Полный текст (5 658 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
على أَن حَقًا ظرف مَنْصُوب بِتَقْدِير فِي.
وَتقدم شَرحه فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالسِّتِّينَ من بَاب الْمُبْتَدَأ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
الشَّاهِد الثَّالِث وَالتِّسْعُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:
(دَعَوْت لما نابني مسوراً ... فلبى فلبي يَدي مسور)
على أَن لبيْك مثنى عِنْد سِيبَوَيْهٍ لَا مُفْرد ك لَدَى قلبت ألفها يَاء لما أضيفت إِلَى الْمُضمر خلافًا ليونس بِدَلِيل بَقَاء يائها مُضَافَة إِلَى الظَّاهِر كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت.
أما الأول فقد قَالَ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف: ذهب الْخَلِيل وسيبويه وَالْجُمْهُور إِلَى أَن لبيْك تَثْنِيَة وَحكى سِيبَوَيْهٍ عَن بعض الْعَرَب لب على أَنه مُفْرد لبيْك غير أَنه مَبْنِيّ على الْكسر كأمس وعلق لقلَّة تمكنه ونصبه نصب الْمصدر كَأَنَّهُ قَالَ: إِجَابَة. وَزعم ابْن مَالك أَنه اسْم فعل. وَهُوَ فَاسد لِإِضَافَتِهِ ويضاف إِلَى الظَّاهِر تَقول: لبي زيد وَإِلَى ضمير الْغَائِب قَالُوا: لبيه. وَدَعوى الشذوذ فيهمَا بَاطِلَة. انْتهى.
وَهَذَا مُخَالف لما قَالَه ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: أَن شَرط مجرور لبي وسعدي وحناني ضمير الْخطاب وشذ:
стр. 562
(دَعونِي فيا لبي إِذا هدرت لَهُم ... شقاشق أقوامٍ فأسكتها بَدْرِي)
لعدم الْإِضَافَة وَنَحْو: لَقلت لبيه لمن يدعوني لِإِضَافَتِهِ إِلَى ضمير الْغَيْبَة كَمَا شَذَّ إِضَافَته إِلَى الظَّاهِر فِي قَوْله: فلبى فلبي يَدي مسور وَأما الثَّانِي فَهُوَ اسْم مُفْرد مَقْصُور عِنْد يُونُس. قَالَ ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة: أَصله عِنْده لببٌ ووزنه فعللٌ وَلَا يجوز أَن تحمله على فعل لقلَّة فعل فِي الْكَلَام وَكَثْرَة فعلل فقلبت الْبَاء الَّتِي هِيَ اللَّام الثَّانِيَة من لبب يَاء هرباً من التَّضْعِيف فَصَارَ لبي ثمَّ أبدل الْيَاء ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا فَصَارَت لبا ثمَّ إِنَّهَا لما وصلت بِالْكَاف فِي لبيْك وبالهاء فِي لبيه قلبت الْألف يَاء كَمَا قلبت فِي على ولدى إِذا وصلتها بالضمير وَوجه الشّبَه بَينهمَا: أَنه اسْم لَيْسَ لَهُ تصرف غَيره فِي الْأَسْمَاء لِأَنَّهُ لَا يكون إِلَّا مَنْصُوبًا
стр. 563
وَلَا يكون إِلَّا مُضَافا كَمَا أَن إِلَيْك وَعَلَيْك ولديك لَا تكون إِلَّا مَنْصُوبَة الْمَوَاضِع مُلَازمَة للإضافة فقلبوا أَلفه يَاء فَقَالُوا: لبيْك كَمَا قَالُوا: عَلَيْك. وَنَظِير هَذَا كلا وكلتا فِي قلب ألفهما يَاء مَتى اتَّصَلت بضمير وَكَانَت فِي مَوضِع نصب أَو جر وَلم يقلبوا الْألف فِي)
مَوضِع الرّفْع يَاء لِأَنَّهُمَا بعدا برفعهما عَن شبه عَلَيْك ولديك إِذْ كَانَ لاحظ لَهُنَّ فِي الرّفْع.
وَاحْتج سِيبَوَيْهٍ على يُونُس فَقَالَ: لَو كَانَت يَاء إِلَيْك بِمَنْزِلَة يَاء عَلَيْك ولديك لوَجَبَ مَتى أضفتها إِلَى الْمظهر أَن تقرها ألفا فلبي فِي هَذَا الْبَيْت بِالْيَاءِ مَعَ إِضَافَته إِلَى الْمظهر دلَالَة على أَنه اسْم مثنى.
وَأجَاب ابْن جني فِي الْمُحْتَسب: بِأَن من الْعَرَب من يُبدل ألف الْمَقْصُور فِي الْوَقْف يَاء فَيَقُول: هَذِه عصي وَرَأَيْت حبلي وَمِنْهُم من يبدلها واواً فِيهِ أَيْضا فَيَقُول: هَذِه عصو وحبلو وَفِي الْوَصْل أَيْضا نَحْو هَذِه حبلو يَا فَتى وَمِنْه قِرَاءَة الْحسن: يَوْم يَدْعُو كل أناسٍ بِضَم الْيَاء وَفتح الْعين.
وعَلى هَذَا التَّخْرِيج يسْقط قَول سِيبَوَيْهٍ عَن يُونُس.
قَالَ أَبُو عَليّ: يُمكن يُونُس أَن يَقُول: إِنَّه أجْرى الْوَصْل مجْرى الْوَقْف فَكَمَا يَقُول فِي الْوَقْف: عصى وفتى كَذَلِك قَالَ: فلبي ثمَّ وصل على ذَلِك. هَذَا مَا قَالَه أَبُو عَليّ. وَعَلِيهِ يُقَال: كَيفَ يحسن تَقْدِير الْوَقْف على الْمُضَاف دون الْمُضَاف إِلَيْهِ وَجَوَابه أَن ذَلِك قد جَاءَ أنْشد أَبُو زيد: ضخم نجاري طيبٌ عنصري أَرَادَ عنصري فثقل الرَّاء لنِيَّة الْوَقْف ثمَّ أطلق يَاء الْإِضَافَة من بعد.
стр. 564
وَإِذا جَازَ هَذَا التَّوَهُّم مَعَ أَن الْمُضَاف إِلَيْهِ مُضْمر والمضمر الْمَجْرُور لَا يجوز تصور انْفِصَاله فجوازه مَعَ الْمظهر أولى من حَيْثُ كَانَ الْمظهر أقوى من الْمُضمر. وَمثله قَوْله: يَا ليتها قد خرجت من فَمه أَرَادَ: من فَمه ثمَّ نوى الْوَقْف على الْمِيم فثقلها على حد قَوْلهم فِي الْوَقْف: هَذَا خالدٌ وَهُوَ يَجْعَل ثمَّ أضَاف على ذَلِك. ويروى: من فَم يضم الْمِيم أَيْضا وَفِيه أَكثر من هَذَا. انْتهى.
فوزن لبيْك عِنْدهمَا فَعَلَيْك وَعند يُونُس فعللك.
وَاعْلَم أَن الشَّارِح جوز أَن يكون أصل لبيْك إِمَّا إلبابين حذف مِنْهَا
الزَّوَائِد وَإِمَّا من لب بِالْمَكَانِ بِمَعْنى أَقَامَ فَلَا حذف. وَيَنْبَغِي أَن يكون الْمَأْخُوذ مِنْهُ هَذَا فَإِنَّهُ لَا تكلّف فِيهِ وَفعله وَوَصفه ثَابت أما الْفِعْل فقد روى الْمفضل بن سَلمَة فِي الفاخر: أَنه يُقَال: لب بِالْمَكَانِ: إِذا أَقَامَ فِيهِ وَأنْشد قَول الراجز: وَأما الْوَصْف فقد قَالَ صَاحب الصِّحَاح: وَرجل لبٌ أَي: لَازم لِلْأَمْرِ وَأنْشد: لبا بأعجاز الْمطِي لاحقا)
стр. 565
وَرجل لَبِيب مثل لب قَالَ:
(فَقلت لَهَا فيئي إِلَيْك فإنني ... حرامٌ وَإِنِّي بعد ذَاك لَبِيب)
وَقيل: هُوَ بِمَعْنى ملب بِالْحَجِّ من التَّلْبِيَة وَحرَام: بِمَعْنى محرم وَبعد ذَاك أَي: مَعَ ذَاك. وَقيل: إِنَّه مَأْخُوذ من قَوْلهم: دَاري تلب دَارك أَي: تقَابلهَا فَيكون مَعْنَاهُ: اتجاهي إِلَيْك وإقبالي عَلَيْك.
حَكَاهُمَا المضل فِي الفاخر وَأسْندَ أَولهمَا إِلَى الْخَلِيل عَن أبي عبيد. وَقيل: مَعْنَاهُ إخلاصي لَك من قَوْلهم: حسبٌ لباب.
وَاخْتلف فِي كَاف لبيْك فَقَالَ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف: وَهِي فِي لبيْك وَسَعْديك وحنانيك الْوَاقِع موقع الَّذِي هُوَ خير فِي مَوضِع الْمَفْعُول وَفِي دواليك وهذاذيك وحنانيك إِذا وَقعت موقع الطّلب فِي مَوضِع الْفَاعِل. وَذهب الأعلم إِلَى أَن الْكَاف حرف خطاب فَلَا مَوضِع لَهَا من الْإِعْرَاب.
وحذفت النُّون لشبه الْإِضَافَة. وَيجوز اسْتِعْمَال لبيْك وَحده وَأما سعديك فَلَا يسْتَعْمل إِلَّا تَابعا للبيك. انْتهى.
وَقَوله فِي الْبَيْت فلبى هُوَ فعل مَاض من التَّلْبِيَة وفاعله الضَّمِير الْعَائِد إِلَى مسور قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق وَأما قَوْلهم: لبّى يُلَبِّي فَهُوَ مُشْتَقّ من لبيْك لِأَن معنى لبّى: قَالَ لبيْك كَمَا أَن معنى سبح وَسلم وبسمل: قَالَ سُبْحَانَ الله وَسَلام عَلَيْك وبسم الله.
وَهَذَا مَأْخُوذ من سر الصِّنَاعَة لِابْنِ جني فَإِنَّهُ قَالَ: فَأَما حَقِيقَة لبيت عِنْد أهل الصَّنْعَة فَلَيْسَ أصل يائه بَاء وَإِنَّمَا الْيَاء فِي لبيت هِيَ الْيَاء فِي قَوْلهم:
стр. 566
لبيْك وَسَعْديك اشتقوا من الصَّوْت فعلا مجمعا من حُرُوفه كَمَا قَالُوا من سُبْحَانَ الله: سبحت أَي: قلت سُبْحَانَ الله وَمن لَا إِلَه إِلَّا الله: هللت وَمن لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه: حوقلت وحولقت وَمن بِسم الله: بسملت وَمن هَلُمَّ وَهُوَ مركب من هَا وَلم عندنَا وَهل وَأم عِنْد البغداديين فَقَالُوا: هلممت.
وَكتب إِلَيّ أَبُو عَليّ فِي شَيْء سَأَلته عَنهُ قَالَ: قَالَ بَعضهم: سَأَلتك حَاجَة فَلَا لَيْت لي أَي قلت لي: لَا وَسَأَلْتُك حَاجَة فلوليت لي أَي: قلت لي: لَوْلَا قَالَ: وَقَالُوا: بأبأ الصَّبِي أَبَاهُ أَي: قَالَ لَهُ بَابا. وَكَذَلِكَ اشتقوا أَيْضا لبيت من لفظ لبيْك فجاؤوا فِي لبيت بِالْيَاءِ الَّتِي هِيَ للتثنية.
ثمَّ قَالَ ابْن جني: وَقَول من قَالَ: إِن لبيت بِالْحَجِّ إِنَّمَا هُوَ من قَوْلنَا ألب بِالْمَكَانِ إِلَى قَول يُونُس أقرب مِنْهُ إِلَى قَول سِيبَوَيْهٍ. أَلا ترى أَن الْيَاء فِي لبيْك عِنْد يُونُس إِنَّمَا هِيَ بدل من الْألف المبدلة من الْيَاء المبدلة من الْبَاء الثَّالِثَة فِي لبب. انْتهى.)
وَعِنْدِي أَن التَّلْبِيَة من مَادَّة معتلة غير مَادَّة المضاعف ونظائره كَثِيرَة مثل صر وصرى فَإِن لبّى غير منحصر مَعْنَاهُ فِي قَالَ لبيْك بل يَأْتِي بِمَعْنى أَقَامَ ولازم مثل ألب بِالْمَكَانِ قَالَ طفيل الغنوي أنْشدهُ الْمفضل فِي الفاخر:
(رددن حصيناً من عدي ورهطه ... وتيم تلبي فِي العروج وتحلب)
أَي: تلازمها وتقيم بهَا.
стр. 567
وَقَوله لما نابني: اللَّام للتَّعْلِيل. وَاسْتشْهدَ بِهِ صَاحب الْكَشَّاف على أَن اللَّام فِي قَوْله تَعَالَى: يدعوكم ليغفر لكم تَعْلِيله كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت. ومسور بِكَسْر الْمِيم: اسْم رجل. وَالْفَاء الأولى عطفت جملَة لبّى على جملَة دَعَوْت وَالثَّانيَِة سَبَبِيَّة ومدخولها جملَة دعائية يَقُول: دَعَوْت مسوراً لدفع مَا نابني فَأَجَابَنِي أجَاب الله دعاءه قَالَ الشاطبي فِي شرح الألفية: رُوِيَ فِي بعض الْأَحَادِيث عَن النَّبِي ﷺ َ أَنه قَالَ: إِذا دَعَا أحدكُم أَخَاهُ فَقَالَ لبيْك فَلَا يَقُولَن لبي يَديك وَليقل أجابك الله بِمَا تحب. وَهَذَا يشْعر بِأَن عَادَة الْعَرَب إِذا دعت فأجيبت بلبيك أَن تَقول: لبي يَديك فَنهى ﵊ ُ عَن هَذَا القَوْل وَعوض مِنْهُ كلَاما حسنا.
وَقَالَ الأعلم: يَقُول: دَعَوْت مسوراً لدفع نَائِبه نابتني فَأَجَابَنِي بالعطاء فِيهَا وكفاني مؤنتها. وَكَأَنَّهُ سَأَلَهُ فِي دِيَة. وَإِنَّمَا لبّى يَدَيْهِ لِأَنَّهُمَا الدافعتان إِلَيْهِ مَا سَأَلَهُ مِنْهُ فخصهما بِالتَّلْبِيَةِ لذَلِك.
(دَعَوْت فَتى أجَاب فَتى دَعَاهُ ... بلبيه أَشمّ شمردلي)
وَأنْشد بعده وَهُوَ
الشَّاهِد الرَّابِع وَالتِّسْعُونَ وَهُوَ من أَبْيَات س:
стр. 568
(إِذا شقّ بردٌ شقّ بالبرد مثله ... دواليك حَتَّى كلنا غير لابس)
على أَن دواليك مَنْصُوب بعامل مَحْذُوف.
قَالَ: يُقَال دواليك أَي: تداول الْأَمر دوالين ظَاهره أَن دواليك بدل من فعل الْأَمر. وَلَيْسَ كَذَلِك كَمَا يعلم مِمَّا سَيَأْتِي.
اعْلَم أَن دوالين مثنى دوال والدوال بِالْكَسْرِ: مصدر داولت الشَّيْء مداولة ودولا وبالفتح: اسْم مصدر. وَرُوِيَ بِالْوَجْهَيْنِ مَا أنْشدهُ أَبُو زيد فِي نوادره لضباب بن سبيع بن عَوْف الْحَنْظَلِي:
(جزوني بِمَا ربيتهم وحملتهم ... كَذَلِك مَا أَن الخطوب دوال)
والتداول: حُصُول الشَّيْء فِي يَد هَذَا تَارَة وَفِي يَد ذَاك أُخْرَى وَالِاسْم الدولة بِفَتْح الدَّال وَضمّهَا وَمِنْهُم من يَقُول: الدولة بِالضَّمِّ فِي المَال وبالفتح فِي الْحَرْب ودالت الْأَيَّام مثل دارت وزنا وَمعنى. ودواليك مَعْنَاهُ مداولة بعد مداولة وَثني لِأَنَّهُ فعل اثْنَيْنِ.
قَالَ الشاطبي: وَلَا تجوز إِضَافَته إِلَى الظَّاهِر لَا تَقول: دوالي زيد. وَقَالَ الأعلم: الْكَاف للخطاب وَلذَلِك لم يتعرف بهَا مَا قبلهَا.
وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ هَذَا الْبَيْت على أَن دواليك مصدر وضع مَوضِع الْحَال.
стр. 569
وَدلّ قَوْله: إِذا شقّ برد على الْفِعْل الَّذِي نصب دواليك أَي: نشقهما متداولين بإضمار فعل لَهُ وَلها يعْمل فِي دواليك. وَرُوِيَ: إِذا شقّ بردٌ شقّ بالبرد برقع
يَعْنِي أَنه يشق برقعها وَهِي تشق برده. وَمَعْنَاهُ: أَن الْعَرَب يَزْعمُونَ أَن المتحابين إِذا شقّ كل وَاحِد مِنْهُمَا ثوب صَاحبه دَامَت مودتهما وَلم تفْسد. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كَانَ من شَأْن الْعَرَب إِذا تجالسوا مَعَ الفتيات للتغزل أَن يتعابثوا بشق الثِّيَاب لشدَّة المعالجة عَن إبداء المحاسن. وَقيل إِنَّمَا يَفْعَلُونَ ذَلِك ليذكر كل وَاحِد مِنْهُمَا صَاحبه بِهِ.
وَقَالَ الْعَيْنِيّ: كَانَت عَادَة الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة أَن يلبس كل وَاحِد من الزَّوْجَيْنِ برد الآخر ثمَّ يتداولان على تخريقه حَتَّى لَا يبْقى فِيهِ لبس طلبا لتأكيد الْمَوَدَّة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يزْعم النِّسَاء إِذا شقّ أحد الزَّوْجَيْنِ عِنْد البضاع شَيْئا من ثوب صَاحبه دَامَ الود بَينهمَا وَإِلَّا تهاجرا.)
وشق فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وبردٌ وَمثله: نَائِبا الْفَاعِل وَالْبَاء للمقابلة. وَالْبرد: الثَّوْب من أَي شَيْء كَانَ وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَا يُقَال لَهُ برد حَتَّى يكون فِيهِ وشي فَإِن كَانَ من صوف فَهُوَ بردة. وَحَتَّى ابتدائية وكلنَا مُبْتَدأ وَغير لابس خَبره.
وروى الْعَيْنِيّ: لَيْسَ للبرد لابس كصاحب الصِّحَاح. وَهُوَ غير صَحِيح فَإِن القوافي مجرورة.
وَأثبت صَاحب الصِّحَاح هذاذيك مَوضِع دواليك وَالصَّوَاب مَا ذكرنَا. وأنشده سِيبَوَيْهٍ أَيْضا كصاحب الصِّحَاح فَيكون فِيهِ إقواء.
стр. 570
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لسحيم عبد بني الحسحاس. وأولها:
(كَأَن الصبيريات يَوْم لقيننا ... ظباءٌ حنت أعناقها للمكانس)
(وَهن بَنَات الْقَوْم إِن يشعروا بِنَا ... يكن فِي ثِيَاب الْقَوْم إِحْدَى الدهارس)
وَقبل الْبَيْت الشَّاهِد:
(فكم قد شققنا من رداءٍ منيرٍ ... على طفلةٍ ممكورةٍ غير عانس)
قَالَ ابْن السَّيِّد: أَرَادَ بالصبيريات: نسَاء بني صبيرة بن يَرْبُوع. وحنت: أمالت. والمكانس: جمع مكنس بِمَعْنى الكناس وَهُوَ مَوضِع الظباء فِي الشّجر يكتن فِيهِ ويستتر وكنس الظبي يكنس بِالْكَسْرِ. والدهارس: بِفَتْح الدَّال: الدَّوَاهِي جمع دهرس كجعفر والدهاريس جمع الْجمع.
والرداء الْمُنِير: الَّذِي لَهُ نير بِالْكَسْرِ وَهُوَ علم الثَّوْب. وَجَارِيَة طفلة بِفَتْح الطَّاء أَي: ناعمة.
وَالْمُنَاسِب لقَوْله غير عانس أَن يكون طفلة بِكَسْر الطَّاء. والممكورة: المطوية الْخلق من النِّسَاء يُقَال: امْرَأَة ممكورة السَّاقَيْن أَي: جدلاء مفتولة.
وَقَالَ ابْن السَّيِّد: الممكورة: الطَّوِيلَة الْخلق. والعانس بالنُّون فِي الصِّحَاح: عنست الْجَارِيَة تعنس عنوساً وعناساً فَهِيَ عانس وَذَلِكَ إِذا طَال مكثها فِي منَازِل أَهلهَا بعد إِدْرَاكهَا حَتَّى خرجت من عداد الْأَبْكَار وَهَذَا مَا لم تتَزَوَّج فَإِن تزوجت مرّة فَلَا يُقَال عنست. يَقُول: إِذا شقّ هَؤُلَاءِ
стр. 571
النِّسَاء اللَّاتِي يلعبن معي بردي شققت أَنا أَيْضا أرديتهن وبراقعهن حَتَّى نعرى جَمِيعًا. وَمثل هَذَا قَول رجل من بني أَسد:
(كَأَن ثِيَابِي نازعت شوك عرفطٍ ... ترى الثَّوْب لم يخلق وَقد شقّ جَانِبه)
وسحيمٌ عبد بني الحسحاس من المخضرمين: قد أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام. وَلَا يعرف لَهُ صُحْبَة. وَكَانَ أسود شَدِيد السوَاد. وَبَنُو الحسحاس قَالَ بن هِشَام فِي السِّيرَة: هم من بني أَسد)
بن خُزَيْمَة والحسحاس بمهملات هُوَ ابْن نفاثة بن سعد ابْن عَمْرو بن مَالك بن ثَعْلَبَة بن دودان بن أَسد بن خُزَيْمَة بن مدركة بن إلْيَاس. وَمن شعر سحيم:
(إِن كنت عبدا فنفسي حرةٌ كرماً ... أَو أسود اللَّوْن إِنِّي أَبيض الْخلق)
وَله القصيدة الْمَشْهُورَة الَّتِي مطْلعهَا وَهُوَ من شَوَاهِد مُغنِي اللبيب:
قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: وَكَانَ عبد بني الحسحاس يرتضخ لكنةً حبشية فَلَمَّا أنْشد عمر بن الْخطاب ﵁ هَذَا المطلع قَالَ لَهُ عمر: لَو كنت قدمت الْإِسْلَام على الشيب لأجزتك.
فَقَالَ سحيم: مَا سعرت يُرِيد مَا شَعرت.
وَفِي الأغاني للأصبهاني من طَرِيق أبي عُبَيْدَة قَالَ: كَانَ سحيم أسود أعجمياً أدْرك النَّبِي ﷺ َ وَقد تمثل النَّبِي ﷺ َ من شعره روى المرزباني فِي تَرْجَمته والدينوري فِي المجالسة من طَرِيق
стр. 572
عَليّ بن يزِيد عَن الْحسن ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ قَالَ: كفى بِالْإِسْلَامِ والشيب للمرء ناهياً فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر ﵁ إِنَّمَا قَالَ الشَّاعِر: كفى الشيب وَالْإِسْلَام للمرء ناهياً فَأَعَادَهَا النَّبِي ﷺ َ كَالْأولِ فَقَالَ أَبُو بكر: أشهد إِنَّك لرَسُول الله وَمَا علمناه الشّعْر وَمَا يَنْبَغِي لَهُ. وَقَالَ عمر بن شبة: قدم سحيم بعد ذَلِك على عمر بن الْخطاب فأنشده هَذِه القصيدة فَقَالَ لَهُ عمر: لَو قدمت الْإِسْلَام لأجزتك.
وَقتل سحيم فِي خلَافَة عُثْمَان. قَالَ بن حجر فِي الْإِصَابَة: يُقَال إِن سَبَب قَتله أَن امْرَأَة من بني الحسحاس أسرها بعض الْيَهُود واستخصها لنَفسِهِ وَجعلهَا فِي حصن لَهُ فَبلغ ذَلِك سحيماً فَأَخَذته الْغيرَة فَمَا زَالَ يتحيل لَهُ حَتَّى تسور على الْيَهُودِيّ حصنه فَقتله وخلص الْمَرْأَة فأوصلها إِلَى قَومهَا فَلَقِيته يَوْمًا فَقَالَت لَهُ: يَا سحيم وَالله لَوَدِدْت أَنِّي قدرت على مكافأتك على تخليصي من الْيَهُودِيّ فَقَالَ لَهَا: وَالله إِنَّك لقادرة على ذَلِك عرض لَهَا بِنَفسِهَا فاستحيت وَذَهَبت ثمَّ لَقيته مرّة أُخْرَى فَعرض لَهَا بذلك فأطاعته فهويها وطفق يتغزل فِيهَا ففطنوا لَهُ فَقَتَلُوهُ خشيَة الْعَار.
وَقَالَ ابْن حبيب: أنْشد رَسُول الله ﷺ َ قَول سحيم عبد بني الحسحاس:
(الْحَمد لله حمداً لَا انْقِطَاع لَهُ ... فَلَيْسَ إحسانه عَنَّا بمقطوع))
فَقَالَ: أحسن وَصدق وَإِن الله يشْكر مثل هَذَا وَلَئِن سدد وقارب إِنَّه لمن أهل الْجنَّة. انْتهى.
стр. 573
وَقَالَ اللَّخْمِيّ فِي شرح شَوَاهِد الْجمل: اسْم عبد بني الحسحاس سحيم وَقيل اسْمه حَيَّة ومولاه جندل بن معبد من بني الحسحاس. وَكَانَ سحيم حَبَشِيًّا أعجمي اللِّسَان ينشد الشّعْر ثمَّ يَقُول: أهشند وَالله يُرِيد أَحْسَنت وَالله وَكَانَ عبد الله بن أبي ربيعَة قد اشْتَرَاهُ وَكتب إِلَى عُثْمَان بن عَفَّان ﵁: إِنِّي قد ابتعت لَك غُلَاما شَاعِرًا حَبَشِيًّا. فَكتب إِلَيْهِ عُثْمَان: لَا حَاجَة لي بِهِ فاردده فَإِنَّمَا قصارى أهل العَبْد الشَّاعِر إِن شبع أَن يشبب بنسائهم وَإِن جَاع أَن يهجوهم. فَرده عبد الله فَاشْتَرَاهُ أَبُو معبد فَكَانَ كَمَا قَالَ عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: شَبَّبَ فَمن ذَلِك قَوْله فِيهَا:
(ألكني إِلَيْهَا عمرك الله يافتى ... بِآيَة مَا جَاءَت إِلَيْنَا تهادياً)
(وبتنا وسادانا إِلَى علجانةٍ ... وحقفٍ تهاداه الرِّيَاح تهاديا)
(وهبت شمالٌ آخر اللَّيْل قرةٌ ... وَلَا ثوب إِلَّا بردهَا وردائيا)
(توسدني كفا وَتثني بمعصمٍ ... عَليّ وتحوي رجلهَا من ورائيا)
(فَمَا زَالَ بردي طيبا من ثِيَابهَا ... إِلَى الْحول حَتَّى أنهج الْبرد بَالِيًا)
ألكني إِلَيْهَا: مَعْنَاهُ ابلغ رسالتي إِلَيْهَا. والألوك: الرسَالَة. وعلجانة: شَجَرَة مَعْرُوفَة. والحقف: مَا تراكم من الرمل. والقرة بِالضَّمِّ: الْبرد. وانهج: أخلق.
وَذكر مُحَمَّد بن حبيب فِي كتاب من قتل من الشُّعَرَاء: أَن سحيماً كَانَ
стр. 574
صَاحب تغزل فاتهمه مَوْلَاهُ بابنته فَجَلَسَ لَهُ فِي مَكَان إِذا رعى سحيم قَالَ فِيهِ. فَلَمَّا اضْطجع تنفس الصعداء ثمَّ قَالَ:
(يَا ذكرةً مَالك فِي الْحَاضِر ... تذكرها وَأَنت فِي السادر)
(من كل بَيْضَاء لَهَا كعشبٌ ... مثل سَنَام الرّبع المائر)
فَقَالَ لَهُ سَيّده وَظهر من مَوْضِعه الَّذِي كَانَ كمن فِيهِ وَمَالك فلجلج فِي مَنْطِقه. فَلَمَّا رَجَعَ وهم على قَتله خرجت غليه صاحبته فَحَدَّثته وأخبرته بِمَا يُرَاد بِهِ فَقَامَ ينفض برده ويعفي أَثَره.
فَلَمَّا انْطلق بِهِ ليقْتل ضحِكت امْرَأَة كَانَ بَينه وَبَينهَا شَيْء فَقَالَ:
(إِن تضحكي مني فيا رب ليلةٍ ... تركتك فِيهَا كالقباء المفرج)
فَلَمَّا قدم ليقْتل قَالَ:)
(شدوا وثاق العَبْد لَا يغلبكم ... إِن الْحَيَاة من الْمَمَات قريب)
(فَلَقَد تحدر من جبين فتاتكم ... عرقٌ على ظهر الْفراش وَطيب)
فَقتل. انْتهى.
تَتِمَّة قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح شَوَاهِد الْجمل وَتَبعهُ ابْن خَافَ: إِن سحيماً مصغر أسحم وَهُوَ الْأسود تَصْغِير ترخيم وَيجوز أَن يكون مصغر سحم وَهُوَ ضرب
стр. 575
من النَّبَات وَالْأول أَجود لِأَنَّهُ كَانَ عبدا أسود. وَأما الحسحاس فالأشبه أَن يكون
اسْما مرتجلاً مشتقاً من قَوْلهم: حسحست الشواء: إِذا أزلت عَنهُ الْجَمْر والرماد وَقد يُمكن أَن يكون مَنْقُولًا لأَنهم قَالُوا: ذُو الحسحاس: الرجل الْجواد قَالَ الراجز: فَهُوَ قطعا مَنْقُول مِنْهُ. وَقَوله: من حسحست الشواء. . قَالَ فِي الصِّحَاح: وحسست اللَّحْم وحسحسته بِمَعْنى: إِذا جعلته على الْجَمْر. . وحسست النَّار: إِذا رَددتهَا بالعصا على خبْزَة الْملَّة أَو الشواء من نواحيه لينضج. وَمن كَلَامهم: قَالَت الخبزة: لَوْلَا الْحس مَا باليت بالدس.
فَكَلَامه لَا يُوَافق شَيْئا من هَذَا فَتَأمل.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
الشَّاهِد الْخَامِس وَالتِّسْعُونَ وَهُوَ من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ: ضربا هذاذيك وطعناً وخضا على أَن هذاذيك بِمَعْنى أسْرع إسراعين أَي: ضربا يُقَال فِيهِ هذاذيك. أَرَادَ أَن هذاذيك بِمَعْنى أسْرع وَأَنه بدل من فعل الْأَمر. وَلَا يخفى أَنه بدل من الهذ وَهُوَ فِي جَمِيع تَصَرُّفَاته مَعْنَاهُ السرعة فِي الْقطع لَا السرعة مُطلقًا بل حكم اللحياني فِي نوادره أَن الهذ: الْقطع نَفسه. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَكَذَلِكَ صَاحب الْقَامُوس قَالَ: هذاذيك: قطعا بعد قطع.
стр. 576
وهذاذيك لَيْسَ بَدَلا من فعل الْأَمر حَتَّى يحْتَاج إِلَى تَقْدِير القَوْل ليَصِح وُقُوعه وَصفا لما قبله بل مَعْنَاهُ ضربا يهذ هَذَا بعد هذٍ أَي: قطعا سَرِيعا بعد قطع سريع فَهُوَ صفة بِدُونِ إِضْمَار القَوْل والأنسب تهذ بِهِ هَذَا بِالْخِطَابِ ليظْهر كَونه مُضَافا لفَاعِله.
وَجوز شرَّاح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ وأبيات الْجمل أَن يكون بَدَلا من قَوْله ضربا وان يكون حَالا مِنْهُ على ضعف.
وَقَالَ ابْن هِشَام اللَّخْمِيّ: وَقيل: إِن هذاذيك مَنْصُوب بإضمار فعل من لَفظه وَذَلِكَ الْفِعْل فِي مَوضِع نصب على الصّفة للضرب وَذَلِكَ الضَّرْب مَنْصُوب بإضمار فعلٍ من لَفظه كَأَنَّهُ قَالَ: تضربه ضربا يهذ اللَّحْم هَذَا بعد هَذ أَو تطعنهم طَعنا وخضاً يردد دِمَائِهِمْ فِي أَجْوَافهم. وَقَالَ ابْن السَّيِّد: معنى ضربا هذاذيك: ضربا يهذك هَذَا بعد هَذ. وَهَذَا عكس الْمَعْنى المُرَاد كَأَنَّهُ ظن أَن الْمصدر مُضَاف لمفعوله وَلَيْسَ كَذَلِك.
وَهَذَا الْبَيْت من أرجوزة للعجاج مدح بهَا الْحجَّاج بن يُوسُف الثَّقَفِيّ عَامله الله بِمَا يسْتَحقّهُ وَذكر فِيهَا ابْن الْأَشْعَث وَأَصْحَابه. وَقَبله:
(تجزيهم بالطعن فرضا فرضا ... وَتارَة يلقون قرضا قرضا)
(حَتَّى تقضي الْأَجَل المنقضا ... ضربا هذاذيك وطعناً وخضا)
يمْضِي إِلَى عاصي الْعُرُوق النحضا
(جاؤوا مخلين فلاقوا حمضا ... طاغين لَا يزْجر بعضٌ بَعْضًا)
قَوْله: تجزيهم الْخطاب للحجاج وَالضَّمِير الْمَنْصُوب لِابْنِ الْأَشْعَث
стр. 577
وَأَصْحَابه مُتَعَدٍّ لمفعولين)
يُقَال: جزاه الله خيرا. والطعن يكون بِالرُّمْحِ وَفعله من بَاب قتل. وَالْفَرْض بِالْفَاءِ: الحز فِي الشَّيْء وَالثَّانِي تَأْكِيد للْأولِ. وَالْقَرْض بِالْقَافِ: الْقطع وتقضي بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل وَالْخطاب أَيْضا يُقَال قضى حَاجته بِالتَّشْدِيدِ كقضى بِالتَّخْفِيفِ: أَي: أتمهَا. والمنقض: السَّاقِط يُقَال انقض الْجِدَار أَي: سقط وانقض الطَّائِر: هوى فِي طيرانه. أَي: يجازيهم إِلَى أَن يتم أَجلهم المنقض عَلَيْهِم انقضاض الطير على صَيْده.
وَقَوله: ضربا هذاذيك: ضربا إِمَّا مَنْصُوب بِفعل مَحْذُوف أَي: تضربهم ضربا وَالْجُمْلَة حَال من فَاعل تقضى وَيجوز أَن يكون مَنْصُوبًا بِنَزْع الْخَافِض أَي:
بِضَرْب. والوخض بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة: مصدر وخضه بِمَعْنى طعنه من غير أَن ينفذ فِي جَوْفه. يُرِيد: إِنَّك تضرب أَعْنَاقهم وتطعن فِي أَجْوَافهم. ويمضي من الْإِمْضَاء يُقَال أمضيت الْأَمر: إِذا أنفذته ومفعوله النحض وَهُوَ بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْمُهْملَة وَهُوَ اللَّحْم. وعاصي الْعُرُوق أَي: الْعُرُوق العاصية. فِي الصِّحَاح: العَاصِي: الْعرق الَّذِي لَا يرقأ. ومخلين: اسْم فَاعل من أخل إِذا طلب الْخلَّة بِضَم الْخَاء وَهِي من النبت مَا هُوَ حُلْو. والحمض بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم: مَا ملح وَأمر من النَّبَات كالأثل وترجمة العجاج قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالْعِشْرين.
стр. 578
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّادِس وَالتِّسْعُونَ: جاؤوا بمذق هَل رَأَيْت الذِّئْب قطّ على أَن قَوْلهم: هَل رَأَيْت وَقعت صفة مذق بِتَقْدِير القَوْل يَعْنِي أَن الْجُمْلَة الَّتِي تقع صفة شَرطهَا أَن تكون خبرية لِأَنَّهَا فِي الْمَعْنى كالخبر عَن الْمَوْصُوف فجملة هَل رَأَيْت. . ظَاهرهَا أَنَّهَا وَقعت صفة لمذق مَعَ أَنَّهَا استفهامية والاستفهام قسم من الْإِنْشَاء. فَأجَاب بِأَن التَّحْقِيق أَنَّهَا معمولة للصفة المحذوفة أَي: بمذق مقولٍ فِيهِ: هَل رَأَيْت أَو يَقُول فِيهِ من رَآهُ هَذَا القَوْل وَنَحْوه.
وَهَذَا الْبَيْت قد كرر الشَّارِح إنشاده فِي هَذَا الْكتاب فقد أوردهُ فِي النَّعْت وَفِي الْمَوْصُول مرَّتَيْنِ وَفِي أَفعَال الْقُلُوب وَفِي الْحُرُوف المشبهة بِالْفِعْلِ. وَرَوَاهُ الدينَوَرِي فِي النَّبَات وَابْن قُتَيْبَة فِي أَبْيَات الْمعَانِي والزجاجي وَابْن الشجري فِي أماليهما:
جاؤوا بضيحٍ هَل رَأَيْت الذِّئْب قطّ وَقَالَ الدينَوَرِي: نزل هَذَا الشَّاعِر بِقوم فقروه ضياحاً وَهُوَ اللَّبن الَّذِي قد أَكثر عَلَيْهِ من المَاء.)
وَقَالَ ابْن جني فِي الْمُحْتَسب: قَوْله هَل رَأَيْت: جملَة استفهامية إِلَّا أَنَّهَا فِي مَوضِع وصف الضيح حملا على مَعْنَاهَا دون لَفظهَا لِأَن الصّفة ضرب
стр. 579
من الْخَبَر فَكَأَنَّهُ قَالَ: جاؤوا بضيح يشبه لَونه لون الذِّئْب. والضيح هُوَ اللَّبن الْمَخْلُوط بِالْمَاءِ فَهُوَ يضْرب إِلَى الخضرة والطلسة.
وَأوردهُ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَاتَّقوا فتْنَة لَا تصيبن الَّذين ظلمُوا على أَن لَا تصيبن صفة لفتنة على إِرَادَة القَوْل كَهَذا الْبَيْت.
والمذق: اللَّبن الممزوج بِالْمَاءِ وَهُوَ يشبه لون الذِّئْب لِأَن فِيهِ غبرة وكدرة واصله مصدر مذقت اللَّبن: إِذا مزجته بِالْمَاءِ. وقط اسْتعْملت هُنَا مَعَ الِاسْتِفْهَام مَعَ أَنَّهَا لَا تسْتَعْمل إِلَّا مَعَ الْمَاضِي الْمَنْفِيّ لِأَن الِاسْتِفْهَام أَخُو النَّفْي فِي أَكثر الْأَحْكَام. لَكِن قَالَ ابْن مَالك: قد ترد قطّ فِي الْإِثْبَات.
وَاسْتشْهدَ لَهُ بِمَا وَقع فِي حَدِيث البُخَارِيّ فِي قَوْله: قَصرنَا الصَّلَاة فِي السّفر مَعَ النَّبِي ﷺ َ أَكثر مَا كُنَّا قطّ. وَأما قَوْله: جاؤوا بمذق هَل رَأَيْت الذِّئْب قطّ فَلَا شَاهد فِيهِ لِأَن الِاسْتِفْهَام أَخُو النَّفْي. وَهَذَا مِمَّا خَفِي على كثير من النُّحَاة. انْتهى.
وَتَبعهُ الْكرْمَانِي عَلَيْهِ فِي شرح هَذَا الحَدِيث.
قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: الْعَرَب تختصر التَّشْبِيه وَرُبمَا أَوْمَأت بِهِ إِيمَاء قَالَ
أحد الرجاز:
(بتنا بحسانٍ ومعزاه يئط ... مَا زلت أسعى بَينهم وألتبط)
يَقُول فِي لون الذِّئْب. وَاللَّبن إِذا اخْتَلَط بِالْمَاءِ ضرب إِلَى الغبرة. انْتهى.
стр. 580
وبتنا: ماضٍ من الْمبيت فِي الْمِصْبَاح: بَات بِموضع كدا أَي: صَار بِهِ سَوَاء كَانَ فِي ليل أَو نَهَار وَبَات يفعل كَذَا: إِذا فعله لَيْلًا وَلَا يُقَال بِمَعْنى نَام. وَحسان: اسْم رجل ينْصَرف إِن اخذ من الْحسن وَلَا ينْصَرف إِن كَانَ من الْحسن بِالتَّشْدِيدِ. والمعزى: من الْغنم خلاف الضَّأْن وَهُوَ اسْم جنس وَكَذَلِكَ الْمعز وَالْوَاحد مَاعِز وَالْأُنْثَى ماعزة وَهِي العنز.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: ألف معزى للإلحاق بدرهم ى للتأنيث فَهُوَ منون مَصْرُوف بِدَلِيل تصغيره على معيز فَلَو كَانَت للتأنيث لم يقلبوها يَاء كَمَا لم يقلبوها فِي حبيلى وَهُوَ مُضَاف إِلَى ضمير حسان.
ويئط: مضارع أط أَي: صَوت جَوْفه من الْجُوع والمصدر الأطيط كَذَا فِي الصِّحَاح وَيَأْتِي بِمَعْنى تصويت الرحل وَالْإِبِل من ثقل أحمالها وَعَلِيهِ اقْتصر الْعَيْنِيّ وَلَا مُنَاسبَة لَهُ هُنَا.
وَرُوِيَ بعده بيتان زِيَادَة فِي بعض الرِّوَايَات وهما:)
يلمس أُذُنه وحيناً يمتخط يُقَال: امتخط وتمخط أَي: استنثر وَرُبمَا قَالُوا: امتخط مَا فِي يَده: نَزعه واختلسه كَذَا فِي الصِّحَاح.
فِي سمنٍ مِنْهُ كثيرٍ وأقط مُتَعَلق بقوله يمتخط. وَالسمن بِسُكُون الْمِيم وَفتحهَا هُنَا للضَّرُورَة. والأقط: قَالَ الْأَزْهَرِي: اللَّبن المخيض يطْبخ ثمَّ يتْرك حَتَّى يمصل وَهَذَا يدل على خسته ودنسه.
مَا زلت أسعى بَينهم وألتبط
стр. 581
أعَاد الضَّمِير من بَينهم إِلَى حسان بِاعْتِبَار حيه وقبيلته أسعى بَينهم أَي: أتردد إِلَيْهِم وألتبط: أعدو يُقَال التبط الْبَعِير: إِذا عدا وَضرب بقوائمه الأَرْض وتلبط: اضْطجع وتمرغ. وروى بدله: وأختبط أَي: أسأَل معروفهم من غير وَسِيلَة وَهَذَا يدل على كَمَال شحهم حَيْثُ كَانَ ضيفاً عِنْدهم لم يشبعوه مَعَ أَنه يعرض لمعروفهم.
حَتَّى إِذا كَانَ الظلام يخْتَلط غَايَة لقَوْله أسعى وألتبط. وَكَاد: قرب. وروى: حَتَّى إِذا جن الظلام وَاخْتَلَطَ يُرِيد ستر الظلام كل شَيْء. وَصفهم بالشح وَعدم إكرامهم الضَّيْف وَبَالغ فِي أَنهم لم يَأْتُوا بِمَا أَتَوا بِهِ إِلَّا بعد سعي ومضي جَانب من اللَّيْل ثمَّ لم يَأْتُوا إِلَّا بِلَبن أَكْثَره مَاء.
وَهَذَا الرجز لم ينْسبهُ أحد من الروَاة إِلَى قَائِله. وَقيل: قَائِله العجاج وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:
(فَقَالَت: حنانٌ مَا أَتَى بك هَهُنَا ... أذو نسب أم أَنْت بالحي عَارِف)
стр. 582
على أَن لبيْك ودواليك وَنَحْوهمَا مصَادر لم تسْتَعْمل إِلَّا للتكرير بِخِلَاف حنانيك فَإِنَّهُ يسْتَعْمل حنان: يُرِيد أَن حنانيك لَا يلْزم أَن يكون للتكرير بل قد يكون لَهُ وَقد لَا يكون بل قد اسْتعْمل مُفردا كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت. وَيُزَاد عَلَيْهِ
دواليك أَيْضا فَإِنَّهُ لَا يلْزم وَقد اسْتعْمل مفرده كَمَا تقدم قَرِيبا.
والحنان الرَّحْمَة وَهُوَ مصدر حن يحن بِالْكَسْرِ حناناً وتحنن عَلَيْهِ: ترحم وَالْعرب تَقول حنانك)
يارب وحنانيك بِمَعْنى وَاحِد أَي: رحمتك كَذَا فِي الصِّحَاح.
وَقَالَ ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد تبعا للفارسي فِي التَّذْكِرَة القصرية: وَالْأَصْل أتحنن عَلَيْك تحنناً ثمَّ حذف الْفِعْل وزائد الْمصدر فَصَارَ حناناً. انْتهى: وَهَذَا تكلّف مَعَ وجود حن يحن.
وأنشده سِيبَوَيْهٍ على أَن حناناً خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي شأني حنان وَالْأَصْل أحن حناناً فَحذف الْفِعْل وَرفع الْمصدر على الخبرية لتفيد الْجُمْلَة الاسمية الدَّوَام: وَمَا استفهامية مُبْتَدأ وَجُمْلَة أَتَى بك خَبره. ثمَّ سَأَلته عَن عِلّة مَجِيئه: هَل هُوَ نسب بَينه وَبَين قَومهَا أَو لمعْرِفَة بَينه وَبينهمْ وَالْمعْنَى: لأي شَيْء جِئْت إِلَى هُنَا أَلَك قرَابَة جِئْت إِلَيْهِم أم لَك معرفَة بالحي وَهَذَا الْبَيْت من جملَة أَبْيَات للمنذر بن دِرْهَم الْكَلْبِيّ ذكرهَا أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِي فرحة الأديب وَيَاقُوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ عَن أبي الندى وَهِي:
(سقى رَوْضَة الثري عَنَّا وَأَهْلهَا ... ركام سرى من آخر اللَّيْل رادف)
(أَمن حب أم الأشيمين وَذكرهَا ... فُؤَادك معمودٌ لَهُ أَو مقارف)
...
стр. 583
(تمنيتها حَتَّى تمنيت أَن أرى ... من الوجد كَلْبا للوكيعين آلف)
(أَقُول وَمَا لي حَاجَة فِي ترددي ... سواهَا بِأَهْل الرَّوْض هَل أَنْت عاطف)
(وأحدث عهدٍ من أُميَّة نظرةٌ ... على جَانب العلياء إِذْ أَنا وَاقِف)
(تَقول: حنان مَا أَتَى بك هَهُنَا ... أذو نسبٍ أم أَنْت بالحي عَارِف)
(فَقلت لَهَا: ذُو حاجةٍ وَمُسلم ... فَصم علينا المأزق المتضايف)
قَالَ ياقوت: رَوْضَة المثري بالثاء الْمُثَلَّثَة ويروى بِالْمُثَنَّاةِ. وَأَرَادَ بالوكيعين: الوكيع بن الطُّفَيْل الْكَلْبِيّ وَابْنه. انْتهى.
وَالظَّاهِر أَن المثري اسْم رجل أضيفت الرَّوْضَة إِلَيْهِ لكَونه كَانَ صَاحبهَا وَهُوَ اسْم مفعول من قَوْلهم: ثرى الله الْقَوْم أَي: كثرهم فَالْأَصْل مثروي قلبت الْوَاو يَاء وأدغمت عملا بالقاعدة أَهلهَا: مَعْطُوف على رَوْضَة. وركامٌ فَاعل سقى وَهُوَ بِضَم الرَّاء السَّحَاب المتراكم بعضه على بعض. والرادف نَعته وَمَعْنَاهُ الرَّاكِب خلف الشَّيْء يُرِيد: سحائب مترادفة بَعْضهَا خلف بعض. وَجُمْلَة سرى نعت لركام وصف بهَا قبل الْوَصْف بالمفرد.
وَقَوله: أَمن حب الْهمزَة للاستفهام. والأشيمين: مثنى أَشْيَم وَهُوَ الَّذِي بِهِ شامة. والمعمود: السقيم يُقَال عمده الْمَرَض أَي: فدحه وَرجل وعمود وعميد أَي: هده الْعِشْق. وَله: أَي:)
للحب. والمقارف: المقارب
стр. 584
يُقَال: قارفه أَي قاربه. وآلف: اسْم فَاعل من ألف يألف ألفة مُبْتَدأ للوكيعين خَبره وَالْجُمْلَة صفة كلب.
وَقَوله هَل أَنْت عاطف مقول أَقُول وَهُوَ خطاب لصَاحبه يطْلب مِنْهُ الْعَطف فِي الذّهاب إِلَى حيها مَعَه. وأحدث عهد أَي: أقرب مَا أعهده وأحفظه وَهُوَ مُبْتَدأ ونظرة خَبره. والعلياء بِفَتْح الْعين: مَوضِع وكل مَكَان عَال مشرفٍ. وَالْمُسلم من التَّسْلِيم بِمَعْنى التَّحِيَّة. وصم بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول أَي: سد علينا من الصمم وَهُوَ انسداد الْأذن وصم القارورة أَي: سدها وأصمها: جعل لَهَا صماماً بِالْكَسْرِ وَهُوَ مايسد بِهِ فمها. والمأزق بِالْهَمْز كمجلس: الْمضيق من أزق بالزاي الْمُعْجَمَة وَالْقَاف كفرح وَضرب أزقاً وأزقا: ضَاقَ. والمتضايف: الْمُجْتَمع الَّذِي أضيف بعضه على بعض.
وَمِمَّنْ نسب الْبَيْت الشَّاهِد للمنذر بن دِرْهَم الْكَلْبِيّ ابْن خَافَ والزمخشري فِي شرح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ وَفِي الْكَشَّاف اسْتشْهد بِهِ على أَن حنانا فِي قَوْله تَعَالَى: وَحَنَانًا من لدنا بِمَعْنى الرَّحْمَة. وَذكر مَعَه الْبَيْت الَّذِي قبله.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّامِن وَالتِّسْعُونَ: أَرضًا وذؤبان الخطوب تنوشني على أَن رضَا مصدر حذف فعله وجوبا للتوبيخ وَالْأَصْل: أترضى رضَا فالهمزة للإنكار التوبيخي وَهُوَ يَقْتَضِي أَن مَا بعْدهَا وَاقع وفاعله ملوم وَالْوَاو وَاو الْحَال. والذؤبان: جمع ذِئْب جمع كَثْرَة والخطوب
стр. 585
جمع خطب بِالْفَتْح وَهُوَ الْأَمر الشَّديد ينزل على الْإِنْسَان وَالْإِضَافَة من قبيل لجين المَاء أَي: المصائب الَّتِي كالذئاب. وتنوشني مضارع ناشه نوشاً أَي: تناله وتصيبه.
وَجُمْلَة تنوشني خبر الْمُبْتَدَأ الَّذِي هُوَ ذؤبان. وَالْجُمْلَة الاسمية حَال من فَاعل الْفِعْل الْمَحْذُوف.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
الشَّاهِد التَّاسِع وَالتِّسْعُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ فاها لفيك
(فَقلت لَهُ: فاها لفيك فَإِنَّهَا ... قلُوص امرئٍ قاريك مَا أَنْت حاذره)
على أَن فاها لفيك وضع مَوضِع الْمصدر وَالْأَصْل فوها لفيك فَلَمَّا صَارَت الْجُمْلَة بِمَعْنى الْمصدر أَي: أَصَابَته داهية أعرب الْجُزْء الأول بإعراب الْمصدر
فَصَارَ فاها لفيك. وَقيل فاها مَنْصُوب بِفعل مَحْذُوف أَي: جعل الله فا الداهية إِلَى فِيك. وَلِهَذَا الْوَجْه أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ قَوْله فاها لفيك أَي: فَم الداهية ونصبه على إِضْمَار فعل وَالتَّقْدِير: ألصق الله فاها لفيك وَجعل فاها لفيك. وَوضع مَوضِع دهاك الله فَلذَلِك لزم النصب لِأَنَّهُ بدل من اللَّفْظ بِالْفِعْلِ فَجرى فِي النصب مجْرى الْمصدر. وَخص الْفَم فِي هَذَا دون سَائِر الْأَعْضَاء لِأَن أَكثر المتالف يكون مِنْهُ بِمَا يُؤْكَل أَو يشرب من السمُوم. وَيُقَال: مَعْنَاهُ فَم الخيبة لفيك فَمَعْنَاه على هَذَا خيبك الله.
стр. 586
وَمثله لأبي زيد فِي نوادره قَالَ: وَإِذا أَرَادَ الرجل أَن يَدْعُو على رجل قَالَ: فاها لفيك أَي: لَك الخيبة. قَالَ الْأَخْفَش فِيمَا كتبه على نوادره: وَالَّذِي أختاره مَا فسره الْأَصْمَعِي وَأَبُو عُبَيْدَة فَإِنَّهُمَا قَالَا: معنى قَوْلهم فاها لفيك: ألصق الله فاها لفيك يعنون الداهية والهلكة.
وَالْأول تَقْدِير سِيبَوَيْهٍ وَكِلَاهُمَا صَحِيح.
وَقَوله: فَقلت لَهُ أَي: لهواس وَهُوَ الْأسد. وَقَوله: فَإِنَّهَا أَي: رَاحِلَتي والقلوص: النَّاقة الشَّابَّة.
وعنى بامرئ نَفسه. وَقَوله قاريك أَي: يَجْعَل مَوضِع قراك وَمَا يقوم لَك مقَام الْقرى مَا أَنْت حاذره من الْمَوْت أَي: لَيْسَ لَك قرى عِنْدِي غير الْقَتْل مثل قَوْله تَعَالَى: فبشرهم بعذابٍ أَلِيم.
وَقيل: يُفَسر فاها لفيك: أَن الشَّاعِر لما غشي الْأسد ضربه ضَرْبَة وَاحِدَة فعض التُّرَاب فَقَالَ لَهُ: فاها لفيك يَعْنِي فَم الأَرْض.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَالدَّلِيل على أَنه يُرِيد بقوله فاها فَم الداهية قَول عَامر بن جُوَيْن الطَّائِي:
(وداهية من دواهي المنو ... ن يحسبها النَّاس لَا فا لَهَا)
(دفعت سنا برقها إِذا بَدَت ... وَكنت على الْجهد حمالها)
وَمعنى لَا فا لَهَا: لَا مدْخل إِلَى معاناتها والتداوي مِنْهَا أَي: هِيَ داهية مشكلة والمنون: الْمَوْت.)
وفا مَنْصُوب بِلَا وَاللَّام مقحمة وَالْخَبَر مَحْذُوف
стр. 587
أَي: فِي الدُّنْيَا أَو فِيمَا يُعلمهُ النَّاس. والسنا هُوَ الضَّوْء يُرِيد: أَنه دفع شَرها والتهاب نارها حِين أَقبلت وَكَانَ هُوَ حمال ثقلهَا.
وَالْبَيْت الشَّاهِد من أَبْيَات أَولهَا:
(تحسب هواسٌ وأيقن أنني ... بهَا مفتدٍ من وَاحِد لَا أغامره)
(ظللنا مَعًا جارين نحترس الثأى ... يسائرني من ختله وأسائره)
فَقلت لَهُ فاها لفيك ... ... ... ... ... ... ... ... . . الْبَيْت تحسب بِمَعْنى حسب بِالتَّخْفِيفِ وَقيل: هُوَ بِمَعْنى تحسس يُقَال: فلَان يتحسس الْأَخْبَار أَي: يتجسس وَقيل: تحسب فِي معنى حسبته فتحسب مثل كفيته فَاكْتفى قَالَ النّحاس: معنى تحسب اكْتفى.
وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَخْفَش فِيمَا كتبه على نَوَادِر أبي زيد عَن الْمبرد أَنه قَالَ: معنى تحسب اكْتفى من قَوْلك حَسبك كَقَوْلِه تَعَالَى: عَطاء حسابا أَي: كَافِيا. وَتقول الْعَرَب: مَا أحسبك فَهُوَ لي محسب أَي: مَا كَفاك فَهُوَ لي كَاف.
والهواس: الْأسد. سمي هواساً لِأَنَّهُ يهوس الفريسة أَي يدقها والهوس: الدق الْخَفي وَقيل: الهواس: الَّذِي يطَأ وطئا خفِيا حَتَّى لَا يشْعر بِهِ.
قَالَ السيرافي: مَعْنَاهُ: أَنه عرض الْأسد لناقة هَذَا الشَّاعِر فَحكى عَن الْأسد أَنه توهم أنني أدع النَّاقة وأفتدي بهَا من لِقَاء الْأسد وَلَا أغامره وَلَا أقاتله وَلَا أرد مَعَه غَمَرَات الْحَرْب. وَالرِّوَايَة: تحسب هواس وَأَقْبل وَرُوِيَ أَيْضا: من صَاحب لَا أغاوره أَي: أغور عَلَيْهِ ويغور عَليّ.
وروى: لَا أناظره. والثأى بِالْمُثَلثَةِ والهمز على وزن الْفَتى: الخرم والفتق. والختل: الْمَكْر وَالْخداع.
стр. 588
وَهَذِه الأبيات قَالَ الْجرْمِي: هِيَ لأبي سِدْرَة الْأَعرَابِي. وَقَالَ أَبُو زيد فِي نوادره: إِنَّهَا لرجل من بني الهجيم. وهما شَيْء وَاحِد قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِي فرحة الأديب: أَبُو سِدْرَة هُوَ سحيم بن الْعرف من بني الهجيم بن عَمْرو بن تَمِيم. وَله مقطعات مليحة مِنْهَا قَوْله فِي حسان بن سعد عَامل الْحجَّاج على الْبَحْرين:
(إِلَى حسان من أكناف نجدٍ ... رحلنا العيس تنفخ فِي براها)
(نعد قرَابَة ونعد صهراً ... ويسعد بِالْقَرَابَةِ من رعاها)
(فَمَا جئْنَاك من عدمٍ وَلَكِن ... يهش إِلَى الْإِمَارَة من رجاها))
(وأياً مَا أتيت فَإِن نَفسِي ... تعد صَلَاح نَفسك من غناها)
قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء. وَفِيه وَفِي قبيلته يَقُول جرير:
(وَبَنُو الهجيم قبيلةٌ مذمومةٌ ... صفر اللحى متشابهو الألوان)
(لَو يسمعُونَ بأكلة أَو شربةٍ ... بعمان أصبح جمعهم بعمان)
يُرِيد: أَنهم يوقدون البعر فتصفر لحاهم بدخانه.
وَهُوَ شَاعِر إسلامي من معاصري جرير والفرزدق.
стр. 589
٣ - (الْمَفْعُول بِهِ)
أنْشد فِيهِ وَهُوَ وَهُوَ من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ:
(فواعديه سرحتي مَالك أَو الرِّبَا بَينهمَا أسهلا)
على أَن أسهل مفعول لفعل مَحْذُوف وَهُوَ صفة وموصوفه مَحْذُوف أَيْضا أَي: قولي: ائْتِ مَكَانا أسهل.
هَذَا الْبَيْت لعمر بن أبي ربيعَة. وَيفهم من تَقْدِير الشَّارِح: أَن عشيقته أرْسلت إِلَيْهِ امْرَأَة تعين لَهُ مَوضِع الملاقاة وأمرتها أَن تواعده أحد هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن خلف: الْمَعْنى أَنَّهَا قَالَت لأمتها: واعديه اللَّيْلَة أَن يقْصد السرحتين ويلتمس مَكَانا سهلاً يقرب من ذَلِك الْموضع أَنَّهُمَا إِذا علوا الرِّبَا عرف مكانهما وشنع أَمرهمَا. لَكِن الْمَفْهُوم من كَلَام الأعلم: أَنه هُوَ الَّذِي أرسل إِلَيْهَا امْرَأَة فَإِنَّهُ قَالَ: نصب أسهل بإضمار فعل دلّ عَلَيْهِ مَا قبله لِأَنَّهُ لما قَالَ فواعديه سرحتي مَالك أَو الرِّبَا بَينهمَا علم أَنه مزعج لَهَا داعٍ إِلَى إتْيَان أَحدهمَا. فَكَأَنَّهُ قَالَ: ائتي أسهل الْأَمريْنِ عَلَيْك.
وَكَذَلِكَ نقل النّحاس عَن الْمبرد أَن التَّقْدِير: وَأتي أسهل الْمَوَاضِع لِأَنَّهُ لما قَالَ: فواعديه أزعجها فَكَأَنَّهُ قَالَ: اقصدي بِهِ أسهل الْمَوَاضِع.
وَالصَّوَاب الأول كَمَا يعلم من الْبَيْت الَّذِي بعده وَيَأْتِي قَرِيبا وَقدر الْمَحْذُوف بَعضهم من لفظ الْمَذْكُور أَي: واعديه مَكَانا أسهل. وَالْمعْنَى قريب.
стр. 590
وأسهل: أفعل تَفْضِيل من السهولة ضد الحزونة وَقد سهل بِالضَّمِّ. وَتَقْدِير الشَّارِح كَابْن خلف أسهل من بَاب حذف الْمفضل عَلَيْهِ أَي: أسهل مِنْهُمَا أصوب من تَقْدِير غَيره الْمُضَاف إِلَيْهِ أَي:)
أسهل الْأَمريْنِ أَو أسهل الْمَوَاضِع. قَالَ ابْن
خلف: وَيجوز أسهل أَن يعْنى بِهِ سهلا كَمَا يُقَال: رجل أوجل ووجل وأحمق وحمق إِن أَرَادَ أَن يكون وَصفا من السهولة فمجيء أفعل بِمَعْنى فعل وَصفا بَابه السماع وَلم يسمع وَإِن أَرَادَ أَنه من السهل نقيض الْجَبَل فَلم يسمع إِلَّا مَكَان سهل وَأَرْض سهلة. ثمَّ قَالَ: وَقد قيل إِنَّه يجوز أَن يكون أسهل اسْما لموْضِع بِعَيْنِه.
أَقُول: قد فتشت كتب اللُّغَة وَكتب أَسمَاء الْأَمَاكِن ك مُعْجم مَا استعجم ومعجم الْبلدَانِ فَلم أجد لَهُ ذكرا فِيهَا.
والمواعدة: مفاعلة من الطَّرفَيْنِ ووعد يتَعَدَّى بِنَفسِهِ إِلَى وَاحِد وَإِلَى ثَان بِالْبَاء وَقد تحذف فينصب بِنَزْع الْخَافِض وَالْفِعْل إِذا كَانَ مُتَعَدِّيا إِلَى وَاحِد فبنقله إِلَى بَاب المفاعلة يتَعَدَّى إِلَى اثْنَيْنِ فَالضَّمِير فِي واعديه مفعول أول وسرحتي مَالك الْمَفْعُول الثَّانِي بِتَقْدِير مُضَاف أَي: مَكَان سرحتي مَالك. وَلَيْسَ سرحتي مَالك اسْم مَكَان بل هما شجرتان لمَالِك. والسرحة: وَاحِد السَّرْح وَهُوَ كل شجر عَظِيم لَا شوك لَهُ. والربا: جمع ربوة بِتَثْلِيث الرَّاء وَهُوَ الْمَكَان الْمُرْتَفع عَمَّا حوله وَكَانَت الرِّبَا بَين السرحتين.
وروى الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني الْبَيْت هَكَذَا:
(سلمى عديه سرحتي مالكٍ ... أَو الرِّبَا دونهمَا منزلا
стр. 591
)
فَعَلَيهِ فَلَا شَاهد فِيهِ ومنزلاً إِمَّا بدل من الرِّبَا أَو حَال مِنْهُ وسلمى منادى. وَبعد هَذَا الْبَيْت: إِن جَاءَ فليأت على بغلةٍ إِنِّي أَخَاف الْمهْر أَن يصهلا وترجمة عمر ابْن أبي ربيعَة تقدّمت فِي الشَّاهِد السَّابِع والثمانين.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
الشَّاهِد الْوَاحِد بعد الْمِائَة كلا طرفِي قصد الْأُمُور ذميم
على أَن الْقَصْد فِي الْأَمر خلاف الْقُصُور والإفراط فَإِنَّهُ يُقَال: قصد فِي الْأَمر قصدا: توَسط وَطلب الأشد وَلم يُجَاوز الْحَد. فالقصد فِي الْأُمُور لَهُ طرفان: أَحدهمَا: الْقصر وَالتَّقْصِير وهما بِمَعْنى التواني فِيهِ حَتَّى يضيع ويفوت وَكَذَلِكَ الفرط والتفريط فَإِنَّهُ يُقَال: فرط فِي الْأَمر فرطا من بَاب نصر وفرط تفريطاً وَأما الْقُصُور فَهُوَ مصدر والطرف الآخر: الإفراط وَهُوَ مصدر أفرط فِي الْأَمر: إِذا أسرف وَجَاوَزَ فِيهِ الْحَد. فَكَانَ يَنْبَغِي للشَّارِح أَن يَقُول: خلاف الْقصر أَو التَّقْصِير والإفراط أَو يَقُول: خلاف الفرط أَو التَّفْرِيط والإفراط. والذميم بِالْمُعْجَمَةِ: المذموم.
وَهَذَا الصراع عجز بَيت وَقَبله:
(عَلَيْك بأوساط الْأُمُور فَإِنَّهَا ... طريقٌ إِلَى نهج الصَّوَاب قويم)
...
стр. 592
(وَلَا تَكُ فِيهَا مفرطاً أَو مفرطاً ... كلا طرفِي قصد الْأُمُور ذميم)
وَهَذَا نظم للْحَدِيث وَهُوَ: الْجَاهِل إِمَّا مفرط أَو مفرط.
وَلَا أعلم قَائِل هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وَلَا رأيتهما إِلَّا فِي كتاب الْعباب فِي شرح أَبْيَات الْآدَاب. وَكتاب الْآدَاب: تأليف ابْن سنا الْملك بن شمس الْخلَافَة وَهُوَ من كتب الْأَدَب وَقد اشْتَمَل على أَبْيَات ومصاريع كَثِيرَة لغالب الشُّعَرَاء الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين تنيف على ألفي بَيت. وَقد نسب كل بَيت ومصراع فِيهِ إِلَى قَائِله مَعَ تَتِمَّة الشّعْر حسن بن صَالح الْعَدوي اليمني وسمى تأليفه: الْعباب فِي شرح أَبْيَات الْآدَاب وَكَانَ المصراع الشَّاهِد فِي الأَصْل وكمله بالمصاريع الثَّلَاثَة صَاحب الْعباب.
وَقد ضمنه أَيْضا الإِمَام الْخطابِيّ فِي نتفة لَهُ وَهِي:
(فسامح وَلَا تسوف حَقك كُله ... وأبق فَلم يستقص قطّ كريم)
والخطابي: هُوَ الإِمَام أَبُو سُلَيْمَان حمد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْخطاب
من ولد زيد بن الْخطاب أخي عمر بن الْخطاب صَاحب كتاب معالم السّنَن وَشرح البُخَارِيّ وَغير ذَلِك. وَكَانَ صديق أبي مَنْصُور الثعالبي وَأوردهُ فِي كتاب يتيمة الدَّهْر وَأنْشد لَهُ نتفاً جَيِّدَة. وَولد فِي سنة تسع عشرَة وثلاثمائة وَمَات فِي مَدِينَة بست فِي رِبَاط على شاطئ هندمند يَوْم السبت السَّادِس
стр. 593
عشر من ربيع الآخر سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وثلاثمائة وَأنْشد لَهُ الثعالبي فِي الْيَتِيمَة:)
(وَمَا غربَة الْإِنْسَان فِي شقة النَّوَى ... وَلكنهَا وَالله فِي عدم الشكل)
(وَإِنِّي غَرِيب بَين بست وَأَهْلهَا ... وَإِن كَانَ فِيهَا أسرتي وَبهَا أَهلِي)
وَأنْشد لَهُ أَيْضا:
(وَلَيْسَ اغترابي فِي سجستان أنني ... عدمت بهَا الإخوان وَالدَّار والأهلا)
(ولكنني مَا لي بهَا من مشاكلٍ ... وَإِن الْغَرِيب الْفَرد من يعْدم الشكلا)
وَأنْشد أَيْضا:
(شَرّ السبَاع العوادي دونه وزر ... وَالنَّاس شرهم مَا دونه وزر)
(كم معشر سلمُوا لم يؤذهم سبعٌ ... وَمَا نرى بشرا لم يؤذه بشر)
وَأنْشد أَيْضا:
(من يدر دارى وَمن لم يدر سَوف يرى ... عَمَّا قليلٍ نديماً للندامات)
وللثعالبي فِيهِ:
(أَبَا سُلَيْمَان سر فِي الأَرْض أَو فأقم ... فَأَنت عِنْدِي دنا مثواك أَو شطنا)
(مَا أَنْت غَيْرِي فأخشى أَن يفارقني ... قربت روحك بل روحي فَأَنت أَنا)
стр. 594
قَالَ السلَفِي: أَنْشدني أَبُو مَنْصُور الثعالبي بنيسابور للخطابي يَقُوله فِي الثعالبي:
(قلبِي رهينٌ بنيسابور عِنْد أخٍ ... مَا مثله حِين تستقرى الْبِلَاد أَخ)
(لَهُ صَحَائِف أخلاقٍ مهذبةٍ ... مِنْهَا التقى والنهى والحلم تنتسخ)
وَأنْشد بعده وَهُوَ
الشَّاهِد الثَّانِي بعد الْمِائَة وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(جاري لَا تستنكري عذيري ... سيري وإشفاقي على بَعِيري)
على أَن العذير هُنَا بِمَعْنى الْحَال الَّتِي يحاولها الْمَرْء يعْذر عَلَيْهَا وَقد بَين بقوله: سيري وإشفاقي الْحَال الَّتِي يَنْبَغِي أَن يعْذر فِيهَا وَلَا يلام عَلَيْهَا.
وَمثله لِابْنِ الشجري فِي أَمَالِيهِ فَإِنَّهُ قَالَ: العذير: الْأَمر الَّذِي يحاوله الْإِنْسَان فيعذر فِيهِ. أَي: لَا تستنكري مَا أحاوله مَعْذُورًا فِيهِ. وَقد فسره بِالْبَيْتِ الثَّانِي. وَعَلِيهِ فعذيري مفعول تستنكري وسيري: عطف بَيَان لَهُ أَو بدل مِنْهُ أَو خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هُوَ سيري ... وَيجوز أَن يكون عذيري مُبْتَدأ خَبره سيري كَمَا قَالَ بن الْحَاجِب فِي الْإِيضَاح وعَلى هَذَا فمفعول تستنكري مَحْذُوف.
стр. 595
قَالَ الزّجاج: العذير: الْحَال. وَذَلِكَ أَن العجاج كَانَ يصلح حلساً لجمله فأنكرته وهزئت مِنْهُ فَقَالَ لَهَا هَذَا. قَالَ عَليّ بن سُلَيْمَان الْأَخْفَش: العذير: الصَّوْت. كَأَنَّهُ كَانَ يرجز فِي عمله بحلسه فأنكرت عَلَيْهِ ذَلِك أَي: لَا تستنكري
صوتي وَرَفعه بِالْحَدِيثِ لِأَنِّي قد كَبرت. والحلس للبعير وَهُوَ كسَاء رَقِيق يكون تَحت البرذعة وَهُوَ بِكَسْر الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام.
وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ الْبَيْت الأول على أَن جاري منادى مرخم. قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ حذف حرف النداء ضَرُورَة من قَوْله جاري وَهُوَ اسْم منكور قبل النداء لَا يتعرف إِلَّا بِحرف النداء.
وَإِنَّمَا يطرد الْحَذف فِي المعارف.
ورد الْمبرد على سِيبَوَيْهٍ جعله الْجَارِيَة نكرَة وَهُوَ يُشِير إِلَى جَارِيَة بِعَينهَا فقد صَارَت معرفَة بِالْإِشَارَةِ. وَلم يذهب سِيبَوَيْهٍ إِلَى مَا تَأَوَّلَه الْمبرد عَلَيْهِ: من أَنه نكرَة بعد النداء وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنه اسْم شَائِع فِي الْجِنْس قبل النداء وَهُوَ نكرَة. وَكَيف يتَأَوَّل عَلَيْهِ الْغَلَط فِي مثل هَذَا وسيبويه قد فرق بَين مَا كَانَ مَقْصُودا بالنداء من أَسمَاء الْأَجْنَاس وَبَين مَا لم يقْصد قَصده وَهَذَا من التعسف الشَّديد والاعتراض الْقَبِيح.
وَقَوله سيري هُوَ مصدر سَار يسير يكون بِاللَّيْلِ وبالنهار وَيسْتَعْمل لَازِما ومتعدياً يُقَال سَار الْبَعِير وسرته وَيفهم من كَلَام أبي عبيد الْقَاسِم بن سَلام فِي أَمْثَاله وَمن كَلَام الأعلم أَنه من فعل أَمر وَصرح بِهِ غَيره فَإِنَّهُمَا قَالَا: وَمعنى الشّعْر: يَا جَارِيَة سيري وَلَا تستنكري عذيري)
وإشفاقي.
وَيَردهُ الرِّوَايَة الْأُخْرَى وَهِي سعيي وإشفاقي كَمَا نقلهَا الصَّاغَانِي وَغَيره. والإشفاق:
стр. 596
مصدر أشفقت عَلَيْهِ: إِذا حنوت وعطفت عَلَيْهِ وأشفقت من كَذَا: حذرت مِنْهُ. وَقَوله على بَعِيري مُتَعَلق بِأحد المصدرين على التَّنَازُع.
وَهَذَانِ البيتان من رجز للعجاج وَبعده: وَكَثْرَة الحَدِيث عَن شقوري مَعَ الجلا ولائح القتير فِي الصِّحَاح: الشقور الْحَاجة وَعَن الْأَصْمَعِي بِفَتْح الشين قَالَ أَبُو عبيد: الأول أصلح لِأَن الشقور بِالضَّمِّ بِمَعْنى الْأُمُور اللاصقة بِالْقَلْبِ المهمة لَهُ
الْوَاحِد شقر. وَفِي أَمْثَال أبي عبيد أفضيت إِلَيْهِ بشقوري أَي: أخْبرته بأَمْري وأطلعته على مَا أسره من غَيره: وَقَالَ الزبيدِيّ فِي لحن الْعَامَّة: الشقور: مَذْهَب الرجل وباطن أمره. والجلا: بِفَتْح الْجِيم وَالْقصر: انحسار الشّعْر من مقدم الرَّأْس يكون خلقَة وَيكون من كبر. القتير بِفَتْح الْقَاف: الشيب.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: مَعْنَاهُ: لَا تستنكري حَالي من الْهَرم ياجارية وَلَا كَثْرَة مَا أحدث بِهِ من الْأَسْرَار. وَذَلِكَ من أَحْوَال الشُّيُوخ المسان وتهاتر الهرمى.
وترجمة العجاج تقدّمت فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالْعِشْرين.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
الشَّاهِد الثَّالِث بعد الْمِائَة ...
стр. 597
(وَإِن تعتذر بِالْمحل من ذِي ضروعها ... إِلَى الضَّيْف يجرح فِي عراقيبها نصلي)
على أَنه حذف مفعول يجرح لتَضَمّنه معنى يُؤثر بِالْجرْحِ.
وَكَذَلِكَ جعله ابْن هِشَام فِي مُغنِي اللبيب من بَاب التَّضْمِين قَالَ: فَإِنَّهُ ضمن معنى يعث أَو يفْسد فَإِن العيث لَازم يتَعَدَّى بفي يُقَال عاث الذِّئْب فِي الْغنم أَي: أفسد وَكَذَلِكَ الْإِفْسَاد قَالَ الله تَعَالَى: لَا تفسدوا فِي الأَرْض.
وأنشده صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: لأزينن لَهُم على أَن أزينن مُتَعَدٍّ نزل منزلَة اللَّازِم
قَالَ الطيي: أَي: يعث الْجرْح فِي عراقيبها نصلي جعل لَازِما ثمَّ عدي كَمَا يعدى اللَّازِم مُبَالغَة.
وَهَذَا الْبَيْت من أَوَاخِر قصيدة لذِي الرمة عدَّة أبياتها سِتَّة وَثَلَاثُونَ بَيْتا شَبَّبَ فِيهَا بمي وَوصف فِيهَا القفار وناقته.
إِلَى أَن قَالَ:
(أعاذل عوجي من لسَانك عَن عذلي ... فَمَا كل من يهوى رشادي على شكلي)
(فَمَا لَام يَوْمًا من أخٍ وَهُوَ صادقٌ ... إخاي وَلَا اعتلت على ضيفها إبلي)
(إِذا كَانَ فِيهَا الرُّسُل لم تأت دونه ... فصالي وَلَو كَانَت عِجَافًا وَلَا أَهلِي)
وَإِن تعتذر بِالْمحل من ذِي ضروعها ... ... ... ... ... ... ... . . الْبَيْت وَبعده أَرْبَعَة أَبْيَات وَهِي آخر القصيدة.
فَقَوله: أعاذل الْهمزَة للنداء وعاذل منادى مرخم عاذلة. قَالَ الْأَصْمَعِي
стр. 598
فِي شرح ديوانه: عوجي من لسَانك أَي: كفي وَلَفظ عوجي على الْحَقِيقَة اعطفي. والشكل: الضَّرْب يَقُول مَا كل من يهوى ذَلِك مني على طريقتي وعَلى مذهبي.
وَقَوله: فَمَا لَام يَوْمًا من أخٍ من زَائِدَة وَأَخ فَاعل لَام والإخاء بِكَسْر الْهمزَة: الْأُخوة. قَالَ الْأَصْمَعِي: اعتلت أطلق اللَّفْظ على الْإِبِل وَالْمعْنَى على أَصْحَابهَا يَقُول لم أبخل فأعتذر إِلَى وَقَوله: إِذا كَانَ فِيهَا الرُّسُل ضمير فِيهَا لِلْإِبِلِ وَضمير دونه للرسل قَالَ الْأَصْمَعِي: الرُّسُل: اللَّبن حلوه وحامضه وخاثره ورقيقه يَقُول: لَا أَسْقِي فصالي وأدعو ضَيْفِي وَلَو كَانَت عِجَافًا مهازيل. يُقَال: عجف الدَّابَّة وأعجفه صَاحبه وعجفت نَفسِي عَن كَذَا: إِذا صرفتها. وَقَوله: وَإِن تعتذر بِالْمحل قَالَ الْأَصْمَعِي: اعتذارها للضيف: أَن لَا يرى فِيهَا محتلباً من شدَّة الجدب)
وَالزَّمَان فَإِذا كَانَت كَذَلِك عقرتها.
وَالْمحل: انْقِطَاع الْمَطَر ويبس الأَرْض من الْكلأ وَهُوَ مصدر مَحل الْبَلَد من بَاب تَعب. وَالْمرَاد بِذِي ضرْعهَا: اللَّبن كَمَا يُقَال ذُو بطونها وَالْمرَاد: الْوَلَد. قَالَ الطيي: الْمَعْنى إِذا اعتذرت بقلة اللَّبن بِسَبَب الْقَحْط إِلَى الضَّيْف أعقرها لتَكون هِيَ عوض اللَّبن. والعقر: ضرب الْبَعِير بِالسَّيْفِ على قوائمه لَا يُطلق الْعقر فِي غير القوائم وَرُبمَا قيل عقره: إِذا نَحره. والعراقيب: جمع عرقوب فِي الصِّحَاح: عرقوب الدَّابَّة فِي رجلهَا بِمَنْزِلَة الرّكْبَة فِي يَدهَا قَالَ الْأَصْمَعِي: كل ذِي أَربع عرقوباه فِي رجلَيْهِ وَركبَتَاهُ فِي يَدَيْهِ. وعرقبت الدَّابَّة قطعت عرقوبها. والعرقوب من الْإِنْسَان: العصب الغليظ الموتر فَوق الْعقب. والنصل: حَدِيدَة السَّيْف والسكين والمنصل كقنفذ: نَفسه.
стр. 599
وترجمة ذِي الرمة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن.
أنْشد فِيهِ وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة وَهُوَ من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ: يابؤس للْجَهْل ضِرَارًا لأقوام على أَن الْمبرد أجَاز أَن ينصب عَامل المنادى الْحَال نَحْو: يَا زيد قَائِما إِذا ناديته فِي حَال قِيَامه. قَالَ: وَمِنْه يَا بؤس للْجَهْل. . وَالظَّاهِر أَن عَامله بؤس الَّذِي هُوَ بِمَعْنى الشدَّة وَهُوَ مُضَاف إِلَى صَاحب الْحَال أَعنِي الْجَهْل تَقْديرا لزِيَادَة اللَّام.
أَقُول: من جعل عَامل الْحَال النداء جعل الْحَال من الْمُضَاف وَفِيه مُنَاسبَة جَيِّدَة فَإِن الْجَهْل ضار وبؤسه ضرار وَمن جعل ضِرَارًا حَالا من الْمُضَاف إِلَيْهِ جعل الْعَامِل الْمُضَاف. وَمِمَّنْ جعله من الْمُضَاف إِلَيْهِ الأعلم قَالَ: وَنصب ضِرَارًا على الْحَال من الْجَهْل. وَإِنَّمَا كَانَ يرد هَذَا الِاسْتِظْهَار على الْمبرد لَو جعل ضِرَارًا حَالا من الْمُضَاف إِلَيْهِ. وَقد أجَاز ابْن جني فِي قَوْله بقرى من قَول الحماسي:
ألهفى بقرى سحبلٍ حِين أجلبت
стр. 600
الْوَجْهَيْنِ قَالَ: يجوز أَن تجْعَل بقرى حَالا من لهفي وَذَلِكَ أَنَّهَا يَاء ضمير الْمُتَكَلّم فأبدلت ألفا تَخْفِيفًا فَيكون معنى هَذَا: تلهفت وَأَنا بقرى أَي: كَائِنا هُنَاكَ كَمَا أَن معنى الأول لَو أنثته: يالهفتي كائنة فِي ذَلِك الْموضع. فَيكون بقرى فِي هَذَا الْأَخير حَالا من المنادى الْمُضَاف كَقَوْلِه:)
يَا بؤس للْجَهْل ضِرَارًا لأقوام أَي: يَا بؤس الْجَهْل أَي: أَدْعُوهُ ضِرَارًا. وَإِذا جعلته حَالا من الْيَاء المنقلبة ألفا كَانَ الْعَامِل نفس اللهف كَقَوْلِك يَا قيامي ضَاحِكا تَدْعُو الْقيام أَي: هَذَا من أوقاتك.
وَقد قرر ابْن الْأَنْبَارِي مَذْهَب الْمبرد فِي الْإِنْصَاف فَقَالَ: حكى ابْن السراج عَن الْمبرد أَنه قَالَ: قلت للمازني: مَا أنْكرت من الْحَال للمدعو قَالَ: لم أنكر مِنْهُ شَيْئا إِلَّا أَن الْعَرَب لم تدع على شريطة فَإِنَّهُم لَا يَقُولُونَ يَا زيد رَاكِبًا أَي ندعوك فِي هَذِه الْحَالة ونمسك على دعائك مَاشِيا لِأَنَّهُ إِذا قَالَ يَا زيد فقد وَقع الدُّعَاء على كل حَال. قلت: فَإِن احْتَاجَ إِلَيْهِ رَاكِبًا وَلم يحْتَج إِلَيْهِ فِي غير هَذِه الْحَالة فَقَالَ: أَلَسْت تَقوله يازيد دُعَاء حَقًا فَقلت: بلَى فَقَالَ: علام تحمل الْمصدر قلت: لِأَن قولي يازيد كَقَوْلي أَدْعُو زيدا فَكَأَنِّي قلت: أَدْعُو دُعَاء حَقًا. فَقَالَ: لَا أرى بَأْسا بِأَن تَقول على هَذَا يَا زيد رَاكِبًا فَالْزَمْ الْقيَاس. قَالَ الْمبرد: وَوجدت أَنا تَصْدِيقًا لهَذَا قَول النَّابِغَة:
следующие страницы →