← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وَلَهُم فِي ذَلِك غرضان: أَحدهمَا أَنهم يُرِيدُونَ بذلك استعظام موت الرجل الْجَلِيل وَكَأَنَّهُم لَا يصدقون بِمَوْتِهِ. وَقد بَين هَذَا الْمَعْنى النَّابِغَة الذبياني بقوله:) (يَقُولُونَ: حصنٌ ثمَّ تابى نُفُوسهم ... وَكَيف بحصنٍ وَالْجِبَال جنوح) (وَلم تلفظ الْمَوْتَى الْقُبُور وَلم تزل ... نُجُوم السَّمَاء والأديم صَحِيح) أَرَادَ أَنهم يَقُولُونَ: مَاتَ حصن ثمَّ يستعظمون أَن ينطقوا بذلك وَيَقُولُونَ: كَيفَ يجوز أَن يَمُوت وَالْجِبَال لم تنسف والنجوم لم تنكدر والقبور لم تخرج موتاها وجرم الْعَالم صَحِيح لم يحدث فِيهِ حَادث. وَهَكَذَا تستعمله الْعَرَب فِيمَن هلك فسَاء هَلَاكه وشق على من يفقده. قَالَ الْفِرَار السّلمِيّ: (مَا كَانَ يَنْفَعنِي مقَال نِسَائِهِم ... وَقتلت دون رِجَالهمْ: لَا تبعد) (يَقُولُونَ: لَا تبعد وهم يدفنونني ... وَأَيْنَ مَكَان الْبعد إِلَّا مكانيا) وَالْغَرَض الثَّانِي: أَنهم يُرِيدُونَ الدُّعَاء لَهُ بِأَن يبْقى ذكره وَلَا ينسى لِأَن بَقَاء ذكر الْإِنْسَان بعد مَوته بِمَنْزِلَة حَيَاته كَمَا قَالَ الشَّاعِر: (فَأَثْنوا علينا لَا أَبَا لأبيكم ... بأفعالنا إِن الثَّنَاء هُوَ الْخلد) وَقَالَ آخر: (فَإِن تَكُ أفنته اللَّيَالِي فأوشكت ... فَإِن لَهُ ذكرا سيفني اللياليا)

стр. 807

. وَقَالَ المتنبي وَأحسن: (ذكر الْفَتى عمره الثَّانِي وَحَاجته ... مَا فَاتَهُ وفضول الْعَيْش أشغال) وَقد بَين الْفِرَار السّلمِيّ وَمَالك بن الريب مَا فِي هَذَا من الْمحَال فِي الْبَيْتَيْنِ الْمَذْكُورين. وَقَوله: فَكل ابْن حرَّة الْفَاء للتَّعْلِيل. يَقُول: لَا أنسى الله ذكرك بالثناء الْجَمِيل فِي الدُّنْيَا فَإِن الْإِنْسَان لابد لَهُ من الْمَوْت فَإِن ذكر بالجميل فَكَأَنَّهُ لم يمت. وَذكر الْحرَّة وَأَرَادَ الْمَرْأَة أَو تَقول: أَبنَاء الْحَرَائِر إِذا كَانَ لابد لَهُم من الْمَوْت فموت أَبنَاء الْإِمَاء من بَاب أولى. . وَالسِّين فِي قَوْله: ستدعوه للتَّأْكِيد لَا للتسويف. وَقَوله: فيجيب مَعْطُوف على ستدعوه. وَأنْشد بعده وَهُوَ وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: (ديار مية إِذْ ميٌ تساعفنا ... وَلَا يرى مثلهَا عجمٌ وَلَا عرب) على أَن التَّرْخِيم فِي غير النداء ضَرُورَة إِذْ مي مرخم مية وَهُوَ غير منادى. وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ هَذَا الْبَيْت فِي كِتَابه فِي موضِعين: أَحدهمَا هَذَا وَأما قَول ذِي الرمة:) ديار مية إِذْ ميٌ تساعفنا. . الْبَيْت فَزعم يُونُس أَنه كَانَ يسميها مرّة ميا وَمرَّة مية. انْتهى. وَكَذَا فِي الصِّحَاح قَالَ: مية اسْم امْرَأَة ومي أَيْضا. وعَلى هَذَا يكون مَا فِي الْبَيْت على أحد الْوَجْهَيْنِ فَلَا ترخيم وَلَا ضَرُورَة فَيكون مي مصروفاً كَمَا يصرف دعد لِأَنَّهُ ثلاثي سَاكن الْوسط. قَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: وَمنع الْمبرد من التَّرْخِيم فِي غير النداء على لُغَة من قَالَ يَا حَار بِالْكَسْرِ إِلَى أَن قَالَ: وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِي قَول ذِي الرمة:

стр. 808

ديار مية إِذْ مي تساعفنا ... الْبَيْت أَنه كَانَ مرّة يسميها ميا وَمرَّة يسميها مية. قَالَ: وَيجوز أَن يكون أجراه فِي غير النداء على يَا حَار بِالضَّمِّ ثمَّ صرفه لما احْتَاجَ إِلَى صرفه. قَالَ: وَهَذَا الْوَجْه عِنْدِي لِأَن الروَاة كلهم ينشدون: والموضع الثَّانِي من كتاب سِيبَوَيْهٍ أوردهُ على أَن ديار مية مَنْصُوب بإضمار فعل كَأَنَّهُ قَالَ: أذكر ديار مية وَلَا يذكر هَذَا الْعَامِل لكثرته فِي كَلَامهم وَلما كَانَ فِيهِ من ذكر الديار قبل ذَلِك. وَنَصّ كِتَابه: وَمِمَّا الْتزم فِيهِ الْإِضْمَار قَول الشُّعَرَاء: ديار فُلَانَة قَالَ: ديار مية إِذْ ميٌ تساعفنا. . الْبَيْت

стр. 809

كَأَنَّهُ قَالَ: أذكر. وَلكنه حذف لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال ثمَّ قَالَ: وَمن الْعَرَب من يرفع الديار كَأَنَّهُ يَقُول تِلْكَ ديار فُلَانَة. انْتهى. وَيجوز أَن يكون مجروراً على أَنه بدلٌ من دارٍ فِي بَيت قبله بِثَلَاثَة أَبْيَات وَهُوَ: (لَا بل هُوَ الشوق من دارٍ تخونها ... مرا سحابٌ وَمَرا بارحٌ ترب) وهما من قصيدة طَوِيلَة جدا فِي النسيب بمية ووصفها وَهِي أحسن شعره حَتَّى قَالَ جرير: مَا أَحْبَبْت أَن ينْسب إِلَيّ من شعر ذِي الرمة إِلَّا هَذِه القصيدة فَإِن شَيْطَانه كَانَ فِيهَا ناصحاً وَلَو خرس بعْدهَا لَكَانَ أشعر النَّاس. وروى الْأَصْمَعِي فِي شرح ديوانه عَن أبي جهمة الْعَدوي قَالَ: سَمِعت ذَا الرمة يَقُول: من شعري مَا ساعدني فِيهِ القَوْل وَمِنْه مَا أجهدت فِيهِ نَفسِي وَمِنْه مَا جننت فِيهِ جنونا. فَأَما الَّذِي جننت فِيهِ فَقولِي: وَأما مَا طاوعني فِيهِ القَوْل فَقولِي:) خليلي عوجا من صُدُور الرَّوَاحِل وَأما مَا أجهدت فِيهِ نَفسِي فَقولِي: أأن ترسمت من خرقاء منزلَة ا.

стр. 810

هـ وَمن أول القصيدة إِلَى بَيت الشَّاهِد عشرَة أَبْيَات لَا بَأْس بإيرادها وَهِي هَذِه: (مَا بَال عَيْنك مِنْهَا المَاء ينسكب ... كَأَنَّهُ من كلى مفريةٍ سرب) الكلى: جمع كُلية وَهِي الرقعة تكون فِي أصل عرقة المزادة. والمفرية: المقطوعة المخروزة يُقَال: فريت الْأَدِيم: إِذا شققته وخرزته وأفريته: إِذا شققته. ففرى بِلَا ألف: شقٌ مَعَه إصْلَاح وأفرى مَعَ ألف: شقّ فِي فَسَاد. وسرب رَوَاهُ أَبُو عَمْرو بِكَسْر الرَّاء بِمَعْنى السَّائِل وَرَوَاهُ الْأَصْمَعِي وَابْن الْأَعرَابِي بِفَتْحِهَا قَالَ: السرب المَاء نَفسه الَّذِي يصب فِي المزادة الجديدة لكَي تبتل مَوَاضِع الخرز والسيور سرب قربتك: أَي: صب فِيهَا المَاء حَتَّى تستحكم مَوَاضِع الخرز. (وفراء غرفيةٍ أثأى خوارزها ... مشلشلٍ ضيعته بَينهَا الْكتب) وفراء أَي: ضخمة صفة مفرية أَي: مزادة وفراء. وغرفية: منسوبة إِلَى الغرف وَهُوَ دباغ بِالْبَحْرَيْنِ وَقيل: شجر يدبغ بِهِ وَقَالَ أَبُو عَمْرو: هُوَ الأرطى مَعَ التَّمْر وَالْملح يدبغ بِهِ. وأثأى: أفسد ومفعوله مَحْذُوف أَي: الخرز يُقَال: أثأيت الخرز: إِذا خرمته. والخوارز فَاعل أثأى وَهُوَ جمع خارزة وَهِي الَّتِي تخيط المزادة. المشلشل: نعت سرب وَهُوَ المَاء الَّذِي يتَّصل تقاطره وَلَا يَنْقَطِع. والْكتب بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة: الْخَزّ جمع كتبة وكل شَيْء ضممته فقد كتبته. (أستحدث الركب عَن أشياعهم خَبرا ... أم رَاجع الْقلب من أطرابه طرب)

стр. 811

الركب: أَصْحَاب الْإِبِل جمع رَاكب كصحب جمع صَاحب. والأشياع: الْأَصْحَاب. وأستحدث بِفَتْح الْهمزَة: اسْتِفْهَام. يَقُول: بكاؤك وحزنك ألخبر حدث أم رَاجع قَلْبك طرب والطَّرب: استخفاف الْقلب فِي فَرح كَانَ أَو حزن. وَهَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد شرح الشافية للشَّارِح الْمُحَقق: (من دمنة نسفت عَنْهَا الصِّبَا سفعاً ... كَمَا تنشر بعد الطية الْكتب) (سيلاً من الدعص أغشته معالمها ... نكباء تسحب أَعْلَاهُ فينسحب) كَأَنَّهُ قَالَ: رَاجع الْقلب طربٌ من دمنة أَي: من أجل دمنة. وَرُوِيَ: أم دمنة كَأَنَّهُ قَالَ: أم دمنة هَاجَتْ حزنك والدمنة: آثَار النَّاس وَمَا لطخو وسودوا. والسفع: قَالَ الْأَصْمَعِي:) هِيَ طرائق النَّمْل سود وحمر. وَنصب سفعاً بنسفت وأتبع السَّيْل سفعاً وَذَلِكَ السفع سيل من الدعص. يُرِيد رملاً سَالَ من دعص جعله كالنعت للسيل فَكَأَنَّهُ قَالَ: كشفت الصِّبَا عَن يَقُول: فظهرت الأَرْض كَمَا تنشر الْكتب بعد أَن كَانَت مطوية. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: السفع جمع سفعة وَهُوَ سَواد تدخله حمرَة تكون فِي الأثافي. وَنصب سفعاً على الْحَال وَنصب سيلاً بنسفت: وخفض أَبُو عَمْرو سفع اتبعهُ الدمنة. والطية بِالْكَسْرِ: الْحَالة الَّتِي يكون عَلَيْهَا الْإِنْسَان والمفتوح مِنْهُ فعلة وَاحِدَة وَقَوله: سيلاً من الدعص الخ يَقُول: سيلاً أغشته إِيَّاهَا النكباء. والدعص: رمل مُنْفَرد متلبد لَيْسَ بعظيم. والنكباء: كل ريح انحرفت بَين ريحين. وَقَوله: أَعْلَاهُ يَعْنِي أَعلَى هَذَا

стр. 812

السَّيْل الَّذِي سَالَ من الدعص وَلَيْسَ سيل مطر إِنَّمَا هُوَ رملٌ انهال إِلَى هَذِه الدمنة فغشى آثارها والنكباء الَّتِي أغشت المعالم سيلاً من الدعص فغطته فَجَاءَت بعده فنسفته. وتسحبه: تجره وَتذهب بِهِ وينسحب أَي: فينجر هُوَ أَيْضا. (لَا بل هُوَ الشوق من دارٍ تخونها ... مرا سحابٌ وَمَرا بارحٌ ترب) يَقُول: لَيْسَ هَذَا الْحزن من أثر دمنة وَلَا من خبر الركب إِنَّمَا هُوَ شوقٌ هيج الْحزن من أجل دارٍ ذكرت من كَانَ يحلهَا. وتخونها: تعهدها وتنقصها يُقَال: فلَان تخونه الحمي أَي: تعهده. والبارح: الرّيح الشَّدِيدَة الهبوب فِي الصَّيف. والترب: الَّتِي تَأتي بِالتُّرَابِ. (يَبْدُو لعينيك مِنْهَا وَهِي مزمنةٌ ... نؤيٌ ومستوقدٌ بالٍ ومحتطب) يَبْدُو: يظْهر. ومزمنة: الَّتِي أَتَى عَلَيْهَا زمَان. والنؤي حاجز يحْفر حول الْبناء ليرد السَّيْل. والمستوقد: مَوضِع الْوقُود. والْبَالِي: الدارس. والمحتطب: مَوضِع الْحَطب. (إِلَى لوائح من أطلال أحويةٍ ... كَأَنَّهَا خللٌ موشيةٌ قشب) أَي: مَعَ لوائح. يَقُول: يَبْدُو لَك هَذَا مَعَ ذَاك. واللوائح: مَا لَاحَ لَك من الأطلال. والأحوية: جمَاعَة بيُوت الْحَيّ الْوَاحِد حَوَّاء. والْخلَل: أغماد السَّيْف جمع خلة بِالْكَسْرِ. والقشب تكون الجدد والأخلاق. شبه آثَار الدَّار بأغماد السيوف الموشاة المخلقة. والقشب هُنَا الجدد. وموشية: موشاة. (بِجَانِب الزرق لم تطمس معالمها ... دوارج المور والأمطار والحقب)

стр. 813

يَقُول: هَذَا النؤي مَعَ هَذِه الأطلال بِهَذَا الْمَكَان. والزرق بِضَم الزَّاي وَسُكُون الْمُهْملَة: أنقاء) بِأَسْفَل الدهناء لبني تَمِيم. والدوارج: الرِّيَاح الَّتِي تدرج: تذْهب وتجيء. والمور بِالضَّمِّ: التُّرَاب الدَّقِيق. والأمطار بِالرَّفْع. والحقب بِكَسْر فَفتح: السنون الْوَاحِد حقبة. لم تطمس: لم تمح. وَيُقَال: دوارج الرِّيَاح: أذيالها ومآخيرها. ديار مية إِذْ ميٌ تساعفنا ... الْبَيْت تساعفنا: تدايننا وتواتينا. وعجم بِالضَّمِّ: لُغَة فِي الْعَجم بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ فَاعل يرى وترجمة ذِي الرمة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن. وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَة) (لله مَا فعل الصوارم والقنا ... فِي عَمْرو حاب وضبة الأغنام) لما تقدم فِي الْبَيْت قبله فَإِن قَوْله: حاب مرخم حَابِس فِي غير النداء وَهُوَ ضَرُورَة وَهُوَ فِي الْمُضَاف إِلَيْهِ أبعد. وَأبقى كسرة الْبَاء من حَابِس بعد التَّرْخِيم على حَالهَا. وَأَصله عَمْرو بن حَابِس فَحذف ابْنا وأضاف عمرا إِلَى حَابِس. وَقَالَ ابْن سَيّده صَاحب الْمُحكم فِي شرح ديوَان المتنبي: أَرَادَ عَمْرو حابسٍ فرخم الْمُضَاف إِلَيْهِ اضطراراً كَقَوْلِه أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ: (أودى ابْن جلهم عباد بصرمته ... إِن ابْن جلهم أَمْسَى حَيَّة الْوَادي)

стр. 814

قَالَ: أَرَادَ ابْن جلهمة. وَالْعرب يسمون الرجل جلهمة وَالْمَرْأَة جلهم كل هَذَا حَكَاهُ سِيبَوَيْهٍ. وهذاالبيت من قصيدة لأبي الطّيب المتنبي. قَالَهَا فِي صباه عِنْدَمَا اجتاز بِرَأْس عين فِي سنة إِحْدَى وَعشْرين وثلاثمائة وَقد أوقع سيف الدولة بِعَمْرو بن حَابِس من بني أَسد وَبني ضبة (ذكر الصِّبَا ومراتع الآرام ... جلبت حمامي قبل وَقت حمامي) إِلَى أَن قَالَ فِي مدح سيف الدولة: (وَإِذا امتحنت تكشفت عزماته ... عَن أوحدي النَّقْض والإبرام) (وَإِذا سَأَلت بنانه عَن نيله ... لم يرض بالدنيا قَضَاء ذمام) (مهلا أَلا لله مَا صنع القنا ... فِي عَمْرو حاب وضبة الأغنام) جعل هَؤُلَاءِ أغناماً لأَنهم كَانُوا جاهلين حِين عصوه حَتَّى فعل بهم مَا فعل. وَهُوَ بالنُّون لَا بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة إِذْ هُوَ غير مُنَاسِب إِذْ الأغتم: الْأَعْجَم الَّذِي لَا يفصح شَيْئا وَالْجمع الغتم.) وَزعم ابْن سَيّده فِي شَرحه: أَن هَذَا هُوَ المُرَاد هُنَا قَالَ: والأغتام: جمع أغتم كسر أفعل على أَفعَال وَهُوَ قَلِيل وَنَظِيره أعزل وأعزال بإهمال الأول وَهُوَ الَّذِي لَا سلَاح مَعَه وأغرل وأغرال بإهمال الثَّانِي وَهُوَ الَّذِي لم يختن. وَبعده: (لما تحكمت الأسنة فيهم ... جارت وَهن يجرن فِي الْأَحْكَام) ...

стр. 815

(فتركتهم خلل الْبيُوت كَأَنَّمَا ... غضِبت رؤوسهم على الْأَجْسَام) أَي: غزوتهم فِي عقر دَارهم حَتَّى تَركتهم خلال بُيُوتهم أجساماً بِلَا رُؤُوس وَهَذِه تَرْجَمَة المتنبي نقلتها من كتاب إِيضَاح الْمُشكل لشعر المتنبي من تصانيف أبي الْقَاسِم عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الْأَصْفَهَانِي وَهَذَا الْإِيضَاح قاصرٌ على شرح ابْن جني لديوان المتنبي يُوضح مَا اخطأ فِيهِ من شَرحه. وَهُوَ مِمَّن عاصر ابْن جني وَألف الْإِيضَاح لبهاء الدولة بن بويه. قَالَ: وَقد بدأت بِذكر المتنبي ومنشئه ومغتربه وَمَا دلّ عَلَيْهِ شعره من معتقده إِلَى مختتم أمره ومقدمه على الْملك نضر الله وَجهه بشيراز وانصرافه عَنهُ إِلَى أَن وَقعت مقتلته بَين دير قنة والنعمانية واقتسام عقائله وصفاياه. . حَدثنِي ابْن النجار بِبَغْدَاد: أَن مولد المتنبي كَانَ بِالْكُوفَةِ فِي محلةٍ تعرف بكندة بهَا ثَلَاثَة آلَاف بَيت من بَين رواء ونساج. وَاخْتلف إِلَى كتاب فِيهِ أَوْلَاد أَشْرَاف الْكُوفَة فَكَانَ يتَعَلَّم دروس العلوية شعرًا ولغةً وإعراباً فَنَشَأَ فِي خير حَاضِرَة. وَقَالَ الشّعْر صَبيا. ثمَّ وَقع إِلَى خير بادية بادية اللاذقية وَحصل فِي بيُوت الْعَرَب فَادّعى الفضول الَّذِي نبذ بِهِ فنمى خَيره إِلَى أَمِير بعض أطرافها فأشخص إِلَيْهِ من قَيده وَسَار بِهِ إِلَى محبسه فَبَقيَ يعْتَذر إِلَيْهِ ويتبرأ مِمَّا وسم بِهِ فِي كَلمته الَّتِي يَقُول فِيهَا: (فَمَا لَك تقبل زور الْكَلَام ... وَقدر الشَّهَادَة قدر الشُّهُود) (وَفِي جود كفك مَا جدت لي ... بنفسي وَلَو كنت أَشْقَى ثَمُود) ...

стр. 816

(الزم مقَال الشّعْر تحظ بقربةٍ ... وَعَن النُّبُوَّة لَا أَبَا لَك فانتزح) (تربح دَمًا قد كنت توجب سفكه ... إِن الممتع بِالْحَيَاةِ لمن ربح) فَأَجَابَهُ المتنبي: (أَمْرِي إِلَيّ فَإِن سمحت بمهجةٍ ... كرمت عَليّ فَإِن مثلي من سمح) ) وهجاه غَيره فَقَالَ: (أطللت يَا أَيهَا الشقي دمك ... بالهذيان الَّذِي مَلَأت فمك) (أَقْسَمت لَو أقسم الْأَمِير على ... قَتلك قبل الْعشَاء مَا ظلمك) فَأَجَابَهُ المتنبي: (همك فِي أمردٍ تقلب فِي ... عين دواةٍ من صلبه قلمك) (وهمتي فِي انتضاء ذِي شطبٍ ... أقد يَوْمًا بحده أدمك) (فاخس كليباً واقعد على ذنبٍ ... واطل بِمَا بَين أليتيك فمك) وَهُوَ فِي الْجُمْلَة خَبِيث الإعتقاد. وَكَانَ فِي صغره وَقع إِلَى واحدٍ يكنى أَبَا الْفضل بِالْكُوفَةِ من المتفلسفة فهوسه وأضله كَمَا ضل. وَأما مَا يدل عَلَيْهِ شعره فمتلون. وَقَوله:

стр. 817

مَذْهَب السوفسطائية. وَقَوله: (تمتّع من سهادٍ أَو رقادٍ ... وَلَا تَأمل كرى تَحت الرجام) (فَإِن لثالث الْحَالين معنى ... سوى معنى انتباهك والمنام) مَذْهَب التناسخ. وَقَوله: (نَحن بَنو الدُّنْيَا فَمَا بالنا ... نعاف مَا لابد من شربه) (فَهَذِهِ الْأَرْوَاح من جوه ... وَهَذِه الْأَجْسَام من تربه) مَذْهَب الفضائية. وَقَوله فِي أبي الْفضل بن العميد: (فَإِن يكن الْمهْدي من قد بَان هَدْيه ... فَهَذَا وَإِلَّا فالهدي ذَا فَمَا الْمهْدي) مَذْهَب الشِّيعَة. وَقَوله: (تخَالف النَّاس حَتَّى لَا اتِّفَاق لَهُم ... إِلَّا على شجبٍ وَالْخلف فِي الشجب) (فَقيل: تخلد نفس الْمَرْء بَاقِيَة ... وَقيل: تشرك جسم الْمَرْء فِي العطب) فَهَذَا من يَقُول بِالنَّفسِ الناطقة ويتشعب بعضه إِلَى قَول الحشيشية. وَالْإِنْسَان إِذا خلع ربقة الْإِسْلَام من عُنُقه وأسلمه الله إِلَى حوله وقوته وجد فِي الضلالات مجالاً وَاسِعًا وَفِي الْبدع والجهالات مناديح وفسحاً. ثمَّ جِئْنَا إِلَى حَدِيثه وانتجاعه ومفارقته الْكُوفَة أصلا وتطوافه فِي أَطْرَاف الشَّام واستقرائه) بِلَاد الْعَرَب ومقاساته للضر وَسُوء الْحَال ونزارة كَسبه وحقارة مَا يُوصل بِهِ حَتَّى انه أَخْبرنِي أَبُو الْحسن الطرائفي بِبَغْدَاد وَكَانَ لَقِي المتنبي دفعات فِي حَال عسره ويسره: أَن المتنبي قد مدح بِدُونِ الْعشْرَة والخمسة من الدَّرَاهِم. وَأنْشد فِي قَوْله مصداقاً لحكايته: (انصر بجودك ألفاظاً تركت بهَا ... فِي الشرق والغرب من عاداك مكبوتا) (فقد نظرتك حَتَّى حَان مرتحلٌ ... وَذَا الْوَدَاع فَكُن أَهلا لما شيتا) وَأَخْبرنِي أَبُو الْحسن الطرائفي

стр. 818

قَالَ: سَمِعت المتنبي يَقُول: أول شعر قلته وابيضت أيامي بعده قولي: (أيا لائمي إِن كنت وَقت اللوائم ... علمت بِمَا بِي بَين تِلْكَ المعالم) فَإِنِّي أَعْطَيْت بهَا بِدِمَشْق مائَة دِينَار. . ثمَّ اتَّصل بِأبي العشائر فَأَقَامَ مَا أَقَامَ ثمَّ أهداه إِلَى سيف الدولة فَاشْترط أَنه لَا ينشد إِلَّا قَاعِدا وعَلى الْوحدَة فاستحملوه وأجابوه إِلَيْهِ. فَلَمَّا سمع سيف الدولة شعره حكم لَهُ بِالْفَضْلِ وعد مَا طلبه استحقاقاً. وَأَخْبرنِي أَبُو الْفَتْح عُثْمَان ابْن جني: أَن المتنبي أسقط من شعره الْكثير وَبَقِي مَا تداوله النَّاس. . وَأَخْبرنِي الْحلَبِي أَنه قيل للمتنبي: معنى بَيْتك هَذَا أَخَذته من قَول الطَّائِي. فَأجَاب المتنبي: وَكَانَ المتنبي يحفظ ديواني الطائيين ويستصحبهما فِي أَسْفَاره ويجحدهما فَلَمَّا قتل توزعت دفاتره فَوَقع ديوَان البحتري إِلَى بعض من درس عَليّ وَذكر أَنه رأى خطّ المتنبي وتصحيحه فِيهِ. وَسمعت من قَالَ: إِن كافوراً لما سمع قَوْله: ...

стр. 819

(إِذا لم تنط بِي ضَيْعَة أَو ولَايَة ... فجودك يكسوني وشغلك يسلب) يلْتَمس ولَايَة صيداء. فَأَجَابَهُ: لست أجسر على توليتك صيداء لِأَنَّك على مَا أَنْت عَلَيْهِ: تحدث نَفسك بِمَا تحدث فَإِن وليتك صيداء فَمن يطيقك وَسمعت انه قيل للمتنبي: قَوْلك لكافور: (فارم بِي حَيْثُمَا أردْت فَإِنِّي ... أَسد الْقلب آدَمِيّ الرواء) (وفؤادي من الْمُلُوك وَإِن كَا ... ن لساني يرى من الشُّعَرَاء) لَيْسَ قَول ممتدح وَلَا منتجع إِنَّمَا هُوَ قَول مضاد فَأجَاب المتنبي إِلَى أَن قَالَ: هَذِه الْقُلُوب كَمَا سَمِعت أَحدهَا يَقُول:) (يقر بعيني أَن أرى قصد القنا ... وصرعى رجالٍ فِي وغى أَنا حاضره) وأحدها يَقُول: ثمَّ أَقَامَ المتنبي عِنْد سيف الدولة على التكرمة البليغة: فِي إسناء الْجَائِزَة وَرفع الْمنزلَة. وَدخل مَعَ سيف الدولة بِلَاد الرّوم وتأصل حَالا فِي جنبته بعد أَن كَانَ حويلة. وَكَانَ سيف الدولة يسْتَحبّ الاستكثار من شعره والمتنبي يستقله وَكَانَ ملقى من هَذِه الْحَال يشكوها ابداً وَبهَا فَارقه حَيْثُ أنْشدهُ: (وَمَا انْتِفَاع أخي الدُّنْيَا بناظره ... إِذا اسْتَوَت عِنْده الْأَنْوَار وَالظُّلم) وَآخِرهَا: ...

стр. 820

(بِأَيّ لفظٍ يَقُول الشّعْر زعنفةٌ ... يجوز عنْدك لَا عربٌ وَلَا عجم) وَقَالَ فِي أُخْرَى: (إِذا شَاءَ أَن يهزا بلحية أحمقٍ ... أرَاهُ غباري ثمَّ قَالَ لَهُ الْحق) فَلَمَّا انْتَهَت مدَّته عِنْد سيف الدولة استأذنه فِي الْمسير إِلَى إقطاعه فأدن لَهُ وامتد باسطاً عنانه إِلَى دمشق إِلَى أَن قصد مصر فألم بكافور فأنزله وَأقَام مَا أَقَامَ. إِلَّا أَن أول شعره فِيهِ دليلٌ على ندمه لفراق سيف الدولة وَهُوَ: (كفى بك داءٌ أَن ترى الْمَوْت شافيا ... وَحسب المنايا أَن يكن أمانيا) حَتَّى انْتهى إِلَى قَوْله: وَأَخْبرنِي بعض المولدين بِبَغْدَاد وخاله أَبُو الْفَتْح يتوزر لسيف الدولة: أَن سيف الدولة رسم لي التوقيع إِلَى ديوَان الْبر بِإِخْرَاج الْحَال فِيمَا وصل بِهِ المتنبي فَخرجت بِخَمْسَة وَثَلَاثِينَ ألف دِينَار فِي مُدَّة أَربع سِنِين. ثمَّ لما أنْشد الثَّانِيَة كافوراً خرجت موجهة يشتاق سيف الدولة. وأولها: (فراقٌ وَمن فَارَقت غير مذممٍ ... وأمٌ وَمن يممت خير ميمم) وَأقَام على كره بِمصْر إِلَى أَن ورد فاتك غُلَام الإخشيدي من الفيوم

стр. 821

وَهِي وبيئة فنبت بِهِ واجتواها وقادوا بَين يَدَيْهِ فِي مدخله إِلَى مصر أَرْبَعَة آلَاف جنيه منعلة بِالذَّهَب فَسَماهُ أهل مصر بفاتك الْمَجْنُون. فَلَقِيَهُ المتنبي فِي الميدان على رَقَبَة من كافور فَقَالَ: (لَا خيل عنْدك تهدينا وَلَا مَال ... فليسعد النُّطْق إِن لم يسْعد الْحَال)) فوصل إِلَيْهِ من أَنْوَاع صلَاته وأصناف جوائزه مَا تبلغ قِيمَته عشْرين ألف دِينَار. ثمَّ مضى فاتك لسبيله فرثاه المتنبي وذم كافوراً: (أيموت مثل أبي شجاعٍ فاتكٍ ... ويعيش حاسده الْخصي الأوكع) فاحتال بعده فِي الْخَلَاص من كافور فانتهز الفرصة فِي الْعِيد وَكَانَ رسم السُّلْطَان أَن يسْتَقْبل الْعِيد بِيَوْم وتعد فِيهِ الْخلْع والحملانات وأنواع المبار لرابطة جنده وراتبة جَيْشه وصبيحة الْعِيد تفرق وَثَانِي الْيَوْم يذكر لَهُ من قبل وَمن رد واستزاد فاهتبل المتنبي غَفلَة كافور وَدفن رماحه برا وَسَار ليلته وَحمل بغاله وجماله وَهُوَ لَا يألو سيراً وسرى هَذِه اللَّيْلَة مَسَافَة أَيَّام حَتَّى وَقع فِي تيه بني اسرائيل إِلَى أَن جازه على الْحلَل والأحياء والمفاوز المجاهيل والمناهل الأواجن. وَنزل الْكُوفَة وَقَالَ يقص حَاله: (أَلا كل مَاشِيَة الخيزلي ... فدا كل مَاشِيَة الهيدبى) وفيهَا يَقُول: (ضربت بهَا التيه ضرب القما ... ر: إِمَّا لهَذَا وَإِمَّا لذا)

стр. 822

ثمَّ مدح بِالْكُوفَةِ دلير بن لشكورز وأنشده فِي الميدان فَحَمله على فرس بمركب ذهب. وَكَانَ السَّبَب فِي قَصده أَبَا الْفضل بن العميد على مَا أَخْبرنِي أَبُو عَليّ بن شبيب القاشاني وَكَانَ أحد تلامذتي ودرس عَليّ بقاشان سنة ثلثمِائة وَسبعين وتوزر للأصبهبد بِالْجَبَلِ وَأَبوهُ أَبُو الْقَاسِم توزر لوشمكير بجرجان عَن الْعلوِي العباسي نديم أَبُو الْفضل بن العميد الَّذِي يَقُول فِيهِ: (أبلغ رسَالَاتي الشريف وَقل لَهُ: ... قدك اتئد أربيت فِي الغلواء) أَن الْمَعْرُوف المطوق الشَّاشِي كَانَ بِمصْر وَقت المتنبي فَعمد إِلَى قصيدته فِي كافور: وَجعل مَكَان أَبَا الْمسك أَبَا الْفضل وَسَار إِلَى خُرَاسَان وَحمل القصيدة أَعنِي قصيدة المتنبي إِلَى أبي الْفضل وَزعم أَنه رَسُوله. فوصله أَبُو الْفضل بألفي دِرْهَم واتصل هَذَا الْخَبَر بالمتنبي بِبَغْدَاد فَقَالَ: رجلٌ يُعْطي لحامل شعري هَذَا فَمَا تكون صلته لي وَكَانَ ابْن العميد يخرج فِي السّنة من الرّيّ خرجتين إِلَى أرجان يجبي بهَا أَربع عشرَة مرّة ألف ألف دِرْهَم فنمى حَدِيثه إِلَى المتنبي

стр. 823

بحصوله بأرجان فَلَمَّا حصل المتنبي بِبَغْدَاد نزل ربض حميد فَركب إِلَى المهلبي فَأذن لَهُ فَدخل وَجلسَ إِلَى جنبه وصاعدٌ خَلِيفَته دونه وَأَبُو فرج الْأَصْبَهَانِيّ صَاحب كتاب الأغاني. فأنشدوا) هَذَا الْبَيْت: (سقى الله أمواهاً عرفت مَكَانهَا ... جراماً وملكوماً وبذر فالغمرا) وَقَالَ المتنبي: هُوَ جراباً وَهَذِه أمكنة قتلتها علما وَإِنَّمَا الْخَطَأ وَقع فِي النقلَة فَأنكرهُ أَبُو الْفرج. قَالَ الشَّيْخ: هَذَا الْبَيْت أنْشدهُ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش صَاحب سِيبَوَيْهٍ فِي كِتَابه جراماً بِالْمِيم وَهُوَ الصَّحِيح وَعَلِيهِ عُلَمَاء اللُّغَة وتفرق الْمجْلس عَن هَذِه الْجُمْلَة. ثمَّ عاوده الْيَوْم الثَّانِي وانتظر المهلبي إنشاده فَلم يفعل وَإِنَّمَا صده مَا سَمعه من تماديه فِي السخف واستهتاره بِالْهَزْلِ واستيلاء أهل الخلاعة والسخافة عَلَيْهِ وَكَانَ المتنبي مر النَّفس صَعب الشكيمة حاداً مجداً فَخرج فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّالِث أغروا بِهِ ابْن الْحجَّاج حَتَّى علق لجام (يَا شيخ أهل الْعلم فِينَا وَمن ... يلْزم أهل الْعلم توقيره) فَصَبر عَلَيْهِ المتنبي سَاكِنا ساكتاً إِلَى أَن نجزها ثمَّ خلى عنان دَابَّته

стр. 824

وَانْصَرف المتنبي إِلَى منزله وَقد تَيَقّن اسْتِقْرَار أبي الْفضل بن العميد بأرجان وانتظاره لَهُ فاستعد للمسير. وَحدثنَا أَبُو الْفَتْح عُثْمَان بن جني عَن عَليّ بن حَمْزَة الْبَصْرِيّ قَالَ: كنت مَعَ المتنبي لما ورد أرجان فَلَمَّا أشرف عَلَيْهَا وجدهَا ضيقَة الْبقْعَة والدور والمساكن فَضرب بِيَدِهِ على صَدره وَقَالَ: تركت مُلُوك الأَرْض وهم يتعبدون بِي وقصدت رب هَذِه المدرة فَمَا يكون مِنْهُ ثمَّ وقف بِظَاهِر الْمَدِينَة أرسل غُلَاما على رَاحِلَته إِلَى ابْن العميد فَدخل عَلَيْهِ وَقَالَ: مولَايَ أَبُو الطّيب المتنبي خَارج الْبَلَد وَكَانَ وَقت القيلولة وَهُوَ مضطجعٌ فِي دسته فثار من مضجعه واستثبته ثمَّ أَمر حَاجِبه باستقباله فَركب واستركب من لقِيه فِي الطَّرِيق ففصل عَن الْبَلَد بِجمع كثير. فتلقوه وقضوا حَقه وأدخلوه الْبَلَد. فَدخل على أبي الْفضل فَقَامَ لَهُ من الدست قيَاما مستوياً وَطرح لَهُ كرسيٌ عَلَيْهِ مخدة ديباج وَقَالَ أَبُو الْفضل: كنت مشتاقاً إِلَيْك يَا أَبَا الطّيب. ثمَّ أَفَاضَ المتنبي فِي حَدِيث سَفَره وَأَن غُلَاما لَهُ احْتمل سَيْفا وشذ عَنهُ. وَأخرج من كمه عقيب هَذِه الْمُفَاوضَة درجاً فِيهِ قصيدته: بادٍ هَوَاك صبرت أم لم تصبرا فوحى أَبُو الْفضل إِلَى حَاجِبه بقرطاس فِيهِ مِائَتَا دِينَار وسيفٍ غشاؤه فضَّة وَقَالَ: هَذَا عوض عَن السَّيْف الْمَأْخُوذ وأفرد لَهُ دَارا نزلها فَلَمَّا استراح من تَعب السّفر كَانَ يغشى أَبَا الْفضل كل يَوْم وَيَقُول: مَا أزورك إكباباً إِلَّا لشَهْوَة النّظر إِلَيْك ويؤاكله. وَكَانَ أَبُو الْفضل يقْرَأ عَلَيْهِ ديوَان)

стр. 825

اللُّغَة الَّذِي جمعه ويتعجب من حفظه وغزارة علمه. فأظلهم النيروز فَأرْسل أَبُو الْفضل بعض ندمائه إِلَى المتنبي: كَانَ يبلغنِي شعرك بِالشَّام وَالْمغْرب وَمَا سمعته دونه فَلم يحر جَوَابا إِلَى أَن حَضَره النيروز وأنشده مهنئاً ومعتذراً فَقَالَ: (هَل لعذري إِلَى الْهمام أبي الفض ... ل قبُول سَواد عَيْني مداده) (مَا كفاني تَقْصِير مَا قلت فِيهِ ... عَن علاهُ حَتَّى ثناه انتقاده) (إِنَّنِي أصيد البزاة وَلَك ... ن أجل النُّجُوم لَا أصطاده) (مَا تعودت أَن أرى كَأبي الفض ... ل وَهَذَا الَّذِي أَتَاهُ اعتياده) فَأَخْبرنِي البديهي سنة ثلثمِائة وَسبعين: أَن المتنبي قَالَ بأرجان: الْمُلُوك قرود يشبه بَعضهم بَعْضًا على الْجَوْدَة يُعْطون. وَكَانَ حمل إِلَيْهِ أَبُو الْفضل خمسين ألف دِينَار سوى توابعها وَهُوَ من أجاود زمَان الديلم. وَكَذَلِكَ أَبُو الْمطرف وَزِير مرداويج قَصده شَاعِر من قزوين فأنشده وأمله مَادَّة نفقةٍ يرجع بهَا (أأقلامٌ بكفك أم رماح ... وعزمٌ ذَاك أم أجلٌ متاح) فَقَالَ أَبُو الْمطرف: أَعْطوهُ ألف دِينَار. وَكَذَلِكَ أَبُو الْفضل البلعمي وَزِير بُخَارى أعْطى المطراني الشَّاعِر على قصيدته الَّتِي أَولهَا: لَا شرب إِلَّا بسير الناي وَالْعود

стр. 826

خَمْسَة عشر ألف دِينَار. وَكَذَلِكَ خلفٌ صَاحب سجستان أعْطى أَبَا بكر الْحَنْبَلِيّ خَمْسَة آلَاف دِينَار على كلمة فِيهِ. وَكَانَ سيف الدولة لَا يملك نَفسه وَكَانَ يَأْتِيهِ علوي من بعض جبال خُرَاسَان كل سنة فيعطيه رسماً لَهُ جَارِيا على التأييد فَأَتَاهُ وَهُوَ فِي بعض الثغور فَقَالَ للخازن: أطلق لَهُ مَا فِي الخزانة فَبلغ أَرْبَعِينَ ألف دِينَار. فشاطر الخازن وَقبض عشْرين ألف دِينَار إشفاقاً من خلل يَقع على عسكره فِي الْحَرْب. وَأَخْبرنِي بعض أهل الْأَدَب أَنه تعرض سَائل لسيف الدولة وَهُوَ رَاكب فأنشده فِي طَرِيقه: (أَنْت عليٌ وَهَذِه حلب ... قد فني الزَّاد وانْتهى الطّلب) فَأطلق لَهُ الف دِينَار. وَتعرض سَائل لأبي عَليّ بن الياس وَهُوَ فِي موكبه فَأمر لَهُ بِخَمْسِمِائَة دِينَار فَجَاءَهُ الخازن) بالدواة وَالْبَيَاض. فَوَقع بألفي دِينَار. فَلَمَّا أبصره الخازن رَاجعه فِيهَا. فَقَالَ أَبُو عَليّ: الْكَلَام ريح والخط شَهَادَة وَلَا يجوز أَن يشْهد عَليّ بِدُونِ هَذَا. ثمَّ إِن أَبَا الطّيب المتنبي لما ودع أَبَا الْفضل بن العميد ورد كتاب عضد الدولة يستدعيه فَعرفهُ ابْن العميد فَقَالَ المتنبي: مَا لي وللديلم فَقَالَ أَبُو الْفضل: عضد الدولة أفضل مني ويصلك بأضعاف مَا وصلتك بِهِ. فَأجَاب بِأَنِّي ملقى من هَؤُلَاءِ الْمُلُوك: أقصد الْوَاحِد بعد الْوَاحِد وأملكهم شَيْئا يبْقى بِبَقَاء النيربين ويعطوني عرضا فانياً ولي ضجرات واختيارات

стр. 827

فيعوقونني عَن مرادي فأحتاج إِلَى مفارقتهم على أقبح الْوُجُوه فكاتب ابْن العميد عضد الدولة بِهَذَا الحَدِيث. فورد الْجَواب بِأَنَّهُ مملك مُرَاده فِي الْمقَام والظعن. فَسَار المتنبي من أرجان فَلَمَّا كَانَ على أَرْبَعَة فراسخ من شيراز استقبله عضد الدولة بِأبي عمر الصّباغ أخي أبي مُحَمَّد الْأَبْهَرِيّ صَاحب كتاب حدائق الْآدَاب. فَلَمَّا تلاقيا وتسايرا استنشده. فَقَالَ: المتنبي: النَّاس يتناشدون فاسمعه. فَأخْبر أَبُو عمر أَنه رسم لَهُ ذَلِك عَن الْمجْلس العالي. فَبَدَأَ بقصيدته الَّتِي فَارق مصر بهَا: (أَلا كل مَاشِيَة الخيزلي ... فدى كل مَاشِيَة الهيدبى) ثمَّ دخل الْبَلَد فَأنْزل دَارا مفروشة وَرجع أَبُو عمر الصّباغ إِلَى عضد الدولة فَأخْبرهُ بِمَا جرى (فَلَمَّا أنخنا ركزنا الرما ... ح حول مكارمنا والعلا) (وبتنا نقبل أسيافنا ... ونمسحها من دِمَاء العدا) (لتعلم مصر وَمن بالعراق ... وَمن بالعواصم أَنِّي الْفَتى) (وَأَنِّي وفيت وَأَنِّي أَبيت ... وَأَنِّي عتوت على من عتا) فَقَالَ عضد الدولة: هُوَ ذَا يتهددنا المتنبي ثمَّ لما نفض غُبَار السّفر واستراح ركب إِلَى عضد الدولة فَلَمَّا توَسط الدَّار انْتهى إِلَى قرب السرير مصادمة فَقبل الأَرْض واستوى قَائِما وَقَالَ: شكرت مَطِيَّة حَملتنِي إِلَيْك واملاً وقف بِي عَلَيْك ثمَّ سَأَلَهُ عضد الدولة عَن مسيره من مصر وَعَن عَليّ بن حمدَان فَذكره وَانْصَرف وَمَا أنْشدهُ فَبعد أيامٍ حضر السماط وَقَامَ بِيَدِهِ درج فأجلسه عضد الدولة وأنشده:

стр. 828

مغاني الشّعب طيبا فِي المغاني فَلَمَّا أنشدها وفرغوا من السماط حمل إِلَيْهِ عضد الدولة من أَنْوَاع الطّيب فِي الأردية الأمنان) من بَين الكافور والعنبر والمسك وَالْعود وقاد فرسه الملقب بالمجروح وَكَانَ اشْترى لَهُ بِخَمْسِينَ ألف شَاة وبدرةً دراهمها عدلية ورداءً حشوه ديباج رومي مفصل وعمامة قومت بِخَمْسِمِائَة دِينَار ونصلاً هندياً مرصع النجاد والجفن بِالذَّهَب. وَبعد ذَلِك كَانَ ينشده فِي كل حدث يحدث قصيدة إِلَى أَن حدث يَوْم نثر الْورْد فَدخل عَلَيْهِ وَالْملك على السرير فِي قبَّة يحسر الْبَصَر فِي ملاحظتها والأتراك ينثرون الْورْد فَمثل المتنبي بَين يَدَيْهِ وَقَالَ: مَا خدمت عَيْني قلبِي كَالْيَوْمِ وَأَنْشَأَ يَقُول: (قد صدق الْورْد فِي الَّذِي زعما ... أَنَّك صبرت نشره ديما) (كَأَنَّمَا مائح الْهَوَاء بِهِ ... بحرٌ حوى مثل مَائه عنما) فَحمل على فرس بمركب وألبس خلعة ملكية وبدرة بَين يَدَيْهِ مَحْمُولَة. وَكَانَ أَبُو جَعْفَر وَزِير بهاء الدولة مَأْمُورا بالاختلاف إِلَيْهِ وَحفظ الْمنَازل والمناهل من مصر إِلَى الْكُوفَة وتعرفها مِنْهُ فَقَالَ: كنت حاضره وَقَامَ ابْنه يلْتَمس أُجْرَة الغسال فأحد المتنبي إِلَيْهِ النّظر بتحديق فَقَالَ: مَا للصعلوك والغسال يحْتَاج الصعلوك إِلَى أَن يعْمل بيدَيْهِ ثَلَاثَة أَشْيَاء: يطْبخ قدره وينعل فرسه وَيغسل ثِيَابه ثمَّ مَلأ يَده قطيعات بلغت دِرْهَمَيْنِ أَو ثَلَاثَة. وَورد كتاب أبي الْفَتْح ذِي الكفايتين بن أبي الْفضل وَكَانَ من أجاود

стр. 829

زمَان الديلم فرق فِي يَوْم وَاحِد بشبديز قرميسين أَلفَيْنِ وَخَمْسمِائة قِطْعَة إبريسم ومضمونه كتاب الشوق إِلَى لِقَاء المتنبي وتشوفه إِلَى نظرته. فَأَجَابَهُ المتنبي: (إِذا سمع النَّاس أَلْفَاظه ... خُلِقْنَ لَهُ فِي الْقُلُوب الْحَسَد) (فَقلت وَقد فرس الناظرين ... كَذَا يفعل الْأسد ابْن الْأسد) فَلَمَّا عَاد الْجَواب إِلَى أبي الْفَتْح جعل الأبيات سُورَة يدرسها وَيحكم للمتنبي بِالْفَضْلِ على أهل زَمَانه. . فَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن أبي الثَّبَات الْبَغْدَادِيّ: (لوارد شعرٍ كذوب الْبرد ... أَتَانَا بِهِ خاطرٌ قد جمد) (فَأقبل بمضغه بَعْضنَا ... وهم السنانير أكل الغدد) (وَقَالُوا: جوادٌ يفوق الْجِيَاد ... ويسبق من عَفوه المقتصد) (وَلَو ولي النَّقْد أَمْثَاله ... لظلت خفافيشنا تنتقد)) فاستخف أَبُو الْفَتْح بِهِ وجره بِرجلِهِ. ففارقهم وَهَاجَر إِلَى أذربيجان والأمير أَبُو سَالم ديسم بن شادكويه على الإمرة فاتصل بِهِ وحظي عِنْده على غَايَة الْإِكْرَام.

стр. 830

وَقَالَ عضد الدولة: إِن المتنبي كَانَ جيد شعره بالعرب. فَأخْبر المتنبي بِهِ فَقَالَ: الشّعْر على قدر الْبِقَاع. وَكَانَ عضد الدولة جَالِسا فِي الْبُسْتَان الزَّاهِر يَوْم زينته وأكابر حَوَاشِيه وقوفٌ فَقَالَ أَبُو الْقَاسِم عبد الْعَزِيز بن يُوسُف الحكاري: مَا يعوز مجْلِس مَوْلَانَا سوى أحد الطائيين. فَقَالَ عضد الدولة: لَو حضر المتنبي لناب عَنْهُمَا. فَلَمَّا أَقَامَ مُدَّة مقَامه وَسمع ديوَان شعره ارتحل وَسَار بمراكبه وَأخْبرنَا أَبُو الْحسن السُّوسِي فِي دَار الْوَقْف بَين السورين قَالَ: كنت أتولى الأهواز من قبل المهلبي وَورد علينا المتنبي وَنزل عَن فرسه ومقوده بِيَدِهِ وَفتح عيابه وصناديقه لبلبل مَسهَا فِي الطَّرِيق وَصَارَت الأَرْض كَأَنَّهَا مطارف منشورة فحضرته أَنا وَقلت: قد أَقمت للشَّيْخ نزلا. فَقَالَ المتنبي: إِن كَانَ تمّ فآتيه. ثمَّ جَاءَهُ فاتك الْأَسدي بِجمع وَقَالَ: قدم الشَّيْخ فِي هَذِه الديار وشرفها بِشعرِهِ وَالطَّرِيق بَينه وَبَين دير قنة خشنٌ قد احتوشته الصعالكة وَبَنُو أَسد يَسِيرُونَ فِي خدمته إِلَى أَن يقطع هَذِه الْمسَافَة ويبر كل وَاحِد مِنْهُم بِثَوْب بَيَاض. فَقَالَ المتنبي: مَا أبقى الله بيَدي هَذَا الأدهم وذباب الجراز الَّذِي أَنا متقلده فَإِنِّي لَا أفكر فِي مَخْلُوق فَقَامَ فاتك ونفض ثَوْبه وَجمع من رتوت الأعاريب الَّذين يشربون دِمَاء الحجيج حسواً سبعين رجلا ورصد لَهُ فَلَمَّا توَسط المتنبي الطَّرِيق خَرجُوا عَلَيْهِ فَقتلُوا كل من كَانَ فِي صحبته وَحمل فاتك على المتنبي وطعنه فِي يسَاره

стр. 831

ونكسه عَن فرسه. وَكَانَ ابْنه أفلت إِلَّا أَنه رَجَعَ يطْلب دفاتر أَبِيه فقنع خَلفه الْفرس أحدهم وجز رَأسه وَصبُّوا أَمْوَاله يتقاسمونها بطرطورة. وَقَالَ بعض من شَاهده: إِنَّه لم تكن فِيهِ فروسية وَإِنَّمَا كَانَ سيف الدولة سلمه إِلَى النخاسين والرواض بحلب فاستجرأ على الركض والحضر فَأَما اسْتِعْمَال السِّلَاح فَلم يكن من عمله. وَجُمْلَة القَوْل فِيهِ: أَنه من حفاظ اللُّغَة ورواة الشّعْر وكل مَا فِي كَلَامه من الْغَرِيب المُصَنّف سوى حرف وَاحِد هُوَ فِي كتاب الجمهرة وَهُوَ قَوْله: يطوي المجلحة العقد وَأما الحكم عَلَيْهِ وعَلى شعره: فَهُوَ سريع الهجوم على الْمعَانِي ونعت الْخَيل وَالْحَرب من خَصَائِصه وَمَا كَانَ يُرَاد طبعه فِي شَيْء مِمَّا يسمح بِهِ يقبل السَّاقِط الرَّدِيء كَمَا يقبل النَّادِر) الْبدع. وَفِي متن شعره وَهِي وَفِي أَلْفَاظه تعقيد وتعويض ا. هـ كَلَامه مَعَ بعض اخْتِصَار. وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَة) وَهُوَ من شَوَاهِد س: (أَلا أضحت حبالكم رماما ... وأضحت مِنْك شاسعةً أماما) على أَن ترخيم غير المنادى فِي الضَّرُورَة جَائِز سَوَاء كَانَ على تَقْدِير

стр. 832

الِاسْتِقْلَال وَهُوَ لُغَة من لَا ينْتَظر أَو على نِيَّة الْمَحْذُوف وَهُوَ لُغَة من ينْتَظر كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت. فَإِن أماما أَصله أُمَامَة فَلَمَّا حذف الْهَاء أبقى الْمِيم على حَالهَا وَالْألف للإطلاق فَلَو كَانَ على تَقْدِير الِاسْتِقْلَال بِجعْل مَا قبل الآخر فِي حكم الآخر لضم الْمِيم رفعا لِأَنَّهُ اسْم أضحى. وشاسعة أَي: بعيدَة خَبَرهَا. قَالَ الأعلم الشنتمري: وَكَانَ الْمبرد يرد هَذَا وَيَزْعُم أَن الرِّوَايَة فِيهِ: وَمَا عهدي كعهدك يَا أماما وَأَن عمَارَة بن عقيل بن بِلَال بن جرير أنْشدهُ هَكَذَا. وسيبويه أوثق من أَن يتهم فِيمَا رَوَاهُ انْتهى. وَقَالَ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش فِي شرح نَوَادِر أبي زيد الْأنْصَارِيّ: الْعَرَب فِي التَّرْخِيم على لغتين: فَمنهمْ من يَقُول إِذا رخم حارثاً وَنَحْوه: يَا حَار بِكَسْر الرَّاء وَهُوَ الْأَكْثَر فالثاء على هَذِه اللُّغَة فِي النِّيَّة فَمن فعل هَذَا لم يجز مثله فِي غير النداء إِلَّا فِي الضَّرُورَة وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ لجرير: أَلا أضحت حبالكم رماما. . الْبَيْت فأجراه فِي غير النداء لما اضْطر كَمَا أجراه فِي النداء وَهَذَا من أقبح الضرورات. . وأنشدنا الْمبرد هَذَا الْبَيْت عَن عمَارَة: وَمَا عهدي كعهدك يَا أماما على غير ضَرُورَة. وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ لعبد الرَّحْمَن بن حسان:

стр. 833

فَحذف الْفَاء لما اضْطر. وَأخْبرنَا الْمبرد عَن الْمَازِني عَن الْأَصْمَعِي: أَنه أنشدهم: من يفعل الْخَيْر فالرحمن يشكره) قَالَ: فَسَأَلته عَن الرِّوَايَة الأولى فَذكر أَن النَّحْوِيين صنعوها. وَلِهَذَا نَظَائِر لَيْسَ هَذَا مَوضِع شرحها. وَمِنْهُم من يَقُول: يَا حَار بِضَم الرَّاء فَلَا يعْتد بِمَا حذف ويجريه مجْرى زيد فَحكم هَذَا فِي غير النداء كحكمه فِي النداء وعَلى هَذَا أجْرى قَول ذِي الرمة: ديار مية إِذْ مي تساعفنا وَهَذَا كثير. وكل مَا جَاءَك مِمَّا حذف فقسه على مَا ذكرت لَك ا. هـ وَفِيه نظر فَتَأمل. والرمام قَالَ الأعلم: جمع رَمِيم وَهُوَ الْخلق الْبَالِي يُرِيد: أَن حبال الْوَصْل بَينه وَبَين أُمَامَة قد تقطعت للفراق الْحَادِث بَينهمَا. وَالصَّوَاب مَا قَالَه النّحاس: أَن الرمام جمع رمة بِالضَّمِّ وَهِي الْقطعَة البالية من الْحَبل. وَهَذَا الْبَيْت مطلع قصيدة لجرير بن الخطفى وَبعده: (يشق بهَا العساقل موجداتٌ ... وكل عرندسٍ يَنْفِي اللغاما) والعساقل جمع عسقلة أَو عسقول وَهُوَ السراب واضطرابه. يُرِيد سَيرهَا فِي الفلوات رَاجِعَة إِلَى محضرها بعد انْقِضَاء زمن الانتجاع. وَوهم الْعَيْنِيّ فَقَالَ: العساقل: ضربٌ من الكمأة. وروى النّحاس عَن أبي

стр. 834

الْحسن الْأَخْفَش يشق بهَا الأماعز قَالَ: يشق: يَعْلُو. وَضمير بهَا لأمامة. والأماعز جمع أمعز ومعزاء بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالزَّاي الْمُعْجَمَة وَهُوَ الْموضع الصلب يخلطه طين وحصى صغَار قَالَ زُهَيْر: (يشج بهَا الأماعز وَهِي تهوي ... هوي الدَّلْو أسلمها الرشاء) والموجدة بِضَم الْمِيم وَفتح الْجِيم: النَّاقة القوية المحكمة قَالَ فِي الصِّحَاح: نَاقَة أجد بِضَمَّتَيْنِ: إِذا كَانَت قَوِيَّة موثقة الْخلق وَلَا يُقَال للبعير أجد وآجدها الله فَهِيَ موجدة الْقرى أَي: موثقة الظّهْر وبناءٌ موجد وَالْحَمْد لله الَّذِي آجدني بعد ضعف أَي: قواني. والعرندس كسفرجل: الْجمل الشَّديد. واللغام بِضَم اللَّام وَبعدهَا غين مُعْجمَة: مَا يطرحه الْبَعِير من الزّبد لنشاطه. وترجمة جرير تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع من أَوَائِل الْكتاب. وَأنْشد بعده: (كليني لَهُم يَا أُمَيْمَة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الْكَوَاكِب)) وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّالِث وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَة) وَهُوَ من شَوَاهِد س: ...

стр. 835

(قفي قبل التَّفَرُّق يَا ضباعا ... وَلَا يَك موقفٌ مِنْك الوداعا) على أَن مرخم ضباعة فحذفت الْهَاء للترخيم وَألف التَّرْخِيم تغني عَنْهَا. قَالَ الْعلم وَغَيره: الْوَقْف مَا فِيهِ الْهَاء ثمَّ لما وقفُوا عَلَيْهِ ردوا الْهَاء عَلَيْهَا عوضا من الْهَاء لأَنهم إِنَّمَا رخموا للْوَقْف فَلَمَّا لم يُمكنهُم رد الْهَاء هَهُنَا جعل الْألف عوضا مِنْهَا على مَا بَينه سِيبَوَيْهٍ. قَالَ الدماميني فِي شرح التسهيل: قد يُقَال: لَا نسلم أَن هَذِه الْألف عوض عَن التَّاء المحذوفة بل هِيَ ألف الْإِطْلَاق. وَهَذِه الْمَسْأَلَة لَا يسْتَدلّ عَلَيْهَا بالشعر فَإِن ثَبت فِي النثر مثل ذَلِك تمت الدَّعْوَى وَإِلَّا فَلَا. قَوْله: وَلَا يَك موقف. . الخ يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَن يكون على الطّلب وَالرَّغْبَة كَأَنَّهُ قَالَ: لَا جعل الله موقفك هَذَا آخر الْوَدَاع. كَذَا فِي شرح أَبْيَات الْجمل للخمي. فَفِيهِ حذف مُضَاف من الْوَدَاع وَقدره بَعضهم: موقف وداع وَهَذَا أحسن. وروى أَبُو الْحسن الْأَخْفَش وَهُوَ سعيد وَلَا يَك موقفا مِنْك الوداعا وَقَالَ: نصب موقفا لِأَنَّهُ أَرَادَ: قفي موقفا وَهُوَ أبينها ا. هـ. وَعَلِيهِ فاسم يَك ضمير الْمصدر الْمَفْهُوم من قفي كَأَنَّهُ قَالَ: وَلَا يكن موقفك موقف الْوَدَاع. وَقَوله: وَرفع بَعضهم موقفا. . الخ هُوَ الْمَشْهُور فِي الرِّوَايَة لَكِن فِيهِ الْإِخْبَار بالمعرفة عَن النكرَة. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي بَاب الْأَفْعَال النَّاقِصَة.

стр. 836

وضباعة بنت زفر بن الْحَارِث الْآتِي ذكره. قَالَ اللَّخْمِيّ: وَفِيه عطف المعرب على الْمَبْنِيّ لِأَنَّهُ عطف وَلَا يَك وَهُوَ مُعرب على قفي وَهُوَ مَبْنِيّ وَإِنَّمَا سوغ ذَلِك وجود الْعَامِل وَهِي لَا كَقَوْلِه تَعَالَى: وَقَالَ الَّذين كفرُوا للَّذين آمنُوا اتبعُوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وَلَو قلت: اقصدني وأكرمك بِالْجَزْمِ على اللَّفْظ لم يجز على مَذْهَب الْبَصرِيين لِأَن اقصدني فعل مَبْنِيّ لَا جازم لَهُ فَلَا يعْطف على لَفظه كَمَا لَا يجوز: هَذِه حذام وَأُخْتهَا بِالْجَرِّ على لفظ حذام. فَإِن قلت: اقصدني فلأحدثك فأدخلت لَام الْأَمر جَازَت الْمَسْأَلَة كَمَا تقدم فِي الْآيَة. .) أَقُول: هَذَا مَا يتعجب مِنْهُ فَإِن الْعَطف فِيهِ إِنَّمَا هُوَ من عطف جملَة على جملَة لَا من عطف مُعرب على مَبْنِيّ وَلَا حَاجَة إِلَى التَّطْوِيل من غير طائل. . قَالَ: وَفِيه حذف النُّون من يكن وَهَذَا الْبَيْت مطلع قصيدة للقطامي مدح بهَا زفر بن الْحَارِث الْكلابِي. وَكَانَ بَنو أَسد أحاطوا بِهِ فِي نواحي الجزيرة وأسروه يَوْم الخابور وَأَرَادُوا قَتله فحال زفر بَينه وَبينهمْ وحماه وَمنعه وَحمله وكساه وَأَعْطَاهُ مائَة نَاقَة. فمدحه بِهَذِهِ القصيدة وَغَيرهَا وحض قيسا وتغلب على السّلم. وَبعد هَذَا الْبَيْت: (قفي فادي أسيرك إِن قومِي ... وقومك لَا أرى لَهُم اجتماعا) (وَكَيف تجامعٌ مَعَ مَا استحلا ... من الْحرم الْكِبَار وَمَا أضاعا) (ألم يحزنك أَن حبال قيسٍ ... وتغلب قد تباينت انْقِطَاعًا) ...

стр. 837

(يطيعون الغواة وَكَانَ شرا ... لمؤتمر الغواية أَن يطاعا) (ألم يحزنك أَن ابْني نزارٍ ... أسالا من دمائهما التلاعا) إِلَى أَن قَالَ: (أمورٌ لَو تلافاها حليمٌ ... إِذا لنهى وهبب مَا استطاعا) (وَلَكِن الْأَدِيم إِذا تفرى ... بلَى وتعيناً غلب الصناعا) (ومعصية الشفيق عَلَيْك مِمَّا ... يزيدك مرّة مِنْهُ استماعا) (وَخير الْأَمر مَا اسْتقْبلت مِنْهُ ... وَلَيْسَ بِأَن تتبعه اتبَاعا) (تراهم يغمزون من استركوا ... ويجتنبون من صدق المصاعا) وَقَوله: قفي فادي أسيرك خطاب لضباعة بنت زفر الممدوح لِأَنَّهُ كَانَ عِنْد والدها أَسِيرًا. والمفاداة: أَخذ الْفِدْيَة من الْأَسير وإطلاقه. والحبال: المواصلة والعهود الَّتِي كَانَت بَين قيس وتغلب. وتباينت: تَفَرَّقت. رُوِيَ أَن ضباعة لما سَمِعت قَوْله: ألم يحزنك الخ قَالَت: بلَى وَالله قد حزنني. وأحزنني وحزنني لُغَتَانِ. والمؤتمر: الَّذِي يرى الغواية رَأيا وَيَأْمُر بهَا نَفسه. يَقُول هُوَ: شرٌ للغاوي أَن يطاع فِي غيه. وابنا نزار: ربيعَة وَمُضر. والتلعة: مسيل من الِارْتفَاع إِلَى بطن الْوَادي. وتلافاها: تداركها. وهبب بِالْقَتْلِ بموحدتين أَي: أَمر بِهِ. وتفرى: تشقق. وَتعين السقاء والمزادة: إِذا رقت مِنْهُمَا مَوَاضِع وتهيأت للخرق. والصناع بِالْفَتْح: الحاذقة بِعَمَل الْيَدَيْنِ.) وَقَوله:

стр. 838

ومعصية الشفيق. . الخ يَقُول: إِذا عصيت الشفيق عَلَيْك الْحَرِيص على رشدك تبينت فِي عواقب أَمرك الزلل. فزادك ذَلِك حرصاً على أَن تقبل نصحه. وَقَوله: وَخير الْأَمر مَا اسْتقْبلت أَي: خير الْأَمر مَا قد تدبرت أَوله فَعرفت إلام تؤول عاقبته وشره مَا ترك النّظر فِي أَوله وتتبعت أواخره بِالنّظرِ. وَاسْتشْهدَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيّ عِنْد قَوْله تَعَالَى: فتقبلها رَبهَا بقبولٍ حسن على أَن تقبل بِمَعْنى اسْتقْبل كتعجله وتقصاه بِمَعْنى استعجله وَقَوله: كَذَاك وَمَا رَأَيْت النَّاس. . الخ وَرُوِيَ: إِلَى مَا ضرّ جاهلهم سرَاعًا أَي: يُسَارع الْجَاهِل إِلَى مَا يضرّهُ. وَقَوله: تراهم يغمزون. . الخ استركوا: استضعفوا والركيك: الضَّعِيف. والمصاع بِالْكَسْرِ: المجالدة بِالسَّيْفِ. يَقُول: يستضعفون الضَّعِيف فيطعنون فِيهِ. والغمز هُنَا: الْإِشَارَة بِالْعينِ وَالرَّأْس. والْقطَامِي اسْمه عُمَيْر بن شييم التغلبي: تغلب بني وَائِل. وَعُمَيْر مصغر عمرٍ ووَكَذَلِكَ شييم مصغر أَشْيَم وَهُوَ الَّذِي بِهِ شامة. وَيُقَال: شييم بِكَسْر الشين أَيْضا وَضَبطه عِيسَى بن إِبْرَاهِيم شَارِح أَبْيَات الْجمل: شييم بسين مُهْملَة مَضْمُومَة. وَله لقبان أَحدهمَا الْقطَامِي مَنْقُول من الصَّقْر لِأَن الصَّقْر يُقَال لَهُ: قطامي بِفَتْح الْقَاف وَضمّهَا وَهُوَ مُشْتَقّ من القطم بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ شَهْوَة اللَّحْم وشهوة النِّكَاح يُقَال فَحل قطمٌ: إِذا هاج للضراب.

стр. 839

وَهُوَ لقبٌ غلب عَلَيْهِ لقَوْله: (يصكهن جانباً فجانبا ... صك الْقطَامِي القطا القواربا) واللقب الآخر: صريع الغواني. قَالَ النطاح: أول من سمي صريع الغواني الْقطَامِي بقوله: (صريع غوانٍ راقهن ورقنه ... لدن شب حَتَّى شَاب سود الذوائب) أَي: صرعه حبهن حَتَّى لَا حراك بِهِ. والغواني: الشواب. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: ذَوَات الْأزْوَاج غنين بأزواجهن. وصريع الغواني لقب مُسلم بن الْوَلِيد أَيْضا لقبه هَارُون الرشيد بقوله: (هَل الْعَيْش إِلَّا أَن تروح مَعَ الصِّبَا ... وتغدو صريع الكأس والأعين النجل) والقطامي كَانَ نَصْرَانِيّا فَأسلم. وَهُوَ ابْن أُخْت الأخطل النَّصْرَانِي الْمَشْهُور. وعده الجُمَحِي فِي الطَّبَقَة الثَّانِيَة من شعراء الْإِسْلَام. قَالَ بعض عُلَمَاء الشّعْر: أحسن النَّاس ابتداعاً فِي الْجَاهِلِيَّة) امْرُؤ الْقَيْس حَيْثُ يَقُول: (أَلا عَم صباحاً أَيهَا الطل الْبَالِي ... وَهل يعمن من كَانَ فِي الْعَصْر الْخَالِي) وَفِي الْإِسْلَام الْقطَامِي حَيْثُ يَقُول: إِنَّا محيوك فَاسْلَمْ أَيهَا الطل وَمن المولدين بشار حَيْثُ يَقُول: (أَبى طلٌ بالجزع أَن يتكلما ... وماذا عَلَيْهِ لَو أجَاب متيما) وَذكر الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف من يُقَال لَهُ الْقطَامِي ثَلَاثَة: أَوَّلهمْ هَذَا وَالثَّانِي: الْقطَامِي الضبعِي ضبيعة بن ربيعَة بن نزار أحد ولد

стр. 840

الساهري وَصَاحب شراب وَمن شعره: وَكَانَ أَبوهُ من أَصْحَاب خَالِد الْقَسرِي. وَالثَّالِث الْقطَامِي الْكَلْبِيّ واسْمه الْحصين وَهُوَ أَبُو الشَّرْقِي بن الْقطَامِي. شَاعِر محسن وَهُوَ الْقَائِل لما بلغه خبر يزِيد بن الْمُهلب: (لَعَلَّ عَيْني أَن ترى يزيدا ... يَقُود جَيْشًا جحفلاً رشيدا) ترى ذَوي التَّاج لَهُ سجودا وَأما زفر بن الْحَارِث فَهُوَ أَبُو الْهُذيْل زفر بن الْحَارِث بن عبد عَمْرو بن معَاذ بن يزِيد بن عَمْرو بن الصَّعق بن خُلَيْد بن نفَيْل بن عَمْرو بن كلاب الْكلابِي. كَانَ كَبِير قيس فِي زَمَانه وَفِي الطَّبَقَة الأولى من التَّابِعين من أهل الجزيرة. وَكَانَ من الْأُمَرَاء. سمع عَائِشَة وَمُعَاوِيَة. وَشهد وقْعَة صفّين مَعَ مُعَاوِيَة أَمِيرا على أهل قنسرين وَشهد وقْعَة مرج راهط مَعَ الضَّحَّاك بن قيس فَلَمَّا قتل الضَّحَّاك هرب إِلَى قرقيسا وَلم يزل متحصناً فِيهَا حَتَّى مَاتَ فِي خلَافَة عبد الْملك بن مَرْوَان فِي بضع وَسبعين.

стр. 841

وَكَانَ الضَّحَّاك بن قيس وَمَعَهُ النُّعْمَان بن بشير الْأنْصَارِيّ يَدْعُو فِي الشَّام لعبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم مَعَ بني أُميَّة يَدْعُو لنَفسِهِ فَالتقى الْفَرِيقَانِ فِي مرج راهط وَكَانَ مَعَ الضَّحَّاك سِتُّونَ ألف فَارس وَمَعَ مَرْوَان ثَلَاثَة عشر ألفا. فَقَالَ عبيد الله بن زِيَاد لمروان: إِن فرسَان قيس مَعَ الضَّحَّاك فَلَا ننال مِنْهُ إِلَّا بكيد فَأرْسل مَرْوَان إِلَى الضَّحَّاك يسْأَله الْمُوَادَعَة حَتَّى نَنْظُر فِي الْمُبَايعَة لِابْنِ الزبير فَأَجَابَهُ الضَّحَّاك وَوضع أَصْحَابه سِلَاحهمْ فَقَالَ ابْن زِيَاد: دُونك فَشد مَرْوَان على الضَّحَّاك فَقتل الضَّحَّاك والنعمان وَرِجَال قيس. وَلما هرب زفر جَاءَتْهُ خيل مَرْوَان ففاتها وتحصن وَقَالَ فِي ذَلِك:) (أريني سلاحي لَا أَبَا لَك إِنَّنِي ... أرى الْحَرْب لَا تزداد إِلَّا تماديا) (أَتَانِي عَن مَرْوَان بِالْغَيْبِ أَنه ... مقيدٌ دمي أَو قاطعٌ من لسانيا) (وَفِي العيس مناجاةٌ وَفِي الأَرْض مهربٌ ... إِذا نَحن رفعنَا لَهُنَّ المثانيا) (فَلَا تحبسوني إِن تغيبت غافلاً ... وَلَا تفرحوا إِن جِئتُكُمْ بلقائيا) (فقد ينْبت المرعى على دمن الثرى ... لَهُ ورقٌ من تَحْتَهُ الشَّرّ باديا) (ويمضي وَلَا يبْقى على الأَرْض دمنة ... وَتبقى حزازات النُّفُوس كَمَا هيا) (وَيذْهب يومٌ واحدٌ إِن أسأته ... بِصَالح أيامي وَحسن بلائيا) وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَة)

стр. 842

أطرق كرا (أطرق كرا أطرق كرا ... إِن النعام فِي الْقرى) على أَن الكرا ذكر الكروان وَلَيْسَ مرخماً مِنْهُ. وَهَذَا بَيت من الرجز وَهُوَ مثل. وَقد اخْتلف فِي قدره وَفِي معنى الكرا والكروان وَفِي معنى الْبَيْت: أما الأول فقد أوردهُ ابْن الْأَنْبَارِي وَابْن ولاد وَأَبُو عَليّ القالي والجوهري فِي الصِّحَاح والصاغاني فِي الْعباب كَمَا ذكرنَا وَأوردهُ الْمبرد فِي الْكَامِل والزمخشري فِي مستقصى الْأَمْثَال وَالشَّارِح أَيْضا فِي آخر بحث التَّرْخِيم هَكَذَا: أطرق كرا إِن النعام فِي الْقرى بِنَاء على انه نثر لَا نظم وَصَوَابه أطرق كرا مرَّتَيْنِ كَمَا نبه عَلَيْهِ ابْن السَّيِّد البطليوسي فِيمَا كتبه على الْكَامِل. وَزَاد الشَّارِح هُنَاكَ مَا إِن أرى هُنَا كرا وَلم أر هَذِه الزِّيَادَة لغيره. وَأما الثَّانِي: فَالْمَشْهُور أَن الكروان طَائِر طَوِيل الْعُنُق وَالرّجلَيْنِ أغبر لَهُ صَوت حسن وَهُوَ أكبر من الْحَمَامَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم فِي كتاب الطير: الكروان القبج أَي: الحجل. وَقيل: هُوَ الْحُبَارَى. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هُوَ ذكر الْحُبَارَى. وَقيل: هُوَ الكركي. والكرا يكْتب بِالْألف. قَالَ الْمبرد: وَهُوَ مرخم الكروان وَتَبعهُ من جَاءَ بعده. قَالَ القالي:

стр. 843

الكرا: الكروان. وَهُوَ عِنْد أهل النّظر وَالتَّحْقِيق من أهل الْعَرَبيَّة ترخيم كروان. وَإِنَّمَا أراد الراجز: أطرق يَا كروان فرخم. وَمَا قَالَه الشَّارِح من أَن الكرا ذكر الكروان ذكره صَاحب الْقَامُوس أَيْضا وَنسبه ابْن عقيل فِي) (لنا يومٌ وللكروان يومٌ ... تطير البائسات وَلَا نطير) فَجعله جمَاعَة الكرا أَلا ترى أَنه قَالَ: البائسات وَكَذَلِكَ تنشده الْعَرَب وَلم ترهم رخموا ثمَّ جمعُوا على التَّرْخِيم. وجمعوه على الكروان بِالْكَسْرِ وَلم يَقُولُوا: الكراوين والكروانات انْتهى. وعَلى هَذَا يسْقط مِنْهُ شذوذان: التَّرْخِيم وتغييره وَيبقى شذوذ وَاحِد وَهُوَ حذف حرف النداء مَعَ اسْم الْجِنْس. وَيدل على الترادف وعَلى أَنه ذكره وُرُود الكرا فِي غير النداء. أنْشد ابْن ولاد والزمخشري للفرزدق قَوْله: ...

стр. 844

(أألآن لما عض نابي بمسحلي ... وأطرق إطراق الكرا من أحاربه) (إِذا رَآنِي كل بكري بَكَى ... أطرق فِي الْبَيْت كإطراق الكرا) وَأما مَعْنَاهُ فقد قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي والقالي: معنى الْبَيْت: أَغضّ فَإِن الأعزاء فِي الْقرى والكروان طَائِر ذليل يَقُول: مَا دَامَ عزيزٌ مَوْجُودا فإياك أَيهَا الذَّلِيل أَن تنطق. ضربه مثلا. وَقَالَ الشَّارِح الْمُحَقق فِي آخر بحث النداء: هُوَ رقية يصيدون بهَا الكرا فيسكن ويطرق حَتَّى يصاد. وَهُوَ فِي هَذَا تَابع للزمخشري فَإِنَّهُ قَالَ: يُقَال للكروان ذَلِك إِذا أُرِيد اصطياده. أَي: تطأطأ واخفض عُنُقك للصَّيْد فَإِن أكبر مِنْك وأطول أعناقاً وَهِي النعام قد صيدت وحملت من الدو إِلَى الْقرى. يضْرب لمن تكبر وَقد تواضع من هُوَ أشرف مِنْهُ. وَمثله لصَاحب الْقَامُوس فَإِنَّهُ قَالَ: وأطرق كرا يضْرب لمن يخدع بِكَلَام يلطف لَهُ وَيُرَاد بِهِ الغائلة. وَقَالَ ابْن الْحَاجِب فِي الْإِيضَاح: واطرق كرا مثلٌ لمن يتَكَلَّم وبحضرته أولى مِنْهُ بذلك: كَأَن أَصله خطابٌ للكروان بالإطراق لوُجُود النعام وَلذَلِك يُقَال إِن تَمَامه: ( ... . أطرق كرا ... إِن النعام فِي الْقرى) وَيُقَال: إِن الكروان يخَاف من النعام.) وَمثله فِي الْعباب للصاغاني فَإِنَّهُ قَالَ: وأطرق: أرْخى عينه ينظر إِلَى الأَرْض وَفِي الْمثل: أطرق كرا. . الْبَيْت. يضْرب للمعجب بِنَفسِهِ وللذي لَيْسَ عِنْده غناء وَيتَكَلَّم فَيُقَال: اسْكُتْ وتوق انتشار مَا تلفظ بِهِ كَرَاهِيَة مَا يتعقبه.

стр. 845

وَقَوْلهمْ: إِن النعام فِي الْقرى أَي: تَأْتِيك فتدوسك بمناسمها. وَيُقَال أَيْضا: أطرق كرا يجلب لَك يضْرب للأحمق فِي تمنيه الْبَاطِل فَيصدق. وَقَالَ الأعلم الشنتمري فِي شرح الْأَشْعَار السِّتَّة: يضْرب لرجل يظنّ أَنَّك مُحْتَاج إِلَيْهِ فَتَقول لَهُ: اسكن فقد أمكنني من هُوَ أنبل مِنْك وَأَرْفَع. والنعام إِنَّمَا يكون فِي القفار فَإِذا كَانَ بالقرى فقد أمكن. انْتهى. تَتِمَّة: كروان يجمع على كراوين كورشان يجمع على وراشين وَقَالُوا يجمع أَيْضا على غير قِيَاس على كروان بِكَسْر الْكَاف وَسُكُون الرَّاء كَمَا يجمع ورشان على ورشان وَهُوَ جمع بِحَذْف الزَّوَائِد. كَأَنَّهُمْ جمعُوا كراً مثل أخٍ وإخوان. قَالَ ابْن جني فِي الخصائص: وَذَلِكَ أَنَّك لما حذفت أَلفه ونونه بَقِي مَعَك كرو فقلبت واوه ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا طرفا فَصَارَت كرا ثمَّ كسرت كرا على كروان كشبث وشبثان وَخرب وخربان. وَعَلِيهِ قَوْلهم فِي الْمثل: أطرق كرا إِنَّمَا هُوَ عندنَا ترخيم كروان على قَوْلهم يَا حَار بِالضَّمِّ. قَالُوا: وَالْألف فِي كروان إِنَّمَا هِيَ بدل من الْألف المبدلة من وَاو كروان. انْتهى. وَزعم الرياشي أَن الكروان والكروان للْوَاحِد وَكَذَلِكَ ورشان وورشان. وَيَردهُ قَول ذِي (من ال أبي مُوسَى ترى النَّاس حوله ... كَأَنَّهُمْ الكروان أبصرن بازيا) وَأنْشد بعده وهوالشاهد الْخَامِس وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَة) وَهُوَ من شَوَاهِد س: ...
следующие страницы →