Полный текст (5 658 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.
стр. 5286
ولاينبغي أَن تحمل الْكَلَام على الضَّرُورَة وَأَنت تَجِد إِلَى غَيرهَا سَبِيلا وَلَكِن الْوَجْه فِي ذَلِك مَا فال الْأَصْمَعِي قَالَ: هِيَ إِن الْجَزَاء وَإِنَّمَا أَرَادَ: وَإِن سقته من خريف فَلَنْ يعْدم الرّيّ. وَلم يحْتَج إِلَى ذكر سقته لقَوْله: الرواعد من صيف.
قَالَ أَحْمد بن مُحَمَّد بن ولاد: هَذَا الْوَجْه الَّذِي حَكَاهُ الْمبرد عَن الْأَصْمَعِي من جعل إِن فِي الْبَيْت للجزاء قد أجَازه سِيبَوَيْهٍ بعقب الْبَيْت وَذَلِكَ فِي قَوْله فِي إثره: وَإِن أَرَادَ إِن الْجَزَاء فَهُوَ جَائِز لِأَنَّهُ يضمر فِيهَا الْفِعْل. إِلَّا أَنه أَخّرهُ لِأَنَّهُ لم يكن الْوَجْه عِنْده ولامراد الشَّاعِر عَلَيْهِ.
-
أَلا ترَاهُ قَالَ فِي تَفْسِير الْبَيْت: وَإِنَّمَا يُرِيد: وَإِمَّا من خريف. فَحمل معنى الْبَيْت على إِرَادَة الشَّاعِر وَذَلِكَ أَن الشَّاعِر ذكر وَعلا يُرِيد هَذَا المَاء مَتى شَاءَ فَقَالَ: المتقارب
(إِذا شَاءَ طالع مسجورةً ... يرى حولهَا النبع والساسما)
سقته الرواعد من صيف ... ... ... ... ... ... ... ... . الْبَيْت فَقَالَ: مسجورة أَي: مَمْلُوءَة من صيف أَو من خريف فَلَنْ يعْدم الوعل رياً على كل حَال.)
فَأعْلم أَن ذَلِك ثَابت لَهُ. وَلَيْسَ للجزاء فِي هَذَا الْبَيْت معنى يحسن فِي الشّعْر ويليق بِمُرَاد الشَّاعِر لِأَنَّهُ إِذا حملهَا على الْجَزَاء فَإِنَّمَا يُرِيد: إِن سقته لم يعْدم الرّيّ وَإِن لم تسقه عدم.
فَلَا فَائِدَة فِي هَذَا يحسن مَعَهُمَا الشّعْر وَلَا يشبه قَوْله: إِذا شَاءَ طالع مسجورة. فقد جعل ذَلِك لَهُ مَتى شَاءَ وَجعلهَا مَمْلُوءَة.
فَلهَذَا أخر سيبلويه معنى الْجَزَاء وَلم يرد أَن الْجَزَاء مُرَاد الشَّاعِر وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن مِثَال هَذَا لَو وَقع فِي كَلَام غير هَذَا الْبَيْت لجَاز فِيهِ هَذَا التَّأْوِيل لِأَنَّهُ مُرَاد الشَّاعِر.
وَأما قَوْله: لَا يجوز إِلْقَاء مَا من إِلَّا فِي غَايَة الضَّرُورَة فَكَذَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ أَنه لَا يجوز إِلَّا فِي الشّعْر للضَّرُورَة. وَقد وَافقه على ذَلِك وَلَيْسَ بَين
стр. 5287
الْقَوْلَيْنِ فرق غير زِيَادَته: غَايَة.
وَمَعَ هَذَا فالعرب تحذف من نفس الْكَلِمَة للضَّرُورَة مَعَ زَوَال اللّبْس فَمَا بالها لَا تحذف الزَّوَائِد للضَّرُورَة مَعَ زوراله. وَمَا هُنَا زَائِدَة فِي إِمَّا وَقد دلّ على صِحَة ذَلِك وجوازه فِي الشّعْر بِالْبَيْتِ الَّذِي قبله وَهُوَ:
فَإِن جزعاً وَإِن إِجْمَال صَبر وَأما قَوْله: إِن التكرير يلْزمهَا فَلَيْسَ الْأَمر على ذَلِك لِأَن الأولى إِنَّمَا هِيَ زَائِدَة ليبادر المخطاب إِلَى أَن الْكَلَام مَبْنِيّ على الشَّك أَو التَّخْيِير وَالْعَمَل على الثَّانِيَة وَالْأولَى زَائِدَة وَلَيْسَت توجب فِي الْكَلَام معنى غير معنى الثَّانِيَة وسبيلها فِي ذَلِك سَبِيل لَا إِذا قلت: مَا قَامَ لَا زيد وَلَا عَمْرو.
فَإِن شِئْت أكدت النَّفْي وزدت لَا وَإِن شِئْت حذفتها إِلَّا أَن الْحَذف فِي لَا الأولى أَكثر فِي وَلَا اعْلَم أحدا من النَّحْوِيين الْمُتَقَدِّمين يمْنَع من إجَازَة حذفهَا فِي قَوْلك: خُذ الدَّرَاهِم وَإِمَّا الدِّينَار وجالس زيدا وَإِمَّا عمرا فقياسها مَا ذكرت لَك فِي لَا وَالْكَلَام لَا يلتبس بطرحها وَمَعْنَاهُ بنقصانها كمعناه بزيادتها فَمَا الَّذِي منع مَعَ هَذَا كُله من تَجْوِيز طرحها وَقد يطْرَح من الْكَلَام مَا هُوَ أولى بالإثبات مِنْهَا. انْتهى.
وَلَا يخفى أَن حذفهَا خَاص بالشعر وَجَوَاز حذفهَا فِي الْكَلَام لَا قَائِل بِهِ.
وَأما قَوْله وَلَا أعلم أحدا من النَّحْوِيين الْمُتَقَدِّمين ... . إِلَخ فالمنقول عَنْهُم خلاف مَا نَقله فَالْأولى تَعْلِيل حذفهَا بِالضَّرُورَةِ أَيْضا.
وَقَالَ النّحاس بعد نقل كَلَام الْمبرد: وَلم يحْتَج أَبُو الْحسن لسيبويه فِي هَذَا بِشَيْء وَكَانَ القَوْل عِنْده مَا قَالَ الْأَصْمَعِي وَكَانَ شَدِيد الْميل إِلَى مَا قَالَه
стр. 5288
الْأَصْمَعِي فِي اللُّغَة.)
أَلا ترى أَن أَبَا زيد قد حكم للأصمعي على سِيبَوَيْهٍ فِي اللُّغَة وَقَالَ: هَذَا أعلم باللغة وَهَذَا أعلم بالنحو يَعْنِي سِيبَوَيْهٍ.
وَأَن أستاذ سِيبَوَيْهٍ الْخَلِيل قد أَخذ عَن الْأَصْمَعِي شَيْئا من اللُّغَة وَلم يكن أَبُو إِسْحَاق الزّجاج يمِيل إِلَى شيءٍ من هَذَا وَقَالَ: من نظر إِلَى كتاب سِيبَوَيْهٍ وَمَا ذكر فِيهِ من الْأَبْنِيَة وقف على تقدمه على الْجَمَاعَة فِي اللُّغَة.
قَالَ: وَالْقَوْل مَا قَالَه سِيبَوَيْهٍ لِأَنَّهُ وصفهَا بِالْخصْبِ وَأَنَّهَا لَا تعدم الرّيّ مَا
سقتها الرواعد إِمَّا من صيف وَإِمَّا من خريف فَلَنْ تعدم الرّيّ.
وعَلى مَذْهَب الْأَصْمَعِي والمبرد إِن لم يسقها الخريف عدمته لِأَنَّهُ قَالَ: وَإِن سقتها لن تعدم الرّيّ. وَإِن أَرَادَ لَا تعدم الرّيّ الْبَتَّةَ فَهَذَا قَول سِيبَوَيْهٍ. أَلا ترى أَن قبله: إِذا شَاءَ طالع مسجورة الْبَيْت انْتهى.
وَأما قَول الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة: لَا نسلم أَن الْمَقْصُود وصف هَذَا الوعل بِالريِّ على كل حَال وَإِنَّمَا الْغَرَض وصف حَاله بِحَسب الْوَاقِع فَأخْبر أَولا بِمَا وَقع من سقِِي سحائب الصبيف لَهُ وَذَلِكَ مقتضٍ لريه مِنْهَا. ثمَّ اخبر بِأَنَّهُ سحائب الخريف إِن سقته بعد ذَلِك حصل لَهُ الرّيّ المستمر.
وَلَو سلم أَن الْمَقْصُود مَا ذكر من وَصفه بِالريِّ دَائِما فَمَعَ الْإِتْيَان بإما الَّتِي هِيَ لأحد الشَّيْئَيْنِ لَا يلْزم ذَلِك. انْتهى.
فقد رد عَلَيْهِ ابْن الملا بِوُجُوه: أَحدهَا: كَيفَ لَا يكون الْغَرَض ذَلِك وَهُوَ بصدد بَيَان نجاته من الحتف إِذْ المُرَاد أَنه لَو نجا حَيَوَان من الْمَوْت لنجا هَذَا الوعل الَّذِي تكفل لَهُ ربه برزقه وَأَسْكَنَهُ أخصب أرضه فَهُوَ فِي ريٍ لَا ينقكطع وَطيب عيشٍ مُسْتَمر من غير حيلةٍ مِنْهُ.
وَلَو كَانَ المُرَاد وصف حَاله بِحَسب الْوَاقِع لم يكن فِي تَخْصِيصه بِالذكر فَائِدَة إِذْ كل مَخْلُوق شَأْنه من اللطف الإلهي مثل ذَلِك.
стр. 5289
ثَانِيهَا: أَنه لَا يلْزم من إخْبَاره بِأَن سحائب الخريف وَإِن سقته بعد ذَلِك حُصُول الرّيّ المستمر لَهُ وَإِنَّمَا يلْزم حُصُول الرّيّ المستمر أَن لَو أخبرهُ أَن سحائب الخريف إِذا سقته بعد ذَلِك يرْوى.
)
ثَالِثهَا: أَن دَعْوَاهُ أَن ألإتيان بإما الَّتِي لأحد الشَّيْئَيْنِ لَا يأتى مَعَه الْوَصْف بِالريِّ على الدَّوَام محصلها دَعْوَى الْمُنَافَاة بَين دوَام الرّيّ والسقي من اُحْدُ الشَّيْئَيْنِ وَهِي مَمْنُوعَة لصِحَّة قَوْلنَا دَائِما: الرّيّ حَاصِل إِمَّا من سقِِي سحائب الصَّيف وَإِمَّا من سقِِي سحائب الخريف.
فالقضية وَإِن كَانَ حمليه لَكِنَّهَا شَبيهَة بمنفصله مَانِعَة الْخُلُو فَهِيَ فِي حكمهَا. وَقيد الدَّوَام عِنْدهم سور الْإِيجَاب الْكُلِّي فِي بَاب المنفصلات.
وَأما الْجَواب بِمَنْع أَنَّهَا لمُجَرّد أحد الشَّيْئَيْنِ بل هِيَ لتفصيل المسقي مِنْهُ وَحِينَئِذٍ مَعَ الْإِتْيَان بهَا يلْزم الرّيّ دَائِما فَفِيهِ أَن الْمُخْتَار فِيهَا وَفِي أَو أَنَّهُمَا لأحد الشَّيْئَيْنِ أَو الْأَشْيَاء.
هَذَا كَلَامه. وَمن خطه نقلت.
وَالْوَجْه الثَّانِي لَا معنى لَهُ. وَكَأن الدماميني فهم من قَوْلهم: المُرَاد وصف الوعل بِالريِّ على كل حَال أَن ريه إِنَّمَا يكون بِمَجْمُوع المطرين لَا بِأَحَدِهِمَا فَقَالَ: وَلَو سلم أَن الْمَقْصُود ريه دَائِما فَمَعَ أفتيان بإما ... إِلَخ وَلَيْسَ مُرَادهم مَا فَهموا.
وَإِنَّمَا أَرَادوا أَن الرّيّ يحصل بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا سَوَاء كَانَ مطر الصَّيف فَقَط أَو مطر الخريف فَقَط فَهُوَ على كل حَال مِنْهُمَا مرتو.
فَلَو كَانَ الْمَعْنى على الشَّرْط فَلَا يتَحَقَّق الرّيّ لَهُ على كل حَال بل إِن حصل مطر الخريف ارتوى وَإِن لم يحصل فَلم يرتو فَإِن الشَّرْط قد يتَخَلَّف كَمَا هُوَ ظَاهر.
وَبَقِي احْتِمَال آخر فِي الْبَيْت على مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ. وَهُوَ ان يكون تَقْدِيره: إِن من صيفٍ وَأَن من خريف فحذفت إِن الأولى لدلَالَة الثانيه عَلَيْهَا وأصلهما إِمَّا فحذفت مِنْهُمَا مَا كَمَا فِي قَوْله: فَإِن جزعاً وَإِن إِجْمَال صَبر
стр. 5290
بَقِي قَول آخر أوردهُ أَبُو عَليّ فِي كتاب الشّعْر وَنَقله ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي قَالَ وَزعم أَبُو عُبَيْدَة أَن إِن زَائِدَة وَجَاءَت زيادتها هُنَا كَمَا جَاءَت زيادتها نَحْو: مَا إِن فعلت. وَهَذَا كَقَوْلِك: ضرب الْقَوْم زيدا من دَاخل
وَمن خَارج. انْتهى.
هَذَا وَقد قَالَ أَبُو عَليّ فِي البغداديات: أَقُول إِن الشّعْر قَالَ هَذَا الْبَيْت فِي أَبْيَات يصف فِيهَا وَعلا وَقَبله:
(إِذا شَاءَ طالع مسجورةً ... يرى حولهَا النبع والساسما))
(تكون لأعدائه محهلاً ... مضلاً وَكَانَت لَهُ معلما)
سقتها الرواعد ... ... ... ... . . الْبَيْت قَوْله: مسجورة يُرِيد: عينا كَثِيرَة المَاء إِذا شَاءَ هَذَا الوعل طالع مسجورة فَقَوله: تكون: صفة لمسجورة وَكَذَلِكَ سقتها يكون صفة لمسجورة.
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ثَعْلَب عَن سَعْدَان عَن الْأَصْمَعِي. وَكِتَابنَا كتاب سِيبَوَيْهٍ: سقته فَيجوز أَن يكون رَجَعَ إِلَى الوعل أَو حمله على الْمَعْنى. وَالْوَجْه أَن يكن للعين فَيكون الْمَعْنى: سقت الرواعد من السَّحَاب هَذِه المسجورة إِمَّا من صيف وَإِمَّا من خريف أَي: فَهِيَ على كل حَال لَا تعدم السَّقْي إِمَّا صيفاً وَإِمَّا خَرِيفًا وَذَلِكَ فِي صفة هَذِه الْعين أرْخى لبال هَذَا الوعل. وفاعل يعْدم على هَذَا الْعين. انْتهى.
стр. 5291
أَقُول: إِذْ كَانَ فَاعل يعْدم الْعين المسجورة يجب أَن يكون تعدم بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة وَالْمَشْهُور إِنَّمَا هُوَ بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّة.
ثمَّ جوز أَن تكون إِن شَرْطِيَّة وَالْألف فِي يعدما ضمير مثنى فَقَالَ: وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى: سقت الرواعد من السَّحَاب هَذِه الْعين أَو هَذَا الوعل وَإِن سقت الْعين أَو الوعل من الخريف فَلَنْ تعدم الْعين السَّقْي والوعل الرّيّ. وَدفع بَعضهم هَذَا وَقَالَ: لَا معنى لَهُ.
-
وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ غير مُمْتَنع إِلَّا أَن التَّأْوِيل الأول أسهل فِي الْمَعْنى وَأدْخل فِيمَا يَعْتَرِضهُ الشَّاعِر وَإِن اعْترض فِي لَفظه حذف إِمَّا الأولى لِأَن الثَّانِيَة تدل عَلَيْهَا. وَالْفَاء فِي فَلَنْ على هَذَا التَّأْوِيل جَوَاب الْجَزَاء وَفِي التَّأْوِيل الأول عاطفة جملَة على جملَة. انْتهى.
وَالْبَيْت من قصيدة للنمر بن تولب الصَّحَابِيّ فِيهَا عدَّة أَبْيَات شَوَاهِد فَلَا بَأْس بإيرادها وَشَرحهَا.
وَهِي هَذِه: المتقارب
(سلا عَن تذكره تكتما ... وَكَانَ رهيناُ بهَا مغرما)
(وأقصر عَنْهَا وآياتها ... يذكرنه داءه الأقدما)
(فأوصي الْفَتى بابتناء الْعَلَاء ... وَأَن لَا يخون وَلَا يأثما)
(ويلبس للدهر أجلاله ... فَلَنْ يبيني النَّاس مَا هدما)
(وَإِن أَنْت لاقيت فِي نجدةٍ ... فَلَا تتهيبك أَن تقدما))
стр. 5292
(وَإِن تتخطاك أَسبَابهَا ... فَإِن قصارك أَن تهرما)
(فأحبب حَبِيبك حبا رويداً ... فَلَيْسَ يعولك أَن تصرما)
(فتصرم بالود من وَصله ... رقيقٌ فتسفه أَو تندما
)
(وَأبْغض بَغِيضك بغضاً رويداً ... إِذا أَنْت حاولت أَن تحكما)
(وَلَو أَن من حتفه ناجياً ... لألفيته الصدع الأعصما)
(بإسبيل أَلْقَت بِهِ أمه ... على رَأس ذِي حبكٍ أَيهمَا)
(إِذا شَاءَ طالع مسجورةً ... ترى حولهَا النبع والساسما)
(تكون لأعدائه مجهلا ... مضلاً وَكَانَت لَهُ معلما)
(سقتها رواعد من صيفٍ ... وَإِن من خريفٍ فَلَنْ يعدما)
(أتاح لَهُ الدَّهْر ذَا وفضةٍ ... يقلب فِي كَفه أسهما)
(فَأرْسل سَهْما على غرةٍ ... وَمَا كَانَ يرهب أَن يكلما)
(فَأخْرج سَهْما لَهُ أهزعاً ... فَشك نواهقه والفما)
(فظل يشب كَأَن الولو ... ع كَانَ بِصُحْبَتِهِ مغرما)
(فأدركه مَا أَتَى تبعا ... وأبرهة الْملك الأعظما)
...
стр. 5293
(ليَالِي حمقٍ فاستحصنت ... إِلَيْهِ فغر بهَا مظلما)
(فأحبلها رجلٌ نابهٌ ... فَجَاءَت بِهِ رجلا محكما
)
هَذِه القصيدة بِتَمَامِهَا من رِوَايَة مُحَمَّد بن حبيب وَلم يكْتب على البتين الْأَوَّلين شَيْئا سوى قَوْله: الْآيَات: الْآثَار والعلامات.
وَقَالَ السُّيُوطِيّ: سلا: أَمر من السُّؤَال للاثنين. وَشَرحه شَارِح ديوانه على أَنه ماضٍ من السلو.
قَالَ ابْن الملا: وَمَا عَلَيْهِ هَذَا الشَّارِح هُوَ الظَّاهِر لملايمته لقَوْله فِي الْبَيْت الثَّانِي: وأقصر عَنْهَا.
وَأَيْضًا تذكيره بالداء الأقدم إِنَّمَا يُنَاسب أَن يكون خَالِيا عَنهُ الْآن. على أَنه لَو كَانَ من السُّؤَال لَكَانَ حق الْعبارَة: فقد كَانَ رهيفاً بِالْفَاءِ كَمَا لَا يخفى. انْتهى.
وفاعل سلا على هَذَا ضمير العاشق وَإِلَيْهِ تعود الْهَاء فِي تذكره وَعَن مُتَعَلقَة بسلا والتذكر مصدر مُضَاف إِلَى الْفَاعِل وَالْمَفْعُول تكْتم بمثناتين فوقيتين أولاهما مَضْمُومَة: علم امْرَأَة ونصبه بِالْمَصْدَرِ الْمُضَاف إِلَى فَاعله والرهين: الْمُرْتَهن. والمغرم: اسْم مفعول من أغرم الشَّيْء أَي: أولع)
بِهِ. كَذَا فِي الصِّحَاح.
وأقصر عَن الشَّيْء: كف عَنهُ وَنزع مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ. فَإِن عجز عَنهُ قيل: قصر عَنهُ. كَذَا فِيهِ أَيْضا. والداء الأقدم أَي: الْقَدِيم هُوَ الْحبّ أَو هُوَ أقدم من كل دَاء.
وَقَوله: فأوصي الْفَتى ... إِلَخ أوصِي: فعل مضارع من الْوَصِيَّة. والْعَلَاء بِالْفَتْح وَالْمدّ: الشّرف والرفعة. وَأَن لَا يخون مَعْطُوف على ابتناء.
وَقَوله: ويلبس للدهر أجلاله أَي: ثِيَابه: جمع جلّ بِالضَّمِّ هُوَ كَقَوْل بيهسٍ الْفَزارِيّ:
стр. 5294
الرجز
(
البس لكل حالةٍ لبوسها ... إِمَّا نعيمها وَإِمَّا بوسها)
وَقَوله: فَلَنْ يبتني النَّاس مَا هدما يَقُول: إِذا ضيع الْفَتى مجده لم يبنه لَهُ النَّاس.
وَقَوله:: إِن أَنْت لاقيت فِي نجدة ... إِلَخ قَالَ مُحَمَّد بن حبيب: النجدة: الْقِتَال.
وَقَوله: لَا تتهيبك مَعْنَاهُ: لَا تتهيبها يُرِيد أَن فِيهِ قلباً وَبِه اسْتشْهد فِي آخر الْمُغنِي.
وَقَوله: فَإِن الْمنية من يخشها ... إِلَخ هُوَ من أَبْيَات الْجمل الزجاجية.
وَأوردهُ ابْن جرير فِي تَفْسِيره على أَن فِي أَيْنَمَا اكْتِفَاء وأينما: ظرف مضمن لِمَعْنى الشَّرْط وَحذف شَرطه وَجَوَابه: أَي: أَيْنَمَا توحه تصادفه. وسوف: للتَّأْكِيد.
وَقيل: إِنَّمَا أُتِي بِهِ لإِخْرَاج الْكَلَام على مُقْتَضى طبع النَّفس فِي إذعانها للْمَوْت مَعَ أمل طول الْحَيَاة.
قَالَ اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل: إِن قيل: كَيفَ قَالَ من يخشها والمنية تصادف من خشيها وَمن لم يخشها فَأَي معنى للشّرط قلت: هُوَ خطاب لمن ظن أَن خَشيته تنجيه من الْمَوْت على جِهَة الرَّد عَلَيْهِ وَإِبْطَال ظَنّه ومعتقده. انْتهى.
وَقَالَ الجواليقي فِي شرح أدب الْكَاتِب: النجدة: الشجَاعَة والبأس وَالْقُوَّة وَحذف مفعول لاقيت يُرِيد: إِذا لاقيت قوما ذَوي نجدةٍ فِي حَرْب وَنَحْوهَا فَلَا تتهيب الْإِقْدَام عَلَيْهِم فَإِن الَّذِي يخْشَى الْمنية تَلقاهُ أَيْن ذهب من الأَرْض فَهُوَ من المقلوب.
стр. 5295
-
وَقَوله: وَإِن تتخطاك أَسبَابهَا ... إِلَخ التخطي: التجاوز. وَأَسْبَاب الْمنية: مَا يُؤَدِّي إِلَيْهَا من مرض وَغَيره. وقصاراك بِضَم الْقَاف: غايتك.
والهرم: انحطاط القوى من طول الْعُمر. يَقُول: إِن تتجاوزك أَسبَاب الْمنية فَإِن غايتك الْهَرم)
وتبديل وجودك بِالْعدمِ.
وَقَوله: فَلَيْسَ يعولك أَن تصرما قَالَ مُحَمَّد بن حبيب: يعولك: يشق عَلَيْك. وعالني الْأَمر: شقّ عَليّ. والعول الْمصدر.
قَالَ الخنساء: المتقارب يحملهُ الْقَوْم مَا عالهم قَالَ السُّيُوطِيّ فِي شرح أَبْيَات الْمُغنِي: هَذَا مَأْخُوذ من قَوْله ﷺ َ: أحبب حَبِيبك هونا مَا عَسى أَن يكون بَغِيضك يَوْمًا مَا وَأبْغض بَغِيضك هونا مَا عَسى أَن يكون حَبِيبك يَوْمًا مَا أخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عَمْرو وَابْن عدي من حَدِيث عَليّ بن أبي طَالب. وَكَأن النمر سَمعه من النَّبِي ﷺ َ فعقده فِي نظمه.
وتسفه: تجْهَل. وتظلم تضع ودك فِي غير مَوْضِعه. وتحكم أَي: تكون حكيماً. انْتهى.
وَقَوله: وَلَو أَن من حتفه ناجياً ... إِلَخ ناجياً اسْم أَن وَالْمَجْرُور قبله مُتَعَلق بِهِ وخبرها مَحْذُوف أَي: وَلَو أَن شخصا ناجياً من مَوته مَوْجُودا لَكَانَ
стр. 5296
ذَلِك
النَّاجِي هُوَ الصدع. وهُوَ: ضمير فصل. الحتف: الْهَلَاك.
وألفيته: وجدته. والصدع بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَالدَّال بعْدهَا عين مُهْملَة قَالَ ابْن حبيب: هُوَ الوعل بَين الجسيم والضئيل وَهُوَ الْوسط من كل شَيْء يُقَال: رجل صدع وَفرس صدع.
والعصمة بِالضَّمِّ: بَيَاض فِي يَده. انْتهى.
والوعل: تَيْس الْجَبَل.
وَقَوله: بإسبيل أَلْقَت بِهِ أمه ... إِلَخ إسبيل كقنديل قَالَ ابْن حبيب: هُوَ بلد.
وَأنْشد لبَعض اليمانين: الرجز والأيهم: أعمى الطَّرِيق لَا يَهْتَدِي طَرِيقه وَلَا يعرفهُ أحد. انْتهى.
والحبك بِضَمَّتَيْنِ: الطرائق يُرِيد: أَن أمه وَلدته فِي جبل ذِي طرائق لَا يَهْتَدِي إِلَيْهَا من أَرض إسبيل. وَذي حبك: صفة لموصوف مَحْذُوف وَهُوَ جبل. وأيهم كَذَلِك.
وَقَوله: إِذا شَاءَ طالع مسجورةً ... إِلَخ فِي الصِّحَاح: طالعت الشَّيْء أَي: اطَّلَعت عَلَيْهِ.
والاطلاع على الشَّيْء: الإشراف عَلَيْهِ. وَقَالَ السُّيُوطِيّ: طالع: أَتَى يُقَال فلَان طالع قرينه)
أَي: يَأْتِيهِ.
ومسجورة بِالسِّين الْمُهْملَة وَالْجِيم قَالَ ابْن حبيب: أَي مَمْلُوءَة يُرِيد أَنَّهَا صفة الْعين كَمَا قَالَ الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات وأنشدها هَذَا الْبَيْت: المسجورة: الْعين المملوءة.
وَيرى: بالتحتية فَاعله ضمير الصدع ويروى بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة أَي: أَنْت.
والنبع بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْمُوَحدَة: شجر يتَّخذ مِنْهُ الْقوس. والساسم: بسينين مهملتين قَالَ ابْن حبيب: يُقَال إِنَّه الآبنوس.
قَالَ الدينَوَرِي: زَعَمُوا أَن الْقوس يتَّخذ من
стр. 5297
الساسم ومنابته الشواهق حَيْثُ منابت النبع. وَقد وَصفه حميد فِي شعره باللين.
وَزعم قوم أَن الساسم الشيز وَلَا أعلم مَا فِي الشيز مَا يَدْعُو إِلَى اتِّخَاذ القسي مِنْهُ. انْتهى.
وَقَوله: تكون لأعدائه أَي: تكون تِلْكَ الْعين المسجورة لأعداء الصدع وأعداؤه النَّاس.
ومجهل بِفَتْح الْمِيم وَالْهَاء: أَرض يجهل سالكها الطَّرِيق ويضيع فِيهَا.
ومضل بِفَتْح الْمِيم وَكسر الصَّاد: أَرض يضلب فِيهَا سالكها لعدم مَعْرفَته طرقها ومعمل بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام: أَرض يَهْتَدِي فِيهَا سالكها بعلاماتها.
وَقَوله سقته الرواعد الْهَاء ضمير مسجورة. كَذَا رِوَايَة مُحَمَّد بن حبيب وَغَيره كَمَا مر عَن أبي عَليّ. والرواعد: جمع راعدة وَهِي السحابة الماطرة وفيهَا صَوت الرَّعْد غَالِبا.
والصيف بتَشْديد الْيَاء الْمَكْسُورَة: الْمَطَر الَّذِي يَجِيء فِيهِ الصَّيف. والخريف: الْفَصْل الْمَشْهُور إِلَّا أَنه أطلق وَأُرِيد بِهِ مطره كَمَا أطلق الرّبيع وَأُرِيد بِهِ مطره مَعَ الصَّيف أَيْضا فِي قَوْله: الطَّوِيل سقى الله نجداً من ربيع وصيفٍ وَقَوله: أتاح لَهُ الدَّهْر ... إِلَخ قَالَ ابْن حبيب: أتاح: قدر. والوفضة الكنانة الَّتِي تكون فِيهَا السِّهَام. انْتهى.
-
والدهر: فَاعل أتاح ومفعوله: ذَا وَفِضة وَأَرَادَ بِهِ الصياد.
стр. 5298
وَقَوله: فَأرْسل سَهْما ... إِلَخ أَي: رَمَاه ذُو الوفضة بِسَهْم على غرَّة بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَقَوله: وَأخرج سَهْما لَهُ أهزعاً قَالَ ابْن حبيب: الأهزع: آخر سهم يبْقى فِي الكنانة. يُقَال: مَا كِنَانَته أهزع أَي: سهم وَاحِد.)
قَالَ ابْن السّكيت: هَذَا مِمَّا لَا يتَكَلَّم بِهِ إِلَّا مَعَ الْجحْد. وَقد أَتَى النمر بِهِ من غير جحد. انْتهى.
والنواهق قَالَ السُّيُوطِيّ: العظمان فِي الْوَجْه فِي مجْرى الدمع.
وَقَوله: فظل يشب بِكَسْر الشين قَالَ ابْن حبيب يشب: يرفع يَدَيْهِ حِين أَصَابَهُ السهْم.
والولوع بِفَتْح الْوَاو: الْقدر والحين. انْتهى.
وَقَوله: فأدركه مَا أَتَى تبعا أَي: أدْرك الصدع مَا أَتَى تبعا وَهُوَ الْمَوْت. وَتبع: ملك الْيمن.
وأبرهة الأشرم: ملك الْحَبَشَة.
وَقَوله: لقيم بن لُقْمَان من أُخْته. . إِلَخ ترك مَا كَانَ فِيهِ وسلك طَرِيقا أُخْرَى بِلَا مُنَاسبَة وَهُوَ الْمُسَمّى فِي البديع بالاقتضاب. وَهُوَ من أَبْيَات ابْن النَّاظِم قَالَ ابْن حبيب: ذكرُوا أَن أُخْت لُقْمَان كَانَت عِنْد رجل فَكَانَت تَلد لَهُ أَوْلَادًا ضعافاً فَقَالَت لامراة لُقْمَان: هَل لَك أَن أجعَل لَك جعلا وتأذني لي أَن آتِي لُقْمَان اللَّيْلَة فأسكرته واندست لَهُ أُخْته فَوَقع عَلَيْهَا لُقْمَان فَلَمَّا كَانَت اللَّيْلَة الْقَابِلَة أَتَتْهُ امْرَأَته فَوَقع عَلَيْهَا فَقَالَ: هَذَا حرٌ مَعْرُوف. وَكَأَنَّهُ استنكره. انْتهى.
وَمثله للجاحظ فِي الْبَيَان والتبيين قَالَ: كَانَت الْعَرَب تعظم شَأْن لُقْمَان ابْن عَاد الْأَكْبَر والأصغر لقيم بن لُقْمَان فِي النباهة وَالْقدر وَفِي الْعلم
стр. 5299
وَفِي الحكم وَفِي اللِّسَان وَفِي الْحلم. وَهَذَانِ غير لُقْمَان الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن على مَا يَقُول الْمُفَسِّرُونَ.
-
والارتفاع قدره وَعظم شَأْنه قَالَ النمر بن تولب. وَأنْشد هَذِه الأبيات الثَّلَاثَة وَقَالَ: وَذَلِكَ أَن أُخْت لُقْمَان قَالَت لامْرَأَة لُقْمَان: إِنِّي امْرَأَة محمقة ولقمان رجل مُحكم منجب وَأَنا فِي لَيْلَة طهري فهبي لي ليلتك.
فَفعلت فباتت فِي بَيت امْرَأَة لُقْمَان فَوَقع عَلَيْهَا فأحبلها بلقيم فَلذَلِك قَالَ النمر بن تولب مَا قَالَ.
وَالْمَرْأَة إِذا ولدت الحمقى فَهِيَ محمقة وَلَا يعلم ذَلِك حَتَّى يرى ولد زَوجهَا من غير أكياساً.
انْتهى.
قَالَ الْعَيْنِيّ: ويروى أَن لُقْمَان كَانَ لَا يُولد لَهُ فَقَالَ امْرَأَته لأخته: أما تَرين لُقْمَان فِي قوته وَعظم خلقه لَا يُولد لَهُ قَالَت:: فَمَا الْحِيلَة قَالَت امْرَأَته لأخته: تلبسين ثِيَابِي حَتَّى يَقع عَلَيْك فِي الظلمَة فَفعلت فواقعها فَولدت مِنْهُ وَسمي لقيماً بِضَم اللَّام وَفتح الْقَاف. وَكَانَ من أحزم)
النَّاس.
ولقيم: مُبْتَدأ وَقَوله من أُخْته: خَبره وَفِي قَوْله: فَكَانَ ابْن أختٍ لَهُ وابنما دَلِيل على جَوَاز تعاطف الْخَبَرَيْنِ المستقل كلٌ مِنْهُمَا بِنَفسِهِ. وابنم هُوَ ابْن زيدت عَلَيْهِ الْمِيم.
وَقَوله: ليَالِي حمق ... إِلَخ بِضَم الْحَاء وَتَشْديد الْمِيم قَالَ ابْن حبيب: أَي: أسكر حَتَّى ذهب عقله. انمتهى.
وَيَرْوِيه الْمفضل: حمق بِفتْحَتَيْنِ وَزعم أَنه يُقَال حمق إِذا شرب الْخمر وَالْخمر يُقَال لَهَا الْحمق.
وَقَوله: استحصنت بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل قَالَ ابْن حبيب: أَي: أَتَتْهُ وَكَأَنَّهَا حصان كَمَا تَأتي الْمَرْأَة زَوجهَا.
وَقَوله: فغر بهَا غر بِضَم الْغَيْن من الْغرَّة وَهِي الْغَفْلَة. وَقَوله: مظلماً بِكَسْر اللَّام أَي فِي ظلمَة.
стр. 5300
وَقَوله: فأحبلها رجل نابه من النباهة وَهُوَ ارْتِفَاع الذّكر وَهُوَ لُقْمَان.
-
فَجَاءَت أَي: أُخْته بِهِ أَي: بلقيم. محكما بِفَتْح الْكَاف أَي: حكيماً.
وترجمة النمر بن تولب تقدّمت فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالْأَرْبَعِينَ من أَوَائِل الْكتاب.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّانِي بعد التسْعمائَة)
(لقد كذبتك نَفسك فاكذبنها ... فَإِن جزعاً وَإِن إِجْمَال صَبر)
على أَن سِيبَوَيْهٍ قَالَ: الأَصْل فإمَّا جزعاً وَأما إِجْمَال صَبر فَحذف مَا مِنْهُمَا وَبَقِي إِن.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي موضِعين من كِتَابه: الأول: فِي بَاب مَا يضمر فِيهِ الْفِعْل الْمُسْتَعْمل وَتقدم نَقله فِيمَا قبل هَذَا وَهُوَ قَوْله بعد إنشاد الْبَيْت: هَذَا على إِمَّا وَلَيْسَ على إِن الْجَزَاء
стр. 5301
كَقَوْلِك: إِن حَقًا وَإِن كذبا. فَهَذَا على إِمَّا مَحْمُول.
-
أَلا ترى أَنَّك تدخل الْفَاء وَلَو كَانَت على أَن الْجَزَاء وَقد اسْتقْبلت الْكَلَام لاحتجت إِلَى الْجَواب.
فَإِن قلت: فَإِن جزع وَأَن إِجْمَال صَبر كَانَ جَائِزا كَأَنَّهُ قلت: فإمَّا أَمْرِي جزع وَإِمَّا إِجْمَال صَبر.
إِلَى آخر مَا نَقَلْنَاهُ هُنَاكَ.
وَالثَّانِي فِي: بَاب الْحِكَايَة لَا يُغير فِيهَا الْأَسْمَاء عَن حَالهَا فِي الْكَلَام وَقَالَ فِيهِ: وَالدَّلِيل على أَن مَا مَضْمُومَة إِلَى إِن قَول الشَّاعِر: لقد كذبتك نَفسك ... ... ... ... ... ... ... ... الْبَيْت فَإِنَّمَا يُرِيد إِمَّا وَهِي بِمَنْزِلَة مَا مَعَ أَن فِي قَوْلك: أما أَنْت مُنْطَلقًا انْطَلَقت. انْتهى.
قَالَ أَبُو عَليّ فِي كتاب الشّعْر تَقْدِيره: فإمَّا جزعت جزعاً وَأما أجملت صبرا يدل على ذَلِك أَنه لَا يَخْلُو من أَن تكون إِن الْجَزَاء أَو غَيرهَا فَلَو كَانَت للجزاء وألحقت الْفَاء فِي قَوْلك: فإمَّا أَلا ترى أَنَّك لَو قلت: أَنْت ظَالِم إِن فعلت لسد مَا تقدم مسد الْجَواب وَلَو ألحقت الْفَاء فَقلت أَنْت ظَالِم فَإِن فعلت لزمك أَن تذكر للشّرط جَوَابا وَلَا يجزىء مَا تقدم عَمَّا يَقْتَضِيهِ الشَّرْط من الْجَزَاء.
فَكَمَا أَن إِن فِي قَوْله: فَإِن جزعاً فِي معنى إِمَّا كَذَلِك فِي: المتقارب وَإِن من خريفٍ فَلَنْ يعدما انْتهى.
وَقَالَ أَيْضا فِي البغدايات: لَا يصلح أَن تكون إِن فِي قَوْله: فَإِن جزعاً للجزاء لدُخُول الْفَاء عَلَيْهَا وَأَنَّهَا لَو كات للجزاء للزمها الْجَواب فَلَمَّا لم تصلح أَن تكون للجزاء حملت على أَنَّهَا المحذوفة من إِمَّا.
فَهَذَا وَجه اسْتِدْلَال سِيبَوَيْهٍ بِدُخُول الْفَاء. وَذهب بَعضهم إِلَى أَن مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ فِي إِمَّا هُوَ أَنَّهَا)
إِن
стр. 5302
الَّتِي للجزاء ضمت إِلَيْهَا مَا. وَهَذَا عِنْدِي غلط عَلَيْهِ
وَقد قَالَ مَا لَا يجوز مَعَه ظن هَذَا بِهِ.
أَلا ترَاهُ قَالَ: وَلَو قلت إِن جزع وَإِن إِجْمَال صَبر كَانَ جَائِزا كَأَنَّك قلت: فإمَّا أَمْرِي جزع وَإِمَّا إِجْمَال صَبر. لِأَنَّك لَو صححتها فَقلت إِمَّا جَازَ ذَلِك فِيهَا.
وَقَالَ أَيْضا: إِمَّا يجْرِي مَا بعْدهَا على الِابْتِدَاء فَفِيمَا قَالَه فِي هذَيْن الموضعن إجَازَة وُقُوع الْمُبْتَدَأ بعد إِمَّا. وَمن مذْهبه الَّذِي لَا يدفهع أَن لَا يَقع الِابْتِدَاء بعْدهَا فَكيف يكون عِنْده أَن إِمَّا إِنَّمَا هِيَ إِن الْجَزَاء وَذَلِكَ لَا يسوغ.
أَلا ترى أَنَّك تَقول: ضربت إِمَّا زيدا وَإِمَّا عمرا وَتقول: ذهب إِمَّا زيد وَإِمَّا عَمْرو فول كَانَت إِن الْجَزَاء لما عمل مَا قبلهَا فِيمَا بعْدهَا ولكان ذهب فعلا فَارغًا لَا فَاعل لَهُ.
فَإِن قَالَ: يكون انتصاب الِاسْم بعده بِفعل مُضْمر كَأَنَّهُ قيل: ضربت إِن ضربت زيدا. فَلَيْسَ هَذَا الْغَرَض الْمَوْضُوع لهَذَا الْمَعْنى وَلَا الْمَفْهُوم من هَذَا اللَّفْظ.
أَلا ترى أَن المُرَاد إِنَّمَا هُوَ ضربت أَحدهمَا. على أَن ذَلِك فَاسد لِأَن ذهب يبْقى بِلَا فَاعل وَلَا يجوز أَن يضمر. وَيدل أَيْضا على فَسَاده قَوْلك: إِمَّا أَن تقوم وَإِمَّا أَن لَا تقوم وَقَوله: يَا ذَا القرنين إِمَّا أَن تعذب وَإِمَّا أَن تتَّخذ فيهم حسنا.
أَلا ترى أَن هَذَا لَو كَانَ إِن فِيهِ للجزاء لم يجز وُقُوع الْمُبْتَدَأ بعده وللزم أَن يجازى بِمَا يجازى بِهِ إِن وَلم يتَقَدَّم مَا يُغني عَن الْجَواب. فَهَذَا التَّوَهُّم على سِيبَوَيْهٍ فَاسد.
فَإِن قَالَ:: مَا أنْكرت أَن يكون مَا ذهبت إِلَيْهِ من أَن إِن فِي إِمَّا للشّرط مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ لِأَنَّهُ قد ذكر أَن إِن على أَرْبَعَة أوجه: المخففة وَلَيْسَ هَذَا من موَاضعهَا والنافية وَلَا نفي هُنَا وزائدة بعد مَا النافية فَلَمَّا لم يجز أَن تكون
стр. 5303
وَاحِدَة من الثَّلَاث وَجب أَن تكون الشّرطِيَّة لِأَنَّك فِي إِمَّا لَا تبت على الشَّيْء كَمَا لَا تبت فِي الْجَزَاء فَلَمَّا شابهتها فِي هَذَا الْموضع وَلم تكن وَاحِدَة من الثَّلَاث لزم أَن تكون إِيَّاهَا.
-
فَالْجَوَاب: لَيْسَ فِي قَوْله إِن أَن تكون على أَرْبَعَة أوجه مَا يُوجب أَن تكون إِن هَذِه إِن الْجَزَاء لما قدمنَا من الدَّلِيل فِي امْتنَاع ذَلِك أَن تكون إِيَّاهَا وَإِنَّمَا لم يذكر إِن هَذِه فَيَجْعَلهُ قسما خَامِسًا لِأَنَّهُ لَا يسْتَعْمل فِي الْكَلَام إِلَّا فِي الشّعْر.
فَإِن قلت: فَمَا جِهَة الْفَائِدَة فِي إِعْلَامه أَن إِن من إِمَّا قلت: يعلم مِنْهُ أَن الْحَرْف المدغم نون وَلَيْسَ بميم لِأَن الشَّاعِر لما اضْطر فَحذف مَا وَأظْهر)
النُّون علم بِهِ أَن ذَلِك أَصله وَأَنَّهَا مركبة وَإِن أَرَادَ أَن إِمَّا أَصْلهَا إِن ثمَّ ضم إِلَيْهَا مَا كَمَا ضمت إِلَى لَو فِي لوما. فَذَلِك لَا يمْتَنع وَلَا دلَالَة على أَنَّهَا الْجَزَاء. انْتهى.
وَقد أَطَالَ من غير أَن يعين نوعها وَمَا الْمَانِع من كَونهَا فِي الأَصْل للشّرط ثمَّ لما ركبت مَعَ مَا انسلخت عَن الشَّرْط وَصَارَت مَعَ مَا لِمَعْنى آخر.
وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّارِح الْمُحَقق بقوله: وَلَا منع من تغير كعنى الْكَلِمَة وحالها بالتركيب إِلَخ.
وَقَول الشَّارِح: وَقَالَ غَيره أَي غير سِيبَوَيْهٍ: هُوَ مُفْرد غير مركب وَأول الْبَيْتَيْنِ بإن الشّرطِيَّة وَشَرطهَا كَانَ المحذوفة أَي: فَإِن كَانَ جزعاً أَقُول: الْبَيْت الأول:
стр. 5304
قَالَ الْأَصْمَعِي وَتَبعهُ الْمبرد: إِن إِن فِيهِ شَرْطِيَّة وَالشّرط مَحْذُوف أَي: وَإِن سقته من خريف فَحذف لدلَالَة مَا قبله عَلَيْهِ وَجُمْلَة فَلَنْ يعدما: هُوَ الْجَزَاء. كَمَا تقدم. فالمحذوف فعل مَدْلُول عَلَيْهِ لَا كَانَ.
وَأما الْبَيْت الثَّانِي فقد قَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن تكون إِن فِي شَرْطِيَّة حذف جوابها لفهم الْمَعْنى وَالتَّقْدِير: فَإِن كنت ذَا جزع فَلَا تجزع وَإِن كنت مُجمل صبرٍ فأجمل الصَّبْر. حَكَاهُ الْمرَادِي فِي الجنى الداني وَشرح التسهيل. فَكَانَ
الْمُنَاسب لتقدير الشَّارِح أَولا: إِمَّا تجزع جزعاً أَن يقدره هُنَا بِالْخِطَابِ. كَمَا حَكَاهُ الْمرَادِي.
وَنَقله عَن سِيبَوَيْهٍ أَن التَّقْدِير عِنْده: إِمَّا تجزع جزعاً خلاف الْوَاقِع كَمَا يعلم من نقلنا كَلَامه فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وَإِنَّمَا قدر سِيبَوَيْهٍ إِن بإما فَأَرَادَ الشَّارِح أَن يدرج فِي نقل هَذَا أَن جزعاً مَنْصُوب بِفعل مُقَدّر فَقدر تجزع بِالْخِطَابِ بِنَاء مِنْهُ على أَن المصراع الأول خطاب لمذكر بِدَلِيل: فاكذبنها بنُون التوكيد الْخَفِيفَة.
وَهَذَا تَحْرِيف من النساخ وَإِنَّمَا الرِّوَايَة فاكذبيها بِالْيَاءِ والكافان مكسورتان لِأَنَّهُ خطاب مَعَ امْرَأَته. والمصراع الثَّانِي فِيهِ الْتِفَات من خطابها إِلَى التَّكَلُّم وَلِهَذَا قدره سِيبَوَيْهٍ فِي وَجه الرّفْع بالتكلم.
قَالَ: وَإِن قلت: فَإِن جزع وَإِن إِجْمَال صَبر
كَانَ جَائِزا كَأَنَّك قلت: فإمَّا أَمْرِي جزع وَإِمَّا إِجْمَال صَبر كَمَا تقدم.
فَكَانَ الْوَاجِب ان يقدر على مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ: فإمَّا أجزع جزعاً وَأما
стр. 5305
أجمل الصَّبْر إِجْمَالا. وَأَن يقدر على مَذْهَب غَيره: فَإِن أجزع جزعاً فَأَنا مَعْذُور وَإِن أجمل الصَّبْر إِجْمَالا فَأَنا ممدوح.)
وَالرَّفْع فِي هَذَا رِوَايَة رَوَاهَا صَاحب الأغاني وَالْأسود بن مُحَمَّد الْأَعرَابِي.
وَيَنْبَغِي أَن نورد الآبيات الَّتِي روياها ليتضح مَا ذَكرْنَاهُ قَالَا: قَالَ دُرَيْد بن الصمَّة يرثي مُعَاوِيَة أَخا الخنساء. وقتلته بَنو مرّة: الوافر
(أَلا بكرت تلوم بِغَيْر قدرٍ ... فقد أحفيتني وَدخلت ستري)
(فَإِن لم تتركي عذلي سفاهاً ... تلمك عَليّ نَفسك أَي أعصر)
(أسرك أَن يكون الدَّهْر سدى ... عَليّ بشره يَغْدُو ويسري)
(وَإِلَّا ترزئي نفسا ومالاً ... يَضرك هلكه فِي طول عمري)
(فقد كذبتك نَفسك فاكذبيها ... فَإِن جزعٌ وَإِن إِجْمَال صَبر)
(فَإِن الرزء يَوْم وقفت أَدْعُو ... فَلم يسمع مُعَاوِيَة بن عَمْرو)
(رَأَيْت مَكَانَهُ فعطفت زوراً ... وَأي مَكَان زورٍ يَا ابْن بكر)
(وبنيان الْقُبُور أَتَى عَلَيْهَا ... طوال الدَّهْر من سنةٍ وَشهر)
(وَلَو أسمعته لأتاك ركضاً ... سريع السَّعْي أَو لأتاك يجْرِي)
(بشكة حازمٍ لَا عيب فِيهِ ... إِذا لبس الكماة جُلُود نمر)
(فإمَّا تمس فِي جدثٍ مُقيما ... بمسهكةٍ من الْأَرْوَاح قفر)
(فعز عَليّ هلكك يَا ابْن عمروٍ ... وَمَالِي عَنْك من عزمٍ وصبر)
стр. 5306
قَوْله: أَلا بكرت ... إِلَخ فَاعله ضمير امْرَأَته. وَبكر: أسْرع أَي وَقت كَانَ. وَالْقدر بِسُكُون الدَّال: الْمبلغ والمقدار.
وَقَوله: فقد أحفيتني ... إِلَخ الْتِفَات من الْغَيْبَة إِلَى خطابها. والإحفاء بِالْحَاء الْمُهْملَة: الِاسْتِقْصَاء فِي الْكَلَام والمنازعة.
وَرُوِيَ بدله: فقد أحفظتني يُقَال: أحفظه بِمَعْنى أغضبهُ. وَقَوله: وَدخلت ستري أَي هجمت عَليّ فِي خلوتي وبالغت فِي اللوم.
وسفاهاً: مصدر سافهه وَالْمرَاد سفهاً وَهُوَ نقص فِي الْعقل. وَقَوله: تلمك عَليّ جَوَاب إِن.
ونفسك: فَاعله أَي تلمك نَفسك بسبي عصراً طَويلا أَي عصرٍ وَهُوَ الدَّهْر.
وَرُوِيَ بدله: غير عصر. يَعْنِي: دعيني أبك عَلَيْهِ ليخف مَا بِي الوجد وَإِن تمنعيني أمت وجدا
وَقَوله: أسرك اسْتِفْهَام إنكاري وسدى بِمَعْنى أسدي من السدى بِالْفَتْح وَهُوَ مَا يمد فِي)
النسج.
وَقَوله: وَإِلَّا ترزئي ... إِلَخ أَي: وَإِن لم تتركي عذلي ترزئي. والرزء: الْمُصِيبَة وَالنَّقْص وَفعله من بَاب منع يتَعَدَّى إِلَى مفعلوين: أَحدهمَا: هُنَا نَائِب الْفَاعِل يُقَال: مَا رزأته مَاله أَي: مَا نقصته. وَجُمْلَة يَضرك هلكه: صفة لمَال.
وَقَوله: وَقد كذبتك نَفسك. . إِلَخ فِي النِّهَايَة لِابْنِ الْأَثِير عَن الزَّمَخْشَرِيّ: وَقَول الْعَرَب: كَذبته نَفسه أَي: منته الْأَمَانِي وخيلت إِلَيْهِ من الآمال مَا لَا يكَاد يكون وَذَلِكَ مِمَّا يرغب الرجل فِي الْأُمُور ويبعثه على التَّعَرُّض لَهَا.
وَيَقُولُونَ فِي
стр. 5307
عَكسه: صدقته نَفسه إِذا ثبطته وخيلت إِلَيْهِ الْعَجز والنكد فِي الطّلب. وَمن ثمَّ قَالُوا للنَّفس: الكذوب. انْتهى.
وَكذب بِفَتْح الذَّال وَفِي فاكذبيها بِكَسْرِهَا.
فَظهر بِهَذِهِ الأبيات أَن الْخطاب لمؤنث. وَلم ينتبه لَهُ من شرَّاح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ غير ابْن السيرافي وَأنْشد الْبَيْتَيْنِ قبله كَذَا:
(وَإِلَّا تزرئي أَهلا ومالاً ... يَضرك هلكه وَيطول عمري)
فقد كذبتك نَفسك فاكذبيها ... ... ... ... ... ... . الْبَيْت وَقَالَ: يُخَاطب امْرَأَته.
-
وَلما لم يقف الأعلم على الأبيات وسببها ظن أَنه خطاب لمذكر فَقَالَ وَتَبعهُ ابْن خلف قَالَه دُرَيْد معزيا لنَفسِهِ عَن أَخِيه عبد الله بن الصمَّة وَكَانَ قد قتل: لقد كذبتك نَفسك فِيمَا منتك بِهِ من الِاسْتِمْتَاع بحياة أَخِيك فاكذبنها فِي كل مَا تمنيك بِهِ بعد فإمَّا أَن تجزع لفقد أَخِيك وَذَلِكَ لَا يجدي عَلَيْك شَيْئا وَإِمَّا أَن تجمل الصَّبْر فَلذَلِك أجدى عَلَيْك. هَذَا كَلَامه. وَالرِّوَايَة إِنَّمَا هِيَ فقد إِلَى آخر مَا ذكرنَا.
стр. 5308
وَأنْشد الْعَيْنِيّ الْبَيْت بالتذكير وروى أَوله: وَقد كذبتك وَقَالَ: الْوَاو للْعَطْف إِن تقدمه شَيْء وعَلى هَذَا النمط شرح الْبَيْت.
وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن المصارع الثَّانِي الْتِفَات إل التَّكَلُّم لقَوْل سِيبَوَيْهٍ فِي رَفعه: أَمْرِي جزع. وَإِلَّا فَالظَّاهِر أَنه من بَقِيَّة الْخطاب وَأَن تَقْدِيره فإمَّا تجزعين جوزعاً وَذَلِكَ لَا فَائِدَة فِيهِ وَإِمَّا تجملين)
الصَّبْر إِجْمَالا وَهُوَ أجدى.
وَقَوله: فَلم يسمع مُعَاوِيَة فعل وفاعل وَرُوِيَ: فَلم أسمع من الإسماع وَمُعَاوِيَة مَفْعُوله.
وَقَوله: رَأَيْت مَكَانَهُ فعطفت زوراً أَي: لأجل الزِّيَارَة وَقَوله: وَأي مَكَان زور اسْتِفْهَام أَرَادَ بِهِ النَّفْي. وَيَا ابْن بكر خطاب لنَفسِهِ. وَبكر جده كَمَا يَأْتِي.
وَقَوله: على إرم مُتَعَلق بزور الثَّانِي. وإرم بِكَسْر الْهمزَة وَفتح الرَّاء وَهِي حِجَارَة تنصب علما فِي المفاوز. شبه أَحْجَار قَبره بهَا.
وصير: جمع صيرة بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة وَهِي حَظِيرَة الْغنم شبه مَا حول قَبره بهَا.
وَرُوِيَ بدله: وأحجار ثقال. والسلمات: جمع سَلمَة وَهِي شجر من أَشجَار الْبَادِيَة تقطع أَغْصَانهَا وتوضع على الْقَبْر ووصفها بالسمر ليبسها.
-
وَقَوله: وبنيان الْقُبُور مُبْتَدأ وَجُمْلَة أَتَى ... إِلَخ خَبره. وطوال بِالْفَتْح بِمَعْنى طول فَاعل أَتَى.
وَقَوله: بشكة حَازِم مُتَعَلق بأتاك. والشكة بِالْكَسْرِ: السِّلَاح. والحازم: المتيقظ.
وَقَوله: لَا عيب فِيهِ رُوِيَ بدله: لَا غمز فِيهِ أَي:
стр. 5309
لَا مطْعن فِيهِ. والكمأة: الشجعان جمع كمي بِوَزْن فعيل. قَالَ صَاحب الأغاني: أَي: كَأَن ألوانهم ألوان النمر: سَواد وَبَيَاض من السِّلَاح.
والجدث: بِفَتْح الْجِيم وَالدَّال: الْقَبْر. والمسهكة بِفَتْح الْمِيم وَالْهَاء وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة بَينهمَا: ممر الرّيح.
وَإِنَّمَا رثاه بِهَذِهِ القصيدة مَعَ أَنه لم يكن من قومه لما رَوَاهُ صَاحب الأغاني قَالَ: تحالف دُرَيْد بن الصمَّة وَمُعَاوِيَة بن عَمْرو وتواثقاً: إِن هلك أَحدهمَا أَن يرثيه الْبَاقِي بعده وَإِن قتل أَن يطْلب بثأره فَقتل مُعَاوِيَة بن عمروٍ وَقَتله هَاشم بن حَرْمَلَة المري فرثاه دُرَيْد بِهَذِهِ القصيدة.
ودريد: مصغر أدرد يُقَال: رجل أدرد وَامْرَأَة درداء وَهُوَ الَّذِي كبر حَتَّى سَقَطت أَسْنَانه فَصَارَ يعَض على دردره. وَمِنْه أَبُو الدَّرْدَاء. والصمة بِكَسْر الصَّاد وَتَشْديد الْمِيم مَعْنَاهُ الشجاع.
قَالَ أَبُو حَاتِم السجسْتانِي فِي كتاب المعمرين: عَاشَ دُرَيْد بن الصمَّة الْجُشَمِي نَحوا من مِائَتي سنة حَتَّى سقط حاجباه على عَيْنَيْهِ وَأدْركَ الْإِسْلَام وَلم يسلم وَقتل يَوْم حنين كَافِرًا.
وَقَالَ صَاحب الأغاني: دُرَيْد بن الصمَّة اسْمه مُعَاوِيَة بن الْحَارِث بن بكر
ابْن عَلْقَمَة ابْن خُزَاعَة بن غزيَّة بن جشم بن مُعَاوِيَة بن بكر بن هوزان ودريد بن الصمَّة فَارس شُجَاع شَاعِر فَحل.)
وَجعله مُحَمَّد بن سَلام أول شعراء الفرسان وَقد كَانَ أطول الفرسان الشُّعَرَاء غزواً وأبعدهم أثرا وَأَكْثَرهم ظفراً وأيمنهم نقيبة عِنْد الْعَرَب وأشعرهم.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كَانَ دُرَيْد سيد بني جشم وفارسهم وَقَائِدهمْ وَكَانَ مضفراً مَيْمُون النقيبة غزا نَحْو مائَة غزَاة وَمَا أخفق فِي وَاحِدَة مِنْهَا وَأدْركَ الْإِسْلَام وَلم يسلم وَخرج مَعَ قومه فِي يَوْم حنين مُظَاهرا للْمُشْرِكين وَلَا فضل فِيهِ للحرب وَإِنَّمَا أَخْرجُوهُ
стр. 5310
تيمناً بِهِ وليقتبسوا من رَأْيه فَقتل وَكَانَ لدريد إخْوَة وهم: عبد الله الَّذِي قتلته غطفان وَعبد يَغُوث وَقَتله بَنو مرّة وَقيس وَقَتله بَنو أبي بكر بن كلاب وخَالِد وَقَتله بَنو الْحَارِث بن كَعْب.
وأمهم جَمِيعًا: رَيْحَانَة بنت معد يكرب الزبيدِيّ أُخْت عَمْرو بن معد يكرب كَانَ الصمَّة سباها ثمَّ تزَوجهَا فأولدها بنيه وَإِيَّاهَا عَنى عَمْرو أَخُوهَا لقَوْله فِي شعره: الوافر
(أَمن رَيْحَانَة الدَّاعِي السَّمِيع ... يؤرقني وأصحابي هجوع)
(إِذا لم تستطع شَيْئا فَدَعْهُ ... وجاوزه إِلَى مَا تَسْتَطِيع)
وَلما افْتتح رَسُول الله ﷺ َ مَكَّة لعشر ليالٍ بَقينَ من رَمَضَان سَمِعت بِهِ هوزان فجمعها مَالك بن عَمْرو النصري فاجتمعت إِلَيْهِ ثَقِيف مَعَ هوزان
وَلم يجْتَمع إِلَيْهِ من قيس إِلَّا هوزان وناس قَلِيل من بني هِلَال وَغَابَتْ عَنْهَا كَعْب وكلاب فَجمعت نصر وجشم وَسعد وَبَنُو بكر وَثَقِيف واحتشدت وَفِي بني جشم دُرَيْد بن الصمَّة شيخٌ كَبِير فانٍ لَيْسَ فيخ شَيْء إِلَّا التَّيَمُّن بِرَأْيهِ ومعرفته بِالْحَرْبِ.
وَكَانَ شجاعاً مجرباً وجماع أَمر النَّاس إِلَى مَالك بن عَوْف فَلَمَّا أجمع مَالك الْمسير حط مَعَ النَّاس أَمْوَالهم وأبناءهم ونساءهم فَلَمَّا نزلُوا بأوطاس اجْتمع إِلَيْهِ النَّاس وَفِيهِمْ دُرَيْد بن الصمَّة فِي شجارٍ لَهُ يُقَاد بِهِ فَقَالَ لَهُم دُرَيْد: بِأَيّ وادٍ أَنْتُم قَالُوا: بأوطاس. قَالَ: نعم مجَال الْخَيل لَيْسَ بالحزن الضرس وَلَا السهل الدهس مَا لي أسمع رُغَاء الْبَعِير ونهاق الْحمير وبكاء الصَّغِير وثغاء الشَّاء قَالُوا: سَاق مَالك بن عَوْف مَعَ النَّاس أَبْنَاءَهُم ونساءهم وَأَمْوَالهمْ.
فَقَالَ: أَيْن مَالك فدعى لَهُ بِهِ فَقَالَ لَهُ: يَا مَالك إِنَّك قد أَصبَحت رَئِيس قَوْمك وَإِن هَذَا يَوْم كَائِن لَهُ مَا بعده من الْأَيَّام مَا لي أسمع رُغَاء الْبَعِير ونهيق الْحمير وبكاء الصّبيان وثغاء الشَّاء)
قَالَ:
стр. 5311
سقت مَعَ النَّاس نِسَاءَهُمْ وأبناءهم وَأَمْوَالهمْ: قَالَ: وَلم قَالَ: أردْت أَن أجعَل خلف كل رجل أَهله وَمَاله لِيُقَاتل عَنْهُم.
فوبخه ولامه ثمَّ قَالَ: راعي ضَأْن وَالله أَي: أَحمَق وَهل يرد المنهزم شَيْء إِنَّهَا إِن كَانَت لَك لم ينفعك إِلَّا رجل بِسَيْفِهِ وَرمحه وَإِن كَانَت عَلَيْك فضحت فِي أهلك وَمَالك. ثمَّ قَالَ: مَا فعلت كَعْب وكلاب قَالَ: لم يشْهد مِنْهُم أحد. قَالَ: غَابَ الْجد وَالْحَد لَو كَانَ يَوْم عَلَاء ورفعة لم يغيبوا عَنْك ولوددت أَنكُمْ فَعلْتُمْ مثل مَا فعلوا فَمن شهد مِنْهُم قَالَ: بَنو عَمْرو بن عَامر وَبَنُو عَوْف بن عَامر. قَالَ: ذَانك الجذعان من عَامر لَا يضران وَلَا ينفعان. ثمَّ قَالَ: يَا مَالك إِنَّك لم تصنع شَيْئا بِتَقْدِيم الْبَيْضَة بَيْضَة هوزان إِلَى نحور الْخَيل شَيْئا ارفعها إِلَى أَعلَى بلادها
وعلياء قَومهَا ثمَّ الق بِالرِّجَالِ على متون الْخَيل فَإِن كَانَت لَك لحق بك من وَرَاءَك وَإِن كَانَت عَلَيْك كنت أحرزت مَالك وَأهْلك وَلم تفضح فِي حريمك.
فَقَالَ: لَا وَالله مَا أفعل ذَلِك أبدا إِنَّك قد خرفت وخرف رَأْيك وعلمك وَالله لتطيعنني يَا معاشر هوَازن أَو لأتكئن على السَّيْف حَتَّى يخرج من ظَهْري. وحسد دريداً أَن يكون لَهُ فِي ذَلِك الْيَوْم ذكر ورأي. فقالو لَهُ: أطعناك وَخَالَفنَا دريداً.
فَقَالَ دُرَيْد: هَذَا يَوْم لم أشهده وَلم أغب عَنهُ ثمَّ قَالَ: منهوك الرجز.
(يَا لَيْتَني فِيهَا جذع ... أخب فِيهَا وأضع)
(أَقُود وطفاء الزمع ... كَأَنَّهَا شاةٌ صدع)
فَلَمَّا لَقِيَهُمْ رَسُول الله ﷺ َ انهزم الْمُشْركُونَ فَأتوا الطَّائِف وَمَعَهُمْ مَالك بن عَوْف النصري وعسكر بَعضهم بأوطاس وَتوجه بَعضهم نَحْو نَخْلَة
стр. 5312
وتبعت خيل رَسُول الله ﷺ َ من سلك نَخْلَة فَأدْرك ربيعَة ابْن رفيع السّلمِيّ دُرَيْد بن الصمَّة فَأخذ بِخِطَام جمله وَهُوَ يظنّ أَنه امْرَأَة وَذَلِكَ أَنه كَانَ فِي شجارٍ لَهُ فَأَنَاخَ بِهِ فَإِذا هُوَ بِرَجُل شيخ كَبِير وَلم يعرفهُ الْغُلَام فَقَالَ لَهُ دُرَيْد: مَاذَا تُرِيدُ قَالَ: أَقْتلك. قَالَ: وَمن أَنْت قَالَ: ربيعَة بن رفيع السّلمِيّ. فأنشاً دُرَيْد يَقُول: المتقارب
(
فأقسم لَو أَن بِي قُوَّة ... لظلت فرائصه ترْعد)
(وَيَا لهف نَفسِي أَن لَا تكو ... ن معي قُوَّة الشامخ الْأَمْرَد)
ثمَّ ضربه السّلمِيّ بِسَيْفِهِ فَلم يغن شَيْئا فَقَالَ: بئْسَمَا سلحتك أمك خُذ سَيفي هَذَا من)
مؤخرة رحلي فِي القراب فَاضْرب بِهِ وارفع عَن الْعِظَام واخفض عَن الدِّمَاغ فَإِنِّي كَذَلِك كنت أضْرب الرِّجَال ثمَّ إِذا أتيت أمك فَأَخْبرهَا أَنَّك قتلت دُرَيْد بن الصمَّة فَرب بوم قد منعت فِيهِ نِسَاءَك فَلَمَّا ضربه سقط فانكشف فَإِذا عجانه وبطن فَخذيهِ مثل الفراطيس من ركُوب الْخَيل أعراء. فَلَمَّا رَجَعَ ربيعَة أخبر أمه بقتْله إباه فَقَالَت: قد أعتق قتيلك ثَلَاثًا من أمهاتك
стр. 5313
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّالِث بعد التسْعمائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الطَّوِيل
(
لعمري مَا أَدْرِي وَإِن كنت دارياً ... بِسبع رمين الْجَمْر أم بثمان
)
على أَن الْهمزَة قد تحذف فِي الشّعْر قبل أم الْمُتَّصِلَة فَإِن التَّقْدِير: أبسبع رمين الْجَمْر أم بثمان.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب المنقطعة: زعم الْخَلِيل أَن قَول الأخطل: الْكَامِل كذبتك عَيْنك أم رَأَيْت بواسطٍ الْبَيْت كَقَوْلِك: إِنَّهَا لإبل أم شَاءَ. وَيجوز فِي الشّعْر أَن تُرِيدُ ب كذبتك الِاسْتِفْهَام وتحذف الْألف.
قَالَ الْأسود بن يعفر: الطَّوِيل
(لعمرك مَا أَدْرِي وَإِن كنت دارياً ... شعيث ابْن سهم أم شعيث ابْن منقر)
وَقَالَ أَبُو الْحسن لعمر بن أبي ربيعَة:
(لعمرك مَا أَدْرِي وَإِن كنت دارياً ... بِسبع رمين الْجَمْر أم بثمان)
انْتهى.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي الأخرين حذف ألف الِاسْتِفْهَام ضَرُورَة لدلَالَة أم عَلَيْهَا. وَلَا يكون هَذَا إِلَّا على تَقْدِير الْألف لِأَن قَوْله: مَا أَدْرِي يَقْتَضِي وُقُوع الْألف وأم مُسَاوِيَة لَهَا. انْتهى.
стр. 5314
وَكَذَا جعله ابْن عُصْفُور ضَرُورَة وعمم سَوَاء كَانَت مَعَ أم أم لَا. قَالَ: وَمِنْه حذف همزَة الِاسْتِفْهَام إِذا أَمن اللّبْس للضَّرُورَة كَقَوْل الْكُمَيْت: الطَّوِيل
(طربت وَمَا شوقاً إِلَى الْبيض أطرب ... وَلَا لعباً مني وَذُو الشيب يلْعَب)
يُرِيد: أَو ذُو الشيب يلْعَب.
ثمَّ أنْشد الْبَيْتَيْنِ وَقَالَ: وَقد حذفت مَعَ أم فِي الشاذ فِي قِرَاءَة ابْن مُحَيْصِن: سواءٌ عَلَيْهِم أنذرتهم)
أم لم تنذرهم بِهَمْزَة وَاحِدَة من غير مد وَكَأن الَّذِي سهل حذفهَا كَرَاهِيَة اجْتِمَاع همزتين مَعَ قُوَّة الدّلَالَة عَلَيْهَا.
أَلا ترى أَن سَوَاء تدل عَلَيْهَا بِمَا فِيهَا من معنى التَّسْوِيَة إِذْ التَّسْوِيَة لاتكون إِلَّا بَين اثْنَيْنِ وَيدل عَلَيْهَا مَجِيء أم بعد ذَلِك. انْتهى.
وَذهب جمَاعَة إِلَى أَن الْهمزَة يجوز حذفهَا إِن كَانَت مَعَ أم وَإِلَّا فَلَا.
وَذهب الْأَخْفَش وَتَبعهُ طَائِفَة إِلَى جَوَاز حذفهَا مُطلقًا. وَهُوَ ظَاهر كَلَام ابْن مَالك فِي التَّوْضِيح قَالَ: قد كثر حذف الْهمزَة إِذا كَانَ معنى مَا حذفت مِنْهُ لَا يَسْتَقِيم إِلَّا بتقديرها كَقَوْلِه تَعَالَى: وَتلك نعْمَة.
قَالَ أَبُو الْفَتْح وَغَيره: أَرَادَ: أَو تِلْكَ نعْمَة. ذَلِك قِرَاءَة ابْن مُحَيْصِن: سَوَاء عَلَيْهِم أنذرتهم بِهَمْزَة وَاحِدَة. وَمن ذَلِك قِرَاءَة أبي جَعْفَر: سواءٌ
عَلَيْهِم استغفرت لَهُم بِهَمْزَة وصل.
وَمن حذفهَا فِي الْكَلَام الفصيح قَوْله ﷺ َ: يَا أَبَا ذَر عيرته بِأُمِّهِ أَرَادَ: أعيرته وَمِنْه قَوْله ﷺ َ: أَتَانِي جِبْرِيل فبشرني من مَاتَ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا دخل الْجنَّة. قلت: وَإِن سرق وزنى قَالَ: وَإِن سرق
стр. 5315
وزنى.
أَرَادَ رَسُول الله ﷺ َ: أَو إِن سرق وزنى. وَمِنْه حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن رجلا قَالَ: إِن أُمِّي مَاتَت وَعَلَيْهَا صَوْم شهر أفأقضيه وَفِي بعض النّسخ: فأقضيه.
وَمِنْه أَن الْحسن أَو الْحُسَيْن أَخذ تَمْرَة من تمر الصَّدَقَة فَجَعلهَا فِي فِيهِ فَنظر إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ َ فأخرجها من فِيهِ وَقَالَ: أما علمت وَفِي بعض النّسخ: مَا علمت. انْتهى.
وَالْبَيْت من قصيدة لعمر بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي قَالَهَا فِي عَائِشَة بنت طَلْحَة بن عبيد الله التَّيْمِيّ الصَّحَابِيّ.
وَقَبله:
(لقد عرضت لي بالمحصب من منى ... مَعَ الْحَج شمسٌ سيرت بيمان)
(فَلَمَّا الْتَقَيْنَا بالثنية سلمت ... ونازعني الْبَغْل اللعين عناني)
(بدا لي مِنْهَا معصمٌ حَيْثُ جمرت ... وكفٌ خضيبٌ زينت ببنان)
فوَاللَّه مَا أَدْرِي وَإِن كنت دارياً ... ... ... ... ... ... . الْبَيْت ...
стр. 5316
(
فَقلت لَهَا عوجي فقد كَانَ منزلي ... خصيبٌ لكم ناء عَن الْحدثَان))
(فعجنا فعاجت سَاعَة فتكلمت ... فظلت لَهَا العينان تبتدران)
عرضت: ظَهرت. والمحصب بِالْحَاء وَتَشْديد الصَّاد الْمَفْتُوحَة الْمُهْمَلَتَيْنِ: مَوضِع رمي الْجمار وشمس: أَي: امْرَأَة كَالشَّمْسِ سيرت فِي طرف يمَان بِخِلَاف الشَّمْس الْحَقِيقِيَّة فَإِنَّهَا تسير نَحْو الْمغرب.
وحرفه ابْن الملا فَكَتبهُ: شبهت بيمان وَقَالَ: هُوَ صفة مَحْذُوف أَي: بسيفٍ يمَان شبهها بِهِ فِي البريق واللمعان. هَذَا كَلَامه.
والثنية عِنْد جَمْرَة الْعقبَة. وَلَا يبعد أَن يكون سيرت بثمان أَي: مَعَ نسْوَة ثَمَان وَبِه يظْهر وَجه قَوْله: بِسبع رمين الْجَمْر بالنُّون إِلَّا أَنه يكون فِي ثَمَان الْآتِي إيطاء.
وَقَوله: ونازعني أَي: جاذبني. والنزع: الجذب. وبدا: ظهر. والمعصم بِكَسْر الْمِيم: مَوضِع السوار من الساعد.
وجمرت بِالْجِيم وَتَشْديد الْمِيم: رمت جمتار المنسك وَهِي ثَلَاث جمرات: الْجَمْرَة الأولى وَالْوُسْطَى وجمرة الْعقبَة.
وخضيب: مخضوبة بِالْحِنَّاءِ أَو بغَيْرهَا. والبنان: أَطْرَاف الْأَصَابِع وَقيل: الْأَصَابِع.
فَإِن قيل: مَا معنى تزين الْكَفّ بالبنان وَهِي من تَمام الْخلقَة والزينة إِنَّمَا تكون
بِمَا زَاد عَلَيْهَا فَالْجَوَاب: أَن تِلْكَ الْكَفّ زينت بلطافة البنان وحسنها أَو بمغايرة خضابها فِي اللَّوْن خضاب الْكَفّ.
على أَنا نقُول: لَو أُرِيد أَن الزِّينَة حصلت بِذَات البنان لاستقام
стр. 5317
وَيكون إِشَارَة إِلَى مَا خص الله بِهِ النَّوْع الإنساني من الْأَعْضَاء المتناسبة بِالنِّسْبَةِ إِلَى سَائِر الْحَيَوَان. كَذَا فِي شرح الْمُغنِي لِابْنِ الملا.
وروى ابْن المستوفي المصراع هَكَذَا: وكف لَهَا مخضوبة ببنان فَلَا يرد السُّؤَال وَالْجَوَاب.
وَقَوله: لعمري مَا أَدْرِي رُوِيَ كَذَا بِالْيَاءِ وَالْكَاف. وَرُوِيَ أَيْضا: فوَاللَّه مَا أَدْرِي. والدراية: علم يتخيل. وَجُمْلَة مَا أَدْرِي: جَوَاب الْقسم.
وأدري: يتَعَدَّى لمفعولين وَهُوَ هُنَا مُعَلّق بالاستفهام الْمُقدر فِي بِسبع وَجُمْلَة وَإِن كنت دارياً:)
اعْتِرَاض بَين أَدْرِي وَبَين معموله وَإِن وصلية.
فَإِن قلت: كَيفَ يَنْفِي الدِّرَايَة عَنهُ ثمَّ يثبتها لَهُ قلت: اخْتِلَاف زمانهما نفى التَّنَاقُض.
وَقَالَ السُّيُوطِيّ فِي شرح أَبْيَات الْمُغنِي: قَوْله: وَإِن كنت يحْتَمل أَن تكون إِن نَافِيَة أَي: وَمَا كنت دارياً فَيكون تَأْكِيدًا للجملة قبلهَا. وَيحْتَمل أَن تكون مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة أَي: وَإِنِّي كنت قبل ذَلِك من أهل الدِّرَايَة والمعرفة حَتَّى بدا لي مَا ذكر فسلبت الدِّرَايَة. وَهَذَا الِاحْتِمَال عِنْدِي أظهر.
قلت: أما الأول فبعيد مَعَ أَن الْحمل على التأسيس خير من التَّأْكِيد. وَأما الثَّانِي فَكَانَ يلْزمه أَن يَقُول: وَإِن كنت لدارياً بِاللَّامِ الفارقة.
وَقَوله: رمين بنُون النسْوَة وَهُوَ وَاضح مَعَ مَا قدمنَا. وَقَالَ ابْن الملا: فَإِن قلت: كَانَ الظَّاهِر رمت فَلم أَتَى بضمير الْجمع قلت: للتعظيم الَّذِي يَلِيق بِأَهْل الود السَّلِيم. انْتهى.
-
أَقُول: تَعْظِيم الْغَائِب الْوَاحِد بضمير الْجمع غير مَوْجُود فِي لُغَة الْعَرَب.
стр. 5318
وَقَالَ الدماميني: الضَّمِير عَائِد إِلَى البنان أَو إِلَى الْمَرْأَة وصواحبها.
قَالَ السُّيُوطِيّ: هَذَا الْبَيْت أنْشدهُ الزبير بن بكار بِلَفْظ:
(فوَاللَّه مَا أَدْرِي وَإِنِّي لحاسبٌ ... بسبعٍ رميت الْجَمْر أَو بثمان)
بتاء الْمُتَكَلّم فِي رميت. وَهَذَا الْوَجْه أوجه بِلَا شكّ فَإِن الْإِخْبَار بذهوله عَن فعله لشغل قلبه بِمَا رأى أبلغ من الْإِخْبَار بذهوله عَن فعل الْغَيْر. وَفِيه سَلامَة من التَّأْوِيل الْمَذْكُور.
قَالَ ابْن الملا: وَلقَائِل أَن يَقُول: هَذَا الْكَلَام فِي حيّز الْمَنْع إِذْ لَيْسَ فِي ذُهُول الْإِنْسَان عَن فعل نَفسه وَإِن كَانَ ذَا خطر كَبِير أَمر لَا سِيمَا والشاغل مَا ذكر كَيفَ وَإِن وُقُوعه أَكثر من أَن يُحْصى بِخِلَاف ذُهُول الْإِنْسَان عَن فعل الْغَيْر المتصدي لمراقبته شُهُودًا وغيبة فَإِن الْعَادة تَقْتَضِي وَالْمذهب الغرامي يُوجب أَن من تصدى لمراقبة فعل الأحباب كَانَ أبعد من أَن يذهل وَأما دَعْوَاهُ السَّلامَة من التَّأْوِيل فَظَاهر الْمَنْع لِأَن معنى الْبَيْت على رِوَايَته: فوَاللَّه مَا أَدْرِي الْحساب وَإِنِّي لحساب لِأَن نَفْيه لدراية جَوَاب أبسبعٍ رمين أم بثمان إِنَّمَا هُوَ لانْتِفَاء كَونه دارياً إِذا ذَاك بِالْحِسَابِ كَمَا يشْهد بِهِ التخيل الصَّحِيح. وَيعود الْإِشْكَال فَيحْتَاج إِلَى التَّأْوِيل اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون أَرَادَ التَّأْوِيل فِي رمين. انْتهى كَلَامه.
وَقَالَ ابْن المستوفي: أَرَادَ أَنه شغل بِهن فَلم يدر عدد مَا رمينه من الجمرات. وَهَذَا معنى مبتذل إِلَّا أَنه عكس مَا ذكره غَيره. وَذَلِكَ أَن الشُّعَرَاء ذكرُوا أَنهم شغلوا وبهتوا بِمَا جرى)
عَلَيْهِم فَلم يعلمُوا مَا فعلوا بِأَنْفسِهِم كَقَوْل جران الْعود:
стр. 5319
الْبَسِيط
(
ثمَّ ارتحلت برحلي قبل برذعتي ... وَالْعقل متلهٌ وَالْقلب مَشْغُول)
وَيُمكن أَن يعْتَذر لعمر فَيُقَال: إِنَّه شغل بِهن عَن نَفسه فَلم ينظر إِلَّا إلَيْهِنَّ لَا إِلَى مَا يفعلن. انْتهى.
وَقَوله: فَقلت لَهَا عوجي عاج بِالْمَكَانِ يعوج عوجا من بَاب قَالَ أَي: أَقَامَ بِهِ. وعجت غَيْرِي بِالْمَكَانِ أعوجه يتَعَدَّى وَلَا يتَعَدَّى. وعجت الْبَعِير إِذا عطفت رَأسه بالزمام. كَذَا فِي الصِّحَاح.
وَتَقَدَّمت تَرْجَمَة عمر بن أبي ربيعَة فِي الشَّاهِد السَّابِع والثمانين من أَوَائِل الْكتاب.
(الشَّاهِد الرَّابِع بعد التسْعمائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الطَّوِيل
(لعمرك مَا أَدْرِي وَإِن كنت دارياً ... شعيث ابْن سهمٍ أم شعيث ابْن منقر)
لما تقدم قبله وَتقدم فِيهِ نَص سِيبَوَيْهٍ وَإِعْرَابه.
стр. 5320
وَأوردهُ ابْن هِشَام فِي بحث أم من الْمُغنِي وَقَالَ: الأَصْل أشعيث بِالْهَمْزَةِ فِي أَوله والتنوين فِي آخِره فحذفهما للضَّرُورَة. وَالْمعْنَى: مَا أَدْرِي أَي النسبين هُوَ الصَّحِيح.
-
أَقُول: حكمه هُنَا بِأَن حذف الْهمزَة ضَرُورَة يُنَافِيهِ مَا تقدم مِنْهُ فِي بحث الْألف من إِطْلَاق جَوَاز حذفهَا تقدّمت على أم أم لم تتقدم. وَإِنَّمَا اعْتَبرهُ منوناً حذف تنوينه للضَّرُورَة لِأَنَّهُ أخبر عَنهُ بِابْن وَالْعلم الْمنون إِنَّمَا يحذف تنوينه إِذا وصف بِابْن لَا إِذا أخبر عَنهُ وَمن ثمَّ يكْتب ألف ابْن أَيْضا وَإِن كَانَ وَاقعا بَين علمين.
قَالَ ابْن الملا: وَيجوز أَن يكون مَمْنُوعًا من الصّرْف وَلَا ضَرُورَة بِاعْتِبَار الْقَبِيلَة والإخبار عَنهُ بِابْن لَا يمْنَع ذَلِك لجَوَاز رِعَايَة التَّذْكِير والتأنيث باعتبارين.
قَالَ السيرافي: يهجو هَذِه الْقَبِيلَة يَقُول: إِنَّهَا لم تَسْتَقِر على أَب لِأَن بَعْضًا يعزوها إِلَى منقر وَقَالَ الأعلم: الْمَعْنى مَا أَدْرِي: أشعيث من بني سهم أم هم من بني منقر. وشعيث: حَيّ من تَمِيم من بني منقر فجعلهم أدعياء وَشك فِي كَونهم مِنْهُم أَو من بني سهم. وَسَهْم هُنَا: حَيّ من قيس. انْتهى.
وصحف ابْن الملا سَهْما بِغنم فَقَالَ: قَالَ الأعلم: شعيث: حيٌ من غنم. انْتهى.)
وشعيث فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَآخره ثاء مُثَلّثَة قَالَ العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف والأعلم: وَرِوَايَته بِالْبَاء الْمُوَحدَة تَصْحِيف.
стр. 5321
ومنقر بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون النُّون وَفتح الْقَاف بطن من تَمِيم وَهُوَ منقر ابْن عبيد بِالتَّصْغِيرِ ابْن مقاعس بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم. كَذَا فِي الجمهرة. وَقَوله: وَسَهْم: حيٌ من قيس أَي: من قيس عيلان. وَهُوَ سهم بن عَمْرو بن ثَعْلَبَة بن غنم بن قُتَيْبَة بن باهلة. وَيَنْتَهِي نسبه إِلَى غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مُضر. وَفِي قُرَيْش أَيْضا: سهم أَبُو حَيّ وَهُوَ سهم بن عَمْرو بن
هصيص بِالتَّصْغِيرِ ابْن عَمْرو بن جمح بِضَم الْجِيم فَفتح الْمِيم ابْن كَعْب بن لؤَي. وَمِنْهُم قيس بن عدي بن سعد بن سهم.
وَزعم ابْن الْحَنْبَلِيّ فِيمَا كتبه عَن الْمُغنِي أَن قَول الأعلم حيٌ من قيس هُوَ قيس السَّهْمِي. وَهَذَا غلط مِنْهُ لَا يَصح.
وشعيث الْمَذْكُور لم أر لَهُ ذكرا فِي جمهرة الْأَنْسَاب وَلَا فِي الصِّحَاح وَلَا فِي الْعباب. وَذكره صَاحب الْقَامُوس وَقَالَ شعيث كزبير: ابْن مُحرز.
وَالْبَيْت أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ للأسود بن يعفر. وَتَقَدَّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالسِّتِّينَ من أول الْكتاب.
وأنشده الْمبرد فِي موضِعين من الْكَامِل للّعين الْمنْقري. وَالله أعلم.
وَنقل أَبُو الْوَلِيد الوقشي عَن الْبَيَان للجاحظ فِيمَا كتبه على كَامِل الْمبرد أَنه قَالَ: ذكرُوا أَن شعيث بن سهم بن مُحرز
بن حزن أغير على إبِله فَأتى أَوْس ابْن حجر يستنجده فَقَالَ أَوْس: أَو خيرٌ من ذَلِك أحضّض لَك قيس بن عَاصِم وَكَانَ يُقَال: إِن حزن بن الْحَارِث هُوَ حزن بن منقر فَقَالَ أَوْس:
стр. 5322
الطَّوِيل
(سَائل بهَا مَوْلَاك قيس بن عَاصِم ... فمولاك مولى السوء إِن لم يعير)
(لعمرك مَا أَدْرِي أَمن حزن محرزٍ ... شعيث بن سهمٍ أم لحزن بن منقر)
وَكتب الوقشي على الْموضع الثَّانِي من الْكَامِل بعد إنشاد الْبَيْت الثَّانِي: قَالَ الجاحظ: كَانَ يُقَال: إِن حزن بن الْحَارِث يكون أَبَا جد شعيث بن سهم بن مُحرز ابْن حزن بن الْحَارِث أحد بلعنبر بن عَمْرو بن تَمِيم وَهُوَ حزن بن منقر. ولشعيث ابْن سهم وَقَول أَوْس هَذَا فِيهِ خبر أثْبته الجاحظ فِي فَظهر مِمَّا ذكرنَا أَن شعيثاً لَيْسَ بِأبي قَبيلَة وَظهر قَول ابْن هِشَام إِن تنويه حذف للضَّرُورَة. وَلَا)
يَتَأَتَّى دَعْوَى منع صرف للعملية والتأنيث بِاعْتِبَار الْقَبِيلَة وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْخَامِس بعد التسْعمائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الْكَامِل
(كذبتك عَيْنك أم رَأَيْت بواسطٍ ... غلس الظلام من الربَاب خيالا)
لما تقدم من أَن الْهمزَة المعادلة ل أم محذوفة مِنْهُ للضَّرُورَة وَالتَّقْدِير: أكذبتك عَيْنك أم رَأَيْت.
стр. 5323
وَنقل سِيبَوَيْهٍ عَن الْخَلِيل أَن أم فِيهِ مُنْقَطِعَة وَجوز أَن تكون مُتَّصِلَة بِتَقْدِير الْهمزَة كَمَا تقدم.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ إِتْيَانه بِأم مُنْقَطِعَة بعد الْخَبَر حملا على قَوْلهم: إِنَّهَا لإبل أم شَاءَ.
وَيجوز أَن تحذف ألف الآستفهام ضَرُورَة لدلَالَة أم عَلَيْهَا وَالتَّقْدِير: أكذبتك عَيْنك أم رَأَيْت وَنَظِير إضرابه على الْخَبَر الأول وتكذيبه لنَفسِهِ بقوله:
أم رَأَيْت بواسط قَول زُهَيْر: الْبَسِيط
(قف بالديار الَّتِي لم يعفها الْقدَم ... بلَى وَغَيرهَا الْأَرْوَاح والديم)
فَقَالَ: لم يعفها الْقدَم ثمَّ أكذب نَفسه فَقَالَ: بلَى وَغَيرهَا الْأَرْوَاح. فَكَذَلِك قَالَ: كذبتك عَيْنك فِيمَا تخيل لَك ثمَّ رَجَعَ عَن ذَلِك ف قَالَ: أم رَأَيْت بواسط خيالاً. وَالْمعْنَى: بل هَل رَأَيْته وَلم تشك فِيهِ. انْتهى.
وَذكر الْوَجْهَيْنِ الْمبرد فِي الْكَامِل قَالَ: فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أكذبتك عَيْنك كَمَا قيل فِي: بسبعٍ رمين الْجَمْر أم بثمان وَلَيْسَ هَذَا بالأجود وَلكنه ابْتَدَأَ متيقناً ثمَّ شكّ فَأدْخل أم كَقَوْلِك: إِنَّهَا لإبل ثمَّ تشك فَتَقول: أم شَاءَ يَا قوم. انْتهى.
قَالَ ابْن الْحَنْبَلِيّ: إِن جعل الْخَلِيل التَّقْدِير فِي الْمِثَال: بل أَهِي شَاءَ كَانَ مُرَاد الأخطل: كذبتك عَيْنك فِي رُؤْيَة الرِّبَا نَفسهَا بل لم تَرَ خيالاً مِنْهَا فضلا عَن أَن ترَاهَا نَفسهَا على أَن أم بِمَعْنى بل وهمزة الْإِنْكَار. وَإِن جعله: بل هِيَ شَاءَ كَانَ مُرَاده: كذبتك عَيْنك فَلم تكن رَأَيْتهَا بل رَأَيْتهَا خيالاً مِنْهَا. انْتهى.
стр. 5324
وَنقل ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي عَن أبي عُبَيْدَة أَنه زعم أَن أم تَأتي بِمَعْنى الِاسْتِفْهَام الْمُجَرّد من الإضارب فَقَالَ فِي قَول الأخطل: كذبتك عَنْك أم رَأَيْت بواسطٍ)
إِن الْمَعْنى: هَل رَأَيْت.
-
وَبعده:
(وتغولت لتروعنا جنيةٌ ... والغانيات يرينك الأهوالا)
(يمددن من هفواتها إِلَى الصِّبَا ... سَببا يصدن بِهِ الغواة طوَالًا)
(مَا إِن رَأَيْت كمكرهن إِذا جرى ... فِينَا وَلَا كحبالهن حِبَالًا)
(المهديات لمن هوين مسَبَّة ... والمحسنات لمن قلين مقَالا)
(يرعين عَهْدك مَا رأينك شَاهدا ... وَإِذا مذلت يصرن عَنْك مذالا)
(وَإِذا وعدنك نائلاً أخلفنه ... وَوجدت عِنْد عداتهن مطالا)
(فَإِن دعونك عمهن فَإِنَّهُ ... نسبٌ يزيدك عِنْدهن خبالا)
(وَإِذا وزنت حلومهن إِلَى الصِّبَا ... رجح الصِّبَا بحلومهن فمالا)
وَمِنْهَا:
(فانعق بضأنك يَا جرير فَإِنَّمَا ... منتك نَفسك فِي الْخَلَاء ضلالا)
(منتك نَفسك أَن تسامي دارماً ... أَو أَن توازن حاجباً وَعِقَالًا)
دارم: قَبيلَة الفرزدق. وحاجب وعقال: من أَشْرَاف قومه.
وَرُوِيَ عَن جرير أَنه قَالَ: مَا غلبني الأخطل إِلَّا فِي هَذِه القصيدة وَلَقَد قلت بَيْتا فِي القصيدة ...
стр. 5325
(والتغلبي إِذا تنحنح للقرى ... حك استه وتمثل الأمثالا
)
كَذَا فِي نَوَادِر ابْن الْأَعرَابِي.
وَقَوله: فانعق بضأنك اسْتشْهد بِهِ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَمثل الَّذين كفرُوا كَمثل الَّذِي ينعق على أَن النعيق: التصويت يُقَال: نعق الْمُؤَذّن والراعي بغنمه ينعق بِالْكَسْرِ نعيقاً ونعاقاً: صَاح بهَا وزجرها.
وَالْمعْنَى: إِنَّك من رُعَاة الْغنم لَا من الْأَشْرَاف وَمَا منتك نَفسك بِهِ فِي الْخَلَاء أَنَّك من العظماء فضلال بَاطِل لِأَنَّك لَا تقدر على إِظْهَاره فِي الْمَلأ وهم الْأَشْرَاف.
وَقَوله: كذبتك نَفسك أم رَأَيْت بواسط هَذَا خطاب لنَفسِهِ على طَرِيق التَّجْرِيد. قَالَ ابْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة: قد اسْتعْملت الْعَرَب الْكَذِب فِي مَوضِع الْخَطَأ.
قَالَ الأخطل: كذبتك نَفسك وَمِنْه حَدِيث عُرْوَة قيل لَهُ: إِن ابْن عَبَّاس يَقُول: إِن النَّبِي صلى الله)
عَلَيْهِ وَسلم لبث بِمَكَّة بضع عشرَة سنة فَقَالَ: كذب أَي: أَخطَأ. وَمِنْه قَول عمر لسمرة حِين قَالَ: الْمغمى عَلَيْهِ يُصَلِّي مَعَ كل صلاةٍ صَلَاة حَتَّى يَقْضِيهَا فَقَالَ: كذبت وَلكنه يصليهن مَعًا.
أَي: أَخْطَأت. وَقد تكَرر فِي الحَدِيث. انْتهى.
следующие страницы →