Полный текст (5 658 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.
стр. 5321
ومنقر بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون النُّون وَفتح الْقَاف بطن من تَمِيم وَهُوَ منقر ابْن عبيد بِالتَّصْغِيرِ ابْن مقاعس بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم. كَذَا فِي الجمهرة. وَقَوله: وَسَهْم: حيٌ من قيس أَي: من قيس عيلان. وَهُوَ سهم بن عَمْرو بن ثَعْلَبَة بن غنم بن قُتَيْبَة بن باهلة. وَيَنْتَهِي نسبه إِلَى غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مُضر. وَفِي قُرَيْش أَيْضا: سهم أَبُو حَيّ وَهُوَ سهم بن عَمْرو بن
هصيص بِالتَّصْغِيرِ ابْن عَمْرو بن جمح بِضَم الْجِيم فَفتح الْمِيم ابْن كَعْب بن لؤَي. وَمِنْهُم قيس بن عدي بن سعد بن سهم.
وَزعم ابْن الْحَنْبَلِيّ فِيمَا كتبه عَن الْمُغنِي أَن قَول الأعلم حيٌ من قيس هُوَ قيس السَّهْمِي. وَهَذَا غلط مِنْهُ لَا يَصح.
وشعيث الْمَذْكُور لم أر لَهُ ذكرا فِي جمهرة الْأَنْسَاب وَلَا فِي الصِّحَاح وَلَا فِي الْعباب. وَذكره صَاحب الْقَامُوس وَقَالَ شعيث كزبير: ابْن مُحرز.
وَالْبَيْت أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ للأسود بن يعفر. وَتَقَدَّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالسِّتِّينَ من أول الْكتاب.
وأنشده الْمبرد فِي موضِعين من الْكَامِل للّعين الْمنْقري. وَالله أعلم.
وَنقل أَبُو الْوَلِيد الوقشي عَن الْبَيَان للجاحظ فِيمَا كتبه على كَامِل الْمبرد أَنه قَالَ: ذكرُوا أَن شعيث بن سهم بن مُحرز
بن حزن أغير على إبِله فَأتى أَوْس ابْن حجر يستنجده فَقَالَ أَوْس: أَو خيرٌ من ذَلِك أحضّض لَك قيس بن عَاصِم وَكَانَ يُقَال: إِن حزن بن الْحَارِث هُوَ حزن بن منقر فَقَالَ أَوْس:
стр. 5322
الطَّوِيل
(سَائل بهَا مَوْلَاك قيس بن عَاصِم ... فمولاك مولى السوء إِن لم يعير)
(لعمرك مَا أَدْرِي أَمن حزن محرزٍ ... شعيث بن سهمٍ أم لحزن بن منقر)
وَكتب الوقشي على الْموضع الثَّانِي من الْكَامِل بعد إنشاد الْبَيْت الثَّانِي: قَالَ الجاحظ: كَانَ يُقَال: إِن حزن بن الْحَارِث يكون أَبَا جد شعيث بن سهم بن مُحرز ابْن حزن بن الْحَارِث أحد بلعنبر بن عَمْرو بن تَمِيم وَهُوَ حزن بن منقر. ولشعيث ابْن سهم وَقَول أَوْس هَذَا فِيهِ خبر أثْبته الجاحظ فِي فَظهر مِمَّا ذكرنَا أَن شعيثاً لَيْسَ بِأبي قَبيلَة وَظهر قَول ابْن هِشَام إِن تنويه حذف للضَّرُورَة. وَلَا)
يَتَأَتَّى دَعْوَى منع صرف للعملية والتأنيث بِاعْتِبَار الْقَبِيلَة وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْخَامِس بعد التسْعمائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الْكَامِل
(كذبتك عَيْنك أم رَأَيْت بواسطٍ ... غلس الظلام من الربَاب خيالا)
لما تقدم من أَن الْهمزَة المعادلة ل أم محذوفة مِنْهُ للضَّرُورَة وَالتَّقْدِير: أكذبتك عَيْنك أم رَأَيْت.
стр. 5323
وَنقل سِيبَوَيْهٍ عَن الْخَلِيل أَن أم فِيهِ مُنْقَطِعَة وَجوز أَن تكون مُتَّصِلَة بِتَقْدِير الْهمزَة كَمَا تقدم.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ إِتْيَانه بِأم مُنْقَطِعَة بعد الْخَبَر حملا على قَوْلهم: إِنَّهَا لإبل أم شَاءَ.
وَيجوز أَن تحذف ألف الآستفهام ضَرُورَة لدلَالَة أم عَلَيْهَا وَالتَّقْدِير: أكذبتك عَيْنك أم رَأَيْت وَنَظِير إضرابه على الْخَبَر الأول وتكذيبه لنَفسِهِ بقوله:
أم رَأَيْت بواسط قَول زُهَيْر: الْبَسِيط
(قف بالديار الَّتِي لم يعفها الْقدَم ... بلَى وَغَيرهَا الْأَرْوَاح والديم)
فَقَالَ: لم يعفها الْقدَم ثمَّ أكذب نَفسه فَقَالَ: بلَى وَغَيرهَا الْأَرْوَاح. فَكَذَلِك قَالَ: كذبتك عَيْنك فِيمَا تخيل لَك ثمَّ رَجَعَ عَن ذَلِك ف قَالَ: أم رَأَيْت بواسط خيالاً. وَالْمعْنَى: بل هَل رَأَيْته وَلم تشك فِيهِ. انْتهى.
وَذكر الْوَجْهَيْنِ الْمبرد فِي الْكَامِل قَالَ: فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أكذبتك عَيْنك كَمَا قيل فِي: بسبعٍ رمين الْجَمْر أم بثمان وَلَيْسَ هَذَا بالأجود وَلكنه ابْتَدَأَ متيقناً ثمَّ شكّ فَأدْخل أم كَقَوْلِك: إِنَّهَا لإبل ثمَّ تشك فَتَقول: أم شَاءَ يَا قوم. انْتهى.
قَالَ ابْن الْحَنْبَلِيّ: إِن جعل الْخَلِيل التَّقْدِير فِي الْمِثَال: بل أَهِي شَاءَ كَانَ مُرَاد الأخطل: كذبتك عَيْنك فِي رُؤْيَة الرِّبَا نَفسهَا بل لم تَرَ خيالاً مِنْهَا فضلا عَن أَن ترَاهَا نَفسهَا على أَن أم بِمَعْنى بل وهمزة الْإِنْكَار. وَإِن جعله: بل هِيَ شَاءَ كَانَ مُرَاده: كذبتك عَيْنك فَلم تكن رَأَيْتهَا بل رَأَيْتهَا خيالاً مِنْهَا. انْتهى.
стр. 5324
وَنقل ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي عَن أبي عُبَيْدَة أَنه زعم أَن أم تَأتي بِمَعْنى الِاسْتِفْهَام الْمُجَرّد من الإضارب فَقَالَ فِي قَول الأخطل: كذبتك عَنْك أم رَأَيْت بواسطٍ)
إِن الْمَعْنى: هَل رَأَيْت.
-
وَبعده:
(وتغولت لتروعنا جنيةٌ ... والغانيات يرينك الأهوالا)
(يمددن من هفواتها إِلَى الصِّبَا ... سَببا يصدن بِهِ الغواة طوَالًا)
(مَا إِن رَأَيْت كمكرهن إِذا جرى ... فِينَا وَلَا كحبالهن حِبَالًا)
(المهديات لمن هوين مسَبَّة ... والمحسنات لمن قلين مقَالا)
(يرعين عَهْدك مَا رأينك شَاهدا ... وَإِذا مذلت يصرن عَنْك مذالا)
(وَإِذا وعدنك نائلاً أخلفنه ... وَوجدت عِنْد عداتهن مطالا)
(فَإِن دعونك عمهن فَإِنَّهُ ... نسبٌ يزيدك عِنْدهن خبالا)
(وَإِذا وزنت حلومهن إِلَى الصِّبَا ... رجح الصِّبَا بحلومهن فمالا)
وَمِنْهَا:
(فانعق بضأنك يَا جرير فَإِنَّمَا ... منتك نَفسك فِي الْخَلَاء ضلالا)
(منتك نَفسك أَن تسامي دارماً ... أَو أَن توازن حاجباً وَعِقَالًا)
دارم: قَبيلَة الفرزدق. وحاجب وعقال: من أَشْرَاف قومه.
وَرُوِيَ عَن جرير أَنه قَالَ: مَا غلبني الأخطل إِلَّا فِي هَذِه القصيدة وَلَقَد قلت بَيْتا فِي القصيدة ...
стр. 5325
(والتغلبي إِذا تنحنح للقرى ... حك استه وتمثل الأمثالا
)
كَذَا فِي نَوَادِر ابْن الْأَعرَابِي.
وَقَوله: فانعق بضأنك اسْتشْهد بِهِ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَمثل الَّذين كفرُوا كَمثل الَّذِي ينعق على أَن النعيق: التصويت يُقَال: نعق الْمُؤَذّن والراعي بغنمه ينعق بِالْكَسْرِ نعيقاً ونعاقاً: صَاح بهَا وزجرها.
وَالْمعْنَى: إِنَّك من رُعَاة الْغنم لَا من الْأَشْرَاف وَمَا منتك نَفسك بِهِ فِي الْخَلَاء أَنَّك من العظماء فضلال بَاطِل لِأَنَّك لَا تقدر على إِظْهَاره فِي الْمَلأ وهم الْأَشْرَاف.
وَقَوله: كذبتك نَفسك أم رَأَيْت بواسط هَذَا خطاب لنَفسِهِ على طَرِيق التَّجْرِيد. قَالَ ابْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة: قد اسْتعْملت الْعَرَب الْكَذِب فِي مَوضِع الْخَطَأ.
قَالَ الأخطل: كذبتك نَفسك وَمِنْه حَدِيث عُرْوَة قيل لَهُ: إِن ابْن عَبَّاس يَقُول: إِن النَّبِي صلى الله)
عَلَيْهِ وَسلم لبث بِمَكَّة بضع عشرَة سنة فَقَالَ: كذب أَي: أَخطَأ. وَمِنْه قَول عمر لسمرة حِين قَالَ: الْمغمى عَلَيْهِ يُصَلِّي مَعَ كل صلاةٍ صَلَاة حَتَّى يَقْضِيهَا فَقَالَ: كذبت وَلكنه يصليهن مَعًا.
أَي: أَخْطَأت. وَقد تكَرر فِي الحَدِيث. انْتهى.
стр. 5326
-
والغلس بِفتْحَتَيْنِ: ظلمَة آخر اللَّيْل والرباب بِفَتْح الرَّاء من أَسمَاء النِّسَاء. والخيال: الطيف.
وَقَالَ ابْن السيرافي: وَاسِط هُنَا: مَوضِع بنواحي الشَّام. وغلطه الْأسود أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِي فرحة الأديب فَقَالَ: لَيْسَ بنواحي الشَّام مَوضِع يُقَال لَهُ: وَاسِط وَالَّذِي فِي الْبَيْت وَاسِط الجزيرة. وَأَخْبرنِي أَبُو الندى قَالَ: للْعَرَب سَبْعَة أواسط: وَاسِط نجد وَهُوَ الَّذِي ذكره خِدَاش بن زُهَيْر: الطَّوِيل
(عَفا واسطٌ أكلاؤه فمحاضره ... إِلَى حَيْثُ نهيا سيله فصدائره)
وواسط الْحجاز وَهُوَ الَّذِي ذكره كثير: الطَّوِيل
(أجدوا فَأَما آل عزة غدْوَة ... فبانوا وَأما واسطٌ فمقيم)
وواسط الجزيرة وَهُوَ الَّذِي ذكره الأخطل فِي ذَاك الْبَيْت وَفِي بَيته الآخر: الطَّوِيل
(عَفا واسطٌ من آل رضوى فنبتلٌ ... فمجتمع الحرين فالصبر أجمل)
وواسط الْيَمَامَة وَهُوَ الَّذِي ذكره الْأَعْشَى فِي شعر وواسط الْعرَاق. وَقد أنسيت اثْنَيْنِ. انْتهى كَلَامه.
стр. 5327
وَقد أبعد السُّيُوطِيّ فِي قَوْله: وَاسِط: بلد بالعراق اختطها الْحجَّاج وَتَبعهُ ابْن الملا.
-
وَقَالَ ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ قَالَ أَبُو حَاتِم: وَاسِط الَّتِي ينجدٍ وَالَّتِي بالجزيرة يصرف وَلَا يصرف. وَأما وَاسِط الْبَلَد الْمَعْرُوف فمذكر لأَنهم أَرَادوا بَلَدا واسطاً أَو مَكَانا واسطاً فَهُوَ منصرف على كل حَال. وَالدَّلِيل على ذَلِك قَوْلهم: وَاسِط بالتذكير وَلَو ذهب بِهِ إِلَى التَّأْنِيث لقالوا: وَاسِطَة.
قَالُوا: وَقد يذهب بِهِ مَذْهَب الْبقْعَة وَالْمَدينَة فَيتْرك صرفه. وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ فِي ترك الصّرْف: الْبَسِيط
(مِنْهُنَّ أَيَّام صدقٍ قد عرفت بهَا ... أَيَّام وَاسِط وَالْأَيَّام من هجرا)
وَلقَائِل أَن يَقُول: إِنَّه لم يرد وَاسِط هَذِه. فَيرجع إِلَى مَا قَالَه أَبُو حَاتِم: وَسميت مَدِينَة الْحجَّاج واسطاً لِأَنَّهَا متوسطة بَين الْبَصْرَة والكوفة لِأَن مِنْهَا إِلَى كل وَاحِدَة مِنْهَا خمسين فرسخاً لَا قَول)
فِيهِ غير ذَلِك إِلَّا مَا ذهب إِلَيْهِ بعض أهل اللُّغَة حِكَايَة عَن ابْن الْكَلْبِيّ أَنه كَانَ قبل عمَارَة وَاسِط هُنَا مَوضِع يُسمى: وَاسِط قصب فَلَمَّا عمر الْحجَّاج مدينته سَمَّاهَا باسمها. وَالله أعلم.
وَشرع الْحجَّاج فِي عمَارَة وَاسِط سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَفرغ مِنْهَا فِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ فَكَانَ عمارتها فِي عَاميْنِ فِي الْعَام الَّذِي مَاتَ فِيهِ عبد الْملك بن مَرْوَان وَلما فرغ مِنْهَا كتب إِلَى عبد الْملك: إِنِّي اتَّخذت مَدِينَة فِي كرش من الأَرْض بَين الْجَبَل والمصرين وسميتها واسطاً. فَلذَلِك سمي أهل وَاسِط الكرشيين.
وَفِي الْأَمْثَال: تغافل واسطي قَالَ الْمبرد: سَأَلت عَنهُ التوزي فَقَالَ: إِن الْحجَّاج لما بناها قَالَ: فَسُمي
стр. 5328
أَهلهَا الكرشيين فَكَانَ إِذا مر أحدهم بِالْبَصْرَةِ نادوا: يَا كرشي فتغافل عَن ذَلِك ويري أَنه يسمع وَأَن الْخطاب لَيْسَ مَعَه وَلَقَد جَاءَنِي بخوارزم أحد
أَعْيَان أدبائها وسألني عَن هَذَا الْمثل وَقَالَ لي: قد أطلت السُّؤَال عَنهُ فَلم أظفر بِهِ وَلم يكن لي فِي ذَلِك الْوَقْت علم بِهِ حَتَّى وجدته بعد ذَلِك فأثبته.
وَأنْشد التنوخي لفضل الرقاشِي: الوافر
(تركت عيادتي ونسيت بري ... وقدماً كنب بِي برا حفياً)
(فَمَا هَذَا التغافل يَا ابْن عِيسَى ... أَظُنك صرت بعدِي واسطياً)
انْتهى.
وَقَالَ ابْن الملا: الْمثل: تغافل كَأَنَّك واسطي لِأَنَّهُ كَانَ يتسخرهم فِي الْبناء فيهربون وينامون بَين الغرباء فِي الْمَسْجِد فَيَجِيء الشرطي يَقُول: يَا واسطي. فَمن رفع رَأسه أَخذه فَلذَلِك كَانُوا بتغافلون. هَذَا كَلَامه. وَهُوَ بعيد.
ثمَّ قَالَ ياقوت: وَاسِط أَيْضا قَرْيَة متوسطة بَين بطن مر ووادي نَخْلَة.
وواسط أَيْضا: قَرْيَة مَشْهُورَة ببلخ.
وواسط أَيْضا: قَرْيَة بحلب قرب بزاعة مَشْهُورَة عِنْدهم وبالقرب مِنْهَا قَرْيَة يُقَال لَهَا: الْكُوفَة.
وواسط أَيْضا: قَرْيَة بالخابور قرب قرقيساء وَإِيَّاهَا عني الأخطل فِيمَا أَحسب لِأَن الجزيرة منَازِل تغلب:
стр. 5329
عَفا واسطٌ من ارْض رضوى فنتبل وواسط أَيْضا: قَرْيَة بدجيل على ثَلَاثَة فراسخ من بَغْدَاد.)
وواسط أَيْضا: مَوضِع بَين العذيب والصفراء.
وواسط أَيْضا: من منَازِل بني قُشَيْر لبني أسيدة.
-
وواسط أَيْضا: بِمَكَّة قَالَ الفاكهي: وَاسِط: قرن كَانَ أَسْفَل من جَمْرَة الْعقبَة بَين المأزمين فَضرب حَتَّى ذهب قَالَ: وَيُقَال لَهُ: وَاسِط لِأَنَّهُ بَين الجبلين اللَّذين دون الْعقبَة.
وواسط أَيْضا: بليدَة بالأندلس من أَعمال قبرة.
وواسط أَيْضا: قَرْيَة كَانَت قبل وَاسِط فِي موضعهَا كَانَت تسمى وَاسِط الْقصب أخربها الْحجَّاج وَبني مدينته واسطاً.
وواسط أَيْضا: قَرْيَة قرب مطيراباذ قرب حلَّة بني مزِيد يُقَال لَهَا: وَاسِط مرزاباد.
وواسط أَيْضا: قَرْيَة بِالْيمن بسواحل زبيد قرب العنبرة.
وواسط أَيْضا: مَوَاضِع فِي بِلَاد بني تَمِيم.
وَقَوله: وتغولت أَي: تهولت. والغانية: الْحَسْنَاء الَّتِي استغنت بحسنها عَن الزِّينَة. والهفوة: الْجَهْل. وَالسَّبَب: الْحَبل. والطوال بِالضَّمِّ: الطَّوِيل.
стр. 5330
ومذلت من كَلَامه: قلقت وضجرت. والمذيل: الْمَرِيض الَّذِي لَا يتقار وَهُوَ ضَعِيف. ومذل بسره أَي: أفشاه. ومذال: جمع مذلي كعطاش جمع عطشي.
وترجمة الأخطل تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالسبْعين من أَوَائِل الْكتاب.
وَمن هَذِه القصيدة قَوْله: الْكَامِل
(
أبني كليبٍ إِن عمي اللذا ... قتلا الْمُلُوك وفككا الأغلالا)
وَتقدم شَرحه فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعِشْرين بعد الأربعمائة من بَاب اسْم الْفَاعِل.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السَّادِس بعد التسْعمائَة)
الْبَسِيط
(أم كَيفَ ينفع مَا تُعْطِي الْعلُوق بِهِ ... رئمان أنفٍ إِذا مَا ضن بِاللَّبنِ)
على أَن أم فِيهِ بِمَعْنى بل وَحدهَا بِدُونِ همزَة الِاسْتِفْهَام إِذْ الِاسْتِفْهَام مَوْجُود فَلَا وَجه لجمع
стр. 5331
وَفِيمَا ذهب إِلَيْهِ مُخَالفَة للبصريين وميل لقَوْل الْكُوفِيّين لقُوته.
وَإِلَيْهِ ذهب ابْن هَاشم أَيْضا فِي الْمُغنِي قَالَ: نقل ابْن الشجري عَن جَمِيع
الْبَصرِيين أَنَّهَا أبدا بِمَعْنى بل والهمزة جَمِيعًا وَأَن الْكُوفِيّين خالفوهم فِي ذَلِك. وَالَّذِي يظْهر قَوْلهم إِذْ الْمَعْنى فِي: أم جعلُوا لله شُرَكَاء لَيْسَ على الِاسْتِفْهَام وَلِأَنَّهُ يلْزم الْبَصرِيين دَعْوَى التَّأْكِيد فِي نَحْو: أم هَل تستوي الظُّلُمَات وَنَحْو: أم مَاذَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ أم من هَذَا الَّذِي هُوَ جندٌ لكم. انْتهى.
وسبقهما إِلَى هَذَا أَبُو عَليّ قَالَ فِي الْمسَائِل المنثورة بعد إنشاد هَذَا الْبَيْت: هَذِه الْمَسْأَلَة فِيهَا إِشْكَال وَهُوَ أَن أم للاستفهام دخلت على كَيفَ. فَوجه ذَلِك أَن أم هُنَا عاطفة وكَيفَ للاستفهام. كَمَا أَنَّك إِذا قلت: مَا جَاءَنِي زيد وَلَكِن عَمْرو فالواو فِيهِ عاطفة وَخرجت لَكِن من معنى الْعَطف لدُخُول الْوَاو.
فَكَذَلِك إِذا قيل: أم هَل تخرج هَل من معنى الِاسْتِفْهَام لدُخُول أم فَكَذَلِك تخرج أم من معنى الِاسْتِفْهَام إِلَى الْعَطف. انْتهى.
وَتَبعهُ ابْن جني فِي الخصائص فَقَالَ: فَإِن قلت: فَمَا تَقول فِي قَوْله: أم كَيفَ ينفع الْبَيْت وَجمعه بَين أم وَكَيف فَالْقَوْل: إنَّهُمَا ليسَا لِمَعْنى وَاحِد. وَذَلِكَ أَن أم هُنَا جردت لِمَعْنى التّرْك والتحول وجردت من معنى الِاسْتِفْهَام وأفيد ذَلِك من كَيفَ لَا مِنْهَا.
فَإِن قيل: فَهَلا وكدت إِحْدَاهمَا بِالْأُخْرَى توكيداً كتوكيد اللَّام لِمَعْنى الْإِضَافَة وياءي النّسَب لِمَعْنى الصّفة قيل: يمْنَع من ذَلِك
стр. 5332
أَن كَيفَ لما بنيت وَاقْتصر بهَا على الِاسْتِفْهَام الْبَتَّةَ جرت مجْرى الْحَرْف الْبَتَّةَ.
وَلَيْسَ فِي الْكَلَام اجْتِمَاع حرفين لِمَعْنى وَاحِد لِأَن فِي ذَلِك نقضا لما اعتزم عَلَيْهِ من الِاخْتِصَار فِي اسْتِعْمَال الْحُرُوف. وَلَيْسَ كَذَلِك: يَا بؤس للحرب
وأحمري. وَذَلِكَ أَن هُنَا إِنَّمَا انْضَمَّ الْحَرْف إِلَى اسْم فهما مُخْتَلِفَانِ فَجَاز أَن يترادفا فِي موضعهما لاخْتِلَاف جنسيهما.
فَإِن قلت: فقد قَالَ: الوافر)
وَمَا إِن طبنا جبنٌ فَجمع بَين مَا وَإِن وكِلَاهُمَا بِمَعْنى النَّفْي وهما كَمَا ترى حرفان. قيل لَيست إِن حرف نفي وَإِنَّمَا هِيَ حرف يُؤَكد بِهِ بِمَنْزِلَة مَا وَلَا وَالْبَاء وَمن وَغير ذَلِك.
وَأما قَوْله: الوافر
(
طعامهم لَئِن أكلُوا معدٌ ... وَمَا إِن لَا تحاك لَهُم ثِيَاب)
فَإِن مَا وَحدهَا للنَّفْي وإِن ولَا جَمِيعًا للتوكيد. وَلَا يُنكر اجْتِمَاع حرفين للتوكيد لجملة الْكَلَام. كَلَامه بِاخْتِصَار.
فَعلم مِمَّا نَقَلْنَاهُ إِن مَا ادَّعَاهُ ابْن الشجري من إِجْمَاع الْبَصرِيين لَيْسَ بِصَحِيح. وَدَعوى ابْن جني عدم اجْتِمَاع حرفين لِمَعْنى وَاحِد يُبْطِلهَا قَول الشَّاعِر: الوافر وَلَا للما بهم أبدا دَوَاء
стр. 5333
وَقَوله: الطَّوِيل فَأَصْبَحْنَ لايسألنه عَن بِمَا بِهِ وَقد تقدم شرحهما فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة وَفِي غَيره.
-
وَالْبَيْت آخر أَبْيَات تِسْعَة لأفنون التغلبي أوردهَا لَهُ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ فِي أشعار تغلب والمفضل فِي المفضليات وَهِي:
(أبلغ حبيباً وخلل فِي سراتهم ... أَن الْفُؤَاد انطوى مِنْهُم على حزن)
(قد كنت أسبق من جاروا على مهلٍ ... من ولد آدم مَا لم يخلعوا رسني)
(فالوا عَليّ وَلم أملك فيالتهم ... حَتَّى انتحيت على الأرساغ والثنن)
(لَو أنني كنت من عادٍ وَمن إرم ... ربيت فيهم ولقمان وَمن جدن)
(لما فدوا بأخيهم من مهولةٍ ... أَخا السّكُون وَلَا جازوا على السّنَن)
(سَأَلت قومِي وَقد سدت أباعرهم ... مَا بَين رحبة ذَات الْعيص والعدن)
(أَنِّي جزوا عَامِرًا سوءى بفعلهم ... أم كَيفَ يجزونني السوءى من الْحسن)
أم كَيفَ ينفع مَا تُعْطِي ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... الْبَيْت قَوْله: أبلغ حبيباً بِضَم الْمُهْملَة وَفتح الْمُوَحدَة الأولى وَهُوَ قَبيلَة أفنون.
-
وَقَوله: وخلل ... إِلَخ قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي شَرحه: سراتهم: خيارهم جمع سري.)
وخلل أَي: خصهم بالبلاغ أَي: اجْعَل بلاغك يتخللهم. وَقَوله: أَن الْفُؤَاد ... إِلَخ هَذَا هُوَ الْمبلغ.
يُرِيد: أَنه قد تألم مِنْهُم لما طلب مِنْهُم أباعر فخيبوا أمله مِنْهُم وَلم يتحملوا عَنهُ ديات من قَتلهمْ.
стр. 5334
وَقَوله: قد كنت أسبق ... إِلَخ على: مُتَعَلقَة بأسبق وَمن بَيَان لمن وَمَا: مَصْدَرِيَّة ظرفية.
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: أَي كنت أُنَاضِل عَنْهُم وأدفع وأسبق من جارهم.
وَقَوله: من ولد آدم أَي: من النَّاس كلهم. وَقَوله: مَا لم يخلعوا ... إِلَخ أَي: كنت أسبق من فاخرهم وَطلب مغالبتهم مَا لم يهملوني ويتخلوا عني. وَجعل خلع الرسن مثلا كَأَنَّهُمْ تبرؤوا مِنْهُ لِكَثْرَة جزائره.
وَقَوله: فالوا عَليّ ... إِلَخ بِالْفَاءِ من الفيلولة وَهِي ضعف الرَّأْي. والفيالة بِالْفَتْح الِاسْم. قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: أَي: اخطؤوا على رَأْيهمْ يُقَال: فال الرجل فِي رَأْيه وَهُوَ فيل الرَّأْي بِالْكَسْرِ.
وَقَوله: انتحيت: اعتمدت. والأرساغ: جمع رسغ وَهُوَ من الدَّوَابّ الْموضع المستدق بَين الْحَافِر وموصل الوظيف من الْيَد أَو الرجل. والثنن: جمع ثنة بِضَم الْمُثَلَّثَة وَتَشْديد النُّون وَهُوَ الشّعْر فِي مُؤخر الرسغ. وَحَتَّى بِمَعْنى إِلَى مُتَعَلّقه بفالوا. وضربهما مثلا لأسافل النَّاس. يُرِيد: أما لما أخطؤوا فِي أَمْرِي وأصروا قصدت أرذال النَّاس.
وَقَوله: لَو أنني كنت ... إِلَخ من عَاد: خبر كنت وريبت: حَال من الضَّمِير المستقر فِي الْخَبَر قَالَ صَاحب الصِّحَاح: وربوت فِي بني فلَان وربيت أَي: نشأت فيهم.
-
وإرم بِكَسْر فَفتح: قَبيلَة مَشْهُورَة بِالْقُوَّةِ. وَعظم الْأَبدَان. وَعَاد: اسْم أَبِيهِم ولقمان أَي: وَمن نسل لُقْمَان صَاحب النسور وَهُوَ مَنْسُوب إِلَى عَاد كَمَا قَالَ الشَّاعِر: الوافر
(ترَاهُ يطوف الْآفَاق حرصاً ... ليأكمل رَأس لُقْمَان بن عَاد)
стр. 5335
وجدن بِفَتْح الْجِيم قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: قَبيلَة بِالْيمن. انْتهى.
وَقيل: هُوَ قيل من أقيال الْيمن وَالْمَشْهُور فِيهِ ذُو جدن فَيكون التَّقْدِير أَيْضا: وَمن نسل ذِي جدن.
وَقَوله: لما فدوا اللَّام فِي جَوَاب لَو ودخولها على حرف النَّفْي نَادِر. والسكون بِفَتْح السِّين: قَبيلَة من كِنْدَة فِي الْيمن. وأخا السّكُون: مفعول فدوا هُوَ رجل من السّكُون كَانَ أَسِيرًا عِنْد وَأَرَادَ بأخيهم نَفسه وَالْبَاء للبدل. وَمن مهولة: من أجل مُصِيبَة هائلة. وَلَا جازوا من المجازاة.)
وَالسّنَن: جمع سنة وَهِي السِّيرَة. بَالغ فِي ذكر تبرئهم مِنْهُ وجفائهم لَهُ.
وَقَوله: سَأَلت قومِي السُّؤَال هُنَا الاستعصاء. وَجُمْلَة: قد سدت ... إِلَخ حَالية. والرحبة: الفضاء.
وَقَوله: إِذا قربوا: مُتَعَلق بسألت. . وَقَوله: لله در ... إِلَخ تهكم فِي صُورَة الْمَدْح. والغبن بِفتْحَتَيْنِ: ضَعِيف الرَّأْي يتهكم بهم فِي رَأْيهمْ الضَّعِيف حَيْثُ منعُوهُ الْإِعْطَاء مَعَ السُّؤَال وَهُوَ مِنْهُم وأعطوا الْأَجْنَبِيّ وَلم يسألهم.
وَقَوله: أَنى جزوا عَامِرًا ... إِلَخ اسْتِفْهَام تعجبي وأنى: بِمَعْنى كَيفَ وَالْوَاو فِي جزوا ضمير عشيرته وعامر هُوَ عَامر بن صعصعة هُوَ أَبُو قَبيلَة
وَالْمرَاد هُنَا: الْقَبِيلَة وَصَرفه بِاعْتِبَار الْحَيّ وَلَو مَنعه الصّرْف لَكَانَ بِاعْتِبَار الْقَبِيلَة. وَالْبَاء للمقابلة وَالْهَاء وَالْمِيم ضمير عَامر.
والسوءى: فعلى نقيض الْحسنى وهما مؤنث الأسوأ وَالْأَحْسَن. وَلأَجل القافية قَابل السوءى بالْحسنِ ولولاها لَكَانَ
стр. 5336
يَقُول الْحسنى.
وَرُوِيَ فِي الأول السوء وَهُوَ اسْم من سَاءَهُ يسوءه سوءا ومساءة نقيض سره. يَقُول أتعجب لقومي كَيفَ عاملوا بني عَامر بالسوء فِي مُقَابلَة فعلهم الْجَمِيل وَقَوله: أم كَيفَ يجزونني أم: للإضارب عَن الأول. وَمن الْحسن قَالَ ابْن الشجري: مُتَعَلق بِحَال محذوفة وَالتَّقْدِير: كَيفَ يجزونني السوءى بَدَلا من الْحسن. مثله فِي التَّنْزِيل: أرضيتم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا من الْآخِرَة أَي: بَدَلا من الْآخِرَة.
يَقُول: بل أتعجب من قومِي كَيفَ يعاملونني بالسوء حَال كَونه بَدَلا من الْفِعْل الْحسن والصنع الْجَمِيل. وأضرب عَن الأول للْإِشَارَة إِلَى أَن إساءتهم لبني عَامر سهل بِالنِّسْبَةِ إِلَى إساءتهم بِهِ بادعاء أَنه رُبمَا كَانَ لَهُم عذر فِي الْإِسَاءَة لأولئك وَأما فِي الْإِسَاءَة إِلَيْهِ فَلَا عذر لَهُم أصلا.
وَلما تخيل أَنهم رُبمَا غالطوا فاعتذروا ترقى بقوله: أم كَيفَ ينفع. . الْبَيْت كَأَنَّهُ يَقُول: هُوَ ظَاهر لَا يساعده بَاطِن وقالٌ لَا يصدقهُ حَال.
وَقَوله: أم كَيفَ ينفع إِلَخ أم هَذِه أَيْضا للإضراب. والعلوق بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي شَرحه: الْعلُوق من الْإِبِل: الَّتِي لَا ترأم وَلَدهَا وَلَا تدر عَلَيْهِ جعله هَا هُنَا مثلا. ورئمانها هُنَا: عطفها ومحبتها.
-
وَقَالَ القالي فِي أَمَالِيهِ: هِيَ النَّاقة الَّتِي ترأم بأنفها وتمنع درها. يَقُول: فَأنْتم تحسنون القَوْل وَلَا)
تعطون شَيْئا فَكيف يَنْفَعنِي ذَلِك. انْتهى.
стр. 5337
وَقَالَ الزجاجي فِي أَمَالِيهِ الصُّغْرَى: هَذَا الْبَيْت مثل يضْرب لكل من يعد بِلِسَانِهِ كل جميل وَلَا كَأَنَّهُ قيل: كَيفَ يَنْفَعنِي قَوْلك الْجَمِيل إِذا كنت لَا تفي بِهِ. وَأَصله أَن الْعلُوق هِيَ النَّاقة الَّتِي تفقد وَلَدهَا بنحر أَو موت فيسلخ جلده ويحشى تبناً أَو حشيشاً وَيقدم إِلَيْهَا لترأمه أَي: تعطف عَلَيْهِ ويدر لَبنهَا فينتفع بِهِ.
فَهِيَ تشمه بأنفها وينكره قَلبهَا فتعطف عَلَيْهِ وَلَا ترسل اللَّبن. فَشبه ذَاك بِهَذَا. انْتهى.
وَقَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: النَّاقة إِذا أَلْقَت سقبها أَو نحر فخيف انْقِطَاع لَبنهَا أخذُوا جلد حوارٍ فحشوه تبناً ولطخوه بِشَيْء من سلاها ثمَّ حَشْوًا أنفها بِخرقَة فتجد لذَلِك كرباً.
وَيُقَال للخرقة الَّتِي تجْعَل فِي أنفها غمامة ثمَّ تسل تِلْكَ الْخِرْقَة من أنفها فتجد روحاً وَترى ذَلِك البو تحتهَا وَهُوَ جلد الحوار المحشو فترأمه فَإِن درت عَلَيْهِ قيل: نَاقَة درور. وترأمه: تشمه.
وَيُقَال فِي هَذَا الْمَعْنى: نَاقَة ظؤور فينتفع بلبنها. وَيُقَال: نَاقَة رائم ورؤوم إِذا كَانَت ترأم وَلَدهَا أَو بوها. فَإِن رئمته وَلم تدر عَلَيْهِ فَتلك الْعلُوق وَلَا خير عِنْدهَا. انْتهى.
وَقَالَ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش: يُقَال للناقة إِذا مَاتَ وَلَدهَا أَو ذبح: سلوب فَإِن عطفت على غير وَلَدهَا فرئمته فَهِيَ رائم وَإِن لم ترأمه وَلم تدر عَلَيْهِ فَهِيَ علوق. وَيُقَال الْعلُوق: الَّتِي قد علقت فَذهب لَبنهَا وعلقت بِمَعْنى حبلت.
-
وَقَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: الْعلُوق من النوق: الَّتِي تأبى أَن ترأم وَلَدهَا أَو بوها. والبو: جلد الحوار يحشى ثماماً أَو حشيشاً وَيقدم إِلَيْهَا لترأمه فتدر عَلَيْهِ فتحلب. فَهِيَ ترأمه بأنفها وينكره قَلبهَا فرأمها: أَن تشمه فَقَط وَلَا ترسل لَبنهَا.
وَهَذَا يضْرب مثلا لمن يعد بِكُل جميل وَلَا يفعل مِنْهُ شَيْئا.
стр. 5338
والرئمان بِكَسْر الرَّاء والهمزة: مصدر رئمت النَّاقة وَلَدهَا من بَاب فَرح إِذا أحبته وعطفت عَلَيْهِ وَفِي الْأَمْثَال: لَا أحب رئمان أنف وَأَمْنَع الضَّرع يضْرب لمن يظْهر الشَّفَقَة وَيمْنَع خَيره كَذَا فِي أَمْثَال الزَّمَخْشَرِيّ.
وَقَوله: إِذا مَا ضن بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة أَي: حصل الضن وَهُوَ الشُّح وَالْبخل.
قَالَ ابْن جني فِي الْمُحْتَسب: ألحق الْبَاء فِي بِهِ لما كَانَ تُعْطِي فِي معنى تسمح بِهِ. أَلا ترَاهُ قَالَ فِي آخر الْبَيْت: إِذا مَا ضن بِاللَّبنِ فالضن: نقيض السماحة والبذل. انْتهى.)
وَالْهَاء فِي بِهِ رَاجِعَة إِلَى مَا وَلَوْلَا التَّضْمِين لقيل: تعطية وَمَا وَإِن كَانَت فِي اللَّفْظ فَاعل ينفع فَهِيَ فِي الْمَعْنى مفعول وَهِي الشَّيْء الْمُعْطى وَهِي اسْم مَوْصُول بِمَعْنى الَّذِي وَاقع على الرئمان كَمَا يَأْتِي بَيَانه وَزعم ابْن الشجري أَنه وَاقع على البو وَهُوَ غير جيد كَمَا سيتضح.
وَقد أجَاز الْكسَائي فِي رئمان أنف الرّفْع وَالنّصب والجر قَالَ الزجاجي فِي أَمَالِيهِ: أخبرنَا أَحْمد بن الْحُسَيْن الْمَعْرُوف بِابْن شقير النَّحْوِيّ وَعلي بن سُلَيْمَان قَالَا: أخبرنَا أَحْمد بن يحيى بن ثَعْلَب قَالَ: اجْتمع الْكسَائي والأصمعي بِحَضْرَة الرشيد كَانَا ملازمين لَهُ يقيمان بإقامته ويظعنان بظعنه.
فَأَنْشد الْكسَائي: أَنِّي جزواً عَامِرًا سوءا بفعلهم الْبَيْتَيْنِ
فَقَالَ الْأَصْمَعِي: إِنَّمَا هُوَ رئمان أنف بِالنّصب. فَقَالَ لَهُ الْكسَائي: اسْكُتْ مَا أَنْت وَهَذَا يجوز بِالرَّفْع وَالنّصب والخفض. أما الرّفْع فعلى الرَّد على مَا لِأَنَّهَا فِي مَوضِع رفع بينفع فَيصير التَّقْدِير: أم كَيفَ ينفع رئمان أنف. وَالنّصب بتعطي والخفض على الرَّد على الْهَاء الَّتِي فِي بِهِ.
قَالَ: فَسكت
стр. 5339
الْأَصْمَعِي وَلم يكن لَهُ علم بِالْعَرَبِيَّةِ كَانَ صَاحب لُغَة وَلم يكن صَاحب إِعْرَاب انْتهى مَا أوردهُ الزجاجي.
وَقَوله: أما الرّفْع فعلى الرَّد على مَا يُرِيد بِهِ الْإِبْدَال وَهِي عبارَة الْكُوفِيّين وَهُوَ بدل كل من كل وَيجوز رَفعه أَيْضا على أَنه خبر لمبتدأ مَحْذُوف أَي: هُوَ رئمان.
وَقد جوز هذَيْن الْوَجْهَيْنِ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي فِي البغداديات قَالَ فِيهَا: حُكيَ لنا أَن أَبَا الْعَبَّاس مُحَمَّدًا وَأَبا الْعَبَّاس أَحْمد كَانَا يلقيان هَذَا الْبَيْت ويسألان عَن وَجه الْإِعْرَاب فِيهِ. ورئمان بِالرَّفْع وَالنّصب والجر.
فأحدهما: أَن تبدل رئمان من الْمَوْصُول فتجعله إِيَّاه فِي الْمَعْنى. أَلا ترى أَن رئمان أنف هُوَ مَا تعطيه الْعلُوق.
وَالْآخر: أَن تَجْعَلهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف كَأَنَّهُ لما قَالَ: أم كَيفَ ينفع مَا تُعْطِي الْعلُوق قيل لَهُ: وَمَا تُعْطِي الْعلُوق فَقَالَ: رئمان أنف أَي: هُوَ. كَقَوْلِه تَعَالَى: بشرٍ من ذَلِكُم النَّار أَي: هِيَ. انْتهى.
وَقَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: مَا بِمَعْنى الَّذِي وَاقعَة على البو وانتصاب الرئمان هُوَ الْوَجْه الَّذِي)
يَصح بِهِ الْمَعْنى وَالْإِعْرَاب وإنكار الْأَصْمَعِي لرفعه إِنْكَار فِي مَوْضِعه لِأَن رئمان الْعلُوق للبو بأنفها هُوَ عطيتها لَيْسَ لَهَا عَطِيَّة غَيره.
-
فَإِذا أَنْت رفعته لم يبْق عَلَيْهَا عَطِيَّة فِي الْبَيْت لفظا وَلَا تَقْديرا. وَرَفعه على الْبَدَل من مَا لِأَنَّهَا فَاعل ينفع وَهُوَ بدل الاشتمال وَيحْتَاج إِلَى تَقْدِير ضمير يعود مِنْهُ على الْمُبدل مِنْهُ كَأَنَّك قلت: رئمان أنفها إِيَّاه.
وَتَقْدِير مثل هَذَا الضَّمِير قد ورد فِي كَلَام الْعَرَب وَلَكِن فِي رَفعه مَا ذكرت لَك من إخلاء تُعْطِي من مفعول فِي اللَّفْظ وَالتَّقْدِير. وجر رئمان على الْبَدَل أقرب إِلَى الصَّحِيح قَلِيلا.
стр. 5340
وَإِعْطَاء الْكَلَام حَقه من الْمَعْنى وَالْإِعْرَاب إِنَّمَا هُوَ بِنصب الرئمان. ولنحاة الْكُوفِيّين فِي أَكثر وَقد نَقله ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي وَأقرهُ ومنشؤه حمل مَا على البو وَلَو حمله على الرئمان لم يرد شَيْء من هَذَا.
وَلَقَد أَجَاد الدماميني فِي الِاعْتِرَاض على ابْن الشجري بقوله: وَلقَائِل أَن يَقُول: لم لَا يجوز أَن يكون الضَّمِير من بِهِ عَائِدًا على مَا لَا على البو وَبِه يتَعَلَّق بتعطي على أَنه مضمن معنى تجود فَلَا يكون مخلى من مفعول مَعَ رفع رئمان. انْتهى.
وَيكون نصب رئمان على أحد ثَلَاثَة أوجه غير مَا ذكره.
قَالَ أَبُو عَليّ بعد ذَاك. وَأما نصب رئمان فعلى ثَلَاث جِهَات: أَحدهَا: على معنى أم كَيفَ ينفع مَا تعطيه من رئمان فَحذف الْحَرْف وأوصل الْفِعْل.
ثَانِيهَا: أَن يكون من بَاب صنع الله ووعد الله كَأَنَّهُ لما قيل تُعْطِي الْعلُوق دلّ على ترأم لِأَن إعطاءها رئمان فنصبه على هَذَا الْحَد لما دلّ عَلَيْهِ تُعْطِي.
ثَالِثهَا: أَن ينْتَصب على الْحَال مثل جَاءَ ركضاً على قِيَاس إجَازَة أبي الْعَبَّاس فِي هَذَا الْبَاب وَيجْعَل تُعْطِي بِمَنْزِلَة تعطف كَأَنَّهُ قيل: أم كَيفَ ينفع مَا تعطف بِهِ
الْعلُوق رئماناً أَي: كَيفَ ينفع تعطفها رائمة مَعَ منعهَا لَبنهَا. فَهَذِهِ ثَلَاثَة أجوبة فِي النصب. انْتهى.
стр. 5341
وَأَشَارَ فِي الْوَجْه الثَّالِث إِلَى أَن مَا مَصْدَرِيَّة وَعَلِيهِ يكون ضمير بِهِ عَائِدًا إِلَى البو الْمَفْهُوم من وَقد اعْترض الدماميني على مُسْتَند ابْن الشجري فِي إِنْكَار الرّفْع بِأَنَّهُ قد يلْتَزم وَلَا مَحْذُور فِيهِ لأنّ الْفِعْل الْمُتَعَدِّي قد يكون الْغَرَض من ذكره إثْبَاته لفَاعِله أَو نَفْيه عَنهُ فَقَط فينزّل منزلَة اللَّام وَلَا يقدّر لَهُ مفعول تَقول: فلَان يُعْطي أَي: يفعل الْإِعْطَاء فَلَا تذكر للْفِعْل مَفْعُولا وَلَا تقدّره)
لأنّ ذَلِك يخلّ بالغرض. وَاعْتِبَار هَذَا الْمَعْنى فِي الْبَيْت مُمكن.
وَاعْترض عَلَيْهِ ابْن الْحَنْبَلِيّ بأنّ اعْتِبَار هَذَا الْمَعْنى مُمكن فِي نَفسه وأمّا فِي الْبَيْت فَلَا لِأَنَّهُ مخلٌّ بالغرض إِذْ الْغَرَض إِثْبَات عطيّة لَهَا لَا وصفهَا بالإعطاء فَقَط. على أنّا نقُول: المتعدّي وَإِن نزّل منزلَة اللَّازِم لَا يتَحَقَّق مضمونه إلاّ بمفعول فِي نفس الْأَمر فَإِذا لم يكن لَهَا عطيّة إلاّ الرئمان وَقد صَار معطًى بِهِ لإبداله من مَا أَو ضميرها لم يتَحَقَّق الْإِعْطَاء فضلا عَن أَن ينزّل فعله منزلَة اللَّازِم. إلاّ أَن يُقَال: هُوَ مُمكن إِذا فرض مفعول تُعْطِي اللَّبن لتحقّق سَبَب إعطائها إيّاه.
وَإِن لم تعْتَبر هِيَ ذَلِك السَّبَب حَتَّى ضنّت بِهِ كمن توفّرت لَدَيْهِ دواعي الْكَرم فَلم يلْتَفت إِلَيْهَا وَبَقِي على بخله. فَلَمَّا ضنّت بِهِ ظهر أنّ عطيّتها لم تكن فِي الْحَقِيقَة إلاّ الرئمان. انْتهى.
وَقد منع هُوَ الإخلاء الْمَذْكُور بِتَقْدِير مفعول لتعطي وَهُوَ رئمان آخر. وَالتَّقْدِير: أم كَيفَ ينفع بوٌّ تُعْطِي الْعلُوق بِسَبَبِهِ الرئمان رئمانه.
وَلَا يخفى أنّ هَذَا تكلّف. وَدَعوى تضمين تُعْطِي بتجود كَمَا صنع ابْن جني صَحِيح الْمحمل وَقَول ابْن الشجري: وَهُوَ بدل الاشتمال وَيحْتَاج إِلَى تَقْدِير ضمير. أَقُول: إِذا
جرّ على الْبَدَلِيَّة من الْهَاء يكون أَيْضا مُحْتَاجا إِلَى الضَّمِير.
стр. 5342
وَقَول الدماميني: لَا يتعيّن بدل الاشتمال بل هُوَ بدل كلّ فَلَا يحْتَاج إِلَى ضمير لَا يصحّ لأنّ مَا عِنْد ابْن الشجري عبارَة عَن البو وَإِنَّمَا يَصح على جعل مَا وَاقعَة على الرئمان.
وَوجه كَون الْجَرّ أقرب إِلَى الصَّوَاب عَن ابْن الشجري: أَنه يصير مَعْمُولا لتعطي بالبدلية وَقيل: لكَونه غير مُحْتَاج إِلَى الضَّمِير الرابط. وَفِيه أَنه لَا بدّ مِنْهُ كَمَا ذكرنَا فَلَا يصحّ هَذَا التَّوْجِيه. وأفنون: شَاعِر جاهلي يرْوى بِضَم الْهمزَة وَفتحهَا وَسُكُون الْفَاء ونونين.
قَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ: أفنون: لقب لَهُ لقَوْله من قِطْعَة: الْبَسِيط
(منّيتنا الودّ يَا مضنون مضنونا ... أيّامنا إنّ للشّبّان أفنونا)
واسْمه كَمَا قَالَ أَبُو عَمْرو فِي أشعار تغلب وَابْن الْأَنْبَارِي فِي شرح المفضليات وَابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: صريم بن معشر بن ذهل بن تيم بن مَالك بن حبيب بن عَمْرو بن غنم بن تغلب وَقَالُوا: كَانَ من خَبره أَنه لَقِي كَاهِنًا فَسَأَلَهُ عَن مَوته فَقَالَ: تَمُوت بمَكَان يُقَال لَهُ: إلاه بِكَسْر الْهمزَة.
فَمَكثَ مَا شَاءَ الله ثمَّ سَار إِلَى الشَّام فِي تِجَارَة ثمَّ رَجَعَ فِي ركب من بني تغلب فضلّوا)
الطَّرِيق فَلَقوا إنْسَانا فاستخبروه فنعت لَهُم فَقَالَ فِي نَعته:
إِذا رَأَيْتُمْ إلاهة حيّ لكم الطَّرِيق وإلاهة: قارة بالسّماوة فَلَمَّا أتوها نزل أَصْحَابه وَقَالُوا لَهُ: انْزِلْ. فَقَالَ أفنون: وَالله لَا أنزل فَجعلت نَاقَته
стр. 5343
ترتعي عرفجاً فلدغتها أَفْعَى فِي مشفرها فاحتكّت بساقه والحيّة مُتَعَلقَة بمشفرها فلدغته فِي سَاقه فَقَالَ لأخ مَعَه: احْفِرْ لي قبراً فإنّي ميّت ثمَّ رفع صَوته بِأَبْيَات مِنْهَا: الطَّوِيل
(لعمرك مَا يدْرِي امْرُؤ كَيفَ يتّقي ... إِذا هُوَ لم يَجْعَل لَهُ الله واقيا)
(كفى حزنا أَن يرحل الحيّ غدْوَة ... وَأصْبح فِي أَعلَى الإلهة ثاويا)
وَأنْشد بعده: الرمل
(لَو بِغَيْر المَاء حلقي شرقٌ ... كنت كالغصّان بِالْمَاءِ اعتصاري)
على أنّ الْجُمْلَة الاسمية وَهِي: حلقي شَرق بِغَيْر المَاء وَاقعَة مَوضِع الْجُمْلَة الفعلية وَهِي شَرق حلقي لِأَن لَو مُخْتَصَّة بِالْفِعْلِ.
-
وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ مفصلا فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالْخمسين بعد الستمائة.
وَأنْشد بعده الطَّوِيل
(سواءٌ عَلَيْك الْيَوْم أنصاعت النّوى ... بخرقاء أم أنحى لَك السّيف ذابح)
стр. 5344
على أنّ الْفِعْل بعد همزَة التَّسْوِيَة وأم يستهجن أَن لَا يكون مَاضِيا كَمَا فِي الْبَيْت. وَمن المستهجن وُقُوع الْجُمْلَة الاسمية كَقَوْل الشَّاعِر.
وَقد أنْشدهُ الْفراء عِنْد تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: سواءٌ عَلَيْكُم أدعوتموهم أم أَنْتُم صامتون.
الطَّوِيل
(سواءٌ إِذا مَا أصلح الله أَمرهم ... علينا أدثرٌ مَالهم أم أصارم)
وَالْبَيْت من قصيدة لذِي الرمّة مطْلعهَا:
(أَمن دمنةٍ جرّت بهَا ذيلها الصّبا ... لصيداء مهلا مَاء عَيْنَيْك سافح
)
قَالَ شَارِح ديوانه يُرِيد: أماء عَيْنَيْك سافح أَي: سَائل من أجل دمنة لصيداء. ثمَّ قَالَ: مهلا أَي: لَا تبك. وذيل الرّيح: أواخرها.
إِلَى أَن قَالَ:)
(أصيداء هَل قيظ الرّمادة راجعٌ ... لياليه أَو أيّامهنّ الصّوالح)
يَقُول: هَل ذَاك القيظ الَّذِي قظناه بالرّمادة رَاجع لِأَنَّهُ رأى فِيهِ مَا يسرّه.
وَقَوله: عدا النأي أَي: صرف وُجُوهنَا عَن صيداء. وَمِنْه: عداني عَنهُ كَذَا وَكَذَا أَي: صرفني. ثمَّ قَالَ: وقربها لدينا رابح أَي: ذُو ربح وَلَكِن لَا إِلَى ذَلِك سَبِيل.
(سواءٌ عَلَيْك الْيَوْم أنصاعت النّوى ... بصيداء أم أنحى لَك السّيف ذابح)
стр. 5345
قَالَ شَارِحه: أنصاعت النّوى أَي: انشقت وَذَهَبت بهَا النّيّة إِلَى مَكَان بعيد أم أنحى لَك السَّيْف ذابح يُرِيد: أم قصد لَك بِالسَّيْفِ ذابح. فَهُوَ سَوَاء عَلَيْك. انْتهى.
وَعَلَيْك: مُتَعَلق بِسَوَاء. وَفِي الصِّحَاح: وانصاع أَي: انْفَتَلَ رَاجعا ومرّ مسرعاً.
وَقَوله: أنصاعت بِفَتْح الْهمزَة وَهِي همزَة الِاسْتِفْهَام وَأَصله أانصاعت فحذفت الثَّانِيَة لكَونهَا همزَة وصل.
والنّوى والنّيّة: الْوَجْه الَّذِي ينويه الْمُسَافِر من قرب أَو بعد. وَهِي مُؤَنّثَة لَا غير. وَقَوله: بصيداء مُتَعَلق بانصاعت.
وصيداء: اسْم امْرَأَة شبّب بهَا ذُو الرمة فِي هَذِه القصيدة وصرّح باسمها فِي عدَّة أَبْيَات. وَكَذَا رَأَيْته فِي نسختين من ديوانه. وَذكرهَا الصَّاغَانِي فِي الْعباب وَأورد
الْبَيْت. وَقد وَقع فِي نسخ الشَّرْح: بخرقاء بدلهَا. وخرقاء: لقب ميّة الَّتِي غَالب شعره فِيهَا. وَكَأن الشَّارِح نَقله من كتاب الشّعْر لأبي عَليّ فَإِنَّهُ أنْشدهُ فِيهِ كَمَا هُنَا.
وترجمة ذِي الرمة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن من أول الْكتاب.
стр. 5346
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّامِن بعد التسْعمائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الْخَفِيف
(مَا أُبَالِي أنبّ بالحزن تيسٌ ... أم لحاني بِظهْر غيبٍ لئيم)
لما تقدّم قبله.
وأنشده فِي بَاب أَو على أَن أم فِي الْبَيْت وَاقعَة فِي موقعها وَلَا يجوز أَو.
وَقَالَ: وَتقول: أتضرب زيدا أَو تَشْتُم عمرا إِذا أردْت: هَل يكون شَيْء من هَذِه الْأَفْعَال.
وَإِن شِئْت قلت: أتضرب عمرا أم تَشْتُم زيدا على معنى أيّهما.
قَالَ حسان:
مَا أُبَالِي أنبّ بالحزن تيسٌ الْبَيْت كَأَنَّهُ قَالَ: أَي الْفِعْلَيْنِ كَانَ. انْتهى.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي دُخُول أم عديلةً للألف. وَلَا يجوز أَن تدخل أَو هُنَا لِأَن قَوْله: مَا أُبَالِي وَالْمعْنَى: قد اسْتَوَى عِنْدِي نبيب التّيس بالحزن ونيل اللَّئِيم من عرضي بِظهْر الْغَيْب. ونبيب التيس: صَوته عِنْد هياجه.
والحزن: مَا غلظ من الأَرْض. وخصّه لِأَن الْجبَال أخصب للمعز من السّهول. انْتهى.
وَالْبَيْت من قصيدة لحسان بن ثَابت الصَّحَابِيّ قَالَهَا فِي غَزْوَة أحد. قَالَ السُّهيْلي فِي الرَّوْض الْأنف: وَهَذِه القصيدة من أَجود شعره وَقَالَهَا حسان لَيْلًا ونادى قومه: أَنا أَبُو الحسام أَنا أَبُو الْوَلِيد وهما كنيتان لَهُ ثمّ أَمرهم أَن يرووها
стр. 5347
عَنهُ قبل النَّهَار مَخَافَة أَن يعوقه عائق.
فَخر فِيهَا على ابْن الزّبعرى بمقامات لَهُ عِنْد مُلُوك الشَّام من أَبنَاء جَفْنَة افتكّ فِيهَا عناةً من قومه وَذكر مقَام خَاله عِنْد النّعمان الغسّانيّ من آل جَفْنَة وَذكر فِيهَا حماة اللّواء من بني عبد الدَّار وأنّهم صرّعوا حوله حَتَّى أَخَذته امْرَأَة مِنْهُم وَهِي عمْرَة بنت عَلْقَمَة فَلذَلِك قَالَ:
(لم تطق حمله الْعَوَاتِق مِنْهُم ... إنّما يحمل اللّواء النّجوم)
انْتهى.
-
وَهَذَا أول القصيدة:
(منع النّوم بالعشاء الهموم ... وخيالٌ إِذا تغور النّجوم)
(من حبيبٍ أصَاب قَلْبك مِنْهُ ... سقمٌ فَهُوَ داخلٌ مَكْتُوم))
(همّها الْعطر والفراش ويعلو ... هَا لجينٌ ولؤلؤٌ منظوم)
(لَو يدبّ الدّبيب من ولد الذّ ... رّ عَلَيْهَا لأندبتها الكلوم)
(لم تفقها شمس النّهار بشيءٍ ... غير أنّ الشّباب لَيْسَ يَدُوم)
(إنّ خَالِي خطيب جابية الجو ... لَان عِنْد النّعمان حِين يقوم)
(وَأبي فِي سميجة الْقَائِل الْفَا ... صل يَوْم التفّت عَلَيْهِ الْخُصُوم)
(وَأَنا الصّقر عِنْد بَاب ابْن سلمى ... يَوْم نعْمَان فِي الكبول مُقيم)
(وأبيٌّ ووافدٌ أطلقا لي ... ثمّ رحنا وقفلهم محطوم
стр. 5348
)
(وسطت نسبتي الذّوائب مِنْهُم ... كلّ دارٍ فِيهَا أبٌ لي عَظِيم)
(ربّ حلمٍ أضاعه عدم الما ... ل وجهلٍ غطى عَلَيْهِ النّعيم)
(مَا أُبَالِي أنبّ بالحزن تيسٌ ... أم لحاني بظهرٍ غيبٍ لئيم)
(تِلْكَ أفعالنا وَفعل الزّبعرى ... خاملٌ فِي صديقه مَذْمُوم)
قَالَ جَامع ديوانه مُحَمَّد بن حبيب بِرِوَايَة السكرِي عَنهُ: الجولان بِالْجِيم: من عمل دمشق على طَرِيق مصر.
وسميجة بِضَم السِّين وَفتح الْمِيم وَالْجِيم: بِئْر بِالْمَدِينَةِ كَانَت لِلْأَوْسِ والخزرج تحاكمت عِنْدهَا ونعمان هَذَا الَّذِي ذكره نعْمَان بن مَالك كَانَ حَبسه النُّعْمَان بن الْمُنْذر فوفد فِيهِ وَفِي غَيره حسان فأطلقوا لَهُ.
وأبيٌّ: هُوَ ابْن كَعْب من بني النجّار: ووَافد: هُوَ ابْن عَمْرو بن الإطنابة من بني الْخَزْرَج.
وَقَوله: وجهلٍ غطى عَلَيْهِ النّعيم غطى يُغطي غطياً. وَمِنْه يُقَال: غطى اللَّيْل إِذا ستر كلّ شَيْء فَهُوَ غاطٍ. والزّبعرى: هُوَ السّهمي. وَكَانَ ابْن الزّبعرى يهاجي حسان. انْتهى.
قَالَ السّهيلي: غطى بتَخْفِيف أنْشدهُ يُونُس بن حبيب وَمَعْنَاهُ: علا وارتفع.
-
وَكَذَا أنْشد هَذِه القصيدة عبد الْملك بن هِشَام فِي غَزْوَة أحد من سيرته وَزَاد بَيْتا بَين قَوْله: رب حلم ... الْبَيْت وَبَين قَوْله: مَا أُبَالِي أنب ... الْبَيْت وَهُوَ:
стр. 5349
الْخَفِيف
(لَا تسبني فلست بسبي ... إِن سبي من الرِّجَال الْكَرِيم)
والسب بِالْكَسْرِ: الَّذِي يسابك وَهُوَ نظيرك فِي الْمنزلَة.
وَزعم الْأسود أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي أَن هَذَا الْبَيْت مَعَ مَا بعده ليسَا من شعره وَإِنَّمَا هما لِابْنِهِ)
عبد الرَّحْمَن بن حسان وَقَالَ: هجا عبد الرَّحْمَن بن حسان مِسْكين بن عَامر الدَّارمِيّ بِثَلَاثَة أَبْيَات وَهِي: الْخَفِيف
(أَيهَا الشاتمي ليحسب مثلي ... إِنَّمَا أَنْت فِي الضلال تهيم)
مَا أُبَالِي أنب بالحزن تيسٌ ... ... ... ... ... . الْبَيْت وَأورد ابْن الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ على أَبْيَات الْمفصل هَذِه الأبيات الثَّلَاثَة كَذَا ابْن الْأَعرَابِي غير معزوة إِلَى أحد وَقَالَ: هجا الشَّاعِر بِهَذَا الشّعْر مِسْكين بن عَامر الدَّارمِيّ.
وَمَعْنَاهُ: إِنَّك عَالم بِأَن قدرك دون قدري وَأَنَّك لست مِمَّن يسابني وَإِنَّمَا تفعل ذَلِك لتظهر بالمشاتمة أَن هُنَاكَ مماثلة مَعَ علملك بِخِلَافِهِ.
ثمَّ رد فِي عجز الْبَيْت هَذَا الْغَرَض الَّذِي قَصده فَقَالَ: إِنَّمَا أَنْت فِي الضلال تهيم. يَعْنِي: أَن المشاتمة إِنَّمَا يسْتَدلّ بهَا على الْمُمَاثلَة عِنْد تقَارب الشخصين فَأَما عِنْد التباعد فَلَا. فَجعله فِي فعله الَّذِي لَا يتم بِهِ الْغَرَض القصود عِنْد الْعُقَلَاء كركوبه التعاسيف الَّتِي تضر وَلَا تنفهع وَلذَلِك قَالَ: تهيم يُقَال: هام على وَجهه إِذا سلك غير الطَّرِيق.
-
وَمَوْضِع استشهاد الزَّمَخْشَرِيّ فِي قَوْله: الشاتمي فِي صِحَة إِضَافَة مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام إِلَى الْمُضمر الْمُتَّصِل. ومفعول مَا لم يسم فَاعله مُضْمر مستتر يعة د على الشاتمي لِأَنَّهُ بِمَعْنى الَّذِي يَشْتمنِي.
وَهُوَ وَإِن كَانَ مُخَاطبا إِلَّا أَنه لما وَصفه
стр. 5350
بالموصول أجْرى الضَّمِير على لفظ الْغَيْبَة كَقَوْلِك: أَنْت الَّذِي ضرب. وَهُوَ أحسن من: أَنْت الَّذِي ضربت. انْتهى.
وَتَقَدَّمت تَرْجَمَة حسان فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ من أَوَائِل الْكتاب.
فِي قَوْلهم: لَا أُبَالِي قَالَ صَاحب الْمُجْمل: اشْتبهَ عَليّ اشتقاق أُبَالِي حَتَّى قَرَأت فِي سعر ليلى الأخيلية: الطَّوِيل
(تبالي رواياهم هبالة بَعْدَمَا ... وردن وجول المَاء بالجم يرتمي)
فسروا التبالي بالتبادر إِلَى الاستقاء من قلَّة المَاء. فَلَعَلَّهُ مِنْهُ أَي: لَا أبادر إِلَى اقتنائه وَلَا أَعْتَد بِهِ.
-
وَقَالَ المرزوقي: هُوَ مفاعلة من الْبلَاء أَي: لَا أحتفل بِهِ حَتَّى أَعَادَهُ بلائي وبلاءه وأفخره.
وَحكى سِيبَوَيْهٍ: مَا أباليه بالةً كحالة وَأَصله بالية فذفت ياؤه وَذهب غَيره إِلَى أَنه مقلوب وألفه منقلبة عَن وَاو وَأَصله أباول أَي: أكاثر من قَوْلهم: فلَان كثير الْبَوْل أَي: الْوَلَد.)
وَفِي النِّهَايَة لِابْنِ الْأَثِير: وَيُقَال: مَا باليته وَمَا باليت بِهِ أَي: لم أكترث بِهِ. وَمِنْه الحَدِيث: هَؤُلَاءِ فِي الْجنَّة وَلَا أُبَالِي.
стр. 5351
حكى الْأَزْهَرِي عَن جمَاعَة من الْعلمَاء أَن مَعْنَاهُ لَا أكره. وَمِنْه حَدِيث ابْن عَبَّاس: مَا أباليه بالة وَأَصله بالية مثل عافاه الله عَافِيَة فحذفوا الْيَاء مِنْهَا تَخْفِيفًا كَمَا حذفوا من لم أبل انْتهى.
فجملة أنب يالحزن تَيْس مُعَلّق عَنْهَا الْعَامِل بالاستفهام. وَهِي إِمَّا فِي مَوضِع الْمَفْعُول المسرح أَو وأنشده بعده: الوافر
(فَإنَّك لَا تبالي بعد حولٍ ... أظبيٌ كَانَ أمك أم حمَار)
وَتقدم شَرحه فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعِشْرين بعد الْخَمْسمِائَةِ وَفِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالْأَرْبَعِينَ بعد السبعمائة.
-
وَأنْشد بعده قَول ابْن سيناء وَهُوَ الشهد التَّاسِع بعد التسْعمائَة: الْبَسِيط
(سيان عِنْدِي إِن يرَوا وَإِن فجروا ... فَلَيْسَ يجْرِي على أمثالهم قلم)
على أَن قَوْله: سيان عِنْدِي دَلِيل جَوَاب الشَّرْط الَّذِي بعده أَي: إِن بروا وَإِن فجروا فهما سيان.
وَفِي هَذَا التَّرْكِيب تَقْوِيَة لقَولهم: سَوَاء أَقمت أم قعدت وَقَوْلهمْ: لَا أُبَالِي أَقمت أم قعدت فِي تَقْدِير الشَّرْط وَدَلِيل الْجَواب. وَالْمعْنَى: إِن قُمْت أَو قعدت فالأمران سَوَاء وَإِن قُمْت أَو قعدت فَلَا أُبَالِي بهما.
стр. 5352
وَلَا يخفي أنم كَلَام ابْن سيناء كَمَا لَا يَصح الاستشهاد بِهِ لَا يَصح التقوية بِهِ. على أَنه لَا يلْزم من كَون شييئن متفقين معنى اتِّفَاقهمَا إعراباً.
وَكَأن الشَّارِح الْمُحَقق لم يستحضر قَول الفرزدق: الْبَسِيط وَلَو استحضره مَا عدل عَنهُ.
وَهُوَ بَيت من قصيدة مَشْهُورَة مدح بهَا الإِمَام زين العابدين ابْن الإِمَام الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵃.
روى السَّيِّد الْأَجَل علم الْهدى المرتضى فِي أَمَالِيهِ: أَن هِشَام بن عبد الْملك حج فِي خلَافَة عبد الْملك أَو الْوَلِيد فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَأَرَادَ أَن يسْتَلم الْحجر فَلم يقدر عَلَيْهِ من الزحام فنصب لَهُ)
مِنْبَر فَجَلَسَ عَلَيْهِ وأطاف بِهِ أهل الشَّام.
فَبينا كَذَلِك إِذا أقبل زين العابدين عَليّ بن الْحُسَيْن وَعَلِيهِ إِزَار ورداء أحسن النَّاس وَجها وأطيبهم رَائِحَة فَجعل يطوف بِالْبَيْتِ وَلما بلغ إِلَى مَوضِع
الْحجر الْأسود تنحى النَّاس عَنهُ حَتَّى يستلمه هَيْبَة مِنْهُ وإجلالاً لَهُ فغاظ ذَلِك هشاماً فَقَالَ رجل من أهل الشَّام: من هَذَا الَّذِي هابه النَّاس فَقَالَ هِشَام: لَا أعرفهُ لِئَلَّا يرغب فِيهِ أهل الشَّام.
فَقَالَ الفرزدق وَكَانَ حَاضرا: أَنا أعرفهُ. قَالَ الشَّامي: من هُوَ يَا أَبَا فراس فَقَالَ مرتجلاً: الْبَسِيط.
(هَذَا ابْن خير عباد الله كلهم ... هَذَا التقى النقي الطَّاهِر الْعلم)
(هَذَا الَّذِي تعرف الْبَطْحَاء وطأته ... وَالْبَيْت يعرفهُ والحل وَالْحرم)
...
стр. 5353
(يكَاد يمسِكهُ عرفان رَاحَته ... ركن الْحطيم إِذا مَا جَاءَ يسْتَلم)
(يغضي حَيَاء ويغضي من مهابته ... فَمَا يكلم إِلَّا حِين يبتسم)
(مشتقةٌ من رَسُول الله نبعته ... طابت عناصره والخيم والشيم)
(الله شرفه قدماً وفضله ... جرى بِذَاكَ لَهُ فِي لوحة الْقَلَم)
(ينشق ثوب الدجى عَن نور غرته ... كَالشَّمْسِ ينجاب عَن إشارقها القتم)
(سهل الخليقة لَا تخشى بوادره ... يزينه اثْنَان: حسن الْخلق وَالْكَرم
)
(مَا قَالَ لَا قطّ إِلَّا فِي تشهده ... لَوْلَا التَّشَهُّد لم ينْطق بِذَاكَ فَم)
(من معشرٍ حبهم دينٌ ويغضهم ... كفرٌ وقربهم منجى ومعتصم)
(مقدمٌ بعد ذكر الله ذكرهم ... فِي كل بَدْء ومختومٍ بِهِ الْكَلم)
(إِن عد أهل التقى كَانُوا أئمتهم ... أَو قيل خير من أهل الأَرْض قيل هم)
(لَا يَسْتَطِيع جدوادٌ بعد غايتهم ... وَلَا يدانيهم قومٌ وَإِن كرموا)
(لَا ينقص الْعسر بسطاً من أكفهم ... سيان ذَلِك إِن اثروا وَإِن عدموا)
(هَذَا ابْن فاطمةٍ إِن كنت جاهله ... بجده أَنْبيَاء الله قد ختموا)
(فَلَيْسَ قَوْلك من الله بضائره ... الْعَرَب تعرف من أنْكرت والعجم)
وَهِي أَكثر مِمَّا كتبته. قَالَ: فَغَضب هِشَام وَأمر بِحَبْس الفرزدق بعسفان
стр. 5354
بَين مَكَّة وَالْمَدينَة بلغ ذَلِك زين العابدين فَبعث إِلَيْهِ بِاثْنَيْ عشر ألف دِرْهَم وَقَالَ: أعذر يَا أَبَا فراس لَو كَانَ عندنَا)
هُنَا أَكثر مِنْهَا لوصلناك بهَا.
فَردهَا القرزدق وَقَالَ: يَا ابْن رَسُول اله كَمَا قلت الَّذِي قلته إِلَّا محبَّة فِي الله وَرَسُوله لَا طَمَعا فِي شَيْء.
فَردهَا إِلَيْهِ زين العابدين وَأقسم عَلَيْهِ بقبولها وَقَالَ لَهُ: قد رأى الله مَكَانك وَعلم نيتك وشكر لَك وَنحن أهل بيتٍ إِذا أنفذنا شَيْئا لم نرْجِع فِيهِ فقبلها وهجا هشاماً وَهُوَ فِي الْحَبْس فمما هجاه بِهِ قَوْله: الطَّوِيل
(
ويحسبني بَين الْمَدِينَة وَالَّتِي ... إِلَيْهَا رِقَاب الْقَوْم يهوي منيبها)
(يقلب رَأْسا لم يكن رَأس سيدٍ ... وعيناً لَهُ حولاء بادٍ عيوبها)
وكتبت هَذِه الأبيات رَغْبَة فِي الثَّوَاب وَإِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ.
وَأما بَيت ابْن سيناء فَهُوَ من قصيدة طَوِيلَة مطْلعهَا:
(يَا ربع نكرك الْأَحْدَاث والقدم ... فَصَارَ عَيْنك كالآثار تتهم)
(كَأَنَّمَا رسمك السِّرّ الَّذِي لَهُم ... عِنْدِي ونؤيك صبري الدارس الْهَرم)
(أَلا بكاه سحابٌ دمعه همعٌ ... بالرعد مزدفر بالبرق مبتسم)
...
стр. 5355
(لم لَا يجود سحابٌ جوده ديمٌ ... من الدُّمُوع والهوامي كُلهنَّ دم)
(لَيْت الطول أجابت من بِهِ أبدا ... فِي حبهم صحةٌ فِي حبهم سقم)
(أَو علها بِلِسَان الْحَال ناطقةٌ ... قد يفهم الْحَال مَا لَا يفهم الْكَلم)
(مَالِي أرى حكم الْأَفْعَال سَاقِطَة ... وأسمع الدَّهْر قولا كُله حكم)
(مَالِي أرى فضلا يستهان بِهِ ... قد أكْرم النَّقْص لما استنقص الْكَرم)
(جولت فِي هَذِه الدُّنْيَا وزخرفها ... عَيْني فَمَا لقِيت دَارا بهَا أرم
)
(الواجدون غنى العادمون نهى ... لَيْسَ الَّذِي وجدوا مثل الَّذِي عدموا)
(لَيْسُوا وَإِن نعموا عَيْشًا سوى نعمٍ ... وَرُبمَا نعمت فِي عيشها النعم)
(كجيفةٍ دودت فالدود منشؤه ... فِيهَا وَمِنْهَا لَهُ الأذراء والطعم)
(سيان عِنْدِي إِن بروا وَإِن فجروا ... فَلَيْسَ يجْرِي على أمثالهم قلم)
(لَا تحسدنهم إِن جد جدهم ... فالجد يجدي وَلَكِن مَا لَهُ عصم)
(أسكنت بَينهم كالليث فِي أجمٍ ... رَأَيْت ليثاً لَهُ من جنسه أجم))
(بِأَيّ مأثرةٍ ينقاس بِي أحدٌ ... بِأَيّ مكرمةٍ تحكيني الْأُمَم)
(قد أشهد الروع مرتاعاً فأكشفه ... إِذا تناكر تياره البهم)
(الضَّرْب متحتدمٌ والطعن منتظمٌ ... وَالدَّم مرتكمٌ والبأس مغتلم)
...
стр. 5356
(والجو يافوخة من نقعه قترٌ ... والأفق فسطاطة من سفكهم قتم)
(وَالْبيض والسمر حمرٌ تخت عثيره ... وَالْمَوْت يحكم والأبطال تختصم)
(وَأَعْدل الْقسم فِي حَرْبِيّ وحربهم ... مِنْهُم لنا غنمٌ منا لَهُم غرم)
(أما البلاغة فاسألني الْخَبِير بهَا ... أَنا اللِّسَان قويماً وَالزَّمَان فَم)
(لَا يعلم الْعلم غَيْرِي معلما علما ... لأَهله أَنا ذَاك الْعَالم الْعلم)
(كَانَت فتاة عُلُوم الْحق عاطلةً ... حَتَّى جلاها بشرحي الْفَهم والقلم)
وَهِي طَوِيلَة وَلَكِن يَكْفِي من القلادة مَا أحَاط بالعنق.
وَابْن سينا هُوَ الرئيس أَبُو عَليّ واسْمه الْحُسَيْن بن عبد الله بن سينا الْحَكِيم الْمَشْهُور. وَكَانَ أَبوهُ من أهل بَلخ وانتقل مِنْهَا إِلَى بُخَارى وَكَانَ من
الْعمَّال والكفاءة وَتَوَلَّى الْعَمَل بقريةٍ من ضيَاع بُخَارى يُقَال لَهَا: خرميثن من أُمَّهَات قراها وَبهَا ولد الرئيس فِي سنة سبعين وثلثمائة فِي شهر صفر. وَتُوفِّي بهمذان فِي يَوْم الْجُمُعَة من شهر رَمَضَان وَمن سنة ثَمَان وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة وَدفن بهَا.
وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي تَارِيخه الْكَبِير: بأصبهان وَالْأول أشهر. ثمَّ انْتقل أَبوهُ إِلَى بُخَارى. وانتقل الرئيس فِي الْبِلَاد. واشتغل بالعلوم وَحصل الْفُنُون.
وَلما بلغ عشر سِنِين كَانَ قد أتقن علم الْقُرْآن الْعَزِيز وَالْأَدب وَحفظ أَشْيَاء من أصُول الدَّين وحساب الهندسة والجبر والمقابلة.
ثمَّ توجه الْحَكِيم أَبُو عبد اله الناتلي فأنزله أَبُو الرئيس عِنْده فَقَرَأَ عَلَيْهِ الرئيس إيساغوجي وَأحكم عَلَيْهِ علم
стр. 5357
علم الْمنطق وأقليدس والمجسطي وفاقه حَتَّى أوضح لَهُ رموزاً وفهمه إشكالات لم يكن الناتلي يدريها وَكَانَ مَعَ ذَلِك يخْتَلف فِي الْفِقْه إِلَى إِسْمَاعِيل الزَّاهِد ويبحث ويناظر.
وَلما توجه الناتلي نَحْو خوارزمشاه اشْتغل أبوعلي بتحصيل الْعُلُوم الطبيعي والإلهي
وَغير ذَلِك وَفتح الله عَلَيْهِ أَبْوَاب الْعُلُوم ثمَّ رغب بعد ذَلِك فِي علم الطِّبّ وعالج تأدباً لَا تكسباً حَتَّى)
فاق الْأَوَائِل والأواخر فِي أقل مُدَّة.
وَاخْتلف إِلَيْهِ فضلاء هَذَا الْفَنّ يقرؤون عَلَيْهِ أَنْوَاعه وسنه إِذْ ذَاك سِتّ عشرَة سنة وَفِي مُدَّة اشْتِغَاله لم ينم ليلةٌ وَاحِدَة بكمالها وَلَا اشْتغل فِي النَّهَار بسوى المطالعة وَكَانَ إِذا أشكلت عَلَيْهِ مَسْأَلَة توضا وَقصد الْمَسْجِد الْجَامِع وَصلى ودعا الله أَن يسهلها وَيفتح لَهُ مغلقها.
وَذكر عِنْد الْأَمِير نوح بن نصر الساماني فِي مرض مَرضه فَأحْضرهُ وعالجه حَتَّى برأَ واتصل بِهِ وَقرب مِنْهُ وَدخل إِلَى دَار كتبه وَكَانَ فِيهَا من كل فن مِمَّا لَا يُوجد فِي سواهَا وَلَا سمع باسمه فظفر أَبُو عَليّ بعلوم الْأَوَائِل.
وَاتفقَ
стр. 5358
بعد ذَلِك احتراق تِلْكَ الخزانة فتفرد أَبُو عَليّ بِمَا حصله. وَلم يستكمل ثَمَانِي عشرَة سنة من عمره إِلَّا وَقد فرغ من تَحْصِيل الْعُلُوم بأسرها الَّتِي عاناها. وَتُوفِّي أَبوهُ وَسن أبي عَليّ اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ سنة وَكَانَ هُوَ وَأَبوهُ فِي الْأَعْمَال السُّلْطَانِيَّة.
وَلما اضْطَرَبَتْ أَحْوَال السامانية خرج أَبُو عَليّ إِلَى كركانج وَهِي قَصَبَة خوارزم وَاخْتلف إِلَى خوارزمشاه وَكَانَ أَبُو عَليّ على زِيّ الْفُقَهَاء ويلبس الطيلسان فقرر لَهُ فِي كل شهر مَا يقوم بِهِ.
ثمَّ انْتقل إِلَى نسا وأبيورد وطوس وَغَيرهَا ثمَّ إِلَى قزوين وَتَوَلَّى الوزارة لشمس الدولة. ثمَّ تشوش الْعَسْكَر عَلَيْهِ فَأَغَارُوا على دَاره فنبهوها وقبضوا عَلَيْهِ وسألوا شمس الدولة قَتله فَامْتنعَ ثمَّ أطلق فتوارى.
ثمَّ مرض شمس الدولة بالقولنج فَأحْضرهُ لمداواته وَاعْتذر إِلَيْهِ وَأَعَادَهُ وزيراً.
ثمَّ مَاتَ شمس الدولة وَتَوَلَّى تَاج الدولة فَلم يستوزره فَتوجه إِلَى أَصْبَهَان وَبهَا عَلَاء الدَّين أَبُو جَعْفَر بن كاكويه وَكَانَ أَبُو عَليّ قوي المزاج وتغلب عَلَيْهِ قُوَّة النِّكَاح حَتَّى أنهكته وَعرض لَهُ قولنج فحقن نَفسه فِي يومٍ وَاحِد ثَمَانِي مَرَّات فقرح بعض أمعائه وَظهر لَهُ سحج.
وَاتفقَ سَفَره مَعَ عَلَاء الدولة فَعرض لَهُ الصرع عقيب القولنج فَأمر
стр. 5359
بِأخذ دانقين من كرفس فِي جملَة مَا يحقن بِهِ فَجعل الطَّبِيب الَّذِي يعالجه فِيهِ خمس دَرَاهِم فازداد السحج بِهِ من حِدة الكرفس وَطرح بعض غلمانه فِي أدويته شَيْئا كثيرا من الأفيون وَكَانَ سَببه أَن غلمانه خانوه فِي شَيْء من مَاله فخافوا عَاقِبَة أمره عِنْد برئه.
وَكَانَ يصلح أسبوعاً ويمرض أسبوعاً وَلَا يحتمي ويجامع حَتَّى قصد عَلَاء الدولة بهمذان)
فَلَمَّا وصل إِلَى همذان ضعف جدا وأشرفت قوته على السُّقُوط فأهمل المداوة وَقَالَ: الْمُدبر الَّذِي فِي بدني قد عجز فَلَا تنفعني المعالجة.
ثمَّ اغْتسل وَتَابَ وَتصدق بِمَا مَعَه على الْفُقَرَاء ورد الْمَظَالِم على من عرفه وَأعْتق مماليكه وَجعل يخْتم فِي كل ثَلَاثَة أيامٍ ختمةً إِلَى أَن مَاتَ فِي ذَلِك التَّارِيخ.
وصنف كتاب الشِّفَاء فِي الْحِكْمَة والنجاة والإشارات والقانون وَغير ذَلِك مَا يُقَارب مائَة مُصَنف فِي فنون شَتَّى. وَله رسائل بديعة وَهُوَ أحد فلاسفة الْإِسْلَام وَله شعر جيد باللسانين وَمِنْه قصيدته فِي النَّفس ومطلعها: الْكَامِل
وَلها شُرُوح أحْسنهَا الْحَكِيم أفضل الْحُكَمَاء: دَاوُد الضَّرِير الْأَنْطَاكِي.
стр. 5360
وَأنْشد يعده
(الشَّاهِد الْعَاشِر بعد التسْعمائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الطَّوِيل
(وَلست أُبَالِي بعد موت مطرفٍ ... حتوف المنايا أكثرت أَو أقلت)
على أَنه يجوز الْإِتْيَان ب أَو مُجَردا عَن الْهمزَة يعد سَوَاء وَلَا أُبَالِي بِتَقْدِير حرف الشَّرْط كَمَا فِي الْبَيْت فَإِن أَو لم تسبق بِهَمْزَة وَالتَّقْدِير: إِن أكثرت أَو أقلت فلست أُبَالِي.
وَهَذَا قَول السيرافي قَالَ فِي شرح الْكتاب: وَسَوَاء إِذا أدخلت بعْدهَا ألف اسْتِفْهَام لَزِمت أم بعْدهَا كَقَوْلِك: سَوَاء عَليّ أَقمت أم قعدت وَإِذا كَانَ بعد سَوَاء فعلان بِغَيْر اسْتِفْهَام جَازَ عطف أحدعمل على الآخر بِأَو كَقَوْلِك: سَوَاء عَليّ قُمْت أَو قعدت فَإِن الْكَلَام مَحْمُول على معنى المجازاة.
فَإِذا قلت: سَوَاء عَليّ قُمْت أَو قعدت فتقديره: إِن قُمْت أَو قعدت فهما عَليّ سَوَاء.
انْتهى.
وَفِيه رد على أبي عَليّ فِي مَنعه وعَلى ابْن هِشَام فِي قَوْله فِي الْمُغنِي: إِذا عطفت بعد الْهمزَة بِأَو فَإِن كَانَت همزَة التَّسْوِيَة لم يجز. وَقد أولع الْفُقَهَاء وَغَيرهم بِأَن يَقُولُوا: سَوَاء كَانَ كَذَا أَو كَذَا.
وَهُوَ نَظِير قَوْلهم: يجب أقل الْأَمريْنِ من كَذَا أَو كَذَا.
وَالصَّوَاب الْعَطف فِي الأول بِأم وَفِي الثَّانِي بِالْوَاو وَفِي الصِّحَاح: سَوَاء عَليّ قُمْت أوقعدت.
انْتهى. وَلم يذكر غير ذَلِك. وَهُوَ سَهْو.
)
وَفِي كَامِل الْهُذلِيّ أَن ابْن محيص قَرَأَ من طَرِيق الزَّعْفَرَانِي: سواءٌ عَلَيْهِم أنذرتهم أم لم تنذرهم وَهَذَا من الشذوذ بمَكَان. انْتهى كَلَامه.
следующие страницы →