Полный текст (5 658 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
مصدر أشفقت عَلَيْهِ: إِذا حنوت وعطفت عَلَيْهِ وأشفقت من كَذَا: حذرت مِنْهُ. وَقَوله على بَعِيري مُتَعَلق بِأحد المصدرين على التَّنَازُع.
وَهَذَانِ البيتان من رجز للعجاج وَبعده: وَكَثْرَة الحَدِيث عَن شقوري مَعَ الجلا ولائح القتير فِي الصِّحَاح: الشقور الْحَاجة وَعَن الْأَصْمَعِي بِفَتْح الشين قَالَ أَبُو عبيد: الأول أصلح لِأَن الشقور بِالضَّمِّ بِمَعْنى الْأُمُور اللاصقة بِالْقَلْبِ المهمة لَهُ
الْوَاحِد شقر. وَفِي أَمْثَال أبي عبيد أفضيت إِلَيْهِ بشقوري أَي: أخْبرته بأَمْري وأطلعته على مَا أسره من غَيره: وَقَالَ الزبيدِيّ فِي لحن الْعَامَّة: الشقور: مَذْهَب الرجل وباطن أمره. والجلا: بِفَتْح الْجِيم وَالْقصر: انحسار الشّعْر من مقدم الرَّأْس يكون خلقَة وَيكون من كبر. القتير بِفَتْح الْقَاف: الشيب.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: مَعْنَاهُ: لَا تستنكري حَالي من الْهَرم ياجارية وَلَا كَثْرَة مَا أحدث بِهِ من الْأَسْرَار. وَذَلِكَ من أَحْوَال الشُّيُوخ المسان وتهاتر الهرمى.
وترجمة العجاج تقدّمت فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالْعِشْرين.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
الشَّاهِد الثَّالِث بعد الْمِائَة ...
стр. 597
(وَإِن تعتذر بِالْمحل من ذِي ضروعها ... إِلَى الضَّيْف يجرح فِي عراقيبها نصلي)
على أَنه حذف مفعول يجرح لتَضَمّنه معنى يُؤثر بِالْجرْحِ.
وَكَذَلِكَ جعله ابْن هِشَام فِي مُغنِي اللبيب من بَاب التَّضْمِين قَالَ: فَإِنَّهُ ضمن معنى يعث أَو يفْسد فَإِن العيث لَازم يتَعَدَّى بفي يُقَال عاث الذِّئْب فِي الْغنم أَي: أفسد وَكَذَلِكَ الْإِفْسَاد قَالَ الله تَعَالَى: لَا تفسدوا فِي الأَرْض.
وأنشده صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: لأزينن لَهُم على أَن أزينن مُتَعَدٍّ نزل منزلَة اللَّازِم
قَالَ الطيي: أَي: يعث الْجرْح فِي عراقيبها نصلي جعل لَازِما ثمَّ عدي كَمَا يعدى اللَّازِم مُبَالغَة.
وَهَذَا الْبَيْت من أَوَاخِر قصيدة لذِي الرمة عدَّة أبياتها سِتَّة وَثَلَاثُونَ بَيْتا شَبَّبَ فِيهَا بمي وَوصف فِيهَا القفار وناقته.
إِلَى أَن قَالَ:
(أعاذل عوجي من لسَانك عَن عذلي ... فَمَا كل من يهوى رشادي على شكلي)
(فَمَا لَام يَوْمًا من أخٍ وَهُوَ صادقٌ ... إخاي وَلَا اعتلت على ضيفها إبلي)
(إِذا كَانَ فِيهَا الرُّسُل لم تأت دونه ... فصالي وَلَو كَانَت عِجَافًا وَلَا أَهلِي)
وَإِن تعتذر بِالْمحل من ذِي ضروعها ... ... ... ... ... ... ... . . الْبَيْت وَبعده أَرْبَعَة أَبْيَات وَهِي آخر القصيدة.
فَقَوله: أعاذل الْهمزَة للنداء وعاذل منادى مرخم عاذلة. قَالَ الْأَصْمَعِي
стр. 598
فِي شرح ديوانه: عوجي من لسَانك أَي: كفي وَلَفظ عوجي على الْحَقِيقَة اعطفي. والشكل: الضَّرْب يَقُول مَا كل من يهوى ذَلِك مني على طريقتي وعَلى مذهبي.
وَقَوله: فَمَا لَام يَوْمًا من أخٍ من زَائِدَة وَأَخ فَاعل لَام والإخاء بِكَسْر الْهمزَة: الْأُخوة. قَالَ الْأَصْمَعِي: اعتلت أطلق اللَّفْظ على الْإِبِل وَالْمعْنَى على أَصْحَابهَا يَقُول لم أبخل فأعتذر إِلَى وَقَوله: إِذا كَانَ فِيهَا الرُّسُل ضمير فِيهَا لِلْإِبِلِ وَضمير دونه للرسل قَالَ الْأَصْمَعِي: الرُّسُل: اللَّبن حلوه وحامضه وخاثره ورقيقه يَقُول: لَا أَسْقِي فصالي وأدعو ضَيْفِي وَلَو كَانَت عِجَافًا مهازيل. يُقَال: عجف الدَّابَّة وأعجفه صَاحبه وعجفت نَفسِي عَن كَذَا: إِذا صرفتها. وَقَوله: وَإِن تعتذر بِالْمحل قَالَ الْأَصْمَعِي: اعتذارها للضيف: أَن لَا يرى فِيهَا محتلباً من شدَّة الجدب)
وَالزَّمَان فَإِذا كَانَت كَذَلِك عقرتها.
وَالْمحل: انْقِطَاع الْمَطَر ويبس الأَرْض من الْكلأ وَهُوَ مصدر مَحل الْبَلَد من بَاب تَعب. وَالْمرَاد بِذِي ضرْعهَا: اللَّبن كَمَا يُقَال ذُو بطونها وَالْمرَاد: الْوَلَد. قَالَ الطيي: الْمَعْنى إِذا اعتذرت بقلة اللَّبن بِسَبَب الْقَحْط إِلَى الضَّيْف أعقرها لتَكون هِيَ عوض اللَّبن. والعقر: ضرب الْبَعِير بِالسَّيْفِ على قوائمه لَا يُطلق الْعقر فِي غير القوائم وَرُبمَا قيل عقره: إِذا نَحره. والعراقيب: جمع عرقوب فِي الصِّحَاح: عرقوب الدَّابَّة فِي رجلهَا بِمَنْزِلَة الرّكْبَة فِي يَدهَا قَالَ الْأَصْمَعِي: كل ذِي أَربع عرقوباه فِي رجلَيْهِ وَركبَتَاهُ فِي يَدَيْهِ. وعرقبت الدَّابَّة قطعت عرقوبها. والعرقوب من الْإِنْسَان: العصب الغليظ الموتر فَوق الْعقب. والنصل: حَدِيدَة السَّيْف والسكين والمنصل كقنفذ: نَفسه.
стр. 599
وترجمة ذِي الرمة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن.
أنْشد فِيهِ وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة وَهُوَ من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ: يابؤس للْجَهْل ضِرَارًا لأقوام على أَن الْمبرد أجَاز أَن ينصب عَامل المنادى الْحَال نَحْو: يَا زيد قَائِما إِذا ناديته فِي حَال قِيَامه. قَالَ: وَمِنْه يَا بؤس للْجَهْل. . وَالظَّاهِر أَن عَامله بؤس الَّذِي هُوَ بِمَعْنى الشدَّة وَهُوَ مُضَاف إِلَى صَاحب الْحَال أَعنِي الْجَهْل تَقْديرا لزِيَادَة اللَّام.
أَقُول: من جعل عَامل الْحَال النداء جعل الْحَال من الْمُضَاف وَفِيه مُنَاسبَة جَيِّدَة فَإِن الْجَهْل ضار وبؤسه ضرار وَمن جعل ضِرَارًا حَالا من الْمُضَاف إِلَيْهِ جعل الْعَامِل الْمُضَاف. وَمِمَّنْ جعله من الْمُضَاف إِلَيْهِ الأعلم قَالَ: وَنصب ضِرَارًا على الْحَال من الْجَهْل. وَإِنَّمَا كَانَ يرد هَذَا الِاسْتِظْهَار على الْمبرد لَو جعل ضِرَارًا حَالا من الْمُضَاف إِلَيْهِ. وَقد أجَاز ابْن جني فِي قَوْله بقرى من قَول الحماسي:
ألهفى بقرى سحبلٍ حِين أجلبت
стр. 600
الْوَجْهَيْنِ قَالَ: يجوز أَن تجْعَل بقرى حَالا من لهفي وَذَلِكَ أَنَّهَا يَاء ضمير الْمُتَكَلّم فأبدلت ألفا تَخْفِيفًا فَيكون معنى هَذَا: تلهفت وَأَنا بقرى أَي: كَائِنا هُنَاكَ كَمَا أَن معنى الأول لَو أنثته: يالهفتي كائنة فِي ذَلِك الْموضع. فَيكون بقرى فِي هَذَا الْأَخير حَالا من المنادى الْمُضَاف كَقَوْلِه:)
يَا بؤس للْجَهْل ضِرَارًا لأقوام أَي: يَا بؤس الْجَهْل أَي: أَدْعُوهُ ضِرَارًا. وَإِذا جعلته حَالا من الْيَاء المنقلبة ألفا كَانَ الْعَامِل نفس اللهف كَقَوْلِك يَا قيامي ضَاحِكا تَدْعُو الْقيام أَي: هَذَا من أوقاتك.
وَقد قرر ابْن الْأَنْبَارِي مَذْهَب الْمبرد فِي الْإِنْصَاف فَقَالَ: حكى ابْن السراج عَن الْمبرد أَنه قَالَ: قلت للمازني: مَا أنْكرت من الْحَال للمدعو قَالَ: لم أنكر مِنْهُ شَيْئا إِلَّا أَن الْعَرَب لم تدع على شريطة فَإِنَّهُم لَا يَقُولُونَ يَا زيد رَاكِبًا أَي ندعوك فِي هَذِه الْحَالة ونمسك على دعائك مَاشِيا لِأَنَّهُ إِذا قَالَ يَا زيد فقد وَقع الدُّعَاء على كل حَال. قلت: فَإِن احْتَاجَ إِلَيْهِ رَاكِبًا وَلم يحْتَج إِلَيْهِ فِي غير هَذِه الْحَالة فَقَالَ: أَلَسْت تَقوله يازيد دُعَاء حَقًا فَقلت: بلَى فَقَالَ: علام تحمل الْمصدر قلت: لِأَن قولي يازيد كَقَوْلي أَدْعُو زيدا فَكَأَنِّي قلت: أَدْعُو دُعَاء حَقًا. فَقَالَ: لَا أرى بَأْسا بِأَن تَقول على هَذَا يَا زيد رَاكِبًا فَالْزَمْ الْقيَاس. قَالَ الْمبرد: وَوجدت أَنا تَصْدِيقًا لهَذَا قَول النَّابِغَة:
стр. 601
يَا بؤس للْجَهْل ضِرَارًا لأقوام.
وَقَالَ اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل: وَيَا بؤس منادى مُضَاف مَعْنَاهُ التَّعَجُّب أَي: مَا أبأس الْجَهْل وَمَا أضره للنَّاس وضراراً حَال من الْجَهْل أَو نصب على الْقطع على مَذْهَب الْكُوفِيّين وَنَظِيره عِنْدهم: وَالْهَدْي معكوفاً وَاللَّام فِي لأقوام زَائِدَة قَالَ الْمبرد: هَذِه اللَّام تزاد فِي الْمَفْعُول على معنى زيادتها فِي الْإِضَافَة يَقُولُونَ: هَذَا ضاربٌ زيدا وَهَذَا ضَارب لزيد لِأَنَّهَا لَا تغير معنى الْإِضَافَة.
وَأورد سِيبَوَيْهٍ هَذَا المصراع لكَون اللَّام مقحمة بَين المتضايفين وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهَا فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالسبْعين.
وَهُوَ عجز وصدره: قَالَت بَنو عامرٍ خالوا بني أسدٍ خالوا: تاركوا يُقَال خَالِي يخالي مخلاة وخلاء كَمَا يُقَال تَارِك يتارك وَيُقَال للْمَرْأَة الْمُطلقَة خلية من هَذَا وخليت النبت: إِذا قطعته.
وَهَذَا الْبَيْت مطلع أَبْيَات عدتهَا ثَلَاثَة عشر بَيْتا للنابغة الذبياني قَالَهَا لزرعة بن عَمْرو العامري: حِين بعث بَنو عَامر إِلَى حصن بن حُذَيْفَة بن بدر وَإِلَى عُيَيْنَة بن حصن الذبياني: أَن اقْطَعُوا مَا)
بَيْنكُم وَبَين بني أَسد من الْحلف وألحقوهم بكنانة بن خُزَيْمَة بن عمهم ونحالفكم فَنحْن بَنو أبيكم.
стр. 602
فَلَمَّا هم عُيَيْنَة بذلك قَالَت لَهُم بَنو ذبيان: أخرجُوا من فِيكُم من الحلفاء وَنخرج من فِينَا فَأَبُو من ذَلِك.
فَحكى النَّابِغَة قَول بني عَامر. يَقُول: إِن الْجَهْل يضر الأقوام ويدعوهم إِلَى سفاهة الأحلام أَي: إِن بني عَامر جهال يأمروننا بترك هَؤُلَاءِ الَّذين قد أَحْسنُوا عَنَّا الدفاع وَكثر بهم الِانْتِفَاع.
وَبعد هَذَا الْبَيْت:
(يَأْبَى الْبلَاء فَلَا نبغي بهم بَدَلا ... وَلَا نُرِيد خلاء بعد إحكام)
(فصالحونا جَمِيعًا إِن بدا لكم ... وَلَا تَقولُوا: لنا أَمْثَالهَا عَام)
(إِنِّي لأخشى عَلَيْكُم أَن يكون لكم ... من أجل بغضائهم يومٌ كأيام)
(تبدو كواكبه وَالشَّمْس طالعةٌ ... لَا النُّور نورٌ وَلَا الإظلام إظلام)
وعام منادى مرخم عَامر. وقافية الْبَيْت الْخَامِس مَرْفُوعَة وَمَا عَداهَا مجرور وَهُوَ عيب يُسمى إقواء.
روى المرزباني فِي الموشح بِسَنَدِهِ عَن مُحَمَّد بن سَلام قَالَ: لم يقو أحد من الطَّبَقَة الأولى وَلَا من أشباههم إِلَّا النَّابِغَة فِي بَيْتَيْنِ: قَوْله:
(أَمن آل مية رائح أَو مغتدي ... عجلَان ذَا زادٍ وَغير مزود)
وَقَوله:
(سقط النصيف وَلم ترد إِسْقَاطه ... فتناولته واتقتنا بِالْيَدِ)
(بمخضبٍ رخصٍ كَأَن بنانه ... عنمٌ يكَاد من اللطافة يعْقد)
стр. 603
. العنم: نبت أَحْمَر يصْبغ بِهِ فَقدم الْمَدِينَة فعيب ذَلِك عَلَيْهِ فَلم يأبه لَهُ حَتَّى أسمعوه إِيَّاه فِي غناء وَأهل الْقرى ألطف نظرا من أهل البدو وَكَانُوا يَكْتُبُونَ جواريهم عِنْد أهل الْكتاب فَقيل لِلْجَارِيَةِ: إِذا صرت إِلَى قَوْله: يعْقد وَالْأسود فرتلي. فَلَمَّا قَالَت: الغداف الْأسود ويعقد بِالْيَدِ علم فانتبه وَلم يعد فِيهِ. وَقَالَ: قدمت الْحجاز وَفِي شعري ضَيْعَة ورحلت عَنْهَا وَأَنا أشعر النَّاس. وَفِي رِوَايَة أُخْرَى
أَنه أصلح الأول بقوله: وبذاك تنعاب الغداف الْأسود.
وَيُزَاد عَلَيْهِ مَا ذَكرْنَاهُ هُنَا فَيكون قد أقوى فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع.
وَقَوله: يَأْتِي الْبلَاء فَمَا نبغي يَقُول: يَأْبَى علينا أَن نخاليهم مَا بلونا من نصحهمْ وَلَا نُرِيد خلاء)
أَي: متاركة بهم: ببني اسد بعد إحكام الْأَمر بَينهم.
وَقَوله: تبدو كواكبه وَالشَّمْس طالعة رَأَيْت فِي ديوانه المصراع الثَّانِي كَذَا: نورا بِنور وإظلاماً بإظلام قَالَ شَارِحه: روى الْأَصْمَعِي: يَقُول: هُوَ يَوْم شَدِيد تظلم الشَّمْس من شدته فتبدو كواكبه. وَقَوله: لَا النُّور نور: لَا كنوره نورٌ إِن ظفر وَلَا كظلمته إِن ظفر بِهِ. وَقَوله: نورا بِنور كَأَنَّهُ قَالَ: نور مَعَ نور يُرِيد بريق الْبيض وَالسُّيُوف وَنور الشَّمْس
стр. 604
إِذا أَصَابَت الْبيض صَار نورا مَعَ نور.
وَقَالَ بن نصر: قَوْله: لَا النُّور نور يُرِيد أَن نور هَذَا الْيَوْم لَيْسَ من نور الشَّمْس إِنَّمَا هُوَ من نور السِّلَاح وبريقه وَلَا إظلام هَذَا الْيَوْم من ظلمَة اللَّيْل إِنَّمَا ظلمته من كَثْرَة الْغُبَار. وَقَالَ: أَرَادَ بقوله: تبدو كواكبه شبه بريق الْبيض وَمَا ظهر من السِّلَاح بالكواكب. وعَلى هَذَا فَلَا إقواء.
والنابغة اسْمه زِيَاد بن مُعَاوِيَة. وَيَنْتَهِي نسبه إِلَى سعد بن ذبيان بن بغيض وكنيته أَبُو أُمَامَة وَأَبُو عقرب بابنتين كَانَتَا لَهُ.
وَهُوَ أحد شعراء الْجَاهِلِيَّة وَأحد فحولهم عده الجُمَحِي فِي الطَّبَقَة الأولى بعد امْرِئ الْقَيْس.
وَسمي النَّابِغَة لقَوْله:
فقد نبغت لنا مِنْهُم شؤون وَقيل: لِأَنَّهُ لم يقل الشّعْر حَتَّى صَار رجلا. وَقيل: هُوَ مُشْتَقّ من نبغت الْحَمَامَة: إِذا تغنت.
وَحكى ابْن ولاد أَنه يُقَال: نبغ المَاء ونبغ بالشعر. فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَن لَهُ مَادَّة من الشّعْر لَا تَنْقَطِع كمادة المَاء النابغ.
قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي طَبَقَات الشُّعَرَاء: ونبغ بالشعر بعد مَا احتنك وَهلك قبل أَن يهتر. وَهُوَ أحد الْأَشْرَاف الَّذين تمحض الشّعْر مِنْهُم وَهُوَ أحْسنهم ديباجة شعر وَأَكْثَرهم رونق كَلَام وأجزلهم بَيْتا. كَأَن شعره كلامٌ لَيْسَ فِيهِ تكلّف.
قَالَ الْأَصْمَعِي: سَأَلت بشاراً عَن أشعر النَّاس فَقَالَ: أجمع أهل الْبَصْرَة على امْرِئ الْقَيْس وطرفة وَأهل الْكُوفَة على بشر بن أبي خازم والأعشى وَأهل الْحجاز
стр. 605
على النَّابِغَة وَزُهَيْر وَأهل الشَّام على جرير والفرزدق والأخطل. وَمَات النَّابِغَة فِي الْجَاهِلِيَّة فِي زمن النَّبِي ﷺ َ قبل أَن يبْعَث.)
والأبيات التالية من قصيدة وصف بهَا المتجردة امْرَأَة النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَكَانَ النَّابِغَة من خواصه وندمائه وَأهل أنسه فَرَأى زَوجته المتجردة يَوْمًا وغشيها أمرٌ سقط نصيفها واستترت بِيَدِهَا وذراعها. وَذكر فِي هَذِه القصيدة أموراً عَجِيبَة مِنْهَا فِي صفة فرجهَا. ثمَّ أنشدها النَّابِغَة مرّة بن سعيد القريعي فأنشدها مرّة النُّعْمَان فَامْتَلَأَ غَضبا وأوعده النَّابِغَة وتهدده. فهرب مِنْهُ إِلَى مُلُوك غَسَّان بِالشَّام.
وَقيل: إِن الَّذِي من أَجله هرب النَّابِغَة: أَنه كَانَ هُوَ والمنخل البشكري نديمين للنعمان وَكَانَ النُّعْمَان دميماً قَبِيح المنظر وَكَانَ المنخل من أجمل الْعَرَب وَكَانَ يرْمى بالمتجردة وتكلمت الْعَرَب أَن ابْني النُّعْمَان مِنْهَا كَانَا مِنْهُ فَقَالَ النُّعْمَان للنابغة: يَا أَبَا أُمَامَة صف المتجردة فِي شعرك. فَقَالَ تِلْكَ القصيدة ووصفها فِيهَا وَوصف بَطنهَا وفرجها وأردافها. فلحقت المنخل من ذَلِك غيرَة فَقَالَ للنعمان: مَا يَسْتَطِيع
أَن يَقُول هَذَا الشّعْر إِلَّا من جرب فوقر ذَلِك فِي نفس النُّعْمَان. فَبلغ النَّابِغَة فخافه فهرب إِلَى مُلُوك غَسَّان وَنزل بِعَمْرو بن الْحَارِث الْأَصْغَر فمدحه ومدح أَخَاهُ وَلم يزل مُقيما مَعَ عَمْرو حَتَّى مَاتَ وَملك أَخُوهُ النُّعْمَان فَصَارَ مَعَه إِلَى أَن استعطف النُّعْمَان بن الْمُنْذر فَعَاد إِلَيْهِ.
وَمِمَّا قَالَه فِي مُلُوك غَسَّان مَا أنْشدهُ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء عَن الشّعبِيّ أَنه قَالَ: دخلت على عبد الْملك وَعِنْده رجل لَا أعرفهُ فَالْتَفت إِلَيْهِ عبد الْملك فَقَالَ: من أشعر النَّاس قَالَ: أَنا فأظلم مَا بيني وَبَينه فَقلت:
стр. 606
من هَذَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فتعجب عبد الْملك من عجلتي فَقَالَ: هَذَا الأخطل قلت: أشعر مِنْهُ الَّذِي يَقُول:
(هَذَا غلامٌ حسنٌ وَجهه ... مُسْتَقْبل الْخَيْر سريع التَّمام)
(لِلْحَارِثِ الْأَكْبَر والْحَارث ... الْأَصْغَر والأعرج خير الْأَنَام)
(ثمَّ لهندٍ ولهندٍ وَقد ... ينجع فِي الروضات مَاء الْغَمَام)
(سِتَّة آباءٍ هم مَا هم ... هم خير من يشرب صفو المدام)
فَقَالَ الأخطل: صدق يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ النَّابِغَة أشعر مني. فَقَالَ لي عبد الْملك: مَا تَقول فِي النَّابِغَة قلت: قد فَضله عمر بن الْخطاب على الشُّعَرَاء غير مرّة خرج وبابه وَفد غطفان فَقَالَ: أَي شعرائكم الَّذِي يَقُول:
(حَلَفت فَلم أترك لنَفسك رِيبَة ... وَلَيْسَ وَرَاء الله للمرء مطلب)
)
قَالُوا: النَّابِغَة. قَالَ: فَأَي شعرائكم الَّذِي يَقُول:
(فَإنَّك كالليل الَّذِي هُوَ مدركي ... وَإِن خلت أَن المنتأى عَنْك وَاسع)
قَالُوا: النَّابِغَة. قَالَ: هَذَا أشعر شعرائكم وَله القصائد: الاعتذاريات الْمَشْهُورَة إِلَى النُّعْمَان بن الْمُنْذر لم يقل أحد مثلهَا. مِنْهَا قَوْله:
(نبئت أَن أَبَا قَابُوس أوعدني ... وَلَا قَرَار على زأرٍ من الْأسد)
стр. 607
وتمثل بِهِ الْحجَّاج بن يُوسُف حِين سخط عَلَيْهِ عبد الْملك بن مَرْوَان.
وَمِمَّا يتَمَثَّل بِهِ من شعره:
(فَلَو كفي الْيَمين بغتك خوناً ... لأفردت الْيَمين من الشمَال)
أَخذه المثقب الْعَبْدي فَقَالَ:
(فَلَو أَنِّي تخالفني شمَالي ... خِلافك مَا وصلت بهَا يَمِيني)
(فحملتني ذَنْب امرئٍ وَتركته ... كذي العر يكوى غَيره وَهُوَ راتع)
أَخذه الْكُمَيْت فَقَالَ:
(وَلَا أكوي الصِّحَاح براتعاتٍ ... بِهن العر قبلي مَا كوينا)
تَتِمَّة ذكر الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف: من يُقَال لَهُ النَّابِغَة ثمانيةٌ: أَوَّلهمْ هَذَا
وَالثَّانِي: النَّابِغَة الْجَعْدِي الصَّحَابِيّ. وَالثَّالِث: نَابِغَة بن الديَّان الْحَارِثِيّ. وَالرَّابِع: النَّابِغَة الشَّيْبَانِيّ. وَالْخَامِس: النَّابِغَة الغنوي. وَالسَّادِس: النَّابِغَة العدواني. وَالسَّابِع: النَّابِغَة الذبياني أَيْضا وَهُوَ نَابِغَة بني قتال بن يَرْبُوع. وَالثَّامِن: النَّابِغَة التغلبي واسْمه الْحَارِث.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْخَامِس بعد الْمِائَة: ...
стр. 608
(يَا أبجر بن أبجر يَا أنتا ... أَنْت الَّذِي طلقت عَام جعتا)
على أَن الْمُضمر لَو وَقع منادى جَازَ نظرا إِلَى الْمظهر فَإِن الْمظهر بِصُورَة الرّفْع وَالضَّمِير ضمير رفع.
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف نقلا عَن الْبَصرِيين بِأَن الْمُفْرد الْمعرفَة إِنَّمَا بني لِأَنَّهُ أشبه كَاف الْخطاب وكاف الْخطاب مَبْنِيَّة فَكَذَلِك مَا أشبههَا وَوجه الشّبَه بَينهمَا من ثَلَاثَة أوجه: الْخطاب)
والتعريف والإفراد. وَمِنْهُم من قَالَ: إِنَّمَا بني لِأَنَّهُ وَقع موقع اسْم الْخطاب لِأَن الأَصْل فِي قَوْلك يَا زيد: أَن تَقول: يَا إياك أَو يَا أَنْت لِأَن المنادى لما كَانَ مُخَاطبا كَانَ يَنْبَغِي أَن يسْتَغْنى عَن اسْمه وَيُؤْتى باسم الْخطاب فَيُقَال: يَا إياك وَيَا أَنْت كَمَا قَالَ: يَا مر يَا ابْن وَاقع يَا أنتا
فَلَمَّا وَقع الِاسْم المنادى موقع اسْم الْخطاب وَجب أَن يكون مَبْنِيا كَمَا أَن اسْم الْخطاب مَبْنِيّ.
وَظَاهر كَلَام الشَّارِح الْمُحَقق أَن نِدَاء الضَّمِير مطرد وَأَنه لَا فرق بَين نِدَاء الضَّمِير الْمَرْفُوع وَالضَّمِير الْمَنْصُوب.
قَالَ ابْن الْحَاجِب فِي الْإِيضَاح: نِدَاء الْمُضمر شَاذ. وَقد قيل إِنَّه على تَقْدِير: يَا هَذَا أَنْت وَيَا هَذَا إياك أَعنِي.
стр. 609
وَقَالَ أَبُو حَيَّان فِي تَذكرته: وَأما يَا أنتا فشاذ لِأَن الْموضع مَوضِع نصب وَأَنت ضمير رفع فحقه أَن لَا يجوز كَمَا لَا يجوز فِي إياك لَكِن بعض الْعَرَب قد جعل بعض الضمائر نَائِبا عَن غَيره كَقَوْلِهِم: رَأَيْتُك أَنْت بِمَعْنى رَأَيْتُك إياك فناب ضمير الرّفْع عَن ضمير النصب وَكَذَلِكَ قَالُوا: يَا أنتا وَالْأَصْل يَا إياك. وَقد يُقَال: إِن يَا فِي يَا أَنْت حرف تَنْبِيه وَأَنت مُبْتَدأ وَأَنت الثَّانِيَة تَأْكِيد وَقَالَ ابْن عُصْفُور: وَلَا يُنَادى الْمُضمر إِلَّا نَادرا والأسماء كلهَا تنادى إِلَّا الْمُضْمرَات أما ضمير الْغَيْبَة وَضمير الْمُتَكَلّم فهما مناقضان لحرف النداء لِأَن حرف النداء يَقْتَضِي الْخطاب وَلم يجمع بَين حرف النداء وَالضَّمِير الْمُخَاطب لِأَن أَحدهمَا يُغني عَن الآخر فَلم يجمع بَينهمَا إِلَّا فِي الشّعْر مثل قَوْله:
(يَا أَقرع بن حابسٍ يَا أنتا ... أَنْت الَّذِي ... ... ... ... . الْبَيْت)
فَمنهمْ من جعل يَا تَنْبِيها وَجعل أَنْت: مُبْتَدأ وَأَنت الثَّانِي إِمَّا تاكيداً أَو مُبْتَدأ أَو فصلا أَو بَدَلا. وَدلّ كَلَامه على أَن الْعَرَب لَا تنادي ضمير الْمُتَكَلّم فَلَا تَقول: يَا أَنا وَلَا ضمير الْغَائِب فَلَا تَقول: يَا إِيَّاه وَلَا يَا هُوَ فَكَلَام جهلة الصُّوفِيَّة فِي نِدَاء الله تَعَالَى: يَا هُوَ لَيْسَ جَارِيا على كَلَام الْعَرَب. كَلَام أبي حَيَّان.
وَهَذَانِ البيتان من أرجوزة لسالم بن دارة وَقد حرف الْبَيْت الأول على أوجهٍ كَمَا رَأَيْت.
وَصَوَابه: يَا مر يَا ابْن وَاقع يَا أنتا)
وَرَوَاهُ الْعَيْنِيّ كَرِوَايَة الشَّارِح وَزعم أَن قَائِله الْأَحْوَص. وَهُوَ وهم إِنَّمَا
стр. 610
قَوْله نثر لَا نظم: وَهُوَ أَنه لما وَفد مَعَ أَبِيه على مُعَاوِيَة خطب فَوَثَبَ أَبوهُ ليخطب فكفه وَقَالَ: يَا إياك قد كفيتك.
ومنشأ الْوَهم: أَن النَّحْوِيين قد ذكرُوا هَذَا الْبَيْت عقب قَول الْأَحْوَص مَعَ قَوْلهم وَكَقَوْلِه فَظن أَن الضَّمِير للأحوص.
وَقد صحفه أَبُو عبد الله بن الْأَعرَابِي أَيْضا فِي نوادره وَرَوَاهُ: يَا قر يَا ابْن واقعٍ يَا أنتا نبه على تصحيفه أَبُو مُحَمَّد الْأسود الْأَعرَابِي فِيمَا كتبه على نوادره وَسَماهُ ضَالَّة الأديب فَقَالَ: صحف أَبُو عبد الله فِي اسْم من قيل فِيهِ هَذَا الرجز فَقَالَ: يَا قر وَإِنَّمَا هُوَ يَا مر وَهُوَ مرّة بن وَاقع أحد بني عبد منَاف بن فَزَارَة.
وَقَوله: أَنْت الَّذِي طلقت كَانَ الْقيَاس طلق ليعود إِلَى الْمَوْصُول ضمير الْغَائِب.
قَالَ ابْن جني: هَذَا كَلَام الْعَرَب الفصيح وَقد جَاءَ أَيْضا الْحمل على الْمَعْنى دون اللَّفْظ كَهَذا الْبَيْت.
وَكَانَ من قصَّة سَالم بن دارة وَمرَّة بن وَاقع الْفَزارِيّ: أَن قرفة أحد بني عبد منَاف نثل حسياً بزهمان فاستعان بسالم وبمرة وَاسم الحسى مُعَلّق فرجز سَالم وَهُوَ يخرج عَن مرّة المسناة:
(أنزلني قرفة فِي مُعَلّق ... أترك حبلي مرّة وأرتقي)
عَن مرّة بن واقعٍ واستقي
стр. 611
وَلَا يزَال قَائِل: ابْن ابْن دلوك عَن حد الضروس وَاللَّبن فَغَضب مرّة من ذَلِك وَكَانَ عِنْده مرّة امرأةٌ من بني بدر بن عَمْرو فأسنت مرّة فَطلقهَا وَأهل الْبَادِيَة أفعل شَيْء لذَلِك فَلَمَّا أَحْيَا أَرَادَ رَجعتهَا فَأَبت وَكَانَ مرّة يحْسب أَن لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَة وَأَنه إِنَّمَا فاكهها فاحتملت إِلَى أَهلهَا ثمَّ إِن مرّة حج فِي أركوب من بني فَزَارَة حجاج وَخرج سَالم فِي أركوب من بني عبد الله بن غطفان حجاج فاصطحبوا فَنزل مرّة يَسُوق بالقوم فَقَالَ يرتجز:
(لَو أَن بنت الأكرم البدري ... رَأَتْ شحوبي وَرَأَتْ بذريي)
(وَهن خوصٌ شبه القسي ... يلفها لف حَصى الأتي)
أروع سقاءٌ على الطوي)
ثمَّ نزل سالمٌ يَسُوق بالقوم وَقد كُنَّا تضاغنا فرجز:
(يَا مر يَا ابْن وَاقع يَا أنتا ... أَنْت الَّذِي طلقت عَام جعتا)
(فَضمهَا البدري إِذْ طلقتا ... حَتَّى إِذا اصطبحت واغتبقتا)
(أَصبَحت مُرْتَدا لما تركتا ... أردْت أَن ترجعها كذبتا)
(أودى بَنو بدرٍ بهَا وأنتا ... تقسم وسط الْقَوْم: مَا فارقتا)
стр. 612
انْتهى مَا أوردهُ الْأسود الْأَعرَابِي.
وَقَوله: نثل حسياً بزهمان يُقَال: نثلت الْبِئْر نثلاً وانتثلتها: إِذا استخرجت ترابها وَهُوَ النثيلة بالنُّون والثاء الْمُثَلَّثَة. والحسي بِكَسْر الْحَاء وَسُكُون السِّين
الْمُهْمَلَتَيْنِ: مَا تنشفه الأَرْض من الرمل فَإِذا صَار إِلَى صلابة أمسكته فتحفر عته الرمل فتستخرجه وَجمعه الأحساء. وزهمان بِضَم الرَّاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْهَاء: وادٍ لبني فَزَارَة مُتَّصِل بِالرَّقْمِ بِفَتْح الرَّاء وَالْقَاف وَهُوَ مَوضِع بالحجاز قريب من وَادي الْقرى كَانَت فِيهِ وقْعَة لغطفان على عَامر. كَذَا فِي مُعْجم مَا استعجم لأبي عبيد الْبكْرِيّ.
وَقَوله: أبن أبن هُوَ فعل أَمر من الْإِبَانَة وَهُوَ الإبعاد. والضروس قَالَ فِي الصِّحَاح: بِضَم الضَّاد: الْحِجَارَة الَّتِي طويت بهَا الْبِئْر. وَأنْشد هَذَا الشّعْر وبئر مضروسة وضريس أَي: مطوية بِالْحِجَارَةِ.
وَقَوله فأسنت مرّة أَي: أَصَابَهُ السّنة وَهِي الْقَحْط والجدب. وَقَوله: فَلَمَّا أَحْيَا فِي الصِّحَاح: قَالَ أَبُو عَمْرو: أَحْيَا الْقَوْم: إِذا حسنت حَال مَوَاشِيهمْ. فَإِن أردْت أنفسهم قلت: حيوا. ثمَّ قَالَ: وَأَحْيَا الْقَوْم أَي: صَارُوا فِي الحيا وَهُوَ الخصب والحيا مَقْصُور: الْمَطَر وَالْخصب. وَهُوَ بِالْحَاء الْمُهْملَة وَبعدهَا يَاء آخر الْحُرُوف. وَقَوله فاكهها أَي: مازحها والمفاكهة: الممازحة.
وَقَوله: البدري مَنْسُوب إِلَى بني بدر بن عَمْرو. وَلَو: لِلتَّمَنِّي لَا جَوَاب لَهَا. والشحوب: مصدر شحب جِسْمه بِالْفَتْح يشحب بِالضَّمِّ: إِذا تغير. وَقَوله:
стр. 613
بذريي أَي إبلي المفرقة وَيُقَال: تَفَرَّقت إبِله شذر بذر بِفَتْح الشين وَالْبَاء وكسرهما وَمَا بعدهمَا مَفْتُوح: إِذا تَفَرَّقت فِي كل وَجه.
وَقَوله: وَهن خوصٌ أَي: غائرات الْعُيُون جمع أخوص وخوصاء وَالْفِعْل خوص بِالْكَسْرِ أَي: غارت عينه. ويلفها: يضمها ويجمعها. والأتي بِفَتْح الْهَمْز وَكسر الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة قَالَ فِي الصِّحَاح: وأتيت للْمَاء تأتية وتأتياً أَي: سهلت سَبيله ليخرج إِلَى مَوضِع والأتي: الْجَدْوَل يؤتيه الرجل إِلَى)
أرضه وَهُوَ فعيل يُقَال: جَاءَنَا سيل أُتِي وأتاوي: إِذا جَاءَك وَلم يصبك مطره.
وَقَوله: أروع هُوَ فَاعل يلفها وَمَعْنَاهُ: السَّيِّد الَّذِي يروعك بجماله وجلاله. وسقاء: مُبَالغَة ساقٍ والطوي: الْبِئْر المطوية أَي: المبنية بِالْحِجَارَةِ.
وَقَوله: أَصبَحت مُرْتَدا. أَي: رَاجعا والارتداد: الرُّجُوع. وأودى بهَا: ذهب بهَا. وَقَوله: فأد رزقها أَي: أعْط صَدَاقهَا الَّذِي تغلبت عَلَيْهِ وأكلته.
وَسَالم بن دارة: هُوَ سَالم بن مسافع بن عقبَة بن يَرْبُوع بن كَعْب بن عدي ابْن جشم بن عَوْف بن بهثة بن عبد الله بن غطفان.
ودارة: لقب أمة وَاسْمهَا سيقاء كَانَت أخيذة: أَصَابَهَا زيد الْخَيل من بعض غطفان وَهِي حُبْلَى وَهِي من بني أَسد فَوَهَبَهَا زيد الْخَيل لزهير بن أبي سلمى. فَرُبمَا نسب سَالم بن دارة إِلَى زيد الْخَيل. كَذَا فِي كتاب أَسمَاء الشُّعَرَاء المنسوبين إِلَى أمهاتهم تأليف أَحْمد بن أبي سهل بن عَاصِم الْحلْوانِي وَمن خطه نقلت.
وَقَالَ التبريزي فِي شرح الحماسة: ودارة هُوَ يَرْبُوع وَإِنَّمَا سمي دارة
стр. 614
لِأَن رجلا من بني الصَّادِر بن مرّة بن عَوْف بن سعد بن ذبيان يُقَال لَهُ: كَعْب قتل ابْن عَم ليربوع بن كَعْب يُقَال لَهُ: درص فَقتل يَرْبُوع كَعْبًا بِابْن عَمه وَأخذ ابْنة كَعْب ثمَّ أرسلها فَأَتَت قَومهَا فنعت أَبَاهَا كَعْبًا فَقَالُوا: من قَتله قَالَت: غُلَام كَأَن وَجهه دارة الْقَمَر من بني جشم بن عَوْف بن بهثة. فَسُمي بذلك وَنسب إِلَيْهِ سَالم.
وَمثله فِي الأغاني. وَالصَّحِيح الأول وَيدل لَهُ قَول سَالم:
(أَنا ابْن دارة مَعْرُوفا بهَا نسبي ... وَهل بدارة يَا للنَّاس من عَار)
وَسَالم: شَاعِر مخضرم: قد أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام. وَكَانَ رجلا هجاء وبسببه قتل.
قَالَ التبريزي نقلا عَن أبي رياش. وَكَانَ الَّذِي هاج قَتله: أَنه كَانَ مرّة بن وَاقع من وُجُوه بني فَزَارَة وَكَانَت عِنْده امْرَأَة من أَشْرَاف بني فَزَارَة ففاكهته امْرَأَته ذَات لَيْلَة فَطلقهَا الْبَتَّةَ واحتملت إِلَى أَهلهَا وَمرَّة يظنّ أَنه قَادر على ردهَا إِن شَاءَ حَتَّى أَتَى لذَلِك عامٌ وهما كَذَلِك. ثمَّ خطبهَا حمل بن القليب الْفَزارِيّ وَرجل آخر
من بني فَزَارَة يُقَال لَهُ: عَليّ وخطبها ابْن دارة.
فَبلغ ذَلِك مرّة فَأَرَادَ أَن يُرَاجِعهَا فَأَبت عَلَيْهِ واختارت عليا. فَركب مرّة بن وَاقع إِلَى مُعَاوِيَة وَقيل إِلَى عُثْمَان فَقَالَ: إِن الْأَعْرَاب أهل جفَاء وَإِنِّي قد قلت كلمة بيني وَبَين امْرَأَتي لم أرد مَا)
تبلغ فَتزوّجت رجلا وَإِنَّمَا أَتَيْتُك مبادراً قبل أَن يَبْنِي بهَا فامنع لي امْرَأَتي. فَقَالَ مُعَاوِيَة: لقد ذكرت أمرا صَغِيرا فِي أَمر عَظِيم لَا سَبِيل لَك عَلَيْهَا.
стр. 615
فَفرق بَينهمَا مُعَاوِيَة وَهُوَ يَوْمئِذٍ على الشَّام عَاملا لعُثْمَان فَقَالَ سَالم فِي ذَلِك قبل أَن يقدم مرّة عِنْد مُعَاوِيَة وَالْقَوْم ينتظرونه:
(يَا لَيْت مرّة يَأْتِيهَا فيجعلها ... خير الْبناء وَيجْزِي مِنْهُمَا الجازي)
فجَاء مرّة وَقد ابتنى بهَا عَليّ: فَغَضب على سَالم وَجعل يشتمه حَتَّى قَالَ: أَيهَا العَبْد من محولة مَا أَنْت وَذكر نسائنا ومحولة بَنو عبد الله بن غطفان وَكَانَ يُقَال لَهُم بَنو عبد الْعُزَّى فوفدوا على النَّبِي ﷺ َ فَقَالَ: من أَنْتُم فَقَالُوا: نَحن بَنو عبد الْعُزَّى فَقَالَ ﷺ َ: بل أَنْتُم بَنو عبد الله فسمتهم الْعَرَب محولة فَقَالَ سَالم بن دارة: مهلا يَا مرّة فَإِنِّي لم أفعل تأبيداً كَأَنَّهُ أَرَادَ لم آتٍ بآبدة وَمَا بِي بَأْس وَلَا ذَنْب لي وَإِنَّمَا مزحت. فَأبى مرّة إِلَّا شَتمه. فَقَالَ سَالم: وَقد غضب: أوقع يَا على المنادى الْمَحْذُوف كَأَنَّهُ قَالَ: يَا مرّة أَنْت. وَقد ادّعى قوم أَن أَنْت يجوز نداؤها. وَلَا يَنْبَغِي أَن يعدل عَن الْوَجْه الأول ... ثمَّ ذكر الأبيات السَّابِقَة وَقَالَ: ثمَّ تواعدا أَن يلتقيا وَعظم فِي صُدُور بني فَزَارَة قَول سَالم فأغمضوا على ذَلِك. ثمَّ تواقف ابْن وَاقع وَسَالم على رهان وَفِيهِمْ يَوْمئِذٍ ابْن بيشة. أحد بني عبد منَاف بن عقيل فَقَالَ سَالم لجَمِيع بني فَزَارَة: إِنِّي أَحْمد الله كعهدكم وبعدكم واستعهدكم من مرّة. فَقَالَ مرّة: وَالله لَا أَزَال أهجوك مَا بل ريقي لساني.
وَجَاءَت بَنو فَزَارَة بامرأةٍ من بني غراب ترجز يُقَال لَهَا: غاضرة. فَلَمَّا رَآهَا سَالم نهق كَمَا ينهق الْحمار ثمَّ قَالَ: ...
стр. 616
(قد سبني بَنو الْغُرَاب الْأَحْمَر ... جبنا وجهلاً وتمنوا منكري)
(كل عَجُوز مِنْهُم ومعصر ... غاضر أُدي رشوتي لَا تغدري)
(وَأَبْشِرِي بعزبٍ مصدر ... شراب ألبان الخلايا مقفر)
(يحمل عرداً كالوظيف الأعجر ... وفيشةً مَتى تريها تشفري)
(حَمْرَاء كالنورج فَوق الأندر ... تقلب أَحْيَانًا حماليق الْحر)
(معقدٍ مشْعر مسير ... كَأَنَّمَا أحس جَيش الْمُنْذر)
(إِن تمنعي قعوك أمنع محوري ... لقعو أُخْرَى كعشبٍ مدور))
النورج: شَيْء يدق بِهِ أهل الشَّام حبهم: فَلَمَّا قَالَهَا سَالم ألهاها الِاسْتِمَاع الرَّد عَلَيْهِ ثمَّ لوى درعها فكشف عَنْهَا فحجز النَّاس بَينهمَا وافترقوا وَلابْن دارة الظفر. وَعم بني فَزَارَة بالهجاء لما أعانت عَلَيْهِ بَنو غراب وَقَالَ يهجو مرّة بن وَاقع الْفَزارِيّ:
(حدبدبا بدبدبا مِنْك الْآن ... اسْتَمعُوا أنْشدكُمْ يَا ولدان)
(إِن بني فَزَارَة بن زبيان ... قد طرقت ناقتهم بِإِنْسَان)
(مشيإ أعجب بِخلق الرَّحْمَن ... غلبتم النَّاس بِأَكْل الجردان)
(كل متل كالعمود جوفان ... وسرق الْجَار ونيك البعران)
стр. 617
حدبدبا: كلمة جَاءَ بهَا فِي معنى التَّعَجُّب مِمَّا هُوَ فِيهِ. وَأَصلهَا لعبة يلْعَب بهَا الصّبيان وَيخْتَلف فِي لَفظهَا فبعضهم يَقُول: حدبدبا ببائين وَبَعْضهمْ يَقُول: حدندبا وَمِنْهُم من يَقُول: حديدبا يَقُول: اجْتَمعُوا يَا صبية لتلعبوا هَذِه اللعبة. وَإِنَّمَا غَرَضه أَن يعجب النَّاس مِمَّا هُوَ فِيهِ وَيُعلمهُم أَنه فِي أَمر كلعب الصّبيان.
وَقَالَ قصيدة طَوِيلَة فِي هجوهم مِنْهَا:
(بلغ فَزَارَة أَنِّي لن أسالمها ... حَتَّى ينيك زميلٌ أم دِينَار)
هِيَ أم زميل وَكَانَت تكنى أم دِينَار فَحلف زميلبن أبير أحد بني عبد الله ابْن عبد منَاف: أَن لَا يَأْكُل لَحْمًا وَلَا يغسل رَأسه وَلَا يَأْتِي امْرَأَة حَتَّى يقْتله. فَالتقى زميل وَابْن دارة منحدرٌ إِلَى الْكُوفَة وزميل يُرِيد الْبَادِيَة: فَقَالَ لَهُ سَالم: لَا أَبَا لَك ألم يَأن لَك أَن تحل يَمِينك فَقَالَ لَهُ زميل: إِنِّي أعْتَذر إِلَيْك وَالله مَا فِي الْقَوْم حَدِيدَة إِلَّا أَن يكون مخيطاً. فَافْتَرقَا.
وَسَار سَالم حَتَّى قدم على أَخِيه فِي الْكُوفَة فَمَكثَ غير بعيد ثمَّ لحق بقَوْمه بالبادية ثمَّ ورد الْمَدِينَة ثمَّ خرج مِنْهَا فلقي زميلاً عشَاء وزميل دَاخل الْمَدِينَة فَكَلمهُ وناداه وَقَالَ. . أَلا تحل يَمِينك ثمَّ انْطلق وَاتبعهُ زميل وغشيه بِالسَّيْفِ فَدفع الرَّاحِلَة وأدركه زميل فَضَربهُ فَأصَاب مؤخرة الرحل وحذا عضده ذُبَاب السَّيْف حذْيَة أوضحت وَرجع إِلَى الْمَدِينَة يتداوى بهَا.
فزعموا أَن بسرة بنت عُيَيْنَة بن أَسمَاء وَيُقَال إِنَّهَا بنت مَنْظُور بن زبان وَكَانَت تَحت عُثْمَان بن عَفَّان دست إِلَى الطَّبِيب سما فِي دوائه فَمَاتَ وَقَالَ قبل مَوته:
(أبلغ أَبَا سالمٍ عني مغلغلةً ... فَلَا تكونن أدنى الْقَوْم للعار)
(لَا تأخذن مائَة مِنْهُم مُجَللَة ... وَاضْرِبْ بسيفك مَنْظُور بن سيار)
стр. 618
)
وَقَالَ النَّاس لما قتل: قد محوا عَن أنفسهم. وَفِي ذَلِك يَقُول الْكُمَيْت بن مَعْرُوف:
(فَلَا تكثروا فِيهَا الضجاج فَإِنَّهُ ... محا السَّيْف مَا قَالَ ابْن دارة أجمعا)
انْتهى مَا أوردهُ التبريزي.
وَقَالَ مُحَمَّد بن حبيب فِي كتاب المغتالين من الْأَشْرَاف فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام: إِن سَالم بن دارة هجا زميل بن أبير وَهُوَ ابْن أم دِينَار فَقَالَ فِي قصيدة لَهُ طَوِيلَة:
(آلى ابْن دارة جهداً لَا يصالحكم ... حَتَّى ينيك زميل أم دِينَار)
وَحكى الْحِكَايَة كَمَا ذكرت. إِلَى أَن قَالَ: ثمَّ إِن زميلاً قدم الْمَدِينَة فَقضى حَوَائِجه حَتَّى إِذا صدر عَن الشقرة سمع رجلا يتَغَنَّى بِشعر فَعرف زميل صَوت سَالم فَأقبل إِلَيْهِ فَضَربهُ ضربتين وعقر بعيره. فَحمل سَالم إِلَى عُثْمَان بن عَفَّان فَدفعهُ إِلَى طَبِيب نَصْرَانِيّ حَتَّى إِذا برأَ والتأمت كلومه دخل النَّصْرَانِي وَإِذا سَالم يشامع امْرَأَته فاحتنقها عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ النَّصْرَانِي: إِنِّي لأرى عظما ناتئاً فَهَل لَك أَن أجعَل عَلَيْهِ دَوَاء حَتَّى يسْقط قَالَ: نعم فافعل. فسمه فَمَاتَ. وَيُقَال: إِن أم الْبَنِينَ بنت عُيَيْنَة بن حصن الْفَزارِيّ وَكَانَت عِنْد عُثْمَان بن عَفَّان جعلت للطبيب جعلا حَتَّى سمه فَمَاتَ.
стр. 619
وافتخر زميل بقتْله وَقَالَ:
(أَنا زميل قَاتل ابْن دارة ... وغاسل المخزاة عَن فَزَارَة)
وَأنْشد بعده وَهُوَ
الشَّاهِد السَّادِس بعد الْمِائَة
(سَلام الله يَا مطر عَلَيْهَا ... وَلَيْسَ عَلَيْك يَا مطر السَّلَام)
على أَنه إِذا اضْطر إِلَى تَنْوِين المنادى المضموم اقْتصر على الْقدر الْمُضْطَر إِلَيْهِ من التَّنْوِين.
وَالْقدر الْمُضْطَر إِلَيْهِ هُوَ النُّون الساكنة فألحقت وأبقيت حَرَكَة مَا قبلهَا على حَالهَا إِذْ لَا ضَرُورَة إِلَى تغيرها فَإِنَّهَا تنْدَفع بِزِيَادَة النُّون.
وَهَذَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ والخليل والمازني. قَالَ النّحاس والأخفش الْمُجَاشِعِي فِي المعاياة: وحجتهم أَنه بِمَنْزِلَة مَرْفُوع مَا لَا ينْصَرف فَلحقه التَّنْوِين على لَفظه.
وَاخْتَارَ الزجاجي فِي أَمَالِيهِ هَذَا الْمَذْهَب لكنه رد هَذِه الْحجَّة فَقَالَ: الِاسْم الْعلم المنادى الْمُفْرد مَبْنِيّ على الضَّم لمضارعته عِنْد الْخَلِيل وَأَصْحَابه للأصوات وَعند غَيره لوُقُوعه موقع الضَّمِير فَإِذا لحقه فِي ضَرُورَة الشّعْر فالعلة الَّتِي من أجلهَا بني قائمةٌ بعد فِيهِ فينون على لَفظه لأَنا قد رَأينَا من المبنيات مَا هُوَ منون نَحْو إيهٍ وغاقٍ وَمَا أشبه ذَلِك. وَلَيْسَ بِمَنْزِلَة مَا لَا ينْصَرف لِأَن مَا لَا ينْصَرف أَصله الصّرْف وَكثير من الْعَرَب من لَا يمْتَنع من صرف شَيْء فِي ضَرُورَة وَلَا غَيرهَا إِلَّا أفعل مِنْك فَإِذا
стр. 620
نون فَإِنَّمَا يرد إِلَى أَصله والمفرد المنادى الْعلم لم ينْطق بِهِ مَنْصُوبًا منوناً قطّ فِي
غير ضَرُورَة شعر. فَهَذَا بَين وَاضح.
وَتَبعهُ اللَّخْمِيّ فِي أَبْيَات الْجمل وَنقل هَذَا الْكَلَام بِعَيْنِه.
قَالَ النّحاس: وَحكى سِيبَوَيْهٍ عَن عِيسَى بن عمر يَا مَطَرا بِالنّصب وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْأَخْفَش فِي المعاياة وَقَالَ: نصب مَطَرا لِأَنَّهُ نكرَة. وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء. قَالَ الْمبرد: أما أَبُو عمر وَعِيسَى وَيُونُس والجرمي فيختارون النصب وحجتهم أَنهم ردُّوهُ إِلَى الأَصْل لِأَن أصل النداء النصب كَمَا ترده الْإِضَافَة إِلَى النصب قَالَ: وَهُوَ عِنْدِي أحسن لرده التَّنْوِين إِلَى أَصله كَمَا فِي النكرَة.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة للأحوص الْأنْصَارِيّ وَبعده:
(فَلَا غفر الْإِلَه لمنكحيها ... ذنوبهم وَإِن صلوا وصاموا)
(كَأَن المالكين نِكَاح سلمى ... غَدَاة نِكَاحهَا مطرٌ نيام)
(فَلَو لم ينكحوا إِلَّا كفيئاً ... لَكَانَ كفيئها الْملك الْهمام)
(فَإِن يكن النِّكَاح أحل شيءٍ ... فَإِن نِكَاحهَا مَطَرا حرَام)
(فَطلقهَا فلست لَهَا بكفءٍ ... وَإِلَّا يعل مفرقك الحسام))
فِي الأغاني بِسَنَدِهِ إِلَى مُحَمَّد بن ثَابت بن إِبْرَاهِيم بن خَلاد الْأنْصَارِيّ قَالَ: قدم الْأَحْوَص الْبَصْرَة فَخَطب إِلَى رجل من بني تَمِيم ابْنَته وَذكر لَهُ نسبه فَقَالَ:
هَات لي شَاهدا يشْهد أَنَّك ابْن حمي الدبر وأزوجك. فَجَاءَهُ بِمن شهد لَهُ على ذَلِك. فَزَوجهُ إِيَّاهَا وشرطت عَلَيْهِ أَن لَا يمْنَعهَا من أحد من أَهلهَا. فَخرج بهَا إِلَى الْمَدِينَة وَكَانَت أُخْتهَا عِنْد رجل من بني تَمِيم قَرِيبا من طريقهم فَقَالَت لَهُ: اعْدِلْ بِي إِلَى أُخْتِي. فَفعل فذبحت لَهُم وأكرمتهم
стр. 621
وَكَانَت من أحسن النَّاس وَكَانَ زَوجهَا فِي إبِله فَقَالَت زَوْجَة الْأَحْوَص لَهُ أقِم حَتَّى يَأْتِي. فَلَمَّا أَمْسوا رَاجع إبِله ورعاة غنمه فراح من ذَلِك شَيْء كثير وَكَانَ يُسمى مَطَرا. فَلَمَّا رَآهُ الْأَحْوَص ازدراه واقتحمته عينه وَكَانَ شَيخا دميماً فَقَالَت لَهُ زَوجته: قُم إِلَى سلفك فَسلم عَلَيْهِ.
فَقَالَ الْأَحْوَص وَأَشَارَ إِلَى أُخْت زَوجته بإصبعه: سَلام الله يَا مطر عَلَيْهَا ... ... ... . الأبيات وَأَشَارَ إِلَى مطر بإصبعه فَوَثَبَ إِلَيْهِ مطر وَبَنوهُ وَكَاد الْأَمر يَتَفَاقَم حَتَّى حجز بَينهم. انْتهى.
وَقَالَ الزجاجي فِي أَمَالِيهِ الْوُسْطَى وَتَبعهُ اللَّخْمِيّ: كَانَ الْأَحْوَص يهوى أُخْت امْرَأَته ويكتم ذَلِك وينسب فِيهَا وَلَا يفصح فَتَزَوجهَا مطر فغلبه الْأَمر وَقَالَ هَذَا الشّعْر.
وَبَعْضهمْ لما لم يقف على منشأ الشّعْر قَالَ: مطر اسْم رجل وَكَانَ دميماً أقبح النَّاس وَكَانَت امْرَأَته من أجمل النِّسَاء وأحسنهن وَكَانَت تُرِيدُ فِرَاقه وَلَا يرضى مطر بذلك فَأَنْشد الْأَحْوَص هَذِه القصيدة يصف فِيهَا أحوالهما. هَذَا كَلَامه.
وَقَوله غَدَاة نِكَاحهَا الْغَدَاة الضحوة وَأَرَادَ مُطلق الْوَقْت. ونكاحها: مصدر مُضَاف لمفعوله ومطر: فَاعل الْمصدر وَهُوَ هُنَا بِمَعْنى التَّزَوُّج وَالْعقد فِي الْمَوْضِعَيْنِ ونيام: خبر كَأَن وروى
стр. 622
غَدَاة يعرهم مطرٌ نيام مضارع عرهم من بَاب قتل عرة بِالضَّمِّ وَهُوَ الفضيحة والقذر والجرب يُقَال: فلَان عرة كَمَا يُقَال: قذر للْمُبَالَغَة.
وَقَوله: فَلَو لم ينكحوا: هُوَ مضارع أنكحت الرجل الْمَرْأَة فَهُوَ مُتَعَدٍّ لمفعولين بِالْهَمْزَةِ وَالْمَفْعُول الأول ضمير سلمى مَحْذُوف والكفيء على وزن فعيل بِمَعْنى الْكُفْء والمماثل وَيُقَال: الكفوء أَيْضا على وزن فعول.
وَقَوله: أحل شَيْء هُوَ مَنْصُوب خبر يكن وَهُوَ أفعل تَفْضِيل من الْحَلَال ضد الْحَرَام وروى)
الزجاجي أحل شَيْئا بِنصب شَيْء فَيكون أحل فعلا مَاضِيا وَقَوله: فَإِن نِكَاحهَا مَطَرا يرْوى بِرَفْع مطر ونصبه وجره: فالرفع على أَنه فَاعل الْمصدر وَهُوَ نِكَاحهَا فَيكون مُضَافا إِلَى مَفْعُوله وَالنّصب على أَنه مفعول الْمصدر فَيكون مُضَافا إِلَى فَاعله والجر على أَنه مُضَاف إِلَيْهِ وَوَقع الْفَصْل بَين المتضايفين بضمير الْفَاعِل أَو الْمَفْعُول. وَقد أورد ابْن هِشَام هَذَا الْبَيْت فِي شرح الألفية شَاهدا لهَذَا.
وَقَوله: وَإِلَّا يعل مفرقك أَي: وَإِن لم تطلقها. وَهَذَا الْبَيْت شَاهد للنحاة فِي اطراد حذف الشَّرْط فِي مثله. والمفرق بِفَتْح الْمِيم وَكسر الرَّاء: الْموضع الَّذِي ينفرق فِيهِ الشّعْر من الرَّأْس وَأَرَادَ وترجمة الْأَحْوَص تقدّمت فِي الشَّاهِد الْخَامِس والثمانين.
стр. 623
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّابِع بعد الْمِائَة يَا للكهول وللشبان للعجب على أَن لَام المستغاث إِن عطفت بِغَيْر يَا كسرت فلام للشبان مَكْسُورَة
وَالْقِيَاس فتحهَا وَجَاز الْكسر لعدم اللّبْس.
وَهَذَا عجز وصدره: يبكيك ناءٍ بعيد الدَّار مغترب يُقَال بكيته: بِمَعْنى بَكت عَلَيْهِ. وَالنَّسَائِيّ: أَرَادَ بِهِ بعيد النّسَب. وبعيد الدَّار وصف ناءٍ وَلَا تضر الْإِضَافَة إِلَى الْمعرفَة لِأَنَّهَا فِي نِيَّة الِانْفِصَال لِأَن الدَّار فَاعله فِي الْمَعْنى.
يَقُول: يبكي عَلَيْك الْغَرِيب وَيسر بموتك الْقَرِيب وَهُوَ أحد الْأَعَاجِيب.
والكهول: جمع كهل. والشبان: جمع شَاب وَقَالَ ابْن حبيب: زمَان الغلومية سبع عشرَة سنة مُنْذُ يُولد إِلَى أَن يستكملها ثمَّ زمَان الشبابية سبع عشرَة سنة إِلَى أَن يستكمل أَرْبعا وَثَلَاثِينَ ثمَّ هُوَ كهل سبع عشرَة سنة إِلَى أَن يستكمل إِحْدَى وَخمسين سنة ثمَّ هُوَ شيخ إِلَى أَن يَمُوت.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
الشَّاهِد الثَّامِن بعد الْمِائَة وَهُوَ من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ: يَا لعطافنا وَيَا لرياح على أَن اللَّام فِي الْمَعْطُوف فتحت كَلَام الْمَعْطُوف عَلَيْهِ لإعادة يَا. وَبعده:
стр. 624
وَأبي الحشرج الْفَتى النفاح فأبي الحشرج مَعْطُوف على يَا لعطفنا. وعطاف ورياح وَأَبُو الحشرج: أَعْلَام رجال. والنفاح: الْكثير النفح أَي: الْعَطِيَّة.
وَقَبله:
(يَا لقومي من للعلا والمساعي ... يَا لقومي من للندى والسماح)
المساعي: جمع مسعاة فِي الْكَرم والجود.
رثى هَذَا الشَّاعِر رجلا من قومه وَقَالَ: لم يبْقى للعلا والمساعي من يقوم بهَا بعدهمْ.
وَهَذَا من الشواهد الْخمسين الَّتِي لم يعرف لَهَا قَائِل.
وَأنْشد بعده وَهُوَ فيا لله من ألم الْفِرَاق على أَن المستغاث لَهُ قد يجر بِمن كَمَا يجر بِاللَّامِ.
قَالَ الدماميني فِي شرح التسهيل: وَاعْلَم أَن قَوْلنَا المستغاث من أَجله أَعم من أَن يُرَاد الْمُسْتَنْصر لَهُ والمستنصر عَلَيْهِ إِذْ كل مِنْهُمَا وَقعت الاستغاثة بِهِ لأَجله أَي: بِسَبَبِهِ فَإِذا كَانَ المستغاث من أَجله من النَّوْع الأول لَا يجوز جَرّه بِمن الْبَتَّةَ بل يجر بِاللَّامِ وَإِذا كَانَ من النَّوْع الثَّانِي جَازَ الْوَجْهَانِ فَإِن جر بِمن وَجب تَعْلِيقهَا بِفعل التخليص أَو الْإِنْصَاف وَإِن جر بِاللَّامِ فَهِيَ للتَّعْلِيل وتتعلق بِالْفِعْلِ أَو الِاسْم.
وَهَذَا المصراع من شعر لِعبيد الله بن الْحر الْجعْفِيّ رثى بِهِ الْحُسَيْن بن عَليّ ﵄.
وأوله: ...
стр. 625
(يَا لَك حسرةً مَا دمت حَيا ... تردد بَين حلقي والتراقي)
(حُسَيْنًا حِين يطْلب بذل نصري ... على أهل الْعَدَاوَة والشقاق)
(وَلَو أَنِّي أواسيه بنفسي ... لَنِلْت كَرَامَة يَوْم التلاقي))
(مَعَ ابْن الْمُصْطَفى نَفسِي فدَاه ... فيا لله من ألم الْفِرَاق)
(غَدَاة يَقُول لي بِالْقصرِ قولا: ... أتتركنا وتزمع بانطلاق)
(فقد فَازَ الألى نصروا حُسَيْنًا ... وخاب الْآخرُونَ أولو النِّفَاق)
قَوْله: يالك حسرة هَذَا مخروم والخرم: إِسْقَاط أول الوتد. لَك بِكَسْر الْكَاف: ضمير مُفَسّر لقَوْله حسرةً. وتردد: مضارع مَحْذُوف من أَوله
التَّاء. وحُسَيْنًا مَنْصُوب باذكر محذوفاً.
وَقَوله: فيا لله من ألم الْفِرَاق روى بدله: فولى ثمَّ ودع بالفراق وَعَلِيهِ فَلَا شَاهد فِيهِ.
قَالَ أَبُو سعيد السكرِي فِي كتاب اللُّصُوص بِسَنَدِهِ إِلَى أبي مخنف لوط بن يحيى بن سعيد الْأَزْدِيّ قَالَ: كَانَ من حَدِيث عبيد الله بن الْحر: أَنه كَانَ شهد الْقَادِسِيَّة مَعَ خاليه: زُهَيْر ومرثد: ابْني قيس بن مشجعَة. وَكَانَ شجاعاً لَا يُعْطي الْأُمَرَاء طَاعَة ثمَّ صَار مَعَ مُعَاوِيَة فَكَانَ يُكرمهُ وَكَانَ ينتاب عبيد الله أَصْحَاب لَهُ فَبلغ ذَلِك مُعَاوِيَة فَبعث إِلَيْهِ فَدَعَاهُ فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ قَالَ: يَا ابْن الْحر مَا هَذِه
стр. 626
الْجَمَاعَة الَّتِي بَلغنِي أَنَّهَا ببابك قَالَ: أُولَئِكَ بطانتي أقيهم وأتقي بهم إِن نَاب جور أَمِير. فَقَالَ مُعَاوِيَة: لَعَلَّك يَا ابْن الْحر قد تطلعت نَفسك نَحْو بلادك وَنَحْو عَليّ بن أبي طَالب قَالَ عبيد الله: إِن زعمت أَن نَفسِي تطلع إِلَى بلادي وَإِلَى عَليّ إِنِّي لجدير بِذَاكَ وَإنَّهُ لقبيح بِي الْإِقَامَة مَعَك وتركي بلادي. فَأَما مَا ذكرت من عَليّ فَإنَّك تعلم أَنَّك على الْبَاطِل.
فَقَالَ لَهُ عَمْرو بن الْعَاصِ: كذبت يَا ابْن الْحر وأثمت فَقَالَ عبيد الله: بل أَنْت أكذب مني ثمَّ خرج عبيد الله مغضباً وارتحل إِلَى الْكُوفَة فِي خمسين فَارِسًا وَسَار يَوْمه ذَلِك حَتَّى إِذا أَمْسَى بلغ مسالح مُعَاوِيَة فَمنع من السّير فَشد عَلَيْهِم وَقتل مِنْهُم نَفرا وهرب الْبَاقُونَ وَأخذ دوابهم وَمَا احْتَاجَ إِلَيْهِ وَمضى لَا يمر بقرية من قرى الشَّام إِلَّا أغار عَلَيْهَا حَتَّى قدم الْكُوفَة وَكَانَت لَهُ امْرَأَة بِالْكُوفَةِ وَكَانَ
أَخذهَا أَهلهَا فزوجوها من عِكْرِمَة فَولدت لَهُ جَارِيَة فَقدم عبيد الله فخاصمهم إِلَى عَليّ بن أبي طَالب فَقَالَ لَهُ: يَا ابْن الْحر أَنْت الممالئ علينا عدونا. فَقَالَ ابْن الْحر: أما إِن)
ذَلِك لَو كَانَ لَكَانَ أثري مَعَه بَينا وَمَا كَانَ ذَلِك مِمَّا يخَاف من عدلك. وقاضى الرجل إِلَى عَليّ فَقضى لَهُ بِالْمَرْأَةِ. فَأَقَامَ عبيد الله مَعهَا منقبضاً عَن كل أَمر فِي يَدي عَليّ حَتَّى قتل عَليّ ﵁ وَحَتَّى ولي عبيد الله بن زِيَاد وَهلك مُعَاوِيَة وَولي يزِيد وَكَانَ من أَمر الْحُسَيْن مَا كَانَ.
قَالَ أَبُو مخنف: لما أقبل الْحُسَيْن بن عَليّ رضوَان الله عَلَيْهِمَا فَأتى قصر بني مقَاتل فَلَمَّا قتل عبيد الله بن زِيَاد مُسلم بن عقيل بن أبي طَالب وتحدث أهل الْكُوفَة: أَن الْحُسَيْن يُرِيد الْكُوفَة خرج عبيد الله بن الْحر مِنْهَا متحرجاً من دم الْحُسَيْن وَمن مَعَه من أهل بَيته حَتَّى نزل قصر بني مقَاتل وَمَعَهُ خيل مضمرة وَمَعَهُ نَاس من أَصْحَابه. فَلَمَّا قدم الْحُسَيْن
стр. 627
رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قصر بني مقَاتل وَنزل رأى فسطاطاً مَضْرُوبا فَقَالَ: لمن هَذَا الْفسْطَاط فَقيل: لِعبيد الله بن الْحر الْجعْفِيّ وَمَعَ الْحُسَيْن يَوْمئِذٍ الْحجَّاج بن مَسْرُوق وَزيد بن معقل الجعفيان. فَبعث إِلَيْهِ الْحُسَيْن الْحجَّاج بن مَسْرُوق فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ لَهُ: يَا ابْن الْحر أجب الْحُسَيْن بن عَليّ. فَقَالَ لَهُ ابْن الْحر: أبلغ الْحُسَيْن: أَنه إِنَّمَا دَعَاني إِلَى الْخُرُوج من الْكُوفَة حِين بَلغنِي أَنَّك تريدها فرارٌ من دمك وَدِمَاء أهل بَيْتك وَلِئَلَّا أعين عَلَيْك وَقلت إِن قَاتلته كَانَ عَليّ كَبِيرا وَعند الله عَظِيما وَإِن قَاتَلت مَعَه وَلم أقتل بَين يَدَيْهِ كنت قد ضيعت قَتله وَأَنا رجل أحمى أنفًا من أَن أمكن عدوي فَيَقْتُلنِي ضَيْعَة وَالْحُسَيْن لَيْسَ لَهُ نَاصِر بِالْكُوفَةِ وَلَا شيعةٌ يُقَاتل بهم. فأبلغ الْحجَّاج الْحُسَيْن قَول عبيد الله فَعظم عَلَيْهِ فَدَعَاهُ بنعليه ثمَّ أقبل يمشي حَتَّى دخل على عبيد الله بن الْحر الْفسْطَاط فأوسع لَهُ عَن صدر مَجْلِسه وَقَامَ إِلَيْهِ حَتَّى أجلسه.
فَلَمَّا جلس قَالَ يزِيد بن مرّة: فَحَدثني عبيد الله بن الْحر قَالَ: دخل عَليّ الْحُسَيْن ﵁ ولحيته كَأَنَّهَا جنَاح غراب وَمَا رَأَيْت أحدا قطّ أحسن وَلَا أملأ للعين من الْحُسَيْن وَلَا رققت على أحد قطّ رقتي عَلَيْهِ حِين رَأَيْته يمشي وَالصبيان حوله فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْن: مَا يمنعك يَا ابْن الْحر أَن تخرج معي قَالَ ابْن الْحر: لَو كنت كَائِنا من أحد الْفَرِيقَيْنِ لَكُنْت مَعَك ثمَّ كنت من أَشد أَصْحَابك على عَدوك
فَأَنا أحب أَن تعفيني من الْخُرُوج مَعَك وَلَكِن هَذِه خيل لي معدة وأدلاء من أَصْحَابِي وَهَذِه فرسي المحلقة فاركبها فو الله مَا طلبت عَلَيْهَا شَيْئا قطّ إِلَّا أَدْرَكته وَلَا طلبني أحدٌ إِلَّا فته فاركبها حَتَّى تلْحق بمأمنك وَأَنا لَك بالعيالات حَتَّى أؤديهم إِلَيْك أَو أَمُوت وأصحابي عَن آخِرهم وَأَنا كَمَا تعلم إِذا دخلت فِي أَمر لم يضمني فِيهِ أحد. قَالَ الْحُسَيْن: أفهذه نصيحة لنا مِنْك يَا ابْن الْحر قَالَ: نعم وَالله الَّذِي لَا فَوْقه
стр. 628
شَيْء فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْن: إِنِّي سأنصح)
لَك كَمَا نصحت لي إِن اسْتَطَعْت أَن لَا تسمع صراخنا وَلَا تشهد وقعتنا فافعل فو الله لَا يسمع داعيتنا أحدٌ لَا ينصرنا إِلَّا أكبه الله فِي نَار جَهَنَّم ثمَّ خرج الْحُسَيْن من عِنْده وَعَلِيهِ جُبَّة خَز وكساءٌ وقلنسوة موردة قَالَ: ثمَّ أعدت النّظر إِلَى لحيته فَقلت: أسوادٌ مَا أرى أم خضاب قَالَ: يَا ابْن الْحر عجل على الشيب. فَعرفت أَنه خضاب وَخرج عبيد الله بن الْحر حَتَّى أَتَى منزله على شاطئ الْفُرَات فنزله. وَخرج الْحُسَيْن ﵁ فأصيب بكربلاء وَمن مَعَه وَأَقْبل ابْن الْحر بعد ذَلِك فَمر بهم فَلَمَّا وقف عَلَيْهِم بَكَى.
ثمَّ أقبل حَتَّى دخل الْكُوفَة فَدخل على عبيد الله بن زِيَاد بعد ثالثةٍ وَكَانَ أَشْرَاف النَّاس يدْخلُونَ عَلَيْهِ ويتفقدهم فَلَمَّا رأى ابْن الْحر قَالَ لَهُ: أَيْن كنت قَالَ كنت مَرِيضا. قَالَ: مَرِيض الْقلب أم مَرِيض الْجَسَد قَالَ: أما قلبِي فَلم يمرض قطّ وَأما جَسَدِي فقد من الله تَعَالَى عَليّ بالعافية. قَالَ: قد أبطلت وَلَكِنَّك كنت مَعَ عدونا. قَالَ: لَو كنت مَعَ عَدوك لم يخف مَكَاني.
قَالَ: أما مَعنا فَلم تكن قَالَ: لقد كَانَ ذَاك. ثمَّ استغفل ابْن زِيَاد وَالنَّاس عِنْده فانسل مِنْهُ ثمَّ خرج فَنزل الْمَدَائِن وَقَالَ: لَئِن اسْتَطَعْت أَن لَا أرى لَهُ وَجها لَأَفْعَلَنَّ ورثى الْحُسَيْن وَأَصْحَابه الَّذين قتلوا مَعَه بالشعر الْمُتَقَدّم وَبِقَوْلِهِ:
(يَقُول أميرٌ غادرٌ حق غادرٍ: ... أَلا كنت قَاتَلت الشَّهِيد ابْن فَاطِمَة)
...
стр. 629
(وَنَفْسِي على خذلانه واعتزاله ... وبيعة هَذَا الناكث الْعَهْد لائمة)
(فواندمي أَن لَا أكون نصرته ... أَلا كل نفسٍ لَا تسدد نادمه)
(وَإِنِّي لِأَنِّي لم أكن من حماته ... لذُو حسرة مَا إِن تفارق لَازمه)
(سقى الله أَرْوَاح الَّذين تآزرو ... على نَصره سقيا من الْغَيْث دائمه)
(وقفت على أجداثهم ومجالهم ... فكاد الحشا ينْقض وَالْعين ساجمه)
(لعمري لقد كَانُوا مصاليت فِي الوغى ... سرَاعًا إِلَى الهيجا حماةً ضبارمه)
(تآسوا على نصر ابْن بنت نَبِيّهم ... بِأَسْيَافِهِمْ آساد غيل ضراغمه)
(وَمَا إِن رأى الراؤون أَصْبِر مِنْهُم ... لَدَى الْمَوْت ساداتٍ وزهراً قماقمة)
(أتقتلهم ظلما وترجو ودادنا ... فدع خطةً لَيست لنا بملائمه)
(لعمري لقد راغمتمونا بِقَتْلِهِم ... فكم ناقمٍ منا عَلَيْكُم وناقمه))
(أهم مرَارًا أَن أَسِير بجحفلٍ ... إِلَى فئةٍ زاغت عَن الْحق ظالمه)
(فكفوا وَإِلَّا زرتكم فِي كتائب ... أَشد عَلَيْكُم من زحوف الديالمه)
ثمَّ إِن ابْن الْحر لم يزل يشغب بِابْن زِيَاد وبالمختار وبمصعب بن الزبير. وَجَرت بَينه وَبَين مُصعب محاربات عديدة. ثمَّ سَار إِلَى عبد الْملك بن مَرْوَان
стр. 630
وَقَالَ لَهُ: إِنَّمَا أَتَيْتُك لتوجه معي جنداً لقِتَال مُصعب بن الزبير. فَأكْرمه عبد الْملك وَأَعْطَاهُ أَمْوَالًا
وَقَالَ لَهُ: سر فَإِنِّي أقطع الْبعُوث وأمدك بِمِائَة ألف. فَسَار ابْن الْحر حَتَّى نزل بِجَانِب الأنبار واستأذنه أَصْحَابه فِي دُخُول الْكُوفَة. وَبلغ ذَلِك عبيد الله بن الْعَبَّاس السّلمِيّ فاغتنم الفرصة فَسَأَلَ الْحَارِث بن عبد الله. وَكَانَ خَليفَة مُصعب على الْكُوفَة وَأخْبرهُ بتفرق أَصْحَابه عَنهُ.
فَبَعثه فِي مائَة فَارس من قيس واستمد خَمْسمِائَة فَارس مِنْهُم أَيْضا وَسَار حَتَّى لقوه وَهُوَ فِي عشرَة من أَصْحَابه. فأشاروا عَلَيْهِ بالذهاب فَأبى وَقَاتلهمْ حَتَّى فَشَتْ فِي أَصْحَابه الْجِرَاحَات فَأذن لَهُم فِي الذّهاب وَقَاتلهمْ على الجسر فَقتل مِنْهُم رجَالًا كَثِيرَة حَتَّى انْتهى إِلَى الْمعبر فدخله. فَقَالُوا: لنبطي: هَذَا الرجل بغية أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِن فاتكم قتلناكم. فَوَثَبَ إِلَيْهِ نبطي قوي فَقبض على عضدي ابْن الْحر وجراحاته تشخب وضربه الْآخرُونَ بالمجاذيف. فَلَمَّا رأى ابْن الْحر أَن الْمعبر قد قرب إِلَى القيسية قبض على الَّذِي قبض عَلَيْهِ فعالجه حَتَّى سقطا فِي المَاء لَا يُفَارِقهُ حَتَّى غرقا جَمِيعًا وَسمع شيخ يُنَادي وينتف لحيته وَيَقُول: يَا بختيار يَا بختيار فَقيل لَهُ: مَالك ياشيخ قَالَ: كَانَ ابْني بختيار يقتل الْأسد وَكَانَ يخرج هَذَا الْمعبر من المَاء فيقره ثمَّ يُعِيدهُ وَحده حَتَّى ابْتُلِيَ بِهَذَا الشَّيْطَان الَّذِي دخل السَّفِينَة فَلم يملكهُ من أمره شَيْئا حَتَّى قذف بِهِ فِي المَاء فغرقا جَمِيعًا فَجعلُوا يسكنونه وَهُوَ يَقُول: مَا كَانَ ليغرق ابْني إِلَّا شَيْطَان فَلَمَّا انْتهى الْخَبَر إِلَى عبد الْملك جزع عَلَيْهِ جزعاً شَدِيدا وَنَدم على بَعثه إِيَّاه. وَتمنى أَن يكون بعث مَعَه الجيوش.
وَقد فصل السكرِي وقائعه وحروبه وَجمع أشعاره فِي كتاب اللُّصُوص بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ.
стр. 631
وَأنْشد بعده وَهُوَ
الشَّاهِد الْعَاشِر بعد الْمِائَة وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(يَا لبكرٍ أنشروا لي كليباً ... يَا لبكرٍ أَيْن أَيْن الْفِرَار)
وَهَذَا الْمَعْنى هُوَ الْجيد ومأخذه من هَذَا الْبَيْت وَاضح لَا خَفَاء بِهِ وَلَا معنى للاستغاثة فِيهِ كَمَا حَقَّقَهُ الشَّارِح.
وَفِيه مُخَالفَة لسيبويه فِي جعلهَا للاستغاثة.
وَحملهَا النّحاس على الِاسْتِهْزَاء فَقَالَ: إِنَّمَا يَدعُوهُم ليهزأ بهم أَلا ترَاهُ قَالَ: أنشروا لي كليباً.
وَقَالَ الأعلم: والمستغاث من أَجله فِي الْبَيْت هُوَ المستغاث بِهِ وَالْمعْنَى: يَا لبكر أدعوكم لأنفسكم مطالباً لكم فِي إنشار كُلَيْب وإحيائه وَهَذَا مِنْهُ استطالة ووعيد وَكَانُوا قد قتلوا كليباً أَخَاهُ فِي أَمر البسوس.
وَكَأن الشَّارِح انتزع مَا قَالَه من هُنَا. وَالله أعلم.
وَهَذَا الْبَيْت لمهلهل: أخي كُلَيْب أول أَبْيَات ثَلَاثَة قَالَهَا بعد أَن أَخذ بثأر أَخِيه كُلَيْب ثَانِيهمَا:
стр. 632
(تِلْكَ شيبانٌ تَقول لبكرٍ: ... صرح الشَّرّ وباح الشرار)
(وَبَنُو عجلٍ تَقول لقيسٍ ... ولتيم الله: سِيرُوا. فَسَارُوا)
وَقَوله: أنشروا بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الشين يُقَال: أنشر الله الْمَيِّت: إِذا أَحْيَاهُ وَيَتَعَدَّى بِدُونِ الْهمزَة أَيْضا فَإِن نشر من بَاب قعد جَاءَ لَازِما نَحْو: نشر الْمَوْتَى: أَي: حيوا ومتعدياً نَحْو نشرهم الله. وصرح الشَّيْء بِالضَّمِّ صَرَاحَة وصروحة: خلص من تعلقات غَيره. وباح الشَّيْء يبوح من بَاب قَالَ: ظهر. والشرار: مَا تطاير من النَّار الْوَاحِدَة شرارة.
стр. 633
ومهلهل قَالَ الْآمِدِيّ: اسْمه امْرُؤ الْقَيْس بن ربيعَة بن الْحَارِث بن زُهَيْر ابْن جشم بن بكر بن حبيب بن عَمْرو بن غنم بن تغلب وَهُوَ مهلهل الشَّاعِر الْمَشْهُور. وَيُقَال اسْمه عدي.
وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: مهلهل بن ربيعَة هُوَ عدي بن ربيعَة. وَسمي مهلهلاً لِأَنَّهُ هلهل الشّعْر أَي: أرقه وَيُقَال: إِنَّه أول من قصد القصيد قَالَ الفرزدق:
ومهلهل الشُّعَرَاء ذَاك الأول وَهُوَ خَال امْرِئ الْقَيْس بن حجر صَاحب الْمُعَلقَة. انْتهى.)
وَالصَّحِيح هَذَا. وَيدل لَهُ أَنه ذكر اسْمه فِي شعره. فَقَالَ:
стр. 634
ضربت صدرها إِلَيّ وَقَالَت: يَا عدي لقد وقتك الأواقي وَلم يقل أحدٌ قبله عشرَة أَبْيَات. وَقَالَ الْغَزل وعني بالنسيب فِي شعره. وَيُقَال سمي مهلهلاً بقوله: هلهلت أثأر مَالِكًا أَو صنبلا قَالَ ابْن سَلام: زعمت الْعَرَب أَنه كَانَ يتكثر وَيَدعِي فِي قَوْله بِأَكْثَرَ من فعله. وَكَانَ شعراء الْجَاهِلِيَّة فِي ربيعَة أَوَّلهمْ المهلهل والمرقشان وَسعد بن مَالك.
والمهلهل: أَخُو كُلَيْب الَّذِي هاج بمقتله حَرْب البسوس وَهِي
حَرْب بكر وتغلب ابْني وَائِل.
وَكَانَ من خَبَرهَا مَا حَكَاهُ ابْن عبد ربه فِي العقد الفريد والأصبهاني فِي الأغاني. وَقد تدَاخل كَلَام كل مِنْهُمَا فِي كَلَام الآخر.
قَالَ أَبُو الْمُنْذر هِشَام بن مُحَمَّد بن السَّائِب: مَا اجْتمعت معد كلهَا إِلَّا على ثَلَاثَة رَهْط من رُؤَسَاء الْعَرَب وَهُوَ عَامر وَرَبِيعَة وكليب. فَالْأول عَامر بن الظرب ابْن عَمْرو بن بكر بن يشْكر بن الْحَارِث. وَهُوَ قَائِد معد يَوْم
стр. 635
الْبَيْدَاء حِين تمذجحت مذجح وسارت إِلَى تهَامَة وَهِي أول وقْعَة كَانَت بَين تهَامَة واليمن.
وَالثَّانِي: ربيعَة بن الْحَارِث بن مرّة بن زُهَيْر بن جشم بن بكر بن حبيب بن كَعْب وَهُوَ قَائِد معد يَوْم السلان وَهُوَ يَوْم كَانَ بَين أهل تهَامَة واليمن.
وَالثَّالِث: كُلَيْب بن ربيعَة وَهُوَ الَّذِي يُقَال فِيهِ: أعز من كُلَيْب وَائِل وقاد معداً كلهَا يَوْم خزاز ففض جموع الْيمن وَهَزَمَهُمْ فاجتمعت عَلَيْهِ معد كلهَا وَجعلُوا لَهُ قسم الْملك وتاجه وتحيته وطاعته فغبر بذلك حينا من دهره ثمَّ دخله زهوٌ شديدٌ وبغى على قومه حَتَّى بلغ من بغيه أَنه كَانَ يحمي مواقع السَّحَاب فَلَا يرْعَى حماه وَكَانَ يحمي من المرعى مدى صَوت كلب فَيخْتَص بِهِ ويشاركهم فِي غَيره وَيُجِير على الدَّهْر فَلَا تخفر ذمَّته وَيَقُول: وَحش أَرض كَذَا فِي جواري فَلَا يهاج وَلَا يُورد مَعَ إبِله أحد وَلَا توقد نَار مَعَ ناره حَتَّى قَالَت الْعَرَب: أعز من كُلَيْب وَائِل.
وَكَانَت بَنو جشم وَبَنُو شَيبَان فِي دارٍ وَاحِدَة بتهامة وَكَانَ كُلَيْب قد تزوج جليلة بنت مرّة بن ذهل بن شَيبَان وأخوها جساس بن مرّة وَكَانَت لجساس خَالَة تسمى البسوس بنت منقذ التميمية جَاوَرت ابْن أُخْتهَا
следующие страницы →