Полный текст (5 658 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
القَوْل فِي جر الرحل: أَنه مَعْطُوف على مَا دلّ عَلَيْهِ مَا تقدم لِأَن قَوْله: يَا ذَا الضامر العنس يدل على أَنه صَاحب ضامر فَحمل الرحل على مَا دلّ عَلَيْهِ هَذَا الْكَلَام من الصاحب.
ثَالِثهَا: قَالَ بعض النَّحْوِيين: إِن أَصله وَيَا صَاحب الرحل فَحذف صَاحب لدلَالَة قَوْله: يَا صَاح عَلَيْهِ وَبَقِي الْجَرّ على حَاله.
قَالَ أَبُو عَليّ: يرد عَلَيْهِ أَن كَونه صاحباً للمنادى لَا يدل على أَنه صَاحب رَحل كَمَا يدل قَوْله:)
يَا ذَا الضامر العنس على أَن لَهُ عنساً.
رَابِعهَا: قَالَ ابْن الْحَاجِب فِي الْإِيضَاح: إِن سِيبَوَيْهٍ اسْتدلَّ بإنشاد هَذَا المصراع بِانْفِرَادِهِ على مَا رَوَاهُ الثِّقَات مِمَّن لم يعلم تتمته. وَهَذَا مصادمٌ لما نَقله ثعلبٌ والنحاس وَغَيرهمَا من تِلْكَ الْحِكَايَة.
وصَاح: مرخم صَاحب. والضامر: من ضمر الْحَيَوَان وَغَيره من بَاب قعد: دق وَقل لَحْمه. والعنس بِفَتْح الْعين وَسُكُون النُّون: النَّاقة الصلبة الشَّدِيدَة. والرحل قَالَ فِي الْمِصْبَاح: كل شَيْء يعد للرحيل من وعَاء للمتاع ومركب للبعير وحلس ورسن. وَجمعه أرحل ورحال. والأقتاب: جمع قتب بِالتَّحْرِيكِ قَالَ فِي الصِّحَاح: هُوَ رَحل صَغِير على قدر السنام. وروى ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ بدله: والأقتاد وَقَالَ: هُوَ جمع قتد وَهُوَ خشب الرحل. والحلس بِكَسْر الْمُهْملَة: كسَاء يَجْعَل على ظهر الْبَعِير تَحت رَحْله وَالْجمع أحلاس.
وَهَذَا الْبَيْت نسبه بعض شرَّاح أَبْيَات الْكتاب والزمخشري فِي مفصله لخزز بن لوذان السدُوسِي. قَالَ الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني فِي تَرْجَمَة علية بنت الْمهْدي العباسي: خزز: شَاعِر يُقَال: إِنَّه قبل امْرِئ الْقَيْس.
стр. 702
وخزز بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الزَّاي الأولى وَهُوَ فِي الأَصْل ذكر الأرنب. ولوذان بِفَتْح اللَّام وَسُكُون الْوَاو بعْدهَا ذال مُعْجمَة.
وَنسبه الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني لخَالِد بن المُهَاجر وَزَاد بعده بَيْتا وَرَوَاهُ هَكَذَا:
(سير النَّهَار وَلست تَاركه ... وتجد سيراً كلما تمسي)
فعلى هَذَا فالرحل هُنَا بِمَعْنى برذعة الْبَعِير والأنساع: جمع نسعة بِكَسْر النُّون. قَالَ فِي الصِّحَاح: وَهِي الَّتِي تنسج عريضاً للتصدير. والسّير يكون بِالنَّهَارِ وبالليل وَيكون لَازِما كَمَا هُنَا ومتعدياً يُقَال: سرت الْبَعِير وَهُوَ
مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة وَكَذَا النَّهَار. وتَجِد: من الْجد فِي الْأَمر بِمَعْنى الإجتهاد فِيهِ يُقَال جد يجد من بَاب ضرب وَقتل وَالِاسْم الْجد بِالْكَسْرِ. وتمسي: مضارع أَمْسَى الرجل: إِذا دخل فِي الْمسَاء والمساء: خلاف الصَّباح قَالَ ابْن الْقُوطِيَّة: هُوَ مَا بَين الظّهْر إِلَى الْمغرب.
وروى صَاحب الأغاني أَيْضا:
(أما النَّهَار فَلَا تقصره ... دركاً يزيدك كلما تمسي)
وروى أَيْضا:)
стр. 703
(أما النَّهَار فَأَنت تقطعه ... رتكاً وتصبح مثل مَا تمسي)
والدَّرك بِالتَّحْرِيكِ: التبعة يُقَال: مَا لحقك من دَرك فعلي خلاصه قَالَ رؤبة: مَا بَعدنَا من طلب وَلَا دَرك وتسكن راؤه أَيْضا. والرتك بِفَتْح الرَّاء وَالتَّاء تفتح وتسكن: ضرب من سير الْإِبِل فِيهِ اهتزاز وخَالِد قَالَ الْأَصْفَهَانِي: هُوَ ابْن المُهَاجر بن خَالِد بن الْوَلِيد بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم. وَكَانَ المُهَاجر وَالِد خَالِد مَعَ عَليّ ﵇ بصفين وَكَانَ خَالِد على رَأْي أَبِيه هاشمي الْمَذْهَب وَدخل مَعَ بني هَاشم الشّعب فاضطغن ذَلِك ابْن الزبير عَلَيْهِ فَألْقى عَلَيْهِ زق خمر وصب بعضه على رَأسه وشنع عَلَيْهِ بِأَنَّهُ وجده ثملاً من الْخمر فَضَربهُ الْحَد. وَكَانَ عَمه عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن الْوَلِيد مَعَ مُعَاوِيَة فِي صفّين وَلِهَذَا كَانَ بن المُهَاجر أَسْوَأ النَّاس رَأيا فِي عَمه. ثمَّ إِن مُعَاوِيَة لما أَرَادَ أَن يظْهر الْعَهْد ليزِيد قَالَ لأهل الشَّام: إِنِّي قد كَبرت سني ورق جلدي ودق عظمي واقترب أَجلي وَأُرِيد أَن أستخلف عَلَيْكُم فَمن ترَوْنَ فَقَالُوا: عبد الرَّحْمَن بن خَالِد. فَسكت وأضمرها ودس إِلَى ابْن أَثَال الطَّبِيب
فَسَقَاهُ سما فَمَاتَ وَبلغ ابْن أَخِيه خَالِد ابْن المُهَاجر خَبره وَهُوَ بِمَكَّة فَقَالَ لَهُ عُرْوَة ابْن الزبير: أتدع ابْن أَثَال يفني أوصال
стр. 704
عمك بِالشَّام وَأَنت بِمَكَّة مسبلٌ إزارك. تجره وتخطر فِيهِ متخايلاً فحمي خَالِد ودعا مولى لَهُ يدعى نَافِعًا فَأعلمهُ الْخَبَر وَقَالَ لَهُ: لابد من قتل ابْن أَثَال فَخَرَجَا حَتَّى قدما دمشق وَكَانَ ابْن أَثَال يُمْسِي عِنْد مُعَاوِيَة فَجَلَسَ لَهُ فِي مَسْجِد دمشق إِلَى أسطوانة وَجلسَ غُلَامه إِلَى أُخْرَى فَلَمَّا حاذاه وثب إِلَيْهِ خَالِد فَقتله وثار إِلَيْهِ من كَانَ مَعَه فحملا عَلَيْهِم فَتَفَرَّقُوا حَتَّى دخل خَالِد وَنَافِع زقاقاً ضيقا ففاتا الْقَوْم.
وَبلغ مُعَاوِيَة الْخَبَر فَقَالَ: هَذَا خَالِد بن المُهَاجر اقلبوا الزقاق الَّذِي دخل فِيهِ فَأتي بِهِ. فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة: لَا جَزَاك الله من زائرٍ خيرا قتلت طبيبي فَقَالَ خَالِد: قتلت الْمَأْمُور وَبَقِي الْآمِر فَقَالَ: عَلَيْك لعنة الله وَالله لَو كَانَ تشهد مرّة وَاحِدَة لقتلتك بِهِ أَمَعَك نَافِع قَالَ: لَا. قَالَ: بلَى وَالله مَا اجترأت إِلَّا بِهِ. ثمَّ أَمر بِطَلَبِهِ فَأتى بِهِ فَضَربهُ مائَة سَوط وَحبس خَالِدا وألزم بني مَخْزُوم دِيَة ابْن أَثَال اثْنَي عشر ألف دِرْهَم. وَقَالَ خَالِد فِي الْحَبْس:
(إِمَّا خطاي تقاربت ... مشي الْمُقَيد فِي الْحصار)
(فبمَا أَمْشِي فِي الأبا ... طح يقتفي أثري إزَارِي))
(دع ذَا وَلَكِن هَل ترى ... نَارا تشب بِذِي مرار)
(مَا إِن تشب لقرةٍ ... للمصطلين وَلَا قتار)
...
стр. 705
(مَا بَال ليلك لَيْسَ ين ... قصّ طوله طول النَّهَار)
(لتقاصر الْأَزْمَان أم ... غَرَض الْأَسير من الإسار)
وَلما بلغت مُعَاوِيَة هَذِه الأبيات رق لَهُ وَأطْلقهُ. فَرجع إِلَى مَكَّة وَلما لَقِي عُرْوَة
ابْن الزبير قَالَ: أما ابْن أَثَال فقد قتلته وَذَاكَ ابْن جرموز ينعي أوصال الزبير بِالْبَصْرَةِ فاقتله إِن كنت ثائراً.
وَأنْشد بعده وَهُوَ وَهُوَ من شَوَاهِد س: جاريةٌ من قيسٍ ابْن ثَعْلَبَة على أَن تَنْوِين قيسٍ شَاذ لِأَن ابْن وَقع بَين علمين مستجمع الشُّرُوط فَكَانَ الْقيَاس حذف تَنْوِين قيس إِلَّا أَنه نونه لضَرُورَة الشّعْر.
قَالَ ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة: من نونه لزمَه إِثْبَات الْألف فِي ابْن خطا.
وَقَالَ ابْن الْحَاجِب فِي الْإِيضَاح: وَزعم قوم أَن ابْن ثَعْلَبَة بدلٌ وقصده أَن يُخرجهُ عَن الشذوذ وَهُوَ بعيد لِأَن الْمَعْنى على الْوَصْف وَأَيْضًا: فَإِن خرج عَن الشذوذ بِاعْتِبَار التَّنْوِين لم يخرج بِاعْتِبَار اسْتِعْمَال ابْن بَدَلا.
стр. 706
وَمن أُولَئِكَ الْقَوْم ابْن جني قَالَ فِي سر الصِّنَاعَة: إِلَى هَذَا رَأَيْت جَمِيع أَصْحَابنَا يذهبون.
وَالَّذِي أرى أَن الشَّاعِر لم يرد أَن يجْرِي ابْنا وَصفا على مَا قبله وَلَو أَرَادَ لحذف التَّنْوِين وَلَكِن أَرَادَ أَن يجْرِي ابْنا بَدَلا مِمَّا قبله وحينئذٍ لم يَجْعَل مَعَه كالشيء الْوَاحِد فَوَجَبَ أَن يَنْوِي انْفِصَال ابْن مِمَّا قبله وَوَجَب أَن يبتدأ فَاحْتَاجَ
إِذا إِلَى الْألف لِئَلَّا يلْزم الِابْتِدَاء بالساكن.
وعَلى ذَلِك تَقول: كلمت زيدا ابْن بكر كَأَنَّك قلت: كلمت ابْن بكر فكأنك قلت: كلمت زيدا كلمت ابْن بكر لِأَن ذَلِك شَرط الْبَدَل إِذْ الْمُبدل فِي التَّقْدِير من جملَة ثَانِيَة.
(كريمةٌ أخوالها والعصبة ... قبَاء ذَات سرةٍ مقعبة)
(كَأَنَّهَا حقة مسكٍ مذهبَة ... ممكورة الْأَعْلَى رداح الحجبة)
(كَأَنَّهَا حلية سيفٍ مذهبَة ... أَهْوى لَهَا شيخٌ شَدِيد الْعصبَة)
(خاظي البضيع أيره كالخشبة ... فَضربت بالود فَوق الأرنبة))
(ثمَّ انْثَنَتْ بِهِ فويق الرَّقَبَة ... فأعلنت بصوتها: أَن يَا أبه)
كل فتاةٍ بأبيها معجبة وَأَرَادَ بِجَارِيَة: امْرَأَة من الْعَرَب اسْمهَا كلبة كَانَ بَينهمَا مهاجاة وَمن قَوْلهَا فِيهِ:
(ناك أَبُو كلبة أم الْأَغْلَب ... فَهِيَ على جردانه توثب)
توثب الْكَلْب لحس الأرنب
وجَارِيَة خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هَذِه جَارِيَة. ومن قيس صفة لَهَا. وَقيس بن ثَعْلَبَة: قَبيلَة.
стр. 707
وَهَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد مغي اللبيب أَيْضا وَلم يُورِدهُ السُّيُوطِيّ فِي شرحها. والقباء: الضامرة الْبَطن مؤنث الأقب. من القبب وَهُوَ دقة الخصر. والمقعبة: السُّرَّة الَّتِي دخلت فِي الْبَطن وَعلا مَا حولهَا حَتَّى صَار كالقعب وَهُوَ الْقدح المقعر من الْخشب. وَضمير كَأَنَّهَا للسرة. والممكورة: المطوية الْخلق. وَأَرَادَ بالأعلى: الْبَطن والخصر. والرداح بِفَتْح الرَّاء: الْمَرْأَة الثَّقِيلَة الْأَوْرَاك. والحجبة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْجِيم: رَأس الورك. وَضمير كَأَنَّهَا لِلْجَارِيَةِ. وحلية السَّيْف: زينته. ومذهبَة صفة حلية وروى الزَّمَخْشَرِيّ فِي مستقصى الْأَمْثَال: كَأَنَّهَا خلة سيفٍ مذهبَة بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام قَالَ فِي الصِّحَاح: الْخلَّة بِالْكَسْرِ: وَاحِدَة خلل السيوف وَهِي بطائن كَانَت تغشى بهَا أجفان السيوف منقوشة بِالذَّهَب وَغَيره. وأهوى بالشَّيْء: إِذا أَوْمَأ إِلَيْهِ وأهوى إِلَى الشَّيْء بِيَدِهِ: مدها ليأخذه إِذا كَانَ عَن قرب فَإِن كَانَ عَن بعد قيل: هوى إِلَيْهِ بِلَا ألفٍ. والخاظي بمعجمتين: المكتنز والمتداخل. والبضيع: اللَّحْم. والأير: آلَة الرجل وروى الزَّمَخْشَرِيّ فِي المستقصى عرده كالخشبة والعرد بِفَتْح الْعين وَسُكُون الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ: الشَّيْء الصلب وَأَرَادَ بِهِ الأير. والود: الوتد. والأرنبة: طرف الْأنف. وَأَن مفسرة وروى الزَّمَخْشَرِيّ: وصرخت مِنْهُ وَقَالَت يَا أبه وَقَوله: كل فتاة. . هُوَ من إرْسَال الْمثل وَلَيْسَ من كَلَامهَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هُوَ مثل يضْرب
стр. 708
والْأَغْلَب الْعجلِيّ قَالَ الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف: هُوَ الْأَغْلَب
ابْن عَمْرو بن عُبَيْدَة)
(الْحلم بعد الْجَهْل قد يثوب ... وَفِي الزَّمَان عجبٌ عَجِيب)
(وعبرةٌ لَو ينفع التجريب ... واللب لَا يشقى بِهِ اللبيب)
(والمرء محصىً سَعْيه مرقوب ... يهرم أَو تعتاقه شعوب)
وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: كَانَ الْأَغْلَب جاهلياً إسلامياً وَقتل بنهاوند. وَهُوَ أول من أَطَالَ الرجز وَكَانَ الرجل قبله يَقُول الْبَيْت والبيتين إِذا فاخر أَو شاتم. وَقد ذكره العجاج بقوله: إِنِّي أَنا الْأَغْلَب أضحى قد نشر. .
وعده ابْن الْأَثِير فِي أَسد الغابة من الصَّحَابَة.
قَالَ ابْن حجر فِي الْإِصَابَة: قَالَ ابْن قُتَيْبَة: أدْرك الْإِسْلَام فَأسلم وَهَاجَر ثمَّ كَانَ مِمَّن سَار إِلَى الْعرَاق مَعَ سعد فَنزل الْكُوفَة وَاسْتشْهدَ فِي وقْعَة نهاوند. وَقد استدركه ابْن الْأَثِير. قلت: لَيْسَ فِي قَوْله: وَهَاجَر مَا يدل على أَنه هَاجر إِلَى النَّبِي ﷺ َ: فَيحْتَمل أَنه أَرَادَ: هَاجر إِلَى الْمَدِينَة بعد مَوته ﷺ َ. وَلِهَذَا لم يذكرهُ أحد من الصَّحَابَة.
стр. 709
وَقد قَالَ المرزباني فِي مُعْجَمه: هُوَ مخضرم.
وَلم يذكر ابْن قُتَيْبَة هجرته كَمَا نقلنا وَلَعَلَّه نَقله من كتاب آخر. وَالله أعلم.
وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي شرح نَوَادِر القالي: الْأَغْلَب الْعجلِيّ آخر من عمر فِي الْجَاهِلِيَّة عمرا طَويلا وَأدْركَ الْإِسْلَام فَحسن إِسْلَامه وَهَاجَر وَاسْتشْهدَ فِي وقْعَة نهاوند.
قَالَ الْآمِدِيّ: من يُقَال لَهُ الْأَغْلَب من الشُّعَرَاء ثَلَاثَة: أحدهم هَذَا.
وَالثَّانِي: الْأَغْلَب الْكَلْبِيّ وَلم أجد لَهُ فِي أشعار كلب شعرًا وأظن شعره درس فَلم يدْرك وَالثَّالِث: الْأَغْلَب بن نباتة الْأَزْدِيّ ثمَّ الدوسي أنْشد لَهُ بنْدَار شعرًا فِي مَعَاني الشّعْر وَلم أر لَهُ ذكرا فِي أشعار الأزد وَأَظنهُ إسلامياً مُتَأَخِّرًا.
وَأنْشد بعده وهوالشاهد الثَّانِي وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة)
طلب المعقب حَقه الْمَظْلُوم على أَن فَاعل الْمصدر وَإِن كَانَ مجروراً بِإِضَافَة الْمصدر إِلَيْهِ مَحَله الرّفْع فالمعقب فَاعل وَهَذَا عجز وصدره: حَتَّى تهجر فِي الرواح وهاجها
стр. 710
وَهُوَ من قصيدة للبيد بن ربيعَة الصَّحَابِيّ. وصف بِهِ مَعَ أَبْيَات حمارا وأتانه شبه بِهِ نَاقَته.
وَقَبله:
(لَوْلَا تسليك اللبانة حرةٌ ... حرجٌ كأحناء الغبيط عقيم)
لَوْلَا هُنَا تخصصية. والتسلية: إِزَالَة الْهم وَضَمنَهُ معنى النسْيَان. واللبانة: الْحَاجة. والْحَرج بِفَتْح الْحَاء وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالثَّالِث جِيم: النَّاقة الضامرة. والغبيط بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة: الرحل وَهُوَ للنِّسَاء يشد عَلَيْهِ الهودج. وأحناؤه: عيدانه فِي الصِّحَاح: الحنو بِالْكَسْرِ: وَاحِد أحناء السرج والقتب. وحنو كل شَيْء أَيْضا: اعوجاجه. والْعَقِيم: الَّتِي لَا تَلد يُرِيد: أَنَّهَا قَوِيَّة صلبة لم يصبهَا مَا يوهنها من فقد أَوْلَادهَا وَغير ذَلِك.
(حرفٌ أضرّ بهَا السفار كَأَنَّهَا ... بعد الكلال مسدمٌ محجوم)
الْحَرْف: النَّاقة الشَّدِيدَة. وأضرّ بالضاد الْمُعْجَمَة بِمَعْنى لصق ودنا دنواً شَدِيدا يُقَال أضرّ بفلان كَذَا: أَي: لصق بِهِ ودنا مِنْهُ. والسفار: فَاعل أضرّ وَهُوَ مصدر سَافر يُسَافر مسافرة وسفاراً. والكلال: مصدر كل من الْمَشْي: إِذا أعيا. والمسدم: اسْم مفعول يُقَال: فَحل مسدم. إِذا جعل على فَمه الكعام بِالْكَسْرِ وَهُوَ شَيْء يَجْعَل فِي فَم الْبَعِير يُقَال: كعمت الْبَعِير: إِذا شددت بِهِ فَمه فِي هياجه فَهُوَ مكعوم. والسدم بِكَسْر الدَّال: الْفَحْل الهائج المشتهي الضراب. والمحجوم: من حجمت الْبَعِير أحجمه: إِذا جعلت على فَمه حجاماً وَذَلِكَ إِذا هاج للضراب والحجام بِتَقْدِيم الْمُهْملَة الْمَكْسُورَة على الْجِيم: شَيْء يَجْعَل فِي مقدم أنف الْبَعِير كي لَا يعَض عِنْد هيجانه.
(أَو مسحلٌ شنجٌ عضادة سمحجٍ ... بسراته ندبٌ لَهَا وكلوم)
المسحل بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين وَفتح الْحَاء الْمُهْمَلَتَيْنِ: الْحمار الوحشي
стр. 711
وصف نَاقَته بأبلغ مَا يُمكن من النشاط وَالْقُوَّة على السّير وَذَلِكَ أَنه شبهها بعد أَن كلت وأعيت بالفحل الهائج أَو)
بالحمار الوحشي وهما مَا هما فِي الْقُوَّة وَالْجَلد فَمَا ظَنك بِهَذِهِ النَّاقة قبل الإعياء وشنج بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون من الشنج وَهُوَ فِي الأَصْل التقبض وَأَرَادَ بِهِ هُنَا الملازم. والعضادة بِالْكَسْرِ: الْجنب. والسمحج بِفَتْح السِّين وَسُكُون الْمِيم وَآخره جِيم قبلهَا مُهْملَة: الأتان الطَّوِيلَة على الأَرْض. والسراة بِفَتْح الْمُهْملَة: الظّهْر. والنّدب بِفَتْح النُّون وَالدَّال أثر الْجرْح. والكلوم: الْجِرَاحَات جمع كلم بِالْفَتْح وَهَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: أوردهُ على عضادة مَنْصُوب بشنج نصب الْمَفْعُول بِهِ يَقُول: إِنَّه ملازم لأتانه ولشدته وصلابته قد لازمها وَقبض النَّاحِيَة الَّتِي بَينهَا وَبَينه وَلم يحجزه عَن ذَلِك رمحها وعضها اللَّذَان بظهره مِنْهَا ندب وكلوم.
ثمَّ أَخذ يصفه مَعَ أتانه: بِأَنَّهُمَا كَانَا فِي خصب زَمَانا حَتَّى إِذا هاج النَّبَات ونضب المَاء أسْرع مَعهَا إِلَى كل نجدٍ يُريدَان أطيب الْكلأ وأهنأ المرعى إِلَى أَن قَالَ:
(يُوفي ويرتقب النجاد كَأَنَّهُ ... ذُو إربةٍ كل المرام يروم)
(حَتَّى تهجر فِي الرواح وهاجها ... طلب المعقب حَقه الْمَظْلُوم)
(قرباً يشج بهَا الحزون عَشِيَّة ... ربذٌ كمقلاء الْوَلِيد شتيم)
يُوفي: يشرف وفاعله ضمير مسحل. والنجاد: جمع نجد وَهُوَ الْمُرْتَفع من الأَرْض أَي: يشرف على الْأَمَاكِن المرتفعة كالرقيب وَهُوَ الرجل الَّذِي
стр. 712
يكون ربيئة الْقَوْم يرْتَفع على مَكَان عالٍ متجسساً. والإربة بِالْكَسْرِ: الْحَاجة. وكل مفعول مقدم ليروم. والتهجر: السّير فِي الهاجرة وَهِي نصف النَّهَار عِنْد اشتداد الْحر. وَحَتَّى بِمَعْنى إِلَى. والرواح: اسْم للْوَقْت من زَوَال الشَّمْس إِلَى اللَّيْل وَهُوَ نقيض الغدو لَا الصَّباح خلافًا للجوهري. وهاجها: أزعجها. وطلب: مصدر تشبيهي أَي: هاج هَذَا المسحل أنثاه لطلب المَاء طلبا حثيثاً كَطَلَب المعقب وَهُوَ اسْم فَاعل من التعقيب وَهُوَ الَّذِي يطْلب حَقه مرّة وَاسْتشْهدَ بِهِ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: لَا معقب لحكمه على أَن المعقب: الْمُقْتَضِي الَّذِي يطْلب الدَّين من الْغَرِيم يُقَال: عقب فِي الْأَمر: إِذا تردد فِي طلبه مجداً. والْقرب محركة: سير اللَّيْل لورد الْغَد وَهُوَ مَنْصُوب بيشج: أَي: يقطع يُقَال: شججت الْمَفَازَة: إِذا قطعتها وَالْبَاء بِمَعْنى مَعَ. والحزون: جمع حزن بِالْفَتْح وَهُوَ مَا غلظ من الأَرْض. وربذ: أَي: هُوَ ربذ بِفَتْح الرَّاء وَكسر الْمُوَحدَة وبالذال الْمُعْجَمَة وَهُوَ السَّرِيع الْخَفِيف القوائم فِي)
الْمَشْي. والمقلاء بِالْكَسْرِ وَالْمدّ كمفعال والْقلَّة بِالضَّمِّ وَالتَّخْفِيف: هما عودان يلْعَب بهما الصّبيان وَالْأول يضْرب بِهِ وَالثَّانِي ينصب ليضْرب يُقَال: قلوت الْقلَّة بالمقلاء أقلو
قلواً. أَي: أَنه يَسُوقهَا كَمَا أَن المقلاء يَسُوق الْقلَّة. والشتيم: الكريه الْوَجْه يشْتم لعنفه وغلظته وَهُوَ صفة ربذ.
وَقَوله: طلب المعقب حَقه يجوز أَن يكون حَقه مفعول الْمصدر
стр. 713
وَهُوَ الطّلب وَيكون مفعول المعقب محذوفاً وَأَن يكون مفعول المعقب لِأَنَّهُ بِمَعْنى الطَّالِب والمقتضي وَيكون مفعول الْمصدر محذوفاً: على التَّنَازُع. وَإِلَى هَذَا جنح الْفَارِسِي وَقَالَ: فَلَو قدم الْمَظْلُوم على حَقه لم يجز لِأَنَّك لَا تصف الْمَوْصُول وَهُوَ أل هُنَا حَتَّى يتم بصلته وصلته لم تتمّ بعد لِأَن حَقه من صلَة المعقب وَمن تَمَامه.
وتوجيه هَذَا الشَّاهِد على مَا ذكره الشَّارِح الْمُحَقق هُوَ الْمَشْهُور والمتداول بَين النَّاس وَهُوَ ليعقوب بن السّكيت. وَقَالَ أَبُو حَيَّان فِي تَذكرته: أنْشدهُ الْفراء وَهِشَام. وهاجه بتذكير الضَّمِير على أَنه عَائِد على الْحمار وَقَالَ: الطّلب عِنْدهمَا فِي هَذِه الرِّوَايَة مَرْفُوع. وَفِي الْبَيْت تخاريج أخر. ثَانِيهمَا لأبي حَاتِم السجسْتانِي قَالَ: الْمَظْلُوم جَار على الضَّمِير الَّذِي فِي المعقب: يُرِيد أَنه بدل كل من الضَّمِير لتساويهما فِي الْمَعْنى. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: هُوَ بدل اشْتِمَال من الضَّمِير. وَفِيه أَن بدل الاشتمال لابد لَهُ من ضمير. ثالثهما لأبي عَليّ الْفَارِسِي فِي الْمسَائِل البصرية والقصرية: وَهُوَ أَن يكون الْمَظْلُوم فَاعل الْمصدر وَيكون الْمصدر مُضَافا لمفعوله والمعقب حِينَئِذٍ مَعْنَاهُ الماطل يُقَال عقبني حَقي أَي: مطلني.
وعَلى هَذَا فحقه مفعول المعقب لَا غير وَحِينَئِذٍ لَا يجوز تَقْدِيم الْمَظْلُوم عَلَيْهِ لما تقدم. وَكَأَنَّهُ قَالَ: طلب الْمَظْلُوم الماطل حَقه فَتكون الْهَاء رَاجِعَة إِلَى الْمَظْلُوم على نَحْو: ضرب غُلَامه زيدٌ لِأَنَّهَا مُتَّصِلَة بالمفعول أَي: طلب الْمَدِين الماطل حَقه أَي: حق الْمَدِين فَإِن الْحق لَهُ لَا للمستدين.
وَقد يجوز أَن تكون رَاجِعَة للمستدين يُرِيد حَقه أَي: الَّذِي يجب عَلَيْهِ الْخُرُوج مِنْهُ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: وليلبسوا عَلَيْهِم
стр. 714
دينهم فأضاف الدَّين إِلَيْهِم لما كَانَ وَاجِبا عَلَيْهِم الْأَخْذ بِهِ وَإِن لم وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: زينا لكل أمةٍ عَمَلهم أَي: الْعَمَل الَّذِي أمروا بِهِ وندبوا إِلَيْهِ وَشرع لَهُم. .
قَالَ: وعَلى هَذَا يحْتَمل أَن تكون رَاجِعَة إِلَى المعقب بأسره
وَأَن تكون رَاجِعَة إِلَى أل على قَول)
أبي بكر وَأَن تكون رَاجِعَة إِلَى الَّذِي دلّت عَلَيْهِ أل على قَول أبي عُثْمَان. . وَنسب أَبُو حَيَّان فِي تَذكرته قَول الْفَارِسِي إِلَى جمَاعَة من قدماء اللغويين وَقَالَ: تلخيصه: وهاج الْحمار الأتان هيجاناً مثل طلب المعقب حَقه. وَقَالُوا: مَوضِع المعقب نصبٌ بِالطَّلَبِ وناصب الْحق المعقب وفاعل الطّلب الْمَظْلُوم. وَتَفْسِير يعقب حَقه يَطْلُبهُ مرّة بعد أُخْرَى.
وَلَا يخفى أَن هَذَا تَخْلِيط بَين الْقَوْلَيْنِ. رَابِعهَا لِابْنِ جني فِي الْمُحْتَسب: أَن الْمَظْلُوم فَاعل حَقه. قَالَ فِي سُورَة النَّحْل فِي تَوْجِيه قِرَاءَة ابْن سِيرِين: وَإِن عقبتم فعقبوا. أَي: إِن تتبعتم فتتبعوا بِقدر الْحق الَّذِي لكم وَلَا تَزِيدُوا عَلَيْهِ قَالَ لبيد:
(حَتَّى تهجر فِي الرواح وهاجه ... طلب المعقب ... ... ... . . الخ)
أَي: هاجه طلبا مثل طلب المعقب حَقه الْمَظْلُوم أَي: عازه وَمنعه الْمَظْلُوم فحقه على هَذَا فعل حَقه يحقه أَي: لواه حَقه. وَيجوز طلب المعقب حَقه فتنصب حَقه بِنَفس الطّلب مَعَ نصب طلب كَمَا تنصبه مَعَ رَفعه والمظلوم صفة المعقب على مَعْنَاهُ دون لَفظه أَي: أَن طلب
стр. 715
هَذَا كَلَامه. وَعَلِيهِ فَينْظر: مَا فَاعل حَقه مَعَ نصب طلب وَأما مَعَ رَفعه فَهُوَ فَاعل هاجه.
وَينظر أَيْضا: مَا مَوضِع جملَة حَقه الْمَظْلُوم من الْإِعْرَاب. على أَن حَقه بِمَعْنى لواه حَقه لم أَجِدهُ فِي كتب اللُّغَة.
وَقَوله: كَمَا تنصبه أَي: تنصب الْحق. وَقَوله: مَعَ رَفعه أَي: مَعَ رفع الطّلب. وَقَوله: فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا أَي: فِي نصب الطّلب وَرَفعه وَبِالْجُمْلَةِ كَلَامه هُنَا خلاف كَلَام النَّاس وَفِيه تعقيد لَا يظْهر مَعَه المُرَاد. فَلْيتَأَمَّل.
وَقَالَ ابْن بري فِي شرح أَبْيَات الْإِيضَاح لأبي عَليّ. قَوْله: وهاجه أَي: أثاره يَعْنِي العير وَالْفَاعِل التهجر أَو الطّلب وَالتَّقْدِير: هاجه مثل طلب المعقب فَحذف الْمُضَاف ويروى: هاجها أَي: هاج العير الأتان وطلب مَنْصُوب على الْمصدر بِمَا دلّ عَلَيْهِ الْمَعْنى أَي: طلب المَاء كَطَلَب المعقب وَإِن شِئْت
جعلته مَفْعُولا من أَجله أَي: هاجها للطلب وحَقه مفعول بِالْمَصْدَرِ والمعقب فَاعل أضيف إِلَيْهِ الْمصدر وَهُوَ الَّذِي يتبع عقب الْإِنْسَان فِي طلب حق أَو نَحوه والمظلوم نعت للمعقب على الْموضع. وَقَالَ يَعْقُوب: المعقب: الماطل عقبني حَقي أَي: مطلني. فعلى هَذَا يكون المعقب مَفْعُولا والمظلوم فَاعِلا. وَقيل: الْمَظْلُوم بدل من الضَّمِير فِي)
الصَّحَابِيّ ﵁. قدم على النَّبِي ﷺ َ سنة وَفد قومه بَنو جَعْفَر بن كلاب فَأسلم وَحسن إِسْلَامه. وَكَانَ لبيد وعلقمة بن علاثة العامريان من الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم وَهُوَ مَعْدُود فِي فحول الشُّعَرَاء المجودين كَذَا فِي بَاب الِاسْتِيعَاب.
وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: كنيته أَبُو عقيل. وَكَانَ من شعراء
стр. 716
الْجَاهِلِيَّة وفرسانهم.
وَكَانَ الْحَارِث بن أبي شمر الغساني وَهُوَ الْأَعْرَج وَجه إِلَى الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء مائَة فارسٍ وَأمره عَلَيْهِم فَسَارُوا إِلَى معسكر الْمُنْذر وأظهروا أَنهم أَتَوْهُ داخلين عَلَيْهِ فِي طَاعَته فَلَمَّا تمكنوا مِنْهُ قَتَلُوهُ وركبوا خيلهم فَقتل أَكْثَرهم وَنَجَا لبيد فَأتى ملك غَسَّان فَأخْبرهُ فَحمل الغسانيون على عَسْكَر الْمُنْذر فهزموهم فَهُوَ يَوْم حليمة.
وحليمة: بنت ملك غَسَّان وَكَانَت طيبت هَؤُلَاءِ الفتيان وألبستهم الأكفان.
وَلما أسلم مَعَ قومه رَجَعَ قومه إِلَى بِلَادهمْ وَقدم هُوَ الْكُوفَة فَأَقَامَ بهَا إِلَى أَن مَاتَ فَدفن فِي صحراء بني جَعْفَر بن كلاب. وَيُقَال: إِن وَفَاته كَانَت فِي أول مُدَّة مُعَاوِيَة ﵁ وَمَات وَهُوَ ابْن مائَة وَسبع وَخمسين سنة. انْتهى.
وَقَالَ فِي الِاسْتِيعَاب: قد قيل: إِنَّه مَاتَ بِالْكُوفَةِ أَيَّام الْوَلِيد بن عقبَة فِي خلَافَة عُثْمَان وَهُوَ أصح. فَبعث الْوَلِيد إِلَى منزله عشْرين جزوراً فنحرت عَنهُ.
ثمَّ قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَلم يقل شعرًا فِي الْإِسْلَام إِلَّا بَيْتا وَاحِدًا قَالَ أَبُو الْيَقظَان وَهُوَ قَوْله: وَقَالَ غَيره: بل هُوَ قَوْله: (الْكَامِل)
(مَا عَاتب الْمَرْء الْكَرِيم كنفسه ... والمرء يصلحه الجليس الصَّالح)
وَكتب عمر بن الْخطاب إِلَى عَامله الْمُغيرَة بن شُعْبَة بِالْكُوفَةِ: أَن استنشد من عنْدك من شعراء مصرك مَا قَالُوهُ فِي الْإِسْلَام. فَأرْسل إِلَى الْأَغْلَب الْعجلِيّ أَن أَنْشدني فَقَالَ:
(لقد طلبت هيناً مَوْجُودا ... أرجزاً تُرِيدُ أم قصيدا)
стр. 717
ثمَّ أرسل إِلَى لبيد: أَن أَنْشدني فَقَالَ: إِن شِئْت مَا عُفيَ عَنهُ يَعْنِي الْجَاهِلِيَّة قَالَ: لَا مَا قلت فِي الْإِسْلَام. فَانْطَلق إِلَى بَيته فَكتب سُورَة الْبَقَرَة فِي صحيفَة ثمَّ أَتَى بهَا فَقَالَ: أبدلني الله هَذِه فِي الْإِسْلَام مَكَان الشّعْر. فَكتب بذلك الْمُغيرَة إِلَى عمر فنقص من عَطاء الْأَغْلَب خَمْسمِائَة وزادها فِي عَطاء لبيد فَكَانَ عطاؤه أَلفَيْنِ
وَخَمْسمِائة. فَكتب الْأَغْلَب إِلَى عمر: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ تنقص عطائي أَن أطعتك فَرد عَلَيْهِ خَمْسمِائَة وَأقر لبيداً على الْأَلفَيْنِ والخمسمائة فَلَمَّا كَانَ زمن)
مُعَاوِيَة ﵁ وَأَرَادَ أَن يَجْعَل عطايا النَّاس أَلفَيْنِ قَالَ لَهُ: هَذَانِ الفودان فَمَا هَذِه العلاوة فَقَالَ لَهُ لبيد: أَمُوت وَيبقى لَك الفودان والعلاوة وَإِنَّمَا أَنا هَامة الْيَوْم أَو غَد فرق لَهُ وَترك عطاءه على حَاله. فَمَاتَ بعد ذَلِك بِيَسِير وَلم يقبضهَا.
وَفِي الِاسْتِيعَاب: ذكر الْمبرد وَغَيره: أَن لبيداً كَانَ شريفاً فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وَكَانَ نذر أَن لَا تهب الصِّبَا إِلَّا نحر وَأطْعم وَأَن الصِّبَا هبت يَوْمًا وَهُوَ بِالْكُوفَةِ مقتر مملق فَعلم بذلك الْوَلِيد بن عقبَة بن أبي معيط وَكَانَ أَمِيرا عليهالعثمان فَخَطب النَّاس فَقَالَ: إِنَّكُم قد عَرَفْتُمْ نذر أبي عقيل وَمَا وكد على نَفسه فأعينوا أَخَاكُم. ثمَّ نزل فَبعث إِلَيْهِ بِمِائَة نَاقَة وَبعث النَّاس إِلَيْهِ فَقضى نَذره وَفِي خبر غير الْمبرد. فاجتمعت عِنْده ألف رَاحِلَة وَكتب إِلَيْهِ الْوَلِيد:
(أرى الجزار يشحذ شفرتيه ... إِذا هبت ريَاح أبي عقيل)
(أغر الْوَجْه أَبيض عامريٌ ... طَوِيل الباع كالسيف الصيقل)
стр. 718
.
(وَفِي ابْن الْجَعْفَرِي بحلفتيه ... على العلات وَالْمَال الْقَلِيل)
(بنحر الكوم إِذْ سحبت عَلَيْهِ ... ذيول صبا تجاوب الْأَصِيل)
فَقَالَ لبيد لابنته: أجيبيه فقد رَأَيْتنِي وَمَا أعيا بِجَوَاب شَاعِر فأنشأت تَقول:
(إِذا هبت ريَاح أبي عقيلٍ ... دَعونَا عِنْد هبتها الوليدا)
(أَشمّ الْأنف أصيد عبشمياً ... أعَان على مروءته لبيدا)
(بأمثال الهضاب كَأَن ركباً ... عَلَيْهَا من بني حامٍ قعُودا)
(أَبَا وهبٍ جَزَاك الله خيرا ... نحرناها وأطعمنا الثريدا)
(فعد إِن الْكَرِيم لَهُ معادٌ ... وظني بِابْن أروى أَن يعودا)
فَقَالَ لَهَا لبيد: قد أَحْسَنت لَوْلَا أَنَّك استزدته فَقَالَت: وَالله مَا استزدته إِلَّا لِأَنَّهُ ملك وَلَو كَانَ سوقة لم أفعل.
وَقَالَت عَائِشَة ﵂: رحم الله لبيداً حَيْثُ يَقُول:
(ذهب الَّذين يعاش فِي أَكْنَافهم ... وَبقيت فِي خلفٍ كَجلْد الأجرب)
(لَا ينفعون وَلَا يُرْجَى خَيرهمْ ... ويعاب قَائِلهمْ وَإِن لم يشغب)
قَالَت: فَكيف لَو أدْرك زَمَاننَا انْتهى. . وَالْخلف بِسُكُون اللَّام:
стр. 719
النَّسْل الطالح وبفتح اللَّام: النَّسْل الصَّالح. والشغب: تهييج الشَّرّ والفتنة.)
ثمَّ قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وملاعب الأسنة عَم لبيد. وَهُوَ عَامر بن مَالك. وَسمي ملاعب الأسنة بقول أَوْس بن حجر:
(ولاعب أَطْرَاف الأسنة عامرٌ ... فراح لَهُ حَظّ الكتيبة أجمع)
وَكَانَ ملاعب الأسنة أَخذ أَرْبَعِينَ مرباعاً فِي الْجَاهِلِيَّة. وأَرْبَد بن قيس الَّذِي أَتَى رَسُول الله ﷺ َ غادراً مَعَ عَامر بن الطُّفَيْل هُوَ أَخُو لبيد لأمه فَدَعَا الله عَلَيْهِمَا فَمَاتَ عَامر بالطاعون وَنزلت صَاعِقَة على أَرْبَد فَأَحْرَقتهُ.
وَيُقَال: فِيهِ نزلت: وَيُرْسل الصَّوَاعِق فَيُصِيب
بهَا من يَشَاء. ورثاه لبيد بأشعار كَثِيرَة. انْتهى.
وروى أَبُو حَاتِم السجسْتانِي فِي كتاب المعمرين بِسَنَدِهِ إِلَى الشّعبِيّ قَالَ: أرسل إِلَيّ عبد الْملك بن مَرْوَان وَهُوَ شاكٍ فَدخلت عَلَيْهِ فَقلت: كَيفَ أَصبَحت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ: أَصبَحت كَمَا قَالَ ابْن قميئة الشَّاعِر:
(كَأَنِّي وَقد جَاوَزت تسعين حجَّة ... خلعت بهَا عني عذار لجامي)
(رمتني بَنَات الدَّهْر من حَيْثُ لَا أرى ... فَكيف بِمن يرْمى وَلَيْسَ برام)
(فَلَو أَنَّهَا نبلٌ إِذا لاتقيتها ... ولكنني أرمى بِغَيْر سِهَام)
(إِذا مَا رَآنِي النَّاس قَالُوا: ألم تكن ... جليداً شَدِيد الْبَطْش غير كهام)
(فنيت وَلم يفن من الدَّهْر لَيْلَة ... وَلم يغن مَا أفنيت سلك نظام)
...
стр. 720
(على الراحتين مرّة وعَلى الْعَصَا ... أنوء ثَلَاثًا بعدهن قيامي)
فَقلت: لَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلَكِنَّك كَمَا قَالَ لبيد بن ربيعَة:
(نَفسِي تشكى إِلَيّ الْمَوْت مجهشةً ... وَقد حَملتك سبعا بعد سبعينا)
(فَإِن تزادي ثَلَاثًا تحدثي أملاً ... وَفِي الثَّلَاث وفاءٌ للثمانينا)
فَعَاشَ وَالله حَتَّى بلغ تسعين حجَّة فَقَالَ:
(كَأَنِّي وَقد جَاوَزت تسعين حجَّة ... خلعت بهَا عَن مَنْكِبي ردائيا)
(أَلَيْسَ فِي مائَة قد عاشها رجلٌ ... وَفِي تَكَامل عشرٍ بعْدهَا عمر)
فَعَاشَ وَالله حَتَّى بلغ عشْرين سنة وَمِائَة فَقَالَ فِي ذَلِك:
(وغنيت سبتاً بعد مجْرى داحسٍ ... لَو كَانَ للنَّفس اللجوج خُلُود)
فَعَاشَ وَالله حَتَّى بلغ أَرْبَعِينَ وَمِائَة سنة فَقَالَ فِي ذَلِك:)
(وَلَقَد سئمت من الْحَيَاة وطولها ... وسؤال هَذَا النَّاس: كَيفَ لبيد)
فَقَالَ عبد الْملك: وَالله مَا بِي بَأْس اقعد حَدثنِي مَا بَيْنك وَبَين اللَّيْل. فَقَعَدت فَحَدَّثته حَتَّى أمسيت ثمَّ فارقته فَمَاتَ فِي ليلته.
стр. 721
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:
(فَإِن لم تَجِد من دون عدنان والداً ... وَدون معد فلتزعك العواذل)
على أَن دون بِالنّصب مَعْطُوف على مَحل الْجَار وَالْمَجْرُور أَعنِي من دون. وَكَذَلِكَ أوردهُ سِيبَوَيْهٍ قَالَ: وَكَأَنَّهُ قَالَ: فَإِن لم تَجِد دون عدنان والداً وَدون معد.
قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: شَرط الْعَطف على الْمحل إِمْكَان ظُهُور ذَلِك الْمحل فِي الفصيح نَحْو: لَيْسَ زيد بقائم وَلَا قَاعِدا فَإِنَّهُ يجوز أَن تسْقط الْبَاء وتنصب وَلَا يخْتَص مُرَاعَاة الْموضع بِأَن يكون الْعَامِل فِي اللَّفْظ زَائِدا كَمَا فِي مثل بِدَلِيل: فَإِن لم تَجِد من دون عدنان والداً ... ... ... ... . . الْبَيْت وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة أَزِيد من خمسين بَيْتا للبيد بن ربيعَة الصَّحَابِيّ رَضِي الله
عَنهُ رثى بهَا النُّعْمَان بن الْمُنْذر ملك الْحيرَة. . وأولها:
(أَلا تَسْأَلَانِ الْمَرْء مَاذَا يحاول ... أنحبٌ فَيقْضى أم ضلالٌ وباطل)
(حبائله مبثوثةٌ فِي سَبيله ... ويفنى إِذا مَا أخطأته الحبائل)
(إِذا الْمَرْء أسرى لَيْلَة خَال أَنه ... قضى عملا والمرء مَا عَاشَ عَامل)
(فقولا لَهُ إِن كَانَ يقسم أمره: ... ألما يعظك الدَّهْر أمك هابل)
(فتعلم أَن لَا أَنْت مدرك مَا مضى ... وَلَا أَنْت مِمَّا تحذر النَّفس وَائِل)
(فَإِن أَنْت لم تصدقك نَفسك فانتسب ... لَعَلَّك تهديك الْقُرُون الْأَوَائِل)
...
стр. 722
(فَإِن لم تَجِد من دون عدنان بَاقِيا ... وَدون معدٍ فلتزعك العواذل)
(أرى النَّاس لَا يَدْرُونَ مَا قدر أَمرهم ... بلَى كل ذِي رَأْي إِلَى الله واسل)
(وكل أناسٍ سَوف تدخل بَينهم ... دويهيةٌ تصفر مِنْهُ الأنامل)
(وكل امرئٍ يَوْمًا سَيعْلَمُ سَعْيه ... إِذا كشفت عِنْد الْإِلَه الحصائل))
قَوْله: أَلا تَسْأَلَانِ الْمَرْء. . الْبَيْت يَأْتِي شَرحه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي مَاذَا.
وَقَوله: حبائله مبثوثة. . الْبَيْت الحبائل: جمع حبالة وَهِي الشّرك وَالضَّمِير للْمَوْت وَأَرَادَ بحبائله: الْأَحْدَاث الَّتِي هِيَ سَبَب الْمَوْت ومبثوثةٌ: منصوبةٌ على طرقه. والْهَاء فِي سَبيله عَائِدَة على الْمَرْء. ويفنى: يهرم.
وسرى وَأسرى بِمَعْنى. يَقُول: إِذا سهر الْمَرْء لَيْلَة فِي عمل ظن أَنه قد فرغ مِنْهُ وَهُوَ مَا عَاشَ يعرض لَهُ مثل ذَلِك وَهُوَ أبدا مَا دَامَ حَيا لَا يَنْقَطِع عمله وَلَا حَوَائِجه. وَقَوله: فقولا لَهُ إِن كَانَ. . الخ أقسم بِمَعْنى قدر يَعْنِي قولا لَهُ إِن كَانَ يدبر أمره وَينظر فِيهِ: ألم يعظك من مضى قبلك فِي سالف الدَّهْر هَل رَأَيْته بَقِي عَلَيْهِ أحد ثمَّ دَعَا عَلَيْهِ فَقَالَ: أمك هابل يُقَال: هبلته أمه أَي: ثكلته.
وَقَوله: فتعلم بِالنّصب جَوَاب ألما. وَأَن مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة. ووَائِل: من وألت النَّفس بِمَعْنى نجت والموئل: المنجى.
وَقَوله: فَإِن أَنْت لم تصدقك. . الخ يَقُول: إِن لم تصدقك نَفسك عَن هَذِه الْأَخْبَار بل كذبتك فانتسب: أَي: قل أَيْن فلَان ابْن فلَان فَإنَّك
стр. 723
لَا ترى أحدا بقى لَعَلَّك تهديك هَذِه الْقُرُون وترشدك. وَرُوِيَ: فَإِن أَنْت لم ينفعك علمك فانتسب.
قَالَ أَبُو عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر: أَنْت مُرْتَفع بِفعل فِي معنى هَذَا الظَّاهِر أَي: فَإِن لم تَنْفَع. وَلَو حمل أَنْت على هَذَا الْفِعْل الظَّاهِر الَّذِي هُوَ ينفعك لوَجَبَ أَن يكون مَوضِع أَنْت إياك لِأَن الْكَاف الَّذِي سَببه مفعولة مَنْصُوبَة. وَهَذَا أولى من تَقْدِير ابْن قَاسم فِي شرح الألفية: أَن أَصله فَإِن ضللت لم ينفعك. وَزَاد الْفَارِسِي على الْوَجْه الثَّانِي: أَن فِيهِ إنابة الضَّمِير الْمَرْفُوع عَن الْمَنْصُوب. والْقُرُون: جمع قرن وَهُوَ أهل زمَان وَاحِد.
وَقَوله: فَإِن لم تَجِد تزعك: تكفك قَالَ أَبُو الْحسن الطوسي فِي شرح ديوَان لبيد: وزعه يزعه بِالْفَتْح ويزعه بِالْكَسْرِ وزعاً ووزوعاً: إِذا كَفه. وعدنان جده الْأَعْلَى لِأَن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان. يَقُول: لم يبْق لَك أبٌ حَيّ إِلَى عدنان فَكف عَن الطمع فِي الْحَيَاة. . وَمعنى الْبَيْتَيْنِ: أَن غَايَة الْإِنْسَان الْمَوْت فَيَنْبَغِي لَهُ أَن يتعظ: بِأَن ينْسب نَفسه إِلَى عدنان فَإِن لم يجد من بَينه وَبَينه من الْآبَاء بَاقِيا فَليعلم أَنه يصير إِلَى مصيرهم فَيَنْبَغِي لَهُ أَن ينْزع عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ. والعواذل هُنَا حوادث الدَّهْر وزواجره وَإسْنَاد العذل إِلَيْهَا مجَاز. وَقَالَ الطوسي: العواذل:)
النِّسَاء.
وَقَوله: أرى النَّاس. . الخ الواسل: الطَّالِب الَّذِي يطْلب من قَوْلك. أَنْت وسيلتي إِلَى فلَان.
وَاسْتشْهدَ بِهِ صَاحب الْكَشَّاف على أَن الْوَسِيلَة فِي قَوْله تَعَالَى: وابتغوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة مَا يتوسل بِهِ إِلَى الله تَعَالَى من فعل الْخيرَات وَاجْتنَاب الْمعاصِي. والواسل: هُوَ الرَّاغِب إِلَى الله بِمَعْنى ذُو
стр. 724
وَسِيلَة أَو هُوَ كتامرٍ ولابنٍ. وَرُوِيَ: اللب وَهُوَ الْعقل بدل الرَّأْي. وَالْمعْنَى: أرى النَّاس لَا يعْرفُونَ مَا هم فِيهِ من خطر الدُّنْيَا وَسُرْعَة زَوَالهَا فالعاقل اللبيب من يتوسل إِلَى الله تَعَالَى بِالطَّاعَةِ وَالْعَمَل الصَّالح.
وَقَوله: أَلا كل شَيْء وَقد وَقع فِي بعض الرِّوَايَات هَذَا الْبَيْت أول القصيدة فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَمُسلم عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ َ قَالَ: أصدق كلمة قَالَهَا شَاعِر كلمة لبيد: أَلا كل شيءٍ مَا خلا الله بَاطِل وَفِي رِوَايَة لَهما: أشعر كلمة تَكَلَّمت بهَا الْعَرَب كلمة لبيد. وَقد رُوِيَ أَيْضا بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة مِنْهَا: إِن أصدق كلمة وَمِنْهَا: إِن أصدق بَيت قَالَهَا الشَّاعِر وَمِنْهَا: أصدق بَيت قالته الشُّعَرَاء وَكلهَا فِي الصَّحِيح وَمِنْهَا. أشعر كلمة قالتها الْعَرَب.
قَالَ ابْن مَالك فِي شرح التسهيل: وَكلهَا من وصف الْمعَانِي بِمَا يُوصف بِهِ الْأَعْيَان كَقَوْلِهِم: وروى ابْن إِسْحَاق فِي مغازيه: أَن عُثْمَان بن مَظْعُون ﵁ مر بِمَجْلِس من قُرَيْش فِي صدر الْإِسْلَام ولبيد بن ربيعَة ﵁ ينشدهم: أَلا كل شيءٍ مَا خلا الله بَاطِل فَقَالَ عُثْمَان ﵁: صدقت. فَقَالَ لبيد:
وكل نعيمٍ لَا محَالة زائل فَقَالَ عُثْمَان: كذبت نعيم الْجنَّة لَا يَزُول أبدا فَقَالَ لبيد: يَا معشر قُرَيْش وَالله مَا كَانَ يُؤْذى جليسكم فَمَتَى حدث هَذَا فِيكُم فَقَالَ رجل:
стр. 725
إِن هَذَا سَيْفه من سفهائنا قد فَارق ديننَا فَلَا تجدن فِي نَفسك من قَوْله. فَرد عَلَيْهِ عُثْمَان فَقَامَ إِلَيْهِ ذَلِك الرجل فلطم عينه فخضرها فَقَالَ الْوَلِيد بن الْمُغيرَة لعُثْمَان: إِن كَانَت عَيْنك لغنيةً عَمَّا أَصَابَهَا لم رددت جواري فَقَالَ عُثْمَان: بل وَالله إِن عَيْني الصَّحِيحَة لفقيرةٌ لمثل مَا أصَاب أُخْتهَا فِي الله لَا حَاجَة لي فِي جوارك)
وروى أَحْمد بن حَنْبَل فِي زَوَائِد الزّهْد: أَن لبيداً قدم على أبي بكر الصّديق ﵁ فَقَالَ: أَلا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل فَقَالَ: صدقت. قَالَ: فَقَالَ: كذبت عِنْد الله نعيمٌ لَا يَزُول فَلَمَّا ولى قَالَ أَبُو بكر ﵁ رُبمَا قَالَ الشَّاعِر الْكَلِمَة من الْحِكْمَة وَأخرج السلَفِي فِي المشيخة البغدادية من طَرِيق هَاشم عَن يعلى عَن ابْن جَراد قَالَ: أنْشد لبيدٌ النَّبِي ﷺ َ قَوْله: أَلا كل شيءٍ مَا خلا الله بَاطِل فَقَالَ لَهُ: صدقت فَقَالَ:
стр. 726
وكل نعيمٍ لَا محَالة زائل فَقَالَ لَهُ: كذبت نعيم الْآخِرَة لَا يَزُول وَأجَاب الْعَيْنِيّ عَن ذَلِك من وَجْهَيْن:
الأول: أَن لبيداً إِنَّمَا قَالَ ذَلِك قبل أَن يسلم فَيمكن أَن يكون فِي اعْتِقَاده فِي ذَلِك الْوَقْت أَن الْجنَّة لَا وجود لَهَا أَو كَانَ يعْتَقد وجودهَا وَلَكِن لَا يعْتَقد دوامها كَمَا ذهبت إِلَيْهِ طَائِفَة من أهل الْأَهْوَاء والضلال.
وَالثَّانِي: أَنه يُمكن أَن يكون أَرَادَ بِهِ مَا سوى الْجنَّة من نعيم الدُّنْيَا لِأَنَّهُ كَانَ فِي صدد ذمّ الدُّنْيَا وَبَيَان سرعَة زَوَالهَا. وَأما تَكْذِيب عُثْمَان إِيَّاه فلكونه حمل الْكَلَام على الْعُمُوم. انْتهى.
وَقَالَ ابْن حجر فِي شرح البُخَارِيّ فِي بَاب الشّعْر: التَّعْبِير بِوَصْف كل شَيْء بِالْبُطْلَانِ تندرج فِيهِ الْعِبَادَات والطاعات وَهِي حقٌ لَا محَالة وَأجِيب: بِأَن المُرَاد مَا عدا الله وَمَا عدا صِفَاته الذاتية والفعلية من رَحْمَة وَعَذَاب أَو المُرَاد بِالْبُطْلَانِ الفناء لَا الْفساد وكل شَيْء سوى الله تَعَالَى جائزٌ عَلَيْهِ الفناء لذاته حَتَّى الْجنَّة وَالنَّار وَإِنَّمَا يبقيان بإبقاء الله تَعَالَى لَهما وَخلق الدَّوَام لأهلهما. وَالْحق على الْحَقِيقَة من لَا يجوز عَلَيْهِ الزَّوَال لذاته. انْتهى.
وَمثله للسيوطي فِي البدور السافرة عِنْد ذكر قَوْله تَعَالَى: كل شيءٍ هالكٌ إِلَّا وَجهه. أَي: قَابل للهلاك وكل مُحدث قَابل لذَلِك وَإِن لم يهْلك بِخِلَاف الْقَدِيم الأزلي. وَيُؤَيّد ذَلِك أَن الْعَرْش لم)
يرد خبرٌ أَنه يهْلك. فلتكن الْجنَّة مثله.
وَقَالَ فِي مَوضِع آخر من ذَلِك الْكتاب: وَفِي بَحر الْكَلَام: قَالَ أهل السّنة: سبعةٌ لَا تفنى: الْعَرْش والكرسي واللوح والقلم وَالْجنَّة وَالنَّار بأهلهما والأرواح. وَقَالَ صَاحب الْمُفْهم شرح مُسلم وَكَذَا الْبَيْهَقِيّ وَغَيره من
стр. 727
الْمُحدثين: إِن هَذِه السَّبْعَة يَقع لَهَا هَلَاك نسبي وَهُوَ غشيان يمْنَع الإحساس وفناءٌ مَا من الْأَوْقَات. قلت: وَالظَّاهِر وُقُوع ذَلِك على تَقْدِير صِحَّته بَين النفختين عِنْد قَوْله : لمن الْملك
الْيَوْم فَلَا يجِيبه أحد كَمَا وَردت بِهِ الرِّوَايَات. انْتهى.
وَالْبَاطِل هُنَا الذَّاهِب الزائل وَمَعْنَاهُ: الْهَالِك الفاني أَي: الْقَابِل للهلاك والفناء. وَقَالَ بَعضهم: الْبَاطِل فِي الأَصْل ضد الْحق وَالْمرَاد بِهِ هُنَا الْهَالِك. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: الْبَاطِل ضد الْحق وَفِي عرف الْمُتَكَلِّمين: الْبَاطِل الْخَارِج عَن الِانْتِفَاع وَالْفَاسِد يقرب مِنْهُ وَالصَّحِيح: ضِدّه وَمُقَابِله. وَفِي عرف الشَّرْع: الْبَاطِل من الْأَعْيَان: مَا فَاتَ مَعْنَاهُ الْمَقْصُود الْمَخْلُوق لَهُ من كل وَجه بِحَيْثُ لم يبْقى إِلَّا صورته وَلِهَذَا يذكر فِي مُقَابِله الْحق الَّذِي هُوَ عبارَة عَن الْكَائِن الثَّابِت وَفِي الشَّرْع يُرَاد بِهِ مَا هُوَ الْمَفْهُوم مِنْهُ لُغَة وَهُوَ مَا كَانَ فَائت الْمَعْنى من كل وَجه مَعَ وجود الصُّورَة إِمَّا لِانْعِدَامِ محلية التَّصَرُّف كَبيع الْميتَة وَالدَّم أَو لِانْعِدَامِ أَهْلِيَّة الْمُتَصَرف كَبيع الْمَجْنُون وَالصَّبِيّ الَّذِي لَا يعقل. فَإِن قلت: مَا مَعْنَاهُ هُنَا قلت: الْمَعْنى: كل شَيْء سوى الله تَعَالَى زائلٌ فَائت مضمحل لَيْسَ لَهُ دوَام. انْتهى. والمحالة بِفَتْح الْمِيم: الْحِيلَة قَالَ الْجَوْهَرِي: قَوْلهم لَا محَالة أَي: لابد.
وَقَوله: وكل أنَاس سَوف تدخل بَينهم يَأْتِي شَرحه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي مَاذَا.
وَقَوله: وكل امْرِئ يَوْمًا سَعْيه: عمله. والحصائل: الْحَسَنَات والسيئات الَّتِي بقيت لَهُ عِنْد الله تَعَالَى وَهُوَ بِالْحَاء وَالصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ.
стр. 728
ثمَّ شرع بعد هَذَا فِي تقلب الدَّهْر بأَهْله وَبَدَأَ بِذكر النُّعْمَان وَمَا كَانَ فِيهِ من سَعَة الْملك ونعيم الدُّنْيَا ثمَّ ذكر مُلُوك الشَّام آل غَسَّان وَمَا فعل الدَّهْر بهم فبادوا كَأَن لم يَكُونُوا فَقَالَ: الشّرْب: جمع شَارِب يُرِيد أَصْحَابه الَّذين كَانَ يشاربهم. والْقنية: الْخَادِم. والمختبطات الْفرق: السائلات الْمَعْرُوف. والسعالي: الغيلان شبه السائلات بهَا فِي سوء حالهن وقبحهن. والأرامل: المحاويج الجياع من أرمل
الْقَوْم: إِذا نفذ زادهم وجاعوا. وَقَالَ فِي آخر القصيدة:)
(فأمسى كأحلام النيام نعيمهم ... وَأي نعيمٍ خلته لَا يزايل)
فَظهر بِهَذَا أَن هَذِه القصيدة لَيست فِي مدح النُّعْمَان كَمَا زعم من تكلم على هَذِه الأبيات بل هِيَ بالرثاء أشبه لاسيما أَوَائِل القصيدة فَإِنَّهَا تناسب مَا قُلْنَا. وَالله أعلم.
وترجمة لبيد تقدّمت فِي الْبَيْت الَّذِي قبل هَذَا الْبَيْت.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:
стр. 729
فلسنا بالجبال وَلَا الحديدا على أَن قَوْله: الحديدا مَعْطُوف على مَحل الْجَار وَالْمَجْرُور وَهُوَ قَوْله: بالجبال وَهُوَ خبر لَيْسَ وَهُوَ عجزٌ وصدره: معاوي إننا بشرٌ فَأَسْجِحْ ومعاوي: منادى مرخم مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان. وأسجح بِقطع الْهمزَة وَتَقْدِيم الْجِيم على الْمُهْملَة وَمَعْنَاهُ ارْفُقْ وَسَهل. وخد أسجح أَي: طَوِيل سهل.
وَقد رد الْمبرد على سِيبَوَيْهٍ رِوَايَته لهَذَا الْبَيْت بِالنّصب وَتَبعهُ جماعةٌ مِنْهُم العسكري صَاحب التَّصْحِيف قَالَ: وَمِمَّا غلط فِيهِ النحويون من الشّعْر وَرَوَوْهُ مُوَافقا لما أرادوه مَا رُوِيَ عَن سِيبَوَيْهٍ عِنْدَمَا احْتج بِهِ فِي نسق الِاسْم الْمَنْصُوب على المخفوض. وَقد غلط على الشَّاعِر لِأَن هَذِه القصيدة مَشْهُورَة وَهِي مخفوضةٌ كلهَا. وَهَذَا الْبَيْت أَولهَا. وَبعده:
(فهبنا أمة ذهبت ضيَاعًا ... يزِيد أميرها وَأَبُو يزِيد)
(أكلْتُم أَرْضنَا فجردتموها ... فَهَل من قائمٍ أَو من حصيد)
(أتطمع فِي الخلود إِذا هلكنا ... وَلَيْسَ لنا وَلَا لَك من خُلُود)
(ذَروا خون الْخلَافَة واستقيموا ... وتأمير الأراذل وَالْعَبِيد)
(وأعطونا السوية لَا تزركم ... جنودٌ مردفاتٌ بالجنود)
وَهَذَا الشّعْر لعقيبة بن هُبَيْرَة الْأَسدي شاعرٌ جاهليٌ إسلامي. وَفد على مُعَاوِيَة ابْن أبي سُفْيَان فَدفع إِلَيْهِ رقْعَة فِيهَا هَذِه الأبيات فَدَعَاهُ مُعَاوِيَة
стр. 730
فَقَالَ لَهُ: مَا جرأك عَليّ قَالَ: نَصَحْتُك إِذْ غشوك وصدقتك إِذْ كَذبُوك فَقَالَ: مَا أَظُنك إِلَّا صَادِقا فَقضى حَوَائِجه.)
ويروى أَن أَبَا بردة بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ جَاءَ إِلَى مُعَاوِيَة فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن عقيبة أَخا بني أَسد هجاني فَقَالَ: وَمَا قَالَ لَك قَالَ: قَالَ لي: فَمَا أَنا من حداث أمك بالضحى فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة: لَيْسَ من حداثها قَالَ: وَقَالَ لي: وَلَا من يزكيها بِظهْر مغيب فَقَالَ مُعَاوِيَة: لَكِن الله وَرَسُوله والمهاجرين وَالْأَنْصَار يزكونها وَكَانَت تخْدم رَسُول الله ﷺ َ. قَالَ: وَقَالَ لي:
وَأَنت امرؤٌ فِي الأشعرين مُقَابل فَقَالَ: صدق. قَالَ: وَقَالَ لي: وَفِي الْبَيْت والبطحاء حق غَرِيب فَقَالَ: صدق لَيْسَ لَك فِي الْبَيْت وَلَا فِي الْبَطْحَاء حق قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فندعه على هَذَا قَالَ: مَا قَالَ لي أَشد مِمَّا قَالَ لَك. . وَقَرَأَ لَهُ الأبيات فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا تصنع بِهِ قَالَ: وعقيبة بِالْقَافِ يحْتَمل أَن يكون مصغر عقبَة كظلمة وَهِي بَقِيَّة
стр. 731
المرق وَنَحْو ذَلِك ترد فِي الْقدر المستعارة أَو مصغر الْعقبَة بِمَعْنى النّوبَة يُقَال: تمت عقبتك. وهما يتعاقبان أَي: يتناوبان.
وَقَوله: فجردتموها أَي: قشرتموها كَمَا يجرد اللَّحْم من الْعظم وَقَوله: فَهَل من قَائِم يَعْنِي: الْقرى الَّتِي أهلكت مِنْهَا قَائِم قد بقيت حيطانه وَمِنْهَا حصيد قد أمحى أَثَره والخون بِفَتْح الْخَاء وَسُكُون الْوَاو: مصدر كالخيانة. والتأمير: تفعيل من الْإِمَارَة. والسوية: الْمُسَاوَاة: والنصفة.
وَلم أر لعقيبة هَذَا ذكرا فِي كتب الصَّحَابَة وَلم يذكرهُ ابْن حجر أَيْضا فِي الْإِصَابَة من المخضرمين. وَالظَّاهِر أَنه من المخضرمين.
وَأجَاب الزَّمَخْشَرِيّ تبعا لما قَالَه ابْن الْأَنْبَارِي فِي الْإِنْصَاف بِأَن هَذَا الْبَيْت رُوِيَ مَعَ أَبْيَات مَنْصُوبَة وَمَعَ أَبْيَات مجرورة فَمن رَوَاهُ بِالْجَرِّ روى مَعَه الأبيات الْمُتَقَدّمَة وَمن رَوَاهُ بِالنّصب روى مَعَه:
(أديروها بني حربٍ عَلَيْكُم ... وَلَا ترموا بهَا الْغَرَض البعيدا))
يَقُول: ضمُّوا الْخلَافَة وَالْولَايَة إِلَيْكُم وَلَا ترموا بهَا أقْصَى المرامي أَي: لَا
تطرحوا النّظر فِي أمرنَا وَهَذَا الشّعْر لعبد الله بن الزبير الْأَسدي. قَالُوا: وَلَيْسَ يُنكر أَن يكون بيتٌ من شعرين مَعًا لِأَن الشُّعَرَاء قد يستعير بَعضهم من كَلَام بعض وَرُبمَا أَخذ الْبَيْت بِعَيْنِه وَلم يُغَيِّرهُ كَقَوْل الفرزدق: ...
стр. 732
(ترى النَّاس مَا سرنا يَسِيرُونَ خلفنا ... وَإِن نَحن أومأنا إِلَى النَّاس وقفُوا)
فَإِن هَذَا الْبَيْت لجميل بن عبد الله انتحله الفرزدق.
وَأورد ابْن خلف نَظِير هَذَا فِي شرح أَبْيَات الْكتاب مَا يزِيد على مائَة بَيت. وَمثل مَا نَحن فِيهِ قَول الْأَخْنَس بن شهَاب الْيَشْكُرِي:
(إِذا قصرت أسيافنا كَانَ وَصلهَا ... خطانا إِلَى أَعْدَائِنَا فنضارب)
وَالْقَصِيدَة مَرْفُوعَة القوافي وَأَخذه قيس بن الخطيم وَجعله فِي قصيدة مجرورة القوافي وَسَيَأْتِي شَرحه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي الظروف.
وَزعم السيرافي: أَن شعر عقيبة الْأَسدي يجوز فِي إنشاد قوافيه الْجَرّ وَالنّصب. قَالَ اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل: وَهَذَا وهم لِأَن فِيهَا مَا يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ عِنْد الْبَصرِيين وَمِنْهَا مَا لَا يجوز فِيهِ عِنْدهم إِلَّا وجهٌ وَاحِد وَلَا يجوز أَن ينشد بعض القصيدة مَنْصُوبًا وَبَعضهَا مَرْفُوعا على طَرِيق الإقواء لِأَن الإقواء فِي الْغَالِب إِنَّمَا يكون بَين الْمَرْفُوع وَالْمَجْرُور لما بَينهمَا من الْمُنَاسبَة فَأَما مايصح فِيهِ الْوَجْهَانِ فالبيت الأول وَالثَّالِث وَالْخَامِس وَالنّصب فِيهِ عطف على خون الْخلَافَة وَيجوز أَن يكون مَعْطُوفًا على تأمير الأراذل على حذف مُضَاف فَأَما البيتان الباقيان فَلَا يَصح فيهمَا النصب
على مَذْهَب الْبَصرِيين وَيجوز على مَذْهَب الْكُوفِيّين لأَنهم يجيزون ترك صرف مَا ينْصَرف فِي الشّعْر ضَرُورَة.
وَلَا يخفى أَن الْكُوفِيّين إِنَّمَا يجيزون ترك صرف المنصرف إِذا كَانَ علما يكتفون بِشَرْط الْعلَّة كَمَا هُوَ الْمَشْهُور وَقدمنَا فِي أول بَاب مَا لَا ينْصَرف مَا يُغني عَن إِعَادَته هُنَا.
стр. 733
وَقيل: إِنَّه من شعر آخر لعبد الله بن الزبير وَهُوَ:
(رمى الْحدثَان نسْوَة آل حربٍ ... بِمِقْدَار سمدن لَهُ سمودا)
(فَرد شعورهن السود بيضًا ... ورد وجوههن الْبيض سُودًا)
(فَإنَّك لَو سَمِعت بكاء هندٍ ... ورملة إِذْ تصكان الخدودا)
(سَمِعت بكاء باكيةٍ حزينٍ ... أبان الدَّهْر وَاحِدهَا الفقيدا))
معاوي إننا بشرٌ فاسجح ... ... ... ... ... . . الْبَيْت وَلَا يخفى أَن هَذَا الْبَيْت أَجْنَبِي من هَذِه الأبيات وَيدل عَلَيْهِ: أَن أَبَا تَمام أنْشد هَذِه الأبيات لمن ذكرنَا فِي بَاب المراثي من الحماسة بون الْبَيْت الْأَخير وَلم يذكرهُ أحد من شراحه. والْحدثَان بِالتَّحْرِيكِ: الْحَادِثَة ونائبة الدَّهْر. والْمِقْدَار: مَا قدره الله تَعَالَى. وَفِيه قلبٌ وابْن الزبير هُوَ عبد الله بن الزبير بن الأشيم بن الْأَعْشَى بن بجرة بِفَتْح الْمُوَحدَة وَالْجِيم وَيَنْتَهِي نسبه إِلَى أَسد بن خُزَيْمَة. وَالزُّبَيْر بِفَتْح الزَّاي وَكسر الْمُوَحدَة.
وَعبد الله شَاعِر كُوفِي المنشأ والمنزل. وَهُوَ من شعراء الدولة الأموية وَمن شيعتهم والمتعصب لَهُم فَلَمَّا غلب مُصعب بن الزبير على الْكُوفَة أُتِي بِهِ أَسِيرًا فَمن عَلَيْهِ وَوَصله وَأحسن إِلَيْهِ فمدحه وَأكْثر من مدحه وَانْقطع إِلَيْهِ
стр. 734
فَلم يزل مَعَه حَتَّى قتل وَعمي بعد ذَلِك وملت فِي خلَافَة عبد الْملك بن مَرْوَان. وَكَانَ الْحجَّاج أرْسلهُ فِي بعثٍ إِلَى الرّيّ فَمَاتَ بهَا. وَكَانَ أحد الهجائين يخَاف النَّاس شَره وَله حكايات مسطورة فِي الأغاني.
وَمن شعره يمدح عَمْرو بن عُثْمَان بن عَفَّان وَكَانَ رَآهُ عَمْرو فِي ثِيَاب رثَّة فاقترض ثَمَانِيَة آلَاف دِرْهَم بِاثْنَيْ عشر ألفا وأرسلها إِلَيْهِ مَعَ رزمة ثِيَاب فَقَالَ: وَهُوَ من أَبْيَات تَلْخِيص الْمِفْتَاح:
(سأشكر عمرا إِن تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وَإِن هِيَ جلت)
(فَتى غير مَحْجُوب الْغنى عَن صديقه ... وَلَا مظهرٍ الشكوى إِذا النَّعْل زلت)
(رأى خلتي من حَيْثُ يخفى مَكَانهَا ... فَكَانَت قذى عَيْنَيْهِ حَتَّى تجلت)
ومدح أَسمَاء بن خَارِجَة الْفَزارِيّ بقصيدة مِنْهَا:
(ترَاهُ إِذا مَا جِئْته متهللاً ... كَأَنَّك تعطيه الَّذِي أَنْت سائله)
فأثابه أَسمَاء ثَوابًا لم يرضه فَغَضب وَقَالَ يهجوه:
(بنت لكم هندٌ بتلذيع بظرها ... دكاكين من جصٍّ عَلَيْهَا الْمجَالِس)
فو الله لَوْلَا رهز هندٍ ببظرها لعد أَبوهَا فِي اللئام العوابس فَبلغ ذَلِك أَسمَاء فَركب إِلَيْهِ وَاعْتذر إِلَيْهِ من ضيق يَده وأرضاه وَجعل لَهُ على نَفسه وَظِيفَة فِي كل سنة. فَكَانَ بعد ذَلِك يمدحه ويفضله. وَكَانَ أَسمَاء
стр. 735
يَقُول لِبَنِيهِ: وَالله مَا رَأَيْت قطّ جصاً فِي بِنَاء إِلَّا ذكرت بظر أمكُم هِنْد فخجلت.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الْبَيْت الْخَامِس وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة:)
يسْمعهَا لاهه الْكِبَار على أَنه قيل إِنَّمَا جَازَ يَا الله للُزُوم اللَّام للكلمة فَلَا يُقَال: لاهٌ إِلَّا نَادرا كَمَا فِي هَذَا الشّعْر.
وَإِنَّمَا عبر بقيل لِأَن أَبَا عَليّ الْفَارِسِي قَالَ: أل عوضٌ من الْهمزَة إِذْ أَصله إِلَه وَيدل على ذَلِك: استجازتهم لقطع الْهمزَة فِي الْقسم والنداء فَلَو كَانَت غير عوض لم تثبت كَمَا لم تثبت فِي غير هَذَا الِاسْم. وَلَا يجوز أَن يكون للُزُوم الْحَرْف لِأَن ذَلِك يُوجب أَن تقطع همزَة الَّذِي وَالَّتِي. وَلَا يجوز أَيْضا أَن يكون لِأَنَّهَا همزَة مَفْتُوحَة وَإِن كَانَت مَوْصُولَة كَمَا لم يجز فِي ايم الله وايمن الله. وَلَا يجوز أَيْضا أَن يكون ذَلِك لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال لِأَن ذَلِك يُوجب أَن تقطع الْهمزَة أَيْضا فِي غير هَذَا مِمَّا يكثر استعمالهم لَهُ. فَعلمنَا أَن ذَلِك لِمَعْنى اخْتصّت بِهِ لَيْسَ فِي غَيرهَا. وَلَا شَيْء أولى بذلك الْمَعْنى من أَن يكون للعوض من الْحَرْف الْمَحْذُوف الَّذِي هُوَ الْفَاء.
وَكَون لفظ الْجَلالَة أَصله لاه هُوَ أحد قولي سِيبَوَيْهٍ فِيهِ. وَاخْتَارَهُ الْمبرد قَالَ: أَصله لاه على فعل مثل ضرب ثمَّ دخلت أل عَلَيْهِ تَعْظِيمًا لله
стр. 736
عَزَّ وَجَلَّ وإبانة لَهُ عَن كل مَخْلُوق فَهُوَ اسْم وَإِن كَانَ فِيهِ معنى فعل. وأصل لاه: لوه أَو ليه. قَالَ: وَلَو كَانَ كَمَا ذكر سِيبَوَيْهٍ: أَن أَصله إلاه لَكَانَ قد حذف فَاء الْفِعْل وعينه لِأَنَّهُ يحذف همزَة إِلَه وَهِي فَاء الْفِعْل ثمَّ تذْهب الْعين إِذا دخل الْألف وَاللَّام وَلم نر شَيْئا يحذف فاؤه وعينه.
قَالَ السخاوي فِي سفر السَّعَادَة: ولَيْسَ كَمَا يُقَال فَإِن عينه بَاقِيَة لم تحذف.
وَالْعجب من السخاوي حَيْثُ نقل عَن الْمبرد بِأَن قَول ابْن عَبَّاس: الله هُوَ الله ذُو الألوهية يأله الْخلق وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس: ويذرك وإلهتك أَي: وعبادتك لأَنهم كَانُوا يعْبدُونَ فِرْعَوْن. يُؤَيّد القَوْل بِكَوْن أَصله لاه وَلم يتعقبه بِشَيْء مَعَ أَنه يُؤَيّد من قَالَ: إِن أَصله إِلَه. فَتَأمل.
وَقَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: وَالَّذِي ذهب إِلَيْهِ س: من أَن أصل هَذَا الِاسْم إِلَه قَول يُونُس والأخفش وَالْكسَائِيّ وَالْفراء وقطرب. وَقَالَ بعد وَفَاته لهَؤُلَاء: وجائزٌ أَن يكون أَصله لاه وأصل لاه ليه على وزن فعل ثمَّ أَدخل عَلَيْهِ أل. وَاسْتدلَّ بقول بعض الْعَرَب: لهي أَبوك يُرِيدُونَ وَأنْشد. . لاهه الْكِبَار وَقَوله: لاه ابْن عمك. . الْبَيْت. ا. هـ كَلَام سِيبَوَيْهٍ.
وَأَقُول: لاه على هَذَا تَامّ على وزن جبل وَمن قَالَ لهي أَبوك فَهُوَ مقلوب من لاه قدمت لامه الَّتِي هِيَ الْهَاء على عينه الَّتِي هِيَ الْيَاء فوزنه فلع وَكَانَ أَصله بعد تَقْدِيم لامه على عينه للهي فحذفوا لَام الْجَرّ ثمَّ لَام التَّعْرِيف
стр. 737
وضمنوه معنى لَام التَّعْرِيف فبنوه كَمَا ضمنُوا مَعْنَاهَا أمس)
فَوَجَبَ بِنَاؤُه. وحركوا الْيَاء لسكون الْهَاء قبلهَا وَكَانَت فَتْحة لخفتها ا. هـ كَلَام ابْن الشجري.
أَقُول: البيتان اللَّذَان أوردهما ليسَا فِي كتاب س وَلَيْسَ فِي الشّعْر دليلٌ على أَن الله أَصله لاه لجَوَاز أَن يكون لاه مخفف إِلَه حذفت الْهمزَة لضَرُورَة الشّعْر بِدَلِيل
الْجمع على آلِهَة دون ألوهة أَو أليهة.
وَقَالَ خضر الْموصِلِي: اسْتشْهد بِهِ على أَن أصل الله لاه لِأَن الضَّرُورَة ترد الْأَشْيَاء إِلَى أُصُولهَا. وَفِيه نظر لجَوَاز أَن يكون لاه لفظا مُسْتقِلّا بِرَأْسِهِ بِمَعْنى إِلَه.
قَالَ أَبُو عَليّ فِي نقض الهاذور: فَإِن قيل: قد قَالَ الشَّاعِر: لاهه الْكِبَار لقد أخرج الْألف وَاللَّام من الِاسْم وأضافه. قيل: إِن الشَّاعِر لما رأى الْألف وَاللَّام فِيهِ على حد مَا يكون فِي الصِّفَات الَّتِي تغلب وَرَأى أَن هَذِه الصِّفَات إِذا غلبت صَارَت كالأعلام فَلَا تحْتَاج إِلَى حرف التَّعْرِيف فِيهَا كَمَا لم يحْتَج إِلَيْهَا فِي الْأَعْلَام.
ونابغة الْجَعْدِي بالرمل بَيته حَيْثُ غلب الْوَصْف فَصَارَ يعرف بِهِ كَمَا بعرف بِالْعلمِ فَكَذَلِك الِاسْم. وَمَعَ هَذَا فَكَأَنَّهُ رد الِاسْم للضَّرُورَة إِلَى الأَصْل المرفوض الِاسْتِعْمَال. وَهَذَا لَا يجوز اسْتِعْمَاله سائغاً مطرداً.
والأزهري أورد هَذَا الشّعْر على غير هَذِه الرِّوَايَة قَالَ فِي التَّهْذِيب: وَقد كثر اللَّهُمَّ فِي الْكَلَام حَتَّى خففت ميمها فِي بعض اللُّغَات وأنشدني بَعضهم: ...
стр. 738
(كحلفةٍ من أبي ريَاح ... يسْمعهَا اللَّهُمَّ الْكِبَار)
وإنشاد الْعَامَّة: يسْمعهَا لاهه الْكِبَار.
وَأوردهُ جمَاعَة من النَّحْوِيين مِنْهُم الْمرَادِي فِي شرح الألفية: يسْمعهَا لاهم الْكِبَار
على أَن فِيهِ شذوذين: أَحدهمَا اسْتِعْمَاله فِي غير النداء لِأَنَّهُ فَاعل يسْمعهَا وَالثَّانِي تَخْفيف ميمه وَأَصلهَا التَّشْدِيد.
وَقَالَ العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف: روى الْأَصْمَعِي: يسْمعهَا الْوَاحِد الْكِبَار وَرِوَايَة غَيره لاهه.
قَالَ أَبُو عَليّ فِي نقض الهاذور: وَأما قَول من قَالَ لاهم الْكِبَار فَالْقَوْل فِيهِ: أَنه بنى من الِاسْم وَالصَّوْت اسْما كَمَا بنى التهليل من هلل وبأبأ من بأبى ثمَّ صَار اسْما كَمَا صَارَت هَذِه)
الْأَشْيَاء اسْما وَأَصله الصَّوْت.
والكبار وَصفه. قَالَ ابْن عقيل فِي شرح التسهيل: وَمذهب سِيبَوَيْهٍ والخليل أَن اللَّهُمَّ فِي النداء لَا يُوصف لكَونه مَعَ الْمِيم كالصوت. وَأما لاهم الْكِبَار فَقيل فِيهِ: لما كَانَ غير منادى وصف وَقيل رفع على الْقطع. وأَبُو ريَاح رجل من بني ضبيعة. وَهُوَ حصن بن عَمْرو بن بدر. وَكَانَ قتل رجلا من بني سعد بن ثَعْلَبَة فَسَأَلُوهُ أَن يحلف أَو يُعْطي الدِّيَة فَحلف ثمَّ قتل بعد حلفته. فضربته الْعَرَب مثلا لما لَا يُغني من الْحلف قَالَه ابْن دُرَيْد فِي شرح ديوَان الْأَعْشَى. وَهُوَ بمثناة تحتية لَا بموحدة كَمَا زعم شرَّاح الشواهد.
стр. 739
قَالَ العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف: زعم بعض المصحفين: أَن الْإِنْسَان إِذا صحف فِي مثل هَذَا لم يكن ملوماً. وَلَيْسَ كَمَا قَالَ وَهل الْعَيْب واللوم إِلَّا على تَصْحِيف الْأَسْمَاء وَلَيْسَ يعرف فِي أَسمَاء الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة رَبَاح بباء تحتهَا نقطة وَاحِدَة إِلَّا فِي أَسمَاء عبيدها إِلَّا فِي اسْم رجلَيْنِ: أَحدهمَا رَبَاح بن المغترف بغين مُعْجمَة وَآخر. وَأما قَول الْأَعْشَى: كحلفة من أبي ريَاح فَهُوَ بياء تحتهَا نقطتان من بني تيم بن ضبيعة. والْكِبَار بِضَم الْكَاف وَتَخْفِيف الْمُوَحدَة: صِيغَة مُبَالغَة الْكَبِير بِمَعْنى الْعَظِيم وَهُوَ صفة لاهه. والحلفة بِالْفَتْح: الْمرة من الْحلف بِمَعْنى الْقسم.
وَقَوله: من أبي ريَاح صفة لحلفة أَي: كحلفةٍ صادرةٍ مِنْهُ. وروى بدل يسْمعهَا: يشهدها وَالضَّمِير للحلفة وَالْجُمْلَة صفة ثَانِيَة لحلفة. وَقَبله:
(أقسمتم حلفا جهاراً: ... إِن نَحن مَا عندنَا عرار)
وحلفا: جمع حَالف. وإِن: مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة. وعرار بِكَسْر الْمُهْملَة: اسْم رجل.
والبيتان من قصيدة للأعشى مَيْمُون ذكر فِيهَا من أهلكه الدَّهْر من الْجَبَابِرَة. ومطلعها:
(ألم تروا إرماً وعاداً ... أفناهم اللَّيْل وَالنَّهَار)
(وقبلهم غالت المنايا ... طمساً فَلم ينجها الحذار)
(وَحل بالحي من جديسٍ ... يومٌ من الشَّرّ مستطار)
...
стр. 740
(وَأهل جوٍّ أَتَت عَلَيْهِم ... فأفسدت عيشهم فباروا)
(فصبحتهم من الدَّوَاهِي ... جائحةٌ عَقبهَا الدمار))
(وَمر دهرٌ على وبارٍ ... فَهَلَكت جهرةً وبار)
الرُّؤْيَة علمية وَجُمْلَة أفناهم هُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي لَا أَنَّهَا بصرية خلافًا للعيني. وروى: أودى بهَا اللَّيْل وَالنَّهَار وَهُوَ بِمَعْنى أفناهم. وإرم بِكَسْر الْهمزَة قَالَ الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم: هُوَ أَبُو عوص بالصَّاد وَفتح الْعين وعَاد: ابْن عوص وإرم: هُوَ ابْن سَام بن نوح ﵇ قَالَ الْهَمدَانِي: نزل جيرون بن سعد بن عادٍ دمشق وَبنى مدينتها فسميت باسمه جيرون. . قَالَ: وَهِي إرم ذَات الْعِمَاد يُقَال: إِن بهَا أَرْبَعمِائَة ألف عَمُود من حِجَارَة. .
قَالَ: وإرم ذَات الْعِمَاد الْمَعْرُوفَة بتيه أبين وبجانب هَذَا التيه منهل أهل عدن وبتيه أبين مسكن إرم بن سَام بن نوح فَلذَلِك يُقَال: إِن إرم ذَات الْعِمَاد فِيهِ.
وَاخْتلف أهل التَّأْوِيل فِي معنى إرم فَقَالَ بَعضهم: إرم: بَلْدَة وَقيل: إِنَّهَا دمشق وَقيل هِيَ الْإسْكَنْدَريَّة وَقَالَ مُجَاهِد ﵀: إرم: أمة وَقَالَ غَيره:
من عَاد. وَمعنى ذَات الْعِمَاد على هَذَا ذَات الطول. وطسم وجديس: قبيلتان من عَاد كَانُوا فِي الدَّهْر الأول فانقرضوا. . وَبَيَان انقراضهم كَمَا قَالَ مُحَمَّد بن حبيب فِي كتاب المغتالين: أَن ملك
следующие страницы →