَته: يَا أَيهَا النَّاس اسمعوا وعوا فَإِذا وعيتم فانتفعوا إِنَّه من عَاشَ مَاتَ وَمن مَاتَ فَاتَ وكل مَا هُوَ آتٍ أت. . إِلَى آخر مَا أوردهُ من الْوَعْظ.
وَالَّذِي فِي كتاب المعمرين لأبي حَاتِم السجسْتانِي: عَاشَ قس بن سَاعِدَة ثلثمِائة وَثَمَانِينَ سنة وَقد أدْرك نَبينَا ﷺ َ وَسمع النَّبِي ﷺ َ حكمته وَهُوَ أول من آمن بِالْبَعْثِ من أهل الْجَاهِلِيَّة وَأول من توكأ على عَصا وَأول من قَالَ أما بعد. وَكَانَ من حكماء الْعَرَب. وَهُوَ أول من كتب من فلَان إِلَى فلَان ابْن فلَان.
وَقَالَ المرزباني: ذكر كثير من أهل الْعلم أَنه عَاشَ سِتّمائَة سنة.
стр. 560
وَذكر الجاحظ فِي الْبَيَان والتبيين قساً وَقَومه وَقَالَ: إِن لَهُ ولقومه فَضِيلَة لَيست لأحد من الْعَرَب)
لِأَن رَسُول الله ﷺ َ روى كَلَامه وموقفه على جمله بعكاظ وموعظته. وَعجب من حسن كَلَامه وَأظْهر تصويبه. وَهَذَا شرف تعجز عَنهُ الْأَمَانِي وتنقطع دونه الآمال. وَإِنَّمَا وفْق الله ذَلِك لقس لاحتجاجه للتوحيد ولإظهار الْإِخْلَاص وإيمانه بِالْبَعْثِ وَمن ثمَّ كَانَ قس خطيب الْعَرَب قاطبة.
وَفِي نسبه خلاف. فَقيل قس بن سَاعِدَة بن حذافة بن زفر وَقيل حذافة بن زهر بن إياد بن نزار.
وَقيل هُوَ قس بن سَاعِدَة بن عَمْرو بن عدي بن مَالك بن ايدعان بن النمر بن وَاثِلَة بن الطشان بن عوذ بن مَنَاة بن يقدم بن أفصى بن دعمي بن إياد. وَقيل: هُوَ ابْن سَاعِدَة بن عَمْرو بن شمر بن عدي بن مَالك وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده:
(أحقاً بني أَبنَاء سلمى بن جندل ... تهددكم إيَّايَ وسط الْمجَالِس)
стр. 561
على أَن حَقًا ظرف مَنْصُوب بِتَقْدِير فِي.
وَتقدم شَرحه فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالسِّتِّينَ من بَاب الْمُبْتَدَأ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
الشَّاهِد الثَّالِث وَالتِّسْعُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:
(دَعَوْت لما نابني مسوراً ... فلبى فلبي يَدي مسور)
على أَن لبيْك مثنى عِنْد سِيبَوَيْهٍ لَا مُفْرد ك لَدَى قلبت ألفها يَاء لما أضيفت إِلَى الْمُضمر خلافًا ليونس بِدَلِيل بَقَاء يائها مُضَافَة إِلَى الظَّاهِر كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت.
أما الأول فقد قَالَ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف: ذهب الْخَلِيل وسيبويه وَالْجُمْهُور إِلَى أَن لبيْك تَثْنِيَة وَحكى سِيبَوَيْهٍ عَن بعض الْعَرَب لب على أَنه مُفْرد لبيْك غير أَنه مَبْنِيّ على الْكسر كأمس وعلق لقلَّة تمكنه ونصبه نصب الْمصدر كَأَنَّهُ قَالَ: إِجَابَة. وَزعم ابْن مَالك أَنه اسْم فعل. وَهُوَ فَاسد لِإِضَافَتِهِ ويضاف إِلَى الظَّاهِر تَقول: لبي زيد وَإِلَى ضمير الْغَائِب قَالُوا: لبيه. وَدَعوى الشذوذ فيهمَا بَاطِلَة. انْتهى.
وَهَذَا مُخَالف لما قَالَه ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: أَن شَرط مجرور لبي وسعدي وحناني ضمير الْخطاب وشذ:
стр. 562
(دَعونِي فيا لبي إِذا هدرت لَهُم ... شقاشق أقوامٍ فأسكتها بَدْرِي)
لعدم الْإِضَافَة وَنَحْو: لَقلت لبيه لمن يدعوني لِإِضَافَتِهِ إِلَى ضمير الْغَيْبَة كَمَا شَذَّ إِضَافَته إِلَى الظَّاهِر فِي قَوْله: فلبى فلبي يَدي مسور وَأما الثَّانِي فَهُوَ اسْم مُفْرد مَقْصُور عِنْد يُونُس. قَالَ ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة: أَصله عِنْده لببٌ ووزنه فعللٌ وَلَا يجوز أَن تحمله على فعل لقلَّة فعل فِي الْكَلَام وَكَثْرَة فعلل فقلبت الْبَاء الَّتِي هِيَ اللَّام الثَّانِيَة من لبب يَاء هرباً من التَّضْعِيف فَصَارَ لبي ثمَّ أبدل الْيَاء ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا فَصَارَت لبا ثمَّ إِنَّهَا لما وصلت بِالْكَاف فِي لبيْك وبالهاء فِي لبيه قلبت الْألف يَاء كَمَا قلبت فِي على ولدى إِذا وصلتها بالضمير وَوجه الشّبَه بَينهمَا: أَنه اسْم لَيْسَ لَهُ تصرف غَيره فِي الْأَسْمَاء لِأَنَّهُ لَا يكون إِلَّا مَنْصُوبًا
стр. 563
وَلَا يكون إِلَّا مُضَافا كَمَا أَن إِلَيْك وَعَلَيْك ولديك لَا تكون إِلَّا مَنْصُوبَة الْمَوَاضِع مُلَازمَة للإضافة فقلبوا أَلفه يَاء فَقَالُوا: لبيْك كَمَا قَالُوا: عَلَيْك. وَنَظِير هَذَا كلا وكلتا فِي قلب ألفهما يَاء مَتى اتَّصَلت بضمير وَكَانَت فِي مَوضِع نصب أَو جر وَلم يقلبوا الْألف فِي)
مَوضِع الرّفْع يَاء لِأَنَّهُمَا بعدا برفعهما عَن شبه عَلَيْك ولديك إِذْ كَانَ لاحظ لَهُنَّ فِي الرّفْع.
وَاحْتج سِيبَوَيْهٍ على يُونُس فَقَالَ: لَو كَانَت يَاء إِلَيْك بِمَنْزِلَة يَاء عَلَيْك ولديك لوَجَبَ مَتى أضفتها إِلَى الْمظهر أَن تقرها ألفا فلبي فِي هَذَا الْبَيْت بِالْيَاءِ مَعَ إِضَافَته إِلَى الْمظهر دلَالَة على أَنه اسْم مثنى.
وَأجَاب ابْن جني فِي الْمُحْتَسب: بِأَن من الْعَرَب من يُبدل ألف الْمَقْصُور فِي الْوَقْف يَاء فَيَقُول: هَذِه عصي وَرَأَيْت حبلي وَمِنْهُم من يبدلها واواً فِيهِ أَيْضا فَيَقُول: هَذِه عصو وحبلو وَفِي الْوَصْل أَيْضا نَحْو هَذِه حبلو يَا فَتى وَمِنْه قِرَاءَة الْحسن: يَوْم يَدْعُو كل أناسٍ بِضَم الْيَاء وَفتح الْعين.
وعَلى هَذَا التَّخْرِيج يسْقط قَول سِيبَوَيْهٍ عَن يُونُس.
قَالَ أَبُو عَليّ: يُمكن يُونُس أَن يَقُول: إِنَّه أجْرى الْوَصْل مجْرى الْوَقْف فَكَمَا يَقُول فِي الْوَقْف: عصى وفتى كَذَلِك قَالَ: فلبي ثمَّ وصل على ذَلِك. هَذَا مَا قَالَه أَبُو عَليّ. وَعَلِيهِ يُقَال: كَيفَ يحسن تَقْدِير الْوَقْف على الْمُضَاف دون الْمُضَاف إِلَيْهِ وَجَوَابه أَن ذَلِك قد جَاءَ أنْشد أَبُو زيد: ضخم نجاري طيبٌ عنصري أَرَادَ عنصري فثقل الرَّاء لنِيَّة الْوَقْف ثمَّ أطلق يَاء الْإِضَافَة من بعد.
стр. 564
وَإِذا جَازَ هَذَا التَّوَهُّم مَعَ أَن الْمُضَاف إِلَيْهِ مُضْمر والمضمر الْمَجْرُور لَا يجوز تصور انْفِصَاله فجوازه مَعَ الْمظهر أولى من حَيْثُ كَانَ الْمظهر أقوى من الْمُضمر. وَمثله قَوْله: يَا ليتها قد خرجت من فَمه أَرَادَ: من فَمه ثمَّ نوى الْوَقْف على الْمِيم فثقلها على حد قَوْلهم فِي الْوَقْف: هَذَا خالدٌ وَهُوَ يَجْعَل ثمَّ أضَاف على ذَلِك. ويروى: من فَم يضم الْمِيم أَيْضا وَفِيه أَكثر من هَذَا. انْتهى.
فوزن لبيْك عِنْدهمَا فَعَلَيْك وَعند يُونُس فعللك.
وَاعْلَم أَن الشَّارِح جوز أَن يكون أصل لبيْك إِمَّا إلبابين حذف مِنْهَا
الزَّوَائِد وَإِمَّا من لب بِالْمَكَانِ بِمَعْنى أَقَامَ فَلَا حذف. وَيَنْبَغِي أَن يكون الْمَأْخُوذ مِنْهُ هَذَا فَإِنَّهُ لَا تكلّف فِيهِ وَفعله وَوَصفه ثَابت أما الْفِعْل فقد روى الْمفضل بن سَلمَة فِي الفاخر: أَنه يُقَال: لب بِالْمَكَانِ: إِذا أَقَامَ فِيهِ وَأنْشد قَول الراجز: وَأما الْوَصْف فقد قَالَ صَاحب الصِّحَاح: وَرجل لبٌ أَي: لَازم لِلْأَمْرِ وَأنْشد: لبا بأعجاز الْمطِي لاحقا)
стр. 565
وَرجل لَبِيب مثل لب قَالَ:
(فَقلت لَهَا فيئي إِلَيْك فإنني ... حرامٌ وَإِنِّي بعد ذَاك لَبِيب)
وَقيل: هُوَ بِمَعْنى ملب بِالْحَجِّ من التَّلْبِيَة وَحرَام: بِمَعْنى محرم وَبعد ذَاك أَي: مَعَ ذَاك. وَقيل: إِنَّه مَأْخُوذ من قَوْلهم: دَاري تلب دَارك أَي: تقَابلهَا فَيكون مَعْنَاهُ: اتجاهي إِلَيْك وإقبالي عَلَيْك.
حَكَاهُمَا المضل فِي الفاخر وَأسْندَ أَولهمَا إِلَى الْخَلِيل عَن أبي عبيد. وَقيل: مَعْنَاهُ إخلاصي لَك من قَوْلهم: حسبٌ لباب.
وَاخْتلف فِي كَاف لبيْك فَقَالَ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف: وَهِي فِي لبيْك وَسَعْديك وحنانيك الْوَاقِع موقع الَّذِي هُوَ خير فِي مَوضِع الْمَفْعُول وَفِي دواليك وهذاذيك وحنانيك إِذا وَقعت موقع الطّلب فِي مَوضِع الْفَاعِل. وَذهب الأعلم إِلَى أَن الْكَاف حرف خطاب فَلَا مَوضِع لَهَا من الْإِعْرَاب.
وحذفت النُّون لشبه الْإِضَافَة. وَيجوز اسْتِعْمَال لبيْك وَحده وَأما سعديك فَلَا يسْتَعْمل إِلَّا تَابعا للبيك. انْتهى.
وَقَوله فِي الْبَيْت فلبى هُوَ فعل مَاض من التَّلْبِيَة وفاعله الضَّمِير الْعَائِد إِلَى مسور قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق وَأما قَوْلهم: لبّى يُلَبِّي فَهُوَ مُشْتَقّ من لبيْك لِأَن معنى لبّى: قَالَ لبيْك كَمَا أَن معنى سبح وَسلم وبسمل: قَالَ سُبْحَانَ الله وَسَلام عَلَيْك وبسم الله.
وَهَذَا مَأْخُوذ من سر الصِّنَاعَة لِابْنِ جني فَإِنَّهُ قَالَ: فَأَما حَقِيقَة لبيت عِنْد أهل الصَّنْعَة فَلَيْسَ أصل يائه بَاء وَإِنَّمَا الْيَاء فِي لبيت هِيَ الْيَاء فِي قَوْلهم:
следующие страницы →