Полный текст (5 658 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.
стр. 5076
يَكْفِي الْخَلِيفَة أَن الله سربله وَعَلِيهِ لَا شَاهد فِيهِ.
-
وَهَذِه القصيدة مدح بهَا الْعَزِيز بن الْوَلِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان ومطلعها:
(أواصل أَنْت سلمى بعد معتبة ... أم صارم الْحَبل من سلمى فمصروم)
(قد كنت أضمر حاجات وأكتمها ... حَتَّى مَتى طول هَذَا الوجد مَكْتُوم)
وَبعد الْبَيْت الشَّاهِد:
(من يُعْطه الله مِنْكُم يُعْط نَافِلَة ... وَيحرم الْيَوْم مِنْكُم فَهُوَ محروم)
(قوم أبوهم أَبُو العَاصِي وأورثهم ... جرثومةً لَا تساميها الجراثيم)
(قد فَازَ بالغاية الْعليا فأحرزها ... سَام خُرُوج إِذا اصطك الأضاميم)
(مَا الْملك منتقل عَنْكُم إِلَى أحد ... وَلَا بناؤكم العادي مهدوم)
وَهَذَا آخر القصيدة. وَجَرِير تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الرَّابِع من أول الْكتاب.
стр. 5077
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السَّابِع وَالسِّتُّونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
(لقد علم الْحَيّ اليمانون أنني ... إِذا قلت أما بعد إِنِّي خطيبها)
على أَنه رُوِيَ أَنِّي الثَّانِيَة بِكَسْر الْهمزَة وَفتحهَا.
أما الْكسر فعلى أَن جملَة: إِنِّي خطيبها: خبر أنني الْمَفْتُوحَة الْهمزَة وَلَا يجوز فتحهَا لِئَلَّا يُؤَدِّي إِلَى الْإِخْبَار بِالْحَدَثِ عَن اسْم الْعين كَمَا تقدم قبله.
وَأما فتحهَا فعلى أَنَّهَا تَكْرِير للأولى على وَجه التَّأْكِيد وخطيبها: خبر أَن الأولى وَلَا خبر لِأَن الثَّانِيَة لِأَنَّهَا جَاءَت مُؤَكدَة للأولى فَهِيَ عينهَا كَمَا قَرَّرَهُ الشَّارِح فِي الْآيَة.
قَالَ شَارِح اللّبَاب: كَانَ الْقيَاس إِذا قلت: أما بعد خطيبها بِدُونِ أَنِّي ليَكُون خطيبها خبر أنني وَالْبَيْت لسحبان وَائِل.
وَرُوِيَ صَدره: وَقد علمت قيس بن عيلان أنني وقيس: قَبيلَة كَبِيرَة وَلها أنث علمت لَهُ. وَهُوَ فِي الأَصْل أَبُو قبائل شَتَّى. وَهُوَ لقب واسْمه النَّاس بالنُّون ابْن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان. وعيلان بِالْعينِ الْمُهْملَة وَلَيْسَ فِي الْعَرَب عيلان غَيره.
وَاخْتلف فِيهِ: فَقيل: عيلان لقب مُضر وَقيل: عيلان عبد لمضر فحضن النَّاس فغلب عَلَيْهِ وَنسب إِلَيْهِ وَقيل: عيلان: اسْم فرس لقيس يُضَاف إِلَيْهِ فَيُقَال: قيس عيلان كَقَوْل العجاج:
وَقيس عيلان وَمن تقيسا
стр. 5078
وَقيل غير ذَلِك. وخطيب الْقَوْم هُوَ الْمُتَكَلّم عَنْهُم لكَونه أفْصح مِنْهُم وأبلغ مَأْخُوذ من الْخطاب وَهُوَ القَوْل الَّذِي يفهمهُ الْمُخَاطب. وَيُقَال لمن يعظ الْقَوْم: خطيب أَيْضا.
يُقَال: خطبهم وخطب عَلَيْهِم من بَاب قتل خطْبَة بِالضَّمِّ وَهِي فعلة بِمَعْنى مفعولة نَحْو: نُسْخَة بِمَعْنى مَنْسُوخَة وغرفة من مَاء بِمَعْنى مغروفة. ومصدره الخطابة وَهُوَ قِيَاس مركب من مُقَدمَات مَقْبُولَة أَو مظنونة من شخص مُعْتَقد فِيهِ وَالْغَرَض مِنْهَا ترغيب النَّاس فِيمَا يَنْفَعهُمْ معاشاً ومعاداً.
وأنني الأولى فِي تَأْوِيل مفعول سَاد مسد مفعولي علم وَإِذا ظرف لعلم.)
وَكَثِيرًا مَا تَأتي عقب الْحَمد لله وَتسَمى حِينَئِذٍ فصل الْخطاب كَأَنَّهَا فصلت بَين الْكَلَام الأول وَالثَّانِي. وَتَأْتِي عقب الْبَسْمَلَة. وَتَأْتِي ابْتِدَاء كَأَنَّهَا عقب الْفِكر والروية.
وَاخْتلف فِي أول من قَالَهَا. قَالَ الزبير بن بكار: أول من قَالَ: أما بعد كَعْب بن لؤَي كَانَ يجمعهُمْ يَوْم الْجُمُعَة ويخطبهم وَكَانَ من قَوْله: أما بعد فعطموا حرمكم وزينونه وكرموه فَإِنَّهُ يخرج مِنْهُ نَبِي كريم.
وَقيل: أول من قَالَهَا قس بن سَاعِدَة الْإِيَادِي كَانَ يجمع بنيه وَيَقُول لَهُم: أما بعد فَإِن المعى تكفيه البقلة وترويه المذقة إِلَى آخر
стр. 5079
كَلَامه.
-
وَقيل أول من قَالَهَا دَاوُد النَّبِي ﵇ قَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَالشعْبِيّ: أما بعد هِيَ فصل الْخطاب فِي قَوْله تَعَالَى: وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَة وَفصل الْخطاب. وَالصَّحِيح أَنه دَاوُد وَإِنَّمَا قيس وَقيل فصل الْخطاب فِي الْآيَة: الْبَيِّنَة على الْمُدعى وَالْيَمِين على من أنكر وَقيل: الْفَصْل بَين الْحق وَالْبَاطِل وَقيل: الْفِقْه فِي الْقَضَاء. وسحبان أوردهُ ابْن حجر فِي الْإِصَابَة فِي قسم المخضرمين الَّذين أَسْلمُوا فِي زمن النَّبِي ﷺ َ وَلم يجتمعوا بِهِ وَهُوَ سحبان بن زفر بن إِيَاس الوائلي وَائِل باهلة. خطيب مفصح يضْرب بِهِ الْمثل فِي الْبَيَان. أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَأسلم وَمَات سنة أَربع وَخمسين.
وَحكى الْأَصْمَعِي قَالَ: كَانَ إِذا خطب يسيل عرقاً وَلَا يُعِيد كلمة وَلَا يتَوَقَّف وَلَا يقْعد حَتَّى يفرغ.
وَقدم على مُعَاوِيَة وَفد من خُرَاسَان فيهم سعيد بن عُثْمَان فَطلب سحبان فَأتي بِهِ فَقَالَ: تكلم.
فَقَالَ: انْظُرُوا لي عَصا تقوم من أودي. فَقَالُوا: وَمَا تصنع بهَا وَأَنت بِحَضْرَة أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ: مَا كَانَ يصنع بهَا مُوسَى وَهُوَ يُخَاطب ربه وَعَصَاهُ فِي يَده.
فَضَحِك مُعَاوِيَة وَقَالَ: هاتوا عَصَاهُ فَأَخذهَا ثمَّ قَامَ فَتكلم من صَلَاة الظّهْر إِلَى أَن قَامَت صَلَاة الْعَصْر مَا تنحنح وَلَا سعل وَلَا توقف وَلَا ابْتَدَأَ فِي معنى فَخرج مِنْهُ وَقد بَقِي عَلَيْهِ شَيْء.)
فَمَا زَالَت تِلْكَ حَالَته حَتَّى أَشَارَ مُعَاوِيَة بِيَدِهِ فَأَشَارَ إِلَيْهِ سحبان أَن لَا تقطع عَليّ كَلَامي.
стр. 5080
فَقَالَ مُعَاوِيَة: الصَّلَاة. فَقَالَ: هِيَ أمامك وَنحن فِي صَلَاة
وتحميد ووعد ووعيد. فَقَالَ مُعَاوِيَة: أَنْت أَخطب الْعَرَب فَقَالَ سحبان: والعجم وَالْإِنْس وَالْجِنّ.
وَمِمَّا رُوِيَ من خطبه البليغة: إِن الدُّنْيَا دَار بَلَاغ وَالْآخِرَة دَار قَرَار. أَيهَا النَّاس فَخُذُوا من دَار ممركم لدار مقركم وَلَا تهتكوا أستاركم عِنْد من لَا تخفى عَلَيْهِ أسراركم وأخرجوا من الدُّنْيَا قُلُوبكُمْ قبل أَن تخرج مِنْهَا أبدانكم فَفِيهَا حييتُمْ ولغيرها خلقْتُمْ. إِن الرجل إِذا هلك قَالَ النَّاس: مَا ترك وَقَالَت الْمَلَائِكَة: مَا قدم.
قَالَ حَمْزَة الْأَصْبَهَانِيّ فِي أَمْثَاله فِي قَوْلهم: هُوَ أبلغ من سحبان وَائِل: كَانَ من خطباء الْعَرَب وبلغائها.
وَفِي نَفسه يَقُول: لقد علم الْحَيّ اليمانون أنني الْبَيْت وَهُوَ الَّذِي يَقُول لطلْحَة الطلحات الْخُزَاعِيّ:
(يَا طلح أكْرم من مَشى ... حسباً وَأَعْطَاهُمْ لتالد)
(مِنْك الْعَطاء فَأعْطِنِي ... وَعلي مدحك فِي الْمشَاهد)
فَقَالَ طَلْحَة: احتكم. فَقَالَ: برذونك الْورْد وَقصر بزرنج وغلامك الخباز وَعشرَة آلَاف دِرْهَم. فَقَالَ طَلْحَة: أُفٍّ لم تَسْأَلنِي على قدري وَإِنَّمَا سَأَلت على قدرك وَقدر باهلة وَلَو سَأَلتنِي كل قصر وَعبد ودابة لأعطيتك.
ثمَّ أَمر لَهُ بِمَا سَأَلَهُ وَلم يزده شَيْئا وَقَالَ: تالله مَا رَأَيْت مَسْأَلَة مُحكم ألأم مِنْهَا.
وزرنج: مَدِينَة بسجستان مَاتَ بهَا طَلْحَة الطلحات.
стр. 5081
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّامِن وَالسِّتُّونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
(تالله رَبك إِن قتلت لمسلماً ... وَجَبت عَلَيْك عُقُوبَة الْمُتَعَمد)
على أَن الْكُوفِيّين استدلوا بِهِ على جَوَاز دُخُول إِن المخففة على غير الْأَفْعَال الناسخة.
وَهَذَا عِنْد الْبَصرِيين شَاذ لِأَن مَذْهَبهم إِذا خففت إِن وأهملت لَا يَليهَا غَالِبا إِلَّا فعل نَاسخ كَمَا قَالَ الشَّارِح. وَلم يُقَيِّدهُ بالماضي كَمَا قَيده ابْن مَالك لِأَن شراحه قَالُوا: لَيْسَ بِصَحِيح لقَوْله تَعَالَى: وَإِن نظنك لمن الْكَاذِبين
وَقَوله تَعَالَى: وَإِن يكَاد الَّذين كفرُوا ليزلقونك بِأَبْصَارِهِمْ.
وَأما الْكُوفِيُّونَ غير الْكسَائي فَلَا يثبتون إِن مُخَفّفَة لَا عاملة وَلَا مُهْملَة وَإِنَّمَا هِيَ عِنْدهم إِن النافية وَاللَّام بِمَعْنى إِلَّا. وَهِي عِنْد الْكسَائي مُخَفّفَة إِن دخلت على اسْم ونافية إِن دخلت على فعل.
فَقَوله: إِن قتلت لمسلماً عِنْد جَمِيع الْكُوفِيّين إِن فِيهِ نَافِيَة وَاللَّام بِمَعْنى إِلَّا.
وَعند الْبَصرِيين مُخَفّفَة مُهْملَة وَاللَّام فارقة وَمُسلمًا: مفعول قتلت وَجُمْلَة إِن قتلت لمسلماً: جَوَاب الْقسم ورَبك: صفة لله وَجُمْلَة وَجَبت ... إِلَخ اسْتِئْنَاف بياني كَأَنَّهُ قَالَ: مَا شأني فِي قتل مُسلم. وتنوين مُسلم للتعظيم والتهويل. وعقوبة الْمُتَعَمد فَاعل وَجَبت أَي: إِنَّك تعاقب بِمَا يُعَاقب بِهِ من تعمد قتل مُسلم.
وَقَالَ الْعَيْنِيّ: جملَة وَجَبت عَلَيْك جَوَاب شَرط مَحْذُوف وَالتَّقْدِير: إِنَّك
стр. 5082
إِن قتلت مُسلما وَجَبت عَلَيْك عُقُوبَة الْمُتَعَمد. هَذَا كَلَامه مَعَ أَنه لم يذكر مَا موقع جملَة إِن قتلت من الْإِعْرَاب.
وَرِوَايَة صدر الْبَيْت عِنْده: شلت يَمِينك إِن قتلت وَعَلِيهِ فالجملة اسْتِئْنَاف لبَيَان سَبَب الدُّعَاء عَلَيْهِ.
قَالَ ثَعْلَب فِي الفصيح فِي بَاب فعلت بِكَسْر الْعين: وَقد شلت يَده تشل وَلَا تشلل يدك أَي: وروى أَيْضا: هبلتك أمك إِن قتلت وثكلتك أمك وهما بِمَعْنى وَمن بَاب فَرح. يُقَال: هبلته أمه أَي: ثكلته ومصدرهما الهبل والثكل بِفتْحَتَيْنِ وَاسم الثَّانِي الثكل كقفل وَهُوَ أَن تفقد الْمَرْأَة وَلَدهَا. ووَجَبت مَعْنَاهُ حقت وَثبتت. وَرُوِيَ أَيْضا: حلت بدل وَجَبت وَهُوَ من الْحُلُول بِمَعْنى)
-
النُّزُول. وَرُوِيَ أَيْضا: إِن قتلت لفارساً.
قَالَ أَبُو عَليّ فِي البغداديات: إِن المخففة قد دخلت على الْفِعْل فِي نَحْو: إِن كَانَ ليضلنا وإِن كَانُوا ليقولون.
فَيَقُول الْقَائِل: كَيفَ دخلت على الْفِعْل مُخَفّفَة وامتنعت من الدُّخُول عَلَيْهِ مثقلة فَالْجَوَاب أَنَّهَا امْتنعت من ذَلِك مثقلة لشبهها بِالْفِعْلِ فِي إحداثها الرّفْع وَالنّصب كمل يحدثهما الْفِعْل فَمن حَيْثُ لم يدْخل الْفِعْل على الْفِعْل لم تدخل هِيَ أَيْضا عَلَيْهِ.
وَأَصلهَا أَنَّهَا حرف تَأْكِيد وَإِن كَانَ لَهَا هَذَا الشّبَه الَّذِي ذكرنَا بِالْفِعْلِ. وَإِذا خففت زَالَ شبه
стр. 5083
الْفِعْل عَنْهَا فَلم تمْتَنع من الدُّخُول على الْفِعْل إِذْ كَانَت الْجمل الخبرية على ضَرْبَيْنِ: مُبْتَدأ وَخبر وَفعل وفاعل.
وَقد تحْتَاج المركبة من الْفِعْل وَالْفَاعِل من التَّأْكِيد إِلَى مثل مَا تحْتَاج إِلَيْهِ المركبة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر فَدخلت المخففة على الْفِعْل مُؤَكدَة إِذا كَانَ أَصْلهَا التَّأْكِيد وَزَالَ الْمَعْنى الَّذِي لَهُ كَانَ امْتنع من الدُّخُول على الْفِعْل وَهُوَ شبهها بِهِ.
ولزوال شبهه بِالْفِعْلِ اختير فِي الِاسْم الْوَاقِع بعده الرّفْع وَجَاء أَكثر الْقِرَاءَة على ذَلِك. وَمن حَيْثُ اختير الرّفْع فِي الِاسْم الْوَاقِع بعْدهَا جَازَ دُخُولهَا على الْفِعْل.
فَأَما اللَّام الَّتِي تصحبها مُخَفّفَة ف هِيَ للْفرق بَينهَا وَبَين إِن الَّتِي تَجِيء نَافِيَة بِمَعْنى مَا وَلَيْسَت هَذِه اللَّام بِالَّتِي تدخل على خبر إِن الْمُشَدّدَة الَّتِي هِيَ للابتداء لِأَن تِلْكَ كَانَ حكمهَا أَن تدخل على إِن فأخرت إِلَى الْخَبَر لِئَلَّا يجْتَمع تأكيدان إِذْ كَانَ الْخَبَر هُوَ الْمُبْتَدَأ فِي الْمَعْنى وَمَا هُوَ وَاقع موقعه وراجع إِلَيْهِ.
-
فَهِيَ لَا تدخل إِلَّا على الْمُبْتَدَأ أَو على خبر إِن إِذْ كَانَ إِيَّاه فِي الْمَعْنى أَو مُتَعَلقا بِهِ. ولاتدخل من الْفِعْل إِلَّا على مَا كَانَ مضارعاً وَاقعا فِي خبر إِن وَكَانَ فعلا للْحَال.
فَإِذا لم تدخل إِلَّا على مَا ذكرنَا لم يجز أَن تكون هَذِه اللَّام الَّتِي تصْحَب إِن الْخَفِيفَة إِيَّاهَا إِذْ لَا جَائِز دُخُول لَام الِابْتِدَاء على الْفِعْل الْمَاضِي. وَقد وَقع بعد إِن هَذِه الْفِعْل نَحْو: إِن كَادُوا وإِن وجدنَا أَكْثَرهم لفاسقين وَقد جَاوَزت الْأَفْعَال الْوَاقِعَة بعد إِن فَعمِلت فِيمَا بعد اللَّام. وَمَعْلُوم أَن لَام
стр. 5084
الِابْتِدَاء الَّتِي تدخل فِي خبر إِن الشَّدِيدَة لَا يعْمل الْفِعْل الَّذِي قبلهَا فِيمَا بعْدهَا وَذَلِكَ نَحْو: وَإِن كُنَّا عَن عبادتكم)
لغافلين وَقَول الْقَائِل:
(هبلتك أمك إِن قتلت لفارساً ... حلت عَلَيْك عُقُوبَة الْمُتَعَمد)
فَلَمَّا عمل الْفِعْل فِيمَا بعد اللَّام علم أَنَّهَا لَيست الَّتِي تدخل فِي خبر إِن الشَّدِيدَة. وَلَيْسَت أَيْضا الَّتِي تدخل على الْفِعْل الْمُسْتَقْبل والماضي للقسم نَحْو: ليفعلن ولفعلوا.
وَلَو كَانَت تِلْكَ للَزِمَ الْفِعْل الَّذِي تدخل عَلَيْهِ إِحْدَى النونين فَلَمَّا لم تلْزم علم أَنَّهَا لَيست إِيَّاه. قَالَ تَعَالَى: إِن كَاد ليضلنا عَن آلِهَتنَا وإِن كَانُوا ليقولون فَلم تلْزم النُّون.
وَحكى سِيبَوَيْهٍ أَن هَذِه النُّون قد لَا تلْزم الْفِعْل الْمُسْتَقْبل فِي الْقسم فَيُقَال: وَالله لتفعل وَهُوَ يُرِيدُونَ لتفعلن. قَالَ: إِلَّا أَن الْأَكْثَر على ألسنتهم مَا أعلمتك من دُخُول إِحْدَى النونين فَلَا يَنْبَغِي أَن تَقول: إِن هَذِه اللَّام هِيَ الَّتِي فِي لتفعلن فَتحمل الْآي الَّتِي تلوناها على الْأَقَل فِي الْكَلَام.
-
على أَن هَذِه اللَّام لَو كَانَت هِيَ الَّتِي ذكرنَا أَنَّهَا للقسم وَتدْخل على الْمُسْتَقْبل والماضي لم تدخل على الْأَسْمَاء فِي مثل: إِن كُنَّا عَن عبادتكم لغافلين وإِن قتلت لفارساً.
وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنَّهَا لَا تعلق الْأَفْعَال الملغاة قبل إِن إِذا وَقعت فِي حيزها كَمَا تعلقهَا الَّتِي تدخل على الْخَبَر. فقد ثَبت بِمَا ذكرنَا أَن هَذِه اللَّام مَعَ إِن المخففة لَيست الَّتِي مَعَ إِن الْمُشَدّدَة وَلَا الَّتِي تدخل على الْفِعْل للقسم لَكِنَّهَا للفصل بَينهَا وَبَين إِن النافية. فَهَذَا حَقِيقَة إِن الْخَفِيفَة وَاللَّام الَّتِي مَعهَا عِنْدِي. انْتهى كَلَامه.
وَقد نقل الشَّارِح الْمُحَقق الْجَواب عَن عدم تَعْلِيق اللَّام.
стр. 5085
ثمَّ قَالَ أَبُو عَليّ: وَإِذا ثَبت أَن هَذِه اللَّام لَيست للابتداء لم يمْتَنع أَن تنفتح أَن إِذا كَانَت هَذِه اللَّام مَعهَا وَدخل عَلَيْهِ مَا يُوجب فتحهَا إِذْ اللَّام الْمَانِعَة من انفتاح أَن غَيرهَا.
فَلَو أدخلنا علمت فِي مثل: إِن وَجدك زيد لكاذبا وَجب انفتاح أَن إِذْ لَيْسَ فِي الْكَلَام شَيْء يعلق الْفِعْل عَنْهَا وَلم يجب أَن يكون فِي أَن ضمير الْقِصَّة من هَذِه الْمَسْأَلَة كَمَا تَقول: إِن فِي مثل قَوْله تَعَالَى: أَن سَيكون مِنْكُم ضميراً لِأَن هَذَا الضَّمِير إِنَّمَا يكون فِي أَن المخففة من أَن الْمُشَدّدَة.
وَلَيْسَت هَذِه تِلْكَ إِنَّمَا هِيَ الَّتِي قبل دُخُول الْفِعْل عَلَيْهَا أَن الَّتِي لَا تمْتَنع من الدُّخُول على الْفِعْل لزوَال الْعلَّة الَّتِي كَانَت تَمنعهُ من الدُّخُول عَلَيْهِ وَهِي ثَقيلَة.
فَكَمَا تَقول فِي حَال انكسارها: لَا ضمير فِيهَا كَذَلِك تَقول فِي حَال انفتاحها بعد الْفِعْل فَإِذا)
قُلْنَا: علمت أَن وَجدك زيد كَاذِبًا لم تدخل اللَّام كَمَا كَانَت تدخل قبل دُخُول علمت وَلم يمْنَع الْفِعْل من فتح أَن شَيْء وَارْتَفَعت الْحَاجة إِلَى اللَّام مَعَ دُخُول علمت.
وَإِذا فتحت لم تَلْتَبِس بإن الَّتِي مَعْنَاهَا مَا وَلَوْلَا فتحهَا إِيَّاهَا لاحتيج إِلَى اللَّام لِأَن علمت من الْمَوَاضِع الَّتِي يَقع فِيهَا النَّفْي كَمَا وَقع بعد ظَنَنْت فِي نَحْو قَوْله:
وظنوا مَا لَهُم من محيص فَلَو بقيت إِن على كسرهَا بعد علمت للزمتها اللَّام وَكَانَ ذَلِك وَاجِبا لتخليصه من النَّفْي. فَإِذا لم تبْق على الكسرة فَلَا ضَرُورَة إِلَى اللَّام.
فَإِن شِئْت قلت: إِذا أدخلت علمت عَلَيْهَا حذفت اللَّام لزوَال الْمَعْنى الَّذِي كَانَت اللَّام اجتلبت لَهُ بِدُونِ علمت. وَإِن شِئْت قلت: أتركها وَلَا احذفها فَتكون كالأشياء الَّتِي تذكر تَأْكِيدًا من غير ضَرُورَة إِلَيْهِ. وَذَلِكَ كثير فِي الْكَلَام. انْتهى كَلَامه. وَلم أره لغيره وَهُوَ غَرِيب يحْتَاج فِي إثْبَاته إِلَى السماع.
стр. 5086
هَذَا وَالْبَيْت لعاتكة بنت زيد بن عَمْرو بن نفَيْل من أَبْيَات رثت بهَا زَوجهَا الزبير بن الْعَوام وَقد قَتله عَمْرو بن جرموز الْمُجَاشِعِي غدراً بعد انْصِرَافه من وقْعَة الْجمل.
وَذَلِكَ أَن الزبير كَانَ خرج مَعَ عَائِشَة ﵄ فِي وقْعَة الْجمل وَلما حمي الْقِتَال ناداه عَليّ ﵁ فَقَالَ لَهُ: أنْشدك الله يَا زبير أما تذكر يَوْم قَالَ لَك رَسُول الله ﷺ َ: يَا زبير أَتُحِبُّ عليا قلت: وَمَا يَمْنعنِي من حبي وَهُوَ ابْن خَالِي فَقَالَ: ستقاتله وَأَنت ظَالِم لَهُ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ بلَى قد كَانَ ذَلِك وَلَكِنِّي قد أنسيت ذَلِك.
فَانْصَرف الزبير من الْحَرْب آخِذا طَرِيق مَكَّة فنول على قوم من تَمِيم فأضافه ابْن جرموز وَخرج مَعَه إِلَى وَادي السبَاع وَهُوَ على أَرْبَعَة فراسخ من الْبَصْرَة وَأَرَادَ أَنه يُرِيد مسايرته فَقتله غيلَة وَذَلِكَ فِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ من الْهِجْرَة. ورثته زَوجته بِهَذِهِ الأبيات:
(غدر ابْن جرموز بِفَارِس بهمة ... يَوْم اللِّقَاء وَكَانَ غير معرد)
(يَا عَمْرو لَو نبهته لوجدته ... لَا طائشاً رعش الْجنان وَلَا الْيَد)
(شلت يَمِينك إِن قتلت لمسلماً ... حلت عَلَيْك عُقُوبَة الْمُتَعَمد)
(إِن الزبير لذُو بلَاء صَادِق ... سمح سجيته كريم المشهد)
(كم غمرة قد خاضها لم يثنه ... عَنْهَا طرادك يَا ابْن فقع القردد)
(فَاذْهَبْ فَمَا ظَفرت يداك بِمثلِهِ ... فِيمَا مضى مِمَّن يروح وَيَغْتَدِي))
стр. 5087
قَالَ الزبير بن بكار فِي أَنْسَاب قُرَيْش: تزوج عبد الله بن أبي بكر الصّديق رض الله تَعَالَى عَنْهُمَا عَاتِكَة بنت زيد بن عَمْرو بن نفَيْل وَكَانَت حسناء جميلَة ذَات خلق بارع فشغلته عَن مغازيه فَأمره أَبوهُ بِطَلَاقِهَا فَقَالَ:
(يَقُولُونَ طَلقهَا وخيم مَكَانهَا ... مُقيما عَلَيْك الْهم أَحْلَام نَائِم)
(وَإِن فراقي أهل بَيت جمعتهم ... على كبرة مني لإحدى العظائم)
ثمَّ طَلقهَا فَمر بِهِ أَبوهُ وَهُوَ يَقُول:
(فَلم أر مثلي طلق الْيَوْم مثلهَا ... وَلَا مثلهَا فِي غير جرم تطلق)
...
стр. 5088
(لَهَا خلق جزل ورأي ومنصب ... وَخلق سوي فِي الْحَيَاة ومصدق)
فرق لَهُ أَبوهُ وَأمره فَرَاجعهَا. ثمَّ شهد مَعَ النَّبِي ﷺ َ غَزْوَة الطَّائِف فَأَصَابَهُ سهم فَمَاتَ مِنْهُ بعد بِالْمَدِينَةِ فَقَالَت عَاتِكَة تبكيه:
(فآليت لَا تنفك عَيْني حزينةً ... عَلَيْك وَلَا يَنْفَكّ جلدي أغبرا)
(فَللَّه عينا من رأى مثله فَتى ... أكر وأحمى فِي الْهياج وأصبرا)
(إِذا شرعت فِيهِ الأسنة خاضها ... إِلَى الْمَوْت حَتَّى يتْرك الرمْح أحمرا)
ثمَّ تزَوجهَا عمر بن الْخطاب فأولم عَلَيْهَا فَكَانَ فِيمَن دَعَا عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فَقَالَ لَهُ عَليّ: دَعْنِي أكلم عَاتِكَة. فَقَالَ: كلمها يَا أَبَا الْحسن فَأخذ عَليّ بِجَانِب الخدر ثمَّ قَالَ: يَا عدية نَفسهَا:)
(فآليت لَا تنفك عَيْني حزينةً ... عَلَيْك وَلَا يَنْفَكّ جلدي أغبرا)
فَبَكَتْ فَقَالَ عمر: مَا دعَاك إِلَى هَذَا يَا أَبَا الْحسن كل النِّسَاء يفعل هَذَا.
ثمَّ قتل عَنْهَا عمر رض الله تَعَالَى عَنهُ فَقَالَت تبكيه:
(عين جودي بعبرة ونحيب ... لَا تملي على الْجواد النجيب)
...
стр. 5089
(فجعتني الْمنون بالفارس المع ... لم يَوْم الْهياج والتثويب)
(قل لأهل الضراء والبأس موتوا ... مذ سقته الْمنون كأس شعوب)
ثمَّ تزَوجهَا الزبير بن الْعَوام رض الله تَعَالَى عَنهُ فَكَانَت تخرج إِلَى الْمَسْجِد لَيْلًا وَكَانَ يكره خُرُوجهَا ويحرج من منعهَا فَخرجت لَيْلَة إِلَى الْمَسْجِد وَخرج الزبير فسبقها إِلَى مَكَان مظلم من طريقها فَلَمَّا مرت بِهِ وضع يَده على بعض جَسدهَا فَرَجَعت تبْكي ثمَّ لم تخرج بعْدهَا فَقَالَ لَهَا الزبير: مَا لَك لَا تخرجين إِلَى الْمَسْجِد كَمَا كنت تفعلين فَقَالَت: فسد النَّاس فَقَالَ: أَنا فعلت ذَلِك فَقَالَت: أَلَيْسَ يقدر غَيْرك أَن يفعل مثله فَلم تخرج حَتَّى قتل عَنْهَا الزبير فَقَالَت ترثيه: غدر ابْن جرموز بِفَارِس بهمة الأبيات السَّابِقَة.
وخطبها عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بعد قتل الزبير فَأرْسلت إِلَيْهِ تَقول: إِنِّي لأضن بِابْن عَم رَسُول الله ﷺ َ عَن الْقَتْل. انْتهى. كَلَام الزبير بن بكار.
وَقد تقدم تَرْجَمَة والدها زيد فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالسبْعين بعد الأربعمائة.
وَأنْشد بعده:
(فَلَو أَنَّك فِي يَوْم الرخَاء سَأَلتنِي ... طَلَاقك لم أبخل وَأَنت صديق)
стр. 5090
على أَن أَن المخففة الْمَفْتُوحَة لَا تعْمل فِي الضَّمِير إِلَّا فِي الشّعْر.
وَتقدم عَلَيْهِ الْكَلَام فِي الشَّاهِد الثَّامِن بعد الأربعمائة.
وَأنْشد بعده
(بأنك ربيع وغيث مريع ... وَأَنَّك هُنَاكَ تكون الثمالا)
لما تقدم قبله.
وَمثله فِي الْمُغنِي لِابْنِ هِشَام قَالَ: وَشرط اسْم أَن المخففة أَن يكون ضميراً محذوفاً وَرُبمَا ثَبت كَقَوْلِه:)
فَلَو أَنَّك فِي يَوْم الرخَاء سَأَلتنِي ... ... ... ... الْبَيْت
وَهُوَ مُخْتَصّ بِالضَّرُورَةِ على الْأَصَح. وَشرط خَبَرهَا أَن يكون جملَة وَلَا يجوز إِفْرَاده إِلَّا إِذا ذكر الِاسْم فَيجوز الْأَمْرَانِ.
وَقد اجْتمعَا فِي قَوْله: بأنك ربيع وغيث مريع ... ... ... ... الْبَيْت انْتهى.
وَتقدم فِي شرح الْبَيْت السَّابِق من بَاب الْمُضمر أَن اسْمهَا عِنْد التَّخْفِيف يجب أَن يكون ضمير شَأْن مَحْذُوف. ونقلنا هُنَاكَ نَص سِيبَوَيْهٍ.
فَفِي هَذَا الْبَيْت شذوذ من وَجه آخر وَهُوَ كَون اسْمهَا غير ضمير شَأْن. وَجوزهُ بَعضهم. وَإِلَى الأول يُشِير كَلَام ابْن هِشَام حَيْثُ قَالَ: وَرُبمَا ثَبت أَي: اسْمهَا. وَإِلَى الثَّانِي ذهب ابْن مَالك وَأَبُو قَالَ الأول: إِذا أمكن جعل
стр. 5091
الضَّمِير الْمَحْذُوف ضمير حَاضر أَو غَائِب غير الشَّأْن فَهُوَ أولى.
وَقَالَ الثَّانِي: لَا يلْزم أَن يكون ضمير الشَّأْن كَمَا زعم بعض أَصْحَابنَا بل إِذا أمكن تَقْدِيره بِغَيْرِهِ قدر.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي: وناديناه أَن يَا إِبْرَاهِيم قد صدقت بأنك قد صدقت. وَفِي قَوْلهم: أرسل إِلَيْهِ أَن مَا أَنْت وَذَا أَي: بأنك مَا أَنْت وَذَا. انْتهى.
هَذَا. وَقد روى الْبَيْت أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات وَإِبْرَاهِيم الحصري فِي زهر الْآدَاب والشريف فِي حماسته هَكَذَا:
(بأنك كنت الرّبيع المغيث ... لمن يعتريك وَكنت الثمالا)
وَحِينَئِذٍ لَا شَاهد فِيهِ.
وَالْبَيْت من قصيدة عدتهَا عشرُون بَيْتا أوردهَا صَاحب زهر الْآدَاب. وَأورد
الشريف مِنْهَا فِي حماسته ثَمَانِيَة أَبْيَات وَأَبُو حنيفَة ثَلَاثَة أَبْيَات وَقَالُوا: هِيَ لجنوب رثت بهَا أخاها عمرا ذَا الْكَلْب وَهِي:
(سَأَلت بِعَمْرو أخي صَحبه ... فأفظعني حِين ردوا السؤالا)
(فَقَالُوا: أتيح لَهُ نَائِما ... أعر السبَاع عَلَيْهِ أحالا)
(فأقسمت يَا عَمْرو لَو نبهاك ... إِذن نبها مِنْك أمرا عضالا))
(إِذن نبها لَيْث عريسة ... مُفِيدا مفيتاً نفوساً ومالا)
(إِذن نبها غير رعديدة ... وَلَا طائشاً دهشاً حِين صالا)
...
стр. 5092
(هزبراً فروساً لأعدائه ... هصوراً إِذا لَقِي الْقرن صالا)
(هما مَعَ تصرف ريب الْمنون ... من الأَرْض ركنا ثبيتاً أمالا)
(هما يَوْم حم لَهُ يَوْمه ... وَقَالَ أَخُو فهم بطلاً وفالا)
(وَقَالُوا قَتَلْنَاهُ فِي غَارة ... بِآيَة أَن قد ورثنا النبالا)
(فَهَلا إِذن قبل ريب الْمنون ... فقد كَانَ رجلا وكنتم رجَالًا)
(وَقد علمت فهم عِنْد اللقا ... بِأَنَّهُم لَك كَانُوا نفالا)
(كَأَنَّهُمْ لم يحسوا بِهِ ... فيخلوا النِّسَاء لَهُ والحجالا)
(وَلم ينزلُوا بمحول السنين ... بِهِ فَيَكُونُوا عَلَيْهِ عيالا)
(وَقد علم الضَّيْف والمرملون ... إِذا اغبر أفق وهبت شمالا)
(بأنك كنت الرّبيع المغيث ... لمن يعتريك وَكنت الثمالا)
(وخرق تجاوزت مجهوله ... بوجناء حرف تشكى الكلالا)
(وَحي أبحت وَحي منحت ... غَدَاة اللِّقَاء منايا عجالا)
(وَكم من قبيل وَإِن لم تكن ... أردتهم مِنْك باتوا وجالا)
قَالَ السكرِي فِي شرح هَذِه القصيدة قَالَ أَبُو عَمْرو: قَالَت هَذِه القصيدة عمْرَة بنت العجلان أُخْت عَمْرو ذِي الْكَلْب بن العجلان الْكَاهِلِي ترثي أخاها عمرا. انْتهى.
стр. 5093
ونسبها غَيره لأخته جنوب. قَالَ الشريف: كَانَ عَمْرو خرج غازياً فهبط وَاديا من أَوْدِيَتهمْ فَنَامَ فِيهِ فَوَثَبَ عَلَيْهِ نمران فأكلاه.
وَقَالَ صَاحب زهر الْآدَاب: قَالَ عمر بن شبة: كَانَ عَمْرو هَذَا يَغْزُو فهما فَيُصِيب نمهم فوضعوا لَهُ رصداً على المَاء فَأَخَذُوهُ فَقَتَلُوهُ ثمَّ مروا بأخته جنوب فَقَالُوا: طلبنا أَخَاك فَقَالَت: لَئِن طلبتموه لتجدنه منيعاً وَلَئِن وصفتموه لتجدنه مريعاً وَلَئِن دعوتموه لتجدنه سَرِيعا.
وَالله لَئِن سلبتموه لَا تَجِدُونَ ثنته وافية وَلَا حجزته جافية ولرب ثدي مِنْكُم قد افترشه وَنهب قد احتوشه وضب قد احترشه. ثمَّ قَالَت هَذِه الأبيات. انْتهى.
-
وَقَوْلها: سَأَلت بِعَمْرو الْبَاء بِمَعْنى عَن وَأخي: عطف بَيَان وَصَحبه: مفعول سَأَلت وَهُوَ)
مُضَاف إِلَى ضمير عَمْرو. وصحب: جمع صَاحب كشهد جمع شَاهد. وأفظعني: هدني قبحه وشدته. يُقَال: أفظع الْأَمر إفظاعاً وفظع فظاعة إِذا جَاوز الْحَد فِي وأتيح: مَجْهُول أتاح الله لَهُ بِالْمُثَنَّاةِ والحاء الْمُهْملَة بِمَعْنى قضى وَقدر. وَالْهَاء فِي لَهُ لعَمْرو ونائماً: حَال مِنْهَا وأعر السبَاع: نَائِب فَاعل أتيح وَهُوَ من
стр. 5094
العرارة بِالْعينِ وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَهُوَ سوء الْخلق. وأحَال بِالْحَاء الْمُهْملَة قَالَ السكرِي: أَي ركب عَلَيْهِ فَقتله وَأكله. ونمرا أجبل: مثنى نمر مُضَاف إِلَى أجبل: جمع جبل.
وتصحفت هَذِه الْكَلِمَة على الْعَيْنِيّ فَقَالَ: قَوْلهَا نمرا جيئل أَي: نمران من جيئل أَي: سبعان من جيئل. والنمر: السَّبع. والجيئل بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْيَاء وَفتح الْهمزَة وَهُوَ الضبع. وَهَذَا كَلَامه وَهُوَ تَحْرِيف قطعا.
وروى الْعَيْنِيّ: وثالا بدل منالا وَقَالَ: ثالا بالثاء الْمُثَلَّثَة يُقَال: ثال عَلَيْهِ الْقَوْم إِذا علوه بِالضَّرْبِ. والْمنون: الْمَوْت. وحمام الْمنون: الْمُقدر. قَالَ السكرِي: قَالَ أَبُو عَمْرو: فنالا وَمَا نَالَ ثمَّ قبالا وَهَذَا الْبَيْت سَاقِط من رِوَايَة الْعَيْنِيّ.
وَقَوْلها: فأقسمت ... إِلَخ هَذَا الْتِفَات من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب. وَضمير الْمثنى فِي نبهاك
وَقَوْلها: لَيْث عريسة قَالَ الْجَوْهَرِي: العريس والعريسة: مأوى الْأسد. والمفيد مَعْنَاهُ معطي الْفَائِدَة وآخذ الْفَائِدَة كَذَا ورد بالمعنيين. ومفيت بِالْفَاءِ قَالَ السكرِي: أَي مهلك النُّفُوس وَالْمَال.
وتصحفت هَذِه الْكَلِمَة على الْعَيْنِيّ فرواها بِالْقَافِ وَقَالَ: مقيتاً أَي: مقتدراً كَالَّذي يُعْطي كل رجل قوته. وَيُقَال المقيت: الْحَافِظ للشَّيْء وَالشَّاهِد لَهُ. والنفوس يرجع إِلَى المقيت وَالْمَال يرجع إِلَى الْمُفِيد. هَذَا كَلَامه
стр. 5095
والهزبر: الْأسد الضخم الشَّديد. والفروس: الْكثير الافتراس للمصيد. وهصور من الهصر وَهُوَ الجذب وَالْأَخْذ بِقُوَّة. والْقرن بِالْكَسْرِ. وَهَذَا الْبَيْت سَاقِط من رِوَايَة الْعَيْنِيّ. وريب الْمنون: حوادث الدَّهْر. قَالَ السكرِي: ثبيت: ثَابت وروى غَيره بدله: شَدِيدا.)
وَقَوْلها: هما يَوْم حم ... إِلَخ قَالَ السكرِي: هما يَعْنِي النمرين. وحم: قضى وَقدر. وفال بِالْفَاءِ أَي: اخطأ. رجل فائل الرَّأْي وفيل أَي: ضَعِيف الرَّأْي. وفهم: قَبيلَة وَلِهَذَا مَنعه الصّرْف.
وَقَوْلها: وَنحن قَتَلْنَاهُ فِي غَارة ورجل قَالَ السكرِي: هُوَ الرجل يُقَال: رجل وَرجل أَي: بِسُكُون الْجِيم وَضمّهَا.
وروى غَيره: فَذا بدل رجلا. والفذ بِالْفَاءِ والذال الْمُعْجَمَة هُوَ الْفَرد. والنفال: الْغَنَائِم جمع نفل بِفتْحَتَيْنِ وَهِي الْغَنِيمَة.
-
وَقَوْلها: كَأَنَّهُمْ لم يحسوا بِهِ. . إِلَخ من حسست بالْخبر من بَاب تَعب أَي: عَلمته وشعرت بِهِ. ويخلوا من أخليته أَي: جعلته خَالِيا. والحجال: جمع حجلة بِالتَّحْرِيكِ وَهِي بَيت يزين بالثياب والأسرة والستور. والمحول: جمع مَحل وَهُوَ الْقَحْط.
стр. 5096
وَقَوْلها: وَقد علم الضَّيْف والمرملون هُوَ من أرمل الْقَوْم إِذا نفد زادهم. وروى بدله السكرِي: والمجتدون وَقَالَ: هم الطالبون الجدا وَهِي الْعَطِيَّة. وفاعل هبت ضمير الرّيح وَإِن لم يجر لَهَا ذكر لفهمها من قَوْلهَا إِذا اغبر أفق فَإِن اغبراره إِنَّمَا يكون فِي الشتَاء لِكَثْرَة الأمطار وَاخْتِلَاف الرِّيَاح. والشمَال بِالْفَتْح وَيكسر: ريح تهب من نَاحيَة القطب وَهُوَ حَال وَإِنَّمَا خصت هَذَا الْوَقْت بِالذكر لِأَنَّهُ وَقت تقل فِيهِ الأرزاق وتنقطع السبل ويثقل فِيهِ الضَّيْف فالجود فِيهِ غَايَة لَا تدْرك.
(وخلت عَن اولادها المرضعات ... وَلم تَرَ عين لمزن بِلَالًا)
وَقَالَ: إِنَّمَا خلت أَوْلَادهَا من الإعواز لم يجدن قوتاً. واغبرار الْأُفق من الجدب. وَأَرَادَ: هبت الرّيح شمالاً. وَهِي تضمر وَإِن لم تذكر لِكَثْرَة مَا تذكر. انْتهى. والمزن: السَّحَاب. والبلال بِالْكَسْرِ: البلل.
قَوْلهَا: بأنك ربيع. . إِلَخ الرّبيع هُنَا: ربيع الزَّمَان. قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي بَاب مَا يَضَعهُ النَّاس غير مَوْضِعه وَهُوَ أول كِتَابه أدب الْكَاتِب: وَمن ذَلِك الرّبيع يذهب النَّاس إِلَى أَنه الْفَصْل الَّذِي يتبع)
الشتَاء وَيَأْتِي فِيهِ الْورْد والنور وَلَا يعْرفُونَ الرّبيع غَيره. وَالْعرب تخْتَلف فِي ذَلِك:
فَمنهمْ من يَجْعَل الرّبيع الْفَصْل الَّذِي تدْرك فِيهِ الثِّمَار وَهُوَ الخريف وَفصل الشتَاء بعده ثمَّ فصل الصَّيف بعد الشتَاء وَهُوَ الْوَقْت الَّذِي تَدعُوهُ الْعَامَّة الرّبيع ثمَّ فصل القيظ بعده وَهُوَ الَّذِي تَدعُوهُ الْعَامَّة الصَّيف.
وَمن الْعَرَب من يُسَمِّي الْفَصْل الَّذِي تدْرك فِيهِ الثِّمَار وَهُوَ الخريف: الرّبيع الأول. ويسمي الْفَصْل الَّذِي يتلوه الشتَاء وَيَأْتِي فِيهِ الكمأة والنور: الرّبيع الثَّانِي. وَكلهمْ مجمعون على أَن الخريف هُوَ الرّبيع. انْتهى.
стр. 5097
قَالَ شَارِحه ابْن السَّيِّد: مَذْهَب الْعَامَّة فِي الرّبيع هُوَ مَذْهَب الْمُتَقَدِّمين لأَنهم كَانُوا يجْعَلُونَ حُلُول الشَّمْس بِرَأْس الْحمل أول الزَّمَان وشبابه. وَأما الْعَرَب فَإِنَّهُم جعلُوا حُلُول الشَّمْس بِرَأْس الْمِيزَان أول فُصُول السّنة الْأَرْبَعَة وسموه الرّبيع.
وَأما حُلُول الشَّمْس بِرَأْس الْحمل فَكَانَ مِنْهُم من يَجعله ربيعاً ثَانِيًا فَيكون فِي السّنة على مَذْهَبهم ربيعان.
وَكَانَ مِنْهُم من لَا يَجعله ربيعاً ثَانِيًا فَيكون فِي السّنة على مَذْهَبهم ربيع وَاحِد. وَأما الربيعان من الشُّهُور فَلَا خلاف بَينهم أَنَّهُمَا اثْنَان: ربيع الأول وربيع الآخر. انْتهى. والْغَيْث: الْمَطَر والكلأ ينْبت بِمَاء السَّمَاء وَالْمرَاد بِهِ هَذَا لوصفه بالمريع وَهُوَ الخصيب بِفَتْح الْمِيم وَضمّهَا. وَفِي الْقَامُوس: مرع الْوَادي مُثَلّثَة الرَّاء مراعة: أكلأ كأمرع. والثمال بِكَسْر الْمُثَلَّثَة قَالَ الدينَوَرِي: هُوَ الذخر وَقَالَ غَيره: هُوَ الغياث.
وَقَوْلها: خرق هُوَ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة: الفلاة الواسعة تتخرق فِيهَا الرِّيَاح. ومَجْهُولَة: الَّذِي لَا يسْلك. والوجناء بِالْجِيم: النَّاقة الشَّدِيدَة. والْحَرْف: الضامرة الصلبة. وتشكى مضارع أَصله تتشكى بتاءين. والكلال: الإعياء.
وَقَوْلها: وَحي أبحت أَي: رب قَبيلَة جَعلتهَا مُبَاحَة للناهبين وَرب قَبيلَة أَعطيتهم المنايا يَوْم
وَرُوِيَ أَيْضا: وَحيا أبحت وَحيا منحت والمنايا: جمع منية وَهِي الْمَوْت. والعجال بِالْكَسْرِ: جمع عجل بِفَتْح فضم بِمَعْنى عَاجل)
كَمَا يجمع رجل على رجال.
стр. 5098
والْقَبِيل هُنَا: جمع قَبيلَة. والوجال: جمع وَجل بِفَتْح فَكسر وَهُوَ الْخَائِف من الوجل بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْخَوْف. وجنوب صَاحِبَة الشّعْر هِيَ امْرَأَة شاعرة جَاهِلِيَّة بِفَتْح الْجِيم وَضم النُّون. وأخوها عَمْرو جاهلي أَيْضا وَهُوَ ابْن العجلان بن عَامر بن برد بن مُنَبّه أحد بني كَاهِل بن لحيان بن هُذَيْل.
وَسمي ذَا الْكَلْب لِأَنَّهُ كَانَ لَا يُفَارِقهُ كلب لَهُ قَالَه ابْن الْأَعرَابِي.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: لم يكن لَهُ كلب لَا يُفَارِقهُ وَإِنَّمَا خرج غازياً وَمَعَهُ كلب يصطاد بِهِ فَقَالَ لَهُ أَصْحَابه: يَا ذَا الْكَلْب. فثبتت عَلَيْهِ. وَمن النَّاس من يَقُول لَهُ عَمْرو الْكَلْب بِغَيْر ذُو. وَالله أعلم.
وَقيل إِن جنوب هِيَ عمْرَة لَا أَنَّهُمَا ثِنْتَانِ. وَله أُخْت أُخْرَى اسْمهَا ريطة هِيَ شاعرة أَيْضا وَمن شعرهَا فِيهِ:
(وكل حَيّ وَإِن عزوا وَإِن سلمُوا ... يَوْمًا طريقهم فِي الشَّرّ دعبوب)
(أبلغ هذيلاً وأبلغ من يبلغهَا ... عني رَسُولا وَبَعض القَوْل تَكْذِيب)
(بِأَن ذَا الْكَلْب عمرا خَيرهمْ نسبا ... بِبَطن شريان يعوي حوله الذِّئْب)
стр. 5099
(الطاعن الطعنة النجلاء يتبعهَا ... مثعنجر من نجيع الْجوف أسكوب)
(والتارك الْقرن مصفراً أنامله ... كَأَنَّهُ من نجيع الْجوف مخضوب)
(الْمخْرج العاتق الْعَذْرَاء مذعنةً ... فِي السَّبي ينفح من أردانها الطّيب)
(تمشي النسور عَلَيْهِ وَهِي لاهية ... مشي العذارى عَلَيْهِم الجلابيب)
وَأنْشد بعده:
أَن هَالك كل من يحفى وينتعل هَذَا عجز وصدره: فِي فتية كسيوف الْهِنْد قد علمُوا وَتقدم شَرحه فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالثَّلَاثِينَ بعد الستمائة من نواصب الْفِعْل.
وَأنْشد بعده وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:)
كَأَن وريديه وشاءا خلب
стр. 5100
على أَن إِعْمَال كَأَن المخففة فصيح والأفصح إلغاؤها. وَقد جَاءَ إعمالها فِي هَذَا. وَمَا بعده.
وَأَرَادَ بالإلغاء عدم إعمالها لفظا بِدَلِيل قَوْله: وَإِذا لم تعملها لفظا فَفِيهَا ضمير
شَأْن مُقَدّر عِنْدهم كَمَا فِي أَن المخففة. وعَلى هَذَا فَهِيَ عاملة إِمَّا لفظا وَإِمَّا تَقْديرا.
وَهَذَا مَأْخُوذ من كَلَام ابْن يعِيش فَإِن الزَّمَخْشَرِيّ لما قَالَ فِي الْمفصل: وتخفف فَيبْطل عَملهَا وَمِنْهُم من يعملها وَأنْشد الْبَيْتَيْنِ قَالَ ابْن يعِيش: قَوْله: فَيبْطل يُرِيد عَملهَا ظَاهرا. وَأما قَوْله: كَأَن ثدياه حقان فَالْمُرَاد كَأَنَّهُ أَي: الْأَمر والشأن وَالْجُمْلَة بعد كَأَن خَبَرهَا وَمرَاده إرجاع كَلَام الْمفصل إِلَى كَلَام سِيبَوَيْهٍ فَإِن مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ أَن كَأَن إِذا خففت لَا يكون اسْمهَا إِلَّا ضميراً محذوفاً وعملها فِي الِاسْم الظَّاهِر خَاص بِالضَّرُورَةِ.
وَلما كَانَ ظَاهر قَول الزَّمَخْشَرِيّ فَيبْطل عَملهَا مُحْتملا لإلغائها عَن الْعَمَل لفظا وتقديراً أَوله بِمَا ذكره. إِلَّا أَن قَوْله: وَمِنْهُم من يعملها لَا يُفِيد أَنه مُخْتَصّ بِالضَّرُورَةِ.
وَقيد المُصَنّف هُنَا الإلغاء بِقَيْد الأفصحية فَقَالَ: وتخفف فتلغى على الْأَفْصَح. وَلَا يُمكن تَأْوِيل كَلَامه بِمَا ذكره ابْن يعِيش لِأَن إعمالها فِي الِاسْم الظَّاهِر لَيْسَ بفصيح فَكَانَ يَنْبَغِي للشَّارِح الْمُحَقق أَن يُنَبه عَلَيْهِ وَلَا يجاريه فِي كَلَامه.
وَقد شَرحه التبريزي على ظَاهره فَقَالَ: أَي: تخفف كَأَن فتلغى على الْأَفْصَح وَجَاء إعمالها على غير الْأَفْصَح. د أما إلغاؤها فلفوات مشابهتها بالماضي لزوَال فتحهَا بِالتَّخْفِيفِ وَأما إعمالها فلبقاء ثَلَاثَة أحرف وَالْمعْنَى الْمُقْتَضى للاسم
стр. 5101
وَهُوَ التَّشْبِيه. وَذهب بَعضهم إِلَى أَن كَأَن المخففة مثل أَن الْمَفْتُوحَة تعْمل فِي ضمير الشَّأْن الْمُقدر وَغَيره. انْتهى.
وَهَذَا نَص سِيبَوَيْهٍ: وَالْخَامِسَة أَن غضب الله عَلَيْهَا كَأَنَّهُ قَالَ: أَنه غضب
الله عَلَيْهَا لَا تخففها فِي الْكَلَام أبدا وَبعدهَا الْأَسْمَاء إِلَّا وَأَنت تُرِيدُ الثَّقِيلَة مضمراً فِيهَا الِاسْم يَعْنِي الْهَاء وَنَحْوهَا.
فَلَو لم يُرِيدُوا ذَلِك نصبوا كَمَا ينصبون إِذا اضطروا فِي الشّعْر بكأن إِذا خففوا يُرِيدُونَ معنى كَأَن وَلم يُرِيدُوا الْإِضْمَار.
وَذَلِكَ قَوْله:)
كَأَن وريديه وشاءا خلب وَهَذِه الْكَاف إِنَّمَا هِيَ مُضَافَة إِلَى أَن فَلَمَّا اضطررت إِلَى التَّخْفِيف فَلم تضمر لم يُغير ذَلِك أَن وَمثل ذَلِك قَول الْأَعْشَى:
(فِي فتية كسيوف الْهِنْد قد علمُوا ... أَن هَالك كل من يحفى وينتعل)
كَأَنَّهُ قَالَ: أَنه هَالك. وَإِن شِئْت رفعت فِي قَول الشَّاعِر: كَأَن وريداه على مثل الْإِضْمَار الَّذِي فِي قَوْله: من يأتنا نعطه أَو يكون هَذَا الْمُضمر وَهُوَ الَّذِي ذكر كَمَا قَالَ:
стр. 5102
كَأَن ظَبْيَة تعطو إِلَى وارق السّلم انْتهى كَلَامه.
وَقَوله: وَهَذِه الْكَاف المضافة إِلَى أَن يُرِيد الْكَاف من كَأَن الْمُتَقَدّمَة على أَن.
وَقَوله: أَو يكون هَذَا الْمُضمر ... إِلَخ يَعْنِي أَن الضَّمِير الْمُقدر يجوز أَن يكون ضمير الشَّأْن كَمَا فِي: إِنَّه من يأتنا وَيجوز أَن يكون ضمير مَذْكُور مُقَدّر كَمَا فِي كَأَن ظَبْيَة بِالرَّفْع أَي: إِن تِلْكَ الْمَرْأَة كَأَنَّهَا ظَبْيَة.
وَإِلَى مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ ذهب ابْن مَالك فَقَالَ فِي التسهيل: وتخفف كَأَن فتعمل فِي اسْم كاسم أَن والمقدر وَالْخَبَر جملَة اسمية أَو فعلية مبدوءة بلم أَو قد أَو مُفْرد. وَقد يبرز اسْمهَا فِي الشّعْر.
انْتهى.
قَالَ الْمرَادِي: إِذا خففت كَأَن لم تلغ بل تعْمل فِي اسْم كاسم أَن الْمَفْتُوحَة إِذا خففت وَيكون كَأَن ثدياه حقان والمبدوءة بلم: كَأَن لم تغن بالْأَمْس وبقد: وَكَأن قد أَي:
قد زَالَت. والمفرد: كَأَن ظَبْيَة.
وَاسْمهَا البارز كَأَن ظَبْي بِالنّصب.
ثمَّ قَوْله: ظَاهر كَلَام سِيبَوَيْهٍ أَن ذَلِك لَا يخْتَص بِالضَّرُورَةِ خلاف مَا نقلنا عَنهُ. وَكَذَا عده من الضَّرُورَة ابْن عُصْفُور فِي كتاب الضرائر.
стр. 5103
قَالَ الأعلم فِي كَأَن وريديه: الشَّاهِد فِي إِعْمَال أَن المخففة تَشْبِيها بِمَا حذف من الْفِعْل وَلم يتَغَيَّر عمله نَحْو: لم يَك زيد مُنْطَلقًا. وَالْوَجْه الرّفْع إِذا خففت لخروجها عَن شبه الْفِعْل فِي اللَّفْظ.
قَالَ صَاحب الْكَشَّاف: والوريدان: عرقان يكتنفان صفحتي الْعُنُق فِي مقدمهما متصلان بالوتين يردان من الرَّأْس إِلَيْهِ.)
وَقيل: سمي وريداً لِأَن الرّوح ترده. وَقَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: الوريد: عرق قيل هُوَ الودج وَقيل: بجنبه.
وَقَالَ الْفراء: عرق بَين الْحُلْقُوم والعلباوين. وَهُوَ ينبض أبدا فَهُوَ من الأوردة الَّتِي فِيهَا الْحَيَاة وَلَا يجْرِي فِيهَا دم بل هِيَ مجاري النَّفس بالحركات.
والرشاء بِكَسْر الرَّاء وَالْمدّ: الْحَبل وَجمعه أرشية وَهُوَ هُنَا مثنى مَرْفُوع بِالْألف وَأَصله رشاوان بِهَمْزَة بَين أَلفَيْنِ حذفت نونه عِنْد الْإِضَافَة لخلب بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَاللَّام وبتسكينها.
قَالَ صَاحب الصِّحَاح: والخلب: الليف.
قَالَ: كَأَن وريداه رشاءا خلب
ويروى: وريديه على إِعْمَال كَأَن وَترك الْإِضْمَار. وَكَذَلِكَ الخلب بالتسكين. والليفة خلبة وخلبة. انْتهى.
وَكَذَا قَالَ فِي مَادَّة أنن. وَقَالَ النّحاس: قَالَ أَبُو إِسْحَاق: الليف وَقَالَ غَيره: الخلب: الْبِئْر الْبَعِيدَة القعر. انْتهى.
وَأوردهُ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل
стр. 5104
الوريد من سُورَة ق.
قَالَ: حَبل الوريد مثل فِي فرط الْقرب.
قَالَ ذُو الرمة: وَالْمَوْت أدنى لي من الوريد والْحَبل: الْعرق شبه بِوَاحِد الحبال.
أَلا ترى إِلَى قَوْله: كَأَن وريديه رشاءا خلب أَحدهمَا: أَن تكون الْإِضَافَة للْبَيَان كَقَوْلِهِم: بعير سانية.
وَالثَّانِي: أَن يُرَاد حَبل العاتق فيضاف إِلَى الوريد كَمَا يُضَاف إِلَى العاتق. لاجتماعهما فِي عُضْو وَاحِد كَمَا لَو قيل: حَبل العلباء مثلا. انْتهى.
وَالْبَيْت غفل فِي الْكتاب وَلم ينْسبهُ أحد من خدمَة الْكتاب. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: قَائِله رؤبة بن العجاج.
-
وَهَكَذَا أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ فِي كِتَابه. وَهَذَا بِخِلَاف الْوَاقِع.)
وَرَأَيْت فِي التخمير وَهُوَ شرح أَبْيَات الْمفصل لبَعض فضلاء الْعَجم وَتَبعهُ الْكرْمَانِي فِي شرح أَبْيَات الموشح وَهُوَ شرح الكافية للخبيصي أَن مَا قيل هَذَا الْبَيْت: ومعتد فظ غليظ الْقلب
стр. 5105
وَبعده: غادرته مجدلاً كَالْكَلْبِ وَقَالا: المعتدي: المتجاوز عَن الْحَد. والفظ من الرِّجَال: الغليظ. والمجدل: الْملقى على الجدالة وَهِي الأَرْض.
وَالْمعْنَى: رب خصم مُعْتَد متجاوز عَن الْحَد فِي كل مَا يَفْعَله فظ غليظ الْقلب قاسيه كَأَن وريديه حبلان فَتلا من لِيف النّخل لضخامة عُنُقه غادرته وَتركته ملقىً على الأَرْض كَالْكَلْبِ فِي الذلة. والشجعان يوصفون بِمَا ذكر من الاعتداء والفظاظة وغلظة الْقلب وعبالة الْأَعْنَاق.
انْتهى.
وَقَول الشَّاعِر: كَأَن وريديه رشاءا خلب كَأَن فِيهِ عاملة ووريديه: اسْمهَا ورشاءا خلب: خَبَرهَا وَهُوَ مَرْفُوع بِالْألف لِأَنَّهُ مثنى كَمَا تقدم. وَيُوجد فِي بعض الْكتب: رشاء خلب بِالْإِفْرَادِ وَلَا يَصح لِأَنَّهُ خبر عَن مثنى. وَضمير وريديه للمعتدي.
وَقَول سِيبَوَيْهٍ وَإِن شِئْت رفعت فِي قَول الشَّاعِر: كَأَن وريداه على مثل الْإِضْمَار الَّذِي فِي قَوْله: إِنَّه من يأتنا نعطه.
-
يُرِيد: أَنه إِذا رفع مَا بعد كَأَن يكون اسْمهَا ضمير شان كَمَا فِي الْمِثَال وَيكون جملَة: ورداه رشاءا خلب من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر خبر كَأَن.
وَقَوله: أَو يكون هَذَا الْمُضمر وَهُوَ الَّذِي ذكر كَمَا قَالَ: كَأَن ظَبْيَة يُرِيد: أَن اسْم كَأَن يكون ضميراً محذوفاً عَائِدًا على مُتَقَدم مَذْكُور وَهُوَ المعتدي وَالتَّقْدِير: كَأَنَّهُ وريداه رشاءا خلب.
فالهاء المحذوفة وَهِي ضمير المعتدي اسْم كَأَن وَالْجُمْلَة بعْدهَا خَبَرهَا كَمَا فِي قَوْله: كَأَن ظَبْيَة بِالرَّفْع التَّقْدِير: كَأَنَّهَا
стр. 5106
ظَبْيَة. فالهاء المحذوفة ضمير الْمَرْأَة الْمُتَقَدّمَة الذّكر وَهِي اسْم كَأَن وظبية: خَبَرهَا.)
وَفِي الْحَقِيقَة لَيْسَ فِيهِ شَيْء يستشهد بِهِ. وَهَذَا كَلَامه.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(وَصدر مشرق النَّحْر ... كَأَن ثدييه حقان)
لما تقدم قبله. وَيَأْتِي فِيهِ مَا ذَكرْنَاهُ.
قَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: وَقد خفف الشَّاعِر وأعملها فِي الِاسْم الظَّاهِر فِي قَوْله: وَصدر مشرق النَّحْر ... إِلَخ. وَأنْشد بَعضهم: ثدياه رفعا على الِابْتِدَاء وحقان: الْخَبَر وَالْجُمْلَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر خَبَرهَا وَاسْمهَا مَحْذُوف فالتقدير: كَأَنَّهُ ثدياه حقان. انْتهى.
وَالَّذِي أنْشدهُ مَرْفُوعا سِيبَوَيْهٍ. قَالَ: وروى الْخَلِيل أَن نَاسا يَقُولُونَ: إِن بك زيد مَأْخُوذ فَقَالَ: هَذَا على قَوْله: إِنَّه بك زيد مَأْخُوذ. وَشبهه بِمَا يجوز فِي الشّعْر نَحْو قَوْله وَهُوَ ابْن صريم الْيَشْكُرِي: ...
стр. 5107
(وَيَوْما توافينا بِوَجْه مقسم ... كَأَن ظَبْيَة تعطو إِلَى وارق السّلم)
أَي: كَأَنَّهَا ظَبْيَة. وَقَالَ الآخر:
(وَوجه مشرق النَّحْر ... كَأَن ثدياه حقان)
لِأَنَّهُ لَا يحسن هَاهُنَا الْإِضْمَار. وَزعم الْخَلِيل أَن هَذَا يشبه قَول الفرزدق:
(وَلَو كنت ضبياً عرفت قَرَابَتي ... وَلَكِن زنجي عَظِيم المشافر)
وَالنّصب أَكثر فِي كَلَام الْعَرَب. انْتهى.
وَقَوله: هَذَا على قَوْله إِنَّه بك ... إِلَخ يُرِيد أَن اسْم إِن ضمير شَأْن مَحْذُوف
وَأما اسْم كَأَن فِي الْبَيْتَيْنِ وَلَكِن فِي بَيت الفرزدق فَغير ضمير الشَّأْن وَمرَاده التَّشْبِيه بِمُطلق الْحَذف لَا بِخُصُوص ضمير الشَّأْن بِدَلِيل قَوْله: أَي كَأَنَّهَا ظَبْيَة وَالضَّمِير للْمَرْأَة الْمُحدث عَنْهَا وبدليل بَيت الفرزدق.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ رفع زنجي على الْخَبَر وَحذف اسْم لَكِن ضَرُورَة وَالتَّقْدِير: وَلَكِنَّك)
زنجي.
وَكَذَا الْبَيْت الثَّانِي. قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح أَبْيَات ابْن النَّاظِم: قَوْله كَأَن ثدياه أَصله كَأَنَّهُ وَالضَّمِير للْوَجْه أَو للصدر أَو للشأن وَالْجُمْلَة الاسمية خبر. انْتهى.
فجوز أَن يكون ضمير شَأْن وَلم يُوجِبهُ لضَعْفه لِأَنَّهُ لَا يُصَار إِلَيْهِ إِلَّا إِذا لم يكن للضمير مرجع.
وَمِنْه تعلم أَن الأولى أَن يقدر الضَّمِير فِي قَوْله تَعَالَى: فَلَمَّا كشفنا عَنهُ ضره مر كَأَن لم يدعنا للرجل الْمُحدث عَنهُ لَا ضمير
стр. 5108
شَأْن خلافًا للبيضاوي تَابعا للكشاف فِي قَوْله: الأَصْل كَأَنَّهُ لم يدعنا فَخفف وَحذف الشَّأْن كَقَوْل الشَّاعِر: كَأَن ثدياه حقان وَاقْتصر ابْن يعِيش على الشَّأْن فَقَالَ: المُرَاد كَأَنَّهُ أَي: الْأَمر والشأن وَجُمْلَة ثدياه حقان: خبر كَأَن.
وَالْعجب من الْعَيْنِيّ فِي قَوْله: الاستشهاد فِيهِ على تَخْفيف كَأَن وإلغاء عَملهَا وَحذف اسْمهَا وَوُقُوع خَبَرهَا جملَة. وَأَصله: كَأَنَّهُ وَالضَّمِير للْوَجْه أَو للنحر أَو للشأن. انْتهى.
وأعجب مِنْهُ إِنْكَار ابْن الْأَنْبَارِي رِوَايَة الرّفْع فِيهِ مَعَ أَن سِيبَوَيْهٍ لم يرو غَيرهَا.
كَأَن ثدييه حقان
و: كَأَن وريديه رشاءا خلب وَلَا يجوز أَن يُقَال الإنشاد فِي الْبَيْتَيْنِ: كَأَن ثدياه و: كَأَن وريداه لأَنا نقُول: بل الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة بِالنّصب. هَذَا كَلَامه.
وَقَوله: وَصدر مشرق ... إِلَخ الْمَشْهُور جر صدر بواو رب. وَقَالَ ابْن هِشَام فِي شرح أَبْيَات ابْن النَّاظِم: مَرْفُوع على الِابْتِدَاء وَالْخَبَر مَحْذُوف أَي: لَهَا. ومشرق: من أشرق أَي: أَضَاء. والنَّحْر: مَوضِع القلادة من الصَّدْر وَالْهَاء من ثدييه للصدر.
وروى سِيبَوَيْهٍ: وَوجه مشرق النَّحْر وروى غَيره:)
وَنحر مشرق اللَّوْن
стр. 5109
فالهاء من ثدييه للْوَجْه أَو للنحر بِتَقْدِير مُضَاف أَي: ثديي صَاحبه كَذَا قَالَ الأعلم وَابْن يعِيش
(وصدراً مثل حق العاج رخصاً ... حصاناً من أكف اللامسينا)
وَلَا حَاجَة إِلَى قَول صَاحب التخمير: الحقة بِالضَّمِّ مَعْرُوفَة وَأَرَادَ حقتان. وَيجوز أَن يكون
مِمَّا يحذف مِنْهُ تَاء التَّأْنِيث عِنْد التَّثْنِيَة وَشبه الثديين بالحقتين فِي نهودهما واكتنازهما.
وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ الْخمسين الَّتِي لَا يعرف لَهَا قَائِل. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
(عبأت لَهُ رمحاً طَويلا وألةً ... كَأَن قبس يعلى بهَا حِين تشرع)
على أَن كَأَن الْمُهْملَة لفظا يَجِيء يعدها جملَة اسمية خَبرا لَهَا وَاسْمهَا الْمُقدر هُنَا ضمير الشَّأْن.
стр. 5110
وَهَذَا تَقْرِير كَلَامه. وَفِي كل مِنْهُمَا نظر: أما أَولا فَلِأَنَّهُ لَا جملَة اسمية بعد كَأَن وَإِنَّمَا بعْدهَا مُفْرد مَوْصُوف بجملة فعلية فَإِن قبساً: نكرَة وَجُمْلَة يعلى: صفته والرابط الضَّمِير الْمُسْتَتر النَّائِب عَن الْفَاعِل وَالْبَاء للإلصاق مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف حَال من الضَّمِير وَالْهَاء ضمير الألة.
وَلَا يجوز أَن يكن مُبْتَدأ خَبره جملَة يعلى لِئَلَّا يلتبس الْمُبْتَدَأ حِينَئِذٍ بالْخبر كَمَا قَالَه الشَّارِح فِي فَإِن قلت: يكون جملَة يعلى: خَبرا إِذا نصبت قبساً. قلت: الْإِخْبَار عَن النكرَة فِي بَاب إِن جَائِز كَمَا حَقَّقَهُ الشَّارِح فِي آخر الْبَاب. نعم يجوز أَن يكون بهَا ظرفا مُسْتَقرًّا لقبس. وَإِنَّمَا لم نحمل كَلَامه عَلَيْهِ ابْتِدَاء لِأَن كَلَامه الْآتِي فِي رفع ظَبْيَة لَا يلائمه.
-
وَأما ثَانِيًا فَلَمَّا تقدم من أَن ضمير الشَّأْن لَا يُصَار إِلَيْهِ مَعَ إِمْكَان الْمرجع وَقد أمكن هُنَا يَجعله رَاجعا إِلَى الألة وَهِي الحربة.
وَقَالَ المرزوقي فِي شرح الحماسة: قَوْله: كَأَن قبس يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب والجر. فَإِذا رفعت فعلى الضَّمِير يُرِيد: كَأَنَّهَا قبس يعلى بهَا حِين أشرعت. والقبس: النَّار.
وَمن نصب فَلِأَنَّهُ أعمل كَأَن مُخَفّفَة عَملهَا مثقلة يُرِيد: كَأَن قبساً يعلى بهَا وَيكون الْخَبَر يعلى بهَا وَمن جر فَقَالَ: كَأَن قبس جعل أَن زَائِدَة وأعمل الْكَاف. انْتهى.)
وَيجوز على النصب أَن يكون يعلى صفة لقبس وَالْخَبَر قَوْله بهَا.
стр. 5111
وَالْبَيْت من أَبْيَات عشرَة أوردهَا أَبُو تَمام فِي الحماسة لمجمع بن هِلَال. قَالَ: غزا مجمع بن هِلَال بن خَالِد بن مَالك بن هِلَال بن الْحَارِث بن تيم الله يُرِيد بني سعد بن زيد مَنَاة فَلم يصب شَيْئا فَرجع من غزاته تِلْكَ فَمر بِمَاء لبني تَمِيم عَلَيْهِ نَاس من بني مجاشع فَقتل فيهم وَأسر فَقَالَ فِي
(إِن أمس مَا شَيخا كَبِيرا فطالما ... عمرت وَلَكِن لَا أرى الْعُمر ينفع)
(مَضَت مائَة من مولدِي فنضيتها ... وَخمْس تبَاع بعد ذَاك وَأَرْبع)
(وخيل كأسراب القطا قد وزعتها ... لَهَا سبل فِيهِ الْمنية تلمع)
(شهِدت وغنم قد حويت وَلَذَّة ... أتيت وماذا الْعَيْش إِلَّا التَّمَتُّع)
(وعاثرة يَوْم الهييما رَأَيْتهَا ... وَقد ضمهَا من دَاخل الخلب مجزع)
(لَهَا غلل فالصدر لَيْسَ ببارح ... شجىً نشب وَالْعين بِالْمَاءِ تَدْمَع)
(تَقول وَقد أفردتها من حَلِيلهَا ... تعست كَمَا أتعستني يَا مجمع)
(فَقلت لَهَا: بل تعس أُخْت مجاشع ... وقومك حَتَّى خدك الْيَوْم أضرع)
(عبأت لَهُ رمحاً طَويلا وألة ... كَأَن قبس يعلى بهَا حِين تشرع)
(وكائن تركت من كَرِيمَة معشر ... عَلَيْهَا الخموش ذَات حزن تفجع)
قَالَ المرزوقي: قَوْله: إِن أمس مَا شَيخا مَا: زَائِدَة.
يَقُول: إِن صرت شَيخا طاعناً فِي السن هدفاً لسهامه فَذَلِك حق لِأَن من يعِيش يكبر وَمن
стр. 5112
يكبر يهرم وَطول الْعُمر لَا يجدي إِذْ كَانَ مؤداه إِلَى الضعْف وغايته الْمَوْت. وَمعنى عمرت: بقيت وحييت. والْعُمر: الْحَيَاة والبقاء.
وَقَوله: مَضَت مائَة يَقُول: أَتَت عَليّ مائَة سنة من ميلادي فألقيتها ورائي كَأَنِّي لبستها ثمَّ خلعتها واستتبعت بعْدهَا تسعا توالت. ويروى: فنضونها يُقَال: نضى ثَوْبه ينضو وينضي إِذا نَزعه لُغَتَانِ.
وَقَوله: وَخمْس تبَاع يُقَال: تبع تباعا فَهُوَ مصدر وصف بِهِ. وَيُقَال أَيْضا رميته بسهمين تباعا وَلَاء وتابع بَينهمَا تباعا.
وَقَوله: وخيل كأسراب ... إِلَخ تذكر بِمَا كَانَ مِنْهُ عِنْد تناهي عمره مَا كَانَ مِنْهُ فِي ريعان شبابه فَيَقُول: رب خيل تتوالى مبادرة إِلَى الْمُلْتَقى
وتسترسل استرسال فرق القطا عِنْد)
اندفاعها للورد أَنا بعثتها وَلها عَارض يمطر بِالْمَوْتِ ويلمع. والسبل: الْمَطَر. ووزعتها يجوز أَن يكون مَعْنَاهُ كففتها عَن التعجل وَيجوز أَن يكون قسمتهَا للتعبية أَو للغارة لِأَنَّهُ يُقَال: وزعت الشَّيْء ووزعته جَمِيعًا. وعَلى الْوَجْهَيْنِ فتدبيرها كَانَ إِلَيْهِ.
وَجُمْلَة قد وزعتها: من صفة الْخَيل لِأَن جَوَاب رب فِيمَا بعده. وَلها سبل فِي مَوضِع الْحَال وَفِيه الْمنية من صفة السبل وتلمع حَال من الْمنية وَالْعَامِل مَا يدل عَلَيْهِ الظّرْف.
وَقَوله: شهِدت وغنم ... إِلَخ يَقُول: رب خيل على هَذِه الصّفة حضرتها مُدبرا لَهَا وَرب غنيمَة تغنمتها وَرب لَذَّة أتيتها. ثمَّ أقبل كالملتفت فَقَالَ: وَمَا الْعَيْش إِلَّا التَّمَتُّع بِهَذِهِ الْأَشْيَاء.
стр. 5113
ووَقَوله: وعاثرة يَوْم ... إِلَخ يَقُول: رب امْرَأَة فِي هَذَا الْيَوْم لتمكن الْخَوْف مِنْهَا وتملك الْجزع قَلبهَا رَأَيْتهَا تعثر لوجهها مَخَافَة السباء وَقد ضمهَا مجزع أَي: استولى عَلَيْهَا الْخَوْف والقلق.
وَقَوله: من دَاخل الخلب بَين بِهِ منشأ الْجزع ومقره. والخلب: حجاب الْقلب.
وَقَوله: لَهَا غلل فِي الصَّدْر. . إِلَخ الْجُمْلَة صفة لعاثرة. والغلل بِفتْحَتَيْنِ أَصله المَاء الْجَارِي بَين الشّجر فاستعاره لما تداخلها من الشجا.
وروى: غلل بِالضَّمِّ: جمع غلَّة. وَلَو كَانَ كَذَا لقَالَ لَيست ببارحة. والبارح: الزائل. وَمَوْضِع قَوْله شجاً نشب رفع على الْبَدَل من غلل. وَيُرِيد بنشب أَنه علق بِهِ كَمَا ينشب الصَّيْد فِي الحبالة.
وَقَوله: تَقول وَقد أفردتها. . إِلَخ تَقول جَوَاب رب. وَالْمرَاد: رب عاثرة هَذِه صفتهَا فِي يَوْم الهييما قَالَت لي بعد أَن سبيتها وَفرقت بَينهَا وَبَين زَوجهَا
بِالْقَتْلِ: سَقَطت لوجهك وَلَا انتعشت من عثرتك يَا مجمع.
وَقَوله: فَقلت لَهَا ... إِلَخ يَقُول: أجبتها بِأَن قلت: بل التعس لَك ولقومك حِين ضيعوك وفعلوا مَا أدّى وباله إِلَى أَن صَار خدك الْيَوْم ضارعاً. وبل للإضراب عَن الأول وَالْإِثْبَات للثَّانِي.
وأجرى تعساً فِي الْإِضَافَة مجْرى ويل وَذَاكَ أَن المصادر الَّتِي اشتق الْأَفْعَال مِنْهَا إِذا دعِي بهَا وَمَا لم يشتق الْفِعْل مِنْهُ وَهُوَ ويل وويح وويس إِذا كَانَ مَعهَا اللَّام رفعت وَصَارَت بِاللَّامِ جملا. وَإِذا أفردت عَن اللَّام أضيفت ونصبت.
стр. 5114
تَقول: ويل لزيد وويح لعَمْرو فَترفع وويل زيد وويح عَمْرو فتنصب.
وَهَذَا الشَّاعِر قَالَ: بل تعس أُخْت مجاشع فأجراه مجْرى ويل وَالْفِعْل مِنْهُ يشتق مِنْهُ. ومجاشع:)
قَبيلَة يُقَال: أُخْت مجاشع كَمَا يُقَال: يَا أَخا بكر وَيَا أَخا تَمِيم. وأضرع بِمَعْنى ضارع.
والضراعة: الانسفال فِي خضوع.
وَقَوله: عبأت لَهُ. . إِلَخ أَخذ يبين كَيفَ تمكن من قتل زَوجهَا. وَيُقَال: عبأت الْخَيل وعبأتها إِذا هيأتها للحرب وعبيتها أَيْضا. وَالْمرَاد هيأت لَهُ رمحاً طَويلا وسناناً لماعاً براقاً كَأَنَّمَا يعلى بِهِ نَار إِذا أشرع لِلطَّعْنِ. والألة بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد اللَّام تسْتَعْمل فِي الْحَرْب وتشهر بهَا. وأصل الأليل البريق وَالْمرَاد بهَا هُنَا السنان.
وَفِي لِسَان الْعَرَب لِابْنِ مكرم: الألة: الحربة الْعَظِيمَة النصل سميت بذلك لبريقها ولمعانها. وَفرق بَعضهم بَين الألة والحربة فَقَالَ: الألة كلهَا حَدِيدَة والحربة بَعْضهَا خشب وَبَعضهَا حَدِيد وَالْجمع أل بِحَذْف الْهَاء والإل ككتاب
والأل أَيْضا: مصدر أَله يؤله أَلا: طعنه بالألة. وتشرع من وَقَوله: وكائن تركت. . إِلَخ نبه بِهَذَا الْكَلَام على أَن مَا حَكَاهُ من حَدِيث العاثرة لم يكن بدعاً مِنْهُ بل ذَلِك دأبه مَعَ أَمْثَالهَا. وكائن: لُغَة فِي كأين بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى كم للتكثير.
يَقُول: كم امْرَأَة كَانَت كَرِيمَة عشيرتها تركتهَا وَهِي تخمش وَجههَا وتتفجع جزعاً على قيمها من بعل أَو أَخ أَو ابْن. والخمش فِي الْوَجْه وَفِي سَائِر الْبدن مثل الخدش.
стр. 5115
وَمجمع على وزن اسْم الْفَاعِل من جمع يجمع تجميعاً. وَهُوَ شَاعِر جاهلي أوردهُ أَبُو حَاتِم السجسْتانِي فِي المعمرين وَنسبه كَذَا.
قَالُوا: وعاش مجمع بن هِلَال بن خَالِد بن مَالك بن هِلَال بن الْحَارِث بن هِلَال بن تيم الله بن ثَعْلَبَة بن عكابة بن صَعب بن عَليّ بن بكر بن وَائِل. عَاشَ مائَة سنة وتسع عشرَة سنة فَقَالَ فِي ذَلِك:
(إِن أمس مَا شَيخا كَبِيرا فطالما ... عمرت وَلَكِن لَا أرى الْعَيْش ينفع)
إِلَى آخر الأبيات.
وَأنْشد بعده:
(أزف الترحل غير أَن رِكَابنَا ... لما نزل برحالنا وَكَأن قد)
على أَن كَأَن الْمُهْملَة لفظا يَجِيء بعْدهَا جملَة خَبرا وَهِي هُنَا محذوفة وَالتَّقْدِير: قد زَالَت بهَا.
وَجَاز حذفهَا لدلَالَة قَوْله: لما تزل برحالنا. وَاسْمهَا الْمَحْذُوف عِنْد الشَّارِح ضمير الشَّأْن. وَالْأولَى جعله ضمير الركاب لما تقدم وَهِي الْإِبِل الَّتِي يسَار عَلَيْهَا الْوَاحِدَة رَاحِلَة وَلَا وَاحِد لَهَا من)
لَفظهَا. وأزف بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الزَّاي بِمَعْنى قرب ودنا. وروى بدله: أفد بِكَسْر الْفَاء وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. والترحل: الرحيل. ولما نَافِيَة بِمَعْنى لم وتزل بِضَم الزَّاي من زَالَ يَزُول بِمَعْنى ذهب وانفصل.
يُقَال: زَالَ عَن مَوْضِعه يَزُول زوالاً. وَيَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ والتضعيف فَيُقَال: أزلته وزولته. وَالْبَاء للمعية. والرّحال بِالْحَاء الْمُهْملَة: جمع رَحل وَهُوَ كل شَيْء يعد للرحيل من وعَاء
следующие страницы →