← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.

стр. 5041

وَأنْشد بعده (الشَّاهِد السِّتُّونَ بعد الثَّمَانمِائَة) (للولا قَاسم ويدا بسيل ... لقد جرت عَلَيْك يَد غشوم) على أَن اللَّام الدَّاخِلَة على لَوْلَا زَائِدَة وَأما لَام لقد بِدُونِ لَوْلَا فَالْمَشْهُور أَنَّهَا لَام الْقسم وَأما مَعهَا فقد قَالَ ابْن جني فِي: وَمثل لَام الْقسم اللَّام الَّتِي دخلت فِي جَوَاب لَو نَحْو: وَالله لَو قُمْت لقمت. وَقد تحذف هَذِه اللَّام من بعد لَو إِذا لم يكن الْقسم ظَاهرا. قَالَ: (فَلَو أَن قومِي أنطقتني رماحهم ... نطقت وَلَكِن الرماح أجرت) أَي: لنطقت. وَمثل هَذِه اللَّام اللَّام الَّتِي فِي جَوَاب نَحْو قَوْله تَعَالَى: وَلَوْلَا رهطك لرجمناك وَقَالَ الشَّاعِر: (فوَاللَّه لَوْلَا الله لاشيء غَيره ... لزعزع من هَذَا السرير جوانبه) قَالَ: (وَكم من موطن لولاي طحت كَمَا هوى ... بأجرامه من قلَّة النيق منهوي)

стр. 5042

أَي: لطحت. وَلَا تدخل اللَّام فِي جَوَاب لَو وَلَوْلَا إِلَّا على الْمَاضِي دون الْمُسْتَقْبل. وَكَانَ أَبُو عَليّ قَالَ لي قَدِيما: إِن اللَّام فِي جَوَاب لَوْلَا زَائِدَة مُؤَكدَة واستل على ذَلِك بِجَوَاز سُقُوطهَا. وَكَذَلِكَ مذْهبه فِي لَو على هَذَا الْقيَاس لجَوَاز خلو جوابها من اللَّام. انْتهى. وقَاسم وبسيل: رجلَانِ. والبسيل فِي اللُّغَة: الكريه الْوَجْه. وجرت من جر عَلَيْهِم جريرة أَي: جنى جِنَايَة. وَيَد فَاعل جرت. وغشوم: جائرة والغشم: الظُّلم. وَالْحَرب غشوم لِأَنَّهَا تنَال غير الْجَانِي. وَهُوَ بالغين والشين المعجمتين. وَهَذَا أَيْضا لم أره إِلَّا فِي سر الصِّنَاعَة وَلم أَقف لَهُ على خير. وَالله أعلم. وَأنْشد بعده: وَلَقَد علمت لتأتين منيتي على أَن علمت منزل منزلَة الْقسم وَجُمْلَة لتأتين منيتي: جَوَاب الْقسم. وَقد تقدم شَرحه مفصلا فِي الشَّاهِد السَّادِس عشر بعد السبعمائة. - إِن المنايا لَا تطيش سهامها) وَأنْشد بعده: إِنِّي وجدت ملاك الشيمة الْأَدَب

стр. 5043

على أَن اللَّام الْمُعَلقَة محذوفة وَالْأَصْل: إِنِّي وجدت لملاك. وَتقدم شَرحه فِي الشَّاهِد الثَّالِث عشر بعد السبعمائة. وَهُوَ عجز وصدره: كَذَاك أدبت حَتَّى صَار من خلقي وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الْحَادِي وَالسِّتُّونَ بعد الثَّمَانمِائَة) لهنا لمقضي علينا التهاجر على أَن بعض الْعَرَب يَقُول: لهنك لرجل صدق بلامين كَمَا فِي المصراعين. وَقد تحذف الثَّانِيَة فَيُقَال: لهنك رجل صدق كَمَا فِي الْبَيْت. وَيُرِيد أَن الثَّانِيَة لَام الِابْتِدَاء الَّتِي تكون مَعَ إِن. وَلَا وَجه لتقييد الْحَذف بالقلة إِذْ لم يغلب ذكرهَا مَعَ إِن وَلم يكثر حَتَّى يُقَال إِن حذفهَا قَلِيل قَالَ ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة: وَإِذا كَانَت إِن مُشَدّدَة فَأَنت فِي إِدْخَال اللَّام فِي الْخَبَر وَتركهَا مُخَيّر فَإِن خففت لَزِمت اللَّام لِئَلَّا تَلْتَبِس بإن النافية. وَأما اللَّام الأولى فَهِيَ مَعَ الْهَاء على قَول الْفراء والمفضل بن سَلمَة بَقِيَّة لفظ الْجَلالَة. وَأما على قَول سِيبَوَيْهٍ بِجعْل الْهَاء بَدَلا من همز إِن فَلم يظْهر من كَلَام الشَّارِح مَا هِيَ عِنْده. وَرُبمَا يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّهَا زَائِدَة عِنْده وَلِهَذَا أورد كَلَامه فِي ذيل مَبْحَث اللَّام الزَّائِدَة.

стр. 5044

وَهُوَ مَذْهَب ابْن مَالك. قَالَ فِي التسهيل: وَرُبمَا زيدت اللَّام قبل همزتها مبدلة مَعَ هَاء مَعَ تَأْكِيد الْخَبَر وتجريده. وَهَذَا ظَاهر قَول الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح: اللَّام الأولى للتوكيد وَالثَّانيَِة لَام إِن. وَهَذَا لَيْسَ مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَإِنَّمَا هِيَ عِنْده لَام جَوَاب قسم مُقَدّر وَهَذَا نَصه وَنَقله ابْن السراج فِي الْأُصُول: لهنك لرجل صدق: هَذِه كلمة تَتَكَلَّم بهَا الْعَرَب فِي حَال الْيَمين وَلَيْسَ كل الْعَرَب يتَكَلَّم بهَا فَهِيَ إِن وَلَكنهُمْ أبدلوا الْهَاء مَكَان الْألف كَقَوْلِك: هرقت. وَلَحِقت هَذِه اللَّام إِن كَمَا لحقت مَا حِين قلت: إِن زيدا لما لينطلقن فلحقت إِن اللَّام فِي الْيَمين كَمَا لحقت مَا.) فَاللَّام الأولى فِي لهنك لَام الْيَمين وَالثَّانيَِة لَام إِن وَفِي: لما لينطلقن اللَّام الأولى لإن وَالثَّانيَِة وَفِي شرح قديم لهَذِهِ الْمُقدمَة: مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ فِي اللَّام الْوَاحِدَة: أَنَّهَا لَام التَّأْكِيد دخلت على إِن لما غيرت بإبدال همزتها هَاء. وَفِي اللامين: أَن الأولى جَوَاب قسم وَالثَّانيَِة لتأكيد الْخَبَر. انْتهى. وَيدل مَا ذهب إِلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ قَول المرار الفقعسي: وَأما لهنك من تذكر أَهلهَا لعلى شفا يأس وَإِن لم تيأس وَوجه الدَّلِيل أَن أما بِالتَّخْفِيفِ يكثر الْإِتْيَان بهَا قبل الْقسم. وَجوزهُ أَبُو عَليّ فِي التَّذْكِرَة القصرية قَالَ: وَيجوز أَن تكون اللَّام فِي لهنك اللَّام فِي لَأَفْعَلَنَّ الَّتِي لَا تدخل إِلَّا على الْفِعْل. وَيدل على ذَلِك لُزُوم لهنك للْيَمِين وَأَنَّهَا لَا تقال إِلَّا فِي الْيَمين. فَإِن قلت: لَام لَأَفْعَلَنَّ لَا تقع إِلَّا

стр. 5045

على الْفِعْل. قلت: إِنَّمَا جَازَ لهنك وَإِن لم يكن فعلا لِأَن الْجُمْلَة الاسمية وَقعت موقع الْجُمْلَة الفعلية. انْتهى. وَذهب الزّجاج إِلَى أَن اللَّام الأولى هِيَ لَام إِن وَاللَّام الثَّانِيَة زَائِدَة. وَاخْتَارَهُ أَبُو عَليّ فِي التَّذْكِرَة القصرية وأيده وأوضحه. وَتَبعهُ تِلْمِيذه أَبُو الْفَتْح بني جني. والتذكرة القصرية: هِيَ الْمسَائِل الَّتِي جرت بَينه وَبَين صَاحبه أبي الطّيب مُحَمَّد بن طوسي الْمَعْرُوف بالقصري قَالَ فِيهَا: لهنك لرجل صدق بِمَنْزِلَة مَا جَاءَ على أَصله من العينات المعتلة أوقعت اللَّام الَّتِي كَانَت فِي الْخَبَر إِنَّك لرجل صدق قبل إِن ليدل ذَلِك على أَن حَقّهَا أَن تقع قبل إِن فَأتوا بِهَذَا على أَصله وأبدلوا الْهمزَة هَاء فِرَارًا من إِيقَاع اللَّام قبل إِن فَغير اللَّفْظ على ذَلِك لِأَنَّهُ لَيْسَ يَخْلُو امتناعهم من إِيقَاع اللَّام قبل إِن من أَن يكون ذَلِك من جِهَة الْمَعْنى أَو من جِهَة اللَّفْظ. - فَلَا يجوز أَن يكون من جِهَة الْمَعْنى بِدلَالَة قَوْلهم: إِن فِي الدَّار لزيداً فَاللَّام قد وليت إِن من جِهَة الْمَعْنى فَثَبت أَن الْمَكْرُوه لَفْظهمَا فإبدال الْهمزَة هَاء بِمَنْزِلَة الْفَصْل بَين إِن وَاللَّام بالظرف فَجَاز لهنك. ويؤكد أَن اللَّام فِي لهنك لَام الِابْتِدَاء بإبدال الْهَاء من الْهمزَة. وإبدال الْهَاء من الْهمزَة يُؤَكد أَن اللَّام غير زَائِدَة وَاللَّام الَّتِي فِي لرجل زَائِدَة لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يَكُونَا جَمِيعًا غير زائدتين لِأَنَّك إِن فعلت ذَلِك لزمك أَن تدخل اللَّام فِي لرجل على اللَّام الَّتِي فِي لهنك.)

стр. 5046

فَإِن قلت: أجعَل لَام لهنك زَائِدَة. قلت: ذَلِك غير جَائِز لِأَن لَام لهنك قد وَقعت موقعها فَلَا يَسْتَقِيم أَن تقدرها أَنَّهَا لَيست وَاقعَة فِي غير هَذَا الْموضع وَهَذَا يجوز فِي لَام لرجل لِأَنَّهَا لم تقع موقعها الَّذِي هُوَ قبل إِن. وَمثل امْتنَاع تَقْدِير لَام لهنك زَائِدَة لِأَنَّهَا قد وَقعت موقعها فَلَا يَسْتَقِيم أَن يقدر بهَا غير ذَلِك قَوْلك: ضرب زيدا غُلَامه لَا يجوز فِيهِ أَن تَقول: ضرب غُلَامه زيدا لِأَن الْغُلَام قد وَقع موقعه فَلَا يَسْتَقِيم أَن يقدر بِهِ غير ذَلِك. انْتهى. وحققه ابْن جني أَيْضا فِي بَاب إصْلَاح اللَّفْظ من الخصائص وَقَالَ: وَيدل على أَن مَوضِع اللَّام فِي خبر إِن أول الْجُمْلَة قبل إِن أَن الْعَرَب لما جَفا عَلَيْهَا اجْتِمَاع هذَيْن الحرفين قلبوا الْهمزَة هَاء ليزول لفظ إِن فيزول أَيْضا مَا كَانَ مستكرهاً من ذَلِك فَقَالُوا: لهنك قَائِم. وَعَلِيهِ قَوْله فِيمَا روينَاهُ عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن أبي الْعَبَّاس: (أَلا يَا سنا برق على قلل الْحمى ... لهنك من برق عَليّ كريم) فَإِن قلت: فَمَا تصنع بقول الآخر: (ثَمَانِينَ حولا لَا أرى مِنْك رَاحَة ... لهنك فِي الدُّنْيَا لباقية الْعُمر) وَمَا هَاتَانِ اللامان قيل: أما الأولى فلام الِابْتِدَاء على مَا تقدم. وَأما الثَّانِيَة فِي لباقية الْعُمر فزائدة كزيادتها فِي قِرَاءَة سعيد بن جُبَير: أَلا إِنَّهُم ليأكلون الطَّعَام.

стр. 5047

فَإِن قلت: فَلم لَا تكون الأولى هِيَ الزَّائِدَة وَالْأُخْرَى غير زَائِدَة قيل: يفْسد ذَلِك من جِهَتَيْنِ: إِحْدَاهمَا أَنَّهَا قد ثبتَتْ فِي قَوْله: لهنك من برق عَليّ كريم وَثَانِيهمَا: أَنَّك لَو جعلت الأولى هِيَ الزَّائِدَة لَكُنْت قد قدمت الْحَرْف الزَّائِد والحروف إِنَّمَا تزاد لضرب من الاتساع. فَإِذا كَانَت للاتساع كَانَ آخر الْكَلَام أولى بهَا من أَوله. أَلا تراك لَا تزيد كَانَ مُبتَدأَة وَإِنَّمَا تزيدها حَشْوًا أَو آخرا. انْتهى. وَقد رَجَعَ أَبُو عَليّ عَن هَذَا التَّحْقِيق وزيفه فِي كِتَابه نقض الهاذور وَهُوَ كتاب نقض مَا طعن بِهِ ابْن خالويه على كتاب الأغفال لأبي عَليّ الَّذِي صنفه إصلاحاً لمسائل الزّجاج. وَاخْتَارَ مَذْهَب الْفراء وأيده وأدرج فِيهِ مَذْهَب الْمفضل بن سَلمَة وجعلهما قولا وَاحِدًا وَنسبه إِلَى أبي زيد الْأنْصَارِيّ. وَهَذِه عِبَارَته.) قَالَ أَبُو زيد: قَالَ أَبُو أدهم الْكلابِي: لَهُ رَبِّي لَا أَقُول ذَلِك بِفَتْح اللَّام وَكسر الْهَاء فِي الإدراج. وَمَعْنَاهُ: وَالله رَبِّي لَا أَقُول ذَلِك. - وَأنْشد أَبُو زيد: (لهني لأشقى النَّاس إِن كنت غارماً ... لدومة بكرا ضيعته الأراقم)

стр. 5048

وَأنْشد أَيْضا: (أبائنة حبى نعم وتماضر ... لهنا لمقضي علينا التهاجر) قَالَ: يَقُول لله إِنَّا. (وَأما لهنك من تذكر عهدها ... لعلى شفا يأس وَإِن لم تيأس) وَأنْشد غير أبي زيد: (لهنك من عبسية لوسيمة ... على هنوات كَاذِب من يَقُولهَا) وَوجه الدّلَالَة أَن اللَّام لَا تَخْلُو من أَن تكون الجارة من قَوْلهم: لله أَو الَّتِي للتعريف أَو الَّتِي هِيَ عين الْفِعْل. فَلَا يجوز أَن تكون الَّتِي للتعريف لِأَن تِلْكَ سَاكِنة وَهَذِه متحركة. فَإِن قلت: ألْقى عَلَيْهَا حَرَكَة الْهمزَة. قلت: لَا يجوز ذَلِك لِأَن حَرَكَة الْهمزَة كسرة وَاللَّام مَفْتُوحَة لِأَن أَبَا زيد قَالَ بِفَتْح اللَّام. وَلَا يجوز أَن تكون الجارة لِأَنَّهَا مَكْسُورَة.

стр. 5049

- فَإِن قلت: إِن أُنَاسًا فتحُوا الجارة مَعَ الْمظهر. قلت: ذَلِك لَا يجوز لِئَلَّا يبْقى الِاسْم على حرف وَاحِد وَلَيْسَ فِي الْأَسْمَاء المتمكنة اسْم على حرف وَاحِد. فَثَبت أَنَّهَا عين الْفِعْل وَأَن الْهمزَة فَاء حذفت كَمَا حذفت من قَوْله: (يابا الْمُغيرَة رب أَمر معضل ... فرجته بالنكر مني والدها) فَإِن قلت: يكون قَوْله: لَهُ من القَوْل الآخر فِي الِاسْم لَا من القَوْل الَّذِي الْهمزَة فِيهِ فَاء الْفِعْل. قلت: هَذَا بعيد لِأَنَّهُ يحذف على هَذَا التَّقْدِير عين الْفِعْل وَالْعين لم تحذف إِلَّا فِيمَا لَا حكم لَهُ وَلَا اعْتِدَاد بِهِ قلَّة فَإِذا كَانَ كَذَلِك وَجب الْعُدُول بِهِ والاعتداد لَهُ وَكَانَ الْأَخْذ بالْقَوْل الآخر أولى لِأَن الْألف تحذف فِيهِ كَمَا يقصر الْمَمْدُود. وَهَذَا قد جَاءَ فِي كَلَامهم. أَلا تراهم قَالُوا: الحصد والحصاد. وَقد جَاءَ ذَلِك فِي الِاسْم نَفسه فِي قَوْله:) (أَلا لَا بَارك الله فِي سُهَيْل ... إِذا مَا الله بَارك فِي الرِّجَال) فعلى هَذَا حذفت الْألف فِي الِاسْم من قَوْله: لَهُ رَبِّي على أَن القَوْل الآخر فِي الِاسْم لَيْسَ بالشائع وَلم نعلم أحدا من السّلف ذهب إِلَيْهِ. وَهَذَا القَوْل قد رُوِيَ مُسْندًا عَن ابْن عَبَّاس فروى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن عِيسَى بن مَرْيَم

стр. 5050

قَالَ لرجل: أَتَدْرِي مَا الله الله إِلَه الْآلهَة. وَعَن ابْن عَبَّاس: الله ذُو الألوهية والعبودية على خلقه أَجْمَعِينَ. فَإِن قلت: هلا قلت إِن قَوْله: لهني لأشقى النَّاس ولهنا لمقضي علينا إِنَّمَا هُوَ لإني ولإنا خلافًا لأبي زيد قلت: هَذَا لَا يسوغ لِأَنَّهُ يجمع فِيهِ بَين إِن وَاللَّام وَلم يجمعوا بَينهمَا. أَلا تراهم أخروها إِلَى الْخَبَر من قَوْلهم: إِن زيدا لمنطلق وفصلوا فِي نَحْو: إِن فِي ذَلِك لآيَة. فَإِن قلت: يكون الْقلب فِيهَا بالتغيير لَهَا كالفصل بَينهمَا قلت: لَا يَصح لِأَن الْبَدَل فِي حكم الْمُبدل مِنْهُ عِنْدهم. أَلا ترى أَنَّك لَو سميت رجلا بهرق لم تصرفه كَمَا لَا تصرفه لَو كَانَت الْهمزَة نَفسهَا ثَابِتَة. أَلا ترى أَن الْهمزَة فِي حَمْرَاء لما كَانَت منقلبة عَن ألف التَّأْنِيث كَانَ حكمهَا حكمهَا فِي منع الصّرْف فَكَذَلِك يكون الْبَدَل فِي لهنك فِي حكم الْمُبدل مِنْهُ فِي الِامْتِنَاع من الْجمع بَينهمَا. على أَن هَذَا السُّؤَال لَا يلْزم من وَجه آخر وَهُوَ أَن مَا حَكَاهُ أَبُو زيد من قَوْله: لَهُ رَبِّي لَا يجوز أَن يظنّ فِيهِ أَن الْهَاء بدل من الْهمزَة فَإِذا كَانَ كَذَلِك رددت الْمَوَاضِع إِلَى هَذَا الْموضع الَّذِي لَا يجوز فِيهِ إِبْدَال وَعلمت أَن الْمَعْنى: لله إِنِّي. فَإِن قلت: لم لَا تَقول فِي قَوْلهم: لهنا ولهني ولهنك: إِنَّمَا هُوَ لَهُ إِنَّا لِأَن قطرباً قد حكى أَنهم يَقُولُونَهُ بالإسكان وَإِذا كَانَت الْهَاء سَاكِنة وألقيت عَلَيْهَا حَرَكَة الْهمزَة وَجب أَن تَقول: لهنا فَتكون الأبيات على هَذَا التَّأْوِيل لَا على الْوَجْه الَّذِي ذكرته قلت: يفْسد هَذَا تحريكها الْهَاء بِالْجَرِّ فِي لَهُ رَبِّي. - فَكَمَا كَانَت متحركة فِي الْجَرّ وَلَا همزَة مَكْسُورَة بعْدهَا فتحذف وتلقى حركتها عَلَيْهَا

стр. 5051

كَذَلِك تكون الكسرة فِي لهني ولهنك ولهنا الجرة لَا حَرَكَة الْهمزَة المحذوفة للتَّخْفِيف على مَا حَكَاهُ قَالَ ابْن جني فِي الخصائص: وَأما من قَالَ: إِن لهنك أَصله لله إِنَّك فقد ذكرنَا مَا عَلَيْهِ فِيهِ فِي) مَوضِع آخر. على أَن أَبَا عَليّ قد كَانَ قواه بِأخرَة وَفِيه تعسف. انْتهى. وَرَأَيْت فِي شرح قديم لهَذِهِ الْمُقدمَة: وَمذهب أبي زيد وَقواهُ أَبُو عَليّ أَن أصل لهنك لاه إِنَّك فحذفت همزَة إِن وَألف لاه فَبَقيَ لهنك. وَمذهب سِيبَوَيْهٍ أقوى لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا إِبْدَال الْهمزَة وَفِي هَذَا توالى حذفان بعد حذف سَابق فِي لاه. انْتهى. أَقُول: مَا نسبه أَبُو عَليّ إِلَى أبي زيد لَعَلَّه فِي غير النَّوَادِر وَإِلَّا فَمَا فِي النَّوَادِر مُوَافق لسيبويه. وَهَذَا مَا فِي نوادره. قَالَ المرار بن سعيد الفقعسي وَهُوَ إسلامي: وَأما لهنك من تذكر أَهلهَا الْبَيْت يُرِيد: أما إِنَّك. أَبُو حَاتِم: لهنك يُرِيد لله إِنَّك فَحذف ثمَّ حذف. انْتهى. قَالَ الْأَخْفَش فِيمَا كتب على النَّوَادِر: قَول أبي حَاتِم لَيْسَ بِشَيْء عِنْد أَصْحَابه الْبَصرِيين لِأَنَّهُ حذف مخل بالْكلَام. وَذَلِكَ أَنه حذف حرف الْجَرّ وَجُمْلَة من الِاسْم الْمَجْرُور. وَهَذَا لَا يجوز عِنْد أهل الْعَرَبيَّة وَلَا نَظِير لَهُ وَلَكِن تَأْوِيل لهنك بلإنك صَحِيح وَفِيه إِبْدَال

стр. 5052

وَنقل صَاحب الصِّحَاح عَن أبي عبيد أَن مَا نسبه أَبُو عَليّ لأبي زيد هُوَ قَول الْكسَائي قَالَ: قَالَ أَبُو عبيد: أنشدنا الْكسَائي: (لهنك من عبسية لوسيمة ... على هنوات كَاذِب من يَقُولهَا) وَقَالَ: أَرَادَ لله إِنَّك من عبسية فَحذف اللَّام الأولى من الله وَالْألف من إِنَّك كَمَا قَالَ الآخر: لاه ابْن عمك لَا أفضلت فِي حسب أَرَادَ: لله ابْن عمك. وَالْقَوْل الأول أصح أَي: القَوْل بِأَن أَصله لإنك ذكره مَادَّة لَهُنَّ. وَنقل أَبُو حَيَّان فِي تَذكرته الْمذَاهب الثَّلَاثَة طبق مَا نَقله الشَّارِح الْمُحَقق إِلَّا أَنه نسب الثَّالِث للمفضل بن سَلمَة كَابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف لَا أَنه حَكَاهُ عَن بَعضهم. وَاعْلَم أَن المصراع الشَّاهِد عجز بَيت وصدره مَا أوردهُ أَبُو عَليّ وَهُوَ: أبائنة حبى نعم وتماضر وَلم أر من ذكره غَيره وَلم أَقف على قَائِله. والهمزة: للاستفهام. وبَائِنَة: اسْم فَاعل من الْبَين وَهُوَ الْفِرَاق والهجر. وبائنة: مُبْتَدأ) - اسْتغنى بمرفوعه وَهُوَ حبى عَن الْخَبَر لاعتماده على الِاسْتِفْهَام. وحبى: بِضَم الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمُوَحدَة بعْدهَا ألف مَقْصُورَة من أَعْلَام النِّسَاء غير منصرف. وَكَذَلِكَ تماضر: علم امْرَأَة بِضَم الْمُثَنَّاة

стр. 5053

الْفَوْقِيَّة بعْدهَا مِيم فألف فضاد معدمة مَكْسُورَة. مَنْقُول من فعل مضارع من المضر مصدر مُضر اللَّبن كنصر وَفَرح وكرم أَي: حمض. وَهُوَ مَعْطُوف على حبى عطفا تلقينياً. ونعم تَصْدِيق للاستفهام. والْمقْضِي: اسْم مفعول من قضى عَلَيْهِ قَضَاء بِالْمدِّ وَيقصر. وَالْقَضَاء: الحكم والحتم. والتهاجر: نَائِب الْفَاعِل وَهُوَ تفَاعل من الهجر. وَيَنْبَغِي أَن نشرح الأبيات الَّتِي أوردهَا أَبُو عَليّ تكميلاً للفائدة. فَقَوله: لهني لأشقى النَّاس إِن كنت غارماً يَأْتِي شَرحه بعد هَذَا وَقَوله: وَأما لهنك من تذكر عهدها نسبه أَبُو زيد للمرار كَمَا تقدم وَقَالَ: شفا الشَّيْء: حرفه وناحيته وشرفه. وَيُقَال: هُوَ على شرف خير أَو شَرّ. وَقَوله: لهنك من عبسية لوسيمة (وَبِي من تباريح الصبابة لوعة ... قتيلة أشواقي وشوقي قتيلها) وروى المصراع الثَّانِي غير الْكسَائي كَذَا: (لهنك من عبسية لوسيمة ... على كَاذِب من وعدها ضوء صَادِق)

стр. 5054

وَلم أَقف على قائلهما. وعبسية: امْرَأَة منسوبة إِلَى عبس وَهُوَ أَبُو قَبيلَة وَهُوَ تَمْيِيز مجرور بِمن. والوسيمة: الجميلة خبر لهنك. والهنوات: الفعلات القبيحة جمع هنة وَهُوَ مَا يستهجن التَّصْرِيح بِذكرِهِ. وكَاذِب: صفة سَبَبِيَّة لهنوات ومن فَاعل هنوات. وَأنْشد أَبُو زيد:) لَهُنَّ الَّذِي كلفتني ليسير وَهُوَ من شعر رَوَاهُ أَبُو بكر التاريخي وَمُحَمّد بن الْحُسَيْن اليمني كل مِنْهُمَا فِي طَبَقَات النُّحَاة فِي تَرْجَمَة الرياشي لِأَنَّهُ قَالَ: أَنْشدني غُلَام إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن أَيُّوب بِالْمَدِينَةِ وَكَانَ لبني سليم: (وَقَالَت: أَلا هَل تقضم الْحبّ موهناً ... من اللَّيْل إِن الكاشحين حُضُور) والقضم: الْأكل بأطراف الْأَسْنَان وَفعله من بَاب علم. والْحبّ بِفَتْح الْمُهْملَة: حب الْبِطِّيخ وَنَحْوه. والموهن بِفَتْح الْمِيم وَكسر الْهَاء: نَحْو من نصف اللَّيْل. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: هُوَ حِين يدبر اللَّيْل. وأقتلد بِالْقَافِ قَالَ اليمني: القلد: الشّرْب. وَفِي الْقَامُوس: قلد المَاء فِي الْحَوْض وَاللَّبن فِي السقاء وَالشرَاب فِي الْبَطن يقلده: جمعه فِيهِ. - وَأنْشد أَبُو زيد أَيْضا: لهنك فِي الدُّنْيَا لباقية الْعُمر هُوَ خطاب لمؤنث وصدره: ثَمَانِينَ حولا لَا أرى مِنْك رَاحَة

стр. 5055

وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الثَّانِي وَالسِّتُّونَ بعد الثنمانمائة) لهني لأشقى النَّاس إِن كنت غارماً لما تقدم قبله. وَرَأَيْت هَذَا المصراع صدر بَيت من أشعار ثَلَاثَة. لدومة بكرا ضيعته الأراقم وأَشْقَى أفعل تَفْضِيل. وغارماً من غرمت الدِّيَة وَالدّين وَغير ذَلِك من بَاب تَعب إِذا أديته غرماً بِالضَّمِّ وغرامة ومغرماً بفتحهما. وغرمته تغريماً وأغرمته: جعلته غارماً. وَغرم فِي تِجَارَته مثل خسر: خلاف ربح. ودومة بِفَتْح الدَّال: اسْم امْرَأَة خمارة. والْبكر بِفَتْح الْمُوَحدَة: الفتي من الْإِبِل هُوَ مفعول لغارم وَجُمْلَة ضيعته الأراقم: نعت بكر أَي: جعلته ضائعاً. والأراقم: سِتَّة أَحيَاء من تغلب وَهُوَ جشم وَعَمْرو وَمَالك وثعلبة وَمُعَاوِيَة والْحَارث. وَهُوَ بَنو بكر بن حبيب بِضَم الْمُهْملَة وَفتح الْمُوَحدَة الأولى ابْن عَمْرو بن غنم بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون ابْن تغلب بن وَائِل. وَقَالَ ابْن دُرَيْد فِي الجمهرة: الأراقم: بطُون من تغلب يجمعهُمْ هَذَا الِاسْم ذكر أَبُو عبيد أَن أباهم نظر إِلَيْهِم لما ترعرعوا فَإِذا لَهُم جَرَاءَة وحدة فَقَالَ لغلام لَهُ: ذَا جَاءَ اللَّيْل فاستغث حَتَّى أنظر مَا يصنع أَوْلَادِي هَؤُلَاءِ. فَذهب إِلَى حَيْثُ أمره فاستغاث فَسَمِعُوا صَوته فقصدوا قَصده وَقَالُوا: وَيلك مَا دهاك وَأَيْنَ الْقَوْم وَأَقْبلُوا يتجاذبونه بَينهم حَتَّى جَاءَ أبوهم فَقَالَ لَهُ: كف بنيك عني فَإِن عيونهم وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: إِنَّمَا سموا

стр. 5056

بذلك لِأَن امْرَأَة دخلت على أمّهم وهم نيام ورؤوسهم خَارِجَة من قطيفة فَقَالَت: كَأَن عيونهم عُيُون الأراقم فسموا بِهِ. وَصَاحب الْقَامُوس لم يُحَقّق النّظر هُنَا فَقَالَ: تبعا لصَاحب الصِّحَاح: الأراقم: حَيّ من تغلب وَهُوَ جمع أَرقم وَهُوَ أَخبث الْحَيَّات وأطلبها للنَّاس. وَقيل: مَا فِيهِ سَواد وَبَيَاض وَقيل: ذكر الْحَيَّات. ثَانِيهَا: صدر بَيت من قصيدة لخداش بن زُهَيْر العامري الصَّحَابِيّ وَكَانَ مِمَّن شهد وقْعَة حنين مَعَ الْمُشْركين ثمَّ أسلم بعد زمَان.) تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعِشْرين بعد الْخَمْسمِائَةِ. وَمن قصيدته: (فيا رَاكِبًا إِمَّا عرضت فبلغن ... عقيلاً إِذا لاقيتها وَأَبا بكر) (بأنكم من خير قوم لقومكم ... على أَن قولا فِي الْمجَالِس كالهجر) (دعوا جانباً إِنَّا سنترك جانباً ... لكم وَاسِعًا بَين الْيَمَامَة والقهر) إِلَى أَن قَالَ: (وَإِنَّا لمن قوم كرام أعزة ... إِذا لحقت قوم بفرسانها تجْرِي) (وَنحن إِذا مَا الْخَيل أدْرك ركضها ... لبسنا لَهَا جلد الأساود بالنمر) ...

стр. 5057

(أبي فَارس الضحياء عَمْرو بن عَامر ... أَبى الذَّم وَاخْتَارَ الْوَفَاء على الْغدر) (لهني لأشقى النَّاس إِن كنت غارماً ... لعاقبة قَتْلَى خُزَيْمَة وَالْخضر) وعرضت: أتيت الْعرُوض وَهِي مَكَّة وَالْمَدينَة حرسهما الله تَعَالَى وَمَا حولهما يُقَال: عرض الرجل إِذا أَتَى الْعرُوض. وأَخبث إِذا اتخذ أصحاباً خبثاء والضحياء: فرس عَمْرو بن عَامر. وَاللَّام فِي الْعَاقِبَة بِمَعْنى بعد. وقَتْلَى: مفعول غارماً جمع قَتِيل. والْخضر بِضَم الْخَاء وَسُكُون الضَّاد المعجمتين قَالَ صَاحب الْقَامُوس: وَبَنُو الْخضر: بطن من قيس عيلان مِنْهُم أَبُو شيبَة الخضري. ثَالِثهَا: مَا رَأَيْته فِي كتاب اللُّصُوص للسكري فِي شعر تليد الضَّبِّيّ بِفَتْح الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة وَكسر اللَّام وَكَانَ أحد اللُّصُوص على عهد عمر بن عبد الْعَزِيز أَخذ وأقيم للنَّاس بأَمْره ليدفع مَا أَخذه مِنْهُم فَقَالَ فِي ذَلِك: (وَلَو أَن بعض النَّاس يفقد أمه ... لقيل احتواها فِي الرّحال تليد) (لهني لأشقى النَّاس إِن كنت غارماً ... قَلَائِص بَين الجلهتين ترود) (قَلَائِص معزاب أَتَى اللَّيْل دونهَا ... وَمَا النَّاس إِلَّا عَاجز وجليد)

стр. 5058

. (تبدلت من سوق الأباعر فِي الضُّحَى ... وَمن قنص الغزلان بني الْمَسَاجِد) (فَأَصْبَحت قد أحدثت لله تَوْبَة ... وَخير عباد الله فِي زِيّ عَابِد) (على أَن فِي نَفسِي إِلَى الْبيض طربةً ... وَأَنِّي قد أَهْوى ركُوب الْمَوَارِد) وَقَالَ أَيْضا:) (يَقُولُونَ: جَاهد يَا تليد بتوبة ... وَفِي النَّفس مني عودة سأعودها) (أَلا لَيْت شعري هَل أقودن عصبَة ... قَلِيلا لرب الْعَالمين سجودها) (وَهل أطردن الدَّهْر مَا عِشْت هجمةً ... معرضة الأنجاد سجحاً خدودها) والرّحال: جمع رَحل بِسُكُون الْمُهْملَة: المأوى والمنزل. وقَلَائِص: مفعول غَارِم جمع قلُوص وَهِي النَّاقة الشَّابَّة. والجلهة بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون اللَّام: نَاحيَة الْوَادي. والمعزاب من الْإِبِل وَالشَّاء: الَّتِي تعزب أَي: تبعد عَن أَهلهَا فِي المرعى وَهُوَ بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالزَّاي. والجليد وَمثله الْجلد بِفَتْح فَسُكُون من الْجلد بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ الشدَّة وَالْقُوَّة. يَقُول: إِنِّي أَشْقَى النَّاس إِن كنت أغرم كل مَا سرق للنَّاس. والبني بِفَتْح الْمُوَحدَة وَسُكُون النُّون: مصدر بنى يَبْنِي. والهجمة بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الْجِيم: القطيع من الْإِبِل أَولهَا الْأَرْبَعُونَ إِلَى مَا زَادَت. والأنجاد: جمع نجد وَهُوَ الطَّرِيق الْوَاضِح الْمُرْتَفع. والسحج بِتَقْدِيم الْجِيم على الْمُهْملَة: جمع أسحج وسجحاء من سجح الخد كفرح: سهل ولان وَطَالَ فِي اعْتِدَال وَقل لَحْمه

стр. 5059

وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الثَّالِث وَالسِّتُّونَ بعد الثَّمَانمِائَة) (أَلا يَا سنا برق على قلل الْحمى ... لهنك من برق عَليّ كريم) على أَنه حذف اللَّام من خبر لهنك حَيْثُ لم يقل: ل عَليّ كريم وَالْكثير إِثْبَاتهَا. وَتقدم مَا فِيهِ. وَهُوَ من جملَة أَبْيَات لرجل من بني نمير. قَالَ أَبُو هِلَال العسكري فِي ديوَان الْمعَانِي أخبرنَا أَبُو أَحْمد. وَقَالَ القالي فِي أَمَالِيهِ: حَدثنِي أَبُو يَعْقُوب وراق أبي بكر بن دُرَيْد قَالَا: حَدثنَا أَبُو بكر بن دُرَيْد قَالَ: حَدثنَا الْفضل بن مُحَمَّد بن العلاف قَالَ: لما قدم بغا ببني نمير أسرى كنت كثيرا مَا أذهب إِلَيْهِم فَأَسْمع مِنْهُم وَكنت لَا أعدم أَن ألْقى الفصيح مِنْهُم فأتيتهم يَوْمًا فِي عقب مطر وَإِذا فَتى حسن الْوَجْه قد نهكه الْمَرَض ينشد: (أَلا يَا سنا برق على قلل الْحمى ... لهنك من برق عَليّ كريم) (فَهَل من معير طرف عين خلية ... فإنسان عين العامري كليم) (رمى قلبه الْبَرْق الملالئ رميةً ... بِذكر الْحمى وَهنا فَبَاتَ يهيم) .

стр. 5060

فَقلت: يَا هَذَا إِنَّك لفي شغل عَن هَذَا. فَقَالَ: صدقت وَلَكِنِّي أنطقني الْبَرْق. زَاد عَلَيْهِ القالي: ثمَّ اضْطجع فَمَا كَانَ سَاعَة حَتَّى مَاتَ فَمَا يتَوَهَّم عَلَيْهِ غير الْحبّ. وروى السُّيُوطِيّ فِي شرح أَبْيَات الْمُغنِي عَن ثَعْلَب فِي أَمَالِيهِ بِسَنَد إِلَى مُحَمَّد بن معن الْغِفَارِيّ قَالَ: أقحمت سنة بِالْمَدِينَةِ نَاسا من الْأَعْرَاب فيهم صرم من بني كلاب فأبرقوا لَيْلَة فِي النجد وغدوت عَلَيْهِم فَإِذا غُلَام مِنْهُم قد عَاد جلدا وعظماً وَرفع عقيرته بِأَبْيَات قد قَالَهَا من اللَّيْل. وَأورد الأبيات. قَالَ: فَقلت لَهُ: فِي دون مَا بك مَا يفحم عَن الشّعْر قَالَ: صدقت وَلَكِن الْبَرْق أنطقني. قَالَ: ثمَّ وَالله مَا لبث يَوْمه تَاما حَتَّى مَاتَ قبل اللَّيْل مَا يتهم عَلَيْهِ غير الْحبّ. وَفِي رِوَايَة وَكِيع زِيَادَة بَيت بعد الْبَيْت الثَّانِي وَهُوَ: (فَبت بِحَدّ الْمرْفقين أشيمه ... كَأَنِّي لبرق بالستار حميم) وَقد تصفحت أمالي ثَعْلَب مرَارًا وَلم أر فِيهَا هَذِه الأبيات وَلَعَلَّ ثعلباً رَوَاهَا فِي غير الأمالي وَلِهَذَا لم يُقيد ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة النَّقْل عَنهُ بالأمالي قَالَ: قَرَأت على مُحَمَّد بن الْحسن وَقُرِئَ عَلَيْهِ وَأَنا حَاضر عَن أَحْمد بن

стр. 5061

يحيى. وَحدثنَا بِهِ أَيْضا عَن أبي الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يزِيد بن) سَلمَة: أَلا يَا سنا برق. الْبَيْت. - فَأَحْمَد بن يحيى هُوَ ثَعْلَب وَمُحَمّد بن يزِيد هُوَ الْمبرد وَمُحَمّد بن سَلمَة هُوَ الرَّاوِي عَن الْمبرد. وَكَذَا صنع فِي الخصائص. وَكَانَ ابْن بري وَقع نظره على سَنَد ابْن جني وَلم يُحَقّق النّظر فنسب الشّعْر فِي حَاشِيَة الصِّحَاح إِلَى مُحَمَّد بن سَلمَة وَتَبعهُ الْعَيْنِيّ فِي ذَلِك. والسنا بِالْقصرِ: ضوء الْبَرْق. والقلل: جمع قلَّة وَهِي من كل شَيْء: أَعْلَاهُ. وَرَوَاهُ ابْن بري: قنن الْحمى جمع قنة بِمَعْنى الْقلَّة. والْحمى هُوَ الْمَكَان الَّذِي يحمى من النَّاس فَلَا يقربهُ أحد وَأَرَادَ بِهِ حمى حبيبته. ومن برق: تَمْيِيز مجرور بِمن. وكريم: خبر لهنك. وعَليّ: مُتَعَلق بِهِ والكريم: من كرم الشَّيْء أَي: نفس وَعز. وَقَوله: لمعت ... إِلَخ لمع الشَّيْء: أَضَاء. واقتذاء بِالْقَافِ والذال الْمُعْجَمَة قَالَ ابْن بري: اقتذاء الطير هُوَ أَن يفتح عينه ثمَّ يغمضها إغماضة. انْتهى. وَكَذَا فِي الْقَامُوس. والمصدر هُنَا قَائِم مقَام الظّرْف. يُرِيد: أَن الْبَرْق لمع وَقت فعل الطير ذَلِك وَذَلِكَ يكون قبيل الصُّبْح. يُقَال: إِن كل طَائِر إِذا كَانَ آخر اللَّيْل فتح عينه ثمَّ أغمضها ثمَّ فتح. وأصل ذَلِك من وروى أَبُو هِلَال: الطّرف بدل الطير. فالطرف هُنَا الْعين وَهُوَ فِي الأَصْل نظر الْعين مصدر طرف الْبَصَر من بَاب ضرب. - قَوْله: فَبت بِحَدّ ... إِلَخ حد كل شَيْء: طرفه. وأَشْيَم: مضارع شمت الْبَرْق إِذا نظرت إِلَى سحابته أَيْن تمطر. أَرَادَ إِنِّي اتكأت على طرفِي مرفقي

стр. 5062

فَنَظَرت إِلَيْهِ. والستار بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة بعْدهَا الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة قَالَ الْبكْرِيّ فِي المعجم: هُوَ جبل مَعْرُوف بالحجاز. وَهَذَا الْبَيْت يبين أَن الْحِكَايَة وَقعت فِي مَدِينَة الرَّسُول ﷺ َ. وَالْحَمِيم: الْقَرِيب. وَقَوله: الْبَرْق الملالي قَالَ الْبكْرِيّ فِي شرح أمالي القالي: هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عَليّ القالي وَقَالَ: ملال: مَوضِع نسب الْبَرْق إِلَيْهِ. وَغَيره ينشد: الْبَرْق الملألئ بِالْهَمْز من التلألؤ. وَنقل هَذَا الْكَلَام بِعَيْنِه فِي مُعْجم مَا استعجم وَلم يعين الْوَضع. وَلم يُورِدهُ ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ أصلا. وروى أَبُو هِلَال بدله: الْبَرْق الْيَمَانِيّ. والعقيرة: الصَّوْت وَأَصله أَن رجلا قطعت إِحْدَى رجلَيْهِ فَرَفعهَا ووضعها على الْأُخْرَى) وصرخ فَقيل لكل رَافع صَوته قد رفع عقيرته. والصرم بِالْكَسْرِ: أَبْيَات من النَّاس مجتمعة. وبغا: أعظم قَائِد من قواد الواثق بِاللَّه بن المعتصم بن هَارُون الرشيد العباسي نقل النويري فِي تَارِيخه نِهَايَة الأرب أَن بني سليم كَانَت تفْسد حول الْمَدِينَة فَقَوِيت شوكتهم واغتصبوا أَمْوَال النَّاس فَوجه الواثق بغا فِي سنة ثَلَاثِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ إِلَى الْأَعْرَاب الَّذين أَغَارُوا بنواحي الْمَدِينَة فَقتل مِنْهُم خلقا وَأسر من أكَابِر مفسديهم زهاء ألف رجل وحبسهم فِي الْمَدِينَة فَنقبُوا السجْن وَخَرجُوا فأحس بهم أهل الْمَدِينَة فَقَتلهُمْ سودانها.

стр. 5063

- وَقَالَ الْبكْرِيّ فِي شرح أمالي القالي: ذكر أَبُو عَليّ عَن مفضل بن أَحْمد قَالَ: لما قدم بغا ببني نمير أسرى كَانَ هَذَا الَّذِي ذكره فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ آخر أَيَّام الواثق. وَذَلِكَ أَن عمَارَة بن عقيل بن بِلَال بن جرير امتدح الواثق بقصيدة فَأمر لَهُ بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم ثمَّ كلم عمَارَة الواثق فِي بني نمير وَأخْبرهُ بعيثهم وإفسادهم فِي الأَرْض وغاراتهم على الْيَمَامَة وَغَيرهَا فَكتب الواثق إِلَى بغا وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ أمره بِحَرْبِهِمْ وَأَنَّهُمْ قتلوا أَبَا نصر بن حميد بن عبد الحميد الطوسي الَّذِي رثاه الطَّائِي. فَسَار إِلَيْهِم حَتَّى وافاهم فِي بطن نخل من عمل الْيَمَامَة فَهَزَمَهُ بَنو نمير حَتَّى بلغ مُعَسْكَره وأيقن بالهلكة ثمَّ تشاغلوا بالنهب حَتَّى ثاب إِلَى بغا من كَانَ انْكَشَفَ من أَصْحَابه فَكروا على بني نمير فهزموهم وَقتلُوا مِنْهُم زهاء ألف وَخَمْسمِائة وَنقل إِلَى بَغْدَاد مِنْهُم نَحْو ألفي رجل وَمن بني كلاب وَبني مرّة وفزارة. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الرَّابِع وَالسِّتُّونَ بعد الثَّمَانمِائَة) (أَلا لَا بَارك الله فِي سُهَيْل ... إِذا مَا الله بَارك فِي الرِّجَال) على أَنه حذف الْألف من لفظ الْجَلالَة الأول قبل الْهَاء. - وَهَذَا الْحَذف لضَرُورَة الشّعْر ذكره ابْن عُصْفُور فِي كتاب الضرائر.

стр. 5064

وَأنْشد بعده: (أقبل سيل جَاءَ من عِنْد الله ... يحرد حرد الْجنَّة المغلة) وَقَالَ: أنشدهما قطرب. وَقَالَ القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ: حذف أَلفه لحن تفْسد بِهِ الصَّلَاة وَلَا ينْعَقد بِهِ صَرِيح الْيمن. وَقد جَاءَ لضَرُورَة الشّعْر: أَلا لَا بَارك الله فِي سُهَيْل الْبَيْت وَهُوَ: فَاعل لَا بَارك مَرْفُوع بضمة ظَاهِرَة. وَظن العصام فِي حَاشِيَة القَاضِي أَن الْهَاء سَاكِنة فَقَالَ: كَمَا أَن حذف الْألف للضَّرُورَة كَذَا وَالْألف المحذوفة هِيَ ألف فعال إِذْ أصل الله الْإِلَه فَتكون زَائِدَة وَلَيْسَت عين الْفِعْل بِنَاء على أَصله لاه مصدر لاه يَلِيهِ ليهاً إِذا احتجب وارتفع فَيكون أَصله ليه تحركت الْيَاء وَانْفَتح مَا قبلهَا فقلبت ألفا. قَالَ ابْن جني فِي الْمُحْتَسب بعد إنشاد هَذَا الْبَيْت: حذف الْألف قبل الْهَاء وَيَنْبَغِي أَن تكون ألف فعال لِأَنَّهَا زَائِدَة كَقَوْلِه تَعَالَى: إِلَه النَّاس وَلَا تكون الْألف الَّتِي هِيَ عين فعل فِي أحد قولي س أَن أَصله لاه كَنَابِ لِأَن الزَّائِد أولى بالحذف من الْأَصْلِيّ. انْتهى. وَكَون الله أَصله لاه فِي أحد قولي س نَقله الزّجاج عَنهُ فَقَالَ: قَالَ سِيبَوَيْهٍ: سَأَلت الْخَلِيل عَن هَذَا الِاسْم يَعْنِي قَوْلنَا الله فَقَالَ: إِلَه وَقَالَ مرّة أُخْرَى: الأَصْل لاه.

стр. 5065

ورد عَلَيْهِ الْفَارِسِي فِي الأغفال بِأَن هَذَا الَّذِي حَكَاهُ عَن سِيبَوَيْهٍ عَن الْخَلِيل سَهْو لِأَن سِيبَوَيْهٍ لم يحك عَن الْخَلِيل أَن الله أَصله إِلَه وَلَا قَالَ: سَأَلته عَنهُ وَلَا حكى عَن الْخَلِيل القَوْل الآخر الَّذِي قَالَه أَنه لاه. ورد ابْن خالويه على أبي عَليّ: بِأَنَّهُ قد صَحَّ الْقَوْلَانِ عَن سِيبَوَيْهٍ. وَلَا ننكر أَن تكون هَذِه الْحِكَايَة قد ثبتَتْ عِنْد أبي إِسْحَاق الزّجاج بِرِوَايَة لَهُ عَن سِيبَوَيْهٍ من غير جِهَة كِتَابه فَلَا يكون) حِينَئِذٍ سَهوا. وَقد وَقعت إِلَيْنَا مسَائِل جمة روى سِيبَوَيْهٍ الْجَواب فِيهَا عَن الْخَلِيل وَلم يضمن ورد عَلَيْهِ أَبُو عَليّ فِي نقض الهاذور بِأَن الَّذِي يَحْكِي هَذِه الحكايات عَن سِيبَوَيْهٍ عَن الْخَلِيل وَهن أبي الْحسن متقول كَذَّاب ومتخرص أفاك لَا يشك فِي ذَلِك أحد لَهُ أدنى تنبه وتيقظ. وَلم يصغ إِلَى الْقبُول مِنْهُ والاشتغال بِهِ إِلَّا الأغمار والأغفال الَّذين لَا معرفَة لَهُم بالرواة ورواياتهم وتمييز صادقهم من كاذبهم وضابطهم من مجازفهم ومتجوزهم فِي الرِّوَايَة. وَمَا علمت أحدا من شُيُوخنَا الَّذين أدركناهم مِنْهُم أَبُو إِسْحَاق روى حِكَايَة وَاحِدَة فضلا عَن حِكَايَة عَن الْأَخْفَش عَن الْخَلِيل وَلَا عَن سِيبَوَيْهٍ عَن الْخَلِيل إِلَّا مَا ثَبت فِي كِتَابه. بل رَأَيْت رجلا روى حِكَايَة وَاحِدَة أسندها إِلَى الْأَخْفَش عَن الْخَلِيل فِي شَيْء من الْعرُوض وَلم يكن هَذَا الرجل موثوقاً بِهِ فِي خَبره وَلَا مسكوناً إِلَى حكايته. - فَأَما نَحن فَلم يَقع إِلَيْنَا من الحكايات عَن سِيبَوَيْهٍ مَا لم يثبت فِي كِتَابه إِلَّا حكايتان أَو ثَلَاث: إِحْدَاهَا: عَن مُحَمَّد بن يزِيد عَن أبي زيد عَنهُ وَهِي أَن مُحَمَّد بن السّري روى عَن مُحَمَّد بن يزِيد أَنه قَالَ: لَقِي أَبُو زيد سِيبَوَيْهٍ فَقَالَ

стр. 5066

أَبُو زيد لسيبويه: إِنِّي سَمِعت من الْعَرَب من يَقُول: قريت وتوضيت بِالْيَاءِ فيبدل الْيَاء من الْهمزَة. فَقَالَ: فَكيف تَقول أفعل قَالَ: أَقرَأ وَلَا يَنْبَغِي أَن تَقول أقري. والحكاية الْأُخْرَى أَو الحكايتان حَكَاهُمَا أَو حَكَاهَا ابْن سَلام عَنهُ على عَادَة نقلة الْآثَار. هَذَا مَعَ مَا تصفحنا مَا أَخذه مُحَمَّد بن السّري عَن مُحَمَّد بن يزِيد أَو عامته وتصفح مَا جمعه أَبُو عبد الله الْفَزارِيّ وَغَيره وَمَعَ صُحْبَة عَليّ بن سُلَيْمَان وَإِبْرَاهِيم بن السّري وَغَيرهم فَلم نسْمع أحدا روى شَيْئا من ذَلِك. وَإِنَّمَا عمل هَذَا الْإِسْنَاد هَذَا الْكذَّاب الأفاك. وَمِمَّا يدل على غرَّة هَذَا الْإِسْنَاد أَنا لم نجد أَبَا الْحسن يسند إِلَى الْخَلِيل شَيْئا إِلَّا على جِهَة الْإِرْسَال فَيَقُول: قَالَ الْخَلِيل أَو على جِهَة الْحِكَايَة عَن غَيره فَيَقُول: زَعَمُوا أَن الْخَلِيل كَانَ يَقُول. وَلم نعلمهُ قَالَ: سَمِعت الْخَلِيل أَو حَدثنِي الْخَلِيل كَمَا يَقُول ذَلِك فِي عِيسَى وَيُونُس. وَالَّذين يَحْكِي عَنْهُم عَن الْخَلِيل مِمَّن كَانَ اخْتصَّ بملازمته وصحبته نفر. مِنْهُم سِيبَوَيْهٍ وَالنضْر بن شُمَيْل ومؤرج السدُوسِي وَعلي بن نصر. ثمَّ رد على ابْن خالويه فِي نَقله بِأَن من النَّحْوِيين من يَقُول أَصله وَله وغلطه فِيهِ بِأَنَّهُ تَحْرِيف فِي الرِّوَايَة وتزييف.) قَالَ: وَلم نعلم من النَّحْوِيين بصريهم

стр. 5067

وَلَا كوفيهم من ذهب فِي هَذَا الِاسْم إِلَى أَنه من الوله وَإِنَّمَا ذهب إِلَيْهِ من لَيْسَ من أهل النّظر فِي الْعَرَبيَّة لوضوح خطأ القَوْل بذلك فِيهَا من جِهَة اللَّفْظ. أَلا ترى أَن من أجَاز أَن يُبدل من الْفَاء الَّتِي هِيَ وَاو الْهمزَة لِأَنَّهَا مَكْسُورَة فِي قَول من رأى الْبَدَل من الْمَكْسُورَة على الاطراد كَمَا يرى الْجَمِيع بدل الْهمزَة من المضمومة فَإِنَّهُم لم يذهبوا إِلَى أَلا ترى أَن من يَقُول فِي الوشاح: إشاح وَفِي الوسادة: إسادة يَقُول: توشح وتوسد. والمستعمل فِي هَذَا الِاسْم تأله. قَالَ: سبحن واسترجعن من تألهي وَلَو كَانَ من الوله لَكَانَ توله. وَلَو كَانَ فِي الْكَلَام لُغَتَانِ لتعاقب الحرفان على الْكَلِمَة كَمَا جَاءَ ذَلِك فِي سنة. فللخطأ الظَّاهِر من جِهَة اللَّفْظ لم يذهب إِلَى هَذَا القَوْل نحوي فِيمَا علمناه. وَمِمَّا يدا على فَسَاد القَوْل بذلك أَيْضا من جِهَة اللَّفْظ أَنهم قَالُوا فِي جَمِيع إِلَه آلِهَة كَمَا قَالُوا فِي جمع إِنَاء آنِية وَأَوَان آونة. وَلَو كَانَ من الوله لوَجَبَ أَن يكون الْجمع أولهة كَمَا قَالُوا أوعية. فللفساد الظَّاهِر من جِهَة اللَّفْظ لم يذهب إِلَيْهِ أحد من أهل الْعَرَبيَّة. فَأَما من جِهَة الْمَعْنى فَلَيْسَ بممتنع وَلَا فِيهِ شَيْء يَنْبَغِي أَن يجْتَنب لِأَن الَّذِي يَقُول من غير النَّحْوِيين إِن إِلَه فعال من الوله إِنَّمَا هُوَ لوله الْعباد إِلَيْهِ ودعائهم لَهُ وإسراعهم إِلَى ذَلِك عِنْدَمَا يدهمهم من الْأُمُور وَهَذَا لَا يمْتَنع الْوَصْف بِهِ كَمَا لَا يمْتَنع فِيهِ التَّسْمِيَة بإلاه. - وَمعنى الإلاهة فِي اللُّغَة: الْعِبَادَة قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله :

стр. 5068

ويذرك وإلهتك قَالَ: عبادتك. فَكَمَا أَن الْعِبَادَة لَا تكون من الله سُبْحَانَهُ إِنَّمَا تكون من عباده لَهُ كَذَلِك لَا يكون الوله من الله سُبْحَانَهُ وَإِنَّمَا يكون من عباده إِلَيْهِ. إِلَى آخر مَا ذكره أَبُو عَليّ. وَأما الْبَيْت الثَّانِي فقد قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل ذكر أَبُو عبيد أَن أَبَا حَاتِم قَالَ: هَذَا الْبَيْت مَصْنُوع صنعه من لَا أحسن الله ذكره. يَعْنِي قطرباً. قَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: قَائِل هَذَا الرجز إِنَّمَا حذف الْألف للضَّرُورَة وأسكن آخِره للْوَقْف عَلَيْهِ ورقق لامه لانكسار مَا قبلهَا وَلَو لم يَأْتِ على قافية الْبَيْت المغله لأمكن أَن يَقُول: جَاءَ من أَمر اللاه فَيثبت أَلفه وَيقف على الْهَاء بِالسُّكُونِ. انْتهى.) وَأوردهُ الْفراء فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: وغدوا على حرد قَادِرين قَالَ: على حرد على حد وقدرة فِي أنفسهم. والحرد أَيْضا: الْقَصْد كَمَا يَقُول الرجل للرجل: قد أَقبلت قبلك وقصدت قصدك وحردت حردك. وَأنْشد بَعضهم: (وَجَاء سيل كَانَ من أَمر الله ... يحرد حرد الْجنَّة المغله) يُرِيد: يقْصد قَصدهَا. انْتهى. وَاسْتشْهدَ بِهِ ابْن السّكيت فِي إصْلَاح الْمنطق وَابْن الْأَنْبَارِي فِي شرح المفضليات والبيضاوي فِي

стр. 5069

قَالَ ابْن السيرافي فِي شرح أَبْيَات الْإِصْلَاح: الْجنَّة: الْبُسْتَان. والمغلة: الَّتِي فِيهَا الْغلَّة. يُقَال: أغلت إِذا خرجت فِيهَا غلَّة. - وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح الْكَامِل: هَذَا الرجز لقطرب بن المستنير وَرَوَاهُ بَعضهم: حرد الْحَيَّة المغله بِالْحَاء غير الْمُعْجَمَة وَالْيَاء. وَيجوز أَن يُرِيد بالحية الأَرْض المخصبة. يُقَال: حييت الأَرْض إِذا أخصبت وَمَاتَتْ إِذا أجدبت فَيكون مثل رِوَايَة من روى: الْجنَّة وَيكون معنى المغلة ذَات الْغلَّة. انْتهى. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الْخَامِس وَالسِّتُّونَ بعد الثَّمَانمِائَة) ولكنني من حبها لعميد على أَن الْكُوفِيّين استدلوا بِهِ على جَوَاز دُخُول اللَّام فِي خبر لَكِن. وَمنعه البصريون وَأَجَابُوا عَن هَذَا بِأَنَّهُ: إِمَّا شَاذ وَإِمَّا أَن أَصله لَكِن إِنَّنِي. وَمثله لِابْنِ هِشَام فِي الْمُغنِي قَالَ: وَلَا تدخل اللَّام فِي خَبَرهَا خلافًا للكوفيين احْتَجُّوا بقوله: ولكنني من حبها لعميد وَلَا يعرف لَهُ قَائِل وَلَا تَتِمَّة وَلَا نَظِير. ثمَّ هُوَ مَحْمُول على زِيَادَة اللَّام أَو على أَن الأَصْل: لَكِن إِنَّنِي ثمَّ حذفت الْهمزَة تَخْفِيفًا وَنون لَكِن للساكنين. انْتهى.

стр. 5070

- وَهَذَا نَص إِمَام الْكُوفِيّين الْفراء فِي تَفْسِيره: وَإِنَّمَا نصبت الْعَرَب إِذْ شددت نونها لِأَن أَصْلهَا إِن زيدت على إِن: لَام وكاف فصارتا جَمِيعًا حرفا وَاحِدًا. أَلا ترى أَن الشَّاعِر قَالَ: ولكنني من حبها لكميد فَلم تدخل اللَّام إِلَّا أَن مَعْنَاهَا إِن وَهِي فِيمَا وصلت بِهِ من أَولهَا بِمَنْزِلَة قَول الشَّاعِر: (لهنك من عبسية لوسيمة ... على هنوات كَاذِب من يَقُولهَا) وصل إِن هَاهُنَا بلام وهاء كَمَا وَصلهَا ثمَّ بلام وكاف. والحرف قد يُوصل من أَوله وَآخره. انْتهى. وَنسب ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف هَذَا الْكَلَام إِلَى الْكُوفِيّين وَقَالَ: أجَاب البصريون عَنهُ بِأَنَّهُ مَحْمُول على أَن التَّقْدِير: وَلَكِن إِنَّنِي فحذفت الْهمزَة من إِن تَخْفِيفًا فَاجْتمع أَربع نونات فحذفوا نون لَكِن استثقالاً لِاجْتِمَاع الْأَمْثَال. وَلَو حمل على مَا زعمتم فَهُوَ شَاذ لَا يكَاد يعرف لَهُ نَظِير. وَلَو كَانَ قِيَاسا لكثر فِي الْكَلَام كَمَا فِي خبر إِن. وَأما قَوْلهم إِن الأَصْل إِن ثمَّ زيدت عَلَيْهَا اللَّام وَالْكَاف قُلْنَا: لَا نسلم فَإِنَّهُ دَعْوَى بِلَا دَلِيل وَلَا نسلم أَيْضا أَن الْهَاء فِي لهنك مَعَ اللَّام زَائِدَة وَإِنَّمَا هِيَ مبدلة من ألف إِن فَإِن الْهَاء تبدل من الْهمزَة وَلِهَذَا جَازَ أَن يجمع بَين اللَّام وَبَينهَا لتغير صورتهَا. وَقد حُكيَ عَن أصحابكم فِيهِ وَجْهَان.

стр. 5071

أَحدهمَا: قَول الْفراء وَهُوَ أَن أَصله: وَالله إِنَّك فحذفت الْهمزَة من إِنَّك وَالْوَاو وَإِحْدَى) اللامين وَالْألف فَبَقيَ لهنك. - وَالْوَجْه الثَّانِي وَهُوَ قَول الْمفضل بن سَلمَة أَن أَصله لله إِنَّك فحذفت لامان والهمزة من إِن. فَسقط الِاحْتِجَاج بِهِ على كلا المذهبين. وَأما قَوْلهم: إِن الْحَرْف قد يُوصل فِي أَوله قُلْنَا: إِنَّمَا جَاءَ قَلِيلا على خلاف الأَصْل فَلَا يُقَاس عَلَيْهِ. انْتهى بِاخْتِصَار. وَاقْتصر الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمفصل على الْجَواب الثَّانِي فَقَالَ: وَقَوله: ولكنني من حبها لعميد أَصله: وَلَكِن إِنَّنِي كَمَا أَن أصل قَوْله تَعَالَى: لَكنا هُوَ الله رَبِّي: لَكِن أَنا. انْتهى. وَنقل الْعَيْنِيّ عَن البعلي بِأَن الْبَصرِيين أجابوا عَنهُ بِأَن أَصله وَلَكِن أَنا من حبها لعميد فحذفت أَقُول: هَذَا فَاسد فَإِنَّهُ يكون حِينَئِذٍ من قبيل: أم الْحُلَيْس لعجوز شهربه وَلَا يجوز تَخْرِيج الشاذ على الشاذ. مَعَ أَن الْبَصرِيين لم يَقُولُوا مَا نَقله عَنْهُم. والعميد: الَّذِي هده الْعِشْق. قَالَ الْجَوْهَرِي: عمده الْمَرَض إِذا فدحه. وَرجل

стр. 5072

معمود وعميد أَي: هده الْعِشْق. والكميد: وصف من الكمد وَهُوَ الْحزن. - وَأنْشد بعده: أم الْحُلَيْس لعجوز شهربه وَتقدم شَرحه قَرِيبا. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد السَّادِس وَالسِّتُّونَ بعد الثَّمَانمِائَة) إِن الْخَلِيفَة إِن الله سربله هُوَ صدر وعجزه: لِبَاس ملك بِهِ تزجى الخواتيم وَهنا وَقعت جملَة: إِن الله سربله: خَبرا

стр. 5073

لقَوْله: إِن الْخَلِيفَة والرابط الْهَاء فِي سربله. وَلَا يجوز فتح إِن هُنَا لِأَنَّهُ يصير فِي تَقْدِير. إِن الْخَلِيفَة سربلته وَلَا يَصح الْإِخْبَار بِالْحَدَثِ عَن اسْم الْعين وَلِهَذَا وَجب كسرهَا. وسربله: ألبسهُ يتَعَدَّى لمفعولين أَولهمَا ضمير الْخَلِيفَة وَالثَّانِي اللبَاس بِمَعْنى الثَّوْب. وَجُمْلَة بِهِ تزجي الخواتيم: صفة لملك والربط الْهَاء فِي بِهِ. - وَيجوز أَن تكون الْجُمْلَة خَبرا لإن الْخَلِيفَة وَحِينَئِذٍ جملَة إِن الله سربله لِبَاس ملك: مُعْتَرضَة بَين اسْم إِن وخبرها كَمَا قَالَ أَبُو حَيَّان فَتكون الْهَاء فِي بِهِ ضمير الْخَلِيفَة. وَيجوز أَيْضا أَن تفتح أَن على تَقْدِير اللَّام. وتزجي بالزاي وَالْجِيم. والإزجاء: السُّوق. والخواتيم: جمع خاتام لُغَة فِي الْخَاتم. يُرِيد: إِن سلاطين الْآفَاق يرسلون إِلَيْهِ خواتمهم خوفًا مِنْهُ فيضاف ملكهم إِلَى ملكه. ويروى: ترجى بالراء الْمُهْملَة من الرَّجَاء. وَهَذِه الراوية أَكثر من الأولى. وَمثل الْوَجْه الأول آيَة سُورَة الْحَج وَهِي: إِن الَّذين أمنُوا وَالَّذين هادوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وَالَّذين أشركوا إِن الله يفصل بَينهم يَوْم الْقِيَامَة قَالَ الزّجاج وَتَبعهُ صَاحب الْكَشَّاف: خبر الأولى جملَة الْكَلَام مَعَ إِن الثَّانِيَة. وَقد زعم أَن قَوْلك: إِن زيدا إِنَّه قَائِم رَدِيء وَأَن هَذِه الْآيَة صلحت فِي الَّذين. وَلَا فرق بَين الَّذين وَغَيره فِي بَاب إِن. قلت: إِن زيدا إِنَّه قَائِم كَانَ جيدا. وَمثله قَول الشَّاعِر: إِن الْخَلِيفَة إِن الله سربله وَلَيْسَ بَين الْبَصرِيين خلاف فِي أَن تدخل على كل ابْتِدَاء وَخبر تَقول: إِن زيدا إِنَّه قَائِم. انْتهى كَلَامه. وَهَذَا تَعْرِيض بالفراء فَإِنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيره: وَقَوله: إِن الَّذين أمنُوا وَالَّذين هادوا إِلَى قَوْله:) - وَأَنت لَا تَقول: إِن أَخَاك إِنَّه ذَاهِب فَجَاز ذَلِك لِأَن

стр. 5074

الْمَعْنى كالجزاء أَي: من كَانَ مُؤمنا أَو على شَيْء من هَذِه الْأَدْيَان ففصل بَينهم وحسابهم على الله. وَرُبمَا قَالَت الْعَرَب: إِن أَخَاك إِن الدَّين عَلَيْهِ لكثير فيجعلون إِن فِي خَبره إِذا كَانَ إِنَّمَا يرفع باسم مُضَاف إِلَى ذكره كَقَوْل الشَّاعِر: (إِن الْخَلِيفَة إِن الله سربله ... سربال ملك بِهِ ترجى الخواتيم) وَمن قَالَ هَذَا لم يقل: إِنَّك إِنَّك قَائِم وَلَا إِن أَبَاك إِنَّه قَائِم لِأَن الاسمين قد اخْتلفَا فَحسن رفض وَمثل الْبَيْت فِي الْوَجْهَيْنِ آيَة سُورَة الْكَهْف وَهِي قَوْله تَعَالَى: إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات إِنَّا لَا نضيع أجر من أحسن عملا. أُولَئِكَ لَهُم جنَّات عدن فَيجوز أَن يكون إِنَّا لَا نضيع ... إِلَخ خبر إِن الَّذين والرابط الْعُمُوم. وَيجوز أَن يكون الْخَبَر جملَة أُولَئِكَ لَهُم جنَّات عدن وَيكون جملَة إِنَّا لَا نضيع ... إِلَخ مُعْتَرضَة بَين اسْم إِن وخبرها. قَالَ الزّجاج: يجوز أَن يكون الْخَبَر إِنَّا لَا نضيع أجر من أحسن عملا وَمَعْنَاهُ: إِنَّا لَا نضيع أجرهم لِأَن ذكر من كذكر الَّذِي وَذكر حسن الْعَمَل كذكر الْإِيمَان فَيكون كَقَوْلِك:

стр. 5075

إِن الله لَا يضيع أجره. وَيجوز أَن يكون خبر إِن أُولَئِكَ لَهُم جنَّات عدن وَيكون قَوْله: إِنَّا لَا نضيع أجر من أحسن عملا قد فصل بِهِ بَين الِاسْم وَخَبره لِأَن فِيهِ ذكر مَا فِي الأول لِأَن من أحسن عملا بِمَنْزِلَة الَّذين آمنُوا. انْتهى. وَزَاد الْفراء وَجْهَيْن آخَرين: أَحدهمَا: أَن يكون جملَة إِنَّا لَا نضيع: بَدَلا من إِن الَّذين. وَالثَّانِي: أَن يكون الَّذين متضمناً لِمَعْنى الشَّرْط لعمومه وَجُمْلَة إِنَّا لَا نضيع الْجَزَاء بِتَقْدِير الْفَاء. وهما ضعيفان لَا يجوزان. إِن الْخَلِيفَة إِن الله سربله كَأَنَّهُ فِي الْمَعْنى: إِنَّا لَا نضيع أجر من عمل صَالحا فَترك الْكَلَام الأول وَاعْتمد على الثَّانِي بنية التكرير كَمَا قَالَ: يسئلونك عَن الشَّهْر الْحَرَام ثمَّ قَالَ: قتال فِيهِ يُرِيد عَن قتال فِيهِ بالتكرير. وَيكون أَن تجْعَل إِن الَّذين آمنُوا فِي مهب جَزَاء كَقَوْلِك: إِن من عمل صَالحا فَإنَّا لَا نضيع أجره.) فتضمر الْفَاء وإلقاؤها جَائِز. وَهُوَ أحب الْوُجُوه إِلَيّ. وَإِن شِئْت جعلت الْخَبَر أُولَئِكَ لَهُم جنَّات عدن. هَذَا كَلَامه. وَالْبَيْت الشَّاهِد من قصيدة لجرير. لَكِن الَّذِي رَأَيْته فِي ديوانه بنسخة صَحِيحَة قديمَة:

стр. 5076

يَكْفِي الْخَلِيفَة أَن الله سربله وَعَلِيهِ لَا شَاهد فِيهِ. - وَهَذِه القصيدة مدح بهَا الْعَزِيز بن الْوَلِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان ومطلعها: (أواصل أَنْت سلمى بعد معتبة ... أم صارم الْحَبل من سلمى فمصروم) (قد كنت أضمر حاجات وأكتمها ... حَتَّى مَتى طول هَذَا الوجد مَكْتُوم) وَبعد الْبَيْت الشَّاهِد: (من يُعْطه الله مِنْكُم يُعْط نَافِلَة ... وَيحرم الْيَوْم مِنْكُم فَهُوَ محروم) (قوم أبوهم أَبُو العَاصِي وأورثهم ... جرثومةً لَا تساميها الجراثيم) (قد فَازَ بالغاية الْعليا فأحرزها ... سَام خُرُوج إِذا اصطك الأضاميم) (مَا الْملك منتقل عَنْكُم إِلَى أحد ... وَلَا بناؤكم العادي مهدوم) وَهَذَا آخر القصيدة. وَجَرِير تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الرَّابِع من أول الْكتاب.

стр. 5077

وَأنْشد بعده (الشَّاهِد السَّابِع وَالسِّتُّونَ بعد الثَّمَانمِائَة) (لقد علم الْحَيّ اليمانون أنني ... إِذا قلت أما بعد إِنِّي خطيبها) على أَنه رُوِيَ أَنِّي الثَّانِيَة بِكَسْر الْهمزَة وَفتحهَا. أما الْكسر فعلى أَن جملَة: إِنِّي خطيبها: خبر أنني الْمَفْتُوحَة الْهمزَة وَلَا يجوز فتحهَا لِئَلَّا يُؤَدِّي إِلَى الْإِخْبَار بِالْحَدَثِ عَن اسْم الْعين كَمَا تقدم قبله. وَأما فتحهَا فعلى أَنَّهَا تَكْرِير للأولى على وَجه التَّأْكِيد وخطيبها: خبر أَن الأولى وَلَا خبر لِأَن الثَّانِيَة لِأَنَّهَا جَاءَت مُؤَكدَة للأولى فَهِيَ عينهَا كَمَا قَرَّرَهُ الشَّارِح فِي الْآيَة. قَالَ شَارِح اللّبَاب: كَانَ الْقيَاس إِذا قلت: أما بعد خطيبها بِدُونِ أَنِّي ليَكُون خطيبها خبر أنني وَالْبَيْت لسحبان وَائِل. وَرُوِيَ صَدره: وَقد علمت قيس بن عيلان أنني وقيس: قَبيلَة كَبِيرَة وَلها أنث علمت لَهُ. وَهُوَ فِي الأَصْل أَبُو قبائل شَتَّى. وَهُوَ لقب واسْمه النَّاس بالنُّون ابْن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان. وعيلان بِالْعينِ الْمُهْملَة وَلَيْسَ فِي الْعَرَب عيلان غَيره. وَاخْتلف فِيهِ: فَقيل: عيلان لقب مُضر وَقيل: عيلان عبد لمضر فحضن النَّاس فغلب عَلَيْهِ وَنسب إِلَيْهِ وَقيل: عيلان: اسْم فرس لقيس يُضَاف إِلَيْهِ فَيُقَال: قيس عيلان كَقَوْل العجاج: وَقيس عيلان وَمن تقيسا

стр. 5078

وَقيل غير ذَلِك. وخطيب الْقَوْم هُوَ الْمُتَكَلّم عَنْهُم لكَونه أفْصح مِنْهُم وأبلغ مَأْخُوذ من الْخطاب وَهُوَ القَوْل الَّذِي يفهمهُ الْمُخَاطب. وَيُقَال لمن يعظ الْقَوْم: خطيب أَيْضا. يُقَال: خطبهم وخطب عَلَيْهِم من بَاب قتل خطْبَة بِالضَّمِّ وَهِي فعلة بِمَعْنى مفعولة نَحْو: نُسْخَة بِمَعْنى مَنْسُوخَة وغرفة من مَاء بِمَعْنى مغروفة. ومصدره الخطابة وَهُوَ قِيَاس مركب من مُقَدمَات مَقْبُولَة أَو مظنونة من شخص مُعْتَقد فِيهِ وَالْغَرَض مِنْهَا ترغيب النَّاس فِيمَا يَنْفَعهُمْ معاشاً ومعاداً. وأنني الأولى فِي تَأْوِيل مفعول سَاد مسد مفعولي علم وَإِذا ظرف لعلم.) وَكَثِيرًا مَا تَأتي عقب الْحَمد لله وَتسَمى حِينَئِذٍ فصل الْخطاب كَأَنَّهَا فصلت بَين الْكَلَام الأول وَالثَّانِي. وَتَأْتِي عقب الْبَسْمَلَة. وَتَأْتِي ابْتِدَاء كَأَنَّهَا عقب الْفِكر والروية. وَاخْتلف فِي أول من قَالَهَا. قَالَ الزبير بن بكار: أول من قَالَ: أما بعد كَعْب بن لؤَي كَانَ يجمعهُمْ يَوْم الْجُمُعَة ويخطبهم وَكَانَ من قَوْله: أما بعد فعطموا حرمكم وزينونه وكرموه فَإِنَّهُ يخرج مِنْهُ نَبِي كريم. وَقيل: أول من قَالَهَا قس بن سَاعِدَة الْإِيَادِي كَانَ يجمع بنيه وَيَقُول لَهُم: أما بعد فَإِن المعى تكفيه البقلة وترويه المذقة إِلَى آخر

стр. 5079

كَلَامه. - وَقيل أول من قَالَهَا دَاوُد النَّبِي ﵇ قَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَالشعْبِيّ: أما بعد هِيَ فصل الْخطاب فِي قَوْله تَعَالَى: وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَة وَفصل الْخطاب. وَالصَّحِيح أَنه دَاوُد وَإِنَّمَا قيس وَقيل فصل الْخطاب فِي الْآيَة: الْبَيِّنَة على الْمُدعى وَالْيَمِين على من أنكر وَقيل: الْفَصْل بَين الْحق وَالْبَاطِل وَقيل: الْفِقْه فِي الْقَضَاء. وسحبان أوردهُ ابْن حجر فِي الْإِصَابَة فِي قسم المخضرمين الَّذين أَسْلمُوا فِي زمن النَّبِي ﷺ َ وَلم يجتمعوا بِهِ وَهُوَ سحبان بن زفر بن إِيَاس الوائلي وَائِل باهلة. خطيب مفصح يضْرب بِهِ الْمثل فِي الْبَيَان. أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَأسلم وَمَات سنة أَربع وَخمسين. وَحكى الْأَصْمَعِي قَالَ: كَانَ إِذا خطب يسيل عرقاً وَلَا يُعِيد كلمة وَلَا يتَوَقَّف وَلَا يقْعد حَتَّى يفرغ. وَقدم على مُعَاوِيَة وَفد من خُرَاسَان فيهم سعيد بن عُثْمَان فَطلب سحبان فَأتي بِهِ فَقَالَ: تكلم. فَقَالَ: انْظُرُوا لي عَصا تقوم من أودي. فَقَالُوا: وَمَا تصنع بهَا وَأَنت بِحَضْرَة أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ: مَا كَانَ يصنع بهَا مُوسَى وَهُوَ يُخَاطب ربه وَعَصَاهُ فِي يَده. فَضَحِك مُعَاوِيَة وَقَالَ: هاتوا عَصَاهُ فَأَخذهَا ثمَّ قَامَ فَتكلم من صَلَاة الظّهْر إِلَى أَن قَامَت صَلَاة الْعَصْر مَا تنحنح وَلَا سعل وَلَا توقف وَلَا ابْتَدَأَ فِي معنى فَخرج مِنْهُ وَقد بَقِي عَلَيْهِ شَيْء.) فَمَا زَالَت تِلْكَ حَالَته حَتَّى أَشَارَ مُعَاوِيَة بِيَدِهِ فَأَشَارَ إِلَيْهِ سحبان أَن لَا تقطع عَليّ كَلَامي.

стр. 5080

فَقَالَ مُعَاوِيَة: الصَّلَاة. فَقَالَ: هِيَ أمامك وَنحن فِي صَلَاة وتحميد ووعد ووعيد. فَقَالَ مُعَاوِيَة: أَنْت أَخطب الْعَرَب فَقَالَ سحبان: والعجم وَالْإِنْس وَالْجِنّ. وَمِمَّا رُوِيَ من خطبه البليغة: إِن الدُّنْيَا دَار بَلَاغ وَالْآخِرَة دَار قَرَار. أَيهَا النَّاس فَخُذُوا من دَار ممركم لدار مقركم وَلَا تهتكوا أستاركم عِنْد من لَا تخفى عَلَيْهِ أسراركم وأخرجوا من الدُّنْيَا قُلُوبكُمْ قبل أَن تخرج مِنْهَا أبدانكم فَفِيهَا حييتُمْ ولغيرها خلقْتُمْ. إِن الرجل إِذا هلك قَالَ النَّاس: مَا ترك وَقَالَت الْمَلَائِكَة: مَا قدم. قَالَ حَمْزَة الْأَصْبَهَانِيّ فِي أَمْثَاله فِي قَوْلهم: هُوَ أبلغ من سحبان وَائِل: كَانَ من خطباء الْعَرَب وبلغائها. وَفِي نَفسه يَقُول: لقد علم الْحَيّ اليمانون أنني الْبَيْت وَهُوَ الَّذِي يَقُول لطلْحَة الطلحات الْخُزَاعِيّ: (يَا طلح أكْرم من مَشى ... حسباً وَأَعْطَاهُمْ لتالد) (مِنْك الْعَطاء فَأعْطِنِي ... وَعلي مدحك فِي الْمشَاهد) فَقَالَ طَلْحَة: احتكم. فَقَالَ: برذونك الْورْد وَقصر بزرنج وغلامك الخباز وَعشرَة آلَاف دِرْهَم. فَقَالَ طَلْحَة: أُفٍّ لم تَسْأَلنِي على قدري وَإِنَّمَا سَأَلت على قدرك وَقدر باهلة وَلَو سَأَلتنِي كل قصر وَعبد ودابة لأعطيتك. ثمَّ أَمر لَهُ بِمَا سَأَلَهُ وَلم يزده شَيْئا وَقَالَ: تالله مَا رَأَيْت مَسْأَلَة مُحكم ألأم مِنْهَا. وزرنج: مَدِينَة بسجستان مَاتَ بهَا طَلْحَة الطلحات.
следующие страницы →