← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

عَزَّ وَجَلَّ وإبانة لَهُ عَن كل مَخْلُوق فَهُوَ اسْم وَإِن كَانَ فِيهِ معنى فعل. وأصل لاه: لوه أَو ليه. قَالَ: وَلَو كَانَ كَمَا ذكر سِيبَوَيْهٍ: أَن أَصله إلاه لَكَانَ قد حذف فَاء الْفِعْل وعينه لِأَنَّهُ يحذف همزَة إِلَه وَهِي فَاء الْفِعْل ثمَّ تذْهب الْعين إِذا دخل الْألف وَاللَّام وَلم نر شَيْئا يحذف فاؤه وعينه. قَالَ السخاوي فِي سفر السَّعَادَة: ولَيْسَ كَمَا يُقَال فَإِن عينه بَاقِيَة لم تحذف. وَالْعجب من السخاوي حَيْثُ نقل عَن الْمبرد بِأَن قَول ابْن عَبَّاس: الله هُوَ الله ذُو الألوهية يأله الْخلق وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس: ويذرك وإلهتك أَي: وعبادتك لأَنهم كَانُوا يعْبدُونَ فِرْعَوْن. يُؤَيّد القَوْل بِكَوْن أَصله لاه وَلم يتعقبه بِشَيْء مَعَ أَنه يُؤَيّد من قَالَ: إِن أَصله إِلَه. فَتَأمل. وَقَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: وَالَّذِي ذهب إِلَيْهِ س: من أَن أصل هَذَا الِاسْم إِلَه قَول يُونُس والأخفش وَالْكسَائِيّ وَالْفراء وقطرب. وَقَالَ بعد وَفَاته لهَؤُلَاء: وجائزٌ أَن يكون أَصله لاه وأصل لاه ليه على وزن فعل ثمَّ أَدخل عَلَيْهِ أل. وَاسْتدلَّ بقول بعض الْعَرَب: لهي أَبوك يُرِيدُونَ وَأنْشد. . لاهه الْكِبَار وَقَوله: لاه ابْن عمك. . الْبَيْت. ا. هـ كَلَام سِيبَوَيْهٍ. وَأَقُول: لاه على هَذَا تَامّ على وزن جبل وَمن قَالَ لهي أَبوك فَهُوَ مقلوب من لاه قدمت لامه الَّتِي هِيَ الْهَاء على عينه الَّتِي هِيَ الْيَاء فوزنه فلع وَكَانَ أَصله بعد تَقْدِيم لامه على عينه للهي فحذفوا لَام الْجَرّ ثمَّ لَام التَّعْرِيف

стр. 737

وضمنوه معنى لَام التَّعْرِيف فبنوه كَمَا ضمنُوا مَعْنَاهَا أمس) فَوَجَبَ بِنَاؤُه. وحركوا الْيَاء لسكون الْهَاء قبلهَا وَكَانَت فَتْحة لخفتها ا. هـ كَلَام ابْن الشجري. أَقُول: البيتان اللَّذَان أوردهما ليسَا فِي كتاب س وَلَيْسَ فِي الشّعْر دليلٌ على أَن الله أَصله لاه لجَوَاز أَن يكون لاه مخفف إِلَه حذفت الْهمزَة لضَرُورَة الشّعْر بِدَلِيل الْجمع على آلِهَة دون ألوهة أَو أليهة. وَقَالَ خضر الْموصِلِي: اسْتشْهد بِهِ على أَن أصل الله لاه لِأَن الضَّرُورَة ترد الْأَشْيَاء إِلَى أُصُولهَا. وَفِيه نظر لجَوَاز أَن يكون لاه لفظا مُسْتقِلّا بِرَأْسِهِ بِمَعْنى إِلَه. قَالَ أَبُو عَليّ فِي نقض الهاذور: فَإِن قيل: قد قَالَ الشَّاعِر: لاهه الْكِبَار لقد أخرج الْألف وَاللَّام من الِاسْم وأضافه. قيل: إِن الشَّاعِر لما رأى الْألف وَاللَّام فِيهِ على حد مَا يكون فِي الصِّفَات الَّتِي تغلب وَرَأى أَن هَذِه الصِّفَات إِذا غلبت صَارَت كالأعلام فَلَا تحْتَاج إِلَى حرف التَّعْرِيف فِيهَا كَمَا لم يحْتَج إِلَيْهَا فِي الْأَعْلَام. ونابغة الْجَعْدِي بالرمل بَيته حَيْثُ غلب الْوَصْف فَصَارَ يعرف بِهِ كَمَا بعرف بِالْعلمِ فَكَذَلِك الِاسْم. وَمَعَ هَذَا فَكَأَنَّهُ رد الِاسْم للضَّرُورَة إِلَى الأَصْل المرفوض الِاسْتِعْمَال. وَهَذَا لَا يجوز اسْتِعْمَاله سائغاً مطرداً. والأزهري أورد هَذَا الشّعْر على غير هَذِه الرِّوَايَة قَالَ فِي التَّهْذِيب: وَقد كثر اللَّهُمَّ فِي الْكَلَام حَتَّى خففت ميمها فِي بعض اللُّغَات وأنشدني بَعضهم: ...

стр. 738

(كحلفةٍ من أبي ريَاح ... يسْمعهَا اللَّهُمَّ الْكِبَار) وإنشاد الْعَامَّة: يسْمعهَا لاهه الْكِبَار. وَأوردهُ جمَاعَة من النَّحْوِيين مِنْهُم الْمرَادِي فِي شرح الألفية: يسْمعهَا لاهم الْكِبَار على أَن فِيهِ شذوذين: أَحدهمَا اسْتِعْمَاله فِي غير النداء لِأَنَّهُ فَاعل يسْمعهَا وَالثَّانِي تَخْفيف ميمه وَأَصلهَا التَّشْدِيد. وَقَالَ العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف: روى الْأَصْمَعِي: يسْمعهَا الْوَاحِد الْكِبَار وَرِوَايَة غَيره لاهه. قَالَ أَبُو عَليّ فِي نقض الهاذور: وَأما قَول من قَالَ لاهم الْكِبَار فَالْقَوْل فِيهِ: أَنه بنى من الِاسْم وَالصَّوْت اسْما كَمَا بنى التهليل من هلل وبأبأ من بأبى ثمَّ صَار اسْما كَمَا صَارَت هَذِه) الْأَشْيَاء اسْما وَأَصله الصَّوْت. والكبار وَصفه. قَالَ ابْن عقيل فِي شرح التسهيل: وَمذهب سِيبَوَيْهٍ والخليل أَن اللَّهُمَّ فِي النداء لَا يُوصف لكَونه مَعَ الْمِيم كالصوت. وَأما لاهم الْكِبَار فَقيل فِيهِ: لما كَانَ غير منادى وصف وَقيل رفع على الْقطع. وأَبُو ريَاح رجل من بني ضبيعة. وَهُوَ حصن بن عَمْرو بن بدر. وَكَانَ قتل رجلا من بني سعد بن ثَعْلَبَة فَسَأَلُوهُ أَن يحلف أَو يُعْطي الدِّيَة فَحلف ثمَّ قتل بعد حلفته. فضربته الْعَرَب مثلا لما لَا يُغني من الْحلف قَالَه ابْن دُرَيْد فِي شرح ديوَان الْأَعْشَى. وَهُوَ بمثناة تحتية لَا بموحدة كَمَا زعم شرَّاح الشواهد.

стр. 739

قَالَ العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف: زعم بعض المصحفين: أَن الْإِنْسَان إِذا صحف فِي مثل هَذَا لم يكن ملوماً. وَلَيْسَ كَمَا قَالَ وَهل الْعَيْب واللوم إِلَّا على تَصْحِيف الْأَسْمَاء وَلَيْسَ يعرف فِي أَسمَاء الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة رَبَاح بباء تحتهَا نقطة وَاحِدَة إِلَّا فِي أَسمَاء عبيدها إِلَّا فِي اسْم رجلَيْنِ: أَحدهمَا رَبَاح بن المغترف بغين مُعْجمَة وَآخر. وَأما قَول الْأَعْشَى: كحلفة من أبي ريَاح فَهُوَ بياء تحتهَا نقطتان من بني تيم بن ضبيعة. والْكِبَار بِضَم الْكَاف وَتَخْفِيف الْمُوَحدَة: صِيغَة مُبَالغَة الْكَبِير بِمَعْنى الْعَظِيم وَهُوَ صفة لاهه. والحلفة بِالْفَتْح: الْمرة من الْحلف بِمَعْنى الْقسم. وَقَوله: من أبي ريَاح صفة لحلفة أَي: كحلفةٍ صادرةٍ مِنْهُ. وروى بدل يسْمعهَا: يشهدها وَالضَّمِير للحلفة وَالْجُمْلَة صفة ثَانِيَة لحلفة. وَقَبله: (أقسمتم حلفا جهاراً: ... إِن نَحن مَا عندنَا عرار) وحلفا: جمع حَالف. وإِن: مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة. وعرار بِكَسْر الْمُهْملَة: اسْم رجل. والبيتان من قصيدة للأعشى مَيْمُون ذكر فِيهَا من أهلكه الدَّهْر من الْجَبَابِرَة. ومطلعها: (ألم تروا إرماً وعاداً ... أفناهم اللَّيْل وَالنَّهَار) (وقبلهم غالت المنايا ... طمساً فَلم ينجها الحذار) (وَحل بالحي من جديسٍ ... يومٌ من الشَّرّ مستطار) ...

стр. 740

(وَأهل جوٍّ أَتَت عَلَيْهِم ... فأفسدت عيشهم فباروا) (فصبحتهم من الدَّوَاهِي ... جائحةٌ عَقبهَا الدمار)) (وَمر دهرٌ على وبارٍ ... فَهَلَكت جهرةً وبار) الرُّؤْيَة علمية وَجُمْلَة أفناهم هُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي لَا أَنَّهَا بصرية خلافًا للعيني. وروى: أودى بهَا اللَّيْل وَالنَّهَار وَهُوَ بِمَعْنى أفناهم. وإرم بِكَسْر الْهمزَة قَالَ الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم: هُوَ أَبُو عوص بالصَّاد وَفتح الْعين وعَاد: ابْن عوص وإرم: هُوَ ابْن سَام بن نوح ﵇ قَالَ الْهَمدَانِي: نزل جيرون بن سعد بن عادٍ دمشق وَبنى مدينتها فسميت باسمه جيرون. . قَالَ: وَهِي إرم ذَات الْعِمَاد يُقَال: إِن بهَا أَرْبَعمِائَة ألف عَمُود من حِجَارَة. . قَالَ: وإرم ذَات الْعِمَاد الْمَعْرُوفَة بتيه أبين وبجانب هَذَا التيه منهل أهل عدن وبتيه أبين مسكن إرم بن سَام بن نوح فَلذَلِك يُقَال: إِن إرم ذَات الْعِمَاد فِيهِ. وَاخْتلف أهل التَّأْوِيل فِي معنى إرم فَقَالَ بَعضهم: إرم: بَلْدَة وَقيل: إِنَّهَا دمشق وَقيل هِيَ الْإسْكَنْدَريَّة وَقَالَ مُجَاهِد ﵀: إرم: أمة وَقَالَ غَيره: من عَاد. وَمعنى ذَات الْعِمَاد على هَذَا ذَات الطول. وطسم وجديس: قبيلتان من عَاد كَانُوا فِي الدَّهْر الأول فانقرضوا. . وَبَيَان انقراضهم كَمَا قَالَ مُحَمَّد بن حبيب فِي كتاب المغتالين: أَن ملك

стр. 741

طسم عمليق ابْن لاوذ بن إرم بن سَام بن نوح تعدى فِي الظُّلم والتجبر. وأتته يَوْمًا امْرَأَة من جديس اسْمهَا هزيلة وَكَانَ زَوجهَا طَلقهَا وَأَرَادَ أَخذ وَلَدهَا مِنْهَا فَقَالَت: أَيهَا الْملك إِنِّي حَملته تسعا وَوَضَعته دفعا وأرضعته شفعاً حَتَّى إِذا تمت أوصاله ودنا فصاله أَرَادَ أَن يَأْخُذهُ كرها وَأَن يتركني من بعده ورهاً فَقَالَ لزَوجهَا: مَا حجتك قَالَ: أَيهَا الْملك إِنَّهَا قد أَعْطَيْت الْمهْر كَامِلا وَلم أصب مِنْهَا طائلاً إِلَّا وليداً خاملاً فافعل مَا كنت فَاعِلا. فَأمر بالغلام أَن ينْزع مِنْهُمَا جَمِيعًا وَيجْعَل فِي غلمانه وَقَالَ لهزيلة: أبغيه ولدا وَلَا تنكحي أحدا أَو اجزيه صفدا. فَقَالَت هزيلة: أما النِّكَاح فَإِنَّمَا يكون بِالْمهْرِ وَأما السفاح فَإِنَّمَا يكون بالقهر وَمَالِي فيهمَا من أَمر فَلَمَّا سمع عمليقٌ كَلَامهَا أَمر أَن تبَاع مَعَ زَوجهَا فَيعْطى زَوجهَا خمس ثمنهَا وتعطى هزيلة عشر ثمن زَوجهَا ويسترقا. فأنشأت تَقول: (أَتَيْنَا أَخا طسمٍ ليحكم بَيْننَا ... فأنفذ حكما فِي هزيلة ظَالِما) (لعمري لقد حكمت لَا متورعاً ... وَلَا كنت فِيمَا يبرم الحكم عَالما)) فَلَمَّا سمع عمليق كَلَامهَا أَمر أَن لَا تزوج بكر من جديس فتهدى إِلَى زَوجهَا إِلَّا يفترعها هُوَ قبل زَوجهَا فَلَقوا من ذَلِك جهداً وذلاً. فَلم يزل على

стр. 742

هَذَا أَرْبَعِينَ سنة حَتَّى زوجت الشموس عميرَة بنت غفار الجديسية أُخْت الْأسود الَّذِي وَقع إِلَى جبلي طَيئ وَسَكنُوا الجبلين بعده فَلَمَّا أَرَادوا أَن يهدوها إِلَى زَوجهَا. انْطَلقُوا بهَا إِلَى عمليقٍ لينالها قبله وَمَعَهَا الفتيات يغنين وَيَقُلْنَ. (ابدي بعمليقٍ وقومي واركبي ... وبادري الصُّبْح لأمرٍ معجب) فَلَمَّا أدخلت عَلَيْهِ افترعها وخلى سَبِيلهَا. فَخرجت إِلَى قَومهَا فِي دمائها شاقة درعها عَن قبلهَا ودبرها وَهِي تَقول: لَا أحد أذلّ من جديس أهكذا يفعل بالعروس يرضى بِهَذَا يَا لقومي. حر أهْدى وَقد أعْطى وسيق الْمهْر (لأَخذه الْمَوْت كَذَا لنَفسِهِ ... خيرٌ من أَن يفعل ذَا بعرسه) وَقَالَت تحرض قَومهَا: (أيصلح مَا يُؤْتى إِلَى فَتَيَاتكُم ... وَأَنْتُم رجالٌ فِيكُم عدد النَّمْل) (وتصبح تمشي فِي الدِّمَاء صبيحةٌ ... شميسةٌ زفت فِي النِّسَاء إِلَى البعل) ...

стр. 743

(فَإِن أَنْتُم لم تغضبوا بعد هَذِه ... فكونوا نسَاء لَا تغب عَن الْكحل) (ودونكم طيب الْعَرُوس فَإِنَّمَا ... خلقْتُمْ لأثواب الْعَرُوس وللغسل) (فَلَو أننا كُنَّا رجَالًا وَأَنْتُم ... نساءٌ لَكنا لَا نُقِيم على الذل) (فبعداً وَسُحْقًا للَّذي لَيْسَ دافعاً ... ويختال يمشي بَيْننَا مشْيَة الْفَحْل) (فموتوا كراماً أَو أميتوا عَدوكُمْ ... ودنوا لنار الْحَرْب بالحطب الجزل) فَلَمَّا سمع قَوْلهَا أَخُوهَا الْأسود وَكَانَ سيداً مطواعاً قَالَ لِقَوْمِهِ: يَا معشر جديس إِن هَؤُلَاءِ الْقَوْم لَيْسُوا بِأَعَز مِنْكُم فِي داركم إِلَّا بِمَا كَانَ من ملك صَاحبهمْ علينا وَعَلَيْهِم وَأَنْتُم أذلّ من النيب فأطيعوني يكن لكم عز الدَّهْر وَذَهَاب ذل الْعُمر. فَقَالُوا: نطيعك وَلَكِن الْقَوْم أَكثر منا وَأقوى. قَالَ: فَإِنِّي أصنع للْملك طَعَاما ثمَّ أدعوهم إِلَيْهِ فَإِذا جاؤوا يرفلون فِي حللهم مشينا إِلَيْهِم بِالسُّيُوفِ فقتلناهم وَأَنا أنفرد بعمليق وينفرد كل وَاحِد مِنْكُم بجليسه فَاتخذ الْأسود طَعَاما كثيرا وَأمر الْقَوْم فاخترطوا سيوفهم وَدَفَنُوهَا فِي الرمل ودعا الْقَوْم فجاؤوا حَتَّى إِذا أخذُوا مجَالِسهمْ ومدوا أَيْديهم إِلَى الطَّعَام أخذُوا سيوفهم من تَحت أَقْدَامهم فَشد الْأسود على

стр. 744

عمليق) وكل رجل على جليسه. فَلَمَّا فرغوا من قتل الْأَشْرَاف شدوا على السفلة فأفنوهم وَنَجَا بعض طسم فاستغاث بِحسان بن تبع فغزا حسان جديساً فَقَتلهَا وأخرب دِيَارهمْ وتفانى الْحَيَّانِ فَلم يبْق مِنْهُم أحد. وجو بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الْوَاو وَهِي منَازِل طسم وجديس وَكَانَ هَذَا الِاسْم فِي الْجَاهِلِيَّة حَتَّى سَمَّاهَا الْحِمْيَرِي لما قتل الْمَرْأَة الَّتِي تسمى الْيَمَامَة باسمها وَقَالَ الْملك الْحِمْيَرِي: (وَقُلْنَا وسموها الْيَمَامَة باسمها ... وسرنا وَقُلْنَا لَا نُرِيد إِقَامَة) والْعقب بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف: الْعَاقِبَة. والدمار: الْهَلَاك. وَقَوله: وَمر دهر على وبار. . الخ هَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد النَّحْوِيين وَأول من اسْتشْهد بِهِ سِيبَوَيْهٍ: على أَن وبار وَأوردهُ شرَّاح الألفية شَاهدا على وُرُود وبار على اللغتين: إِحْدَاهمَا الْبناء على الْكسر وَالثَّانيَِة إعرابها إِعْرَاب مَا لَا ينْصَرف. وَزعم أَبُو حَيَّان: أَنه يحْتَمل أَن يكون وبار الثَّانِي فعلا مَاضِيا مُسْندًا إِلَى الْوَاو. قَالَ الأعلم: وبار: اسْم أمة قديمَة من الْعَرَب العاربة هَلَكت وانقطعت كهلاك عَاد وَثَمُود. وَقَالَ الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم: قَالَ أَبُو عَمْرو: وبار بالدهناء بِلَاد بهَا إبل حوشية وَبهَا نخلٌ كثيرٌ لَا يأبره أحدٌ وَلَا يجده وَزعم أَن رجلا وَقع إِلَى تِلْكَ الأَرْض فَإِذا تِلْكَ الْإِبِل ترد عينا وتأكل من ذَلِك التَّمْر فَركب فحلاً مِنْهَا وَوَجهه قبل أَهله فاتبعته تِلْكَ الْإِبِل الحوشية فَذهب إِلَى أَهله. وَقَالَ الْخَلِيل: وبار كَانَت محلّة عَاد وَهِي بَين الْيمن ورمال يبرين

стр. 745

فَلَمَّا أهلك الله عاداً ورث محلتهم الْجِنّ فَلَا يتقاربها أحدٌ من النَّاس وَهِي الأَرْض الَّتِي ذكرهَا الله تَعَالَى فِي قَوْله: وَاتَّقوا الَّذِي أمدكم بِمَا تعلمُونَ. أمدكم بأنعامٍ وبنين وجناتٍ وعيون. وَقَالَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي: كَانَ من شَأْن دعيميص الرمل الْعَبْدي الَّذِي يضْرب بِهِ الْمثل فَيُقَال: أهْدى من دعيميص الرمل إِنَّه لم يكن أحدٌ دخل أَرض وبار غَيره فَوقف بِالْمَوْسِمِ بعد انْصِرَافه من وبار وَجعل ينشد: فَلم يجبهُ أحدٌ من أهل الْمَوْسِم إِلَّا رجل من مهرَة فَإِنَّهُ أعطَاهُ مَا سَأَلَ وَتحمل مَعَه فِي جمَاعَة من قومه بأهلهم وَأَمْوَالهمْ فَلَمَّا توسطوا الرمل طمست الْجِنّ بصر دعيميص واعترته الصرفة فَهَلَك هُوَ وَمن مَعَه جَمِيعًا.) وترجمة الْأَعْشَى تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعِشْرين. وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّادِس وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة)

стр. 746

(معَاذ الْإِلَه أَن تكون كظبيةٍ ... وَلَا دميةٍ وَلَا عقيلة ربرب) على أَن أل فِي الله بدل من همزَة إِلَه فَلَا يجمع بَينهمَا إِلَّا قَلِيلا: كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت. وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات عشرَة للبعيث بن حُرَيْث أوردهَا أَبُو تَمام فِي الحماسة. وأولها: (خيالٌ لأم السلسبيل ودونها ... مسيرَة شهرٍ للبريد المذبب) (فَقلت لَهُ أَهلا وسهلاً ومرحباً ... فَرد بتأهيلٍ وسهلٍ ومرحب) معَاذ الْإِلَه أَن تكون كظبيةٍ ... ... ... ... ... ... ... الْبَيْت (وَلكنهَا زَادَت على الْحسن كُله ... كمالاً وَمن طيبٍ على كل طيب) خيال: مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف أَي: خيالها أَتَانِي وبيني وَبَينهَا مسيرَة شهر للبريد المسرع والخيال يذكر وَيُؤَنث ونكره لِأَنَّهُ رَآهُ على هيئات مُخْتَلفَة فَاعْتقد أَنه عدَّة خيالات قصد إِلَى وَاحِد مِنْهَا. وأم السلسبيل: امْرَأَة وَلَو كَانَ فِي شعر مولد لجَاز أَن يعْنى بالسلسبيل الرِّيق على وَجه التَّشْبِيه. والْبَرِيد: الدَّابَّة المركوبة مُعرب دم بريده أَي: محذوفة الذَّنب فَإِن الرُّسُل كَانَت تركب البغال المحذوفة الذَّنب وَيُطلق على الرَّسُول أَيْضا لركوبه إِيَّاهَا. والمذبب: اسْم فَاعل من ذبب فِي سيره أَي: جد وأسرع بذال مُعْجمَة وَالْبَاء الأولى مُشَدّدَة. وَرُوِيَ: المدئب من دأب يدأب بِالْهَمْزَةِ: إِذا وجد التَّعَب. وَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ للآمدي فِي المؤتلف والمختلف. وروى شرَّاح الحماسة: المذبذب قَالَ التبريزي: هُوَ الَّذِي لَا يسْتَقرّ وَقَالَ الطبرسي: المذبذب والمذبب الأَصْل فيهمَا يرجع إِلَى الطَّرْد والاستعجال والمسرع المستعجل يتذبذب أَي: يضطرب.

стр. 747

وَقَوله: فَقلت لَهُ وَرُوِيَ لَهَا أَي: للخيال فيهمَا. وأَهلا مَنْصُوب بِفعل مُضْمر أَي: أتيت أَهلا لَا غرباء. والتأهيل: مصدر أهلته: إِذا قلت لَهُ أَهلا. وَقَوله: معَاذ الْإِلَه مَنْصُوب على الْمصدر أَي: أعوذ بِاللَّه معَاذًا. وَكَأَنَّهُ أنف وتبرأ من أَن تكون هَذِه الْمَرْأَة فِي الْحسن بِحَيْثُ تشبه بالظبية أَو الصُّورَة المنقوشة أَو بكريمة من بقر الْوَحْش. والدمية بِالضَّمِّ: الصُّورَة من العاج وَنَحْوه قَالَ أَبُو الْعَلَاء: سميت دمية لِأَنَّهَا كَانَت أَولا تصور بالحمرة فَكَأَنَّهَا أخذت من الدَّم.) والعطف من قبيل: أَبى الله أَن أسمو بِأم وَلَا أَب لما اشْتَمَل الْمُتَقَدّم على معنى النَّفْي كَأَنَّهُ قَالَ: لَا أشبههَا بظبية وَلَا دمية تعوذ بِاللَّه من تَشْبِيه خليلته بِأحد هَذِه الثَّلَاثَة كَمَا يشبه الشُّعَرَاء بهَا. وعقيلة كل شَيْء: أكْرمه. والربرب: القطيع من بقر الْوَحْش. وَقَوله: وَلكنهَا زَادَت. . إِلَخ بَين بِهِ لم أنكر تشبيهها بغَيْرهَا. وكمالاً: تَمْيِيز أَي: يزِيد حسنها على كل حسن كمالاً لِأَنَّهُ لَا حسن إِلَّا وَفِيه نقص سوى حسنها وَكَذَلِكَ كل طيب يتخلله حطيطة إِلَّا طيبها. وَقَوله: من طيب قَالَ التبريزي: أَي: وزادت من طيبها على كل طيب طيبا. وَقَالَ الطبرسي: وَلما كَانَ كمالاً تمييزاً دخله معنى من فَحسن أَن يَقُول: وَمن طيب. وَرَأَيْت فِي بعض شُرُوح الحماسة: أَرَادَ: زَادَت بحسنها كمالاً على كل حسن فَحذف للْعلم بِهِ لِأَنَّك لَا تَقول لِلْحسنِ: هُوَ أكمل من الْحسن لاخْتِلَاف الْجِنْس لِأَن الْحسن عرض وَالْحسن جسم. والبعيث قَالَ الْآمِدِيّ: هُوَ البعيث من حُرَيْث بن جَابر بن سري

стр. 748

بن مسلمة بن عبيد بن ثَعْلَبَة بن يَرْبُوع بن ثَعْلَبَة بن الدول بن حنيفَة بن لجيم. . شَاعِر محسن وَهُوَ قَائِل: خيالٌ لأم السلسبيل ودونها. . الْبَيْت. وَهِي أَبْيَات جِيَاد مختارة ا. هـ. والبعيث بِفَتْح الْمُوَحدَة وَكسر الْعين الْمُهْملَة قَالَ ابْن جني: هُوَ اسْم مرتجل للعلمية وَيُمكن أَن يكون صفة منقولة فَيكون فعيل فِي معنى مفعول. وَقَالَ أَبُو رياش: ابْن حُرَيْث هَذَا لَيْسَ بِصَاحِب الْقبَّة بصفين. وحريث بِالتَّصْغِيرِ وسري وَعبيد كَذَلِك. والدول بِضَم الدَّال وَسُكُون الْوَاو. ولجيم قَالَ أَبُو الْعَلَاء: يجوز أَن يكون تَصْغِير ترخيم لملجم أَو لجام أَو تَصْغِير لجم بِضَم فَفتح واللجم: دويبة يتشاءم بهَا وتوصف بالعطاس قَالَ الراجز: (أغدو فَلَا أحاذر الشكيسا ... وَلَا أَخَاف اللجم العطوسا) وَذكر الْآمِدِيّ شاعرين آخَرين يُقَال لَهما البعيث أَحدهمَا الْمُجَاشِعِي واسْمه خِدَاش وَهَذَا شَاعِر مَشْهُور دخل بَين جرير وغسان السليطي وَأعَاد غَسَّان فنشب الهجاء بَينه وَبَين جرير والفرزدق وَسقط البعيث. وَالثَّانِي: البعيث التغلبي بمثناة فمعجمة وَهُوَ بعيث بن رزام وَكَانَ يهاجي زرْعَة بن عبد الرَّحْمَن. وَقَالَ الْقطَامِي: (إِن رزاماً غرها قرزامها ... قلف على أزبابها كمامها))

стр. 749

الشَّاهِد السَّابِع وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة) إِن المنايا يطلعن على الأناس الآمنينا على أَن اجْتِمَاع أل والهمزة فِي الأناس لَا يكون إِلَّا فِي الشّعْر وَالْقِيَاس النَّاس فَإِن أَصله أنَاس فحذفت الْهمزَة وَعوض عَنْهَا أل إِلَّا أَنَّهَا لَيست لَازِمَة إِذْ يُقَال فِي السعَة نَاس. أَقُول: هَذَا يدل على أَن أل فِي الْبَيْت لَيست عوضا من الْهمزَة إِذْ لَو كَانَت عوضا لم يجز أَن يُقَال نَاس: من غير همزَة وَلَا أل إِذْ لَا يجوز الْخُلُو عَن الْعِوَض والمعوض عَنهُ. وَمَا ذكره من كَونه عوضا من الْهمزَة هُوَ مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَتَبعهُ الزَّمَخْشَرِيّ وَالْقَاضِي وَغَيرهمَا. وَذهب أَبُو عَليّ الْفَارِسِي فِي الأغفال: وَهُوَ كتاب ذكر فِيهِ مَا أغفله شَيْخه أَبُو إِسْحَاق الزّجاج. أَن أل لَيست عوضا من همزَة أنَاس. وَقد عزا إِلَيْهِ السَّيِّد فِي حَاشِيَة الْكَشَّاف خلاف هَذَا فَقَالَ: وتوهم أَبُو عَليّ فِي الأغفال أَن اللَّام فِي النَّاس أَيْضا عوض إِذْ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي الأناس إِلَّا ضَرُورَة. ورد بِكَثْرَة اسْتِعْمَال نَاس مُنْكرا دون إِلَه وبامتناع يَا النَّاس دون يَا الله. انْتهى.

стр. 750

فقد انعكس النَّقْل عَلَيْهِ من هَذَا الْكتاب مَعَ أَنه قد رد عَلَيْهِ ابْن خالويه فِيمَا كتبه على الأغفال وَتعقبه أَبُو عَليّ فِيمَا كتبه ثَانِيًا وَهُوَ رد على ابْن خالويه وَسَماهُ نقض الهاذور وَبسط الْكَلَام فِيهِ كل الْبسط. وَأَنا أوردهُ مُخْتَصرا لتقف على حَقِيقَة الْحَال. وَهَذِه عِبَارَته: ثمَّ ذكر هذراً لَيْسَ من حكمه أَن نتشاغل بِهِ وَإِن كَانَ جَمِيع مَا هذر بِهِ غير خَارج من هَذَا الحكم. . ثمَّ حكى قَوْلنَا وَهُوَ: فَإِن قَالَ قَائِل: أَو لَيْسَ قد حذفت الْهمزَة من النَّاس كَمَا حذفت من هَذَا الِاسْم حذفا فَهَل تَقول: إِنَّهَا عوض مِنْهَا كَمَا أَن اللَّام عوض من الْهمزَة المحزوفة فِي اسْم الله. . إِلَى آخر الْفَصْل. فَقَالَ الْمُعْتَرض: أما ادعاؤه أَن أل لَيست عوضا من الْهمزَة فِي أنَاس كَمَا كَانَت فِي هَذَا الِاسْم فَلَيْسَ على مَا ذكر. . فَلم يزدْ على الْإِنْكَار والادعاء لتركنا طَريقَة سِيبَوَيْهٍ وَحمل كَلَامه الْمُطلق على الْمُقَيد الْمَخْصُوص وتظني المتعرض أَن الْهمزَة سَقَطت مِنْهُمَا على حد وَاحِد وَأَن أل فِي النَّاس عوض من حذف الْهمزَة كَمَا كَانَ ذَلِك فِي اسْم الله تظن على عكس مَا الْأَمر عَلَيْهِ:) وَذَلِكَ أَن قَول سِيبَوَيْهٍ: وَمثل ذَلِك أنَاس فَإِذا أدخلت الْألف وَاللَّام عَلَيْهِ قلت النَّاس لَيْسَ يدل قَوْله: وَمثل ذَلِك أنَاس أَن التَّمَاثُل بَينهمَا يَقع على جَمِيع مَا الاسمان عَلَيْهِ إِنَّمَا يدل على أَن الْمُمَاثلَة تقع على شَيْء وَاحِد. أَلا ترى أَن مثلا إِذا أضيفت إِلَى معرفَة جَازَ أَن يُوصف بِهِ النكرَة لِأَن مَا يتشابهان بِهِ كثير وَإِنَّمَا يتشابهان فِي شَيْء من أَشْيَاء. وَمن ثمَّ كَانَ نكرَة وَكَانَ هَذَا الْأَغْلَب. وَلَو كَانَ التشابه يَقع بَينهمَا فِي كل مَا يُمكن أَن يتشابها بِهِ لَكَانَ مَخْصُوصًا غير مُبْهَم ومحصوراً غير شَائِع. وَفِي أَن الْأَمر بِخِلَاف هَذَا دلَالَة على أَن الظَّاهِر من كَلَام سِيبَوَيْهٍ لَيْسَ على مَا قدره هَذَا الْمُعْتَرض يدل على ذَلِك مَا ذهب إِلَيْهِ أهل الْعلم فِي قَوْله تَعَالَى: فجزاءٌ

стр. 751

مثل مَا قتل من النعم فَقَالَ قَائِلُونَ: جَزَاء مثل مَا قتل فِي الْقيمَة وَقَالَ قَائِلُونَ: جزاءٌ مثله فِي الصُّورَة وَلم يذهب أحد فِيمَا علمناه إِلَى أَن الْمَعْنى جزاءٌ مثل مَا قتل فِي الْقيمَة وَالصُّورَة جَمِيعًا. فَكَذَلِك قَول سِيبَوَيْهٍ: وَمثل ذَلِك أنَاس إِنَّمَا يُرِيد مثله فِي حذف الْفَاء فِي ظَاهر الْأَمر لَو لم تدل دلَالَة على أَن قَوْلهم النَّاس لَيْسَ كاسم الله: فِي كَون الْألف وَاللَّام عوضا من الْهمزَة المحذوفة. فَكيف وَقد قَامَت الْأَدِلَّة على أَن قَوْلهم النَّاس: قد فَارق مَا عَلَيْهِ هَذَا الِاسْم فِي بَاب الْعِوَض على مَا سَنذكرُهُ إِن شَاءَ الله وَإِذا كَانَ الْأَمر فِي إِضَافَة مثل مَا قُلْنَا تبين أَن هَذَا الْمُعْتَرض لم يعرف قَول سِيبَوَيْهٍ. وَلَيْسَ فِي لفظ سِيبَوَيْهٍ شَيْء يدل على أَن الْهمزَة فِي أنَاس مثل الْهمزَة فِي الِاسْم الآخر: فِي أَنه عوض مِنْهَا شَيْء كَمَا عوض هُنَاكَ. وَيبين ذَلِك: أَنه حَيْثُ أَرَادَ أَن يرى النَّظَائِر فِي الْعِوَض أفرد ذكر الِاسْم فَقَالَ: وَهِي فِي إِلَه بِمَنْزِلَة شَيْء غير مُنْفَصِل من الْكَلِمَة كَمَا كَانَت الْمِيم فِي اللَّهُمَّ غير مُنْفَصِلَة وكما كَانَت التَّاء فِي الجحاجحة وَالْألف فِي يمَان وأختيها بَدَلا من الْيَاء. فَأَما الدّلَالَة على أَن حرف التَّعْرِيف لَيْسَ بعوض فَهِيَ أَن الْألف وَاللَّام تدخل مَعَ (إِن المنايا يطلع ... ن على الأناس الآمنينا) وَأَن الأناس وأناس فِي الْمَعْنى وَاحِد إِلَّا فِيمَا أحدث حرف التَّعْرِيف من التَّعْرِيف. وَقد جَاءَ فِي كَلَامهم ناسٌ وأناس. فَمن يَقُول أنَاس يَقُول الأناس وَمن يَقُول نَاس يَقُول النَّاس. وَأنْشد مُحَمَّد بن يزِيد: (وناسٌ من سراة بني سليمٍ ... وناسٌ من بني سعد بن بكر)

стр. 752

وَمِمَّا يغلب أَن هَذِه الْهمزَة لَا يلْزم أَن يكون مِنْهَا عوض أَن من يرد الْأُصُول المحذوفة فِي التحقير وَمن لَا يرد اتَّفقُوا عندنَا جَمِيعًا على أَن حقروا أُنَاسًا: نويسا. فَدلَّ ترك رد الأَصْل فِي التحقير) مِمَّن يرد على أَن هَذَا الْحَذف قد صَار عِنْدهم كالحذف اللَّازِم فِي أَكثر الْأَمر نَحْو: حاش لله وَنَحْو لَا أدر. وَمَا كَانَ من الْحَذف عِنْدهم هَكَذَا يبعد أَن يعوض مِنْهُ وَقد كَانَ أولى من التعويض رد مَا هُوَ مِنْهُ إِلَيْهِ فَلَمَّا لم يَقُولُوا أنيس عِنْد سِيبَوَيْهٍ فِي تحقير نَاس وَلَا عِنْد يُونُس وَأبي عُثْمَان كَانَ أَن لَا يعوض مِنْهُ أولى. وَمِمَّا يبين حسن الْحَذف مِنْهُ وسهولته: أَنه جمع والجموع قد تخفف بِمَا لَا يُخَفف الْآحَاد بِهِ أَلا ترى أَنهم قَالُوا: عصي ودلي فَأَجْمعُوا على الْقلب فِي هَذَا النَّحْو وَكَذَلِكَ نَحْو بيضٍ فَكَمَا خففوا هَذَا النَّحْو من الْجمع كَذَلِك قَوْلهم أنَاس بالحذف مِنْهُ. . ويدلك على أَنه جمع: أَنهم قَالُوا فِي الْإِضَافَة إِلَى أنَاس: إنساني كَمَا قَالُوا فِي الْإِضَافَة إِلَى الْجَمِيع: جمعي. فَعلمت أَن أُنَاسًا فِي جمع إِنْسَان كتؤام فِي جمع توأم وبراء فِي جمع بَرِيء ورخال وظؤار وثناء وَنَحْو ذَلِك. فَكَمَا أجروه مجْرى الْجمع فِي هَذَا كَذَلِك أجروه مجْرَاه فِي الْحَذف مِنْهُ كَمَا خففوا مَا ذكرنَا بِالْقَلْبِ فِيهِ. وَمِمَّا يغلب أَن قَوْلنَا النَّاس على الْحذاء الَّذِي ذكرنَا من التَّخْفِيف بالحذف أَن مَا فِي التَّنْزِيل من هَذَا النَّحْو عَلَيْهِ نَحْو: الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس إِن النَّاس قد جمعُوا لكم وَنَحْو: أعوذ بِرَبّ النَّاس. ملك النَّاس

стр. 753

فَهَذَا إِنَّمَا أدغم لَام الْمَعْنى فِي النُّون على حد مَا أدغم فِي: النشر والنشز والنعمان لَا على حد تَقْدِير الْهمزَة فِيهِ وتخفيفها. أَلا ترى أَنه لَو كَانَ على تَقْدِير أنَاس لم يدغم لِأَن الحرفين ليسَا مثلين كَمَا كَانَا مثلين فِي الِاسْم الآخر إِنَّمَا هما متقاربان وَالْأَكْثَر فِي المتقاربين إِذا تحرّك الأول مِنْهُمَا فالأقيس أَن لَا يدغم الأول فِي الثَّانِي كَمَا يدغم المثلان. وَذَلِكَ: أَن مباينة الحرفين فِي الْمخْرج إِذا انْضَمَّ إِلَيْهِمَا الْحَرَكَة قَوِيا على منع الْإِدْغَام فَامْتنعَ كَمَا يمْتَنع لحجز الْحَرْف بَينهمَا وَلَيْسَ كَذَلِك المثلان إِذا حجزت بَينهمَا الْحَرَكَة لِأَن الْحَرَكَة أقل وأيسر فِي الصَّوْت من الْحَرْف فَلم يبلغ من قوتها أَن تحجز بَين المثلين وَيمْنَع الْإِدْغَام كَمَا يمْنَع مِنْهُ فِي أَكثر الْأَمر إِذا انْضَمَّ إِلَى الْحَرَكَة الِاخْتِلَاف فِي مخرجي الْحَرْف. وَأما قَول صَاحب الهاذور: وَالدَّلِيل على صِحَة ذَلِك وَأَن هَذَا هُوَ الَّذِي ذهب إِلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ وَإِن كَانَ عِنْده عوضا فِي هَذَا الْموضع أَيْضا: أَنه تعاطى الْفرق بَينهمَا. . فتعاطيه الْفرق بَينهمَا لَا يدل أَن كَانَ تعاطى على اتِّفَاقهمَا عِنْده وَلَيْسَ لنسخه كَلَام سِيبَوَيْهٍ فِي جملَة الهذر فَائِدَة وَلَا معنى لاحتجاج من احْتج بِشَيْء لَا يعرفهُ وَلَا يفهمهُ وَإِنَّمَا وكده فِي غَالب رَأينَا بتسويد الْوَرق) وإفساده. وَأما تَفْسِير الْمُعْتَرض لقولنا إنَّهُمَا لَو كَانَتَا هَهُنَا عوضا كَمَا هما فِي هَذَا الِاسْم لفعل بهما مَا فعل بِالْهَمْزَةِ فِي اسْم الله. فَإِن عني بِهِ أَنَّهُمَا كَانَتَا تلزمان ثمَّ كَانَت الْألف تَنْقَطِع فِي النداء فَلَيْسَ على مَا قدر وَلَكِن المُرَاد

стр. 754

بِهِ: أَن الْألف وَاللَّام فِي الاسمين لَو كَانَا على حد وَاحِد لَكَانَ النَّاس إِذا سقط مِنْهُ حرف التَّعْرِيف لَا يدل على مَا كَانَ يدل عَلَيْهِ والحرف لاحقٌ بِهِ كَمَا أَنه فِي اسْم الله إِذا خرج مِنْهُ لَا يدل على مَا يدل عَلَيْهِ وَهُوَ فِيهِ. وَأما قَوْله: حاكياً لكلامنا: فَأَما استدلاله على أَنَّهُمَا فِي النَّاس غير عوض بقول الشَّاعِر: على الأناس الآمنينا وَأَنه لَو كَانَ عوضا لم يكن ليجتمع مَعَ المعوض مِنْهُ فَهَذَا يلْزمه بِعَيْنِه فِيمَا ذهب إِلَيْهِ فِي اسْم الله. وَذَلِكَ أَنه يُقَال لَهُ: أَلَسْت تَقول الْإِلَه فَتدخل الْألف وَاللَّام على إِلَه وَلَا تحذف الْهمزَة مَعَ دُخُولهَا. . إِلَى آخر الهذر. أَقُول: لَيْسَ الْأَمر كَمَا تظناه هَذَا الْعَاميّ الْمَرِيض لما ذكر سعيد عَن قَتَادَة فِي قَوْله تَعَالَى: هَل تعلم لَهُ سميا: لَا سمي لله وَلَا عدل لَهُ كل خلقه مقرّ لَهُ ومعترف لَهُ أَنه خالقه. ثمَّ يقْرَأ: وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلقهمْ ليَقُولن الله فالاسم الَّذِي لَا سمي للقديم فِيهِ لَا يخلوا من أَن يكون الله أَو الرَّحْمَن فَلَا يجوز أَن يكون الرَّحْمَن لِأَنَّهُ وَإِن كَانَ اسْما من أَسمَاء الله فقد تسمي بِهِ وَقد قَالُوا لمُسَيْلمَة: رحمان وَقَالُوا أَيْضا فِيهِ: رحمان الْيَمَامَة وَذكر بعض الروَاة: أَنهم لما سمعُوا النَّبِي ﷺ َ يذكر الرَّحْمَن قَالَت قُرَيْش: أَتَدْرُونَ مَا الرَّحْمَن هُوَ كَاهِن الْيَمَامَة فَهَذَا يدل على أَنهم كَانُوا لَا يحظرون التَّسْمِيَة بِهِ. فَإِذا كَانَ قد سمي بِهِ ثَبت أَن الِاسْم الَّذِي لَا سمي لَهُ فِيهِ هُوَ الله وَهَذَا الِاسْم إِنَّمَا يكون بِهَذَا الْوَصْف إِذا لزمَه الْألف وَاللَّام فَأَما إِذا أخرجَا مِنْهُ وَألْحق الْهمزَة فَقيل: إِلَه والإله فَلَيْسَ على حد قَوْلهم: الله فِي الِاسْتِعْمَال

стр. 755

وَلَا فِي الْمَعْنى أَلا ترى أَنه إِذا قَالَ إِلَه صَار مُشْتَركا غير مَخْصُوص وَجَاز فِيهِ الْجمع وَأما فِي الْمَعْنى: فَإِنَّهُ يعْمل على الْفِعْل كَقَوْلِه تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَه الظّرْف يتَعَلَّق بِمَا فِي إِلَه من معنى الْفِعْل وَإِذا دَخلته الْألف وَاللَّام لم يعْمل هَذَا الْحَد لِخُرُوجِهِ عَن حد المصادر. فَإِن قلت: وَهُوَ الله فِي السَّمَاوَات وَفِي الأَرْض يعلم سركم وجهركم فَإِن الظّرْف لَا يتَعَلَّق بِالِاسْمِ على حد مَا تعلق بإله إِلَّا على حد مَا أذكرهُ لَك: وَهُوَ أَن الِاسْم لما عرف مِنْهُ معنى التَّدْبِير للأشياء وَالْحِفْظ لَهَا وتصورها فِي نَحْو: إِن الله يمسك السَّمَوَات وَالْأَرْض أَن تَزُولَا صَار إِذا) ذكر كَأَنَّهُ قد ذكر الْمُدبر والحافظ الْمُثبت فَيجوز أَن يتَعَلَّق الظّرْف بِهَذَا الْمَعْنى الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الِاسْم بعد أَن صَار مَخْصُوصًا وَفِي أَحْكَام الْأَسْمَاء الْأَعْلَام الَّتِي لَا معنى فعلٍ فِيهَا فَبِهَذَا يتَعَلَّق الظّرْف. وعَلى هَذَا تَقول: هُوَ حاتمٌ جواداً وزهيرٌ شَاعِرًا فَتعلق الْحَال بِمَا دخل فِي هَذِه الْأَسْمَاء من معنى الْفِعْل لاشتهارها بِهَذِهِ الْمعَانِي وَلَوْلَا ذَلِك لم يجز. فَإِذا كَانَ كَذَلِك علمت أَن هَذَا الِاسْم إِذا أخرجت مِنْهُ الْألف وَاللَّام فَقلت إِلَه لم يكن على حد قَوْلنَا الله وَلَيْسَ كَذَلِك النَّاس والأناس لِأَن الْمَعْنى فِي كلا الْحَالين فِيهِ وَاحِد أَلا ترى أَنه اسْم الْعين لَا مُنَاسبَة بَينه وَبَين الْفِعْل وَهَذَا الَّذِي عناه سِيبَوَيْهٍ عندنَا بقوله: وَذَلِكَ أَنه من قبل أَنه اسْم يلْزمه الْألف وَاللَّام لَا يفارقانه فَصَارَ كَأَن الْألف وَاللَّام فِيهِ بِمَنْزِلَة اللف وَاللَّام اللَّتَيْنِ من نفس الْحَرْف. وَلَيْسَ فِي النَّاس والأناس كَذَلِك أَلا ترى أَنَّك إِذا أخرجتهما من الِاسْم دلّ على أَن الْأَعْيَان الَّتِي يدل عَلَيْهَا حَسْبَمَا

стр. 756

يدل عَلَيْهِ وهما فِيهِ وَلَيْسَ فِي اسْم الله كَذَلِك فَإِذا كَانَ الْأَمر فِيهِ على مَا ذكرنَا وضح الْفَصْل بَين الاسمين إِذا أخرج مِنْهُمَا الْألف وَاللَّام. مِمَّا وَصفنَا لم يكن إِخْرَاج الْألف وَاللَّام من اسْم الله سُبْحَانَهُ كإخراجه من النَّاس حَذْو القذة بالقذة. انْتهى كَلَام أبي عَليّ. وَقد وَاعْلَم أَنهم اخْتلفُوا فِي نَاس فَقَالَ الْجُمْهُور: أَصله أنَاس فَقيل: جمع إِنْسَان وَقيل اسْم جمع لَهُ. وَقَالَ الْكسَائي: هُوَ اسْم تَامّ وعينه وَاو من نَاس ينوس إِذا تحرّك. وعَلى هَذَا فإطلاقه على الْجِنّ وَاضح قَالَ فِي الْقَامُوس: وَالنَّاس يكون من الْإِنْس وَالْجِنّ إِلَّا أَن قَوْله أَصله أنَاس مَعَ جعله من مَادَّة نوس غير صَحِيح وَصرح بِهِ جمَاعَة من أهل اللُّغَة فَإِن الْعَرَب تَقول: ناسٌ من الْجِنّ وَفِي الحَدِيث: جَاءَ قومٌ فوقفوا. فَقيل من أَنْتُم قَالُوا: نَاس من الْجِنّ وَلذَا جوز بَعضهم فِي قَوْله تَعَالَى: من الْجنَّة وَالنَّاس أَن يكون بَيَانا للنَّاس. وَقيل أَصله نسيٌ من النسْيَان فَقدمت اللَّام على الْعين وقلبت ألفا فَصَارَ نَاسا. وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لذِي جدن الْحِمْيَرِي الْملك كَمَا فِي كتاب المعمرين لأبي حَاتِم السجسْتانِي قَالَ: عَاشَ ثلثمِائة سنة وَقَالَ فِي ذَلِك: (لكل جنبٍ اجتنى مُضْطَجع ... وَالْمَوْت لَا ينفع مِنْهُ الْجزع) (الْيَوْم تُجْزونَ بأعمالكم ... كل امرئٍ يحصد مِمَّا زرع)

стр. 757

(لَو كَانَ شيءٌ مفلتاً حتفه ... أفلت مِنْهُ فِي الْجبَال الصدع)) وَقَالَ أَيْضا: (يَا اجتني مهلا ذرينا ... أَفِي سفاءٍ تعذلينا) (يومٌ يُغير ذَا النعي ... م وَتارَة يشفي الحزينا) (إِن المنايا يطلع ... ن على الأناس الآمنينا) (فيدعنهم شَتَّى وَقد ... كَانُوا جَمِيعًا ففرينا) فَقَوله: اجتنى اسْم امْرَأَة مَنْقُول من الْفِعْل الْمَاضِي من اجتنى الثَّمَرَة وَهُوَ منادى بِحرف النداء الْمَحْذُوف. ومفلتا: اسْم فَاعل من أفلته: إِذا أطلقهُ. والصدع بِفَتْح الصَّاد وَالدَّال: الوعل. والسفاء بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة: مصدر سافاه مسافاة وسفاء: إِذا سافهه. واستعتب: طلب الإعتاب والإعتاب: مصدر أعتبه: إِذا أَزَال عتابه وشكواه فالهمزة للسلب. وعتب عَلَيْهِ من بَاب ضرب وَقتل: إِذا لامه فِي تسخط. والعتاب: مصدر عاتبه. وَقَوله: تعتبينا هُوَ جَوَاب الْقسم بِتَقْدِير لَا النافية كَقَوْلِه تَعَالَى: تا لله تفتؤ تذكر يُوسُف وَهَذَا بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول. وَقَوله: يومٌ أَي: للدهر يومٌ يُغير صَاحب النَّعيم نعيمه. ويشفى بِالْفَاءِ. والمنايا: جمع منية وَهُوَ الْمَوْت. ويطلعن: يشرفن ويقربن. والْآمنينَ: جمع آمن. بِمَعْنى مطمئن يُقَال: أَمن الْبَلَد: إِذا

стр. 758

اطْمَأَن. وَقَوله: فيدعنهم رُوِيَ بدله: فيذرنهم. وشتى: مُتَفَرّقين وَهُوَ جمع شتيت. ووافرين: جمع وَزعم بَعضهم فِيمَا كتبه على تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ: أَن بَيت الشَّاهِد من قصيدة لِعبيد بن الأبرص قَالَ: وأولها كَمَا فِي الحماسة البصرية: (نَحن الألى فاجمع جمو ... عك ثمَّ وجههم إِلَيْنَا) وَفِيه نظر من وجهيين: الأول أَن هَذَا الْبَيْت لم يذكرهُ صَاحب الحماسة فِي تِلْكَ القصيدة وَالثَّانِي: أَن أول القصيدة إِنَّمَا هُوَ: يَا ذَا المخوفنا بقتل أَبِيه إذلالاً وحينا وَالْبَيْت الَّذِي أوردهُ من أواخرها كَمَا تقدم. وذُو جدن بِفَتْح الْجِيم وَالدَّال: اسْم مرتجل وَهُوَ من أذواء الْيمن. والأذواء بَعضهم مُلُوك وَبَعْضهمْ أقيال والقيل دون الْملك قَالَ فِي الصِّحَاح: والقيل: ملك من مُلُوك حمير دون الْملك) الْأَعْظَم وَالْمَرْأَة قيلة. وَأَصله قيل بِالتَّشْدِيدِ كَأَنَّهُ الَّذِي لَهُ قَول أَي: ينفذ قَوْله وَالْجمع أَقْوَال وأقيال أَيْضا وَمن جمعه على أقيال لم يَجْعَل الْوَاحِد مِنْهُ مشدداً. وَالْمقول بِالْكَسْرِ: القيل أَيْضا بلغَة أهل الْيمن وَالْجمع المقاول.

стр. 759

وَمن الأذواء الْأَوَائِل أَبْرَهَة ذُو الْمنَار والمنار مفعل من النُّور وَابْنه عَمْرو ذُو الأذعار بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة زَعَمُوا أَنه حمل مَعَه إِلَى الْيمن نسناساً فذعر النَّاس مِنْهُ. وصحفه ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ بِالدَّال الْمُهْملَة فَقَالَ: والأدعار جمع دعر أَي: بِفَتْح فَكسر وَهُوَ الْعود الْكثير الدُّخان. وَأنكر عَلَيْهِ فِي بَغْدَاد فأصر عَلَيْهِ. . وَبعد ذِي الأذعار بدهر ذُو معاهر واسْمه حسان. ومعاهر من العهر وَهُوَ الْفُجُور. وَبعده ذُو رعين الْأَكْبَر واسْمه يريم ورعين: اسْم حصن كَانَ لَهُ وَهُوَ فِي الأَصْل تَصْغِير رعن وَهُوَ أنف الْجَبَل. ويريم: من قَوْلك رام من مَكَانَهُ أَي: برح وانفصل مِنْهُ. وذُو رعين الْأَصْغَر واسْمه عبد كلال بِضَم الْكَاف وَتَخْفِيف اللامين. وَبعده بدهر ذُو شناتر واسْمه ينوف من ناف الشَّيْء ينوف: إِذا طَال وارتفع. والشناتر بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَالنُّون: الْأَصَابِع فِي لُغَة الْيمن. وَمِنْهُم ذُو القرنين واسْمه الصعب. وَذُو غيمان وَهُوَ من الْغَيْم الَّذِي هُوَ الْعَطش وحرارة الْجوف بالغين الْمُعْجَمَة. وذُو أصبح بِفَتْح الْهمزَة وَإِلَيْهِ نسبت السِّيَاط الأصبحية. وذُو سحر بِفَتْح الْمُهْمَلَتَيْنِ وذُو شعْبَان. . وذُو فائش واسْمه سَلامَة: وفائش: من الفياش وَهُوَ الْمُفَاخَرَة وذُو حمام وَالْحمام بِضَم الْمُهْملَة: حمى الْإِبِل.

стр. 760

وذُو ترخم بِضَم الْمُثَنَّاة وَالْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتحهَا وَسُكُون الرَّاء: من قَوْلهم: مَا أَدْرِي أَي ترخم هُوَ: أَي: أَي النَّاس. وترخم قَبيلَة بِالْيمن أَيْضا. وذُو يحصب من قَوْلهم حصبة يحصبه: إِذا رَمَاه بالحصباء وَهِي الْحَصَى الصغار. وذُو عسيم بِفَتْح الْعين وَكسر السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ من العسم بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ يبس فِي الْمرْفق أَو من العسم بِالسُّكُونِ وَهُوَ الطمع. وذُو قثاث بِضَم الْقَاف وَتَخْفِيف المثلثتين من قَوْلهم قث يقث: إِذا جمع. وذُو حوال بِالضَّمِّ واسْمه عَامر. وحوال من المحاولة وَهِي الطّلب. وذُو مهدم وَهُوَ مفعل بِالْكَسْرِ من هدمت الْبَيْت. وَذُو الْجنَاح واسْمه شمر. . وذُو أنس والأنس بِفتْحَتَيْنِ: الْجَمَاعَة من النَّاس.)

стр. 761

وَسمي بذلك لضفرتين كَانَتَا تنوسان على عَاتِقه وَكَانَ غُلَاما حسنا من أَبنَاء الْمُلُوك أَرَادَهُ على نَفسه ذُو الشناتر فوجأه بخنجر كَانَ قد أعده لَهُ فَقتله ورضيته حمير لنَفسهَا لما أراحها من ذِي الشناتر. وَذُو نواس هُوَ صَاحب الْأُخْدُود الَّذِي ذكره الله وَكَانَ يَهُودِيّا فَخدَّ الْأُخْدُود لقومٍ من أهل نَجْرَان تنصرُوا على يَد رجل من قبل آل جَفْنَة دعاهم إِلَى الْيَهُودِيَّة فَأَبَوا فحرقهم ثمَّ ظَهرت الْحَبَشَة على الْيمن فحاربوا ذَا نواس أَشد حَرْب فَلَمَّا أَيقَن بِالْهَلَاكِ اعْترض الْبَحْر بفرسه فَكَانَ آخر الْعَهْد بِهِ. وَمِنْهُم ذُو الكلاع الْأَكْبَر وذُو الكلاع الْأَصْغَر وَأدْركَ الْأَصْغَر الْإِسْلَام كتب إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ َ مَعَ جرير بن عبد الله البَجلِيّ فَأسلم وَأعْتق يَوْم أسلم أَرْبَعَة آلَاف عبد وَهَاجَر بقَوْمه فِي أَيَّام أبي بكر ﵁ إِلَى الْمَدِينَة ثمَّ سكنوا حمص. واشتقاق الكلاع بِضَم الْكَاف وَفتحهَا من الكلع بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ شقاقٌ ووسخ يكون فِي الْقدَم يُقَال: مِنْهُ كلعت رجله. وَمِنْهُم ذُو عثكلان بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْمُثَلَّثَة وَهُوَ اسْم مرتجل. وذُو ثعلبان بِالضَّمِّ وَهُوَ ذكر الثعالب. وذُو زهران وذُو مكارب أَي: ذُو مفاصل شَدَّاد جمع مكرب كمكرم. وذُو مناخ بِالضَّمِّ وَكَانَ نزل ببعلبك.

стр. 762

وذُو ظليم واسْمه حَوْشَب وَهُوَ الْعَظِيم الْبَطن. والظليم: ذكر النعام. وَشهد ذُو ظليم صفّين مَعَ مُعَاوِيَة ﵁. وَمِنْهُم ذُو يزن ملك الْيمن بعد ذِي نواس فهزمته الْحَبَش واقتحم الْبَحْر فَهَلَك. ويزن: اسْم مرتجل وَهُوَ غير منصرف لِأَن أَصله يزأن على وزن يسْأَل فخففوا همزته فَصَارَ وَزنه يفل وَمِنْهُم من رد عينه فِي النّسَب فَقَالَ رمح يزأني: وَقيل إِن أَصله من وزن يزن فحذفت الْوَاو ثمَّ) أبدلت الكسرة فَتْحة. وَاسم ذِي يزن: عَامر بن أسلم بن زيد بن غوث الْحِمْيَرِي وَالله أعلم. وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّامِن وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة) وَهُوَ من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ: (من أَجلك يَا الَّتِي تيمت قلبِي ... وَأَنت بخيلةٌ بالوصل عني) على أَنه شَاذ: لِأَن فِي لَام الَّتِي اللُّزُوم فَقَط وَلَيْسَ فِيهَا العوضية أَيْضا. قَالَ بعض شرَّاح الْمفصل: وَلَو قلت: تَقْدِيره: من أَجلك يَا حبيبتي الَّتِي تيمت قلبِي لم يبْق إِشْكَال لِأَن الَّتِي لم تكن منادى على هَذَا التَّقْدِير. انْتهى. وَرُوِيَ فديتك يَا الَّتِي الخ. وَمعنى تيمت: ذللت واستعبدت وَمِنْه تيم اللات أَي: عبد ومن اجلك يقْرَأ بِنَقْل فَتْحة ألف أَجلك إِلَى نون من. وَقَوله: من اجلك علةٌ معلولها مَحْذُوف أَي: من أَجلك قاسيت مَا قاسيت أَو خبر

стр. 763

مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: من أَجلك مقاساتي. وَكَانَ الْقيَاس أَن يَقُول تيمت بتاء التَّأْنِيث على الْغَيْبَة لَكِن جَاءَ على نَحْو قَوْله: أَنا الَّذِي سمتن أُمِّي حيدرة وَالْقِيَاس سمته. وَجُمْلَة أَنْت بخيلة حَال عاملها تيمت. وَهَذَا من الأبيات الْخمسين الَّتِي لم يعرف لَهَا قَائِل وَلَا ضميمة. وَأنْشد بعده وهوالشاهد التَّاسِع وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة) (فيا الغلامان اللَّذَان فرا ... إياكما أَن تكسبانا شرا) على أَنه أشذ مِمَّا قبله: إِذْ لَيْسَ فِي أل الَّتِي فِي الغلامين لُزُوم وَلَا عوض. وخرجه ابْن الْأَنْبَارِي فِي الْإِنْصَاف على حذف المنادى وَإِقَامَة صفته مقَامه قَالَ: التَّقْدِير فِيهِ وَفِي الَّذِي قبله فيا أَيهَا الغلامان وَيَا حبيبتي الَّتِي وَهَذَا قَلِيل بَابه الشّعْر. وإياكما: تحذير. وأَن تكسبانا: أَي: من أَن تكسبانا وماضيه كسب يتَعَدَّى إِلَى مفعولين يُقَال: كسبت زيدا مَالا وعلماً أَي: أنلته. قَالَ ثَعْلَب: كلهم يَقُول: كسبك فلانٌ خيرا إِلَّا ابْن الْأَعرَابِي فَإِنَّهُ يَقُول: أكسبك بِالْألف كَذَا فِي الْمِصْبَاح. وَهَذَا الْبَيْت شائعٌ فِي كتب النَّحْو وَلم يعرف لَهُ قَائِل وَلَا ضميمة.

стр. 764

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة: (إِنِّي إِذا مَا حدثٌ ألما ... أَقُول: يَا اللَّهُمَّ يَا اللهما) على أَن اجْتِمَاع يَا وَالْمِيم الْمُشَدّدَة شَاذ. وَالْحَدَث محركة: مَا يحدث من أُمُور الدَّهْر. وروى أَبُو زيد فِي نوادره: إِنِّي إِذا مَا لممٌ ألما هُوَ بِفتْحَتَيْنِ مقارفة الذَّنب وَقيل هُوَ الصَّغَائِر. وألم الشَّيْء: قرب. وَأَقُول: خبر إِن وَإِذا: ظرف لَهُ. وَهَذَا الْبَيْت أَيْضا من الأبيات المتداولة فِي كتب الْعَرَبيَّة وَلَا يعرف قَائِله وَلَا بَقِيَّته. وَزعم الْعَيْنِيّ أَنه لأبي خرَاش الْهُذلِيّ. قَالَ: وَقَبله: وَهَذَا خطأ فَإِن هَذَا الْبَيْت الَّذِي زعم أَنه قبله بيتٌ مُفْرد لَا قرين لَهُ وَلَيْسَ هُوَ لأبي خرَاش وَإِنَّمَا هُوَ لأمية بن أبي الصَّلْت قَالَه عِنْد مَوته وَقد أَخذه أَبُو خرَاش وضمه إِلَى بَيت آخر وَكَانَ يقولهما وَهُوَ يسْعَى بَين الصَّفَا والمروة وهما: (لاهم هَذَا خامسٌ إِن تما ... أتمه الله وَقد أتما) إِن تغْفر اللَّهُمَّ تغْفر جما ... ... ... ... . الخ وَقد تمثل بِهِ النَّبِي ﷺ َ وَصَارَ من جملَة الْأَحَادِيث أوردهُ السُّيُوطِيّ

стр. 765

فِي جَامعه) الصَّغِير وَرَوَاهُ عَن التِّرْمِذِيّ فِي تَفْسِيره وَعَن الْحَاكِم فِي الْإِيمَان وَالتَّوْبَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄. قَالَ الْمَنَاوِيّ فِي شَرحه الْكَبِير: يجوز إنشاد الشّعْر للنَّبِي ﷺ َ وَإِنَّمَا الْمحرم إنشاؤه. وَمَعْنَاهُ إِن تغْفر ذنُوب عِبَادك فقد غفرت ذنوباً كَثِيرَة فَإِن جَمِيع عِبَادك خطاؤون. وَقَوله: لَا ألما أَي: لم يلم بِمَعْصِيَة. وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة) (وَمَا عَلَيْك أَن تقولي كلما ... سبحت أَو صليت: يَا اللَّهُمَّ مَا) أردد علينا شَيخنَا مُسلما على أَن مَا تزاد قَلِيلا بعد يَا اللَّهُمَّ. هَذَا الرجز أَيْضا مِمَّا لَا يعرف قَائِله. وَزَاد بعد هَذَا الْكُوفِيُّونَ: (من حَيْثُمَا وكيفما وأينما ... فإننا من خَيره لن نعدما) فَقَوله: وَمَا عَلَيْك. . الخ مَا استفهامية وَالْمعْنَى على الْأَمر. والتَّسْبِيح: تَنْزِيه الله وتعظيمه وتقديسه. وصليت بِمَعْنى دَعَوْت أَو الصَّلَاة الشَّرْعِيَّة. وروى بدله: هللت أَي: قلت لَا إِلَه إِلَّا الله كَمَا أَن سبحت: قلت سُبْحَانَ الله. والشَّيْخ هُنَا: الْأَب أَو الزَّوْج. ومُسلما: اسْم مفعول من السَّلامَة. وَقَوله: من حَيْثُمَا أَي: من حَيْثُمَا يُوجد. . الخ. وَقَوله: فإننا من خَيره الْخَيْر هُنَا: الرزق والنفع. ولن نعدما بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول. أَمر بنيته أَو زَوجته بِالدُّعَاءِ لَهُ إِذا سَافر وَغَابَ فِي أَوْقَات الدَّعْوَات وَفِي مظان الْقبُول: كَمَا فعلت بنت الْأَعْشَى مَيْمُون: (تَقول بِنْتي وَقد قربت مرتحلا ... يَا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا) (عَلَيْك مثل الَّذِي صليت فاغتمضي ... نوماً فَإِن لجنب الْمَرْء مُضْطَجعا) تَقول ابْنَتي حِين جد الرحيل أرانا سَوَاء وَمن قد يتم (أَبَانَا فَلَا رمت من عندنَا ... فَإنَّا بخيرٍ إِذا لم ترم) (وَيَا أبتا لَا تزل عندنَا ... فَإنَّا نَخَاف بِأَن نحترم) (أرانا إِذا أضمرتك البلا ... د نجفى وَيقطع منا الرَّحِم)) فَقَوله: قربت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول والمرتحل الْجمل الَّذِي وضع عَلَيْهِ الرحل وَهَذَا كِنَايَة عَن الرحيل. والأوصاب: جمع وصب وَهُوَ الْمَرَض. وصليت: دَعَوْت. ويتم ييتم من بَاب تَعب وَقرب: إِذا صَار يَتِيما. ورام يريم بِمَعْنى برح يبرح. ولَا تزل من زَالَ يَزُول وَالْأَفْعَال الثَّلَاثَة بعده بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول

стр. 766

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة) وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: ...

стр. 767

(يَا تيم تيم عدي لَا أَبَا لكم ... لَا يلقينكم فِي سوءةٍ عمر) على أَن تيماً الأول يجوز فِيهِ الضَّم وَالنّصب وَفِي الثَّانِي النصب لَا غير وَبَينه الشَّارِح قَالَ اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل: وأضاف تيماً إِلَى عدي للتخصيص. وَاحْترز بِهِ عَن تيم مرّة فِي قُرَيْش وهم بَنو الأدرم وَعَن تيم غَالب بن فهر فِي قُرَيْش أَيْضا وَعَن تيم قيس بن ثَعْلَبَة وَعَن تيم شَيبَان وَعَن تيم ضبة. وعدي الْمَذْكُور هُوَ أَخُو تيم فَإِنَّهُمَا ابْنا عبد مَنَاة بن أد بن طابخة بن الياس بن مُضر. وَمعنى لَا أَبَا لكم الغلظة فِي الْخطاب وَأَصله أَن ينْسب الْمُخَاطب إِلَى غير أَب مَعْلُوم شتماً لَهُ واحتقاراً ثمَّ كثر فِي الِاسْتِعْمَال حَتَّى جعلت فِي كل خطاب يغلظ فِيهِ على الْمُخَاطب. وَحكى أَبُو الْحسن بن الْأَخْضَر: أَن الْعَرَب كَانَت تستحسن لَا أَبَا لَك وتستقبح لَا أم لَك لِأَن الْأُم مشفقة حنينة وَالْأَب جَائِر مَالك. وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ مفصلا فِي الشَّاهِد الثَّانِي عشر بعد الْمِائَة. وَقَوله: لَا يلقينكم بِالْقَافِ من الْإِلْقَاء وَهُوَ الرَّمْي قَالَ ابْن سَيّده: من رَوَاهُ بِالْفَاءِ فقد صحف وحرف. وَرُوِيَ: لَا يوقعنكم وَالنَّهْي وَاقع فِي اللَّفْظ على عمر وَهُوَ فِي الْمَعْنى وَاقع عَلَيْهِم. والسوءة بِالْفَتْح: الفعلة

стр. 768

القبيحة أَي: لَا يوقعنكم عمر فِي بلية ومكروه لأجل تعرضه لي أَي: امنعوه من هجائي حَتَّى تأمنوا أَن ألقيكم فِي بلية فَإِنَّكُم قادرون على كَفه فَإِذا تركْتُم نَهْيه فكأنكم رَضِيتُمْ بهجوه إيَّايَ. وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لجرير يهجو بهَا عمر بن لَجأ التَّيْمِيّ ولجأ بِفَتْح اللَّام وَالْجِيم وَآخره همزَة (تعرضت تيم لي عمدا لأهجوها ... كَمَا تعرض لاست الخارئ الْحجر) (أَنْت ابْن بَرزَة منسوبٌ إِلَى لجإٍ ... عِنْد العصارة والعيدان تعتصر)) خل الطَّرِيق لمن يَبْنِي الْمنَار بِهِ وابرز ببرزة حَيْثُ اضطرك الْقدر (أحين صرت سماماً يَا بني لجأٍ ... وخاطرت بِي عَن أحسابها مُضر) وَهِي قصيدة طَوِيلَة أفحش فِيهَا. فَلَمَّا توعدهم فِيهَا أَتَوْهُ بِهِ موثقًا وحكموه فِيهِ فَأَعْرض عَن هجوهم. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: لما بلغ ذَلِك تيماً أَتَوا عمر وَقَالُوا: عرضتنا لجرير وسألوه الْكَفّ فَأبى وَقَالَ: أكف بعد ذكره أُمِّي وبَرزَة هِيَ أم عمر بن لَجأ. يُقَال: فلَان عصارة فلَان أَي: وَلَده. وَهُوَ سبّ. وَقَوله: خل الطَّرِيق. . الخ هَذَا من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ أوردهُ على أَن فِيهِ إِظْهَار الْفِعْل قبل الطَّرِيق وَالتَّصْرِيح بِهِ وَلَو أضمره لَكَانَ حسنا على مَا بَينه.

стр. 769

يَقُول: خل طَرِيق الْمَعَالِي والشرف والمفاخرة واتركه لمن يفعل أفعالاً مَشْهُورَة كَأَنَّهَا الْأَعْلَام الَّتِي تنصب على الطَّرِيق وتبنى من حِجَارَة ليهتدى بهَا وعيره بِأَنَّهُ يَقُول: ابرز بهَا عَن النَّاس وصر إِلَى مَوضِع يمكنك أَن تكون فِيهِ لما قضي عَلَيْك. وَقيل: مَعْنَاهُ: دع سَبِيل الرشاد لطالبيه وأبرز والسمام بِالْكَسْرِ: جمع سم وَهُوَ الشَّيْء الْقَاتِل. وخاطره على كَذَا أَي: راهنه من الْخطر وَهُوَ السَّبق بتحريكهما وَهُوَ الشَّيْء الَّذِي يتراهن عَلَيْهِ. وَرُوِيَ بدله: وحاضرت بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالضَّاد الْمُعْجَمَة يُقَال: حاضرته عِنْد السُّلْطَان وَهُوَ كالمغالبة والمكابرة. وأجابه عمر بن لَجأ بقصيدة مِنْهَا: (لقد كذبت وَشر القَوْل أكذبه ... مَا خاطرت بك عَن أحسابها مُضر) (بل أَنْت نزوة خوار على أمةٍ ... لن يسْبق الحلبات اللؤم والخور) (مَا قلت من هَذِه إِنِّي سأنقضها ... يَا ابْن الأتان بمثلي تنقض المرو) والنزوة: مصدر نزا الذّكر على الْأُنْثَى وَهَذَا يُقَال: فِي الْحَافِر والظلف وَالسِّبَاع. والخوار: من الخور وَهُوَ ضعف الْقلب وَالْعقل. والحلبات بِالْحَاء الْمُهْملَة. وَكَانَ سَبَب التهاجي بَين جرير وَعمر بن لَجأ هُوَ مَا حَكَاهُ الْمبرد فِي كتاب الاعتنان عَن أبي عُبَيْدَة: أَن الْحجَّاج بن يُوسُف الثَّقَفِيّ

стр. 770

سَأَلَ جَرِيرًا عَن سَبَب التهاجي بَينه وَبَين شعراء عصره فَبين لَهُ جرير سَبَب كل وَاحِد. إِلَى أَن قَالَ الْحجَّاج: ثمَّ من قَالَ: ثمَّ التَّيْمِيّ عمر بن لَجأ. قَالَ: وَمَا لَك وَله قَالَ: حسدني فعاب عَليّ بَيْتا كنت قلته فحرفه:) (لقومي أحمى للْحَقِيقَة مِنْكُم ... وأضرب للجبار وَالنَّقْع سَاطِع) فَقَالَ لي: إِنَّمَا قلت: وأوثق عِنْد المردفات عَشِيَّة فصيرت نِسَاءَك قد أردفن عدوة ولحقتهن عَشِيَّة وَقد فضحن وَلم أَقَله كَمَا حكى. قَالَ الْحجَّاج: فَمَا قلت لَهُ قَالَ: قلت: لَهُ أحذره وَأحذر قومه: يَا تيم تيم عدي لَا أَبَا لكم ... الْبَيْت قَالَ: فنقض عَليّ بأشد مِمَّا قلت لَهُ فَقَالَ: لقد كذبت وَشر القَوْل أكذبه ... الْبَيْت قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَأما كردين المسمعي فَأَخْبرنِي قَالَ: كَانَ بَدْء الشَّرّ بَين ابْن لَجأ وَجَرِير: أَن لُقْمَان الْخُزَاعِيّ قدم على صدقَات الربَاب فحضرته وُجُوه الربَاب وَفِيهِمْ عمر بن لَجأ فأنشده: (تأوبني ذكرٌ لزولة كالخبل ... وَمَا حَيْثُ تلقى بالكثيب وَلَا السهل) (تريدين أَن أرْضى وَأَنت بخيلةٌ ... وَمن ذَا الَّذِي يُرْضِي الأخلاء بالبخل)

стр. 771

حَتَّى فرغ مِنْهَا. فَقَالَ لَهُ لُقْمَان: مَا زلنا نسْمع بِالشَّام أَن هَذِه لجرير فَقَالَ عمر بن لَجأ: إِنِّي لأكذب شيخ فِي الأَرْض إِن ادعيت شعر جرير. ثمَّ أنشدته على رُؤُوس النَّاس وجماعات الربَاب فأبلغ لُقْمَان جَرِيرًا مقَالَة عمر قَالَ: فَزعم عمر أَنَّك سرقتها مِنْهُ فَقَالَ جرير: وَأَنا أحتاج إِلَى أَن أسرق شعر عمر وَهُوَ الْقَائِل فِي إبِله ووصفها حَتَّى جعلهَا كالجبال ثمَّ جعل فَحلهَا كالظرب وَهُوَ الْجَبَل الصَّغِير فِي الغلظ من الأَرْض فَقَالَ: كالظرب الْأسود من وَرَائِهَا ثمَّ قَالَ: جر الْعَرُوس الثني من ردائها وَالله مَا شعره من نمط وَاحِد وَإنَّهُ لمختلف الْعُيُون فأبلغ لُقْمَان عمر قَول جرير وَمَا عَابَ من قَوْله فَقَالَ عمر: أيعيب جرير قولي: جر الْعَرُوس الثني من ردائها وَإِنَّمَا أردْت لينه وَلم أرد أَثَره وَقد قَالَ هُوَ أقبح من هَذَا حِين يَقُول: وأوثق عِنْد المردفات عَشِيَّة) فلحقهن بعد مَا نكحن وفضحن فَقَالَ جرير: حرف قولي إِنَّمَا قلت: عِنْد المرهفات عَشِيَّة. فَوَقع الشَّرّ بَينهمَا. انْتهى. وترجمة جرير تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع من أَوَائِل الْكتاب. وَأنْشد بعده وَهُوَ وَهُوَ من شَوَاهِد س: ...

стр. 772

(يَا زيد زيد اليعملات الذبل ... تطاول اللَّيْل عَلَيْك فَانْزِل) لما ذكر فِي الْبَيْت قبله. وَهُوَ ظَاهر. واليعملات. بِفَتْح الْيَاء وَالْمِيم: الْإِبِل القوية على الْعَمَل. والذبل: جمع ذابل أَي: ضامرة من طول السّفر. وأضاف زيدا إِلَيْهَا لحسن قِيَامه عَلَيْهَا ومعرفته بحدائها. وَقَوله: تطاول اللَّيْل عَلَيْك. . الخ رُوِيَ: هديت بدل عَلَيْك وَهُوَ الْمُنَاسب. أَي: انْزِلْ عَن راحلتك وَاحِد الْإِبِل فَإِن اللَّيْل قد طَال وَحدث لِلْإِبِلِ الكلال فنشطها بالحداء وأزل عَنْهَا الإعياء. وَهَذَا الْبَيْت لعبد الله بن رَوَاحَة الصَّحَابِيّ ﵁ لَا لبَعض ولد جرير خلافًا لشراح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ. وَهُوَ بيتان لَا ثَالِث لَهما قالهما فِي غَزْوَة مُؤْتَة وَهِي بِأَدْنَى البلقاء من أَرض الشَّام وَكَانَت فِي جُمَادَى الأولى من سنة ثَمَان من الْهِجْرَة. قَالَ ابْن عبد الْبر فِي الِاسْتِيعَاب: ذكر ابْن إِسْحَاق عَن عبد الله بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم قَالَ: كَانَ زيد بن أَرقم يَتِيما فِي حجر عبد الله بن رَوَاحَة فَخرج بِهِ مَعَه إِلَى مُؤْتَة يحملهُ على حقيبة رَحْله فَسَمعهُ زيد بن أَرقم من اللَّيْل وَهُوَ يتَمَثَّل أبياته الَّتِي يَقُول فِيهَا: (إِذا أديتني وحملت رحلي ... مسيرَة أربعٍ بعد الحساء) (وَجَاء الْمُؤْمِنُونَ وغادروني ... بِأَرْض الشَّام مُنْتَهى الثواء) فَبكى زيد بن أَرقم فخفقه عبد الله بن رَوَاحَة بِالدرةِ وَقَالَ: مَا عَلَيْك

стр. 773

يَا لكع أَن يَرْزُقنِي الله الشَّهَادَة وَترجع بَين شُعْبَتَيْ الرحل. . ولزيد بن أَرقم يَقُول عبد الله بن رَوَاحَة: يَا زيد زيد اليعملات الذبل تطاول اللَّيْل هديت فَانْزِل وَقيل: بل قَالَ ذَلِك فِي غزرة مُؤْتَة لزيد بن حَارِثَة انْتهى. وَهَذَا الثَّانِي بعيد فَإِنَّهُ يستبعد أَن يُقَال لأمير الْجَيْش: انْزِلْ عَن راحلتك وَاحِد الْإِبِل فَإِن زيد بن حَارِثَة كَانَ أَمِير الْجَيْش فِي غَزْوَة مُؤْتَة كَمَا سَيَأْتِي.) وَقَوله: وخلاك ذمّ أَي: تجاوزك الذَّم دُعَاء لَهَا. وَقَوله: وَلَا أرجع مجزوم بِالدُّعَاءِ وَمَعْنَاهُ اللَّهُمَّ لَا أرجع انْتهى. وعبد الله بن رَوَاحَة أَنْصَارِي خزرجي. وَهُوَ أحد النُّقَبَاء. شهد الْعقبَة وبدراً وأحداً وَالْخَنْدَق وَالْحُدَيْبِيَة وَعمرَة الْقَضَاء والمشاهد كلهَا إِلَّا الْفَتْح وَمَات بعده لِأَنَّهُ قتل يَوْم مُؤْتَة شَهِيدا. وَهُوَ أحد الْأُمَرَاء فِي غَزْوَة مُؤْتَة وَأحد الشُّعَرَاء الْمُحْسِنِينَ الَّذين كَانُوا يردون الْأَذَى عَن رَسُول الله ﷺ َ. وَفِيه وَفِي صَاحِبيهِ حسان وَكَعب بن مَالك نزلت: إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَذكروا الله كثيرا الْآيَة.

стр. 774

وَسبب غَزْوَة مُؤْتَة: أَن رَسُول الله ﷺ َ بعث الْحَارِث بن عُمَيْر الْأَزْدِيّ بكتابه إِلَى الشَّام إِلَى ملك الرّوم وَقيل إِلَى ملك بصرى فَعرض لَهُ شُرَحْبِيل ابْن عَمْرو الغساني فأوثقه رِبَاطًا وَضرب عُنُقه صبرا وَلم يقتل لرَسُول الله ﷺ َ رسولٌ غَيره فَاشْتَدَّ ذَلِك عَلَيْهِ حِين بلغه الْخَبَر فَبعث بَعثه ﷺ َ إِلَى مُؤْتَة وَاسْتعْمل عَلَيْهِم زيد بن حَارِثَة وَقَالَ: إِن أُصِيب زيدٌ فجعفر ابْن أبي طَالب فَإِن أُصِيب فعبد الله بن رَوَاحَة. فتجهز ثَلَاثَة آلَاف رجل ثمَّ مضوا حَتَّى إِذا كَانُوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هِرقل وَالْعرب فِي مشارف من قرى البلقاء وانحاز الْمُسلمُونَ إِلَى قَرْيَة يُقَال لَهَا مُؤْتَة وَكَانَ الرّوم مائَة ألف. وانضم إِلَيْهِم من لخم وجذام والقين وبهراء وبلي مائَة ألف أُخْرَى ثمَّ الْتَقَوْا فَاقْتَتلُوا. فقاتل زيد بن حَارِثَة براية رَسُول الله ﷺ َ حَتَّى قتل شَهِيدا فَأَخذهَا جَعْفَر ثمَّ قتل ثمَّ أَخذهَا عبد الله بن رَوَاحَة فَقتل فَأخذ الرَّايَة خَالِد بن الْوَلِيد ودافع النَّاس ثمَّ انحاز وانحيز عَنهُ حَتَّى انْصَرف بِالنَّاسِ إِلَى رَسُول الله ﷺ َ. وَأما زيد بن أَرقم فَهُوَ أَنْصَارِي خزرجي من بني الْحَارِث بن الْخَزْرَج. وَزيد ابْن أَرقم هُوَ الَّذِي رفع إِلَى رَسُول الله ﷺ َ عَن عبد الله بن أبي ابْن سلول قَوْله: لَئِن رَجعْنَا) إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل فأكذبه عبد الله بن أبي وَحلف فَأنْزل الله تَصْدِيق زيد بن أَرقم فبشره أَبُو بكر بِتَصْدِيق الله إِيَّاه. وَجَاء إِلَى النَّبِي ﷺ َ فَأخذ بأذن زيد وَقَالَ: وفت أُذُنك يَا غُلَام. وَشهد مَعَ عَليّ وقْعَة صفّين وَهُوَ مَعْدُود فِي خَاصَّة أَصْحَابه.

стр. 775

وَنزل الْكُوفَة وسكنها وابتنى بهَا دَارا وَبهَا كَانَت وَفَاته فِي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ. وَأما زيد بن حَارِثَة فَهُوَ مولى رَسُول الله ﷺ َ كَانَ أَصَابَهُ سباء فِي الْجَاهِلِيَّة فَاشْتَرَاهُ حَكِيم بن حزَام لِعَمَّتِهِ خَدِيجَة بنت خويلد فَوَهَبته خَدِيجَة لرَسُول الله ﷺ َ فَتَبَنَّاهُ رَسُول الله ﷺ َ بِمَكَّة قبل النُّبُوَّة وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين. ثمَّ إِن نَاسا من كلب حجُّوا فَرَأَوْا زيدا فعرفهم وعرفوه فَقَالَ لَهُم: أبلغوا أَهلِي هَذِه الأبيات فَإِنِّي أعلم أَنهم قد جزعوا عَليّ فَقَالَ: (أحن إِلَى قومِي وَإِن كنت نَائِيا ... فَإِنِّي قعيد الْبَيْت عِنْد المشاعر) (فَإِنِّي بِحَمْد الله فِي خير أسرةٍ ... كرامٍ معد كَابِرًا بعد كَابر) فَانْطَلق الكلبيون فأعلموا أَبَاهُ فَقَالَ: ابْني وَرب الْكَعْبَة ووصفوا لَهُ مَوْضِعه وَعند من هُوَ. فَخرج حَارِثَة وَكَعب أَخُوهُ لفدائه وقدما مَكَّة فدخلا على النَّبِي ﷺ َ فِي الْمَسْجِد فَقَالَا: يَا ابْن عبد الْمطلب يَا ابْن هَاشم يَا ابْن سيد قومه أَنْتُم أهل حرم الله وجيرانه تفكون العاني وتطلقون الْأَسير جئْنَاك فِي ابننا عَبدك فَامْنُنْ علينا وَأحسن إِلَيْنَا فِي فدائه. قَالَ: من هُوَ قَالَا: زيد بن حَارِثَة. فَقَالَ ﷺ َ: ادعوهُ فأخيره فَإِن اختاركم فَهُوَ لكم وَإِن اختارني فوَاللَّه مَا أَنا بِالَّذِي أخْتَار على من اختارني أحدا. قَالَا: قد زدتنا على النّصْف وأحسنت. فَدَعَاهُ فَقَالَ: هَل تعرف هَؤُلَاءِ قَالَ: نعم هَذَا أبي وَهَذَا عمي قَالَ: فَأَنا من قد علمت وَرَأَيْت صحبتي لَك فاخترني أَو اخترهما. قَالَ زيد: مَا أَنا بِالَّذِي أخْتَار عَلَيْك أحدا أَنْت مني
следующие страницы →