Полный текст (5 658 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.
стр. 5006
وَقد تحرف هَذَا الْكَلَام على ابْن هِشَام فَقَالَ فِي شرح الشواهد وَتَبعهُ الْعَيْنِيّ: وَالسَّبَب فِيهِ أَن قوما من آل بدر جاوروا الفزاريين من بني لأم من طَيئ فجزوا نواصيهم وَقَالُوا: مننا عَلَيْكُم وَلم وَلَا يَصح هَذَا إِلَّا إِذا كَانَ بشر فزارياً وَإِنَّمَا هُوَ من أَسد بن خُزَيْمَة.
وَقَوله: وسوف أخص بالكلمات أَوْسًا هُوَ أَوْس بن حَارِثَة بن لأم الطَّائِي أحد الأجواد الْمَشْهُورين.
وَقَوله: فَإذْ جزت نواصي ... إِلَخ جزت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول. والجز: بِالْجِيم وَالزَّاي: قطع الصُّوف وَالشعر. والنواصي: جمع نَاصِيَة وَهِي الشّعْر فِي مقدم الرَّأْس فَوق الْجَبْهَة. وَكَانَت الْعَرَب إِذا أَنْعَمت على الرجل الشريف بعد أسره جزوا ناصيته وأطلقوه فَتكون الناصية عِنْد الرجل يفخر بهَا. وأسرى: جمع أَسِير. والوثاق: الْقَيْد وَالْحَبل وَنَحْوه.
وَقَوله: وَإِلَّا أَي: وَإِن لم تُؤَدُّوا النواصي المجزوزة مَعَ الأسرى. وَأَخْطَأ الْعَيْنِيّ فِي قَوْله: أَي وَإِن لم تجزوا نواصيهم وتطلقوا أَسْرَاهُم. انْتهى. وبغاة: جمع بَاغ وَهُوَ الطَّالِب أَو مَعْنَاهُ يَبْغِي بَعْضنَا على بعض. وَفِي ديوانه: بغاء بِكَسْر الْمُوَحدَة وَضمّهَا مَعَ الْمَدّ. أما الْمَكْسُورَة فَهُوَ مصدر بغى أَي: سعى فِي الْفساد.
وَأما المضموم فَهُوَ اسْم للمصدر يُقَال: بغيته بغياً: طلبته وَالِاسْم الْبغاء بِالضَّمِّ وَعَلَيْهِمَا يكون فيهمَا مُضَاف مَحْذُوف أَي: ذُو بغاء. وَمَا: مَصْدَرِيَّة
стр. 5007
ظرفية أَي: مُدَّة بقائنا.
وروى بدله: مَا حيينا من الْحَيَاة. والشقاق: مصدر شاقه مشاقة وشقاقاً أَي: خَالفه.
وَحَقِيقَته أَن يَأْتِي كل مِنْهُمَا مَا يشق على صَاحبه فَيكون كل مِنْهُمَا فِي شقّ غير شقّ صَاحبه. والشق بِالْكَسْرِ: الْجَانِب وَالْمَشَقَّة وَنصف الشَّيْء.)
-
وَأورد عَلَيْهِ بِأَن فِيهِ الْحَذف من الأول لدلَالَة الثَّانِي وَإِنَّمَا الْكثير الْعَكْس. وخرجه بَعضهم كَمَا نَقله الْعَيْنِيّ على أَن: بغاة خبر إِنَّا وَخبر انتم مَحْذُوف وَالتَّقْدِير: إِنَّا بغاة وَأَنْتُم كَذَلِك فَيكون جملَة أَنْتُم كَذَلِك فَيكون جملَة وَأَنْتُم كَذَلِك اعْترض بهَا بَين الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر.
وَيرد على التخاريج الثَّلَاثَة أَن الْمُتَكَلّم لَا يثبت لنَفسِهِ الْبَغي والعدوان وَإِنَّمَا ينْسبهُ إِلَى الْمُخَاطب.
وَيُجَاب بِأَن الْمَعْنى مَا ذكر فِي سَبَب هَذَا الشّعْر كَمَا تقدم وَلَيْسَ مَعْنَاهُ مَا أورد. وَكَأن الشَّارِح الْمُحَقق لحظ هَذَا الْوُرُود فخرجه على أَن قَوْله مَا بَقينَا فِي شقَاق خبر إِنَّا وَجُمْلَة وَأَنْتُم وَهَذَا التَّخْرِيج لَا غُبَار عَلَيْهِ جيد إعراباً وَمعنى. وَجعل الْجُمْلَة اعتراضية أحسن من جعلهَا عاطفة لِأَنَّهُ يلْزم عَلَيْهِ الْعَطف قبل تَمام الْمَعْطُوف عَلَيْهِ.
وَإِلَى هَذَا ذهب صَاحب اللّبَاب قَالَ: وَقد يتَوَهَّم أَن أَن الْمَفْتُوحَة فِي بَاب علمت لَهَا حكم الْمَكْسُورَة فِي صِحَة الْعَطف على الْمحل كَقَوْلِه: وَإِلَّا فاعلموا أَنا وَأَنْتُم الْبَيْت وَلَيْسَ بثبت لاحْتِمَال أَن يكون الْعَطف بِاعْتِبَار الْجمل لَا بِاعْتِبَار التَّشْرِيك فِي الْعَامِل. وَإنَّهُ جَائِز فِي الْجَمِيع.
стр. 5008
قَالَ شَارِحه الفالي: يَعْنِي يحْتَمل أَن لَا يكون مَعْطُوفًا عَلَيْهِ عطف الْمُفْرد بِاعْتِبَار تشريكهما فِي عَامل وَاحِد بل بِاعْتِبَار عطف الْجُمْلَة على الْجُمْلَة بِأَن يكون خبر إِنَّا هُوَ فِي شقَاق إِذْ لَيْسَ ينسبون الْبَغي إِلَى أنفسهم بل إِلَى المخاطبين خَاصَّة. فالعطف بِاعْتِبَار الْجمل لَا بِاعْتِبَار التَّشْرِيك. والعطف بِاعْتِبَار الْجمل جَائِز فِي الْجَمِيع.
وَقد أوضح صَاحب الْكَشَّاف فِي تَفْسِير سُورَة الْمَائِدَة وَتَبعهُ الْبَيْضَاوِيّ كَلَام
سِيبَوَيْهٍ فِي التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير فَقَالَ: والصائبون رفع على الِابْتِدَاء وَخَبره مَحْذُوف وَالنِّيَّة بِهِ التَّأْخِير عَمَّا فِي حيّز إِن من اسْمهَا وخبرها كَأَنَّهُ قيل: إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا وَالنَّصَارَى حكمهم كَذَا)
وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ شَاهدا لَهُ:
(وَإِلَّا فاعلموا أَنا وَأَنْتُم ... بغاة مَا بَقينَا فِي شقَاق)
أَي: فاعلموا أَنا بغاة وَأَنْتُم كَذَلِك.
فَإِن قلت: هلا زعمت أَن ارتفاعه للْعَطْف على مَحل أَن وَاسْمهَا قلت: لَا يَصح ذَلِك قبل الْفَرَاغ من الْخَبَر لَا تَقول: إِن زيدا وَعَمْرو منطلقان.
فَإِن قلت: لم لَا يَصح وَالنِّيَّة بِهِ التَّأْخِير فكأنك قلت: إِن زيدا منطلق وَعَمْرو قلت: لِأَنِّي إِذا رفعته رفعته عطفا على مَحل إِن وَاسْمهَا وَالْعَامِل فِي محلهَا هُوَ الِابْتِدَاء فَيجب أَن يكون هُوَ الْعَامِل فِي الْخَبَر لِأَن الِابْتِدَاء يَنْتَظِم الجزأين فِي عمله كَمَا تنتظمهما إِن فِي عَملهَا فَلَو رفعت الصابئون الْمَنوِي بِهِ التَّأْخِير بِالِابْتِدَاءِ وَقد رفعت الْخَبَر بإن لأعملت فيهمَا رافعين مُخْتَلفين.
стр. 5009
فَإِن قلت: فَقَوله: والصابئون مَعْطُوف لَا بُد لَهُ من مَعْطُوف عَلَيْهِ فَمَا هُوَ قلت: هُوَ مَعَ خَبره الْمَحْذُوف جملَة معطوفة على جملَة قَوْله: إِن الَّذين آمنُوا إِلَخ وَلَا مَحل لَهَا كَمَا لَا مَحل للَّتِي عطفت عَلَيْهَا.
فَإِن قلت: مَا التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير إِلَّا لفائدة فَمَا فَائِدَة هَذَا التَّقْدِيم قلت: فَائِدَته التَّنْبِيه على أَن الصابئين يُتَاب عَلَيْهِم إِن صَحَّ مِنْهُم الْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح فَمَا الظَّن بغيرهم وَذَلِكَ أَن الصابئين أبين هَؤُلَاءِ الْمَعْدُودين ضلالا وأشدهم غياً وَمَا سموا صابئين إِلَّا لأَنهم صبؤوا عَن الْأَدْيَان كلهَا أَي: خَرجُوا.
كَمَا أَن الشَّاعِر قدم قَوْله: وَأَنْتُم تَنْبِيها على أَن المخاطبين أوغل فِي الْوَصْف بالبغاة من قومه حَيْثُ عَاجل بِهِ قبل الْخَبَر الَّذِي هُوَ بغاة لِئَلَّا يدْخل قومه فِي الْبَغي قبلهم مَعَ كَونهم أوغل فِيهِ مِنْهُم. وَأثبت قدماً. انْتهى.
وَكَون هَذَا عِنْد سِيبَوَيْهٍ من عطف الْجمل لَا من عطف الْمُفْردَات هُوَ صَرِيح كَلَامه.
-
قَالَ الشاطبي: وَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَر أَن الرّفْع فِي الْمَعْطُوف على الِابْتِدَاء هُوَ اسْتِئْنَاف جملَة معطوفة على أُخْرَى وَهُوَ الْأَظْهر من كَلَام سِيبَوَيْهٍ.
وَنقل عَن الْأَخْفَش وَالْفراء والمبرد وَابْن السراج والفارسي فِي غير الْإِيضَاح وَابْن أبي الْعَافِيَة والشلوبين فِي آخر قوليه وَجَمَاعَة من أَصْحَابه.
وَمِنْهُم من جعل ذَلِك عطفا حَقِيقَة من بَاب عطف الْمُفْردَات وَأَن قَوْلك: إِن زيداُ قَائِم وَعَمْرو)
عطف فِيهِ عَمْرو على مَوضِع زيد وَهُوَ الرّفْع كَمَا عطف على مَوضِع خبر لَيْسَ فِي نَحْو: فلسنا بالجبال وَلَا الحديدا
стр. 5010
وَإِلَيْهِ ذهب الشلوبين فِي أول قوليه وَابْن أبي الرّبيع. وَهُوَ ظَاهر الْإِيضَاح وجمل الزجاجي وَمَال وَذهب ابْن مَالك فِي شرح التسهيل إِلَى الأول وَنَصره وزيف غَيره وَهُوَ الصَّحِيح من المذهبين الْمُعْتَمد المعضود بِالدَّلِيلِ.
وَقد تصدى ابْن أبي الْعَافِيَة لنصره فِي مَسْأَلَة أفردها وَابْن الزبير من شُيُوخ شُيُوخنَا اعتنى بالمسالة جدا وَطول فِيهَا الْكَلَام. وَهُوَ الَّذِي ذهب إِلَيْهِ من اعتمدناه من شُيُوخنَا فتلقيناه عَنْهُم.
فَمن أَرَادَ التَّرْجِيح بَين المذهبين فَعَلَيهِ بِكَلَام ابْن الزبير فَفِيهِ غَايَة الشِّفَاء فِي الْمَسْأَلَة.
-
وَقد احْتج لَهُ ابْن مَالك بِأَنَّهُم اقتصروا فِي هَذَا الْعَطف على الْإِتْيَان بِهِ بعد تَمام الْجُمْلَة. وَلَو كَانَ من عطف الْمُفْردَات لَكَانَ وُقُوعه قبل التَّمام أولى لِأَن وصل الْمَعْطُوف بالمعطوف عَلَيْهِ أَجود من فَصله.
وَأَيْضًا لَو كَانَ كَذَلِك لجَاز وُقُوع غَيره من التوابع. وَلم يحْتَج سِيبَوَيْهٍ فِي قَوْله تَعَالَى: قل إِن رَبِّي يقذف بِالْحَقِّ علام الغيوب إِلَى أَن يَجعله خبر مُبْتَدأ أَو بَدَلا من فَاعل يقذف. وَاسْتدلَّ بِغَيْر ذَلِك مِمَّا يطول بِهِ الْكَلَام. انْتهى كَلَامه الْمَقْصُود مِنْهُ.
وَبشر بن أبي خازم شَاعِر جاهلي تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعِشْرين بعد الثلثمائة.
стр. 5011
وَأنْشد بعده
(فَلَا تحسبي أَنِّي تخشعت بعدكم ... لشَيْء وَلَا أَنِّي من الْمَوْت أفرق)
(وَلَا أَنا مِمَّن يزدهيه وعيدكم ... وَلَا أنني بِالْمَشْيِ فِي الْقَيْد أخرق)
على أَن تَخْرِيج الْبَيْت السَّابِق وَهُوَ جعل جملَة وَأَنْتُم بغاة اعتراضاً بَين أَنا وَخَبره وَهُوَ قَوْله: مَا بَقينَا فِي شقَاق لَا يتمشى مثله هُنَا لِأَن قَوْله: وَلَا أنني بِالْمَشْيِ فِي الْقَيْد أخرق عطف على أَنِّي تخشعت. فَلَو جعل قَوْله: وَلَا أَنا مِمَّن يزدهيه وعيدكم جملَة اعتراضية لَكَانَ لَا دَاخِلَة على معرفَة بِلَا تَكْرِير وَلَا يجوز ذَلِك إِلَّا عِنْد الْمبرد.
وَلَو روى: وَلَا إِنَّنِي بِالْمَشْيِ بِالْكَسْرِ لارتفع الْإِشْكَال وَكَانَ قَوْله: وَلَا أَنا مِمَّن يزدهيه مستأنفاً)
وَلَا مكررة. يُرِيد أَن قَوْله: وَلَا أَنا مِمَّن ... إِلَخ مَعْطُوف على اسْم أَن الْمَفْتُوحَة فِي قَوْله: فَلَا تحسبي أَنِّي تخشعت الْبَتَّةَ كَمَا أجَاز سِيبَوَيْهٍ رفع الْمَعْطُوف على اسْم أَن الْمَفْتُوحَة وَلَا يُمكن على وَجه لَا يكون فِيهِ الْعَطف على اسْم الْمَفْتُوحَة كَمَا أمكن تَخْرِيج الْآيَة وَالْبَيْت قبله.
وَإِن جعل جملَة ولَا أَنا مِمَّن ... إِلَخ مُعْتَرضَة بَين المتعاطفين منع بِعَدَمِ تكَرر لَا فَإِنَّهَا يجب تكررها عِنْد الْجُمْهُور فِي غير دُعَاء وَغير جَوَاب قسم.
وَلَو كَانَت الرِّوَايَة فِي أنني الثَّالِثَة الْكسر لجعلت الْوَاو فِي وَلَا أَنا استئنافية وَكَانَ مدخولها مَعَ مَا بعده جملتين مستأنفتين
стр. 5012
وَزَالَ الْإِشْكَال بِتَكَرُّر لَا. وَحِينَئِذٍ لم يتَعَيَّن التَّخْرِيج على قَول سِيبَوَيْهٍ.
لكنه لم يرو الْكسر فتحتم التَّخْرِيج على قَول سِيبَوَيْهٍ.
وَتَخْرِيج الْآيَة وَالْبَيْت على مَا ذكره الشَّارِح السيرافي فَإِنَّهُ خَالف سِيبَوَيْهٍ وَزعم أَن أَن الْمَفْتُوحَة لَا تلْحق بالمكسورة فِي ذَلِك لِأَن الْمَكْسُورَة على شَرط الِابْتِدَاء وَلَيْسَت الْمَفْتُوحَة كَذَلِك إِنَّمَا تجْعَل الْكَلَام شاناً وحديثاً بِمَنْزِلَة الْمُفْرد. وَلَيْسَ فِي
قَوْله تَعَالَى: أَن الله بَرِيء من الْمُشْركين وَرَسُوله دَلِيل لَهُ لصِحَّة حمله على وَجْهَيْن جَيِّدين: أَحدهمَا: أَن يكون وَرَسُوله عطفا على أَن وَمَا بعْدهَا لِأَنَّهَا اسْم مُفْرد فالتقدير: بَرَاءَة الله من الْمُشْركين وَرَسُوله أَي: وَبَرَاءَة رَسُوله. وَهَذَا وَجه جيد كَمَا تَقول: أعجبني أَنَّك منطلق وإسراعك.
وَالثَّانِي: أَن يكون وَرَسُوله مَعْطُوفًا على الضَّمِير فِي بَرِيء وَحسن للفصل. وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يكن فِي الْآيَة دَلِيل على مَا قَالُوهُ. فالاستشهاد بهَا وهم جرى على سِيبَوَيْهٍ والنحويين.
وَقد رد عَلَيْهِ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة وَأثبت مَا ذهب إِلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ سَمَاعا وَقِيَاسًا. وَهَذِه عِبَارَته: وَفِي قَوْله: شَاهد لجَوَاز اسْتِدْلَال سِيبَوَيْهٍ بقول الله سُبْحَانَهُ: أَن الله بَرِيء من الْمُشْركين وَرَسُوله بِالرَّفْع على معنى الِابْتِدَاء ورد وردع لإنكار من أنكر ذَلِك
стр. 5013
عَلَيْهِ من بعض الْمُتَأَخِّرين.
وَقَوله: إِن هَذَا إِنَّمَا يسوغ بعد إِن الْمَكْسُورَة لِأَنَّهَا على شَرط الِابْتِدَاء وَلَيْسَ فِي الْآيَة إِن مَكْسُورَة وَإِنَّمَا فِيهَا أَن مَفْتُوحَة والمفتوحة لَا تصرف الْكَلَام إِلَى معنى الِابْتِدَاء وَإِنَّمَا تجْعَل الْكَلَام شَأْنًا وحديثاً ومواضعها تخْتَص بالمرد لَا بِالْجُمْلَةِ.
هَذَا معنى مَا أوردهُ هَذَا الْمُنكر على صَاحب الْكتاب فِي هَذَا الْموضع. وَالْقَوْل فِيمَا بعد مَعَ)
صَاحب الْكتاب لاعليه سَمَاعا وَقِيَاسًا.
أما السماع فَمَا جَاءَ فِي هَذَا الْبَيْت وَهُوَ قَوْله: فَلَا تحسبوا أَنِّي تخشعت بعدكم
ثمَّ قَالَ: وَلَا أَنا مِمَّن يزدهيه وعيدكم فعطف الْجُمْلَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر على قَوْله: أَنِّي تخشعت وَهُوَ يُرِيد معنى أَن الْمَفْتُوحَة. يدل على ذَلِك رِوَايَة من روى: وَلَا أَن نَفسِي يزدهيها وعيكم وَقد جَاءَ ذَلِك أَيْضا فِي التَّنْزِيل قَالَ الله عز اسْمه: وَأَن هَذِه أمتكُم أمة وَاحِدَة وَأَنا ربكُم فاتقوني. فعطف الْجُمْلَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر على أَن وفيهَا
стр. 5014
معنى اللَّام كَمَا تقدم. وَهَذَا يزِيل معنى الِابْتِدَاء عِنْده وَيصرف الْكَلَام إِلَى معنى الْمصدر أَي: ولكوني ربكُم فاتقوني.
وَنَحْوه أَيْضا قَوْله تَعَالَى: ضرب لكم مثلا من أَنفسكُم هَل لكم مِمَّا ملكت أَيْمَانكُم من شُرَكَاء فِيمَا رزقناكم فَأنْتم فِيهِ سَوَاء أَي: فتستووا.
-
قَالَ أَبُو عَليّ: فأوقع الْجُمْلَة المركبة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر موقع الْفِعْل الْمَنْصُوب بِأَن وَالْفِعْل إِذا انتصب انْصَرف القَوْل بِهِ والرأي فِيهِ إِلَى مَذْهَب الْمصدر.
وَمَعْلُوم أَن الْمصدر أحد الْآحَاد وَلَا نِسْبَة بَينه وَبَين الْجُمْلَة وَقد ترى الْجُمْلَة الَّتِي هِيَ قَوْله: وَأَنا ربكُم معطوفة على أَن الْمَفْتُوحَة وعبرتها عِبْرَة الْمُفْرد من حَيْثُ كَانَت مصدرا الْمصدر أحد الْأَسْمَاء المفردة.
وَوجدت أَنا فِي التَّنْزِيل موضعا لم أر أَبَا عَليّ ذكره على سَعَة بَحثه ولطف مأخذه وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: أعنده علم الْغَيْب فَهُوَ يرى أَي: فَيرى.
أَلا ترى أَن الْفَاء جَوَاب الِاسْتِفْهَام وَهِي تصرف الْفِعْل بعْدهَا إِلَى الانتصاب بِأَن مضمرة وَأَن الْفِعْل الْمَنْصُوب بهَا مصدر فِي الْمَعْنى لَا محَالة حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ: أعنده علم الْغَيْب فرؤيته كَمَا أَن وَأما وَجه الْقيَاس فَهُوَ أَن أَن الْمَفْتُوحَة وَإِن لم تكن من مَوَاضِع الِابْتِدَاء فَإِنَّهَا من مَوَاضِع التَّحْقِيق والاعتلاء كَمَا أَن إِن الْمَكْسُورَة كَذَلِك فَلَمَّا استوتا فِي الْعَمَل وَالْمعْنَى تقاربتا فِي اللَّفْظ صَارَت كل وَاحِدَة كَأَنَّهَا أُخْتهَا.)
يزِيد ذَلِك وضوحاً أَنَّك تَقول: علمت أَن زيدا قَائِم وَعلمت إِن زيدا لقائم
стр. 5015
فتجد معنى الْمَكْسُورَة كمعنى الْمَفْتُوحَة ويؤكد فِي الْمَوْضِعَيْنِ كليهمَا قيام زيد لَا محَالة وَالْقِيَام مصدر كَمَا ترى. نعم وَتَأْتِي هُنَا بِصَرِيح الِابْتِدَاء فَتَقول: علمت لزيد أفضل مِنْك كَمَا تَقول: علمت أَن زيدا أفضل مِنْك.
أَفلا ترى إِلَى تجاري هَذِه التراكيب إِلَى معنى وَاحِد وتناظر بَعْضهَا إِلَى بعض. وَسبب ذَلِك كُله مَا ذكرته لَك من مشابهة أَن لإن لفظا وَعَملا. فَإِذا كَانَ كَذَلِك سقط اعْتِرَاض هَذَا الْمُتَأَخر على مَا أوردهُ سِيبَوَيْهٍ وَأسْقط كلفته عَنهُ.
-
وَيزِيد فِيمَا نَحن عَلَيْهِ وضوحاً قَوْله فِيمَا بعد: وَلَا أنني بِالْمَشْيِ فِي الْقَيْد أخرق فَعَاد إِلَى أَن الْبَتَّةَ. انْتهى كَلَام ابْن جني.
والبيتان من أَبْيَات سَبْعَة لجَعْفَر بن علبة الْحَارِثِيّ أوردهَا أَبُو تَمام فِي أول الحماسة وَهِي:
(عجبت لمسراها وأنى تخلصت ... إِلَيّ وَبَاب السجْن دوني مغلق)
(عجبت لمسراها وسرب أَتَت بِهِ ... بعيد الْكرَى كَادَت لَهُ الأَرْض تشرق)
(ألمت فحيت ثمَّ قَامَت فودعت ... فَلَمَّا تولت كَادَت النَّفس تزهق)
(فَلَا تحسبي أَنِّي تخشعت بعدكم ... لشَيْء وَلَا أَنِّي من الْمَوْت أفرق)
(وَلَا أَن نَفسِي يزدهيها وعيدكم ... وَلَا أنني بِالْمَشْيِ فِي الْقَيْد أخرق)
(وَلَكِن عرتني من هَوَاك ضمانة ... كَمَا كنت ألْقى مِنْك إِذْ أَنا مُطلق)
стр. 5016
قَوْله: هواي مَعَ الركب ... إِلَخ أوردهُ الْقزْوِينِي فِي تَلْخِيص الْمِفْتَاح
على أَن تَعْرِيف الْمسند إِلَيْهِ بِالْإِضَافَة لكَونه أخصر طَرِيق.
قَالَ السعد فِي شَرحه: هواي أَي: مهويي وَهَذَا أخصر من الَّذِي أهواه وَنَحْو ذَلِك.
والاختصار مَطْلُوب لضيق الْمقَام وفرط السَّآمَة لكَونه فِي السجْن وحبيبته على الرحيل. ومصعد: ذَاهِب فِي الأَرْض. والجنيب: المجنوب المستتبع. والجثمان: الشَّخْص. والموثق: الْمُقَيد. وَلَفظ الْبَيْت خبر وَمَعْنَاهُ تأسف وتحسر على بعد الحبيب. انْتهى.
وَقَالَ أَمِين الدَّين الطبرسي فِي شرح الحماسة: الركب: جمع رَاكب مثل صحب جمع صَاحب والجثمان الْجِسْم قَالَه الْأَصْمَعِي.)
وَمعنى الْبَيْت: هواي رَاحِلَة مبعدة مَعَ ركبان الْإِبِل القاصدين نَحْو الْيمن وبدني مُقَيّد بِمَكَّة.
وَإِنَّمَا قَالَ هَذِه الأبيات لما كَانَ مَحْبُوسًا بِمَكَّة لدم كَانَ عَلَيْهِ لبني عقيل. وَذكر فِي هَذِه الأبيات صبره على الْبلَاء وَعدم خَوفه من الْمَوْت واستهانته بوعيد المتوعد وحذقه بمشي الْمُقَيد.
-
وَقَوله: عجبت لمسراها المسرى: مصدر ميمي بِمَعْنى السرى وَالضَّمِير لخيال الحبيبة وَهِي مُؤَنّثَة وَهِي وَإِن لم يجر لَهَا ذكر لَكِنَّهَا مَعْلُومَة من الْمقَام. وأنى مَعْنَاهُ كَيفَ أَو من أَيْن وتخلصت: توصلت. يَقُول: تعجبت من سير هَذِه الخيال وَمن توصلها إِلَيّ مَعَ هَذِه الْحَال وَهُوَ أَن بَاب السجْن مغلق عَليّ.
стр. 5017
قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: لَا يجوز عطف أَنى على مسراها لِأَن الِاسْتِفْهَام لَا يعْمل فِيهِ مَا قبله بل هِيَ مَنْصُوبَة بقوله: تخلصت وَتمّ الْكَلَام على قَوْله: عجبت لمسراها ثمَّ اسْتَأْنف كلَاما آخر بقوله: وأنى تخلصت أَي: وَمن أَيْن تخلصت.
هَذَا وضع الْإِعْرَاب وَمُقْتَضى الصَّنْعَة فِيهِ. فَأَما حَقِيقَة الْمَعْنى فَكَأَنَّهُ قَالَ: عجبت لمسراها ولتخلصها إِلَيّ لِأَن الْعجب اشْتَمَل عَلَيْهِمَا جَمِيعًا. وَلَا يستنكر أَن يكون وضع الْإِعْرَاب مُخَالفا لمحصول الْمَعْنى.
أَلا تراك تَقول: أهلك وَاللَّيْل فَمَعْنَاه الْحق أهلك قبل اللَّيْل وَإِعْرَابه على غير ذَلِك. انْتهى.
وَقَوله: وسرب أَتَت بِهِ السرب بِالْكَسْرِ: الْجَمَاعَة من النِّسَاء يُرِيد نسَاء رآهن مَعهَا فِي نَومه. وأَتَت بِهِ أَي: بالسرب. وأشرقت الأَرْض: أَضَاءَت. وَقَوله: ألمت فحيت ... إِلَخ الْإِلْمَام: الزِّيَارَة الْخَفِيفَة. وحيت من التَّحِيَّة. وزهقت النَّفس: خرجت مسرعة. حكى حَال الخيال فَقَالَ: جاءتنا فَسلمت علينا ثمَّ لم تلبث إِلَّا قَلِيلا حَتَّى قَامَت وأعرضت فَلَمَّا تولت كَادَت النَّفس تخرج فِي أَثَرهَا.
وَقَوله: فَلَا تحسبي أَنِّي. . إِلَخ هَذَا الْتِفَات من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب. وتخشع: تكلّف الْخُشُوع.
والخشوع يكون فِي الصَّوْت وَالْبَصَر والخضوع فِي الْبدن.
وَقَالَ ابْن جني: تخشعت بِمَعْنى خَشَعت وَقد جَاءَ تفعل بِمَعْنى فعل. وأفرق: أَخَاف وَفعله من بَاب فَرح.
وَقَوله: وَلَا أَنا مِمَّن ... إِلَخ غَالب رِوَايَة الحماسة: وَلَا أَن نَفسِي
стр. 5018
يزدهيها ... إِلَخ وَنبهَ شراحها على الرِّوَايَتَيْنِ. وازدهاه: استخفه من الزهو وَهُوَ الخفة. والأخرق الَّذِي لم يحسن)
عمل شَيْء يُقَال: فلَان أخرق إِذا لم يحسن
شَيْئا وَفُلَان صنع بِفتْحَتَيْنِ إِذا أحسن عمل كل شَيْء.
يَقُول: لَا تظني أَن نَفسِي تستخف من الْوَعيد وَلَا أَنَّهَا تضجر من الْمَشْي فِي الْقَيْد. يستهين بِمَا اجْتمع عَلَيْهِ من الْحَبْس والقيد ويبجح بِالصبرِ على الشدائد. وبهذين الْبَيْتَيْنِ أدخلت هَذِه الأبيات فِي بَاب الحماسة.
وَقَوله: وَلَكِن عرتني ... إِلَخ عراه يعروه: أَصَابَهُ وَنزل بِهِ. والضمانة: الزمانة وَهُوَ عدم الِاسْتِطَاعَة على النهوض وَالْقِيَام.
قَالَ ابْن جني: يجوز أَن تعلق مِنْك بِنَفس عرتني فَلَا يكون فِيهَا ضمير وَلَا يجوز أَن تكون حَالا من ضمانة على أَنَّهَا صفة فِي الأَصْل لضمانة فَلَمَّا قدمت صَارَت حَالا فَفِيهَا إِذن ضمير لتعلقها بالمحذوف.
وَأما الْكَاف فَيجوز أَن تكون وَصفا لضمانة فَتعلق بِمَحْذُوف وتتضمن ضميرها وَيجوز أَن تكون مَنْصُوبَة على الْمصدر أَي: عرتني ضمانة عرواً مثل مَا كَانَت تعروني وَأَنا مُطلق.
أَي: لم ينسني مَا أَنا فِيهِ من الشدَّة مَا كنت عَلَيْهِ أَيَّام الرخَاء. فَيجْرِي هَذَا مجْرى قَوْلك: قُمْت فِي حَاجَتك كَمَا كنت أنهض بهَا. انْتهى.
وروى: صبَابَة بدل ضمانة وَهِي رقة الشوق. قَالَ الطبرسي: والأجود حِينَئِذٍ أَن تكون مَا مَوْصُوفَة لَا مَوْصُولَة لِأَن الْقَصْد تَشْبِيه صبَابَة مَجْهُولَة بِمِثْلِهَا وَالتَّقْدِير: عرتني صبَابَة تشبه صبَابَة كَمَا كنت أكابدها فِيك زمن إطلاقي. وجَعْفَر بن علبة بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام بعْدهَا مُوَحدَة يَنْتَهِي نسبه إِلَى كَعْب بن الْحَارِث. والْحَارث: قَبيلَة من الْيمن.
قَالَ الْأَصْفَهَانِي فِي
стр. 5019
الأغاني: ويكنى جَعْفَر أَبَا عَارِم بِولد لَهُ. وَهُوَ من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية. وجعفر شَاعِر مقل غزل فَارس مَذْكُور فِي قومه.
-
وَقتل جَعْفَر فِي قصاص اخْتلف فِي سَببه على ثَلَاثَة أَقْوَال ثَالِثهَا: أَنه كَانَ يزور نسَاء من عقيل بن كَعْب وَكَانُوا متجاورين هم وَبَنُو الْحَارِث.
فَأَخَذته عقيل وكشفوا عَوْرَته وكتفوه وضربوه بالسياط ثمَّ أَقبلُوا بِهِ إِلَى النسْوَة اللَّاتِي كَانَ يتحدث إلَيْهِنَّ ليغيظوهن ويفضحوه عِنْدهن فَقَالَ لَهُم: يَا قوم لَا تَفعلُوا فَإِن هَذَا الْفِعْل مثلَة)
وَأَنا أَحْلف لكم أَن لَا أَزور بُيُوتكُمْ أبدا. فَلم يقبلُوا مِنْهُ فَقَالَ لَهُم: حسبكم مَا مضى ومنوا عَليّ بالكف عني فَإِنِّي أعده نعْمَة لكم لَا أكفرها أبدا أَو فاقتلوني وأريحوني فَأَكُون رجلا آذَى قومه فِي دَارهم فَقَتَلُوهُ. فَلم يَفْعَلُوا.
وَجعلُوا يكشفون عَوْرَته بَين أَيدي النِّسَاء ويضربونه ويغرون بِهِ سفهاءهم حَتَّى شفوا أنفسهم مِنْهُ ثمَّ خلوا سَبيله فَلم تمض إِلَّا أَيَّام قَليلَة حَتَّى عَاد جَعْفَر وَمَعَهُ صاحبان لَهُ فَدفع رَاحِلَته حَتَّى أولجها الْبيُوت ثمَّ مضى.
فَلَمَّا كَانَ فِي نقرة من الرمل أَنَاخَ هُوَ وصاحباه وَكَانَت عقيل أقفى خلق الله لأثر فتبعوه حَتَّى انْتَهوا إِلَيْهِ وَلَيْسَ مَعَهم سلَاح وَلَا عَصا فَوَثَبَ عَلَيْهِم جَعْفَر وصاحباه بِالسُّيُوفِ فَقتلُوا مِنْهُم رجلا وجرحوا آخر وافترقوا.
فاستعدت عَلَيْهِم عقيل السّري بن عبد الله الْهَاشِمِي عَامل الْمَنْصُور على مَكَّة فأحضرهم وحبسهم وأقاد من الْجَارِح ودافع عَن جَعْفَر وَكَانَ يحب أَن يدْرَأ عَنهُ الْحَد لخؤولة السفاح فِي بني الْحَارِث وَلِأَن أُخْت جَعْفَر كَانَت تَحت السّري وَكَانَت حظيةً عِنْده إِلَى أَن قَامُوا عِنْده قسَامَة أَنه قتل صَاحبهمْ وتوعدوه بِالْخرُوجِ إِلَى أبي جَعْفَر الْمَنْصُور والتظلم
стр. 5020
إِلَيْهِ فَحِينَئِذٍ دَعَا جَعْفَر وأقاد مِنْهُ.
فَلَمَّا خرج جَعْفَر إِلَى الْقود انْقَطع شسع نَعله فَوقف فأصلحه فَقَالَ لَهُ رجل: مَا يشغلك عَن هَذَا مَا أَنْت فِيهِ فَقَالَ:
(أَشد قبال نَعْلي أَن يراني ... عدوي للحوادث مستكينا)
وَهن أبي عُبَيْدَة أَنه قَالَ: لما قتل جَعْفَر قَامَ نسَاء الْحَيّ يبْكين عَلَيْهِ وَقَامَ أَبوهُ إِلَى كل شَاة وناقة فَنحر أَوْلَادهَا وَأَلْقَاهَا بَين أيديها وَقَالَ: ابكين مَعنا على جَعْفَر. فَمَا زَالَت النوق ترغو والشياه تثغو وَالنِّسَاء يصحن ويبكين وَهُوَ يبكي مَعَهُنَّ فَمَا رئي يَوْم كَانَ أوجع وأحرق مأتماً وَأطَال صَاحب الأغاني تَرْجَمته وَفِي هَذَا الْقدر كِفَايَة.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الرَّابِع وَالْخَمْسُونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:
(فَمن يَك أَمْسَى بِالْمَدِينَةِ رَحْله ... فَإِنِّي وقيار بهَا لغريب)
على أَن قَوْله: قيار مُبْتَدأ: حذف خَبره وَالْجُمْلَة اعتراضية بَين اسْم إِن وخبرها وَالتَّقْدِير: فَإِنِّي وقيار بهَا كَذَلِك لغريب.
-
وَإِنَّمَا لم يَجْعَل الْخَبَر لقيار وَيكون خبر إِن محذوفاً لِأَن اللَّام لَا تدخل فِي خبر الْمُبْتَدَأ حَتَّى يقدم نَحْو: لقائم زيد. وَكَذَلِكَ الصابئون فِي الْآيَة مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف الْجُمْلَة اعْتِرَاض كَذَلِك كَمَا قَرَّرَهُ الشَّارِح.
стр. 5021
وَهَذَا تَخْرِيج لَهُ خلاف مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ فَإِن الْجُمْلَة عِنْده فِي نِيَّة التَّأْخِير وَهِي معطوفة لَا مُعْتَرضَة كَمَا تقدم نَصه وإيضاحه فِي كَلَام الْكَشَّاف. وَكَأَنَّهُ عدل عَنهُ لِئَلَّا يلْزم تَقْدِيم الْجُمْلَة المعطوفة على بعض الْجُمْلَة الْمَعْطُوف عَلَيْهَا كَمَا أوردهُ عَلَيْهِ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي.
وَجوز السيرافي أَن يكون الْخَبَر للصائبين وَيكون خبر إِن محذوفاً كَمَا تقدم عَنهُ. وَأورد عَلَيْهِ أَيْضا ابْن هِشَام بِأَن فِيهِ الْحَذف من الأول لدلَالَة الثَّانِي وَإِنَّمَا الْكثير الْعَكْس.
وَذهب الْفراء إِلَى أَن الصابئون مَعْطُوف على اسْم إِن فيشاركه فِي الْخَبَر فَهُوَ من عطف مُفْرد على مُفْرد وَهَذَا نَصه فِي تَفْسِير الْآيَة وَقَالَ: وَأما الصابئون فَإِن رَفعه على أَن عطف على الَّذين وَالَّذين حرف على جِهَة وَاحِدَة فِي رَفعه ونصبه وخفضه فَلَمَّا كَانَ إعرابه وَاحِدًا وَكَانَ نصب إِن ضَعِيفا وَضَعفه أَنه يَقع على الِاسْم وَلَا يَقع على خَبره جَازَ رفع الصابئين.
وَلَا أستحب أَن أَقُول: إِن عبد الله وَزيد قائمان لتبين الْإِعْرَاب فِي عبد الله. وَقد كَانَ الْكسَائي يُجِيزهُ لضعف غن.
وَقد أنشدوا هَذَا الْبَيْت رفعا ونصباً:
(فَمن يَك أَمْسَى بِالْمَدِينَةِ رَحْله ... فَإِنِّي وقياراً بهَا لغريب)
وقيار. وَلَيْسَ هَذَا بِحجَّة للكسائي فِي إِجَازَته: إِن عمرا وَزيد قائمان لِأَن قياراً قد عطف على اسْم مكني عَنهُ والمكني لَا إِعْرَاب لَهُ فسهل ذَلِك كَمَا سهل فِي الَّذين إِذا عطفت عَلَيْهِ الصابئون.
وَهَذَا أقوى فِي الْجَوَاز من الصابئون لِأَن المكني لَا يتَبَيَّن فِيهِ الرّفْع فِي حَال. وَالَّذين قد يُقَال)
-
وأنشدني: ...
стр. 5022
(وَإِلَّا فاعلموا أَنا وَأَنْتُم ... بغاة مَا حيينا فِي شقَاق)
وَقَالَ آخر:
(يَا لَيْتَني وَأَنت يَا لميس ... بِبَلَد لَيْسَ بِهِ أنيس)
وأنشدني بَعضهم:
(يَا لَيْتَني وهما نخلو بِمَنْزِلَة ... حَتَّى يرى بَعْضنَا بَعْضًا ونأتلف)
قَالَ الْكسَائي: نرفع الصابئون على إتباعه الِاسْم الَّذِي فِي هادوا ونجعله من قَوْله: إِنَّا هدنا إِلَيْك لَا من الْيَهُودِيَّة.
وَجَاء التَّفْسِير بِغَيْر ذَلِك لِأَنَّهُ وصف الَّذين آمنُوا بأفواههم وَلم تؤمن قُلُوبهم ثمَّ ذكر الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَقَالَ: من آمن مِنْهُم فَلهُ كَذَا فجعلهم يهوداً ونصارى. انْتهى كَلَام الْفراء.
قَالَ الزّجاج فِي تَفْسِير الْآيَة بعد أَن نقل مَذْهَب الْكسَائي وَالْفراء: هَذَا التَّفْسِير إقدام عَظِيم على كتاب الله وَذَلِكَ أَنهم زَعَمُوا أَن نصب إِن ضَعِيف لِأَنَّهَا إِنَّمَا تغير الِاسْم وَلَا تغير الْخَبَر.
وَهَذَا غلط لِأَن إِن قد عملت عملين: الرّفْع وَالنّصب وَلَيْسَ فِي الْعَرَبيَّة ناصب لَيْسَ مَعَه مَرْفُوع لِأَن كل مَنْصُوب مشبه بالمفعول وَالْمَفْعُول لَا يكون بِغَيْر فَاعل إِلَّا فِيمَا لم يسم فَاعله.
وَكَيف يكون نصب إِن ضَعِيفا وَهِي تَتَخَطَّى الظروف فتنصب مَا بعْدهَا نَحْو: إِن فِيهَا قوما جبارين وَنصب إِن من أقوى المنصوبات.
-
وَقَالَ الْكسَائي: الصابئون نسق
стр. 5023
على مَا فِي هادوا كَأَنَّهُ قَالَ: هادوا هم والصابئون.
وَهَذَا القَوْل خطأ من جِهَتَيْنِ: إِحْدَاهمَا: أَن الصَّابِئ لَا يُشَارك الْيَهُودِيّ فِي الْيَهُودِيَّة. وَإِن ذكر أَن هادوا فِي معنى تَابُوا فَهَذَا خطأ فِي هَذَا الْموضع أَيْضا لِأَن معنى الَّذين آمنُوا هَاهُنَا إِنَّمَا هُوَ إِيمَان بأفواههم لِأَنَّهُ يعْنى بِهِ المُنَافِقُونَ.
وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ والخليل وَجَمِيع الْبَصرِيين: إِن الصابئين مَحْمُول على التَّأْخِير ومرفوع بِالِابْتِدَاءِ الْمَعْنى: إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا خوف عَلَيْهِم والصابئون وَالنَّصَارَى كَذَلِك أَيْضا.
وأنشدوا فِي ذَلِك قَول الشَّاعِر: وَإِلَّا فاعلموا أَنا وَأَنْتُم الْبَيْت)
الْمَعْنى: أَنا بغاة وَأَنْتُم أَيْضا كَذَلِك.
وَزعم سِيبَوَيْهٍ أَن قوما من الْعَرَب يغلطون فَيَقُولُونَ: إِنَّهُم أَجْمَعُونَ ذاهبون وَإنَّك وَزيد ذاهبان.
فَجعل سِيبَوَيْهٍ هَذَا غَلطا وَجعله كَقَوْل الشَّاعِر: انْتهى كَلَام الزّجاج.
وَمُرَاد سِيبَوَيْهٍ بالغلط توهم عدم ذكر إِن لَا حَقِيقَة الْغَلَط. كَيفَ وَهُوَ الْقَائِل إِن الْعَرَب لَا تطاوعهم ألسنتهم فِي اللّحن وَالْخَطَأ كَمَا نقل عَنهُ فِي الْمَسْأَلَة الزنبورية.
قَالَ الشاطبي فِي شرح الألفية: يَعْنِي سِيبَوَيْهٍ أَنهم توهموا أَن لَيْسَ ثمَّ إِن حَتَّى كَأَنَّهُمْ قَالُوا: هم أَجْمَعُونَ ذاهبون وَأَنت وَزيد ذاهبان. وَأنس بِهَذَا عدم ظُهُور الْإِعْرَاب فِي اسْم إِن فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
وَالدَّلِيل على صِحَة هَذَا أَنه لم
стр. 5024
يَجِيء فِيمَا ظهر فِيهِ الْإِعْرَاب نَحْو: إِن زيدا وَعَمْرو
قائمان إِذْ لَو كَانَ الرّفْع على غير التَّوَهُّم لَكَانَ خليقاً أَن يَجِيء مَعَ ظُهُوره. فَلَمَّا لم يكن كَذَلِك دلّ على أَنهم اعتقدوا أَن الْمَنْصُوب مَرْفُوع فَعَطَفُوا على اللَّفْظ كَمَا قَالَ الشَّاعِر: وَلَا سَابق شَيْئا بالخفض مُتَوَهمًا أَنه قَالَ: لست بمدرك مَا مضى فَلذَلِك جعله سِيبَوَيْهٍ من بَاب الْغَلَط. وَالله أعلم.
انْتهى.
وَكَذَا فِي الْمُغنِي لِابْنِ هِشَام قَالَ: أُجِيب عَنهُ بأمرين: أَحدهمَا: أَنه عطف على توهم عدم ذكر إِن.
وَالثَّانِي: أَنه تَابع لمبتدأ مَحْذُوف أَي: إِنَّك أَنْت وَزيد ذاهبان. وَعَلَيْهِمَا خرج قَوْلهم: إِنَّهُم أَجْمَعُونَ ذاهبون. انْتهى.
وَفِي أمالي الزجاجي الصُّغْرَى: أخبرنَا أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن مُحَمَّد بن رستم الطَّبَرِيّ قَالَ: أخبرنَا أَبُو عُثْمَان الْمَازِني قَالَ: قَرَأَ مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْهَاشِمِي وَهُوَ أَمِير الْبَصْرَة على الْمِنْبَر: إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي بِالرَّفْع فَعلم أَنه قد لحن فَبعث إِلَى النَّحْوِيين وَقَالَ لَهُم: خَرجُوا لَهُ وَجها. فَقَالُوا: نعطف بِهِ على مَوضِع إِن لِأَنَّهَا دَاخِلَة على الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر. فَأحْسن صلتهم وَلم يرجع عَنْهَا لِئَلَّا يُقَال: لحن الْأَمِير.
وَأخْبرنَا أَبُو إِسْحَاق الزّجاج قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد عَن الْمَازِني قَالَ: حَدثنِي الْأَخْفَش قَالَ: كَانَ أَمِير فِي الْبَصْرَة يقْرَأ على الْمِنْبَر: إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي بِالرَّفْع فصرت إِلَيْهِ ناصحاً لَهُ ومنبهاً فتهددني وأوعدني وَقَالَ: تلحنون أمراءكم ثمَّ عزل وتقلد مُحَمَّد بن)
سُلَيْمَان
стр. 5025
الْهَاشِمِي فَكَأَنَّهُ تلقنها من فِي الْمَعْزُول فَقلت: هَذَا هاشمي نصيحته وَاجِبَة فجبنت عَنهُ وخشيت أَن يتلقاني بِمثل مَا تَلقانِي بِهِ الأول.
-
ثمَّ حملت على نَفسِي فَأَتَيْته فَإِذا هُوَ فِي غرفَة لَهُ وَعِنْده أَخُوهُ والغلمان على رَأسه فَقلت: هَذَا. وأومأت إِلَى أَخِيه فَنَهَضَ أَخُوهُ وتفرق الغلمان فَقلت: أصلح الله الْأَمِير أَنْتُم أهل بَيت النُّبُوَّة ومعدن الرسَالَة والفصاحة وتقرأ: إِن الله وَمَلَائِكَته بِالرَّفْع وَهُوَ لحن وَلَا وَجه لَهُ فَقَالَ: جَزَاك الله خيرا قد نبهت وَنَصَحْت فَانْصَرف مشكوراً. فَانْصَرَفت فَلَمَّا صرت فِي نصف الدرجَة إِذا قَائِل يَقُول لي: قف. فوقفت وَخفت أَن يكون أَخُوهُ أغراه بِي فَإِذا بغلة سفواء وَغُلَام وبدرة وتخت ثِيَاب وَقَائِل يَقُول: هَذَا لَك قد أَمر بِهِ الْأَمِير. فَانْصَرَفت مغتبطاً.
انْتهى كَلَامه.
هَذَا وَقد أنْشد سِيبَوَيْهٍ الْبَيْت بِنصب قيار وَأوردهُ فِي بَاب التَّنَازُع من أول الْكتاب مستشهداً بِهِ لتقوية مَا جَازَ من حذف الْمَفْعُول الَّذِي هُوَ فضلَة مُسْتَغْنى عَنْهَا فِي قَوْلهم: ضربت وضربني زيد.
قَالَ السيرافي: يجوز أَن يكون لغريب خبر إِنِّي وَخبر قيار محذوفاً. وَيجوز الْعَكْس. انْتهى.
وَكَذَلِكَ أوردهُ أَبُو زيد فِي نوادره بِالنّصب لَا غير.
قَالَ السكرِي: أَرَادَ: فَإِنِّي لغريب وَإِن قياراً أَيْضا لغريب. وَلَو قَالَ لغريبان كَانَ أَجود.
قَالَ أَبُو عمر:
стр. 5026
بَعضهم ينشد فَإِنِّي وقيار بِالرَّفْع وَالنّصب أَجود كَأَنَّهُ أَرَادَ فَإِنِّي لغريب وقيار ثمَّ قدم هَذَا بعد مَا كَانَ مَوْضِعه التَّأْخِير. فعلى هَذَا يجوز الرّفْع. انْتهى مَا فِي نَوَادِر أبي زيد.
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْمبرد فِي الْكَامِل بِالنّصب وَقَالَ: فَإِن وقياراً بهَا لغريب أَرَادَ: فَإِنِّي لغريب بهَا وقياراً. وَلَو رفع لَكَانَ جيدا. تَقول: إِن زيدا منطلق وعمراً وَعَمْرو. انْتهى.
-
وَاعْلَم أَن الْعَيْنِيّ قد خبط هُنَا وخلط فَإِن ابْن هِشَام أنْشد الْبَيْت فِي شرح الألفية بِالرَّفْع وَهُوَ قَوْله: فَإِنِّي الضَّمِير اسْم إِن وخبرها مَحْذُوف. وَيُقَال لغريب خبر إِنِّي وقيار مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف. وَيُقَال: لغريب خبر عَن الاسمين جَمِيعًا لِأَن فعيلاً يخبر بِهِ عَن الْوَاحِد فَمَا فَوْقه نَحْو: وَالْمَلَائِكَة بعد ذَلِك ظهير.
ورده شيخ شَيْخي الخلخالي بِأَنَّهُ لَا يكون للاثنين وَإِن كَانَ يجوز كَونه للْجمع. وَكَذَلِكَ قَالَ فِي فعول فَقَالَ: لَا يُقَال رجلَانِ صبور وَإِن صَحَّ فِي الْجمع. وَقد قيل فِي قَوْله تَعَالَى: عَن الْيَمين)
وَعَن الشمَال قعيد إِن المُرَاد قعيدان.
ثمَّ كَلَامه يُوهم أَن ذَلِك يُقَال بِالْقِيَاسِ وَلَيْسَ كَذَلِك وَإِنَّمَا الْمَانِع فِي الْبَيْت من أَن يكون غَرِيب خَبرا عَن الاسمين هُوَ لُزُوم توارد عاملين على الْخَبَر وَإِنَّمَا يَصح هَذَا على رَأْي الْكُوفِيّين. هَذَا كَلَامه.
وَقَوله: خبر إِن مَحْذُوف هَذَا أحد وَجْهي مَا جوزه السيرافي فِي رِوَايَة النصب كَمَا تقدم. وَأما على رِوَايَة الرّفْع فَيتَعَيَّن جعل قَوْله: لغريب خبر إِنِّي وَلَا يجوز أَن يكون خَبرا لقيار لِأَن خبر الْمُبْتَدَأ لَا يجوز أَن يقْتَرن بِاللَّامِ إِلَّا إِذا تقدم على
стр. 5027
الْمُبْتَدَأ نَحْو: لقائم زيد.
وَقَوله: وَيُقَال لغريب خبر عَن الاسمين جَمِيعًا هَذَا إِنَّمَا يتَصَوَّر على رِوَايَة نصب قيار لَا على رِوَايَة رَفعه. وَفِي بَقِيَّة كَلَامه مَا لَا يخفى على المتأمل.
وَهَذَا الْبَيْت أوردهُ صَاحب تَلْخِيص الْمِفْتَاح فِي أول بَاب الْمسند على أَنه قد يحذف الْمسند لقصد الِاخْتِصَار والاحتراز عَن الْعَبَث فِي الظَّاهِر مَعَ ضيق الْمقَام بِسَبَب التحسر ومحافظة الْوَزْن.
وَهَذِه النُّكْتَة تجْرِي فِيهِ على رِوَايَة نصب قيار وَرَفعه فَلَا يَنْبَغِي قصرهَا على رِوَايَة الرّفْع كَمَا صنع السعد فِي المطول وَتَبعهُ العباسي فِي معاهد التَّنْصِيص وَكَأَنَّهُ لم تبلغهما رِوَايَة النصب.
-
وَلَفظ الْبَيْت خبر وَمَعْنَاهُ التحسر على الغربة والتوجع من الْكُرْبَة. وقيار بِفَتْح الْقَاف وَتَشْديد الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة قَالَ أَبُو زيد فِي نوادره: هُوَ اسْم جملَة. وَنقل عَن الْخَلِيل أَنه اسْم فرس لَهُ غبراء وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِي فرحة الأديب وَقَالَ: هُوَ الْفرس الَّذِي أوطأه ضابئ بعض صبيان أهل الْمَدِينَة حِين أَخذه عُثْمَان وحبسه. وَقيل: اسْم رجل.
قَالَه الْعَيْنِيّ.
والسر فِي تَقْدِيمه على الْأَوَّلين قصد التَّسْوِيَة بَينهمَا فِي التحسر على الاغتراب كَأَنَّهُ أثر فِي غير ذَوي الْعُقُول أَيْضا. وَلَو قَالَ: إِنِّي غَرِيب وقيار لجَاز أَن يتَوَهَّم أَن لَهُ مزية على قيار فِي التأثر عَن الغربة لِأَن ثُبُوت الحكم أَولا أقوى فقدمه لذَلِك. قَالَه السعد.
стр. 5028
من يَك أَمْسَى بِالْمَدِينَةِ رهطه بِدُونِ الْفَاء فِي أَوله على الخرم بالراء الْمُهْملَة. وَكَذَا رِوَايَة الْمبرد فِي الْكَامِل. وَهُوَ أول أَبْيَات)
لضابئ بن الْحَارِث البرجمي قَالَهَا وَهُوَ مَحْبُوس بِالْمَدِينَةِ فِي زمن عُثْمَان بن عَفَّان ﵁.
وَبعده أَبْيَات ثَلَاثَة أوردهَا الْمبرد فِي الْكَامِل وَهِي:
(وَمَا عاجلات الطير تدني من الْفَتى ... نجاحاً وَلَا عَن ريثهن يخيب)
(وَرب أُمُور لَا تضيرك ضيرةً ... وللقلب من مخشاتهن وجيب)
(وَلَا خير فِيمَن لَا يوطن نَفسه ... على نائبات الدَّهْر حِين تنوب)
وَزَاد بعْدهَا بَيْتا ابْن قُتَيْبَة فِي تَرْجَمَة قَائِلهَا من كتاب الشُّعَرَاء وَهُوَ:
(وَفِي الشَّك تَفْرِيط وَفِي الحزم قُوَّة ... ويخطئ الْفَتى فِي حدسه ويصيب)
وَزَاد بعده بَيْتا أَبُو تَمام فِي مُخْتَار أشعار الْقَبَائِل وَهُوَ:
(وَلست بمستبق صديقا وَلَا أَخا ... إِذا لم تعد الشَّيْء وَهُوَ يريب)
قَوْله: أَمْسَى بِالْمَدِينَةِ رَحْله الرحل: الْمنزل. وَرُوِيَ: رهطه رَهْط الرجل: قومه وقبيلته الأقربون.
وَقَوله: وَمَا عاجلات الطير ... إِلَخ قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: يَقُول: إِذا لم تعجل لَهُ طير سانحة فَلَيْسَ ذَلِك بمبعد خَبرا عَنهُ وَلَا إِذا أَبْطَأت خَابَ فعاجلها لَا يَأْتِيهِ بِخَير وآجلها لَا يدْفع عَنهُ إِنَّمَا لَهُ مَا قدر لَهُ. وَالْعرب تزجر على السانح وتتبرك بِهِ وَتكره البارح وتتشاءم بِهِ. والسانح: مَا أَرَاك
стр. 5029
مياسره فَأمكن الصَّائِد. والبارح: مَا أَرَاك ميامنه فَلم يُمكن الصَّائِد إِلَّا أَن يتحرف لَهُ.
قَالَ الشَّاعِر:
(لَا يعلم الْمَرْء لَيْلًا مَا يصبحه ... إِلَّا كواذب مِمَّا يخبر الفال)
(والفال والزجر والكهان كلهم ... مضللون وَدون الْغَيْب أقفال)
انْتهى.
-
وَقَالَ ابْن خلف: إِذا خرج الْإِنْسَان من منزله فَأَرَادَ أَن يزْجر الطير فَمَا مر بِهِ فِي أول مَا يبصر فَهُوَ عاجلات الطير. وَإِن أَبْطَأت عَنهُ وانتظرها فقد راثت أَي: أَبْطَأت. وَالْأول عِنْدهم مَحْمُود وَالثَّانِي مَذْمُوم.
يَقُول: لَيْسَ النجح بِأَن يعجل الطَّائِر الطيران كَمَا يَقُول الَّذين يزجرون الطير وَلَا الخيبة فِي إبطائها. وَهَذَا رد على مَذْهَب الْأَعْرَاب.)
وَقَوله: وَرب أُمُور لَا تضيرك ... إِلَخ قَالَ الْمبرد: تَقول ضاره يضيره ضيرة وَلَا ضير عَلَيْهِ وَيُقَال: أَصَابَهُ ضرّ بِالضَّمِّ وأصابه ضرّ بِمَعْنى. والضر بِالْفَتْح: مصدر والضر بِالضَّمِّ: اسْم.
وَقد يكون الضّر من الْمَرَض والضر عَاما. وَهَذَا معنى حسن.
وَقد قَالَ أحد الْمُحدثين وَهُوَ أَبُو الْعَتَاهِيَة:
(وَقد يهْلك الْإِنْسَان من بَاب أَمنه ... وينجو بِإِذن الله من حَيْثُ يحذر)
وَقَالَ الله : فَعَسَى أَن تكْرهُوا شَيْئا وَيجْعَل الله فِيهِ خيرا كثيرا. انْتهى.
стр. 5030
والمخشاة: مصدر ميمي بِمَعْنى الخشية وَهِي الْخَوْف. والوجيب: السُّقُوط والخفقان وَالِاضْطِرَاب.
وَقَوله: وَلَا خير فِيمَن لَا يوطن نَفسه قَالَ الْمبرد: نَظِيره قَول كثير:
(أَقُول لَهَا يَا عز كل مُصِيبَة ... إِذا وطنت يَوْمًا لَهَا النَّفس ذلت)
وَكَانَ عبد الْملك بن مَرْوَان يَقُول: لَو كَانَ هَذَا الْبَيْت فِي صفة الْحَرْب لَكَانَ أشعر النَّاس.
وَحكي عَن بعض الصَّالِحين أَن ابْنا لَهُ مَاتَ فَلم ير بِهِ جزع فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ: هَذَا أَمر كُنَّا نتوقعه فَلَمَّا وَقع لم ننكره.
وَقَوله: إِذا لم تعد الشَّيْء أَي: إِذا لم تتعده وتتجاوزه. ويريب من أراب الشَّيْء إِذا أوقع فِي رِيبَة وشبهة.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْخَامِس وَالْخَمْسُونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
أم الْحُلَيْس لعجوز شهربه
стр. 5031
على أَنه دُخُول اللَّام على خبر الْمُبْتَدَأ الْمُؤخر مُجَردا من إِن كَمَا هُنَا. وَقدر
بَعضهم: لهي عَجُوز لتَكون فِي التَّقْدِير دَاخِلَة على الْمُبْتَدَأ.
قَالَ ابْن السراج فِي الْأُصُول: قَالَ أَبُو عُثْمَان: وَقَرَأَ سعيد بن جُبَير: إِلَّا أَنهم ليأكلون الطَّعَام فتح أَن وَجعل اللَّام زَائِدَة كَمَا زيدت فِي قَوْله:
(أم الْحُلَيْس لعجوز شهربه ... ترْضى من اللَّحْم بِعظم الرقبه)
انْتهى.
وَعند ابْن جني غير زَائِدَة لَكِنَّهَا فِي الْبَيْت ضَرُورَة. قَالَ فِي سر الصِّنَاعَة: وَأما الضَّرُورَة الَّتِي تدخل لَهَا اللَّام فِي غير خبر إِن فَمن ضرورات الشّعْر وَلَا يُقَاس عَلَيْهَا. وَالْوَجْه أَن يُقَال: لأم الْحُلَيْس عَجُوز شهربه كَمَا يُقَال: لزيد قَائِم.
وَقَالَ الآخر: فَهَذَا يحْتَمل أَمريْن: أَحدهمَا: أَن يكون أَرَادَ: لخالي أَنْت فَأخر اللَّام إِلَى الْخَبَر ضَرُورَة.
وَالْآخر: أَن يكون أَرَادَ: لأَنْت خَالِي فَقدم الْخَبَر على الْمُبْتَدَأ وَإِن كَانَت فِيهِ اللَّام ضَرُورَة.
وَأَخْبرنِي أَبُو عَليّ أَن أَبَا الْحسن حكى: إِن زيدا وَجهه لحسن. فَهَذِهِ أَيْضا ضَرُورَة. وَرُبمَا أدخلوها فِي خبر أَن الْمَفْتُوحَة أخبرنَا عَليّ بن مُحَمَّد يرفعهُ بِإِسْنَادِهِ إِلَى قطرب:
(ألم تكن حَلَفت بِاللَّه الْعلي ... أَن مطاياك لمن خير الْمطِي)
стр. 5032
وَالْوَجْه هُنَا كسر إِن لنزول الضَّرُورَة إِلَّا أَنا سمعناها مَفْتُوحَة الْهمزَة. انْتهى.
وَكَذَا عد هَذَا ابْن عُصْفُور من الضرائر مَعَ أَنه أورد الْآيَة وَمَا حَكَاهُ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش وجعلهما من الشاذ.
وَأما التَّخْرِيج على إِضْمَار الْمُبْتَدَأ فَلم يرتضه ابْن جني لما فِيهِ من الْجمع بَين حذف الْمُؤَكّد وتوكيده.
قَالَ بعد مَا نقلنا عَنهُ: وَأخْبرنَا أَبُو عَليّ أَن أَبَا إِسْحَاق ذهب فِي قَوْله تَعَالَى: إِن هَذَانِ لساحران إِلَى أَن إِن بِمَعْنى نعم وَهَذَانِ مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَأَن اللَّام فِي لساحران دَاخِلَة فِي)
موضعهَا على غير ضَرُورَة وَالتَّقْدِير على هَذَا: نعم هَذَانِ لَهما ساحران.
وَحكي عَن أبي إِسْحَاق أَنه قَالَ: هَذَا الَّذِي عِنْدِي فِيهِ. وَالله أعلم. وَكنت عرضته على عالمنا مُحَمَّد بن يزِيد وعَلى إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق فقبلاه وذكرا أَنه أَجود مَا سمعناه.
وَاعْلَم أَن هَذَا الَّذِي رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاق فِي هَذِه الْمَسْأَلَة مَدْخُول غير صَحِيح وَأَنا أذكرهُ لتقف مِنْهُ على مَا فِي قَوْله.
وَوجه الْخَطَأ فِيهِ أَن هما المحذوفة الَّتِي قدرهَا مَرْفُوعَة بِالِابْتِدَاءِ لم تحذف إِلَّا بعد الْعلم بهَا والمعرفة بموضعها.
وَكَذَلِكَ كل مَحْذُوف لَا يحذف إِلَّا مَعَ الْعلم بِهِ وَلَوْلَا ذَلِك لَكَانَ فِي حذفه مَعَ
الْجَهْل بمكانه ضرب من تَكْلِيف علم الْغَيْب للمخاطب. وَإِذا كَانَ مَعْرُوفا فقد استغني بمعرفته عَن تأكيده بِاللَّامِ.
أَلا ترى أَنه يقبح أَن تَأتي بالمؤكد وتترك
стр. 5033
الْمُؤَكّد فَلَا تَأتي بِهِ أَو لَا ترى أَن التَّأْكِيد من مَوَاضِع الإسهاب والإطناب والحذف من مَوَاضِع الِاكْتِفَاء والاختصار فهما إِذن لما ذكرت من ذَلِك ضدان لَا يجوز أَن يشْتَمل عَلَيْهِمَا عقد كَلَام.
ويزيدك وضوحاً امْتنَاع أَصْحَابنَا من تَأْكِيد الضَّمِير الْمَحْذُوف الْعَائِد على الْمُبْتَدَأ فِي نَحْو: زيد ضربت فِيمَن أجَازه فَلَا يجيزون: زيد ضربت نَفسه على أَن تجْعَل النَّفس توكيداً للهاء المرادة فِي ضَربته لِأَن الْحَذف لَا يكون إِلَّا بعد التحقق وَالْعلم وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك فقد استغني عَن تأكيده.
ويؤكد عنْدك مَا ذكرت لَك أَن أَبَا عُثْمَان وَغَيره من النَّحْوِيين حملُوا قَول الشَّاعِر: ام الْحُلَيْس لعجوز شهربه على أَن الشَّاعِر أَدخل اللَّام على الْخَبَر ضَرُورَة. وَلَو كَانَ مَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو إِسْحَاق جَائِزا لما عدل عَنهُ النحويون وَلَا حملُوا الْكَلَام على الِاضْطِرَار إِذا وجدوا لَهُ وَجها ظَاهرا قَوِيا.
وَحذف الْمُبْتَدَأ وَإِن كَانَ سائغاً فِي مَوَاضِع كَثِيرَة فَإِنَّهُ إِذا نقل عَن أول الْكَلَام قبح حذفه.
أَلا ترى إِلَى ضعف قِرَاءَة من قَرَأَ: تَمامًا على الَّذِي أحسن قَالُوا: وَوجه قبحه انه حذف الْمُبْتَدَأ فِي مَوضِع الْإِيضَاح وَالْبَيَان لِأَن الصِّلَة وَقعت فِي الْكَلَام فَغير لَائِق بِهِ الْحَذف. وَإِذا طَال الْكَلَام جَازَ فِيهِ من الْحَذف مَا لَا يجوز فِيهِ إِذا قصر.)
أَلا ترى إِلَى مَا حَكَاهُ الْخَلِيل من قَوْلهم: مَا أَنا بِالَّذِي قَائِل لَك شَيْئا. وَلَو قلت:
مَا أَنا بِالَّذِي قَائِم لقبح. انْتهى.
стр. 5034
وَذهب صَاحب اللّبَاب إِلَى أَن اللَّام إِنَّمَا دخلت على الْخَبَر لتوهم ذكر إِن فَكَأَنَّهُ قيل: إِن أم الْحُلَيْس.
وَهَذَا الْبَيْت نسبه الصَّاغَانِي فِي الْعباب إِلَى عنترة بن عروس قَالَ فِي مَادَّة شهرب: الشهربة: الْعَجُوز الْكَبِيرَة مثل الشهبرة.
قَالَ عنترة بن عروس: أم الْحُلَيْس الْبَيْت. قَالَ بعض النَّاس: اللَّام مقحمة فِي لعجوز.
وَأنْشد الْآمِدِيّ فِي تَرْجَمَة عنترة هَذَا: رب عَجُوز من سليم شهربه انْتهى.
وَقد رجعت إِلَى المؤتلف والمختلف من أَسمَاء الشُّعَرَاء للآمدي وَلم أر فِيهِ الْبَيْت الَّذِي نَقله عَنهُ. وَهَذَا مَا فِيهِ: وَمِنْهُم: عنترة بن عروس مولى ثفيف وَكَانَ عروس مولداً ولد فِي بِلَاد أَزْد شنُوءَة شَاعِرًا.
وَكَانَ يزِيد بن ضبة الثَّقَفِيّ هجاه فَقَالَ يهجو عمَارَة امْرَأَة يزِيد:
(تَقول عمَارَة لي يَا عنترة ... شقّ حري هَذَا الْعَظِيم الحوثره)
وَهِي أَبْيَات تِسْعَة وقافيتها رائية خلاف مَا نقل. وَالله أعلم.
وعروس فِيهِ بِلَفْظ الْعَرُوس الْمَعْرُوف لَا بالشين الْمُعْجَمَة على وزن جَعْفَر كَمَا فِي خطه.
стр. 5035
وَهَذَا الشّعْر مَذْكُور فِي صِحَاح الْجَوْهَرِي أَيْضا فِي تِلْكَ الْمَادَّة. وَلم يتَعَرَّض لَهُ ابْن بري وَلَا وَقَالَ الْعَيْنِيّ: قَائِله رؤبة بن العجاج. وَنسبه الصَّاغَانِي فِي الْعباب إِلَى عنترة بن عروس وَهُوَ الصَّحِيح. هَذَا كَلَامه. والْحُلَيْس بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح اللَّام ومن فِي الْبَيْت الثَّانِي للبدل أَي: ترْضى بدل اللَّحْم. وَقدر الْعَيْنِيّ مُضَافا قبل عظم وَقَالَ: التَّقْدِير ترْضى بدل اللَّحْم بِلَحْم عظم الرَّقَبَة. هَذَا كَلَامه.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السَّادِس وَالْخَمْسُونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
(مروا عجالاً وَقَالُوا: كَيفَ صَاحبكُم ... قَالَ الَّذِي سَأَلُوا: أَمْسَى لمجهودا)
على أَن دُخُول اللَّام على خبر أَمْسَى شَاذ.
وَهَذَا الْبَيْت أنْشدهُ ثَعْلَب فِي آخر الْجُزْء الثَّالِث من أَمَالِيهِ مَعَ بَيت بعده وَهُوَ:
(يَا وَيْح نَفسِي من غبراء مظْلمَة ... قيست على أطول الأقوام ممدودا)
ومروا من الْمُرُور. وعجالاً: جمع عجل بِضَم الْجِيم كرجال جمع رجل. وَرَوَاهُ الْعَيْنِيّ: عجالى وَقَالَ: هُوَ جمع عجلَان كسكارى جمع سَكرَان.
стр. 5036
وَوَقع فِي شرح ابْن عقيل على الألفية: سيدكم مَوضِع: صَاحبكُم.
وَقَوله: قَالَ الَّذِي سَأَلُوا ... إِلَخ الَّذِي: فَاعل قَالَ وسَأَلُوا: صلته والعائد مَحْذُوف ضَرُورَة أَي: سَأَلُوا عَنهُ. وَجُمْلَة أَمْسَى لمجهودا: مقول القَوْل. وَاسم أَمْسَى ضمير الصاحب.
يُرِيد: إِن الْمَرِيض نَفسه أجابهم على طَرِيق الْغَيْبَة بقوله: أَمْسَى لمجهودا ثمَّ رَجَعَ إِلَى التَّكَلُّم بقوله: يَا وَيْح نَفسِي. . إِلَخ.
وَقَوله: من غبراء مظْلمَة أَي: تربة غبراء يُرِيد: الْقَبْر. وقيست من الْقيَاس أَي: خفرت تِلْكَ التربة الغبراء على قِيَاس أطول الأقوام حَال كَونه ممدوداً فِيهَا يُرِيد بِهِ نَفسه.
وَهَذَا الْبَيْت شَائِع فِي كتب النَّحْو ذكره أَبُو عَليّ فِي غَالب كتبه وَابْن جني كَذَلِك وَكلهمْ يرويهِ عَن ثَعْلَب وثعلب أنْشدهُ غير معزو إِلَى أحد. وَالله أعلم بقائله.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السَّابِع وَالْخَمْسُونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
(وَمَا زلت من ليلى لدن أَن عرفتها ... لكالهائم المقصى بِكُل مذاد)
على أَن زِيَادَة اللَّام فِي خبر زَالَ شَاذَّة.
هَكَذَا رَوَاهُ ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة وَنسبه لكثير عزة. والمذاد: مصدر ميمي بِمَعْنى الذود وَهُوَ الطَّرْد.
وَوَقع فِي الْمُغنِي وَغَيره: بِكُل
стр. 5037
مُرَاد بِفَتْح الْمِيم وَالرَّاء وَهُوَ الْمَكَان الَّذِي يذهب فِيهِ ويجاء من الرود وَهُوَ التَّرَدُّد فِي الْمَجِيء والذهاب. والرود أَيْضا: طلب الْكلأ أَي: العشب.
والهائم من الْإِبِل: الَّذِي يُصِيبهُ دَاء الهيام بِالضَّمِّ وَهُوَ الْجُنُون. والمقصى: اسْم مفعول من أقصاه أَي: أبعده.
شبه نَفسه فِي طرد ليلى لَهُ بالبعير الَّذِي يُصِيبهُ دَاء الهيام فيطرد عَن الْإِبِل خشيَة أَن يُصِيبهَا مَا أَصَابَهُ. والهائم أَيْضا: اسْم فَاعل من هام على وَجهه أَي: ذهب من عشق أَو غَيره.
وَالْبَيْت قافيته مُغيرَة وَصَوَابه: بِكُل سَبِيل.
وَأول القصيدة:
(أَلا حييا ليلى أجد رحيلي ... وآذن أَصْحَابِي غَدا بقفول)
وَمِنْهَا:
(أُرِيد لأنسى ذكرهَا فَكَأَنَّمَا ... تمثل لي ليلى بِكُل سَبِيل)
وَرُوِيَ الْبَيْت أَيْضا كَذَا:
وَلَا شَاهد على هَذِه الرِّوَايَة. وَفِي الرِّوَايَتَيْنِ اسْتِعْمَال لدن بِغَيْر من وَلم تأت فِي التَّنْزِيل إِلَّا مقرونة بهَا.
وطر النبت يطر طروراً: نبت. وَمِنْه طر شَارِب الْغُلَام فَهُوَ طَار. وَظن ابْن هِشَام فِي شرح أَبْيَات ابْن النَّاظِم أَن الْبَيْت بالرواية الأولى بالقافية الدالية لَيْسَ من شعر كثير فَإِنَّهُ قَالَ: ولكثير عزة بَيت يشبه هَذَا فِي مَعْنَاهُ وغالب لَفظه فَلَا أَدْرِي من الْآخِذ منت صَاحبه. وَقد يكونَانِ تواردا عَلَيْهِ. انْتهى.
وترجمة كثير تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالسبْعين بعد الثلثمائة.
стр. 5038
وَأنْشد بعده)
(الشَّاهِد الثَّامِن وَالْخَمْسُونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
(وَأعلم أَن تَسْلِيمًا وتركاً ... للا متشابهان وَلَا سَوَاء)
على أَن دُخُول اللَّام على حرف النَّفْي شَاذ.
قَالَ ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة: إِنَّمَا أَدخل اللَّام وَهِي للْإِيجَاب على لَا وَهِي للنَّفْي من قبل أَنه شبهها بِغَيْر فَكَأَنَّهُ قَالَ: لغير متشابهين كَمَا شبه الآخر مَا الَّتِي للنَّفْي بِمَا الَّتِي فِي معنى الَّذِي
(لما أغفلت شكرك فاصطنعني ... فَكيف وَمن عطائك جلّ مَالِي)
وَلم يكن سَبِيل اللَّام الْمُوجبَة أَن تدخل على مَا النافية لَوْلَا مَا ذكرت من الشّبَه اللَّفْظِيّ. انْتهى.
وَظَاهر كَلَام الشَّارِح أَن إِن فِي الْبَيْت مَكْسُورَة لوُجُود اللَّام وَلَو كَانَت مَفْتُوحَة لقَالَ أشذ لدخولها فِي خبر أَن الْمَفْتُوحَة وعَلى حرف النَّفْي فَلَمَّا لم يقل أشذ عرف أَنَّهَا مَكْسُورَة.
وَبِه صرح ابْن هِشَام فِي شرح أَبْيَات ابْن النَّاظِم قَالَ: إِن بِالْكَسْرِ لدُخُول اللَّام فِي الْخَبَر وَمثله: وَالله يعلم إِنَّك لرَسُوله.
وَالرِّوَايَة فِيهِ فتح أَن نَقله ابْن عُصْفُور فِي كتاب الضرائر عَن الْفراء. فَيكون شذوذ اللَّام فِيهِ من جِهَتَيْنِ كَمَا بَيناهُ.
стр. 5039
قَالَ ابْن هِشَام: تكْرَار لَا هُنَا وَاجِب لكَون الْخَبَر الأول مُفردا. وإفراد سَوَاء وَاجِب وَإِن كَانَ خَبرا عَن مُتَعَدد لِأَنَّهُ فِي الأَصْل مصدر بِمَعْنى الاسْتوَاء فَحذف زائده وَنقل إِلَى معنى الْوَصْف.
وَمثله قَول السموءل:
(سَلِي إِن جهلت النَّاس عَنَّا وعنهم ... فَلَيْسَ سَوَاء عَالم وجهول)
وَرُبمَا ثني كَقَوْل قيس بن معَاذ:
وَمعنى الْبَيْت أَن التَّسْلِيم على النَّاس وَعَدَمه ليسَا مستويين وَلَا قريبين من السوَاء. وَكَانَ حَقه لَوْلَا الضَّرُورَة أَن يَقُول: للا سَوَاء وَلَا متشابهان. انْتهى.
قَالَ الْعَيْنِيّ: وَقد قيل إِن الْمَعْنى: أعلم أَن تَسْلِيم الْأَمر لكم وَتَركه ليسَا متساويين وَلَا متشابهين.
انْتهى.
قَالَ ابْن جني فِي الْمُحْتَسب: مفَاد نكرَة الْجِنْس مفَاد مَعْرفَته من حَيْثُ كَانَ فِي كل جُزْء مِنْهُ معنى مَا فِي جملَته.)
أَلا ترى إِلَى قَوْله: وَاعْلَم أَن تَسْلِيمًا وتركاً الْبَيْت فَهَذَا فِي الْمَعْنى كَقَوْلِه: إِن التَّسْلِيم وَالتّرْك لَا متشابهان وَلَا سَوَاء. انْتهى.
وَنسب ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة هَذَا الْبَيْت إِلَى أبي حزَام العكلي واسْمه غَالب بن الْحَارِث.
وعكل بِضَم الْعين وَسُكُون الْكَاف: قَبيلَة.
стр. 5040
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد التَّاسِع وَالْخَمْسُونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
على أَن دُخُول اللَّام على كَأَن شَاذ أَيْضا. وباد الشَّيْء: هلك وَتلف وفاعله ضمير الْهَالِك الْمُتَقَدّم فِي بَيت قبله. وحَتَّى للغاية وَهِي ابتدائية. وكَأَن بِسُكُون النُّون مُخَفّفَة وَاسْمهَا مَحْذُوف وَهُوَ ضمير الشَّيْء الْهَالِك وَجُمْلَة لم يكن: خَبَرهَا.
-
بقول: لم يبْق أثر لذَلِك الْهَالِك حَتَّى كَأَنَّهُ لم يكن مَوْجُودا. وَكسرت النُّون من يكن للقافية.
وَقَوله: فاليوم أبْكِي أَي: عَلَيْهِ. يُقَال: بكيته وبكيت عَلَيْهِ وبكيت لَهُ وبكيته بِالتَّشْدِيدِ.
كَذَا فِي الْمِصْبَاح. والْيَوْم: ظرف لأبكي.
وَقَوله: وَمَتى لم يبكني اسْتِفْهَام إنكاري. يُرِيد: إِنَّه يبكيني فِي جَمِيع الْأَوْقَات.
وَهَذَا الْبَيْت لم أره إِلَّا فِي سر الصِّنَاعَة لِابْنِ جني وَلم أَقف على مَا قبله وَلَا على شَيْء من خَبره.
قَالَ ابْن جني: اعْلَم أَن اللَّام قد لحقت بعض الْحُرُوف للتوكيد نَحْو: لَعَلَّ زيدا قَائِم إِنَّمَا هُوَ عل وَاللَّام زَائِدَة مُؤَكدَة.
وَقَالَ الراجز: فأكد الْحَرْف بِاللَّامِ. وَقَالَ الآخر: للولا قَاسم ويدا بسيل الْبَيْت
стр. 5041
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السِّتُّونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
(للولا قَاسم ويدا بسيل ... لقد جرت عَلَيْك يَد غشوم)
على أَن اللَّام الدَّاخِلَة على لَوْلَا زَائِدَة وَأما لَام لقد بِدُونِ لَوْلَا فَالْمَشْهُور أَنَّهَا لَام الْقسم وَأما مَعهَا فقد قَالَ ابْن جني فِي: وَمثل لَام الْقسم اللَّام الَّتِي دخلت فِي جَوَاب لَو نَحْو: وَالله لَو قُمْت لقمت. وَقد تحذف هَذِه اللَّام من بعد لَو إِذا لم يكن الْقسم ظَاهرا.
قَالَ:
(فَلَو أَن قومِي أنطقتني رماحهم ... نطقت وَلَكِن الرماح أجرت)
أَي: لنطقت. وَمثل هَذِه اللَّام اللَّام الَّتِي فِي جَوَاب نَحْو قَوْله تَعَالَى: وَلَوْلَا رهطك لرجمناك وَقَالَ الشَّاعِر:
(فوَاللَّه لَوْلَا الله لاشيء غَيره ... لزعزع من هَذَا السرير جوانبه)
قَالَ:
(وَكم من موطن لولاي طحت كَمَا هوى ... بأجرامه من قلَّة النيق منهوي)
стр. 5042
أَي: لطحت. وَلَا تدخل اللَّام فِي جَوَاب لَو وَلَوْلَا إِلَّا على الْمَاضِي دون الْمُسْتَقْبل. وَكَانَ أَبُو عَليّ قَالَ لي قَدِيما: إِن اللَّام فِي جَوَاب لَوْلَا زَائِدَة مُؤَكدَة واستل على ذَلِك بِجَوَاز سُقُوطهَا.
وَكَذَلِكَ مذْهبه فِي لَو على هَذَا الْقيَاس لجَوَاز خلو جوابها من اللَّام. انْتهى. وقَاسم وبسيل: رجلَانِ. والبسيل فِي اللُّغَة: الكريه الْوَجْه. وجرت من جر عَلَيْهِم جريرة أَي: جنى جِنَايَة. وَيَد فَاعل جرت. وغشوم: جائرة والغشم: الظُّلم. وَالْحَرب غشوم لِأَنَّهَا تنَال غير الْجَانِي. وَهُوَ بالغين والشين المعجمتين.
وَهَذَا أَيْضا لم أره إِلَّا فِي سر الصِّنَاعَة وَلم أَقف لَهُ على خير. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده: وَلَقَد علمت لتأتين منيتي على أَن علمت منزل منزلَة الْقسم وَجُمْلَة لتأتين منيتي: جَوَاب الْقسم.
وَقد تقدم شَرحه مفصلا فِي الشَّاهِد السَّادِس عشر بعد السبعمائة.
-
إِن المنايا لَا تطيش سهامها)
وَأنْشد بعده: إِنِّي وجدت ملاك الشيمة الْأَدَب
стр. 5043
على أَن اللَّام الْمُعَلقَة محذوفة وَالْأَصْل: إِنِّي وجدت لملاك.
وَتقدم شَرحه فِي الشَّاهِد الثَّالِث عشر بعد السبعمائة.
وَهُوَ عجز وصدره: كَذَاك أدبت حَتَّى صَار من خلقي وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْحَادِي وَالسِّتُّونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
لهنا لمقضي علينا التهاجر
على أَن بعض الْعَرَب يَقُول: لهنك لرجل صدق بلامين كَمَا فِي المصراعين. وَقد تحذف الثَّانِيَة فَيُقَال: لهنك رجل صدق كَمَا فِي الْبَيْت. وَيُرِيد أَن الثَّانِيَة لَام الِابْتِدَاء الَّتِي تكون مَعَ إِن.
وَلَا وَجه لتقييد الْحَذف بالقلة إِذْ لم يغلب ذكرهَا مَعَ إِن وَلم يكثر حَتَّى يُقَال إِن حذفهَا قَلِيل قَالَ ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة: وَإِذا كَانَت إِن مُشَدّدَة فَأَنت فِي إِدْخَال اللَّام فِي الْخَبَر وَتركهَا مُخَيّر فَإِن خففت لَزِمت اللَّام لِئَلَّا تَلْتَبِس بإن النافية. وَأما اللَّام الأولى فَهِيَ مَعَ الْهَاء على قَول الْفراء والمفضل بن سَلمَة بَقِيَّة لفظ الْجَلالَة.
وَأما على قَول سِيبَوَيْهٍ بِجعْل الْهَاء بَدَلا من همز إِن فَلم يظْهر من كَلَام الشَّارِح مَا هِيَ عِنْده.
وَرُبمَا يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّهَا زَائِدَة عِنْده وَلِهَذَا أورد كَلَامه فِي ذيل مَبْحَث اللَّام الزَّائِدَة.
стр. 5044
وَهُوَ مَذْهَب ابْن مَالك. قَالَ فِي التسهيل: وَرُبمَا زيدت اللَّام قبل همزتها مبدلة مَعَ هَاء مَعَ تَأْكِيد الْخَبَر وتجريده.
وَهَذَا ظَاهر قَول الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح: اللَّام الأولى للتوكيد وَالثَّانيَِة لَام إِن.
وَهَذَا لَيْسَ مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَإِنَّمَا هِيَ عِنْده لَام جَوَاب قسم مُقَدّر وَهَذَا نَصه وَنَقله ابْن السراج فِي الْأُصُول: لهنك لرجل صدق: هَذِه كلمة تَتَكَلَّم بهَا الْعَرَب فِي حَال الْيَمين وَلَيْسَ كل الْعَرَب يتَكَلَّم بهَا فَهِيَ إِن وَلَكنهُمْ أبدلوا الْهَاء مَكَان الْألف كَقَوْلِك: هرقت.
وَلَحِقت هَذِه اللَّام إِن كَمَا لحقت مَا حِين قلت: إِن زيدا لما لينطلقن فلحقت إِن اللَّام فِي الْيَمين كَمَا لحقت مَا.)
فَاللَّام الأولى فِي لهنك لَام الْيَمين وَالثَّانيَِة لَام إِن وَفِي: لما لينطلقن اللَّام الأولى لإن وَالثَّانيَِة
وَفِي شرح قديم لهَذِهِ الْمُقدمَة: مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ فِي اللَّام الْوَاحِدَة: أَنَّهَا لَام التَّأْكِيد دخلت على إِن لما غيرت بإبدال همزتها هَاء. وَفِي اللامين: أَن الأولى جَوَاب قسم وَالثَّانيَِة لتأكيد الْخَبَر.
انْتهى.
وَيدل مَا ذهب إِلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ قَول المرار الفقعسي: وَأما لهنك من تذكر أَهلهَا لعلى شفا يأس وَإِن لم تيأس وَوجه الدَّلِيل أَن أما بِالتَّخْفِيفِ يكثر الْإِتْيَان بهَا قبل الْقسم.
وَجوزهُ أَبُو عَليّ فِي التَّذْكِرَة القصرية قَالَ: وَيجوز أَن تكون اللَّام فِي لهنك اللَّام فِي لَأَفْعَلَنَّ الَّتِي لَا تدخل إِلَّا على الْفِعْل. وَيدل على ذَلِك لُزُوم لهنك للْيَمِين وَأَنَّهَا لَا تقال إِلَّا فِي الْيَمين.
فَإِن قلت: لَام لَأَفْعَلَنَّ لَا تقع إِلَّا
стр. 5045
على الْفِعْل. قلت: إِنَّمَا جَازَ لهنك وَإِن لم يكن فعلا لِأَن الْجُمْلَة الاسمية وَقعت موقع الْجُمْلَة الفعلية. انْتهى.
وَذهب الزّجاج إِلَى أَن اللَّام الأولى هِيَ لَام إِن وَاللَّام الثَّانِيَة زَائِدَة. وَاخْتَارَهُ أَبُو عَليّ فِي التَّذْكِرَة القصرية وأيده وأوضحه. وَتَبعهُ تِلْمِيذه أَبُو الْفَتْح بني جني.
والتذكرة القصرية: هِيَ الْمسَائِل الَّتِي جرت بَينه وَبَين صَاحبه أبي الطّيب مُحَمَّد بن طوسي الْمَعْرُوف بالقصري قَالَ فِيهَا: لهنك لرجل صدق بِمَنْزِلَة مَا جَاءَ على أَصله من العينات المعتلة أوقعت اللَّام الَّتِي كَانَت فِي الْخَبَر إِنَّك لرجل صدق قبل إِن ليدل ذَلِك على أَن حَقّهَا أَن تقع قبل إِن فَأتوا بِهَذَا على أَصله وأبدلوا الْهمزَة هَاء فِرَارًا من إِيقَاع اللَّام قبل إِن فَغير اللَّفْظ على ذَلِك لِأَنَّهُ لَيْسَ يَخْلُو امتناعهم من إِيقَاع اللَّام قبل إِن من أَن يكون ذَلِك من جِهَة الْمَعْنى أَو من جِهَة اللَّفْظ.
-
فَلَا يجوز أَن يكون من جِهَة الْمَعْنى بِدلَالَة قَوْلهم: إِن فِي الدَّار لزيداً فَاللَّام قد وليت إِن من جِهَة الْمَعْنى فَثَبت أَن الْمَكْرُوه لَفْظهمَا فإبدال الْهمزَة هَاء بِمَنْزِلَة الْفَصْل بَين إِن وَاللَّام بالظرف فَجَاز لهنك.
ويؤكد أَن اللَّام فِي لهنك لَام الِابْتِدَاء بإبدال الْهَاء من الْهمزَة. وإبدال الْهَاء من الْهمزَة يُؤَكد أَن اللَّام غير زَائِدَة وَاللَّام الَّتِي فِي لرجل زَائِدَة لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يَكُونَا جَمِيعًا غير زائدتين لِأَنَّك إِن فعلت ذَلِك لزمك أَن تدخل اللَّام فِي لرجل على اللَّام الَّتِي فِي لهنك.)
следующие страницы →