Полный текст (5 658 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
حَتَّى فرغ مِنْهَا. فَقَالَ لَهُ لُقْمَان: مَا زلنا نسْمع بِالشَّام أَن هَذِه لجرير فَقَالَ عمر بن لَجأ: إِنِّي لأكذب شيخ فِي الأَرْض إِن ادعيت شعر جرير. ثمَّ أنشدته على رُؤُوس النَّاس وجماعات الربَاب فأبلغ لُقْمَان جَرِيرًا مقَالَة عمر قَالَ: فَزعم عمر أَنَّك سرقتها مِنْهُ فَقَالَ جرير: وَأَنا أحتاج إِلَى أَن أسرق شعر عمر وَهُوَ الْقَائِل فِي إبِله ووصفها حَتَّى جعلهَا كالجبال ثمَّ جعل فَحلهَا كالظرب وَهُوَ الْجَبَل الصَّغِير فِي الغلظ من الأَرْض فَقَالَ: كالظرب الْأسود من وَرَائِهَا ثمَّ قَالَ: جر الْعَرُوس الثني من ردائها وَالله مَا شعره من نمط وَاحِد وَإنَّهُ لمختلف الْعُيُون فأبلغ لُقْمَان عمر قَول جرير وَمَا عَابَ من قَوْله فَقَالَ عمر: أيعيب جرير قولي:
جر الْعَرُوس الثني من ردائها وَإِنَّمَا أردْت لينه وَلم أرد أَثَره وَقد قَالَ هُوَ أقبح من هَذَا حِين يَقُول: وأوثق عِنْد المردفات عَشِيَّة)
فلحقهن بعد مَا نكحن وفضحن فَقَالَ جرير: حرف قولي إِنَّمَا قلت: عِنْد المرهفات عَشِيَّة.
فَوَقع الشَّرّ بَينهمَا. انْتهى.
وترجمة جرير تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع من أَوَائِل الْكتاب.
وَأنْشد بعده وَهُوَ وَهُوَ من شَوَاهِد س: ...
стр. 772
(يَا زيد زيد اليعملات الذبل ... تطاول اللَّيْل عَلَيْك فَانْزِل)
لما ذكر فِي الْبَيْت قبله. وَهُوَ ظَاهر. واليعملات. بِفَتْح الْيَاء وَالْمِيم: الْإِبِل القوية على الْعَمَل. والذبل: جمع ذابل أَي: ضامرة من طول السّفر. وأضاف زيدا إِلَيْهَا لحسن قِيَامه عَلَيْهَا ومعرفته بحدائها. وَقَوله: تطاول اللَّيْل عَلَيْك. . الخ رُوِيَ: هديت بدل عَلَيْك وَهُوَ الْمُنَاسب. أَي: انْزِلْ عَن راحلتك وَاحِد الْإِبِل فَإِن اللَّيْل قد طَال وَحدث لِلْإِبِلِ الكلال فنشطها بالحداء وأزل عَنْهَا الإعياء.
وَهَذَا الْبَيْت لعبد الله بن رَوَاحَة الصَّحَابِيّ ﵁ لَا لبَعض ولد جرير خلافًا لشراح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ. وَهُوَ بيتان لَا ثَالِث لَهما قالهما فِي غَزْوَة مُؤْتَة وَهِي
بِأَدْنَى البلقاء من أَرض الشَّام وَكَانَت فِي جُمَادَى الأولى من سنة ثَمَان من الْهِجْرَة.
قَالَ ابْن عبد الْبر فِي الِاسْتِيعَاب: ذكر ابْن إِسْحَاق عَن عبد الله بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم قَالَ: كَانَ زيد بن أَرقم يَتِيما فِي حجر عبد الله بن رَوَاحَة فَخرج بِهِ مَعَه إِلَى مُؤْتَة يحملهُ على حقيبة رَحْله فَسَمعهُ زيد بن أَرقم من اللَّيْل وَهُوَ يتَمَثَّل أبياته الَّتِي يَقُول فِيهَا:
(إِذا أديتني وحملت رحلي ... مسيرَة أربعٍ بعد الحساء)
(وَجَاء الْمُؤْمِنُونَ وغادروني ... بِأَرْض الشَّام مُنْتَهى الثواء)
فَبكى زيد بن أَرقم فخفقه عبد الله بن رَوَاحَة بِالدرةِ وَقَالَ: مَا عَلَيْك
стр. 773
يَا لكع أَن يَرْزُقنِي الله الشَّهَادَة وَترجع بَين شُعْبَتَيْ الرحل. . ولزيد بن أَرقم يَقُول عبد الله بن رَوَاحَة: يَا زيد زيد اليعملات الذبل تطاول اللَّيْل هديت فَانْزِل وَقيل: بل قَالَ ذَلِك فِي غزرة مُؤْتَة لزيد بن حَارِثَة انْتهى.
وَهَذَا الثَّانِي بعيد فَإِنَّهُ يستبعد أَن يُقَال لأمير الْجَيْش: انْزِلْ عَن راحلتك وَاحِد الْإِبِل فَإِن زيد بن حَارِثَة كَانَ أَمِير الْجَيْش فِي غَزْوَة مُؤْتَة كَمَا سَيَأْتِي.)
وَقَوله: وخلاك ذمّ أَي: تجاوزك الذَّم دُعَاء لَهَا. وَقَوله: وَلَا أرجع مجزوم بِالدُّعَاءِ وَمَعْنَاهُ اللَّهُمَّ لَا أرجع انْتهى. وعبد الله بن رَوَاحَة أَنْصَارِي خزرجي. وَهُوَ أحد النُّقَبَاء. شهد الْعقبَة وبدراً وأحداً وَالْخَنْدَق وَالْحُدَيْبِيَة وَعمرَة الْقَضَاء والمشاهد كلهَا إِلَّا الْفَتْح وَمَات بعده لِأَنَّهُ قتل يَوْم مُؤْتَة شَهِيدا. وَهُوَ أحد الْأُمَرَاء فِي غَزْوَة مُؤْتَة وَأحد الشُّعَرَاء الْمُحْسِنِينَ الَّذين كَانُوا يردون الْأَذَى عَن رَسُول الله ﷺ َ. وَفِيه وَفِي صَاحِبيهِ حسان وَكَعب بن مَالك نزلت: إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَذكروا الله كثيرا الْآيَة.
стр. 774
وَسبب غَزْوَة مُؤْتَة: أَن رَسُول الله ﷺ َ بعث الْحَارِث بن عُمَيْر الْأَزْدِيّ بكتابه إِلَى الشَّام إِلَى ملك الرّوم وَقيل إِلَى ملك بصرى فَعرض لَهُ شُرَحْبِيل ابْن عَمْرو الغساني فأوثقه رِبَاطًا وَضرب عُنُقه صبرا وَلم يقتل لرَسُول الله ﷺ َ رسولٌ غَيره فَاشْتَدَّ ذَلِك عَلَيْهِ حِين بلغه الْخَبَر فَبعث بَعثه ﷺ َ إِلَى مُؤْتَة وَاسْتعْمل عَلَيْهِم زيد بن حَارِثَة وَقَالَ: إِن أُصِيب زيدٌ فجعفر ابْن أبي طَالب فَإِن أُصِيب فعبد الله بن رَوَاحَة. فتجهز ثَلَاثَة آلَاف رجل ثمَّ مضوا حَتَّى إِذا كَانُوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هِرقل وَالْعرب فِي مشارف من قرى البلقاء وانحاز الْمُسلمُونَ إِلَى قَرْيَة يُقَال لَهَا مُؤْتَة وَكَانَ الرّوم مائَة ألف. وانضم إِلَيْهِم من لخم وجذام والقين وبهراء وبلي مائَة ألف أُخْرَى ثمَّ الْتَقَوْا فَاقْتَتلُوا. فقاتل زيد بن حَارِثَة براية رَسُول الله ﷺ َ حَتَّى قتل شَهِيدا فَأَخذهَا جَعْفَر ثمَّ قتل ثمَّ أَخذهَا عبد الله بن رَوَاحَة فَقتل فَأخذ الرَّايَة خَالِد بن الْوَلِيد ودافع النَّاس ثمَّ انحاز وانحيز عَنهُ حَتَّى انْصَرف بِالنَّاسِ إِلَى رَسُول الله ﷺ َ.
وَأما زيد بن أَرقم فَهُوَ أَنْصَارِي خزرجي من بني الْحَارِث بن الْخَزْرَج. وَزيد ابْن أَرقم هُوَ الَّذِي رفع إِلَى رَسُول الله ﷺ َ عَن عبد الله بن أبي ابْن سلول قَوْله: لَئِن رَجعْنَا)
إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل فأكذبه عبد الله بن أبي وَحلف فَأنْزل الله تَصْدِيق زيد بن أَرقم فبشره أَبُو بكر بِتَصْدِيق الله إِيَّاه. وَجَاء إِلَى النَّبِي ﷺ َ فَأخذ بأذن زيد وَقَالَ: وفت أُذُنك يَا غُلَام. وَشهد مَعَ عَليّ وقْعَة صفّين وَهُوَ مَعْدُود فِي خَاصَّة أَصْحَابه.
стр. 775
وَنزل الْكُوفَة وسكنها وابتنى بهَا دَارا وَبهَا كَانَت وَفَاته فِي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ.
وَأما زيد بن حَارِثَة فَهُوَ مولى رَسُول الله ﷺ َ كَانَ أَصَابَهُ سباء فِي الْجَاهِلِيَّة فَاشْتَرَاهُ حَكِيم بن حزَام لِعَمَّتِهِ خَدِيجَة بنت خويلد فَوَهَبته خَدِيجَة لرَسُول الله ﷺ َ فَتَبَنَّاهُ رَسُول الله ﷺ َ بِمَكَّة قبل النُّبُوَّة وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين. ثمَّ إِن نَاسا من كلب حجُّوا فَرَأَوْا زيدا فعرفهم وعرفوه فَقَالَ لَهُم: أبلغوا أَهلِي هَذِه الأبيات فَإِنِّي أعلم أَنهم قد جزعوا عَليّ فَقَالَ:
(أحن إِلَى قومِي وَإِن كنت نَائِيا ... فَإِنِّي قعيد الْبَيْت عِنْد المشاعر)
(فَإِنِّي بِحَمْد الله فِي خير أسرةٍ ... كرامٍ معد كَابِرًا بعد كَابر)
فَانْطَلق الكلبيون فأعلموا أَبَاهُ فَقَالَ: ابْني وَرب الْكَعْبَة ووصفوا لَهُ مَوْضِعه وَعند من هُوَ.
فَخرج حَارِثَة وَكَعب أَخُوهُ لفدائه وقدما مَكَّة فدخلا على النَّبِي ﷺ َ فِي الْمَسْجِد فَقَالَا: يَا ابْن عبد الْمطلب يَا ابْن هَاشم يَا ابْن سيد قومه أَنْتُم أهل حرم الله وجيرانه تفكون العاني وتطلقون الْأَسير جئْنَاك فِي ابننا عَبدك فَامْنُنْ علينا وَأحسن إِلَيْنَا فِي فدائه. قَالَ: من هُوَ قَالَا: زيد بن
حَارِثَة. فَقَالَ ﷺ َ: ادعوهُ فأخيره فَإِن اختاركم فَهُوَ لكم وَإِن اختارني فوَاللَّه مَا أَنا بِالَّذِي أخْتَار على من اختارني أحدا. قَالَا: قد زدتنا على النّصْف وأحسنت.
فَدَعَاهُ فَقَالَ: هَل تعرف هَؤُلَاءِ قَالَ: نعم هَذَا أبي وَهَذَا عمي قَالَ: فَأَنا من قد علمت وَرَأَيْت صحبتي لَك فاخترني أَو اخترهما. قَالَ زيد: مَا أَنا بِالَّذِي أخْتَار عَلَيْك أحدا أَنْت مني
стр. 776
مَكَان الْأَب وَالْعم فَقَالَا: وَيحك يَا زيد أتختار الْعُبُودِيَّة على الْحُرِّيَّة قَالَ: نعم قد رَأَيْت من هَذَا الرجل شَيْئا مَا أَنا بِالَّذِي أخْتَار عَلَيْهِ أحدا فَلَمَّا رأى رَسُول الله ﷺ َ ذَلِك أخرجه إِلَى الْحجر فَقَالَ: يَا من حضر اشْهَدُوا أَن زيدا ابْني يَرِثنِي وَأَرِثهُ. فَلَمَّا رأى ذَلِك أَبوهُ وَعَمه طابت نفوسهما فانصرفا. ودعي زيد بن مُحَمَّد حَتَّى جَاءَ الله بِالْإِسْلَامِ فَنزلت: ادعوهُمْ لِآبَائِهِمْ فدعي يومئذٍ زيد بن حَارِثَة وَكَانَ)
يُقَال: لَهُ زيد بن حَارِثَة حب رَسُول الله ﷺ َ وَشهد بَدْرًا وزوجه مولاته أم أَيمن فَولدت لَهُ أُسَامَة.
وَقتل زيد بمؤتة سنة ثَمَان من الْهِجْرَة وَهُوَ كَانَ الْأَمِير على تِلْكَ الْغَزْوَة. رُوِيَ عَنهُ ﷺ َ أَنه قَالَ: أحب النَّاس إِلَيّ من أنعم الله عَلَيْهِ وأنعمت عَلَيْهِ يَعْنِي زيد بن حَارِثَة.
أنعم الله عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ وأنعم عَلَيْهِ ﷺ َ بِالْعِتْقِ.
ولخصت التراجم من الِاسْتِيعَاب والغزوة من سيرة ابْن سيد النَّاس.
وَاعْلَم أَنِّي رَأَيْت فِي نَوَادِر ابْن الْأَعرَابِي أرجوزة عدتهَا اثْنَان وَعِشْرُونَ بَيْتا مطْلعهَا: يَا زيد زيد اليعملات الذبل قَالَ: أَنْشدني بكير بن عبيد الربعِي. وَلَا أعلم من هُوَ: أهوَ سَابق على عبد الله بن رَوَاحَة أم لَاحق لَهُ. وَالظَّاهِر أَنه بعده فَإِن الرجز فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَ لَا يتَجَاوَز الأبيات الثَّلَاثَة والربعة وَإِنَّمَا قَصده وأطاله الْأَغْلَب الْعجلِيّ كَمَا تقدم بَيَانه
فِي تَرْجَمته. وَالله أعلم.
стр. 777
وَأنْشد بعده وَهُوَ
(فَلَا وَالله لَا يلفى لما بِي ... وَلَا للما بهم أبدا دَوَاء)
على أَن اللَّام الثَّانِيَة فِي قَوْله: للما مُؤَكدَة للام الأولى.
وَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى مَا يتَعَلَّق بِهِ فِي بَاب التوكيد وَفِي الْبَاء وَالْكَاف أَيْضا من حُرُوف الْجَرّ.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لمُسلم بن معبد الْوَالِبِي. قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْأسود الْأَعرَابِي فِي ضَالَّة الأديب: كَانَ السَّبَب فِي هَذِه القصيدة: أَن مُسلما كَانَ غَائِبا فَكتبت إبِله للمصدق أَي: لعامل الصَّدَقَة وَهِي الزَّكَاة وَكَانَ رقيع وَهُوَ عمَارَة بن عبيد الْوَالِبِي عريفاً فَظن مُسلم أَن رقيعاً أغراه وَكَانَ مُسلم ابْن أُخْت رقيع وَابْن عَمه فَقَالَ:
(بَكت إبلي وَحقّ لَهَا الْبكاء ... وفرقها الْمَظَالِم والعداء)
(إِذا ذكرت عرافة آل بشرٍ ... وعيشاً مَا لأوله انثناء)
(ودهراً قد مضى وَرِجَال صدقٍ ... سعوا قد كَانَ بعدهمْ الشَّقَاء)
(إِذا ذكر العريف لَهَا اقشعرت ... وَمَسّ جلودها مِنْهُ انزواء)
(فظلت وَهِي ضامرةٌ تفادى ... من الجرات جاهدها الْبلَاء)
(وكدن بِذِي الرِّبَا يدعونَ باسمي ... وَلَا أرضٌ لدي وَلَا سَمَاء))
стр. 778
(تؤمل رَجْعَة مني وفيهَا ... كتابٌ مثل مَا لزق الغراء)
(فَلَيْسَ على ملامتناك لومٌ ... وَلَيْسَ على الَّذِي نلقى بَقَاء)
(ألما أَن رَأَيْت النَّاس آبت ... كلابهم عَليّ لَهَا عواء)
(ثنيت ركاب رحلك مَعَ عدوي ... لمختتلٍ وَقد برح الخفاء)
(ولاخيت الرِّجَال بِذَات بيني ... وَبَيْنك حِين أمكنك اللخاء)
(وَأي أخٍ لسلمك بعد حَرْبِيّ ... إِذا قوم الْعَدو دعوا فجاؤوا)
(فَقَامَ الشَّرّ مِنْك وَقمت مِنْهُ ... على رجلٍ وشال بك الْجَزَاء)
(هُنَالك لَا يقوم مقَام مثلي ... من الْقَوْم الظنون وَلَا النِّسَاء)
(وَقد عيرتني وجفوت عني ... فَمَا أَنا ويب غَيْرك والجفاء)
(وَقد يُغني الحبيب وَلَا تراخي ... مودته الْمَغَانِم والحباء)
(ويوصل ذُو الْقَرَابَة وَهُوَ ناءٍ ... وَيبقى الدَّين مَا بَقِي الْحيَاء)
(جزى الله الصَّحَابَة عَنْك شرا ... وكل صحابة لَهُم جَزَاء)
(بفعلهم فَإِن خيرا فخيراً ... وَإِن شرا: كَمَا مثل الْحذاء)
(وإياهم جزى عني وَأدّى ... إِلَى كل بِمَا بلغ الْأَدَاء)
(وَقد أنصفتهم وَالنّصف يرضى ... بِهِ الْإِسْلَام وَالرحم البواء)
стр. 779
.
(وَكنت لَهُم كداء الْبَطن يُؤْذِي ... وَرَاء صَحِيحه مرضٌ عياء)
(جُوَيْن من الْعَدَاوَة قد وراهم ... نشيش الغيظ وَالْمَرَض الضناء)
(إِذا مولى رهبت الله فِيهِ ... وأرحاماً لَهَا قبلي رعاء)
(رأى مَا قد فعلت بِهِ موالٍ ... فقد غمرت صُدُورهمْ وداؤوا)
(فَكيف بهم فَإِن أَحْسَنت قَالُوا ... أَسَأْت وَإِن غفرت لَهُم أساؤوا)
(فَلَا وَأَبِيك لَا يلفى لما بِي ... وَلَا للما بهم ابداً شِفَاء)
وَبَقِي من القصيدة اثْنَا عشر بَيْتا وصف إبِله فِيهَا.
قَوْله: الْمَظَالِم والعداء هُوَ جمع مظْلمَة بِكَسْر اللَّام وَهُوَ مَا أَخذه الظَّالِم وَكَذَلِكَ الظلامة والظليمة. والعداء بِالْفَتْح: الظُّلم وَتجَاوز الْحَد وَهُوَ مصدر عدا عَلَيْهِ.
وَقَوله: إِذا ذكرت ظرف لقَوْله بَكت إبلي وفاعل ذكرت ضمير الْإِبِل. وانثناء: انكفاف)
يُقَال ثناه: إِذا كَفه. وَقَوله: وَرِجَال صدق سعوا بِالنّصب مَعْطُوف على عرافة وسعوا أَي: تعاطوا أَخذ الزَّكَاة والساعي: من ولي شَيْئا على قوم وَأكْثر مَا يُقَال ذَلِك فِي وُلَاة الصَّدَقَة. والانزواء: التقبض. وتفادى من كَذَا: إِذا تحاماه وانزوى عَنهُ. وَقَوله: عذرت النَّاس غَيْرك خطاب لرقيع ابْن عَمه وخلوت بهَا بِالْخِطَابِ أَي: سخرت بهَا يُقَال خلوت بِهِ: إِذا سخرت وَقَوله: ملامتناك أَي: لَو متْنا إياك. وَقَوله: ألما الْهمزَة اسْتِفْهَام توبيخي وَلما بِمَعْنى حِين مُتَعَلقَة بقوله ثنيت. وآبت: رجعت. وبرح: زَالَ. ولاخيت بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة: مالأت وساعدت. والظنون بِالْفَتْح: الرجل السَّيئ الظَّن وَهُوَ فَاعل يقوم. وويب بِمَعْنى ويل.
وَقَوله: يغنى الحبيب أَي: يصير غَنِيا وَلَا تراخي الْمَغَانِم وَالعطَاء مودته.
стр. 780
والصَّحَابَة الْأَصْحَاب. والْحذاء بِالْكَسْرِ: النَّعْل واحتذى: انتعل أَرَادَ: كَمَا صنع مثل الْحذاء مطابقاً لَهُ. وأنصفت الرجل إنصافاً: عاملته بِالْعَدْلِ وَالِاسْم النصفة بِالتَّحْرِيكِ والنّصْف بِفَتْح فَسُكُون. والبواء بِفَتْح الْمُوَحدَة وَالْمدّ: السوَاء.
وَقَوله: لددتهم النَّصِيحَة اللدود بِالْفَتْح: مَا يصب من الْأَدْوِيَة فِي أحد شقي الْفَم ولددته لداً: صببت فِي فِيهِ صبا. ومجه: رَمَاه. وثنوا: عطفوا ومالوا. وَقَالَهُ: وقاؤوا بِالْقَافِ من الْقَيْء وصحفه الْعَيْنِيّ تصحيفاً فَاحِشا فَقَالَ: قَوْله: وفاؤوا خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: وهم فاؤوا وَالْجُمْلَة حَالية ا. هـ وَهَذَا مِمَّا لَا يقْضى مِنْهُ الْعجب.
وَقَوله: وَكنت لَهُم كداء الْبَطن. . الخ دَاء الْبَطن: الإسهال ويوذي من الأذية وَالْوَاو مسهلة من همزَة وَالْجُمْلَة حَال من الدَّاء وَرَاء بِمَعْنى خلف وَبعد وَضمير صَحِيحه لداء الْبَطن وَالْمَرَض العياء بِالْفَتْح هُوَ الْمَرَض الَّذِي تعيا عَنهُ الْأَطِبَّاء وَالْجُمْلَة الاسمية حَال أَيْضا من الْبَطن.
يُرِيد أَن مَا أضمروه من بغضي قَاتلهم لَا محَالة لِأَنِّي كنت عِنْدهم بِمَنْزِلَة دَاء الْبَطن المؤذي نَشأ من أهونه مَا عجز عَنهُ الْأَطِبَّاء كالزحير والسل. وَقَوله: جُوَيْن من الْعَدَاوَة الخ هَذَا بَيَان لما قبله وجُوَيْن مَنْصُوب بِفعل مَحْذُوف أَي: أَرَاهُم جُوَيْن وَهُوَ جمع جوٍ: صفة مشبهة من الجوى كعمٍ من الْعَمى جمع على طَريقَة جمع الْمُذكر السَّالِم والجوى: الحرقة وَشدَّة الوجد من عشق أَو حزن ووراهم من ورى الْقَيْح جَوْفه وريا: إِذا أكله ونشيش: فَاعل وراهم والنشيش: صَوت المَاء وَنَحْوه إِذا غلي على النَّار. والضناء بِالْفَتْح وَالْمدّ: اسْم مصدر ضني ضنىً من بَاب تَعب: مرض مَرضا ملازماً حَتَّى أشرف على الْمَوْت. كَذَا فِي الْمِصْبَاح.)
وَقَوله: إِذا مولى رهبت
стр. 781
الله فِيهِ الْمولى هُنَا ابْن الْعم ورهبت الله فِيهِ أَي: خفت الله فِي جَانِبه. وَقَوله: قبلي بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْمُوَحدَة. والرعاء: جمع رَاع من الرِّعَايَة وَهِي تفقد الشَّيْء وَتَحفظه.
وَقَوله: رأى مَا قد فعلت بِهِ. . الخ مَا: مَوْصُولَة أَو نكرَة مَوْصُوفَة مفعول أول لرأي وَالْمَفْعُول الثَّانِي مَحْذُوف أَي: سوأ وَنَحْوه وموَالٍ: فَاعل رأى وَهُوَ جمع مولى وغمرت: من الغمربالكسر وَهُوَ الحقد والغل يُقَال: غمر صَدره عَليّ بِالْكَسْرِ يغمر بِالْفَتْح غمراً بِسُكُون الْمِيم وَفتحهَا مَعَ فتح الأول
فيهمَا. وداؤوا أَي: مرضوا وَهُوَ فعل مَاض من الدَّاء يُقَال: دَاء وَقَوله: فَلَا وَأَبِيك. . الخ جملَة لَا يلفى جَوَاب الْقسم أَي: لَا يُوجد شفاءٌ لما بِي من الكدر وَلَا للما بهم: من دَاء الْحَسَد والللام الثَّانِيَة مُؤَكدَة للأولى. وروى صَاحب مُنْتَهى الطّلب من أشعار الْعَرَب.
(فَلَا وَالله لَا يلفى لما بِي ... وَمَا بهم من الْبلوى. . الخ)
وَعَلِيهِ فَلَا شَاهد فِيهِ. ومُسلم شَاعِر إسلامي فِي الدولة الأموية. وَهُوَ ابْن معبد بن طواف بتَشْديد الْوَاو ابْن وحوح بحاءينمهملتين ابْن عُوَيْمِر مصغر عَامر الْوَالِبِي نِسْبَة إِلَى والبة بن الْحَارِث بن ثَعْلَبَة بن دودان بن أَسد بن خُزَيْمَة بن مدركة.
وَأنْشد بعده وهوالشاهد الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة)
وَهُوَ من أَبْيَات س: وصالياتٍ ككما يؤثفين على أَنه يُمكن أَن تكون الْكَاف الثَّانِيَة مُؤَكدَة للأولى قِيَاسا على اللامين فِي
الْبَيْت الَّذِي قبله وَهُوَ من قصيدة لخطام الْمُجَاشِعِي. وَهِي من بَحر السَّرِيع وَرُبمَا حسب من لَا يحسن الْعرُوض أَنه من الرجز كَمَا توهمه بَعضهم لِأَن الرجز لَا يكون فِيهِ معولات فَيرد إِلَى فعولات. وَمثله: قد عرضت أروى بقولٍ إفناد وَهُوَ مستفعلن مستفعلن فعولات. وأولها:
(حَيّ ديار الْحَيّ بَين الشهبين ... وَطَلْحَة الدوم وَقد تعفين)
(لم يبْق من آي بهَا يحلين ... غير حطامٍ ورمادٍ كنفين)
(وَغير نؤيٍ وحجاجي نؤيين ... وَغير ود جاذلٍ أَو وَدين)
وصاليات ككما يؤثفين
стр. 782
وَمِنْهَا:
(ومهمهين قذفين مرَّتَيْنِ ... ظهراهما مثل ظُهُور الترسين)
(جبتهما بالنعت لَا بالنعتين ... على مطار الْقلب سامي الْعَينَيْنِ)
فَقَوله: حَيّ فعل أَمر من التَّحِيَّة. والْحَيّ: الْقَبِيلَة. والسهبان: مَوضِع وَكَذَا طَلْحَة الدوم وَلم يذكرهما الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم. وَالنُّون فِي تعفين: ضمير ديار الْحَيّ وتعفى بِمَعْنى عَفا اللَّازِم يُقَال: عَفا الْمنزل يعْفُو عفوا وعفواً وعفاء بِالْفَتْح وَالْمدّ: درس. وَيَتَعَدَّى أَيْضا فَإِنَّهُ يُقَال: غفته الرّيح. والْآي: جمع آيَة بِمَعْنى الْعَلامَة. وَضمير تحلين لديار الْحَيّ والتحلية: الْوَصْف يُقَال: حليت الرجل تحلية: إِذا وَصفته.
يَقُول: لم يبْق من عَلَامَات حلولهم فِي دِيَارهمْ تحليها وتصفها غير مَا ذكر. وَمن زَائِدَة. وآي: فَاعل لم يبْق. وغير مَنْصُوب على الِاسْتِثْنَاء. وَجُمْلَة يحلين صفة لآي. وَبهَا مُتَعَلق بِهِ. والحطام بِضَم الْمُهْملَة: مَا تكسر من الْحَطب وَالْمرَاد بِهِ: دق الشّجر الَّذِي قطعوه فظللوا بِهِ الْخيام. ورماد مُضَاف إِلَى كنفين أَي: رماد من جَانِبي الْموضع وَلَو رُوِيَ بِالتَّنْوِينِ لم يكن خطأ.)
стр. 783
وَرُوِيَ أَيْضا: وماثلات أَي: منتصبات. والأثافي: جمع أثفية وَهِي الْأَحْجَار الثَّلَاثَة الَّتِي ينصب عَلَيْهَا الْقدر. ومَا فِي قَوْله: ككما قَالَ: الْفَارِسِي فِي التَّذْكِرَة القصرية: يجوز أَن تكون مَصْدَرِيَّة كَأَنَّهُ قَالَ: مثل الإثفاء
وَيجوز أَن تكون مَوْصُولَة بِمَنْزِلَة الَّذِي كَقَوْلِه: فَإِن الَّذِي حانت بفلج دِمَاؤُهُمْ ا. هـ وَالْكَاف الأولى جَارة وَالثَّانيَِة مُؤَكدَة لَهَا كَمَا قَالَ الشَّارِح. وَهَذَا مَأْخُوذ من الْكَشَّاف قَالَ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: لَيْسَ كمثله شيءٌ: لَك أَن تزْعم أَن كلمة التَّشْبِيه كررت للتَّأْكِيد كَمَا كررها من قَالَ: وصاليات ككما يؤثفين وَإِذا كَانَ من بَاب التوكيد جَازَ أَن يكون الكافان اسْمَيْنِ أَو حرفين فَلَا يكون دَلِيل على اسمية الثَّانِيَة فَقَط.
وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أدب الْكَاتِب: أجْرى الْكَاف الجارة مجْرى مثل فَأدْخل عَلَيْهَا كافاً ثَانِيَة فَكَأَنَّهُ قَالَ: كَمثل مَا يؤثفين. وَمَا مَعَ الْفِعْل بِتَقْدِير الْمصدر كَأَنَّهُ قَالَ: كَمثل إثفائها أَي: إِنَّهَا على حَالهَا حِين أثفيت.
والكافان لَا يتعلقان بِشَيْء فَإِن الأولى زَائِدَة وَالثَّانيَِة قد
стр. 784
أجريت مجْرى الْأَسْمَاء لدُخُول الْجَار عَلَيْهَا وَلَو سَقَطت الأولى وَجب أَن تكون الثَّانِيَة مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف صفة لمصدر مُقَدّر مَحْمُول)
على معنى الصاليات لِأَنَّهَا نابت مناب مثفيات فَكَأَنَّهُ قَالَ: ومثفيات إثفاءً مثل إثفائها حِين نصبت للقدر. وَلَا بُد من هَذَا التَّقْدِير ليَصِح اللَّفْظ وَالْمعْنَى.
وَأما قَوْله: يؤثفين فقد اخْتلف النحويون فِي وَزنه: فَقَالَ قوم: وَزنه يؤفعلن
والهمزة زَائِدَة والثاء فِيهِ ثاء الْفِعْل فَكَانَ يجب أَن يَقُول يثفين لكنه جَاءَ على الأَصْل ضَرُورَة كَمَا قَالَ الْأُخَر: فَإِنَّهُ أهلٌ لِأَن يؤكرما وعَلى هَذَا فأثفية أفعولة. فأصلها أثفوية قلبت الْوَاو يَاء وأدغمت فِي الْيَاء وَكسرت الْفَاء لتبقى الْيَاء على حَالهَا وَاسْتَدَلُّوا على زِيَادَة الْهمزَة بقول الْعَرَب: ثفيت الْقدر إِذا جَعلتهَا على الأثافي. . وَقَالَ قوم: وَزنه يفعلين فالهمزة أصل وَوزن أثفية على هَذَا فعلية وَاسْتَدَلُّوا بقول النَّابِغَة:
(لَا تقذفني بركنٍ لَا كفاء لَهُ ... وَإِن تأثفك الْأَعْدَاء بالرفد)
فَقَوله: تأثفك وَزنه تفعلك لَا يَصح فِيهِ غَيره وَلَو كَانَ من ثفيت الْقدر لقَالَ تثفاك. وَمَعْنَاهُ صَار أعدائي حولك كالأثافي تظافراً.
قَالَ ابْن جني فِي شرح تصريف الْمَازِني: ويفعلين أولى من يؤفعلن لنه لَا ضَرُورَة فِيهِ.
وَقَوله: ومهمهين قذفين ... الخ هَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد النُّحَاة أنْشدهُ
الزّجاج فِي بَاب مَا جَاءَ من الْمثنى بِلَفْظ الْجمع. وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 785
فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالسبْعين بعد الْخَمْسمِائَةِ فِي بَاب الْمثنى. والمهمة: القفر الْمخوف قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح شَوَاهِد الْجمل: واشتقاقه من قَوْلك مهمهت بِالرجلِ: إِذا زجرته فَقلت لَهُ: مَه مَه. أَرَادَ: أَن سالكه يخفي صَوته وحركته من خَوفه فَإِن رفع صَاحبه صَوته قَالَ لَهُ: مَه مَه. وَنَظِير هَذَا مَا ذكره اللغويون فِي قَول أبي ذُؤَيْب: على أطرقا باليات الْخيام فَإِنَّهُم ذكرُوا: أَن أطرقا مَوضِع وَأَنه سمي بذلك لِأَن ثَلَاثَة أنفس مروا بِهِ فَتكلم أحدهم مَعَ صَاحبه فَقَالَ لَهما الثَّالِث. أطرقا. والْقَذْف بِفَتْح الْقَاف والذال الْمُعْجَمَة: الْبعيد من الأَرْض. والمرت بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْمُهْملَة: الأَرْض الَّتِي لَا مَاء بهَا وَلَا نَبَات. والظّهْر: مَا ارْتَفع من الأَرْض شبهه بِظهْر ترس: فِي ارتفاعه وتعريه من النبت كَمَا قَالَ الْأَعْشَى: وَقَوله: جبتهما بالنعت. . الخ أَي: نعتا لي مرّة وَاحِدَة فَلم أحتج إِلَى أَن ينعتا لي مرّة ثَانِيَة)
وصف نَفسه بالحذق والمهارة. وَهَذَا يشبه مَا أنْشدهُ الْفَارِسِي فِي التَّذْكِرَة:
(ومهمهٍ أَعور إِحْدَى الْعَينَيْنِ ... بَصِير الْأُخْرَى وأصم الْأُذُنَيْنِ)
قطعته بالسمت لَا بالسمتين
قَوْله: أَعور الخ قَالَ أَبُو عَليّ: كَانَت فِي هَذَا الْموضع بئران فعورت
стр. 786
إِحْدَاهمَا وَبقيت الْأُخْرَى فَلذَلِك قَالَ: أَعور إِحْدَى الْعَينَيْنِ. وَقَوله: وأصم الْأُذُنَيْنِ يَعْنِي: أَنه لَيْسَ بِهِ جبلٌ فَيسمع صَوت الصدى مِنْهُ. وَقَوله: بالسمت. . الخ أَي: قيل لي مرّة وَاحِدَة فاكتفيت. وواو ومهمهين وَاو رب وجوابها جبتهما. خطام الْمُجَاشِعِي بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَمَعْنَاهُ الزِّمَام. قَالَ الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف: هُوَ خطام الرّيح الْمُجَاشِعِي الراجز وَهُوَ خطام بن نصر بن عِيَاض بن يَرْبُوع من بني الْأَبْيَض بن مجاشع بن دارم. وَهُوَ الْقَائِل: وماثلاتٍ ككما يؤثفين ا. هـ وَذكر الصَّاغَانِي فِي الْعباب: أَن اسْمه بشر بِكَسْر الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة.
وَقَالَ الْآمِدِيّ: وَمِنْهُم من يُقَال لَهُ: خطام الْكَلْب واسْمه بجير بِضَم الْمُوَحدَة وَفتح الْجِيم ابْن
(وَالله مَا أشبهني عِصَام ... لَا خلقٌ مِنْهُ وَلَا قوام)
نمت وعرق الْخَال لَا ينَام وَأنْشد بعده وهوالشاهد السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة)
وَهُوَ من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ:
стр. 787
بَين ذراعي وجبهة الْأسد هَذَا عجزٌ وصدره: يَا من رأى عارضاً أسر بِهِ على أَن الْمُضَاف إِلَيْهِ مَحْذُوف بِقَرِينَة الْمُضَاف إِلَيْهِ الثَّانِي أَي بَين ذراعي الْأسد وجبهته.
تقدم الْكَلَام على مثل هَذَا فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعِشْرين وَمن: منادى وَقيل: مَحْذُوف المنادى أَي: يَا قوم وَمن استفهامية. والرؤية بصرية. والْعَارِض: السَّحَاب الَّذِي يعْتَرض الْأُفق.
وَجُمْلَة أسر بِهِ صفةٌ لعَارض. والذراعان والجبهة: من منَازِل الْقَمَر الثَّمَانِية وَالْعِشْرين فالذراعان أَرْبَعَة كواكب كل كوكبين مِنْهُمَا ذِرَاع.
قَالَ أَبُو إِسْحَاق الزّجاج فِي كتاب الأنواء. ذِرَاع الْأسد المقبوضة وهما كوكبان نيران بَينهمَا كواكب صغَار يُقَال لَهَا: الْأَظْفَار كَأَنَّهَا فِي مَوَاضِع مخالب الْأسد فَلذَلِك قيل لَهَا الْأَظْفَار.
وَإِنَّمَا قيل لَهَا الذِّرَاع الْأُخْرَى وَهِي مَقْبُوضَة عَنْهَا ونوءها يكون لليلتين تمضيان من كانون الثَّانِي يسْقط الذِّرَاع فِي الْمغرب غدْوَة وتطلع الْبَلدة والنسر الطَّائِر فِي الْمشرق غدْوَة. وَفِيه يجمد المَاء ويشتد الْبرد.
والجبهة: أَرْبَعَة كواكب فِيهَا عوج أَحدهمَا براق وَهُوَ الْيَمَانِيّ مِنْهَا وَإِنَّمَا سميت الْجَبْهَة لِأَنَّهَا كجبهة الْأسد. ونوءها يكون لعشر تمْضِي من شباط تسْقط الْجَبْهَة فِي الْمغرب غدْوَة ويطلع سعد السُّعُود من الْمشرق غدْوَة. وَفِيه تقع الْجَمْرَة الثَّالِثَة ويتحرك أول
стр. 788
العشب ويصوت الطير ويورق الشّجر وَيكون مطرٌ جود. وَيُسمى نوء الْأسد لِأَنَّهُ يتَّصل بهَا كواكب فِي جبهة الْأسد. . وَخص هَاتين المنزلتين لِأَن السَّحَاب الَّذِي ينشأ بِنَوْء من منَازِل الْأسد يكون مطره غزيراً فَلذَلِك يسر بِهِ.
والنوء: غيبوبة الْكَوْكَب فِي الْمغرب غدْوَة وطلوع رقيبه فِي الْمشرق غدْوَة وَسمي النوء لِأَنَّهُ ناء أَي: نَهَضَ للغيوب.
قَالَ الزّجاج: وَالَّذِي أخْتَار مَذْهَب الْخَلِيل: وَهُوَ أَن النوء اسْم الْمَطَر الَّذِي يكون مَعَ سُقُوط النَّجْم فاسم مطر الْكَوْكَب السَّاقِط النوء ا. هـ.
وَكَانَت الْعَرَب تزْعم أَنه يحدث عِنْد نوء كل منزل مطرٌ أَو ريح أَو حر أَو برد وَهَذَا الَّذِي)
رُوِيَ فِي الحَدِيث. أَن النَّبِي ﷺ َ قَالَ: ثَلَاث من أَمر الْجَاهِلِيَّة: الطعْن فِي النساب والنياحة وَالِاسْتِسْقَاء بالأنواء وَهُوَ أَن تضيف الْمَطَر إِلَى الْكَوْكَب الَّذِي ينوء.
قَالَ الأعلم: وصف عَارض سحابٍ اعْترض بَين نوء الذِّرَاع ونوء الْجَبْهَة وهما من أنواء الْأسد وأنواؤه أَحْمد الأنواء. وَذكر الذراعين والنوء إِنَّمَا هُوَ لِلذِّرَاعِ المقبوضة مِنْهُمَا لاشْتِرَاكهمَا فِي أَعْضَاء السد. وَنَظِير هَذَا قَوْله تَعَالَى: يخرج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤ والمرجان يُرِيد من الْبَحْرين الْملح والعذب وَإِنَّمَا يخرج اللُّؤْلُؤ والمرجان من الْملح لَا مِنْهُمَا.
وَهَذَا الْبَيْت للفرزدق. وَتَقَدَّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ.
стр. 789
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
كليني لَهُم يَا أُمَيْمَة ناصب هَذَا صدر وعجزه قد أنْشدهُ فِي بَاب النَّعْت.
على أَن أُمَيْمَة جَاءَ بِفَتْح التَّاء وَالْقِيَاس ضمهَا.
وَاخْتلفُوا فِي التَّوْجِيه. فَقَالَ الْجُمْهُور. إِنَّه مرخم وَالْأَصْل يَا أميم ثمَّ أدخلت الْهَاء غير مُعْتَد بهَا وَفتحت لِأَنَّهَا وَقعت موقع مَا يسْتَحق الْفَتْح وَهُوَ مَا قبل هَاء التَّأْنِيث.
لأبي عَليّ الْفَارِسِي فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا أَن الْهَاء زَائِدَة وَفتحت إتباعاً لحركة الْمِيم. وَالثَّانِي أَنَّهَا أدخلت بَين الْمِيم وفتحتها. فالفتحة الَّتِي فِي أَولهَا هِيَ فَتْحة الْمِيم ثمَّ فتحت الْمِيم إتباعاً لحركة الْهَاء. . وَقيل: جَاءَ هَذَا على أصل المنادى وَلم ينون لِأَنَّهُ غير منصرف. وَقيل: هُوَ مَبْنِيّ على الْفَتْح لِأَن مِنْهُم من يَبْنِي المنادى الْمُفْرد على الْفَتْح لِأَنَّهَا حَرَكَة تشابه حَرَكَة إعرابه فَهُوَ نَظِير: لَا رجل فِي الدَّار.
وَقَوله: كليني أمرٌ من وكلت الْأَمر إِلَيْهِ وكلا من بَاب وعد ووكولاً: إِذا فوضته إِلَيْهِ واكتفيت بِهِ. وأُمَيْمَة تَصْغِير ترخيم أُمَامَة وَهِي بنته. وناصب بِمَعْنى منصب: من النصب وَهُوَ التَّعَب فجَاء بِهِ
стр. 790
على طرح الزَّائِد وَحمله سِيبَوَيْهٍ على النّسَب أَي: ذِي نصب كَمَا يُقَال: طَرِيق خَائِف أَي: ذُو خوف. وأقاسيه: أكابده. يَقُول: دعيني لهَذَا الْهم المتعب ومقاساة اللَّيْل البطيء الْكَوَاكِب بالسهر وَلَا تزيديني لوماً وعذلاً وَجعل بطء الْكَوَاكِب دَلِيلا على طول اللَّيْل)
كَأَنَّهَا لَا تغرب فينقضي اللَّيْل. وَمَا أحسن قَول بَعضهم:
(ليلِي كَمَا شَاءَت فَإِن لم تجئ ... طَال وَإِن جَاءَت فليلي قصير)
وَهَذَا الْبَيْت مطلع قصيدة للنابغة الذبياني مدح بهَا عَمْرو بن الْحَارِث الْأَعْرَج ابْن الْحَارِث الْأَكْبَر بن أبي شمر بِفَتْح وَكسر وَيُقَال: شمر بِكَسْر فَسُكُون حِين هرب إِلَى الشَّام لما بلغه سعي بن ربيعَة بن قزيع بِهِ إِلَى النُّعْمَان بن الْمُنْذر وخافه. وَهَذَا عَن أبي عبيد. وَقَالَ غَيره: هُوَ ابْن الْحَارِث الْأَصْغَر بن الْحَارِث الْأَعْرَج بن الْحَارِث الْأَكْبَر بن أبي شمر. وَبعده:
(تطاول حَتَّى قلت لَيْسَ بمنقضٍ ... وَلَيْسَ الَّذِي يرْعَى النُّجُوم بآيب)
(وصدرٍ أراح اللَّيْل عَازِب همه ... تضَاعف فِيهِ الْحزن من كل جَانب)
...
стр. 791
(عَليّ لعمرٍ ونعمةٌ بعد نعمةٍ ... لوالده لَيست بِذَات عقارب)
وَمِنْهَا:
(وَلَا عيب فيهم غير أَن سيوفهم ... بِهن فلولٌ من قراع الْكَتَائِب)
وَسَيَأْتِي شَرحه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي الْمُسْتَثْنى.
قَوْله: وَصدر مَعْطُوف على قَوْله: لَهُم فِي أول الْبَيْت. وأراح بمهملتين: متعدي راحت الْإِبِل بالْعَشي على أَهلهَا أَي: رجعت من المرعى إِلَيْهِم. والعازب بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالزَّاي الْمُعْجَمَة: الْغَائِب من عزب الشَّيْء عزوباً من بَاب قعد: بعد وعزب من بَابي قتل وَضرب: وَقَوله: لَيست. . الخ الْجُمْلَة صفة إِمَّا لنعمةٌ المرفوعة أَو لنعمةٍ المجرورة أَي: نعْمَة غير مشوبة بنقمة كنعمة النُّعْمَان بن الْمُنْذر. وَعَمْرو هَذَا هُوَ الغساني من مُلُوك الشَّام.
قَالَ ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة: أول من ولي الشَّام من غَسَّان الْحَارِث بن عَمْرو
محرق. سمي بذلك لِأَنَّهُ أول من حرق الْعَرَب فِي ديارها وَهُوَ الْحَارِث الْأَكْبَر يكنى أَبَا شمر. . ثمَّ ابْنه الْحَارِث بن أبي شمر وَهُوَ الْحَارِث الْأَعْرَج وَأمه مَارِيَة ذَات القرطين وَهِي مَارِيَة بنت ظَالِم بن وهب بن الْحَارِث بن مُعَاوِيَة الْكِنْدِيّ وَأُخْتهَا هِنْد الهنود امْرَأَة حجر كل المرار الْكِنْدِيّ. وَإِلَى الْحَارِث الْأَعْرَج زحف الْمُنْذر الْأَكْبَر فَانْهَزَمَ جَيْشه
стр. 792
وَقتل هُوَ. . ثمَّ الْحَارِث الْأَصْغَر بن الْحَارِث الْأَعْرَج بن الْحَارِث. . وَهُوَ ولد الْحَارِث الْأَعْرَج ثمَّ عَمْرو بن الْحَارِث وَكَانَ يُقَال لَهُ أَبُو شمر الْأَصْغَر. وَله يَقُول نَابِغَة بني ذبيان:
(عَليّ لعمرٍ نعمةٌ بعد نعمةٍ ... لوالده لَيست بِذَات عقارب))
وَمن ولد الْأَعْرَج أَيْضا: الْمُنْذر والأيهم أَبُو جبلة. وجبلة آخر مُلُوك غَسَّان وَكَانَ طوله اثْنَي وَكَانَ أصل هَؤُلَاءِ من الْيمن وَكَانُوا من غَسَّان وَقيل من قضاعة. وَأول مُلُوكهمْ النُّعْمَان بن عَمْرو بن مَالك. ثمَّ من بعده ابْنه مَالك. ثمَّ من بعد مَالك ابْنه عَمْرو. . إِلَى خُرُوج مزيقيا وَهُوَ عَمْرو بن عَامر من الْيمن فِي قومه من الأزد وَسمي مزيقيا لِأَنَّهُ كَانَ يمزق كل يَوْم حلَّة لَا يعود إِلَى لبسهَا ثمَّ يَهَبهَا.
وَسمي عامرٌ مَاء السَّمَاء لِأَنَّهُ كَانَ يَجِيء فِي الْمحل فينوب عَن الْغَيْث بالرفد وَالعطَاء. ومزيقيا: ابْن حَارِثَة الغطريف بن ثَعْلَبَة البهلول بن امْرِئ
стр. 793
الْقَيْس البطريق بن
مَازِن قَاتل الْجُوع ابْن الأزد لما خرج مزيقيا من الْيمن كَانَ مَعَه رجل اسْمه جذع بن سِنَان فنزلوا بِلَاد عك فَقتل جذعٌ ملك بِلَاد عك وافترقت الأزد وَالْملك فيهم حِينَئِذٍ ثَعْلَبَة بن عَمْرو بت عَامر فَانْصَرف عَامله فحارب جرهم فأجلاهم عَن مَكَّة واستولوا عَلَيْهَا زَمَانا ثمَّ أَحْدَثُوا الْأَحْدَاث. وَجَاء قصي بن كلاب فَجمع معداً وَبِذَلِك سمي مجمعا واستعان ملك الرّوم فأعانه وَحَارب الأزد فَغَلَبَهُمْ وَاسْتولى على مَكَّة. فَلَمَّا رَأَتْ الأزد ضيق الْعَيْش بِمَكَّة ارتحلت وانخزعت خُزَاعَة لولاية الْبَيْت وَبِذَلِك سميت فَصَارَ بعض الأزد إِلَى السوَاد فملكوا عَلَيْهِم مَالك بن فهم أَبَا جذيمة الأبرش وَصَارَ قوم إِلَى يثرب فهم الْأَوْس والخزرج وَصَارَ قوم إِلَى عمان وَصَارَ قوم إِلَى الشَّام وَفِيهِمْ جذع بن سِنَان وَأَتَاهُ عَامل الْملك فِي خرج وَجب عَلَيْهِ فَدفع إِلَيْهِ سَيْفه رهنا فَقَالَ لَهُ الرُّومِي: أدخلهُ فِي حر أمك فَغَضب جذع وقنعه بِهِ فَقتله فَقيل: خُذ من جذعٍ مَا أَعْطَاك وَصَارَت مثلا. ثمَّ استولوا على الشَّام كَمَا تقدم ذكره. وَالله أعلم.
تَتِمَّة روى المرزباني فِي الموشح عَن الصولي بِسَنَدِهِ: أَن الْوَلِيد بن عبد الْملك تشاجر مَعَ أَخِيه مسلة فِي شعر امْرِئ الْقَيْس والنابغة الذبياني فِي وصف طول اللَّيْل أَيهمَا أَجود فرضيا بالشعبي فأحضر فأنشده الْوَلِيد: كليني لَهُم يَا أُمَيْمَة ناصب. . الأبيات الثَّلَاثَة.)
وَأنْشد مسلمة قَول امْرِئ الْقَيْس: ...
стр. 794
(وليلٍ كموج الْبَحْر أرْخى سدوله ... عَليّ بأنواع الهموم ليبتلي)
السدول: الستور. ويَبْتَلِي: ينظر مَا عِنْدِي من صَبر أَو جزع.
(فَقلت لَهُ لما تمطى بصلبه ... وَأَرْدَفَ اعجازاً وناء بكلكل)
تمطى: امْتَدَّ. وصلبه: وَسطه. وأرْدف: أتبع. وأعجازه: مآخيره. وناء: نَهَضَ. والكلكل: الصَّدْر.
(أَلا أَيهَا اللَّيْل الطَّوِيل أَلا انجلي ... بصبحٍ وَمَا الإصباح مِنْك بأمثل)
(فيالك من ليلٍ كَأَن نجومه ... بِكُل مغار الفتل شدت بيذبل)
المغار: الْحَبل الْمُحكم الفتل. ويذبل: جبل.
(كَأَن الثريا علقت فِي مصامها ... بأمراس كتانٍ إِلَى صم جندل)
فِي مصامها: فِي مقَامهَا. والأمراس: الحبال. والجندل: الْحِجَارَة. والصم: الصلاب.
قَالَ: فَضرب الْوَلِيد بِرجلِهِ طَربا فَقَالَ الشّعبِيّ: بَانَتْ الْقَضِيَّة قَالَ الصولي: فَأَما قَول النَّابِغَة: وصدرٍ أراح اللَّيْل عَازِب همه فَإِنَّهُ جعل صَدره مألفاً للهموم وَجعلهَا كالنعم العازبة بِالنَّهَارِ عَنهُ الرَّائِحَة مَعَ اللَّيْل إِلَيْهِ كَمَا تريح الرُّعَاة السَّائِمَة بِاللَّيْلِ إِلَى مَكَانهَا.
وَهُوَ أول من وصف أَن الهموم متزايدة بِاللَّيْلِ وَتَبعهُ النَّاس فَقَالَ الْمَجْنُون: ...
стр. 795
(يضم إِلَيّ اللَّيْل أَطْفَال حبها ... كَمَا ضم أزرار الْقَمِيص البنائق)
وَهَذَا من المقلوب: أَرَادَ: كَمَا ضم أزرار الْقَمِيص البنائق وَمثل هَذَا كثير فَجعل الْمَجْنُون مَا يَأْتِيهِ فِي ليله مِمَّا عزب عَنهُ فِي نَهَاره كالأطفال الناشئة. وَقَالَ ابْن الدمينة يتبع النَّابِغَة:
(أظل نهاري فِيكُم متعللاً ... ويجمعني والهم بِاللَّيْلِ جَامع)
أَقْْضِي نهاري بِالْحَدِيثِ وبالمنى فالشعراء على هَذَا متفقون وَلم يشذ عَنهُ وَيُخَالِفهُ مِنْهُم إِلَّا أحذقهم بالشعر. والمبتدئ بِالْإِحْسَانِ فِيهِ امْرُؤ الْقَيْس: فَإِنَّهُ بحذقه وَحسن طبعه وجودة قريحته كره أَن يَقُول: إِن الْهم فِي حبه يخف عَنهُ فِي نَهَاره وَيزِيد فِي ليله فَجعل اللَّيْل وَالنَّهَار سَوَاء عَلَيْهِ فِي قلقه وهمه وجزعه)
وغمه فَقَالَ: أَلا أَيهَا اللَّيْل الطَّوِيل. . الْبَيْت وَقد أحسن فِي هَذَا الْمَعْنى الَّذِي ذهب إِلَيْهِ وَإِن كَانَت الْعَادة غَيره وَالصُّورَة لَا توجبه. وَقد صب الله على امْرِئ الْقَيْس بعده شَاعِرًا أرَاهُ اسْتِحَالَة مَعْنَاهُ فِي الْمَعْقُول وَأَن الصُّورَة تَدْفَعهُ وَالْقِيَاس لَا يُوجِبهُ وَالْعَادَة غير جَارِيَة بِهِ حَتَّى لَو كَانَ الرَّاد عَلَيْهِ من حذاق الْمُتَكَلِّمين مَا بلغ فِي كثير نثره مَا أَتَى بِهِ فِي قَلِيل نظمه وَهُوَ أَبُو نفر الطرماح بن حَكِيم الطَّائِي: فَإِنَّهُ ابْتَدَأَ قصيدةً فَقَالَ:
(أَلا أَيهَا اللَّيْل الطَّوِيل أَلا اصبح ... ببم وَمَا الإصباح فِيك بأروح)
فَأتى بِلَفْظ امْرِئ الْقَيْس وَمَعْنَاهُ ثمَّ عطف محتجاً مستدركاً فَقَالَ: ...
стр. 796
(بلَى إِن للعينين فِي الصُّبْح رَاحَة ... لطرحهما طرفيهما كل مطرح)
وَإِنَّمَا أجمع الشُّعَرَاء على ذَلِك. من تضَاعف بلائهم بِاللَّيْلِ وَشدَّة كلفهم لقلَّة المساعد وفقد الحبيب وَتَقْيِيد اللحظ عَن أقْصَى مرامي النّظر الَّذِي لابد أَن يُؤَدِّي إِلَى الْقلب بتأمله شَيْئا يُخَفف عَنهُ أَو يغلب عَلَيْهِ فينسى مَا سواهُ.
وأبيات امْرِئ الْقَيْس فِي وصف اللَّيْل اشْتَمَل الْإِحْسَان عَلَيْهَا ولاح الحذق فِيهَا وَبَان الطَّبْع بهَا فَمَا فِيهَا معابٌ إِلَّا من جِهَة وَاحِدَة عِنْد أُمَرَاء الْكَلَام والحذاق بِنَقْد الشّعْر وتمييزه وَهُوَ قَوْله: فَقلت لَهُ لما تمطى. . الْبَيْت لم يشْرَح فَقلت لَهُ إِلَّا فِي بَيت بعده. وَهَذَا عيب لِأَن خير الشّعْر مَا لم يحْتَج بَيت مِنْهُ إِلَى بَيت آخر. وَقد تبع النَّاس امْرأ الْقَيْس وَصَدقُوا قَوْله وَجعلُوا نهارهم كليلهم فَقَالَ البحتري فِي غضب الْفَتْح عَلَيْهِ:
(وألبستني سخط امْرِئ بت موهناً ... أرى سخطه لَيْلًا مَعَ اللَّيْل مظلما)
وَكَأَنَّهُ من قَول أبي عُيَيْنَة فِي التَّذَكُّر لوطنه:
(طَال من ذكره بجرجان ليلِي ... ونهاري عَليّ كالليل داجي)
وترجمة النَّابِغَة الذبياني قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة.
٣ - (التَّرْخِيم)
الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
стр. 797
(خُذُوا حظكم يَا آل عكرم واذْكُرُوا ... أواصرنا وَالرحم بِالْغَيْبِ تذكر)
على أَن الْكُوفِيّين أَجَازُوا ترخيم الْمُضَاف وَيَقَع الْحَذف فِي آخر الِاسْم الثَّانِي كَمَا فِي الْبَيْت وَفِي أَبْيَات أخر كَثِيرَة وَالْأَصْل يَا آل عِكْرِمَة. وَقَالُوا: الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ بِمَنْزِلَة الشَّيْء الْوَاحِد فَجَاز ترخيمه كالمفرد. وَمنع البصريون هَذَا التَّرْخِيم وَقَالُوا: لَا حجَّة فِي هَذَا الْبَيْت وَأَمْثَاله لِأَنَّهُ مَحْمُول على الضَّرُورَة. والترخيم ضَرُورَة جَائِز فِي غير النداء أَيْضا كَقَوْلِه:
(أودى ابْن جلهم عبادٌ بصرمته ... إِن ابْن جلهم أَمْسَى حَيَّة الْوَادي)
أَرَادَ جلهمة.
وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات تِسْعَة لزهير بن أبي سلمى. قَالَهَا لبني سليم وبلغه أَنهم يُرِيدُونَ الإغارة على غطفان. وَهِي هَذِه:
(رَأَيْت بني آل امْرِئ الْقَيْس أصفقوا ... علينا وَقَالُوا: إننا نَحن أَكثر)
(سليم بن منصورٍ وأفناء عامرٍ ... وَسعد بن بكرٍ والنصور وأعصر)
بَنو آل امْرِئ الْقَيْس: هوزان وسليم بِالتَّصْغِيرِ. وَقَوله: أصفقوا علينا أَي: اجْتَمعُوا يُقَال: أصفق الْقَوْم على كَذَا: إِذا اجْتَمعُوا عَلَيْهِ. وَقَوله: سليم بن مَنْصُور أَي: مِنْهُم سليم. وأفناء عَامر: قبائلها. وَسعد بن بكر من هوزان وهم الَّذين كَانَ النَّبِي ﷺ َ مس ترضعاً فيهم. والنصور: بَنو نصر وهم من هوزان أَيْضا سمي كل وَاحِد مِنْهُم باسم أَبِيه ثمَّ جمع. وأعصر أَبُو غَنِي وباهلة. وكل هَؤُلَاءِ من ولد عِكْرِمَة بن خصفة بن قيس عيلان بن مُضر.
стр. 798
(خُذُوا حظكم يَا آل عكرم واذْكُرُوا ... أواصرنا وَالرحم بِالْغَيْبِ تذكر)
(خُذُوا حظكم من ودنا إِن قربنا ... إِذا ضرستنا الْحَرْب نارٌ تسعر)
الْحَظ النَّصِيب. يَقُول: صونوا حظكم من صلَة الْقَرَابَة وَلَا تفسدوا مَا بَيْننَا وَبَيْنكُم فَإِن ذَلِك مِمَّا يعود مكروهه عَلَيْكُم. وآل عِكْرِمَة هم بَنو عِكْرِمَة ابْن خصفة بن قيس بن عيلان بن مُضر ورخم عِكْرِمَة ضَرُورَة. والأواصر: جمع آصرة وَهِي مَا عطفك على رجلٍ. من رحم أَو قرَابَة أَو صهر أَو مَعْرُوف. والرَّحِم: مَوضِع تكوين الْوَلَد وتخفف بِسُكُون الْحَاء مَعَ فتح الرَّاء)
وَمَعَ كسرهَا أَيْضا فِي لُغَة بني كلاب ثمَّ سميت الْقَرَابَة والوصلة من جِهَة الْوَلَاء رحما فالرحم خلاف الْأَجْنَبِيّ وَهُوَ مؤنث فِي الْمَعْنيين. وَالرحم الَّتِي بَين قوم زُهَيْر وَبينهمْ: أَن مزينة من ولد أد بن طابخة بن الياس بن مُضر وَهَؤُلَاء من ولد قيس بن عيلان بن مُضر.
وَقَوله: إِذا ضرستنا الْحَرْب أَي: عضتنا بأضراسها وَهَذَا مثل للشدة. يَقُول: إِذا اشتدت الْحَرْب فالقرب منا مَكْرُوه وجانبنا شَدِيد. وَضرب النَّار مثلا لذَلِك. وَمعنى تسعر وَأَصله تتسعر تتقد.
(وَإِنَّا وَإِيَّاكُم إِلَى مَا نسومكم ... لمثلان أَو أَنْتُم إِلَى الصُّلْح أفقر)
يَقُول: نَحن وَأَنْتُم مثلان فِي الِاحْتِجَاج إِلَى الصُّلْح وَترك الْغَزْو بل أَنْتُم إِلَى ذَلِك أحْوج وَأَشد افتقاراً إِلَيْهِ. وَمعنى نسومكم: نعرض عَلَيْكُم وندعوكم يُقَال: سمته الْخَسْف أَي: طلبت مِنْهُ غير الْحق وَحَمَلته على الذل والهوان.
(إِذا مَا سمعنَا صَارِخًا معجت بِنَا ... إِلَى صَوته ورق المراكل ضمر)
الصَّارِخ هُنَا المستغيث. ومعجت بِنَا أَي: مرت مرا سَرِيعا فِي سهولة. وَقَوله: ورق المراكل ضمر هُوَ جمع أَوْرَق وَهُوَ الْأسود فِي غبرة والمركل
стр. 799
كجعفر: مَوضِع عقب الْفَارِس من جنب الْفرس. أَي: قد تحات الشّعْر وتساقط عَن مراكلها فاسود مَوْضِعه لِكَثْرَة الرّكُوب فِي الْحَرْب.
(وَإِن شل ريعان الْجَمِيع مَخَافَة ... نقُول جهاراً وَيْلكُمْ لَا تنفرُوا)
(على رسلكُمْ إِنَّا سنعدي وراءكم ... فتمنعكم أرماحنا أَو ستعذر)
يَقُول: إِن أحسن الْقَوْم بالعدو فطردوا أَوَائِل إبلهم وصرفوها عَن المرعى أمرناهم بِأَن لَا يَفْعَلُوا وَقُلْنَا لَهُم مجاهرةً: وَيْلكُمْ لَا تنفرُوا وَلَا تطردوها فَنحْن نمنعها من الْعَدو ونقاتل دونهَا. وشل بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول: طرد. وريعان كل شَيْء: أَوله. وَقَوله: على رسلكُمْ بِالْكَسْرِ أَي: على مهلكم ورفقكم وَالْمعْنَى: أمهلوا قَلِيلا. وَقَوله: سنعدي وراءكم أَي: سنعدي الْخَيل وراءكم يُقَال: عدا الْفرس وأعداه فارسه.
وَقَوله: ستعذر أَي: سنأتي بالعذر فِي الذب عَنْكُم يُقَال: أعذر الرجل فِي الْأَمر: إِذا اجْتهد وَبلغ الْعذر. وَقَوله: وَإِلَّا فَإنَّا. . الخ يَقُول: وَإِن لم يكن قتال فَإنَّا بالشربة أَي: بمنازلها الَّتِي تعلمُونَ نَحن فِيهَا آمنون نضرب بقداح الميسر وننحر النوق الْكَرِيمَة.)
وَرُوِيَ:
стр. 800
وَإِن شدّ رعيان الْجَمِيع مَخَافَة وشدّ بِمَعْنى فر. ورعيان: جمع رَاع. ووراءكم: أمامكم. وستعذر رُوِيَ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة وَالضَّمِير للرماح. والشربة بِفَتْح الشين وَالرَّاء وَتَشْديد الْمُوَحدَة: مَوضِع بِبِلَاد غطفان.
وَكَذَلِكَ اللوى. وزُهَيْر هُوَ زُهَيْر بن أبي سلمى. وَاسم أبي سلمى ربيعَة بن ريَاح الْمُزنِيّ من مزينة بن أد بن طابخة بن الياس بن مُضر وَكَانَت محلتهم فِي بِلَاد غطفان. فيظن النَّاس أَنه من غطفان أَعنِي زهيراً وَهُوَ غلط. كَذَا فِي الِاسْتِيعَاب لِابْنِ عبد الْبر. وَكَأن هَذَا ردٌ لما قَالَه ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء فَإِنَّهُ قَالَ: زُهَيْر هُوَ ابْن ربيعَة بن قرط. وَالنَّاس ينسبونه إِلَى مزينة وَإِنَّمَا نسبه إِلَى غطفان ا. هـ.
وسلمى بِضَم السِّين قَالَ فِي الصِّحَاح: لَيْسَ فِي الْعَرَب سلمى بِالضَّمِّ غَيره ورياح بِكَسْر الرَّاء وَبعدهَا مثناة تحتية.
وَزُهَيْر أحد الشُّعَرَاء الثَّلَاثَة الفحول الْمُتَقَدِّمين على سَائِر الشُّعَرَاء بالِاتِّفَاقِ وَإِنَّمَا الْخلاف فِي تَقْدِيم أحدهم على الآخر وهم: امْرُؤ الْقَيْس وَزُهَيْر والنابغة الذبياني. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: يُقَال: إِنَّه لم يتَّصل الشّعْر فِي ولد أحد من الفحول فِي الْجَاهِلِيَّة مَا اتَّصل فِي ولد زُهَيْر وَفِي الْإِسْلَام مَا اتَّصل فِي ولد جرير. وَكَانَ زُهَيْر راوية أَوْس بن حجر.
وَعَن عِكْرِمَة بن جرير قَالَ: قلت لأبي: من أشعر النَّاس قَالَ: أجاهلية أم إسلامية قلت: جَاهِلِيَّة. قَالَ: زُهَيْر.
стр. 801
قلت: فالإسلام قَالَ: الفرزدق. قلت: فالأخطل. قَالَ: الأخطل يجيد نعت الْمُلُوك ويصيب صفة الْخمر. قلت لَهُ: فَأَنت قَالَ: أَنا نحرت الشّعْر نحراً.
وَقَالَ ثَعْلَب وَهُوَ مِمَّن قدم زهيراً: كَانَ أحْسنهم شعرًا وأبعدهم من سخف وأجمعهم لكثير فِي الْمَعْنى فِي قَلِيل من الْمنطق وأشدهم مُبَالغَة فِي الْمَدْح وَأَكْثَرهم أَمْثَالًا فِي شعره. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: لزهير فِي الشّعْر مَا لم يكن لغيره: كَانَ أَبوهُ شَاعِرًا وخاله شَاعِرًا وَأُخْته سلمى)
شاعرة وَأُخْته الخنساء شاعرة وابناه كَعْب
وبحير شاعرين وَابْن ابْنه المضرب بن كَعْب شَاعِرًا وَهُوَ الَّذِي يَقُول:
(إِنِّي لأحبس نَفسِي وَهِي صابرةٌ ... عَن مصعبٍ وَلَقَد بَانَتْ لي الطّرق)
(رعوى عَلَيْهِ كَمَا أرعى على هرمٍ ... جدي زهيرٌ وَفينَا ذَلِك الْخلق)
(مدح الْمُلُوك وسعيٌ فِي مسرتهم ... ثمَّ الْغنى وَيَد الممدوح تَنْطَلِق)
وَكَعب هُوَ ناظم: بَانَتْ سعاد فقلبي الْيَوْم متبول وَسَتَأْتِي تَرْجَمته إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي أَفعَال الْقُلُوب.
قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَكَانَ زُهَيْر يتأله ويتعفف فِي شعره وَيدل شعره على إيمَانه بِالْبَعْثِ وَذَلِكَ قَوْله:
стр. 802
وَشبه زُهَيْر امْرَأَة بِثَلَاثَة أَوْصَاف فِي بَيت وَاحِد فَقَالَ:
(تنازعها المها شبها ودر ال ... بحور وشاكهت فِيهَا الظباء)
ففسر ثمَّ قَالَ:
(فَأَما مَا فويق العقد مِنْهَا ... فَمن أدماء مرتعها الْخَلَاء)
(وَأما المقلتان فَمن مهاةٍ ... وللدر الملاحة والصفاء)
وَقَالَ بعض الروَاة: لَو أَن زهيراً نظر إِلَى رِسَالَة عمر بن الْخطاب إِلَى أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ مَا زَاد على مَا قَالَ: فَإِن الْحق مقطعه ثلاثٌ يمينٌ أَو نفارٌ أَو جلاء يَعْنِي يَمِينا أَو منافرة إِلَى حَاكم يقطع بِالْبَيِّنَاتِ أَو جلاء وَهُوَ بَيَان وبرهان يجلو بِهِ الْحق وتتضح الدَّعْوَى.
وديوان شعر زُهَيْر كَبِير وَعَلِيهِ شرحان وهما عِنْدِي وَالْحَمْد لله والْمنَّة أَحدهمَا بِخَط مهلهل الشهير الخطاط صَاحب الْخط الْمَنْسُوب.
وغالب شعره مدحٌ فِي هرم بن سِنَان أحد الأجواد الْمَشْهُورين وَمن شعره فِيهِ قَوْله: صَحا الْقلب عَن سلمى وَقد كَاد لَا يسلو قَالَ صَاحب الأغاني: هَذِه القصيدة أول قصيدة مدح بهَا زُهَيْر هرماً ثمَّ تتَابع بعده. وَكَانَ هرمٌ حلف أَن لَا يمدحه زهيرٌ إِلَّا أعطَاهُ
стр. 803
وَلَا يسْأَله إِلَّا أعطَاهُ: عبدا أَو وليدةً أَو فرسا.)
فاستحيا زُهَيْر مِنْهُ فَكَانَ زُهَيْر إِذا رَآهُ فِي مَلأ قَالَ: أنعموا صباحاً غير هرم وخيركم استثنيت. . وَقَالَ عمر بن الْخطاب لبَعض ولد هرم: أَنْشدني بعض مدح زُهَيْر أَبَاك فأنشده فَقَالَ عمر: إِن كَانَ ليحسن فِيكُم الْمَدْح. قَالَ: وَنحن وَالله إِن كُنَّا لنحسن لَهُ الْعَطِيَّة. قَالَ: قد ذهب مَا أعطيتموه وَبَقِي مَا أَعْطَاكُم.
وَفِي رِوَايَة عمر بن شبة: قَالَ عمر لِابْنِ زُهَيْر: مَا فعلت الْحلَل الَّتِي كساها هرمٌ أَبَاك قَالَ: أبلاها الدَّهْر. قَالَ: لَكِن الْحلَل الَّتِي كساها أَبوك هرماً لم يبلها الدَّهْر ويستجاد قَوْله فِي هرم:
(قد جعل المبتغون الْخَيْر فِي هرمٍ ... والسائلون إِلَى أبوابه طرقا)
(من يلق يَوْمًا على علاته هرماً ... يلق السماحة فِيهِ والندى خلقا)
وَرُوِيَ أَن زهيراً كَانَ ينظم القصيدة فِي شهر وينقحها ويهذبها فِي سنة وَكَانَت تسمى قصائده حوليات زُهَيْر. وَقد أَشَارَ إِلَى هَذَا الْبَهَاء زُهَيْر فِي قَوْله من قصيدة:
(هَذَا زهيرك لَا زُهَيْر مزينةٍ ... وافاك لَا هرماً على علاته)
وَكَانَ رأى زهيرٌ فِي مَنَامه فِي أَوَاخِر عمره: أَن آتِيَا أَتَاهُ فَحَمله إِلَى السَّمَاء حَتَّى كَاد يَمَسهَا بِيَدِهِ ثمَّ تَركه فهوى إِلَى الأَرْض. فَلَمَّا احْتضرَ قصّ رُؤْيَاهُ على وَلَده كَعْب ثمَّ قَالَ: إِنِّي لَا أَشك أَنه كَائِن من خبر السَّمَاء بعدِي فَإِن كَانَ
стр. 804
فَتمسكُوا بِهِ وسارعوا إِلَيْهِ. ثمَّ توفّي قبل المبعث بِسنة.
فَلَمَّا بعث ﷺ َ خرج إِلَيْهِ وَلَده كعبٌ بقصيدته بَانَتْ سعاد وَأسلم كَمَا يَأْتِي بَيَانهَا فِي أَفعَال الْقُلُوب إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَرُوِيَ أَيْضا: أَن زهيراً رأى فِي مَنَامه أَن سَببا تدلى من السَّمَاء إِلَى الأَرْض وَكَانَ النَّاس يمسكونه وَكلما أَرَادَ أَن يمسِكهُ تقلص عَنهُ. فأوله بِنَبِي آخر الزَّمَان فَإِنَّهُ وَاسِطَة بَين الله وَبَين النَّاس وَأَن مدَّته لَا تصل إِلَى زمن مبعثه وَأوصى بنيه أَن يُؤمنُوا بِهِ عِنْد ظُهُوره.
وَأنْشد بعده وهوالشاهد التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة)
(أَبَا عرو لَا تبعد فَكل ابْن حرةٍ ... سيدعوه دَاعِي مَوته فيجيب)
لما تقدم فِي الْبَيْت قبله: فَإِن أَبَا عرو منادى بِحرف النداء الْمَحْذُوف وَأَبا منادى مُضَاف لما بعده وعرو: مرخم عُرْوَة: وَالْكَلَام عَلَيْهِ كَمَا تقدم فِي الْبَيْت قبله. قَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: وَمِمَّا يدل على مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَلم يكن فِيهِ مَا تَأَوَّلَه أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد فِي بَيت زُهَيْر فَزعم أَنه أَرَادَ يَا آل عكرمٍ بِالْجَرِّ والتنوين قَول الشَّاعِر: أَبَا عرو لَا تبعد ... الْبَيْت
стр. 805
أَلا ترى أَنه لَا يُمكن أَبَا الْعَبَّاس أَن يَقُول: إِن عُرْوَة قَبيلَة كَمَا قَالَ ذَلِك فِي عِكْرِمَة وَلَا يُمكنهُ أَن يَقُول: أَرَادَ أَبَا عرو بِالْجَرِّ والتنوين. فَمَنعه من ذَلِك أَن عُرْوَة لَا ينْصَرف للتأنيث فِي التَّعْرِيف انْتهى.
وروى ابْن الشجري هَذَا الْبَيْت كَرِوَايَة الشَّارِح الْمُحَقق وأنشده ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف وَكَذَا ابْن هِشَام فِي شرح الألفية: سيدعوه دَاعِي ميتةٍ بِكَسْر الْمِيم. والْميتَة: الْحَالة الَّتِي يَمُوت عَلَيْهَا الْإِنْسَان. وَزَاد ابْن السّكيت فِي كتاب الْمُذكر والمؤنث رِوَايَة: ستدعوه بمثناة فوقية لَا تحتية على أَن قَوْله: دَاعِي اكْتسب التَّأْنِيث من إِضَافَته إِلَى الْمُؤَنَّث.
وَكَذَلِكَ أوردهُ الْفراء عِنْد تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَال حبةٍ من خَرْدَل قَالَ: فَإِن قلت: إِن المثقال ذكر فَكيف قَالَ: تَكُ قلت: لِأَن المثقال أضيف إِلَى الْحبَّة وفيهَا الْمَعْنى كَأَنَّهُ قَالَ: وَقَوله: لَا تبعد أَي: لَا تهْلك وَهُوَ دُعَاء خرج بِلَفْظ النَّهْي كَمَا يخرج الدُّعَاء بِلَفْظ الْأَمر وَإِن كَانَ لَيْسَ بِأَمْر نَحْو: اللَّهُمَّ اغْفِر لنا. يُقَال: بعد الرجل يبعد بعدا من بَاب فَرح إِذا هلك وَإِذا أردْت ضد الْقرب قلت: بعد يبعد بِضَم الْعين فيهمَا والمصدر على وزن ضِدّه وَهُوَ الْقرب وَرُبمَا استعملوا هَذَا فِي معنى الْهَلَاك لتداخل معنييهما. فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: لَا تبعد وَهُوَ قد هلك أُجِيب بِأَن الْعَرَب قد جرت عَادَتهم بِاسْتِعْمَال هَذِه اللَّفْظَة فِي الدُّعَاء للْمَيت
стр. 806
وَلَهُم فِي ذَلِك غرضان: أَحدهمَا أَنهم يُرِيدُونَ بذلك استعظام موت الرجل الْجَلِيل وَكَأَنَّهُم لَا يصدقون بِمَوْتِهِ. وَقد بَين هَذَا الْمَعْنى النَّابِغَة الذبياني بقوله:)
(يَقُولُونَ: حصنٌ ثمَّ تابى نُفُوسهم ... وَكَيف بحصنٍ وَالْجِبَال جنوح)
(وَلم تلفظ الْمَوْتَى الْقُبُور وَلم تزل ... نُجُوم السَّمَاء والأديم صَحِيح)
أَرَادَ أَنهم يَقُولُونَ: مَاتَ حصن ثمَّ يستعظمون أَن ينطقوا بذلك وَيَقُولُونَ: كَيفَ يجوز أَن يَمُوت وَالْجِبَال لم تنسف والنجوم لم تنكدر والقبور لم تخرج موتاها وجرم الْعَالم صَحِيح لم يحدث فِيهِ حَادث.
وَهَكَذَا تستعمله الْعَرَب فِيمَن هلك فسَاء هَلَاكه وشق على من يفقده. قَالَ الْفِرَار السّلمِيّ:
(مَا كَانَ يَنْفَعنِي مقَال نِسَائِهِم ... وَقتلت دون رِجَالهمْ: لَا تبعد)
(يَقُولُونَ: لَا تبعد وهم يدفنونني ... وَأَيْنَ مَكَان الْبعد إِلَّا مكانيا)
وَالْغَرَض الثَّانِي: أَنهم يُرِيدُونَ الدُّعَاء لَهُ بِأَن يبْقى ذكره وَلَا ينسى لِأَن بَقَاء ذكر الْإِنْسَان بعد مَوته بِمَنْزِلَة حَيَاته كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
(فَأَثْنوا علينا لَا أَبَا لأبيكم ... بأفعالنا إِن الثَّنَاء هُوَ الْخلد)
وَقَالَ آخر:
(فَإِن تَكُ أفنته اللَّيَالِي فأوشكت ... فَإِن لَهُ ذكرا سيفني اللياليا)
стр. 807
. وَقَالَ المتنبي وَأحسن:
(ذكر الْفَتى عمره الثَّانِي وَحَاجته ... مَا فَاتَهُ وفضول الْعَيْش أشغال)
وَقد بَين الْفِرَار السّلمِيّ وَمَالك بن الريب مَا فِي هَذَا من الْمحَال فِي الْبَيْتَيْنِ الْمَذْكُورين.
وَقَوله: فَكل ابْن حرَّة الْفَاء للتَّعْلِيل. يَقُول: لَا أنسى الله ذكرك بالثناء الْجَمِيل فِي الدُّنْيَا فَإِن الْإِنْسَان لابد لَهُ من الْمَوْت فَإِن ذكر بالجميل فَكَأَنَّهُ لم يمت. وَذكر الْحرَّة وَأَرَادَ الْمَرْأَة أَو تَقول: أَبنَاء الْحَرَائِر إِذا كَانَ لابد لَهُم من الْمَوْت فموت أَبنَاء الْإِمَاء من بَاب أولى. . وَالسِّين فِي قَوْله: ستدعوه للتَّأْكِيد لَا للتسويف. وَقَوله: فيجيب مَعْطُوف على ستدعوه.
وَأنْشد بعده وَهُوَ وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:
(ديار مية إِذْ ميٌ تساعفنا ... وَلَا يرى مثلهَا عجمٌ وَلَا عرب)
على أَن التَّرْخِيم فِي غير النداء ضَرُورَة إِذْ مي مرخم مية وَهُوَ غير منادى.
وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ هَذَا الْبَيْت فِي كِتَابه فِي موضِعين: أَحدهمَا هَذَا وَأما قَول ذِي الرمة:)
ديار مية إِذْ ميٌ تساعفنا. . الْبَيْت فَزعم يُونُس أَنه كَانَ يسميها مرّة ميا وَمرَّة مية. انْتهى.
وَكَذَا فِي الصِّحَاح قَالَ: مية اسْم امْرَأَة ومي أَيْضا. وعَلى هَذَا يكون مَا فِي الْبَيْت على أحد الْوَجْهَيْنِ فَلَا ترخيم وَلَا ضَرُورَة فَيكون مي مصروفاً كَمَا يصرف دعد لِأَنَّهُ ثلاثي سَاكن الْوسط.
قَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: وَمنع الْمبرد من التَّرْخِيم فِي غير النداء على لُغَة من قَالَ يَا حَار بِالْكَسْرِ إِلَى أَن قَالَ: وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِي قَول ذِي الرمة:
стр. 808
ديار مية إِذْ مي تساعفنا ... الْبَيْت أَنه كَانَ مرّة يسميها ميا وَمرَّة يسميها مية. قَالَ: وَيجوز أَن يكون أجراه فِي غير النداء على يَا حَار بِالضَّمِّ ثمَّ صرفه لما احْتَاجَ إِلَى صرفه. قَالَ: وَهَذَا الْوَجْه عِنْدِي لِأَن الروَاة كلهم ينشدون: والموضع الثَّانِي من كتاب سِيبَوَيْهٍ أوردهُ على أَن ديار مية مَنْصُوب بإضمار فعل كَأَنَّهُ قَالَ: أذكر ديار مية وَلَا يذكر هَذَا الْعَامِل لكثرته فِي كَلَامهم وَلما كَانَ فِيهِ من ذكر الديار قبل ذَلِك. وَنَصّ كِتَابه: وَمِمَّا الْتزم فِيهِ الْإِضْمَار قَول الشُّعَرَاء:
ديار فُلَانَة قَالَ: ديار مية إِذْ ميٌ تساعفنا. . الْبَيْت
стр. 809
كَأَنَّهُ قَالَ: أذكر. وَلكنه حذف لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال ثمَّ قَالَ: وَمن الْعَرَب من يرفع الديار كَأَنَّهُ يَقُول تِلْكَ ديار فُلَانَة. انْتهى.
وَيجوز أَن يكون مجروراً على أَنه بدلٌ من دارٍ فِي بَيت قبله بِثَلَاثَة أَبْيَات وَهُوَ:
(لَا بل هُوَ الشوق من دارٍ تخونها ... مرا سحابٌ وَمَرا بارحٌ ترب)
وهما من قصيدة طَوِيلَة جدا فِي النسيب بمية ووصفها وَهِي أحسن شعره حَتَّى قَالَ جرير: مَا أَحْبَبْت أَن ينْسب إِلَيّ من شعر ذِي الرمة إِلَّا هَذِه القصيدة فَإِن شَيْطَانه كَانَ فِيهَا ناصحاً وَلَو خرس بعْدهَا لَكَانَ أشعر النَّاس.
وروى الْأَصْمَعِي فِي شرح ديوانه عَن أبي جهمة الْعَدوي قَالَ: سَمِعت ذَا الرمة يَقُول: من شعري مَا ساعدني فِيهِ القَوْل وَمِنْه مَا أجهدت فِيهِ نَفسِي وَمِنْه مَا جننت فِيهِ جنونا. فَأَما الَّذِي جننت فِيهِ فَقولِي:
وَأما مَا طاوعني فِيهِ القَوْل فَقولِي:)
خليلي عوجا من صُدُور الرَّوَاحِل وَأما مَا أجهدت فِيهِ نَفسِي فَقولِي: أأن ترسمت من خرقاء منزلَة ا.
стр. 810
هـ وَمن أول القصيدة إِلَى بَيت الشَّاهِد عشرَة أَبْيَات لَا بَأْس بإيرادها وَهِي هَذِه:
(مَا بَال عَيْنك مِنْهَا المَاء ينسكب ... كَأَنَّهُ من كلى مفريةٍ سرب)
الكلى: جمع كُلية وَهِي الرقعة تكون فِي أصل عرقة المزادة. والمفرية: المقطوعة المخروزة يُقَال: فريت الْأَدِيم: إِذا شققته وخرزته وأفريته: إِذا شققته. ففرى بِلَا ألف: شقٌ مَعَه إصْلَاح وأفرى مَعَ ألف: شقّ فِي فَسَاد. وسرب رَوَاهُ أَبُو عَمْرو بِكَسْر الرَّاء بِمَعْنى السَّائِل وَرَوَاهُ الْأَصْمَعِي وَابْن الْأَعرَابِي بِفَتْحِهَا قَالَ: السرب المَاء نَفسه الَّذِي يصب فِي المزادة الجديدة لكَي تبتل مَوَاضِع الخرز والسيور سرب قربتك: أَي: صب فِيهَا المَاء حَتَّى تستحكم مَوَاضِع الخرز.
(وفراء غرفيةٍ أثأى خوارزها ... مشلشلٍ ضيعته بَينهَا الْكتب)
وفراء أَي: ضخمة صفة مفرية أَي: مزادة وفراء. وغرفية: منسوبة إِلَى الغرف وَهُوَ دباغ بِالْبَحْرَيْنِ وَقيل: شجر يدبغ بِهِ وَقَالَ أَبُو عَمْرو: هُوَ الأرطى مَعَ التَّمْر وَالْملح يدبغ بِهِ. وأثأى: أفسد ومفعوله مَحْذُوف أَي: الخرز يُقَال: أثأيت الخرز: إِذا خرمته. والخوارز فَاعل أثأى وَهُوَ جمع خارزة وَهِي الَّتِي تخيط المزادة. المشلشل: نعت سرب وَهُوَ المَاء الَّذِي يتَّصل تقاطره وَلَا يَنْقَطِع. والْكتب بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة: الْخَزّ جمع كتبة وكل شَيْء ضممته فقد كتبته.
(أستحدث الركب عَن أشياعهم خَبرا ... أم رَاجع الْقلب من أطرابه طرب)
следующие страницы →