Полный текст (5 658 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.
стр. 5356
(والجو يافوخة من نقعه قترٌ ... والأفق فسطاطة من سفكهم قتم)
(وَالْبيض والسمر حمرٌ تخت عثيره ... وَالْمَوْت يحكم والأبطال تختصم)
(وَأَعْدل الْقسم فِي حَرْبِيّ وحربهم ... مِنْهُم لنا غنمٌ منا لَهُم غرم)
(أما البلاغة فاسألني الْخَبِير بهَا ... أَنا اللِّسَان قويماً وَالزَّمَان فَم)
(لَا يعلم الْعلم غَيْرِي معلما علما ... لأَهله أَنا ذَاك الْعَالم الْعلم)
(كَانَت فتاة عُلُوم الْحق عاطلةً ... حَتَّى جلاها بشرحي الْفَهم والقلم)
وَهِي طَوِيلَة وَلَكِن يَكْفِي من القلادة مَا أحَاط بالعنق.
وَابْن سينا هُوَ الرئيس أَبُو عَليّ واسْمه الْحُسَيْن بن عبد الله بن سينا الْحَكِيم الْمَشْهُور. وَكَانَ أَبوهُ من أهل بَلخ وانتقل مِنْهَا إِلَى بُخَارى وَكَانَ من
الْعمَّال والكفاءة وَتَوَلَّى الْعَمَل بقريةٍ من ضيَاع بُخَارى يُقَال لَهَا: خرميثن من أُمَّهَات قراها وَبهَا ولد الرئيس فِي سنة سبعين وثلثمائة فِي شهر صفر. وَتُوفِّي بهمذان فِي يَوْم الْجُمُعَة من شهر رَمَضَان وَمن سنة ثَمَان وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة وَدفن بهَا.
وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي تَارِيخه الْكَبِير: بأصبهان وَالْأول أشهر. ثمَّ انْتقل أَبوهُ إِلَى بُخَارى. وانتقل الرئيس فِي الْبِلَاد. واشتغل بالعلوم وَحصل الْفُنُون.
وَلما بلغ عشر سِنِين كَانَ قد أتقن علم الْقُرْآن الْعَزِيز وَالْأَدب وَحفظ أَشْيَاء من أصُول الدَّين وحساب الهندسة والجبر والمقابلة.
ثمَّ توجه الْحَكِيم أَبُو عبد اله الناتلي فأنزله أَبُو الرئيس عِنْده فَقَرَأَ عَلَيْهِ الرئيس إيساغوجي وَأحكم عَلَيْهِ علم
стр. 5357
علم الْمنطق وأقليدس والمجسطي وفاقه حَتَّى أوضح لَهُ رموزاً وفهمه إشكالات لم يكن الناتلي يدريها وَكَانَ مَعَ ذَلِك يخْتَلف فِي الْفِقْه إِلَى إِسْمَاعِيل الزَّاهِد ويبحث ويناظر.
وَلما توجه الناتلي نَحْو خوارزمشاه اشْتغل أبوعلي بتحصيل الْعُلُوم الطبيعي والإلهي
وَغير ذَلِك وَفتح الله عَلَيْهِ أَبْوَاب الْعُلُوم ثمَّ رغب بعد ذَلِك فِي علم الطِّبّ وعالج تأدباً لَا تكسباً حَتَّى)
فاق الْأَوَائِل والأواخر فِي أقل مُدَّة.
وَاخْتلف إِلَيْهِ فضلاء هَذَا الْفَنّ يقرؤون عَلَيْهِ أَنْوَاعه وسنه إِذْ ذَاك سِتّ عشرَة سنة وَفِي مُدَّة اشْتِغَاله لم ينم ليلةٌ وَاحِدَة بكمالها وَلَا اشْتغل فِي النَّهَار بسوى المطالعة وَكَانَ إِذا أشكلت عَلَيْهِ مَسْأَلَة توضا وَقصد الْمَسْجِد الْجَامِع وَصلى ودعا الله أَن يسهلها وَيفتح لَهُ مغلقها.
وَذكر عِنْد الْأَمِير نوح بن نصر الساماني فِي مرض مَرضه فَأحْضرهُ وعالجه حَتَّى برأَ واتصل بِهِ وَقرب مِنْهُ وَدخل إِلَى دَار كتبه وَكَانَ فِيهَا من كل فن مِمَّا لَا يُوجد فِي سواهَا وَلَا سمع باسمه فظفر أَبُو عَليّ بعلوم الْأَوَائِل.
وَاتفقَ
стр. 5358
بعد ذَلِك احتراق تِلْكَ الخزانة فتفرد أَبُو عَليّ بِمَا حصله. وَلم يستكمل ثَمَانِي عشرَة سنة من عمره إِلَّا وَقد فرغ من تَحْصِيل الْعُلُوم بأسرها الَّتِي عاناها. وَتُوفِّي أَبوهُ وَسن أبي عَليّ اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ سنة وَكَانَ هُوَ وَأَبوهُ فِي الْأَعْمَال السُّلْطَانِيَّة.
وَلما اضْطَرَبَتْ أَحْوَال السامانية خرج أَبُو عَليّ إِلَى كركانج وَهِي قَصَبَة خوارزم وَاخْتلف إِلَى خوارزمشاه وَكَانَ أَبُو عَليّ على زِيّ الْفُقَهَاء ويلبس الطيلسان فقرر لَهُ فِي كل شهر مَا يقوم بِهِ.
ثمَّ انْتقل إِلَى نسا وأبيورد وطوس وَغَيرهَا ثمَّ إِلَى قزوين وَتَوَلَّى الوزارة لشمس الدولة. ثمَّ تشوش الْعَسْكَر عَلَيْهِ فَأَغَارُوا على دَاره فنبهوها وقبضوا عَلَيْهِ وسألوا شمس الدولة قَتله فَامْتنعَ ثمَّ أطلق فتوارى.
ثمَّ مرض شمس الدولة بالقولنج فَأحْضرهُ لمداواته وَاعْتذر إِلَيْهِ وَأَعَادَهُ وزيراً.
ثمَّ مَاتَ شمس الدولة وَتَوَلَّى تَاج الدولة فَلم يستوزره فَتوجه إِلَى أَصْبَهَان وَبهَا عَلَاء الدَّين أَبُو جَعْفَر بن كاكويه وَكَانَ أَبُو عَليّ قوي المزاج وتغلب عَلَيْهِ قُوَّة النِّكَاح حَتَّى أنهكته وَعرض لَهُ قولنج فحقن نَفسه فِي يومٍ وَاحِد ثَمَانِي مَرَّات فقرح بعض أمعائه وَظهر لَهُ سحج.
وَاتفقَ سَفَره مَعَ عَلَاء الدولة فَعرض لَهُ الصرع عقيب القولنج فَأمر
стр. 5359
بِأخذ دانقين من كرفس فِي جملَة مَا يحقن بِهِ فَجعل الطَّبِيب الَّذِي يعالجه فِيهِ خمس دَرَاهِم فازداد السحج بِهِ من حِدة الكرفس وَطرح بعض غلمانه فِي أدويته شَيْئا كثيرا من الأفيون وَكَانَ سَببه أَن غلمانه خانوه فِي شَيْء من مَاله فخافوا عَاقِبَة أمره عِنْد برئه.
وَكَانَ يصلح أسبوعاً ويمرض أسبوعاً وَلَا يحتمي ويجامع حَتَّى قصد عَلَاء الدولة بهمذان)
فَلَمَّا وصل إِلَى همذان ضعف جدا وأشرفت قوته على السُّقُوط فأهمل المداوة وَقَالَ: الْمُدبر الَّذِي فِي بدني قد عجز فَلَا تنفعني المعالجة.
ثمَّ اغْتسل وَتَابَ وَتصدق بِمَا مَعَه على الْفُقَرَاء ورد الْمَظَالِم على من عرفه وَأعْتق مماليكه وَجعل يخْتم فِي كل ثَلَاثَة أيامٍ ختمةً إِلَى أَن مَاتَ فِي ذَلِك التَّارِيخ.
وصنف كتاب الشِّفَاء فِي الْحِكْمَة والنجاة والإشارات والقانون وَغير ذَلِك مَا يُقَارب مائَة مُصَنف فِي فنون شَتَّى. وَله رسائل بديعة وَهُوَ أحد فلاسفة الْإِسْلَام وَله شعر جيد باللسانين وَمِنْه قصيدته فِي النَّفس ومطلعها: الْكَامِل
وَلها شُرُوح أحْسنهَا الْحَكِيم أفضل الْحُكَمَاء: دَاوُد الضَّرِير الْأَنْطَاكِي.
стр. 5360
وَأنْشد يعده
(الشَّاهِد الْعَاشِر بعد التسْعمائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الطَّوِيل
(وَلست أُبَالِي بعد موت مطرفٍ ... حتوف المنايا أكثرت أَو أقلت)
على أَنه يجوز الْإِتْيَان ب أَو مُجَردا عَن الْهمزَة يعد سَوَاء وَلَا أُبَالِي بِتَقْدِير حرف الشَّرْط كَمَا فِي الْبَيْت فَإِن أَو لم تسبق بِهَمْزَة وَالتَّقْدِير: إِن أكثرت أَو أقلت فلست أُبَالِي.
وَهَذَا قَول السيرافي قَالَ فِي شرح الْكتاب: وَسَوَاء إِذا أدخلت بعْدهَا ألف اسْتِفْهَام لَزِمت أم بعْدهَا كَقَوْلِك: سَوَاء عَليّ أَقمت أم قعدت وَإِذا كَانَ بعد سَوَاء فعلان بِغَيْر اسْتِفْهَام جَازَ عطف أحدعمل على الآخر بِأَو كَقَوْلِك: سَوَاء عَليّ قُمْت أَو قعدت فَإِن الْكَلَام مَحْمُول على معنى المجازاة.
فَإِذا قلت: سَوَاء عَليّ قُمْت أَو قعدت فتقديره: إِن قُمْت أَو قعدت فهما عَليّ سَوَاء.
انْتهى.
وَفِيه رد على أبي عَليّ فِي مَنعه وعَلى ابْن هِشَام فِي قَوْله فِي الْمُغنِي: إِذا عطفت بعد الْهمزَة بِأَو فَإِن كَانَت همزَة التَّسْوِيَة لم يجز. وَقد أولع الْفُقَهَاء وَغَيرهم بِأَن يَقُولُوا: سَوَاء كَانَ كَذَا أَو كَذَا.
وَهُوَ نَظِير قَوْلهم: يجب أقل الْأَمريْنِ من كَذَا أَو كَذَا.
وَالصَّوَاب الْعَطف فِي الأول بِأم وَفِي الثَّانِي بِالْوَاو وَفِي الصِّحَاح: سَوَاء عَليّ قُمْت أوقعدت.
انْتهى. وَلم يذكر غير ذَلِك. وَهُوَ سَهْو.
)
وَفِي كَامِل الْهُذلِيّ أَن ابْن محيص قَرَأَ من طَرِيق الزَّعْفَرَانِي: سواءٌ عَلَيْهِم أنذرتهم أم لم تنذرهم وَهَذَا من الشذوذ بمَكَان. انْتهى كَلَامه.
стр. 5361
وَهُوَ فِي هَذَا تَابع لأبي عَليّ.
وَكَلَام السيرافي وَالشَّارِح الْمُحَقق صَرِيح فِي جَوَازه وَصِحَّته. قَالَ الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة: ثمَّ الْعجب من إِيرَاد المُصَنّف مَا ذكره فِي الْمَعْطُوف بعد همزَة التَّسْوِيَة وَالْفَرْض أَنه لَا همزَة فِي شَيْء من ذَلِك وَكَأَنَّهُ توهم أَن الْهمزَة لَازِمَة بعد كلمة سَوَاء فِي أول جملتيها فَقدر الْهمزَة إِذْ لم تكن مَذْكُورَة وتوصل بذلك إِلَى تخطئة الْفُقَهَاء وَغَيرهم.
وَقِرَاءَة ابْن محيص: أنذرتهم أَو لم تنذرهم بِهَمْزَة وَاحِدَة وبأو كَمَا دلّ عَلَيْهِ مَجْمُوع كَلَامه فِي الْألف المفردة وَهنا. ووجهها صَحِيح كَمَا قَالَ السيرافي. وَلَا يَتَأَتَّى الإستشهاد بقرَاءَته على وَأما تخطئة الْفُقَهَاء فِي الثَّانِي فمبني على أَن الْمُبين هوالأمران جَمِيعًا بل الْمُبين أقلهما والأقل هُوَ أَحدهمَا فَجَاز الْعَطف بِأَو بل تعين وَالْحَالة هَذِه. انْتهى.
هَذَا وَقد قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب أَو فِي غير الِاسْتِفْهَام: وَتقول: لأضربنه ذهب أَو مكث كانه قَالَ: لأضربنه ذَاهِبًا أَو ماكثاً ولأضربنه إِن ذهب أَو مكث.
وَقَالَ زِيَادَة بن زيد العذري: الطَّوِيل
(إِذا مَا انْتهى علمي تناهيت عِنْده ... أَطَالَ فأملي أَو تناهى فأقصرا)
وَقَالَ: الطَّوِيل
(فلست أُبَالِي بعد موت مطرفٍ ... حتوف المنايا أكثرت أَو أقلت
)
وَزعم الْخَلِيل أَنه يجوز: لأضربنه أذهب أَو مكث. وَقَالَ: الدَّلِيل على ذَلِك أَنَّك تَقول: لأضربنه أَي ذَلِك كَانَ. وَإِنَّمَا فَارق هَذَا سَوَاء وَمَا أُبَالِي لِأَنَّك
стр. 5362
إِذا قلت: سَوَاء عَليّ أذهبت أم مكثت فَهَذَا الْكَلَام فِي مَوضِع: سَوَاء عليّ هَذَانِ.
وَإِذا قلت: ماأبالي أذهبت أم مكثت فَهُوَ فِي مَوضِع: مَا أُبَالِي وَاحِدًا من هذَيْن. وَأَنت لَا تُرِيدُ أَن تَقول فِي الأول: لَأَضرِبَن هذَيْن وَلَا تُرِيدُ أَن تَقول: تناهيت هذَيْن وَلَكِنَّك إِنَّمَا تُرِيدُ أَن الْأَمر يَقع على إِحْدَى الْحَالَتَيْنِ.
وَإِن قلت: لأضربنه أذهب أَو مكث لم يجز لِأَنَّك لَو أردْت معنى أَيهمَا قلت: أم مكث وَلَا يجوز لأضربنه مكث. فَلهَذَا لايجوز لأضربنه أذهب أَو مكث كَمَا يجوز: مَا أَدْرِي أَقَامَ زيد أَو)
قعد.
أَلا ترى أَنَّك تَقول: مَا أَدْرِي أَقَامَ كَمَا تَقول: أذهب وكما تَقول: أعلم أَقَامَ زيد وَلَا يجوز أَن تَقول: لأَضْرِبهُ أذهب. وكل حق لَهُ سميناه أَو نسمّه كَأَنَّهُ قَالَ: وكل حق لَهُ علمناه أَو جهلناه وَكَذَلِكَ كل حقٍّ هُوَ لَهَا دَاخل فِيهَا أَو خَارج مِنْهَا كَأَنَّهُ قَالَ إِن كَانَ دَاخِلا أَو خَارِجا. وَإِن شَاءَ أَدخل الْوَاو.
وَقد تدخل أم فِي: علمناه أم جهلناه كَمَا دخلت فِي: أذهب أم مكث. وتدخله أم عَليّ وَجْهَيْن على أَنه صفة للحقّ وعَلى أَن يكون حَالا كَمَا قَالَ: لأضربنه ذهب أَو مكث أَي: لأضربنه كَائِنا مَا كَانَ. فبعدت أم هَا هُنَا حَيْثُ كَانَ خَبرا يَقع فِي مَوضِع مَا ينْتَصب حَالا وفِي مَوضِع الصّفة. أنْتَهى كَلَام سِيبَوَيْهٍ.
وَقَالَ ابْن الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ فِي الْبَيْت الشَّاهِد: لَا يجوز فِيهِ إِلَّا أَو من غير همزَة على مَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ لِأَنَّهُ لما أعْطى: أُبَالِي مفعولها وَجب أَن يكون مَا بعْدهَا الْمَذْكُور فِي مَوضِع الْحَال فَيصير الْمَعْنى: مَا أُبَالِي حتوف المنايا مكثرة أَو مقلة. وَهَذَا معنى أَو. وَلَو قلته بِأم لفسد من أَحدهمَا: أَن الْمَعْنى
стр. 5363
يكون: مَا أُبَالِي حتوف المنايا كَثْرَة وَقلة. وَذَلِكَ غير مُسْتَقِيم فِي قَصده.
-
وَالْآخر: أَن يكون: مَا أَبَا لي حتوف المنايا كَثِيرَة وقليلة وَذَلِكَ فَاسد لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى اجْتمعَا الْحَالين وَهُوَ محَال فَوَجَبَ اسْتِعْمَال أَو بِخِلَاف قَوْله: مَا أُبَالِي أنب بالحزن تيسٌ ... ... ... ... ... ... الْبَيْت فَإِن أم فِيهِ وَاجِب مَعَ همزَة الِاسْتِفْهَام قَالَ سِيبَوَيْهٍ: لِأَن الْمَعْنى مَا أُبَالِي بنبيب التيس وجفاء اللَّئِيم. وَهَذَا لَا يَسْتَقِيم إِلَّا بِأم وَلَو كَانَ بِأَو لفسد بِوَجْهَيْنِ لِأَن الْمَعْنى يكون: مَا أُبَالِي نيباً أَو جفَاء.
وَلم يقْصد الْمُتَكَلّم إِلَى معنى مبالاة أحد الْأَمريْنِ وَإِنَّمَا أَرَادَ نفي المبالاة عَنْهُمَا جَمِيعًا فَيفْسد لمجيء أَو. وَالْآخر: أَن الْمَعْنى يكون: مَا أُبَالِي ناباً أَو جَافيا وَيكون اسْتِعْمَالا للفظ فِي غير مَوْضُوعه لِأَن المُرَاد هَا هُنَا الحاليّة وَتلك إِنَّمَا تكون بِالْمَصْدَرِ لَا باسم الْفَاعِل. انْتهى.
وَقَوله: بعد موت مطرف فِي رِوَايَة سِيبَوَيْهٍ: يَوْم مطرف وَالْمعْنَى وَاحِد. ومطرف بِكَسْر الرَّاء الْمُشَدّدَة.
يَقُول: لَا أُبَالِي بعد فَقده كَثْرَة من أفقده أَو قلّته لعظم رزيّته وَصغر كلّ مُصِيبَة عِنْده.)
وأضاف الحتوف إِلَى المنايا توكيداً وسوّغ ذَلِك اخْتِلَاف اللَّفْظَيْنِ. قَالَه الأعلم.
стр. 5364
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد لحادي عشر بعد التسْعمائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الطَّوِيل
(
إِذا ماانتهى علمي تناهيت بعده ... أَطَالَ فأملي أَو تناهى فأقصرا)
على أَنه رُوِيَ ب أَو وب أم. فعلى الأولى قَوْله: أَطَالَ الْهمزَة للصيرورة ومصدره الإطالة. وَلَا يجوز أَن تكون همزَة الِاسْتِفْهَام لقَوْل الشَّارِح الْمُحَقق: وَلَا تَجِيء بِالْهَمْزَةِ قبل أَو.
وَهَذِه رِوَايَة سِيبَوَيْهٍ. قَالَ الأعلم: الشَّاهِد دُخُول أَو لأحد الْأَمريْنِ على حد قَوْلك: لأضربنه ذهب أَو مكث أَي: لأضربنه على إِحْدَى الْحَالَتَيْنِ ذَاهِبًا أَو ماكثاً. وَكَذَلِكَ معنى: أَطَالَ فأملى أَو تناهى فأقصرا أَي: انْتهى حَيْثُ انْتهى بِي الْعلم وَلَا أتخطاه مطيلاً كَانَ أَو مقصراً.
وَمعنى أَطَالَ: صَار إِلَى طول الْمدَّة. وأقصر: صَار إِلَى قصرهَا وأملى من المليّ وَهُوَ الزَّمن الطَّوِيل. انْتهى.
وَقَالَ ابْن الْحَاجِب: أَو هُنَا وَاجِبَة لِأَنَّهُ لَو قَالَ بِأم لفسد على الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورين فِي قَوْله: انْتهى.
стр. 5365
وَكَذَا رَوَاهُ صَاحب الْبَاب وَقَالَ شَارِحه الفالي: قَوْله: إِذا مَا انْتهى علمي ... إِلَخ أَي: إِذا بلغ علمي إِلَى موضعٍ بلغت إِلَيْهِ وَلم أتجاوزه أَي: لَا أَتكَلّم بِمَا لَا أعلمهُ سَوَاء كَانَ علمي مطيلاً أَو متناهياً فَيكون أَطَالَ بِوَزْن أفعل.
-
وَقيل: الْهمزَة للاستفهام وَالْفِعْل هُوَ طَال وَلَا يُنَافِي الِاسْتِفْهَام كَون الْجُمْلَة حَالا لما ذكرنَا من أَن الْهمزَة وَأم مجردتان لِمَعْنى الاسْتوَاء من غير اعْتِبَار الِاسْتِفْهَام فِيهِ كَمَا قُلْنَا فِي: سواءٌ عليّ أَقمت أم قعدت.
وَالْمعْنَى: تناهيت عِنْده فِي حَال طوله فإملائه وَفِي حَال تناهيه فَقَصره. وأملى أَي: امْتَدَّ فِي الزَّمَان من الملاوة. أَي: إِذا أمتد علمه حينا طَويلا تبعه وَإِن تناهى وَانْقطع أقصر وَلم يتَكَلَّم.
هَذَا كَلَامه.
وَهُوَ نَاشِئ عَن غفلةٍ فَإِنَّهُ لَا يجوز أَن تكون فِيهِ الْهمزَة للاستفهام مَعَ أَو كَمَا تقدم. وَمن قَالَ:)
إِنَّهَا للاستفهام روى أم بدل أَو. فَتَأمل.
وعَلى الرِّوَايَة الثَّانِيَة تكون الْهمزَة للاستفهام وَالْفِعْل طَال ويكن الْبَيْت شَاهدا للخليل فِي تجويزه فِي غير سَوَاء وَلَا أُبَالِي أَن يجْرِي مجراهما فيذكر بعده: أم والهمزة.
وأنشده ابْن الْأَعرَابِي لزِيَادَة صَاحب هدبة أول أَبْيَات أَرْبَعَة وَهِي: الطَّوِيل
(إِذا مَا انْتهى علمي تناهيت عِنْده ... أَطَالَ فأملى أم تناهى فأقصرا)
(ويخبرني عَن غَائِب الْمَرْء هَدْيه ... كفى الْهَدْي عَمَّا غيب الْمَرْء مخبرا)
...
стр. 5366
(وَلَا أركب الْأَمر المدوي سادراً ... بعمياء حَتَّى استبين وأبصرا)
(كَمَا تفعل العشواء تركب رَأسهَا ... وتبرز جنبا للمعادين معورا)
وَقَوله: إِذا مَا انْتهى ... إِلَخ مَا: زَائِدَة بعد إِذا. وَقد نظمه بَعضهم فَقَالَ:
(
خُذ لَك ذِي الفائده ... مَا بعد إِذا زائده)
وانْتهى: من أنْتَهى ألأمر أَي: بلغ النِّهَايَة وَهِي أقْصَى مَال يُمكن أَن يبلغهُ. والمليّ بتَشْديد الْيَاء كغنيٍّ كَمَا فسره الأعلم. والملاوة بِتَثْلِيث الْمِيم: الْحِين والبرهة.
قَالَ المرزباني فِي الموشح: اخبرني الصولي قَالَ: حَدثنِي يحيى بن عَليّ قَالَ: قَالَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن مُوسَى المنجم: كنت أحب أَن أرى شاعرين فأؤدب أَحدهمَا وهوعدي بن الرّقاع لقَوْله: الْكَامِل
(وَعلمت حَتَّى مَا أسائل عَالما ... عَن علم واحدةٍ لكَي أزدادها)
ثمَّ أسائله عَن جَمِيع الْعُلُوم فَإِذا لم يجب أدبته على قَوْله. وَأَقْبل رَأس ألآخر وَهُوَ زِيَادَة بن
(إِذا مَا انْتهى علمي تناهيت عِنْده ... أَطَالَ فأملى أم تناهى فأقصرا)
انْتهى.
وَقَوله: ويخبرني عَن غَائِب الْمَرْء ... إِلَخ الْهَدْي كفلس: السِّيرَة يُقَال: مَا أحسن هدي فلَان أَي: سيرته. وَمَا أحسن قَول الصفي الحلّي ﵀: الطَّوِيل
(إِذا غَابَ أصل الْمَرْء فاستقر فعله ... فَإِن دَلِيل الْفَرْع ينبي عَن الأَصْل)
(فقد يشْهد الْفِعْل الْجَمِيل لرَبه ... كَذَاك مضاء الْحَد من شَاهد النصل)
стр. 5367
وَقَوله: وَلَا أركب الْأَمر المدوّي ... إِلَخ أَي: لَا ألابسه. والمدوّي
بِكَسْر الْوَاو الْمُشَدّدَة: الْمُبْهم والمستتر مَأْخُوذ من دوّى اللَّبن تدوية إِذا ركبته الدّواية بِضَم الدَّال وَهِي القشرة الرقيقة تعلوه)
فيستتر مَا تحتهَا.
والسادر كَمَا فِي الصِّحَاح هُوَ المتحيّر وَالَّذِي لَا يهتمّ وَلَا يُبَالِي مَا صنع. والسّدر: تحيّر الْبَصَر. يُقَال: سدر الْبَعِير يسدر سدراً من بَاب فَرح إِذا تحيّر من شدّة الْحر.
وَقَوله: بعمياء أَي: بِحَالَة عمياء من عمي عَلَيْهِ الْأَمر إِذا الْتبس. وَحَتَّى بِمَعْنى إِلَى.
وَقَوله: كَمَا تفعل العشواء وَهِي النَّاقة الَّتِي لَا تبصر أمامها فَهِيَ تخبط بِيَدِهَا كلّ شَيْء.
وَقَوله: تركب رَأسهَا فِي الْمِصْبَاح: وَركب الشَّخْص رَأسه إِذا مضى على وَجهه لغير قصد.
والمعور: اسْم فَاعل من أَعور لَك الصَّيْد إِذا أمكنك. وأعور الْفَارِس إِذا بدا فِيهِ مَوضِع خلل للضرب وَهُوَ بِالْعينِ الْمُهْملَة.
قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: أَي: هِيَ عشواء تبرز جنبا مكشوفاً لأعدائها فيرمونها. انْتهى.
وَزِيَادَة بن زيد: شَاعِر إسلامي من بادية الْحجاز من بني عذرة كَانَ فِي أَيَّام مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَقَتله هدبة بن خشرم العذريّ وَقتل بِهِ هدبة بِسَبَب ذَكرْنَاهُ فِي تَرْجَمَة هدبة وَفِي الشَّاهِد الْخمسين بعد السبعمائة.
стр. 5368
-
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّانِي عشر بعد التسْعمائَة)
الطَّوِيل
(كأنّ دثاراً حلّقت بلبونه ... عِقَاب تنوفي لَا عِقَاب القواعل)
على أَن فِيهِ ردّاً على الزجاجي فِي مَنعه مَجِيء لَا العاطفة بعد الْفِعْل الْمَاضِي.
قَالَ الْخفاف فِي شرح الْجمل الزجاجية: اخْتلفُوا فِي الْعَطف بِلَا بعد الْمَاضِي نَحْو قَوْلك: قَامَ زيد لَا عَمْرو فَمنهمْ من أجَاز ذَلِك وهم جلّ النَّحْوِيين.
وَمِنْهُم من منع ذَلِك وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو الْقَاسِم الزجاجي فِي مَعَاني الْحُرُوف وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِأَن لَا لَا يَنْفِي الْمَاضِي بهَا وَإِذا عطف بهَا بعده كَانَت نَافِيَة لَهُ فِي الْمَعْنى فَلذَلِك لم يجز الْعَطف بهَا بعد الْمَاضِي لِأَنَّك إِذا قلت: قَامَ زيد لَا عَمْرو كَأَنَّك قلت: لَا قَامَ زيد وَلَا عَمْرو وَهَذَا لَا يجوز فَكَذَلِك مَا فِي مَعْنَاهُ.
وَالَّذِي يدل على فَسَاد مَا ذهب إِلَيْهِ أَنه قد يَنْفِي بهَا الْمَاضِي قَلِيلا نَحْو قَوْله تَعَالَى: فَلَا صدق وَلَا صلى يُرِيد: لم يصدق وَلم يصل.
فَإِذا جَازَ أَن يَنْفِي بهَا الْمَاضِي فِي اللَّفْظ فالأحرى أَن تكن نَافِيَة لَهُ فِي الْمَعْنى. وَمِمَّا ورد من الْعَطف بهَا بعد الْمَاضِي قَوْله: كَأَن دثاراً حلقت بلبونه الْبَيْت فعطف بهَا بعد حلقت وَهُوَ مَاض. انْتهى.
-
وَالْبَيْت من أَبْيَات لامريء الْقَيْس الْكِنْدِيّ وَهِي: ...
стр. 5369
(دع عَنْك نهباً صِيحَ فِي حجراته ... وَلَكِن حَدِيثا مَا حَدِيث الرَّوَاحِل)
(كَأَن دثاراً حلقت بلبونه ... عِقَاب تنوفي لَا عِقَاب القواعل)
(تلعب باعثٌ بِذِمَّة خالدٍ ... وأودى دثارٌ فِي الخطوب الْأَوَائِل)
(أَبَت أجأ أَن تسلم الْعَام جارها ... فَمن شَاءَ فلينهض لَهَا من مقَاتل)
(تيبيت لبوني بالقرية أمنا ... وأسرحها غبا بِأَكْنَافِ حَائِل)
(بَنو ثعلٍ جِيرَانهَا وحماتها ... وتمنع من رجال سعدٍ ونائل)
(تلاعب أَوْلَاد الوعول رباعها ... دوين السَّمَاء فِي رُؤُوس المجادل)
(مكللةً حَمْرَاء ذَات أسرةٍ ... لَهَا حبكٌ كَأَنَّهَا من وصائل))
وسببها أَن امْرأ الْقَيْس بعدان قتل أَبوهُ ذهب يستجير بالعرب فبعض يقبله وَبَعض يردهُ فطمعت فِيهِ الْعَرَب.
وَفِي أثْنَاء ذَلِك نزل على خَالِد بن سدوس بن أصمع النبهاني الطَّائِي فَأَغَارَ عَلَيْهِ باعث بن حويص الطَّائِي وَذهب بإبله.
-
فَقَالَ لَهُ جَاره خَالِد: أَعْطِنِي صنائعك ورواحلك حَتَّى أطلب عَلَيْهَا مَالك. فَفعل امْرُؤ الْقَيْس فانطوى عَلَيْهَا وَيُقَال بل لحق بالقوم فَقَالَ لَهُم: أَغَرْتُم على جاري يَا بني جديلة.
قَالُوا: وَالله مَا هُوَ لَك بجار قَالَ: بلَى وَالله مَا هَذِه الْإِبِل الَّتِي مَعكُمْ إِلَّا كالرواحل الَّتِي تحتي.
فَقَالُوا: هُوَ كَذَلِك. فأنزلوه وذهبوا بهَا فَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس فِيمَا هجاه بِهِ: دع عَنْك نهباً الْبَيْت يَقُول لخَالِد: دع النهب الَّذِي نهبه باعث وَلَكِن حَدثنِي عَن الرَّوَاحِل الَّتِي ذهبت بهَا
стр. 5370
أَنْت. وَهَذَا الْبَيْت صَار مثلا يضْرب لمن ذهب من مَاله شَيْء ثمَّ ذهب بعده مَا هُوَ أجل مِنْهُ.
وَهَذَا الْبَيْت أوردهُ ابْن هِشَام فِي موضِعين من الْمُغنِي: أَحدهمَا: فِي عَن قَالَ: إِنَّهَا تَأتي اسْما بِمَعْنى جَانب فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع ثَالِثهَا: أَن يكون مجرورها وفاعل متعلقها ضميرين لمسمى وَاحِد. قَالَه الْأَخْفَش وَذَلِكَ كَقَوْل امْرِئ الْقَيْس: دع عَنْك نهباً الْبَيْت وَذَلِكَ لِئَلَّا يُؤَدِّي إِلَى تعدِي فعل الْمُضمر الْمُتَّصِل إِلَى ضَمِيره الْمُتَّصِل.
وَقد تقدم الْجَواب عَن هَذَا. وَمِمَّا يدل على أَنَّهَا لَيست هُنَا اسْما أَنَّهَا لَا يَصح حُلُول الْجَانِب محلهَا. انْتهى.
يُرِيد: تقدم الْجَواب فِي على بِأَنَّهُ مُتَعَلق بِمَحْذُوف أَو فِيهِ مُضَاف مَحْذُوف أَي: عَن نَفسك.
والموضع الثَّانِي فِي أول الْبَاب الْخَامِس أوردهُ كَالْأولِ.
والنهب: الْغَنِيمَة وكل مَا انتهب. وَهُوَ على حذف مُضَاف أَي: ذكر
نهب. وصيح: مَجْهُول صَاح وَفِي حجراته: نَائِب الْفَاعِل.
والحجرات بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْجِيم: جمع حجرَة بِسُكُون الْجِيم كتمرات جمع تَمْرَة. والحجرة: وحديثاً: عَامله مَحْذُوف أَي: وَلَكِن حَدثنِي حَدِيثا. وَمَا استفهامية مُبْتَدأ وَحَدِيث: خَبره.
يَقُول: اترك ذكر الَّذِي انتهبه باعث وحَدثني عَن الرَّوَاحِل الَّتِي أَنْت ذهبت بهَا.)
وَقد أَخطَأ ابْن الملا من جِهَة الْمَعْنى وَالْإِعْرَاب فِي قَوْله: أَي: اترك نهب المَال واشتغل بِأَمْر النِّسَاء ذَوَات الرَّوَاحِل. وَمَا: زَائِدَة وَحَدِيث الرَّوَاحِل بدل من حَدِيثا بدل معرفَة من نكرَة.
انْتهى.
стр. 5371
وَقَوله: كَأَن دثاراً رحلقت ... إِلَخ دثار: هُوَ راعي امرىء الْقَيْس وَهُوَ دثار بن فقعس بن طريف من بني أَسد. وحلقت: من التحليق وَهُوَ ارْتِفَاع الطير فِي الجو.
واللبون بِفَتْح اللَّام وَضم الْمُوَحدَة من الْإِبِل وَالشَّاة: ذَات اللَّبن. وَأَرَادَ الْإِبِل الَّتِي لَهَا ألبان وَهُوَ اسْم جنس مُضَاف فَيعم فيكمون المُرَاد الْأَفْرَاد.
قَالَ الدماميني: قلت: وَبِتَقْدِير أَن يكون إِضَافَة اسْم الْجِنْس تفِيد الْعُمُوم لم يتَعَيَّن أَن يكون هَذَا مُرَاد الشَّاعِر إِذْ يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بلبونة وَاحِدَة لَا غير وَلَيْسَ فِي اللَّفْظ مَا يَدْفَعهُ فَأَيْنَ الْجَزْم بِالْعُمُومِ انْتهى.
وَهَذَا إِيرَاد مِنْهُ على قَول ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي على الْبَيْت: واللبون: نُوق ذَات لبن. وَهَذَا ناشيء من عدم الِاطِّلَاع على منشأ الشّعْر. وَالْعِقَاب بِالضَّمِّ: طَائِر مَعْرُوف.
-
وَرُوِيَ أَيْضا: ينوفى بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّة من أَوله. وَرُوِيَ أَيْضا: تنوف بِالْوَجْهَيْنِ من أَوله وَبلا ألف فِي آخِره.
هَكَذَا ضَبطه أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم عِنْد ذكره القواعل وَقَالَ: تنوفي أَي: جبل مشرف وَقَالَ الْأَصْمَعِي: هُوَ مَوضِع بِبِلَاد طَيئ.
وَقَالَ ابْن جني: عقبَة مَشْهُورَة سميت بالنوف وَهُوَ مَا علا من الأَرْض وَامْرَأَة نياف أَي: طَوِيلَة قلبت الْوَاو يَاء. والقواعل بِفَتْح الْقَاف وَكسر الْعين الْمُهْملَة على لفظ الْجمع: أجبل من سلمى فِي بِلَاد طَيئ. انْتهى.
وَفِي مُعْجم الْبلدَانِ لياقوت قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: القواعل: مَوضِع فِي جبل. وَكَانَ قد أغير على إبل امْرِئ الْقَيْس مِمَّا يَلِي تنوف. وروى أَبُو عبيد:
стр. 5372
تنوفاً. وَقَالُوا: هُوَ مَوضِع وَهُوَ جبل عَال.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: القواعل واحدتها قاعلة وَهِي جبال صغَار وَقيل: القواعل جبل دون تنوفي.
انْتهى.
وَفِي شرح أَبْيَات الْمُغنِي للسيوطي: تنوفي بِفَتْح الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة: جبل عَال. والقواعل: جبال صغَار.)
وَفِي أمالي ثَعْلَب القوعلة والقيعلة وَالْجمع قواعل. وَأنْشد الْبَيْت.
قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: أَخبث العقبان مَا أَوَى فِي الْجبَال المشرفة. وَهَذَا مثل. أَرَادَ: كَأَن دثاراً ذهبت بلونه ذَاهِبَة أَي: آفَة. وَأَرَادَ: أَنه أغير عَلَيْهِ من قبل تنوفى. انْتهى.
وَكَذَا قَالَ الْعَيْنِيّ.
وَقَضِيَّة صَاحب الْقَامُوس أَنه بِالْمدِّ لِأَنَّهُ قَالَ: وتنوفاء كجلولاء: ثنية مشرفة قرب القواعل.
وَيُقَال: ينوفاء بالتحتية فَيكون مَحَله ن وف. وَقَالَ فِيهَا: وينوفى أَو تنوفى أَو تنوف: مَوضِع بجبلي طَيئ. انْتهى.
وَلم يضبطه أحد بِالْمدِّ وَإِنَّمَا هُوَ شيئ قَالَه ابْن جني بحثا كَمَا يَأْتِي.
-
وتنوفي من الأوزان الَّتِي استدركت على سِيبَوَيْهٍ بِأَنَّهُ لم يذكرهَا. والأوزان الَّتِي استدركت عَلَيْهِ ثَمَانِيَة وَخَمْسُونَ وزنا على مَا ذكرهَا ابْن جني فِي الخصائص وَأجَاب عَنْهَا وَاحِدًا بعد وَاحِد.
قَالَ: وَأما تنوفى فمختلف فِي أمرهَا وَأكْثر أحوالها ضعف رِوَايَتهَا وَالِاخْتِلَاف الْوَاقِع فِي لَفظهَا وَإِنَّمَا رَوَاهَا السكرِي وأسندها إِلَى امْرِئ الْقَيْس فِي قَوْله: عِقَاب تنوفى لَا عِقَاب القواعل وَالَّذِي رويته عَن أَحْمد بن يحيى:
стр. 5373
عِقَاب تنوفٍ لَا عِقَاب القواعل وَقَالَ: القواعل: آكام حولهَا. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: هِيَ ثنية طي. كَذَا رَوَاهَا ابْن الْأَعرَابِي وَأَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ. وَرِوَايَة أبي عُبَيْدَة: تنوفي.
وَأَنا أرى أَن تنوف لَيست فعولًا بل هِيَ تفعل من النوف وَهُوَ الِارْتفَاع وَسميت بذلك لعلوها وَمِنْه: أناف على الشَّيْء إِذا ارْتَفع عَلَيْهِ والنيف فِي الْعدَد من هَذَا. وتنوف فِي أَنه علم على تفعل بِمَنْزِلَة يشْكر ويعصر.
وَقلت مرّة لأبي عَليّ وَهَذَا الْموضع يقْرَأ عَلَيْهِ من كتاب أصُول أبي بكر: يجوز أَن يكون تنوفى مَقْصُورَة من تنوفاء بِمَنْزِلَة بروكاء فَسمع ذَلِك وَعرف صِحَّته.
وَكَذَلِكَ القَوْل عِنْدِي فِي مسولي فِي بَيت المرار: الطَّوِيل
(فَأَصْبَحت مهموماً كَأَن مطيتي ... بِحَيْثُ مسولى أَو بوجرة ظالع
)
يَنْبَغِي تكون مَقْصُورَة من مسولاء بِمَنْزِلَة جَلُولَاء فَإِن قلت: فَإنَّا لم نسْمع بتنوفى وَلَا بمسولى)
ممدودين وَلَو كَانَا أَو أَحدهمَا ممدوداً لخرج ذَلِك إِلَى الِاسْتِعْمَال.
قيل: وَلم يكثر أَيْضا اسْتِعْمَال هذَيْن الاسمين وأنما جَاءَا فِي هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ. بل لَو كثر استعمالهما مقصورين لصَحَّ مَا أوردته فَإِنَّهُ يجوز أَن يكون ألف تنوفى إشباعاً للفتحة لَا سِيمَا وَقد روينَاهُ تنوف مَفْتُوحًا مَا ترى وَتَكون هَذِه الْألف مُلْحقَة مَعَ الإشباع لإِقَامَة الْوَزْن.
стр. 5374
ينباع من ذفرى غضوب جسرةٍ إِنَّمَا هُوَ إشباع للفتحة طلبا لإِقَامَة الْوَزْن.
أَلا ترى أَنه لَو قَالَ: يَنْبع من ذفرى لصَحَّ الْوَزْن إِلَّا أَن فِيهِ زحافاً هُوَ الخزل.
كَمَا أَنه لَو قَالَ: تنوف لَكَانَ الْجُزْء مَقْبُوضا فالإشباع فِي الْمَوْضِعَيْنِ إِذن إِنَّمَا هُوَ مَخَافَة الزحاف الَّذِي مثله جَائِز. انْتهى كَلَامه.
هَذَا وَقد رُوِيَ أَيْضا: عِقَاب ملاعٍ لَا عِقَاب القواعل والملاع بِفَتْح الْمِيم وبالعين الْمُهْملَة قَالَ صَاحب الصِّحَاح: هِيَ الْمَفَازَة الَّتِي لَا نَبَات بهَا.
-
وَمن أمثالهم: أودت بِهِ عِقَاب ملاع قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يُقَال ذَلِك فِي الْوَاحِد وَالْجمع وَهُوَ شَبيه بقَوْلهمْ: طارت بِهِ العنقاء وحلقت بِهِ عنقاء مغرب.
وَفِي الْقَامُوس: الملاع كسحاب: الْمَفَازَة لَا نَبَات بهَا وكقطام وسحاب وَقد يمْنَع. وَأَرْض أضيفت إِلَيْهَا عِقَاب فِي قَوْلهم: أودت بِهِ عِقَاب ملاع أَو ملاعٌ من نعت الْعقَاب أَو عِقَاب ملاع هِيَ العقيب الَّتِي تصيد الجرذان فارسيته: موش خوار. انْتهى.
وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الملع: السرعة. وعقاب ملاع: سريع وَأنْشد:
стр. 5375
قل: وَتَفْسِير هَذَا الْبَيْت أَن الْعقَاب كلما علت فِي الْجَبَل كَانَ أسْرع لانقضاضها. يَقُول: هَذَا عِقَاب ملاع إِذا العالي يهوي من علوه وَلَيْسَت بعقاب القواعل وَهِي الْجبَال الصغار. انْتهى.
وَقَالَ حَمْزَة الْأَصْفَهَانِي فِي أَمْثَاله: أبْصر من عِقَاب ملاع قَالَ مُحَمَّد بن حبيب: ملاع: اسْم هضبة. وَقَالَ غَيره: اسْم الصَّحرَاء وَيُقَال للْأَرْض المستوية الواسعة: ملاع.
-
قَالَ الشَّاعِر: كَأَن دثاراً حلقت بلبونه الْبَيْت وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي مستقصى الْأَمْثَال: أبْصر من عِقَاب ملاع بِالْوَصْفِ ويروى: من عِقَاب ملاع)
بِالْإِضَافَة وملاع كقطام: الصَّحرَاء وعقابها أبْصر من عِقَاب الْجَبَل.
قَالَ امْرُؤ الْقَيْس: كَأَن دثاراً حلقت الْبَيْت والقواعل: رُؤُوس الْجبَال وَقيل: ملاع صفة لَهَا من الملع هُوَ السرعة. وَلَيْسَ بِوَجْه فِي الْبَيْت لقَوْله: لَا عِقَاب القواعل.
وَيجوز أَن تكون غير منصرفة وعَلى هَذَا تنون فِي الْبَيْت لِأَن غير المنصرف سَائِغ صرفه فِي الشّعْر وَلَا يستحسن إِيثَار منع الصّرْف مَعَ الْقَبْض على سَلامَة الْجُزْء مَعَ الصّرْف وبصر الْعقَاب ومدح أَعْرَابِي رجلا فَقَالَ: هُوَ أصح بصراً من الْعقَاب وَأَيْقَظَ عينا من الْغُرَاب وأصدق حسا من الْأَعْرَاب. انْتهى.
стр. 5376
وَقَوله: وأعجبني مشي الحذقة خَالِد ... إِلَخ الحزقة بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْقَاف وَهُوَ الْقصير الْعَظِيم الْبَطن وخالدٍ بِالْجَرِّ: عطف بَيَان لَهُ.
وَقَالَ الْعَيْنِيّ: الحزقة لقبٍ وَيُقَال: ضرب من الْمَشْي. فَمن جعله ضربا من الْمَشْي نَصبه وَمن جعله لقباً رَفعه. انْتهى.
-
وَلم أفهم مَعْنَاهُ على أَن الحزقة لم أره بِمَعْنى الْمَشْي.
وحلئت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول من حلئت الْإِبِل عَن المَاء تحلئة بالهمزٍ. إِذا طردتها عَنهُ. ومنعتها أَن ترده. والأتان: أُنْثَى الْحمار شبهه بهَا تحقيراً لَهُ.
والمناهل: جمع منهل كجعفر: المورد وَهُوَ عين مَاء ترده الْإِبِل. كَذَا فِي المصابح.
وَقَوله: أَبَت أجأ ... إِلَخ أجأ بِالْهَمْز: جبل. وَجَاء فِي الشّعْر غير مَهْمُوز.
قَالَ العجاج: الرجز
(فَإِن تصير ليلى بسلمى أَو أجا ... أَو باللوى أَو ذِي حسا أَو يأججا)
(إِلَى نضدٍ من عبد شمسٍ كَأَنَّهُمْ ... هضاب أجاً أَرْكَانه لم تقصف)
стр. 5377
وَمن الْعَجَائِب قَول الْعَيْنِيّ: أجأ أحد جبلي طَيئ وَهُوَ مؤنث وَمن الْعَرَب من لَا يهمزه. وَكَذَا هُنَا للضَّرُورَة. انْتهى.
وَلَا يخفى أَنه لَا يتزن الْبَيْت إِلَّا بِالْهَمْز.)
قَالَ ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ: أجأ بِوَزْن فعلأ بِالتَّحْرِيكِ مَهْمُوز مَقْصُور وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ أجئيٌ بِوَزْن أجعي. وَهُوَ علم مرتجل لاسم رجل سمي بِهِ الْجَبَل.
-
وَيجوز أَن يكون مَنْقُولًا وَمَعْنَاهُ الْفِرَار كَمَا حكى بن الْأَعرَابِي: أجأ الرجل إِذا فر.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أجأ وسلمى: جبلان عَن يسَار سميراء وَقد رأيتهما شاهقان وَلم يقل عَن يسَار القاصد إِلَى مَكَّة أَو المنصرف عَنْهَا.
وَقَالَ أَبُو عبيد السكونِي: أجأ: أحد جبلي طَيء وَهُوَ غربي فيدٍ إِلَى أقْصَى أجأ وَإِلَى القريات من نَاحيَة الشَّام.
وَبَين الْمَدِينَة والجبلين على غير الجادة ثَلَاث مراحل وَبَين الجبلين وتيماء جبال وَمِنْهَا دبر وعرنان وَغسل وَبني كل جبلين يَوْم وَبَين الجبلين وفدك لَيْلَة وَبَينهمَا وَبَين خَيْبَر خمس لَيَال.
стр. 5378
ذكر الْعلمَاء بأخبار الْعَرَب أَن أجأ سمي باسم رجل وسلمى سمي باسم امْرَأَة.
وَكَانَ من خبرهما أَن رجلا من العماليق يُقَال لَهُ: أجأ بن عبد الْحَيّ عشق امْرَأَة من قومه يُقَال لَهَا: سلمى وَكَانَ لَهَا حاضنة يُقَال لَهَا: العوجاء فَكَانَا يَجْتَمِعَانِ فِي منزلهَا حَتَّى نذر بهما إخْوَة سلمى وهم: الغميم والمضل وفدك وفائد والحدثان وَزوجهَا.
-
فخافت سلمى وهربت هِيَ أوجأ والعوجاء وتبعهم زَوجهَا وَأُخُوَّتهَا فَلَحقُوا سلمى على الْجَبَل الْمُسَمّى سلمى فَقَتَلُوهَا هُنَاكَ فَسُمي الْجَبَل باسمها.
وَلَحِقُوا العوجاء على هضبة بَين الجبلين فَقَتَلُوهَا هُنَاكَ فَسُمي الْمَكَان بهَا لَحِقُوا أجأ فِي الْجَبَل الْمُسَمّى بأجأ فَقَتَلُوهُ فِيهِ فَسُمي بِهِ وأنفوا ان يرجع إِلَى قَومهمْ فَصَارَ كل وَاحِد إِلَى مَكَان فَأَقَامَ بِهِ فَسُمي ذَلِك الْمَكَان باسمه.
قَالَ عبيد الله ياقوت: وَهَذَا أحد مَا استدللنا بِهِ على بطلَان مذ ذكره النحويون من أَن أجأ مُؤَنّثَة غير منصرفة لِأَنَّهُ جبل مُذَكّر سمي باسم رجل وَهُوَ مُذَكّر. وَكَانَ غَايَة مَا التزموا بِهِ قَول امْرِئ الْقَيْس: أَبَت أجأ أَن تسلم الْعَام ... ... ... ... ... ... الْبَيْت وَهَذَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ لِأَن الْحَبل نَفسه لَا يسلم أحدا وَلَا يسلم إِنَّمَا يمْنَع من فِيهِ من الرِّجَال.
فَالْمُرَاد: أَبَت قبائل أجأ أَو سكان أجأ وَمَا أشبهه فَحذف الْمُضَاف وأقيم الْمُضَاف إِلَيْهِ يدل على ذَلِك عجز الْبَيْت وَهُوَ قَوْله:)
стр. 5379
فَمن شَاءَ فلينهض لَهَا من مقَاتل والجبل نَفسه لَا يُقَاتل والمقاتلة مفاعلة وَلَا تكون من وَاحِد. ووقف على هَذَا من كلامنا نحويٌ من أصدقائنا وَأَرَادَ الِاحْتِجَاج والانتصار لقَولهم فَكَانَ غَايَة مَا قَالَه: أَن الْمُعَامَلَة فِي التَّذْكِير والتأنيث مَعَ الظَّاهِر وَأَنت ترَاهُ قَالَ: أَبَت أجأ فالتأنيث لهَذَا الظَّاهِر وَلَا يجوز أَن يكون للقبائل المحذوفة. فَقلت لَهُ: هَذَا خلاف كَلَام الْعَرَب أَلا ترى إِلَى قَول حسان: الْكَامِل
(
يسقون من ورد البريص عَلَيْهِم ... بردى يصفق بالرحيق السلسل)
لم يرو أحد قطّ يصفق إِلَّا بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف لِأَنَّهُ يُرِيد: يصفق مَاء بردى فَرده إِلَى الْمَحْذُوف وَهُوَ المَاء وَلم يردهُ إِلَى الظَّاهِر وَهُوَ بردى.
وَلَو كَانَ الْأَمر على مَا ذكرت لقَالَ: تصفق لِأَن بردى مؤنث لم يجِئ على زنته مؤنث قطّ. وَقد جَاءَ الرَّد على الْمَحْذُوف تَارَة وعَلى الظَّاهِر أُخْرَى فِي قَوْله : وَكم من قريةٍ أهلكناها فَجَاءَهَا بأسنا بياتاً أَو هم قَائِلُونَ.
أَلا ترَاهُ قَالَ: فَجَاءَهَا فَرد على الظَّاهِر وَهُوَ الْقرْيَة ثمَّ قَالَ: أَو هم قَائِلُونَ فَرد على أَهلهَا وَهُوَ مَحْذُوف. وَبعد فَلَيْسَ هَا هُنَا مَا يتَأَوَّل بِهِ التَّأْنِيث إِلَّا أَن يُقَال: إِنَّه أَرَادَ الْبقْعَة فَيصير من بَاب التحكم لِأَنَّهُ تَأْوِيله بالمذكر ضَرُورِيّ لِأَنَّهُ جبل والجبل مُذَكّر وَإِنَّمَا سمي باسم رجل بِإِجْمَاع.
وَلَو سَأَلت كل أَعْرَابِي عَن أجأ لم يقل إِلَّا: إِنَّه جبل وَلم يقل بقْعَة. وَلَا مُسْتَند للقائل بتأنيثه الْبَتَّةَ. وَمَعَ هَذَا فإنني إِلَى هَذِه الْغَايَة لم أَقف للْعَرَب على شعر جَاءَ فِيهِ أجأ غير منصرف مَعَ كَثْرَة استعمالهم لترك صرف مَا ينْصَرف فِي الشّعْر.
ثمَّ إِنِّي وقفت بعد مَا سطرته على جَامع شعر امْرِئ الْقَيْس
стр. 5380
وَقد نَص على مَا قلته وَهُوَ أَنه قَالَ: أجأ مَوضِع وَهُوَ أجد جبلي طَيء وَالْآخر سلمى. وَإِنَّمَا أَرَادَ أهل أجأ كَقَوْل الله: واسئل الْقرْيَة يُرِيد: أهل الْقرْيَة. ثمَّ وقفت على نُسْخَة أُخْرَى فِيهَا: أرى أجأ لم يسلم الْعَام جَاره قَالَ: الْمَعْنى أَصْحَاب الْجَبَل لن يسلمُوا جارهم. انْتهى كَلَام ياقوت.
-
وَقَوله: أَن تسلم من أسلمه أَي: خذله. وَالْجَار هُنَا: المستجير والنزيل. وَهَذَا حث مِنْهُ وإغراء للْقِيَام بنصرته وتخليص مَا ذهب من إبِله. وَمن مقَاتل: بَيَان لمن شَاءَ.)
وَقَوله: تبيت لبوني ... إِلَخ هَذَا تَصْوِير لما إِلَيْهِ تؤول حَال إبِله بعد إعانتهم لَهُ.
والقُريّة على لفظ مصغر الْقرْيَة وَهُوَ مَوضِع. وَأمن: جمع آمِنَة. هَذَا إِن كَانَ بِضَم الْهمزَة وأسرحها من سرحت الْإِبِل من بَاب نفع أَي: جَعلتهَا ترعى. وَمثله سرحتها تسريحاً. وَيُقَال: سرحت الْإِبِل سرحاً وسروحاً إِذا رعت بِنَفسِهَا يتَعَدَّى وَلَا يتَعَدَّى.
وغباً: يَوْمًا بعد يَوْم. والأكناف: النّواحي. وَحَائِل بِالْحَاء الْمُهْملَة والهمزة: اسْم جبل.
وَقَوله: بَنو ثعل جِيرَانهَا ثعل بِضَم الْمُثَلَّثَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة: حيّ من طَيئ. ونابل بالنُّون الْمُوَحدَة. وَرُوِيَ بِالْهَمْزَةِ. ونابل وَسعد: حَيَّان من طَيئ.
стр. 5381
وَقَوله: تلاعب أَوْلَاد الوعول: مفعول ورباعها فَاعل وَهُوَ جمع ربع بِضَم فَفتح وَهُوَ مَا نتج فِي الرّبيع. والوعل: تَيْس الْجَبَل.
يُرِيد أَن أَوْلَاد إبِله تلاعب أَوْلَاد الوعول وترعى مَعهَا للأمن. والمعاقل: الْجبَال وَرُوِيَ بدله: المجادل بِالْجِيم الْوَاحِد مجدل وَهُوَ الْقصر وأَرَادَ بهَا الْجبَال. قَالَه الْعَيْنِيّ.
وَقَوله: مكلّلة أَي: هَذِه المعاقل وَالْجِبَال مكلّلة بالصخور. والأسرّة: الطّرق جمع سرار بِالْكَسْرِ والحبك بِضَمَّتَيْنِ: الطرائق. والوصائل:
جمع وصيلة وَهُوَ ثوب أمعر الْغَزل فِيهِ خطوط.
وَقَالَ السُّيُوطِيّ: المجادل: الْجبَال الْعَالِيَة. ومكلّلة: مغطاة. والأسرّة: الطرائق وَكَذَلِكَ الحبك. والْوَسَائِل: ثِيَاب حمر مخطّطة.
وَأنْشد بعده: الرمل إنّما يَجْزِي الْفَتى لَيْسَ الْجمل هُوَ عجز وصدره: فَإِذا أقرضت قرضا فاجزه
стр. 5382
على أَن بَعضهم قَالَ: لَيْسَ فِيهِ عاطفة. وَالظَّاهِر أَنَّهَا على أَصْلهَا أَي: لَيْسَ الْجمل جازياً.
وَالْأول مَذْهَب البغداديين احتجّوا بِهَذَا الْبَيْت على أنّ لَيْسَ عاطفة قَالُوا: كَمَا تَقول: قَامَ زيد لَيْسَ عَمْرو فعمرو مَعْطُوف على زيد بليس كَمَا تَقول: قَامَ زيد لَا عَمْرو. فَلَيْسَ مَحْمُولَة على لَا فِي الْعَطف.
قَالَ أَبُو حَيَّان: وَحكى النّحاس وَابْن بابشاذ هَذَا الْمَذْهَب عَن الْكُوفِيّين. وَحَكَاهُ ابْن عُصْفُور)
عَن البغداديين.
-
قَالَ أَبُو الْعَبَّاس ثَعْلَب فِي أَمَالِيهِ: مَرَرْت بزيد لَيْسَ عَمْرو قَالَ الْكسَائي: لَا نجيزه إلاّ مَعَ الْبَاء.
وَالْفراء لَا يلْزمه أَن يَقُوله لأنّ الْكسَائي يَقُول: الثَّانِي مَحْذُوف مَطْلُوب وَإِذا جَاءَ الْخَفْض لم يحذف الْخَافِض وَالْفِعْل. وَالْفراء يَقُول: إِذا حسنت لَيْسَ مَوضِع لَا جَازَ.
وَأنْشد: قَالَ سِيبَوَيْهٍ: يَقُول: لَيْسَ الْجمل يَجْزِي. فَجعله فعلا محذوفاً واستراح. قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: وَأول مَا يَنْبَغِي أَن نقُول للكسائي: لم حذفت الثَّانِي وطلبته. انْتهى كَلَامه.
وَلَا عِنْدهم مَخْصُوصَة بعطف الِاسْم كَمَا مثّل. قَالَ صَاحب اللّبَاب: وَلَا لتنفي مَا وَجب للْأولِ وتختصّ بالإسم. وَقد جعل لَيْسَ مرادفاً لَهَا فِي قَوْله: إِنَّمَا يَجْزِي الْفَتى لَيْسَ الْجمل وَالصَّحِيح أَنه على أَصله. انْتهى.
وبقاؤها على أَصْلهَا يكون بِأحد شَيْئَيْنِ:
стр. 5383
الأول: مَا أجَاب بِهِ الشَّارِح الْمُحَقق من أنّ الْجمل اسْمهَا وَالْخَبَر مَحْذُوف أَي: لَيْسَ الْجمل جازياً أَو لَيْسَ الْجمل يَجْزِي. وَالْعرب قد تحذف خبر لَيْسَ فِي الشّعْر كَقَوْلِه: الْكَامِل
(
لهفى عَلَيْك للهفةٍ من خائفٍ ... يَبْغِي جوارك حِين لَيْسَ مجير)
فَلَيْسَ فِي هَذَا الْبَيْت لَيست عاطفة بِاتِّفَاق وَلَا يتصوّر الْعَطف فِيهَا وخبرها مَحْذُوف أَي: لَيْسَ مجير فِي الدُّنْيَا.
وَالثَّانِي: أَن يكون الْجمل خبر لَيْسَ وَسكن للقافية وَاسْمهَا ضمير اسْم الْفَاعِل الْمَفْهُوم من يَجْزِي أَي: لَيْسَ الجازي الْجمل. كَذَا فِي شرح اللّبَاب للفالي.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة للبيد وَقد شرحنا مِنْهَا جملَة فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ بعد السبعمائة.
стр. 5384
(حُرُوف التَّنْبِيه)
أنْشد فِيهَا: الوافر أَلا رجلا جزاه الله خيرا على أنّ أَلا قد تَجِيء عِنْد الْخَلِيل حرف تحضيض.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَسَأَلت الْخَلِيل ﵀ عَن قَوْله:
(أَلا رجلا جزاه الله خيرا ... يدلّ على محصّلةٍ تبيت)
فَزعم أَنه لَيْسَ على التمنّي وَلكنه بِمَنْزِلَة قَول الرجل: فهلاّ خيرا من ذَلِك كَأَنَّهُ قَالَ: أَلا ترونني رجلا جزاه الله خيرا. وَأما يُونُس فَزعم أَنه نوّن مضطرّاً.
انْتهى.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ نصب رجل وتنوينه لِأَنَّهُ حمل على إِضْمَار فعل وَجعل أَلا حرف تحضيض وَالتَّقْدِير: أَلا ترونني رجلا.
وَلَو جعلهَا أَلا الَّتِي للتمنّي لنصب مَا بعْدهَا بِغَيْر تَنْوِين. هَذَا تَقْدِير الْخَلِيل وسيبويه. وَيُونُس يرى أَنه مَنْصُوب بالتمني. ونوّن ضَرُورَة.
وَالْأول أولى لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَة فِيهِ. وحروف التحضيض مِمَّا يحسن إِضْمَار الْفِعْل
بعْدهَا.
والمحصّلة: الامرأة الَّتِي تحصّل الذَّهَب من تُرَاب الْمَعْدن وتخلّصه مِنْهُ طلبَهَا للمبيت.
стр. 5385
وَفِي الْبَيْت تضمين لأنّ خبر تبيت فِي بَيت بعده وَهُوَ:
(ترجّل لمّتي وتقمّ بَيْتِي ... وأعطيها الإتاوة إِن رضيت)
وَتقدم شَرحه فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده: الْبَسِيط
(تعلّمن هَا لعمر الله ذَا قسما ... فاقدر بذرعك وَانْظُر أَيْن تنسلك)
على أَنه يفصل كثيرا بَين هَا التَّنْبِيه وَبَين اسْم الْإِشَارَة بجملة الْقسم.
وَهَذَا خلاف مَا تقدّم مِنْهُ فِي بَاب اسْم الْإِشَارَة قَالَ هُنَاكَ: ويفصل هَا التَّنْبِيه عَن اسْم الْإِشَارَة بِأَنا وأخواته كثيرا نَحْو: هأنذا وبغيرها قَلِيل وَذَلِكَ إمّا قسم كَقَوْلِه: تعلّمن هَا لعمر الله ذَا قسما أَو غير قسم كَقَوْلِه: الْبَسِيط
)
وَنَحْو: الطَّوِيل فَقلت لَهُم: هَذَا لَهَا هَا وذَا ليا انْتهى.
стр. 5386
وتقدّم هُنَاكَ فِي الشَّاهِد الثَّانِي عشر بعد الأربعمائة نقل كَلَام سِيبَوَيْهٍ عِنْد هَذَا الْبَيْت وَلَيْسَ فِيهِ مَا يدل على كَثْرَة وَقلة.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ تَقْدِيم هَا الَّتِي للتّنْبِيه على ذَا وَقد حَال بَينهمَا بقوله: لعمر الله وَالْمعْنَى: لعمر الله هَذَا مَا أقسم بِهِ.
وَنصب قسما على الْمصدر المؤكّد لما قبله لِأَنَّهُ مَعْنَاهُ أقسم فَكَأَنَّهُ قَالَ: أقسم لعمر الله قسماُ. ف ذَا عِنْد الْخَلِيل هُوَ الْمَحْلُوف عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَالله الْأَمر هَذَا فَحذف الْأَمر وقدّم هَا.
وَعند غَيره الْمَعْنى: هَذَا مَا أقسم بِهِ.
وتعلّم بِمَعْنى اعْلَم لَا يسْتَعْمل إلاّ فِي الْأَمر.
وَقَوله: فاقدر بذرعك أَي: قدّر لخطوك. والذّرع: قدر الخطو. وَهَذَا مثل وَالْمعْنَى: لَا تكلّف مَا لَا تطِيق منّي. يتوعّده بذلك وَكَذَلِكَ قَوْله: وَانْظُر أَيْن تنسلك. والانسلاك: الدّخول فِي الْأَمر. وَالْمعْنَى: لَا تدخل نَفسك
فِيمَا لَا يَعْنِيك وَلَا يجدي عَلَيْك.
هَا إنّ تا عذرةٌ على أنّ الْفَصْل بَين هَا وَبَين تا بإنّ وَهِي غير قسم وَغير ضمير مَرْفُوع مُنْفَصِل قَلِيل.
وَهُوَ قِطْعَة من بَيت وَهُوَ:
(هَا إنّ تا عذرةٌ إِن لم تكن نَفَعت ... فإنّ صَاحبهَا قد تاه فِي الْبَلَد)
стр. 5387
وتا: اسْم إِشَارَة بِمَعْنى هَذِه لما ذكره قبله فِي القصيدة من يَمِينه على أَنه لم يَأْتِ بِشَيْء يكرههُ.
وتا: مُبْتَدأ وعذرة: خَبَرهَا. وَهِي بِكَسْر الْعين اسْم للْعُذْر بضَمهَا. وَقَوله: إِن لم تكن ...
إِلَخ صَاحبهَا أَي: صَاحب الْعذرَة وَيَعْنِي بِهِ نَفسه. يُرِيد: إِن لم تقبل عُذْري وترض عنّي فإنّ أختلّ حَتَّى إنّي أضلّ فِي الْبَلدة الَّتِي أَنا فِيهَا لعظم الْخَوْف الَّذِي حصل من وعيدك.
وتقدّم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد الثَّالِث عشر بعد الأربعمائة.
وَأنْشد بعده: فَقلت لَهُم هَذَا لَهَا هَا وَذَا ليا
)
لما تقدّم قبله.
وَهَذَا عجز وصدره: وَنحن اقْتَسَمْنَا المَال نِصْفَيْنِ بَيْننَا وَأنْشد بعده: يَا ربّتما غارةٍ هُوَ قِطْعَة من بَيت وَهُوَ: السَّرِيع
(ماويّ يَا ربّتما غارةٍ ... شعواء كاللّذعة بالميسم)
стр. 5388
على أَن يَا فِيهِ عِنْد ابْن مَالك للتّنْبِيه لدخولها على مَا يُفِيد التقليل وَهُوَ رب.
وَفِيه نظر لِأَن رب فِي الْبَيْت للتكثير لَا للتقليل لِأَنَّهُ فِي مقَام الافتخار والتمدح كَمَا يَأْتِي بَيَانه.
وَمَا نقل عَن ابْن مَالك هُنَا قَالَه فِي بَاب تَمِيم الْكَلَام على كَلِمَات مفتقرةٍ إِلَى
ذَلِك من التنسهيل قَالَ: وَأكْثر مَا يَلِي يَا نِدَاء أَو أَمر أَو تمن أَو تقليل.
قَالَ شَارِحه المردي: يَعْنِي بالنداء الْمُنَادِي وَأطلق المُصَنّف على الَّتِي للنداء أَنَّهَا حرف تَنْبِيه لِأَنَّهَا تنبيهٌ للمخاطب. وَقد أَشَارَ إِلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ وَكَلَامه هُنَا يدل على أَنَّهَا ذَا وَليهَا فعل أَمر لَا تكون للنداء بل لمُجَرّد التَّنْبِيه. وَهُوَ خلاف مَا قدمه فِي بَاب النداء. وَقد تدخل على الدُّعَاء كَقَوْلِه: الْبَسِيط
(يَا لعنة الله والأقوام كلهم ... وَالصَّالِحِينَ على سمعنَا من جَار)
وعَلى حبذا كَقَوْلِه: الْبَسِيط انْتهى.
وَكَلَامه فِي بَاب النداء أَجود قَالَ فِيهِ: وَقد يحذف المنادى قبل الْأَمر
стр. 5389
وَالدُّعَاء فتلزم يَا. وَإِن وَليهَا لَيْت أَو رب أَو حبذا فَهِيَ للتّنْبِيه لَا للنداء. انْتهى. ف يَا إِنَّمَا تكون عِنْده حرف تَنْبِيه إِذا وَليهَا أحد الثَّلَاثَة الْأَخِيرَة.
وَقد شرح كَلَامه هَذَا فِي التَّوْضِيح شرحاً شافياً قَالَ عِنْد قَول ورقة بن نَوْفَل: يَا لَيْتَني أكون حَيا إِذْ يخْرجك قَوْمك: يظنّ أَكثر النَّاس أَن يَا الَّتِي
تَلِيهَا لَيْت حرف نِدَاء والمنادى مَحْذُوف فتقدير قَول ورقة: يَا مُحَمَّد لَيْتَني كنت حَيا وَتَقْدِير قَوْله تَعَالَى: يَا لَيْتَني كنت مَعَهم: يَا قوم لَيْتَني.)
وَهَذَا الرَّأْي عِنْدِي ضَعِيف لِأَن قَائِل ياليتني د يكون وَحده فَلَا يكون معهة منادى لَا ثَابت وَلَا مَحْذُوف كَقَوْل مَرْيَم ﵍: يَا لَيْتَني مت قبل هَذَا.
وَلِأَن الشَّيْء إِنَّمَا يجوز حذفه مَعَ صِحَة الْمَعْنى بِدُونِهِ إِذا كَانَ الْموضع الَّذِي ادعِي فِيهِ حذفه مُسْتَعْملا فِيهِ ثُبُوته كحذف المنادى قبل أَمر أَو دُعَاء فَإِنَّهُ يجوز حذفه لِكَثْرَة ثُبُوته فَإِن الْآمِر والداعي يحتاجان إِلَى توكيد اسْم الْمَأْمُور والمدعو بتقديمه على الْأَمر وَالدُّعَاء.
وَاسْتعْمل ذَلِك كثيرا حَتَّى صَار مَوْضِعه منبهاً عَلَيْهِ إِذا حذف. فَحسن حذفه لذَلِك.
فَمن ثُبُوته قبل الْأَمر: يَا آدم اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة ويَا بني إِسْرَائِيل اذْكروا نعمتي ويَا بني آدم خُذُوا زينتكم
стр. 5390
ويَا إِبْرَاهِيم أعرض عَن هَذَا ويَا يحيى خُذ الْكتاب ويَا بني أقِم الصَّلَاة ويَا أَيهَا النَّبِي اتَّقِ الله.
وَمن ثُبُوته قبل الدُّعَاء: يَا مُوسَى ادْع لنا رَبك ويَا أَبَانَا اسْتغْفر
لنا ويَا مَالك ليَقْضِ علينا رَبك.
وَمن حذف المنادى الْمَأْمُور فِي قِرَاءَة الْكسَائي: أَلا يَا اسجدوا أَرَادَ: أَلا يَا هَؤُلَاءِ اسجدوا. فَحسن حذف المنادى قبل الْأَمر وَالدُّعَاء اعتياد ثُبُوته فِي مَحل ادِّعَاء الْحَذف. بِخِلَاف لَيْت فَإِن المنادى لم تستعمله الْعَرَب قبلهَا ثَابتا. فادعاء حذفه بَاطِل لخلوه من دَلِيل فَيتَعَيَّن كَون لَا الَّتِي تقع قبلهَا لمُجَرّد التَّنْبِيه مثل أَلا وَهَا وَمثل يَا الْوَاقِعَة قبل لَيْت فِي تجردها للتّنْبِيه الْوَاقِعَة قبل حبذا فِي قَول الشَّاعِر:
(يَا حبذا جبل الريان من جبلٍ ... وحبذا سَاكن الريان من كَانَا)
وَقبل رب فِي قَول الراجز: الرجز
(يَا رب سارٍ بَات مَا توسدا ... إِلَّا ذارع العيس أَو كف اليدا)
стр. 5391
انْتهى كَلَامه بِاخْتِصَار.
وَقَوله: ماوي يَا ربتما غَارة منادى مرخم ماوية اسْم امْرَأَة. وَمَا فِي ربتما زَائِدَة وغارة: مجروة بربت. وَالشعرَاء بِالْعينِ الْمُهْملَة: الْغَارة المنتشرة.
واللذعة بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة: مصدر لذعته النَّار أَي: أحرقته. والميسم: مَا يوسم بِهِ الْبَعِير بالنَّار. وَجَوَاب رب فِي الْبَيْت الَّذِي بعده وَهُوَ: السَّرِيع
(
ناهبتها الْغنم على طيعٍ ... أجرد كالقدح من الساسم))
أَي: نهبت بالغارة الْغَنِيمَة على فرس طيع منقاد لراكبه. والقدح بِالْكَسْرِ: السهْم بل أَن يراش.
والساسم: خشب الآبنوس. وَهَذَا كَمَا ترى افتخار لَا يَلِيق بِهِ الْقلَّة.
وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد السِّتين بعد السبعمائة.
стр. 5392
(
حُرُوف الْإِيجَاب)
أنْشد فِيهَا
(الشَّاهِد الثَّالِث عشر بعد التسْعمائَة)
الوافر
(أَلَيْسَ اللَّيْل يجمع أم عمروٍ ... وإيانا فَذَاك بِنَا تداني)
(نعم وَترى الْهلَال كَمَا أرَاهُ ... ويعلوها النَّهَار كَمَا علاني)
على أَن نعم نَا لتصديق الْخَبَر الْمُثبت المؤول بِهِ الِاسْتِفْهَام مَعَ النَّفْي فَكَأَنَّهُ قيل: إِن اللَّيْل يجمع أم عَمْرو وإيانا نعم فَإِن الْهمزَة إِذا دخلت على النَّافِي تكون لمحض التَّقْدِير أَي: حمل الْمُخَاطب على أَن يقر بأمرٍ يعرفهُ وَهِي فِي الْحَقِيقَة للإنكار. وإنكار النَّفْي إِثْبَات.
وَمُرَاد الشَّارِح الْمُحَقق بِهَذَا التَّوْجِيه وَالشَّاهِد الرَّد على ابْن الطرواة فِي زَعمه أَن مَجِيء نعم بعد الِاسْتِفْهَام الدَّاخِل على النَّافِي لحن وَالْوَاجِب مَجِيء بلَى فَإِنَّهُ قد لحن سِيبَوَيْهٍ بِمثلِهِ فِي بَاب مَا يجْرِي عَلَيْهِ صفة مَا كَانَ من سَببه قَالَ فِيهِ: وَإِن زعم زاعم أَنه يَقُول: مَرَرْت بِرَجُل مخالط بدنه دَاء فَفرق بَينه وَبَين الْمنون.
قيل لَهُ: أَلَسْت قد علمت أَن الصّفة إِذا كَانَت للْأولِ فالتنوين وَغير التَّنْوِين سَوَاء
إِذا أردْت بِإِسْقَاط التَّنْوِين معنى التَّنْوِين نَحْو قَوْلك: مَرَرْت بِرَجُل ملازم أَبَاك ومررت بِرَجُل ملازم أَبِيك أَو ملازمك فَإِنَّهُ لَا يجد بدّاً من أَن يَقُول: نعم وإلاّ خَالف جَمِيع الْعَرَب والنحويين.
فَإِذا قَالَ ذَلِك قلت: أفلست
стр. 5393
تجْعَل هَذَا الْعَمَل إِذا كَانَ منوناً وَكَانَ لشَيْء من سَبَب الأول أَو الْتبس بِهِ بِمَنْزِلَتِهِ إِذا كَانَ للْأولِ فَإِنَّهُ قَائِل: نعم. انْتهى كَلَامه.
قَالَ أَبُو حَيَّان فِي تَذكرته بعد أَن نقل كَلَام سِيبَوَيْهٍ: قد لحّن ابْن الطّراوة سِيبَوَيْهٍ فِي اسْتِعْمَاله نعم فِي هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ وَقَالَ: إنّما هُوَ مَوضِع بلَى لَا مَوضِع نعم.
وَهُوَ كَمَا قَالَ فِي أَكثر مَا يُوجد من كَلَام النُّحَاة وَهُوَ لَا شكّ أَكثر فِي الِاسْتِعْمَال وعَلى ذَلِك جَاءَ مَا يروون عَن ابْن عبّاس من قَوْله فِي قَول الله تَعَالَى: أَلَسْت بربّكم إِنَّهُم لَو قَالُوا: نعم)
لكفروا. وَلَكِن قد يُوجد مَعَ ذَلِك خِلَافه.
قَالَ الشَّاعِر: أَلَيْسَ اللّيل يجمع أمّ عمرٍ والْبَيْتَيْنِ ويفتقر كَلَام ابْن عَبَّاس مَعَ وجود قَول هَذَا الْقَائِل إِلَى فضل نظر وَهُوَ أَن يَقُول: نعم فِي قَول الشَّاعِر لَيْسَ بِجَوَاب لِأَن الْجَواب ب نعم إِذا جَاءَ بعد الِاسْتِفْهَام إِنَّمَا يكون تَصْدِيقًا لما بعد ألف وَلم يرد الشَّاعِر أَن يصدّق أَنه لَا يجمعه اللَّيْل مَعَ أمّ عَمْرو فَلذَلِك يكون بَنو آدمٍ إِذا قَالُوا فِي جَوَاب: أَلَسْت بربّكم: نعم كفّاراً لِأَن الْجَواب بنعم يكون تَصْدِيقًا لما بعد ألف الِاسْتِفْهَام من النَّفْي وَهُوَ الْأَكْثَر فِي الِاسْتِعْمَال وَلكنه لَا يمْتَنع مَعَ ذَلِك أَن يَقُولُوا: نعم لَا على الْجَواب وَلَكِن على التَّصْدِيق لِأَن الِاسْتِفْهَام فِي أَلَسْت
بربّكم تَقْرِير والتقرير خبر مُوجب.
فَإِذا كَانَ التَّقْرِير خَبرا مَعْنَاهُ الْإِيجَاب جَازَ أَن يَأْتِي نعم كَمَا يَأْتِي بعد الْخَبَر الْمُوجب للتصديق.
وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك لم يكن فِي
стр. 5394
إجَازَة نعم فِي الْآيَة وَفِي الشّعْر مُخَالفَة لِابْنِ عَبَّاس فِيمَا قَالَه لِأَنَّهُمَا لم يتواردا على معنى وَاحِد فَإِن الَّذِي مَنعه إِنَّمَا مَنعه على أنّ نعم جَوَاب وَإِذا كَانَ جَوَابا إِنَّمَا يكون تَصْدِيقًا لما بعد ألف الِاسْتِفْهَام وَالَّذِي أجَازه إِنَّمَا أجَازه على أَن تكون نعم غير جَوَاب.
وإتمام نعم فِيهِ على وَجه التَّصْدِيق كَمَا فِي قَوْلك: نعم لمن قَالَ: قَامَ زيد. انْتهى كَلَامه.
وَاخْتَصَرَهُ الْمرَادِي فِي الجنى الداني.
فقد اتّفق الشَّارِح الْمُحَقق وَأَبُو حَيَّان فِي هَذَا التَّوْجِيه.
وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث مثل ذَلِك الشّعْر وَهُوَ قَول الْأَنْصَار للنَّبِي ﷺ وَقد قَالَ لَهُم: ألستم ترَوْنَ لَهُم ذَلِك قَالُوا: نعم.
وَهَذَا التَّوْجِيه نسبه ابْن هِشَام فِي بحث نعم من الْمُغنِي إِلَى جمَاعَة من الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين مِنْهُم الشلوبين: إِذا كَانَ قبل النَّفْي اسْتِفْهَام فَإِن كَانَ على حَقِيقَته فَجَوَابه كجواب النَّفْي الْمُجَرّد وَإِن كَانَ مرَادا بِهِ التَّقْرِير فالأكثر أَن يُجَاب بِمَا يُجَاب بِهِ النَّفْي رعياً للفظه.
وَيجوز عِنْد أَمن اللّبْس أَن يُجَاب بِمَا يُجَاب بِهِ الْإِيجَاب رعياً لمعناه أَلا ترى أَنه لَا يجوز بعده دُخُول أحدٍ وَلَا الِاسْتِثْنَاء المفرغ لَا يُقَال: أَلَيْسَ أحد فِي الدَّار وَلَا أَلَيْسَ فِي الدَّار إِلَّا زيد.
وعَلى ذَلِك جَاءَ قَول الْأَنْصَار وَقَول الشَّاعِر: نعم بعد النَّفْي المقرون بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام. قَالَ ابْن)
هِشَام: وعَلى هَذَا جرى كَلَام سِيبَوَيْهٍ والمخطئ مُخطئ.
وَقَالَ فِي بحث بلي: أجروا النَّفْي مَعَ التَّقْرِير مجْرى النَّفْي الْمُجَرّد فِي رده ببلى وَلذَلِك قَالَ ابْن عَبَّاس وَغَيره: لَو قَالُوا نعم لكفروا. وَوَجهه أَن نعم تَصْدِيق
стр. 5395
للمخبر بِنَفْي أَو إِيجَاب.
-
وَلذَلِك قَالَ جمَاعَة من الْفُقَهَاء: لَو قَالَ: أَلَيْسَ لي عنْدك ألف. فَقَالَ: بلَى لَزِمته. وَلَو قَالَ: نعم. لم تلْزمهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: تلْزمهُ فيهمَا. وجروا فِي ذَلِك على مُقْتَضى الْعرف لَا اللُّغَة.
وَنَازع السُّهيْلي وَغَيره فِي المحكي عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره فِي الْآيَة مستمسكين بِأَن الِاسْتِفْهَام التقريري خبر مُوجب.
وَلذَلِك امْتنع سِيبَوَيْهٍ من جعل أم مُتَّصِلَة فِي قَوْله تَعَالَى: أَفلا تبصرون أم أَنا خير لِأَنَّهَا لَا تقع وَيشكل عَلَيْهِم أَن بلَى لَا يُجَاب بهَا الْإِيجَاب وَذَلِكَ مُتَّفق عَلَيْهِ.
قَالَ الدماديني: لَا إِشْكَال فَإِن هَؤُلَاءِ راعوا صُورَة النَّفْي الْمَنْطُوق بِهِ فيجاب ببلى حَيْثُ يُرَاد إبِْطَال النَّفْي الْوَاقِع بعد الْهمزَة وجوزوا الْجَواب بنعم على أَنه تَصْدِيق لمضمون الْكَلَام جَمِيعه: الْهمزَة ومدخولها وَهُوَ إِيجَاب. ودعواه الِاتِّفَاق مُنَازع فِيهَا.
أما إِن أَرَادَ الْإِيجَاب الْمُجَرّد من النَّفْي أصلا ورأساً فقد حكى فِيهِ الرضي الْخلاف.
وَأما إِن أَرَادَ مَا هُوَ أَعم حَتَّى يَشْمَل التَّقْرِير المصاحب للنَّفْي فَالْخِلَاف مَوْجُود مَشْهُور وَذكره المُصَنّف عَن الشلوبين وَغَيره فِي نعم وَهنا أَيْضا بقوله: إِنَّهُم أجروا النَّفْي مَعَ التَّقْرِير مجْرى النَّفْي الْمُجَرّد فِي رده ببلى. انْتهى.
هَذَا وَقد قَالَ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف: وَأما قَول جحدر: أَلَيْسَ اللَّيْل يجمع أم عَمْرو الْبَيْتَيْنِ فَلَيْسَ نصا فِي أَن التَّقْرِير يُجَاب بنعم. انْتهى.
следующие страницы →