Полный текст (5 658 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
وَكَانَ الضَّحَّاك بن قيس وَمَعَهُ النُّعْمَان بن بشير الْأنْصَارِيّ يَدْعُو فِي الشَّام لعبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم مَعَ بني أُميَّة يَدْعُو لنَفسِهِ فَالتقى الْفَرِيقَانِ فِي مرج راهط وَكَانَ مَعَ الضَّحَّاك سِتُّونَ ألف فَارس وَمَعَ مَرْوَان ثَلَاثَة عشر ألفا.
فَقَالَ عبيد الله بن زِيَاد لمروان: إِن فرسَان قيس مَعَ الضَّحَّاك فَلَا ننال مِنْهُ إِلَّا بكيد فَأرْسل مَرْوَان إِلَى الضَّحَّاك يسْأَله الْمُوَادَعَة حَتَّى نَنْظُر فِي الْمُبَايعَة لِابْنِ الزبير فَأَجَابَهُ الضَّحَّاك وَوضع أَصْحَابه سِلَاحهمْ فَقَالَ ابْن زِيَاد: دُونك فَشد مَرْوَان على الضَّحَّاك فَقتل الضَّحَّاك والنعمان وَرِجَال قيس. وَلما هرب زفر جَاءَتْهُ خيل مَرْوَان ففاتها وتحصن وَقَالَ فِي ذَلِك:)
(أريني سلاحي لَا أَبَا لَك إِنَّنِي ... أرى الْحَرْب لَا تزداد إِلَّا تماديا)
(أَتَانِي عَن مَرْوَان بِالْغَيْبِ أَنه ... مقيدٌ دمي أَو قاطعٌ من لسانيا)
(وَفِي العيس مناجاةٌ وَفِي الأَرْض مهربٌ ... إِذا نَحن رفعنَا لَهُنَّ المثانيا)
(فَلَا تحبسوني إِن تغيبت غافلاً ... وَلَا تفرحوا إِن جِئتُكُمْ بلقائيا)
(فقد ينْبت المرعى على دمن الثرى ... لَهُ ورقٌ من تَحْتَهُ الشَّرّ باديا)
(ويمضي وَلَا يبْقى على الأَرْض دمنة ... وَتبقى حزازات النُّفُوس كَمَا هيا)
(وَيذْهب يومٌ واحدٌ إِن أسأته ... بِصَالح أيامي وَحسن بلائيا)
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَة)
стр. 842
أطرق كرا
(أطرق كرا أطرق كرا ... إِن النعام فِي الْقرى)
على أَن الكرا ذكر الكروان وَلَيْسَ مرخماً مِنْهُ.
وَهَذَا بَيت من الرجز وَهُوَ مثل. وَقد اخْتلف فِي قدره وَفِي معنى الكرا والكروان وَفِي معنى الْبَيْت: أما الأول فقد أوردهُ ابْن الْأَنْبَارِي وَابْن ولاد وَأَبُو عَليّ القالي والجوهري فِي الصِّحَاح والصاغاني فِي الْعباب كَمَا ذكرنَا وَأوردهُ الْمبرد فِي الْكَامِل والزمخشري فِي مستقصى الْأَمْثَال وَالشَّارِح أَيْضا فِي آخر بحث التَّرْخِيم هَكَذَا: أطرق كرا إِن النعام فِي الْقرى بِنَاء على انه نثر لَا نظم وَصَوَابه أطرق كرا مرَّتَيْنِ كَمَا نبه عَلَيْهِ ابْن السَّيِّد البطليوسي فِيمَا كتبه على الْكَامِل. وَزَاد الشَّارِح هُنَاكَ مَا إِن أرى هُنَا كرا وَلم أر هَذِه الزِّيَادَة لغيره.
وَأما الثَّانِي: فَالْمَشْهُور أَن الكروان طَائِر طَوِيل الْعُنُق وَالرّجلَيْنِ أغبر لَهُ صَوت حسن وَهُوَ أكبر من الْحَمَامَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم فِي كتاب الطير: الكروان القبج أَي: الحجل. وَقيل: هُوَ الْحُبَارَى.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هُوَ ذكر الْحُبَارَى. وَقيل: هُوَ الكركي. والكرا يكْتب بِالْألف. قَالَ الْمبرد: وَهُوَ مرخم الكروان وَتَبعهُ من جَاءَ بعده. قَالَ القالي:
стр. 843
الكرا: الكروان. وَهُوَ عِنْد أهل النّظر وَالتَّحْقِيق من أهل الْعَرَبيَّة ترخيم كروان. وَإِنَّمَا أراد الراجز: أطرق يَا كروان فرخم.
وَمَا قَالَه الشَّارِح من أَن الكرا ذكر الكروان ذكره صَاحب الْقَامُوس أَيْضا
وَنسبه ابْن عقيل فِي)
(لنا يومٌ وللكروان يومٌ ... تطير البائسات وَلَا نطير)
فَجعله جمَاعَة الكرا أَلا ترى أَنه قَالَ: البائسات وَكَذَلِكَ تنشده الْعَرَب وَلم ترهم رخموا ثمَّ جمعُوا على التَّرْخِيم. وجمعوه على الكروان بِالْكَسْرِ وَلم يَقُولُوا: الكراوين والكروانات انْتهى.
وعَلى هَذَا يسْقط مِنْهُ شذوذان: التَّرْخِيم وتغييره وَيبقى شذوذ وَاحِد وَهُوَ حذف حرف النداء مَعَ اسْم الْجِنْس. وَيدل على الترادف وعَلى أَنه ذكره وُرُود الكرا فِي غير النداء.
أنْشد ابْن ولاد والزمخشري للفرزدق قَوْله: ...
стр. 844
(أألآن لما عض نابي بمسحلي ... وأطرق إطراق الكرا من أحاربه)
(إِذا رَآنِي كل بكري بَكَى ... أطرق فِي الْبَيْت كإطراق الكرا)
وَأما مَعْنَاهُ فقد قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي والقالي: معنى الْبَيْت: أَغضّ فَإِن الأعزاء فِي الْقرى والكروان طَائِر ذليل يَقُول: مَا دَامَ عزيزٌ مَوْجُودا فإياك أَيهَا الذَّلِيل أَن تنطق. ضربه مثلا.
وَقَالَ الشَّارِح الْمُحَقق فِي آخر بحث النداء: هُوَ رقية يصيدون بهَا الكرا فيسكن ويطرق حَتَّى يصاد. وَهُوَ فِي هَذَا تَابع للزمخشري فَإِنَّهُ قَالَ: يُقَال للكروان ذَلِك إِذا أُرِيد اصطياده. أَي: تطأطأ واخفض عُنُقك للصَّيْد فَإِن أكبر مِنْك وأطول أعناقاً وَهِي النعام قد صيدت وحملت من الدو إِلَى الْقرى. يضْرب لمن تكبر وَقد تواضع من هُوَ أشرف مِنْهُ. وَمثله لصَاحب الْقَامُوس فَإِنَّهُ قَالَ: وأطرق كرا يضْرب لمن يخدع بِكَلَام يلطف لَهُ وَيُرَاد بِهِ الغائلة.
وَقَالَ ابْن الْحَاجِب فِي الْإِيضَاح: واطرق كرا مثلٌ لمن يتَكَلَّم وبحضرته أولى مِنْهُ بذلك: كَأَن أَصله خطابٌ للكروان بالإطراق لوُجُود النعام وَلذَلِك يُقَال إِن تَمَامه:
( ... . أطرق كرا ... إِن النعام فِي الْقرى)
وَيُقَال: إِن الكروان يخَاف من النعام.)
وَمثله فِي الْعباب للصاغاني فَإِنَّهُ قَالَ: وأطرق: أرْخى عينه ينظر إِلَى الأَرْض وَفِي الْمثل: أطرق كرا. . الْبَيْت. يضْرب للمعجب بِنَفسِهِ وللذي لَيْسَ عِنْده غناء وَيتَكَلَّم فَيُقَال: اسْكُتْ وتوق انتشار مَا تلفظ بِهِ كَرَاهِيَة مَا يتعقبه.
стр. 845
وَقَوْلهمْ: إِن النعام فِي الْقرى أَي: تَأْتِيك فتدوسك بمناسمها. وَيُقَال أَيْضا: أطرق كرا يجلب لَك يضْرب للأحمق فِي تمنيه الْبَاطِل فَيصدق.
وَقَالَ الأعلم الشنتمري فِي شرح الْأَشْعَار السِّتَّة: يضْرب لرجل يظنّ أَنَّك مُحْتَاج إِلَيْهِ فَتَقول لَهُ: اسكن فقد أمكنني من هُوَ أنبل مِنْك وَأَرْفَع. والنعام إِنَّمَا يكون فِي القفار فَإِذا كَانَ بالقرى فقد أمكن. انْتهى.
تَتِمَّة: كروان يجمع على كراوين كورشان يجمع على وراشين وَقَالُوا يجمع أَيْضا على غير قِيَاس على كروان بِكَسْر الْكَاف وَسُكُون الرَّاء كَمَا يجمع ورشان على ورشان وَهُوَ جمع بِحَذْف الزَّوَائِد.
كَأَنَّهُمْ جمعُوا كراً مثل أخٍ وإخوان.
قَالَ ابْن جني فِي الخصائص: وَذَلِكَ أَنَّك لما حذفت أَلفه ونونه بَقِي مَعَك
كرو فقلبت واوه ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا طرفا فَصَارَت كرا ثمَّ كسرت كرا على كروان كشبث وشبثان وَخرب وخربان. وَعَلِيهِ قَوْلهم فِي الْمثل: أطرق كرا إِنَّمَا هُوَ عندنَا ترخيم كروان على قَوْلهم يَا حَار بِالضَّمِّ. قَالُوا: وَالْألف فِي كروان إِنَّمَا هِيَ بدل من الْألف المبدلة من وَاو كروان. انْتهى.
وَزعم الرياشي أَن الكروان والكروان للْوَاحِد وَكَذَلِكَ ورشان وورشان. وَيَردهُ قَول ذِي
(من ال أبي مُوسَى ترى النَّاس حوله ... كَأَنَّهُمْ الكروان أبصرن بازيا)
وَأنْشد بعده وهوالشاهد الْخَامِس وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: ...
стр. 846
(فَقَالُوا تعال يَا يزي بن مخرم ... فَقلت لَهُم: إِنِّي حَلِيف صداء)
على أَن المرخم يجوز وَصفه إِلَّا عِنْد الْفراء وَابْن السراج أَرَادَ الشَّاعِر: يَا يزِيد ابْن مخرم.
وَعند سِيبَوَيْهٍ حذفت الدَّال للترخيم. وَالْيَاء لالتقاء الساكنين. وَقَالَ الْفراء: كِلَاهُمَا حذف للترخيم. فَإِن مذْهبه حذف السَّاكِن مَعَ الآخر فِي التَّرْخِيم فَيَقُول: فِيمَن اسْمه قمطر ياقم كَذَا فِي الْإِيضَاح لِابْنِ الْحَاجِب.
قَالَ الشاطبي فِي شرح الألفية: شَرط الْمُؤَنَّث بِالتَّاءِ المرخم أَن لايكون مَوْصُوفا لِأَن التَّرْخِيم حذف آخر الِاسْم للْعلم بِهِ وَالصّفة بَيَان الْمَوْصُوف لعدم الْعلم بِهِ فهما متدافعان.
وَلذَلِك قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي قَوْله: إِنَّك يَا معاو يَا ابْن الْأَفْضَل إِنَّه ترخيم بعد ترخيم. وَقد نَص على هَذَا الروماني وَتَبعهُ ابْن خروف وَقَالَ فِي الْبَيْت: لَا يصلح فِيهِ النَّعْت لِأَنَّهُ منادى مرخم فَهُوَ فِي نِهَايَة التَّعْرِيف فنعته بعيد. فعلى هَذَا يكون قَول يزِيد بن مخرم وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ: فقلتم تعال يَا يزي بن مخرم. . الْبَيْت شاذاً. وَيجْرِي مجْرى النَّعْت على هَذَا التَّقْدِير التوابع كلهَا: من الْعَطف الْبَيَانِي والتوكيد إِلَّا الْبَدَل فَفِيهِ بحث وَإِلَّا الْعَطف النسقي فَإِن كل وَاحِد مِنْهُمَا أَعنِي من الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ مُسْتَقل بالعامل من جِهَة الْمَعْنى. وَفِيه نظر أَيْضا. انْتهى
стр. 847
ثمَّ قَالَ: وَهَذَا الشَّرْط منازعٌ فِيهِ. وَأجَاب الشلوبين بِأَنَّهُ قد يتَوَجَّه الْعلم الْمُشْتَرط فِي التَّرْخِيم على الِاسْم وَعدم الْعلم على الْمُسَمّى فَلَا يتدافعان. وَأما بَيت سِيبَوَيْهٍ فَلَعَلَّهُ إغرابٌ من سِيبَوَيْهٍ إِذْ كَانَ الْوَجْه الآخر لَا غرابة فِيهِ أَو لَعَلَّه اخْتِيَار مِنْهُ لذَلِك الْوَجْه لِأَنَّهُ مَوضِع مدح فتكرير النداء فِيهِ أفخم من الْإِتْيَان بِهِ وَصفا. هَذَا مَا قَالَ ويقويه أَن سِيبَوَيْهٍ أنْشد: فقلتم تعال يَا يزي بن مخرم على أَنه لَيْسَ من الشاذ بل على أَنه من الْجَائِز بِإِطْلَاق وَهُوَ مَعَ ترخيم الْهَاء أَجود وَمثله قَول امْرِئ الْقَيْس:)
وَهَذَا الشَّاهِد دَال على جَوَاز ترخيم الْمَوْصُوف من بَاب الأولى لِأَنَّهُ من الْمَوْصُوف بِابْن وتقرر فِي الْكَلَام صيرورة ابْن مَعَ الْمَوْصُوف فِي حكم الْمركب بِدَلِيل حذف التَّنْوِين. فَإِن كَانَ هَذَا يجوز ترخيمه فَمن بَاب أولى جَوَاز ترخيم نَحْو: يَا طَلْحَة الْفَاضِل وَيَا حَارِث الْفَاضِل فَتَقول: يَا طلح الْفَاضِل وَيَا حَار الْفَاضِل. وَكَذَلِكَ الْمَعْطُوف والمؤكد والمبدل مِنْهُ. انْتهى.
ومخرم بِضَم الْمِيم وَفتح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة. ويزِيد بن المخرم من أَشْرَاف بني الْحَارِث من أهل الْيمن. والمخرم هُوَ ابْن شُرَيْح بن المخرم بن حزن بن زِيَاد بن الْحَارِث بن مَالك بن ربيعَة بن كَعْب بن الْحَارِث.
وَكَانَ يزِيد بن المخرم مِمَّن جَاءَ مَعَ عبد يَغُوث الْحَارِثِيّ فِي يَوْم الْكلاب
стр. 848
الثَّانِي وَقد مضى شَرحه فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالسِّتِّينَ وَقتل يزِيد بن المخرم فِي ذَلِك الْيَوْم مَعَ يزِيد بن عبد المدان وَيزِيد بن الهوبر. وَأسر عبد يَغُوث كَمَا تقدم شَرحه. وَلما وَقعت الْهَزِيمَة عَلَيْهِم جعل رجلٌ من بني تَمِيم يَقُول:
(يَا قوم لَا يفلتكم اليزيدان ... يزِيد حزنٍ وَيزِيد الديَّان)
ويروى: مخرماً أَعنِي بِهِ وَالديَّان وصداء بِضَم الصَّاد وَفتح الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ وبالمد: حيٌ من الْيمن مِنْهُم زِيَاد ابْن الْحَارِث الصدائي الصَّحَابِيّ ﵁. والحلبف: المحالف والمعاهد. وَرُوِيَ الْبَيْت هَكَذَا:
(فقلتم تعال يَا يزي بن مخرم ... فَقلت لكم: إِنِّي حَلِيف صداء)
وَهُوَ من أَبْيَات ليزِيد بن المخرم الْمَذْكُور آنِفا.
وَأنْشد بعده: كليني لَهُم يَا أُمَيْمَة ناصب وَتقدم شَرحه قبل هَذَا بِثمَانِيَة شَوَاهِد.
стр. 849
وَأنْشد بعده وهوالشاهد السَّادِس وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(عجبت لمولود وَلَيْسَ لَهُ أبٌ ... وَذي ولدٍ لم يلده أَبَوَانِ)
على أَن سِيبَوَيْهٍ اسْتشْهد بِهِ فِي ترخيم أسحار فِي أَنَّك تحركه بأقرب الحركات إِلَيْهِ وَكَذَا تَقول: انْطلق إِلَيْهِ فِي الْأَمر: تسكن اللَّام فَتبقى سَاكِنة وَالْقَاف سَاكِنة فَتحَرك الْقَاف بأقرب الحركات قَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس: فَإِن قيل: فقد جِئْت بحركة مَوضِع حَرَكَة فَمَا الْفَائِدَة فِي ذَلِك فَالْجَوَاب: أَن الْحَرَكَة المحذوفة كسرة انْتهى.
أَي: فالفتحة أخف مِنْهَا. فَأصل يلده بِكَسْر اللَّام وَسُكُون الدَّال للجزم فسكن المكسور تَخْفِيفًا فحركت الدَّال دفعا لالتقاء الساكنين بحركة وَهِي أقرب الحركات إِلَيْهَا وَهِي الفتحة لِأَن السَّاكِن غير حاجز حُصَيْن. قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: كل مكسور أَو مضموم إِذا لم يكن من حركات الْإِعْرَاب يجوز فِيهِ التسكين. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وَقَالَ: لَا يجوز ذَلِك فِي المفتوح لخفة الفتحة. انْتهى.
وَوَقع هَذَا الْبَيْت فِي رِوَايَة سِيبَوَيْهٍ:
أَلا رب مولودٍ وَلَيْسَ لَهُ أَب وَكَذَا أوردهُ ابْن هِشَام فِي مُغنِي اللبيب شَاهدا على أَن رب تَأتي بقلة لإنشاء
стр. 850
التقليل كَهَذا الْبَيْت وَفِي الْأَكْثَر أَنَّهَا لإنشاء التكثير. وَكَذَا أوردهُ غَيره. وَلَا تلْتَفت إِلَى قَول ابْن هِشَام اللَّخْمِيّ مَعَ رِوَايَة سِيبَوَيْهٍ: الصَّوَاب عجبت لمولود. لِأَن الرِّوَايَتَانِ صحيحتان ثابتتان.
وَنسبه شرَّاح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ لرجل من أَزْد السراة. وَبعده:
(وَذي شامةٍ سَوْدَاء فِي حر وَجهه ... مخلدةٍ لَا تَنْقَضِي لِأَوَانِ)
وعَلى هَذِه الرِّوَايَة لَا وصف لمجرور رب لِأَنَّهُ لَا يلْزم وَصفه عِنْد سِيبَوَيْهٍ وَمن تبعه. فجملة وَلَيْسَ لَهُ أَب حَال من مَوْلُود وَالْعَامِل مَحْذُوف وَهُوَ جَوَاب رب تَقْدِيره: يُوجد وَنَحْوه. وَالْتزم الْمبرد وتابعوه وصف مجرورها فَتكون الْجُمْلَة صفة لَهُ وَالْوَاو هِيَ الْوَاو الَّتِي سَمَّاهَا الزَّمَخْشَرِيّ وَاو اللصوق أَي: لصوق الصّفة بالموصوف وَجعل من ذَلِك قَوْله تَعَالَى: وَمَا أهلكنا من قَرْيَة إِلَّا وَلها كتابٌ مَعْلُوم. وذِي ولد مَعْطُوف على مَوْلُود. وَأَرَادَ بِالْأولِ عِيسَى ابْن مَرْيَم وَبِالثَّانِي آدم أَبَا الْبشر)
﵉ قَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي: إِن عمرا الْجَنبي سَأَلَ امْرأ الْقَيْس عَن مُرَاد الشَّاعِر فَأَجَابَهُ بِهَذَا الْجَواب وجنب بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون النُّون: قَبيلَة فِي الْيمن وَعَمْرو هَذَا مَنْسُوب إِلَيْهَا وَقيل: أَرَادَ بِذِي الْوَلَد الْبَيْضَة وَقيل: أَرَادَ بِهِ الْقوس وَوَلدهَا السهْم لم يلده أَبَوَانِ لِأَنَّهُ لَا تتَّخذ الْقوس إِلَّا من شَجَرَة وَاحِدَة مَخْصُوصَة. وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ من الخرافات فَإِن الْبَيْضَة مُتَوَلّدَة من أُنْثَى وَذكر والقوس لَا تتصف بِالْولادَةِ حَقِيقَة وَإِن أَرَادَ بهَا التولد وَهُوَ حُصُول شَيْء من شَيْء فَلَيْسَتْ مِمَّا ينْسب إِلَيْهِ الْوَالِدَان.
стр. 851
وَأَرَادَ بِذِي شامة: الْقَمَر فَإِنَّهُ ذُو شامة. وَهِي المسحة الَّتِي فِيهِ يُقَال: إِنَّهَا من أثر جنَاح جِبْرِيل ﵇ لما مَسحه والشامة: عَلامَة مُخَالفَة لسَائِر الْبدن وَالْخَال هِيَ النُّكْتَة السَّوْدَاء فِيهِ.
وَأَرَادَ بِكَمَال شبابه فِي خمس وتسع صَيْرُورَته بَدْرًا
فِي اللَّيْلَة الرَّابِعَة عشرَة لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ فِي غَايَة الْبَهَاء والضياء كَمَا أَن الشَّاب فِي غَايَة قوته محسن منظره فِي عنفوان شبابه. وَأَرَادَ بهرمه ذهَاب نوره ونقصان ذَاته فِي اللَّيْلَة التَّاسِعَة وَالْعِشْرين فَإِن السَّبْعَة وَالثَّمَانِيَة وَهِي خَمْسَة عشر إِذا انضمت مَعَ الْخَمْسَة والتسعة الْمُتَقَدّمَة وَهِي أَرْبَعَة عشر صَارَت تِسْعَة وَعشْرين. وَهَذَا الضَّم اسْتُفِيدَ من قَوْله: مَعًا. وَرُوِيَ: مَضَت بدل مَعًا.
وروى بَعضهم: وَذي شامة غراء أَي: بَيْضَاء وَهَذَا غير مُنَاسِب. وحر الشَّيْء: خالصه وحر الْوَجْه: مَا بدا من الوجنة أَو مَا أقبل عَلَيْك مِنْهُ أَو أعتق مَوضِع فِيهِ. ومخلدة بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالدَّال أَي: بَاقِيَة وَهُوَ بِالْجَرِّ صفة لشامة وَبِالنَّصبِ حَال مِنْهَا للمسوغ. وروى بَعضهم: مُجَللَة اسْم فَاعل من التجليل بجيم ولامين وَهُوَ التغطية. وَهَذَا أَيْضا غير مُنَاسِب.
وفسرها بَعضهم بِذَات الْعِزّ والجلال.
وروى أَيْضا: مجلحة بِتَقْدِيم الْجِيم على الْحَاء الْمُهْملَة وَفَسرهُ بمنكسفة وَهَذَا كُله من ضيق العطن: لَا الرِّوَايَة لَهَا أصل وَلَا هَذَا التَّفْسِير ثَابت فِي اللُّغَة. وَاللَّام فِي قَوْله: لِأَوَانِ بِمَعْنى فِي كَقَوْلِه تَعَالَى: وَنَضَع الموازين الْقسْط ليَوْم الْقِيَامَة وَقَوْلهمْ: مضى لسبيله أَو بِمَعْنى عِنْد كَقَوْلِهِم: كتبته لخمسٍ خلون أَو بِمَعْنى بعد كَقَوْلِه تَعَالَى: أقِم الصَّلَاة لدلوك الشَّمْس. قَالَ الْبَيْضَاوِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: لَا يجليها لوَقْتهَا إِلَّا هُوَ لَا يظْهر أمرهَا فِي وَقتهَا. وَالْمعْنَى:
стр. 852
أَن الخفاء بهَا اسْتمرّ على غَيره إِلَى وَقت وُقُوعهَا. وَاللَّام للتأقيت كاللام فِي قَوْله تَعَالَى: لدلوك الشَّمْس.
وَقَالَ الْعَيْنِيّ: هِيَ للْوَقْت. وَلَا يُقَال: هَذَا إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه لِأَن الْمَعْنى لوقتٍ وَقت لِأَن)
التغاير فِي اللَّفْظ كافٍ فِي دفع ذَلِك. انْتهى. فَتَأمل.
وَرُوِيَ: لَا تنجلي لزمان. وَذكر الْعدَد فِي الْجَمِيع لِأَنَّهُ بِاعْتِبَار اللَّيَالِي. وَجُمْلَة يكمل من الْفِعْل وضميره الْمُسْتَتر مَعْطُوف على جملَة لَا تَنْقَضِي. وَلَا يضر تخالفهما نفيا وإثباتاً.
وأَزْد السراة: حَيّ من الْيمن. والأزد اسْمه درءٌ بِكَسْر الدَّال وَسُكُون الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وبالهمز. والأسد لُغَة فِي الأزد بل قيل: السِّين أفْصح من الزَّاي. والأزد: ابْن الْغَوْث بن نبت بن مَالك بن أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب ابْن يعرب بن قحطان. والغوث بِفَتْح الْعين الْمُعْجَمَة وبالثاء الْمُثَلَّثَة وَنبت: بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْمُوَحدَة وبالتاء الْمُثَنَّاة. وأدد: بِضَم الْهمزَة وَفتح الدَّال الأولى. وسبأ: بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمُوَحدَة وبالهمز. ويشجب: بِفَتْح الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَضم الْجِيم وبالباء الْمُوَحدَة. ويعرب بِفَتْح الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَضم الْجِيم وبالباء الْمُوَحدَة. ويعرب بِفَتْح الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَضم الرَّاء الْمُهْملَة وبالباء الْمُوَحدَة. كَذَا فِي جَامع الْأُصُول لِابْنِ الْأَثِير وَغَيره من كتب الْأَنْسَاب. والسراة بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة هُوَ أعظم جبال الْعَرَب. روى أَبُو عبيد
стр. 853
الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم بِسَنَدِهِ إِلَى سعيد بن الْمسيب: أَنه قَالَ: لما خلق الله الأَرْض مادت بِأَهْلِهَا فضربها بِهَذَا الْجَبَل يَعْنِي السراة فاطمأنت.
قَالَ أَبُو عبيد: وَطول السراة: مَا بَين ذَات عرق إِلَى حد نَجْرَان الْيمن. وَبَيت الْمُقَدّس فِي غربي طولهَا. وعرضها مَا بَين الْبَحْر إِلَى الشرق. فَصَارَ مَا خلف هَذَا الْجَبَل فِي غربيه إِلَى أسياف الْبَحْر من بِلَاد الْأَشْعَرِيين وعك وكنانة إِلَى ذَات عرق والجحفة وَمَا والاها وصاقبها وغار من أرْضهَا الْغَوْر: غور تهَامَة وتهامة تجمع ذَلِك كُله. وغور الشَّام لَا يدْخل فِي ذَلِك. وَصَارَ مَا دون ذَلِك فِي شرقيه من الصحارى إِلَى أَطْرَاف الْعرَاق والسماوة وَمَا يَليهَا نجداً ونجد يجمع ذَلِك كُله. وَصَارَ الْجَبَل نَفسه سراته وَهُوَ الْحجاز. وَمَا احتجز بِهِ فِي شرقيه من الْجبَال وانحاز إِلَى نَاحيَة فيد والجبلين إِلَى الْمَدِينَة وَمن بِلَاد مذْحج تثليث. وَمَا دونهَا إِلَى نَاحيَة فيد فَذَلِك كُله حجاز.
وَصَارَت بِلَاد الْيَمَامَة والبحرين وَمَا والاهما: الْعرُوض وفيهَا نجد وغور لقربها من الْبَحْر وانخفاض مَوَاضِع مِنْهَا ومسايل أَوديَة فِيهَا وَالْعرُوض بِجمع ذَلِك كُله. وَصَارَ مَا خلف تثليث وَمَا قاربها إِلَى صنعاء وَمَا والاها من الْبِلَاد إِلَى حَضرمَوْت والشحر وعمان وَمَا بَينهمَا الْيمن)
وَفِيهِمَا التهائم والنجود واليمن يجمع ذَلِك كُله. وَذَات عرق فصلٌ مَا بَين تهَامَة ونجد والحجاز.
وَقيل لأهل ذَات عرق: أمتهمون أَنْتُم أم منجدون قَالُوا: لَا متهمون وَلَا منجدون. انْتهى. كَلَام أبي عبيد.
وَقَالَ ابْن مكرم فِي لِسَان الْعَرَب: السراة جبل بِنَاحِيَة الطَّائِف. قَالَ
стр. 854
ابْن السّكيت: الطود: الْجَبَل المشرف على عَرَفَة ينقاد إِلَى صنعاء يُقَال لَهَا: السراة فأوله سراة ثَقِيف ثمَّ سراة فهم وعدوان ثمَّ الأزد انْتهى.
قَالَ ابْن عبد الْبر فِي مُقَدّمَة الِاسْتِيعَاب: الأزد جرثومة من جراثيم قحطان وافترقت فِيمَا ذكر أَبُو عُبَيْدَة وَغَيره من عُلَمَاء النّسَب على نَحْو سبع وَعشْرين قَبيلَة. . ثمَّ ذكرهَا. . وَيُقَال: لبَعض مِنْهُم: أَزْد السراة وَهُوَ من أَقَامَ مِنْهُم عِنْد جبل السراة.
ولبعض آخر: أَزْد عمان بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم وَهُوَ بلد على شاطئ الْبَحْر بَين الْبَصْرَة وعدن أضيفوا إِلَيْهِ لسكناهم فِيهِ. ولبعض آخر: أَزْد غَسَّان بِفَتْح الْعين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة وَهُوَ اسْم مَاء بَين زبيد ورمع وهما واديان للأشعريين فَمن شرب مِنْهُ مِنْهُم سمي أَزْد غَسَّان وهم أَربع قبائل وَمن لم يشرب مِنْهُ لَا يُقَال لَهُ ذَلِك قَالَ حسان بن ثَابت ﵁: وَمِنْهُم من يُقَال لَهُ: أَزْد شنُوءَة على وزن فعولة وَهُوَ اسْم أَبِيهِم سمي بِهِ
لشنآن وَقع بَينهم.
واسْمه الْحَارِث وَقيل: عبد الله بن كَعْب بن مَالك بن نصر ابْن الأزد. قَالَ فِي الصِّحَاح: أَزْد أَبُو حَيّ من الْيمن يُقَال أَزْد شنُوءَة وأزد عمان وأزد السراة. قَالَ النَّجَاشِيّ:
(وَكنت كذي رجلَيْنِ رجلٌ صحيحةٌ ... ورجلٍ بهَا ريب من الْحدثَان)
...
стр. 855
(فَأَما الَّتِي صحت فأزد شنُوءَة ... وَأما الَّتِي شلت فأزد عمان)
وَرَأَيْت فِي الملحقات الَّتِي ألحقها صَاحب الْمُخْتَصر الَّذِي اخْتَصَرَهُ من جمهرة الْأَنْسَاب لِابْنِ الْكَلْبِيّ بعد أَن نقل كَلَام الصِّحَاح مَا نَصه: لم أجد فِي الجمهرة. لِابْنِ دُرَيْد لذَلِك ذكرا بل رَأَيْت فِي العجالة فِي النّسَب أَن شنُوءَة اسْمه الْحَارِث وَقيل عبد الله. فَقَوله: إِنَّه الْحَارِث أقرب إِلَى الصَّوَاب. فالحارث هُوَ الَّذِي ولد هَذِه الْبُطُون والقبائل من دوس وَنصر وغامد وماسخة وَغَيرهم. وَأهل عمان الْآن يَقُولُونَ: إِنَّهُم شنُوءَة وهم من دوس ثمَّ من مَالك بن فهم بن غنم بن دوس.)
وَهَذَا الَّذِي ظهر من صِحَة ذَلِك يبطل تَقْسِيم الشَّاعِر فِي هَذَا الْبَيْت وَقَوله: إِن أَزْد عمان غير أَزْد شنُوءَة وَقَول الْجَوْهَرِي: يُقَال أَزْد شنُوءَة وأزد عمان وأزد السراة إِن أَرَادَ بهم التَّقْسِيم على ثَلَاث قبائل ففاسد وَذَلِكَ: أَن أَزْد السراة أَيْضا من أَزْد شنُوءَة فيهم من يذكر وهم ثمالة تحل بَلَدا بالسراة اسْمه قوسى ودوس مِنْهُم منْهب بن دوس بالسراة. وَالْأَقْرَب أَن يُقَال: إِن هَذَا كَقَوْلِهِم غَسَّان وَالْأَنْصَار وخزاعة وَكلهمْ غَسَّان وَإِنَّمَا تجدّد للْأَنْصَار وخزاعة هَذَانِ الوصفان فَبَقيت تَسْمِيَة غَسَّان للشاميين ا. هـ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَة)
(يَا مرحباه بِحِمَار ناجيه)
стр. 856
على أَن هَاء السكت الْوَاقِعَة بعد الْألف يضمها بعض الْعَرَب ويفتحها فِي حَالَة الْوَصْل فِي الشّعْر.
قَالَ ابْن جني فِي بَاب الحكم يقف بَين الْحكمَيْنِ من الخصائص: وَمن ذَلِك بَيت الْكتاب: لَهُ زجلٌ كَأَنَّهُ صَوت حادٍ فَحذف الْوَاو من كَأَنَّهُ لَا على حد الْوَقْف وَلَا على حد الْوَصْل أما الْوَقْف فَيَقْتَضِي بِالسُّكُونِ: كَأَنَّهُ وَأما الْوَصْل فَيَقْتَضِي بالمطل وتمكين الْوَاو: كأنهو فَقَوله إِذن: كَأَنَّهُ منزلَة بَين الْوَصْل وَالْوَقْف.
(يَا مرحباه بِحِمَار ناجيه ... إِذا أَتَى قربته للسانيه)
فثبات الْهَاء فِي مرحباه لَيْسَ على حد الْوَقْف وَلَا على حد الْوَصْل أما الْوَقْف فَيُؤذن بِأَنَّهَا سَاكِنة وَأما الْوَصْل فَيُؤذن بحذفها أصلا فثباتها فِي الْوَصْل متحركة منزلةٌ بَين المنزلتين ا. هـ.
وَقَوله: يَا مرحباه: المنادى مَحْذُوف ومرحبا مصدر مَنْصُوب بعامل مَحْذُوف أَي: صَادف رحباً وسعة. حذف تنوينه لنِيَّة الْوَقْف ثمَّ بعد أَن وصل بِهِ هَاء السكت عَن لَهُ الْوَصْل فوصل. والْحمار مُذَكّر وَالْأُنْثَى أتان وحمارة بِالْهَاءِ نَادِر وَهُوَ مُضَاف إِلَى نَاجِية. ونَاجِية: بالنُّون وَالْجِيم: اسْم
стр. 857
شخص وَبَنُو نَاجِية قوم من الْعَرَب وَنَاجِيَة: مَاء لبني أَسد وَمَوْضِع بِالْبَصْرَةِ والناجية: النَّاقة السريعة وَلَيْسَت بمرادٍ هُنَا. وَالْبَاء مُتَعَلقَة بقوله مرْحَبًا.
والسانية: الدَّلْو الْعَظِيمَة وأداتها. والناقة الَّتِي يسنى عَلَيْهَا أَي: يستقى عَلَيْهَا من الْبِئْر.)
وَفِي الْمثل: سير السواني سفر لَا يَنْقَطِع. يُقَال: سنت النَّاقة تسنو سناوة وسناية: إِذا سقت الأَرْض والسحابة تسنو الأَرْض وَالْقَوْم يسنون لأَنْفُسِهِمْ: إِذا استقوا وَالْأَرْض مسنوة ومسنية بِالْوَاو وَالْيَاء. وَأَرَادَ بتقريب الْحمار للسانية: أَن يستقى عَلَيْهِ من الْبِئْر بالدلو الْعَظِيمَة.
وَأنْشد بعده وَهُوَ وَهُوَ من شَوَاهِد س: فِي لجةٍ أمسك فلَانا عَن فل على أَن فَلَا مِمَّا يخْتَص بالنداء وَقد اسْتَعْملهُ الشَّاعِر فِي الضَّرُورَة غير منادى.
قَالَ صَاحب اللّبَاب: ووزنه فعل تَقْديرا والذاهب مِنْهُ الْوَاو فَيكون أَصله فَلَو كفسق فَذَهَبت الْوَاو تَخْفِيفًا. وَذَلِكَ لِأَن الِاسْم المتمكن لَا يكون على حرفين فَلَا بُد من تَقْدِير حرف ثَالِث وحرف الْعلَّة أولى لِكَثْرَة دوره وَالْوَاو أولى لِأَن بَنَات الْوَاو أَكثر.
стр. 858
وَهَذَا الْبَيْت من أرجوزة طَوِيلَة لأبي النَّجْم الْعجلِيّ وصف فِيهَا أَشْيَاء كَثِيرَة أَولهَا:
(الْحَمد لله الْعلي الأجلل ... الْوَاسِع الْفضل الوهوب المجزل)
(أعْطى فَلم يبخل وَلم يبخل ... كوم الذرى من خول المخول)
(تبقلت من أول التبقل ... بَين رماحي مالكٍ ونهشل)
يدْفع عَنْهَا الْعِزّ جهل الْجَهْل إِلَى أَن قَالَ:
(وَقد جعلنَا فِي وضين الأحبل ... جوز خفافٍ قلبه مثقل)
(أخزم لَا قوقٍ وَلَا حزنبل ... موثق الْأَعْلَى أَمِين الْأَسْفَل)
إِلَى أَن قَالَ:
(وصدرت بعد أصيل الْموصل ... تمشي من الرِّدَّة مشي الحفل)
مشي الروايا بالمزاد الأثقل إِلَى أَن قَالَ:
(تثير أيديها عجاج القسطل ... إِذْ عصبت بالعطن المغربل)
(تدافع الشيب وَلم تقتل ... فِي لجةٍ أمسك فلَانا عَن فل)
стр. 859
وَمِنْهَا فِي صفة الرَّاعِي:)
(تفلي لَهُ الرّيح وَلما يفتل ... لمة قفرٍ كشعاع السنبل)
(يَأْتِي لَهَا من أيمنٍ وأشمل ... وبدلت والدهر ذُو تبدل)
هيفاً دبوراً بالصبا والشمأل وَهِي طَوِيلَة جدا.
قَالَ الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني: ورد أَبُو النَّجْم على هِشَام بن عبد الْملك فِي الشُّعَرَاء فَقَالَ لَهُم هِشَام: صفوا لي إبِلا فقطروها وأوردوها وأصدروها حَتَّى كَأَنِّي أنظر إِلَيْهَا. فأنشدوه. .
وَأنْشد أَبُو النَّجْم هَذِه الأرجوزة بديهة.
وَكَانَ أسْرع النَّاس بديهة. قَالَ الْأَصْمَعِي: أَخْبرنِي عمي قَالَ أَخْبرنِي ابْن بنت أبي النَّجْم قَالَ: قَالَ جدي أَبُو النَّجْم: نظمت هَذِه الأرجوزة فِي قدر مَا يمشي الْإِنْسَان من مَسْجِد الْأَشْيَاخ إِلَى مَسْجِد حَاتِم الجزار وَمِقْدَار مَا بَينهمَا غلوة سهم أَي مِقْدَار رمية.
وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: أنْشد أَبُو النَّجْم هَذِه الأرجوزة هِشَام بن عبد الْملك وَهِي أَجود أرجوزة للْعَرَب وَهِشَام يصفق بيدَيْهِ اسْتِحْسَانًا لَهَا حَتَّى إِذا بلغ قَوْله فِي صفة الشَّمْس: ...
стр. 860
(حَتَّى إِذا الشَّمْس جلاها المجتلي ... بَين سماطي شفقٍ مرعبل)
(صغواء قد كَادَت وَلما تفعل ... فَهِيَ على الْأُفق كعين الْأَحول)
أَمر بوجء رقبته وإخراجه. وَكَانَ هِشَام أَحول ا. هـ.
وَقَوله: الْحَمد لله الْعلي الأجلل أوردهُ عُلَمَاء البلاغة على أَن الأجلل
بفك الْإِدْغَام مِمَّا يخل بالفصاحة والفصيح الْأَجَل وَهُوَ الْقيَاس.
وَأوردهُ ابْن هِشَام أَيْضا فِي آخر الأوضح على أَن فك الْإِدْغَام فِيهِ للضَّرُورَة مَعَ أَن الْإِدْغَام وَاجِب فِي مثله. وَرَوَاهُ سِيبَوَيْهٍ: الْحَمد لله الوهوب المجزل وأنشده على أَن حذف الْيَاء الْمُتَّصِلَة بِحرف الروي جَائِز على ضعف تَشْبِيها لَهَا فِي الْحَذف بياء الْوَصْل الزَّائِدَة للترنم كَمَا فِي قَوْله المجزل وَنَحْوه. . وَكَأن هَذِه الرِّوَايَة مركبة من بَيْتَيْنِ. والمجزل: من أجزل لَهُ فِي الْعَطاء: إِذا أوسعه. وَالْبخل عِنْد الْعَرَب: منع السَّائِل مِمَّا يفضل عِنْده وَفعله من بَاب تَعب وَقرب. وبخله بِالتَّشْدِيدِ: إِذا نسبه إِلَى الْبُخْل وَأما أبخله بِالْهَمْز فَمَعْنَاه وجده بَخِيلًا. وكوم الذرى: مفعول أعْطى وَهُوَ جمع كوماء بِالْفَتْح وَالْمدّ وَهِي النَّاقة الْعَظِيمَة السنام. وذرى الشَّيْء بِالضَّمِّ أعاليه جمع ذرْوَة بِالْكَسْرِ وَالضَّم أَيْضا وَهِي أَعلَى السنام أَيْضا. والخول بِفتْحَتَيْنِ: الْعَطِيَّة. والمخول)
اسْم فَاعل: الْمُعْطِي. فِي الْعباب: الخول: الْعَطِيَّة وَقَوله تَعَالَى: وتركتم مَا خولناكم أَي: أعطيناكم وملكناكم. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَقَوله: تبقلت. . الخ البقل: كل نَبَات اخضرت لَهُ الأَرْض. وتبقلت النَّاقة مثلا وابتقلت: رعت
стр. 861
البقل. وَمَالك هُوَ ابْن ضبيعة بن قيس من هوزان. ونهشل هُوَ أَبُو دارم قَبيلَة من ربيعَة.
قَالَ الْأَصْفَهَانِي فِي الأغاني: وَكَانَ سَبَب ذكر هَاتين القبيلتين أَعنِي بني مَالك ونهشل: أَن دِمَاء كَانَت بَين بني دارم وَبني نهشل وحروباً فِي بِلَادهمْ فتجافى جَمِيعهم الرَّعْي فِيمَا بَين فلج والصمان مَخَافَة الشَّرّ حَتَّى عَفا كلؤه وَطَالَ. فَذكر: أَن بني عجل جَاءَت لعزها إِلَى ذَلِك الْموضع فرعته وَلم تخف رماح هذَيْن الْحَيَّيْنِ. ففخر بِهِ أَبُو النَّجْم ا. هـ. وفلج بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون اللَّام وَآخره جِيم. والصمان بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمِيم قَالَ الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم: فلج: مَوضِع فِي بِلَاد
مَازِن وَهُوَ فِي طَرِيق الْبَصْرَة إِلَى مَكَّة وَفِيه منَازِل للحجاج. وَقَالَ الزّجاج: فلج بَين الرحيل إِلَى المجازة وَهُوَ ماءٌ لَهُم. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: لما قتل عمرَان بن خُنَيْس السَّعْدِيّ رجلَيْنِ من بني نهشل بن دارم اتهاماً بأَخيه الْمَقْتُول فِي بغاء إبِله نشأت بَين بني سعد بن مَالك وَبَين بني نهشل حربٌ تحامى النَّاس من أجلهَا مَا بَين فلج والصمان وَهُوَ على وزن فعلان: جبل يخرج من الْبَصْرَة على طَرِيق الْمُنْكَدر لمن أَرَادَ مَكَّة.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي فِي نوادره: كَانَ رجل من عنزة دَعَا رؤبة بن العجاج فأطعمه وسقاه فَأَنْشد فخره على ربيعَة فسَاء ذَلِك الْعَنزي
стр. 862
فَقَالَ لغلامه سرا: اركب فرسي وجئني بِأبي النَّجْم.
فجَاء بِهِ وَعَلِيهِ جُبَّة خَز وَبت فِي غير سَرَاوِيل. فَدخل واكل وَشرب. ثمَّ قَالَ الْعَنزي: أنشدنا يَا أَبَا النَّجْم ورؤبة لَا يعرفهُ فانتحى فِي قَوْله: الْحَمد لله الوهوب المجزل ينشدها حَتَّى بلغ:
(تبقلت من أول التبقل ... بَين رماحي مالكٍ ونهشل)
فَقَالَ لَهُ رؤبة: إِن نَهْشَلَا من مَالك يَرْحَمك الله فَقَالَ: يَا ابْن أخي الكمر أشباه الكمر إِنَّه لَيْسَ مَالك بن حَنْظَلَة إِنَّه مَالك بن ضبيعة فخزي رؤبة وحيي من غَلَبَة أبي النَّجْم لَهُ. . ثمَّ وَاسْتشْهدَ صَاحب الْكَشَّاف بقوله:)
بَين رماحي مالكٍ ونهشل عِنْد قَوْله تَعَالَى: اثْنَتَيْ عشرَة أسباطاً على جمع الأسباط مَعَ أَن مُمَيّز مَا عدا الْعشْرَة لَا يكون إِلَّا مُفردا. لِأَن المُرَاد بالأسباط الْقَبِيلَة وَلَو قيل: سبطاً
لأوهم أَن الْمَجْمُوع قَبيلَة وَاحِدَة فَوضع أسباطاً مَوضِع قَبيلَة كَمَا وضع أَبُو النَّجْم رماحاً وَهُوَ جمع مَوضِع جماعتين من الرماح وَثني على تَأْوِيل: رماح هَذِه الْقَبِيلَة ورماح هَذِه الْقَبِيلَة. فَالْمُرَاد: لكل فَرد من أَفْرَاد هَذِه التَّثْنِيَة جمَاعَة كَمَا أَن لكل فَرد من أَفْرَاد هَذَا الْجمع وَهُوَ أَسْبَاط قَبيلَة. . وفاعل تبقلت ضمير كوم الذرى.
زعم بعض شرَّاح شَوَاهِد التَّفْسِير: أَن هَذَا الْبَيْت
стр. 863
فِي وصف رمكة مرتاضة اعتادت ممارسة الحروب حَتَّى تحسب أَرض الْحَرْب رَوْضَة تتبقل فِيهَا. وَلَا يخفى أَن هَذَا كَلَام من لم يقف على سِيَاق هَذَا الْبَيْت وَلَا سباقه. مَعَ أَن هَذَا الزاعم أورد غَالب الأرجوزة وَلم يتفهم الْمَعْنى.
وَقَوله: يدْفع عَنْهَا الْعِزّ. . الخ الْعِزّ: فَاعل يدْفع وَهُوَ بِمَعْنى الْقُوَّة والمنعة وَجَهل الْجَهْل: مَفْعُوله أَي: سفاهة السُّفَهَاء وَضمير عَنْهَا رَاجع إِلَى كوم الذرى.
وَقَوله: وَقد جعلنَا فِي وضين. . الخ هَذَا فِي وصف بعير السانية والْوَضِين: نسعٌ عريض كالحزام يعْمل من أَدَم قَالَ الْجَوْهَرِي: الْوَضِين للهودج بِمَنْزِلَة البطان للقتب والتصدير للرحل والحزام للسرج وهما كالنسع إِلَّا أَنَّهُمَا من السيور إِذا نسج بعضه على بعض. . تَقول: وضنت النسع أضنه وضناً: إِذا نسجته. والأحبل: جمع حَبل. والْجَوْز بِفَتْح الْجِيم وَآخره زَاي مُعْجمَة. مفعول جعلنَا وَجوز كل شَيْء: وَسطه. والْخفاف بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الفاءين بِمَعْنى خَفِيف وَهُوَ منون وَقَلبه فَاعل خفاف وَهُوَ صفة لموصوف مَحْذُوف أَي: بعير خفاف. والمثقل: الثقيل صفة ثَانِيَة. يُرِيد: شددنا الْوَضِين فِي وسط بعير خَفِيف الْقلب ذكي من ثقل بدنه وضخامته. والأحزم: خلاف الأهضم وَهُوَ أَن يكون مَوضِع حزامه عَظِيما وَهُوَ صفة ثَالِثَة. والقوق بِضَم الْقَاف الأولى: الْفَاحِش الطول وَهُوَ صفة رَابِعَة. والحزنبل بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْمُوَحدَة: الْقصير.
وَقَوله: موثق الْأَعْلَى. . الخ بِالْجَرِّ صفة خَامِسَة وَأَرَادَ بالأعلى ظَهره
وبالأسفل بَطْنه وأَمِين بِمَعْنى مَأْمُون صفة سادسة. وَقَوله: أقب. . الخ
стр. 864
مجرور بالفتحة صفة سابعة و)
وَمن عَليّ يكْتب بِالْيَاءِ وَلَيْسَت الكسرة فِي اللَّام كسرة إِعْرَاب أَلا ترى أَنه معرفَة وَلَيْسَ بنكرة.
أَلا ترى أَن مَعْنَاهُ وكويته فَوق نواظره أَو النواظر مِنْهُ فَهُوَ إِذن معرفَة لِأَنَّهُ يُرِيد بِهِ شَيْئا مَخْصُوصًا فَهُوَ إِذن كَقَوْل أَوْس:
(فَملك بالليط الَّذِي تَحت قشره ... كغرقئ بيضٍ كنه القيض من عل)
أَي: من أَعْلَاهُ وَقَالَ الشنفرى:
(إِذا وَردت أصدرتها ثمَّ إِنَّهَا ... تثوب فتأتي من تحيت وَمن عل)
وَإِنَّمَا تعرب عل إِذا كَانَت نكرَة كَقَوْلِهِم فِي النكرَة: من فوقٍ وَمن علٍ إِذا لم
ترد أمرا مَعْلُوما.
فَقَوله: فَوق النواظر من علٍ علٍ مِنْهُ كشج وعمٍ ووزنه فعل وَالْيَاء فِيهِ لَام الْفِعْل والكسرة فِي اللَّام قبلهَا ككسرة الضَّاد من قَاض. فاعرف ذَلِك. وَفِيه عشر لُغَات: أَتَيْته من علٍ وَمن عل وَمن عَليّ وَمن علا وَمن علو وَمن علو وَمن علو وَمن علوٍ وَمن عالٍ وَمن معالٍ.
وَمثله سَوَاء قَول الْعجلِيّ:
стр. 865
أقب من تَحت عريضٍ من عَليّ أَرَادَ من أَعْلَاهُ. أَلا ترَاهُ قرنه بالمعرفة المبنية وَهِي تَحت فعلي إِذن معرفَة فَهُوَ كشج وكسرة لامه ككسرة زَاي غاز والكلمة مَبْنِيَّة على الضَّم وَفِي الْيَاء تَقْدِير ضمة الْبناء. فبيت ربيعَة كجلمود صَخْر حطه السَّيْل من عل قَالَ ابْن جني: عل فِيهِ نكرَة أَلا ترى أَنه لَا يُرِيد من أَعلَى شَيْء
مَخْصُوص فالكسرة إِذن فِي لَام علٍ كسرة إِعْرَاب ككسرة دَال يدٍ وَمِيم دم ا. هـ. كَلَام ابْن جني مُخْتَصرا.
وَقد قرر ابْن هِشَام أَيْضا فِي الْمُغنِي: أَن عل مَتى أُرِيد بِهِ الْمعرفَة كَانَ مَبْنِيا على الضَّم تَشْبِيها بالغايات كَمَا فِي قَوْله: أرمض من تَحت وأضحى من عِلّة وَالْهَاء للسكت قَالَ: إِذْ المُرَاد فوقية مُعينَة لَا فوقية مُطلقَة. وَالْمعْنَى: أَنه تصيبه الرمضاء من تَحْتَهُ وحر الشَّمْس من فَوْقه. وَمثله قَول الآخر يصف فرسا: أقب من تَحت عريض من عل ا. هـ)
وَقد أَشَارَ بقوله: وَمثله يصف فرسا إِلَى أَن ضمة الْبناء فِي عل إِمَّا ملفوظة كَمَا فِي قَوْله: وأضحى من عله وَإِمَّا مقدرَة كَمَا فِي قَول أبي النَّجْم:
стр. 866
عريض من عل فَلَا يرد الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أنْشدهُ بِالْبِنَاءِ على الضَّم والقوافي كلهَا مجرورة. لَكِن يبْقى عَلَيْهِ أَن الْبَيْت فِي وصف بعير السانية لَا فِي وصف فرس. فَتَأمل وأنصف.
قَوْله: معاود كرة. . الخ معاود: اسْم مفعول وَهُوَ بِالْجَرِّ صفة تاسعة أَي: يُعَاد عَلَيْهِ مرَارًا قَول أقبل على الْبِئْر إِذا تفرعت الدَّلْو أدبر عَنْهَا إِذا امْتَلَأت. وكرة: بِالرَّفْع نَائِب فَاعل معاود وَهُوَ مُضَاف لما بعده.
وَقَوله: تمشى من الرِّدَّة فِي الصِّحَاح: وَالرِّدَّة بِالْكَسْرِ: امتلاء الضَّرع من اللَّبن قبل النِّتَاج عَن الْأَصْمَعِي. وَأنْشد لأبي النَّجْم تمشي من الرِّدَّة. . الْبَيْت ا. هـ.
وَيجوز أَن تكون مصدر قَوْلك رده يردهُ ردا وردة وَالرِّدَّة الِاسْم من الارتداد.
وَقَالَ ابْن السيرافي فِي شرح أَبْيَات إصْلَاح الْمنطق: يصف إبِلا قد أكثرت من شرب المَاء فأثقلها الرّيّ وَالرِّدَّة ترَاد فِي أجوافها يُقَال: أردْت فَهِيَ مرد. إِذا انتفخت من المَاء أَو انتفخ ضرْعهَا من غير لبن. يَقُول: تمشي من كَثْرَة شرب المَاء كمشي الَّتِي أثقلها كَثْرَة مَا فِي ضرْعهَا. والحافل: الَّتِي اجْتمع فِي ضرْعهَا اللَّبن ا. هـ. ومشي: مصدر مَنْصُوب أَي: مشياً كمشي الحفل وَهُوَ جمع حافل من حفل اللَّبن فِي الضَّرع: إِذا اجْتمع. والروايا: جمع رِوَايَة من روى الْبَعِير المَاء: حمله فَهُوَ راويةٌ الْهَاء فِيهِ للْمُبَالَغَة ثمَّ أطلقت الرِّوَايَة على كل دَابَّة يستقى المَاء عَلَيْهَا. والمزاد: جمع مزادة وَهِي الراوية الَّتِي تعْمل من جُلُود.
وَقَوله: تثير أيديها. . الخ الضَّمِير إِلَى كوم الذرى. والقسطل بِالْقَافِ الْغُبَار والعجاج: مَا ارْتَفع مِنْهُ. وعصبت بِالْعينِ وَالصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ قَالَ فِي الصِّحَاح: وعصبت الْإِبِل بِالْمَاءِ: إِذا دارت بِهِ. قَالَ الْفراء: عصبت الْإِبِل وعصبت بِالْكَسْرِ: إِذا اجْتمعت. والعطن بِفتْحَتَيْنِ: مبرك الْإِبِل عِنْد المَاء لتشرب عللاً بعد نهل فَإِذا
стр. 867
استوفت ردَّتْ إِلَى المرعى. والمغربل: المنخول أَي: أَن تُرَاب العطن كَأَنَّهُ منخول لِكَثْرَة مَا انسحق مِنْهُ لشدَّة الْحَرَكَة.
وَقَوله: تدافع الشيب مصدر تشبيهي وعامله مَحْذُوف وَهُوَ مَعْطُوف على عصبت أَي: اجْتمعت وتدافعت تدافعاً كتدافع الشُّيُوخ والشيب بِالْكَسْرِ جمع أشيب وَهُوَ الشَّيْخ. وَقَوله:)
وَقَوله: أمسك فلَانا. الخ هُوَ على إِضْمَار القَوْل أَي: فِي لجة يُقَال فِيهَا: أمسك. . الخ. قَالَ اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل تبعا لِابْنِ السَّيِّد: شبه تزاحمها ومدافعة بَعْضهَا بَعْضًا بقومٍ شُيُوخ فِي لجة وَشر يدْفع بَعضهم بَعْضًا فَيُقَال:
أمسك فلَانا عَن فلَان أَي: احجز بَينهم. وَخص الشُّيُوخ لِأَن الشَّبَاب فيهم التسرع إِلَى الْقِتَال. فَلذَلِك قَالَ: تدافع الشيب. . الخ. أَي: هِيَ فِي تزاحم وَلَا تقَاتل كالشيوخ. وَقد غفل عَن هَذَا الْمَعْنى الأعلم الشنتمري فِي شرح أَبْيَات س فَقَالَ: إِن مَعْنَاهُ خُذ هَذَا بِدَم هَذَا وَأسر هَذَا بِهَذَا هَذَا كَلَامه وَكَأَنَّهُ لم ينظر إِلَى مَا قبله من الأبيان. وأعجب مِنْهُ قَول ابْن السَّيِّد فِيمَا كتبه على هَذَا الْكتاب فِي شرح بَيت الشَّاهِد: إِن مَعْنَاهُ: قد كثر أصوات الرُّعَاة يَقُول بَعضهم لبَعض: أمسك الْبَعِير الْفُلَانِيّ عَن الْبَعِير الْفُلَانِيّ لِئَلَّا يضرّهُ.
стр. 868
هَذَا كَلَامه مَعَ أَنه سطر مَا قبله من الأبيات وَشَرحهَا من شرح اللّبَاب للفالي.
وَقَوله: تفلى لَهُ الرّيح. . الخ الفلي: مصدر فليت رَأسه من بَاب رمى. إِذا نقيته من الْقمل وافتلى هُوَ: إِذا نقاه ويفتل: مجزوم بلما مَحْذُوف الْيَاء من آخِره يُرِيد: أَن الرّيح تهب على رَأسه فَتفرق شعره كَأَنَّهَا تفليه وَهُوَ لم يفتل شعره لشعثه وَقلة تعهده نَفسه. واللمة بِكَسْر اللَّام: الشّعْر الَّذِي يلم بالمنكب أَي: يقرب مِنْهُ وَهُوَ مفعول تفلي على التَّنَازُع. والقفر بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْفَاء وَأَصله بِالْكَسْرِ: وصفٌ من قفر زيدٌ من بَاب فَرح: إِذا قل لَحْمه. وشعاع السنبل بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة: سفاه وَقد أشع الزَّرْع: أخرج شعاعه وأسفى الزَّرْع: إِذا خشن أَطْرَاف سنبله. والسنبل هُنَا سنبل الْحِنْطَة وَالشعِير وَنَحْوهمَا شبه شعره المنتفش بشوك سنبل الزَّرْع.
وَقَوله: يَأْتِي لَهَا. . الخ فَاعل يَأْتِي ضمير الرَّاعِي وَضمير لَهَا لكوم الذرى قَالَ صَاحب الصِّحَاح: أَي: يعرض لَهَا من نَاحيَة الْيَمين وناحية الشمَال. وَذهب إِلَى معنى أَيمن الْإِبِل وأشملها فَجمع لذَلِك ا. هـ.
وَأوردهُ سِيبَوَيْهٍ على أَن الشَّاعِر لما جر أيمناً وأشملاً بِمن أخرجهُمَا عَن الظَّرْفِيَّة. وَزعم الأعلم)
الشنتمري أَن هَذَا الْبَيْت فِي وصف ظليم ونعامة قَالَ: يَعْنِي:
كلما أسرعت إِلَى أدحيها وَهُوَ مبيضها عرض لَهَا يَمِينا وَشمَالًا مزعجاً لَهَا وَهَذَا كَمَا ترى لَا أصل لَهُ. وَقَوله: وبدلت والدهر ذُو تبدل. . الخ نَائِب الْفَاعِل ضمير الرّيح والهيف بِفَتْح الْهَاء مثل الهوف بضَمهَا: ريح حارة تَأتي من الْيمن وَهِي النكباء الَّتِي تجْرِي بَين الْجنُوب وَالدبور من تَحت مجْرى سُهَيْل. وَالصبَا: ريح ومهبها المستوي أَي تهب من مَوضِع مطلع
стр. 869
الشَّمْس إِذا اسْتَوَى اللَّيْل وَالنَّهَار. والدبور: الرّيح الَّتِي تقَابل الصِّبَا. والشمَال بِسُكُون الْمِيم وَفتح الْهمزَة بعْدهَا: الرّيح الَّتِي تقَابل الْجنُوب.
فَكَانَ الْوَاجِب أَن يُقَابل الشمَال بالجنوب. لكنه لضَرُورَة النّظم أَقَامَ الهيف مقَام الْجنُوب لقربها من الْجنُوب. وَفِيه لف وَنشر غير مُرَتّب أَي: بدلت الرّيح فَجَاءَت الدبور بدل الصِّبَا وَجَاءَت الهيف أَي: الْجنُوب بدل الشمَال. فَفِيهِ دُخُول الْبَاء على الْمَتْرُوك وَهُوَ الْمَشْهُور وَسمع خِلَافه أَيْضا. وَأوردهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي على أَن جملَة: والدهر ذُو تبدل مُعْتَرضَة بَين الْفِعْل ومفعوله للتَّأْكِيد والتسديد.
وَقَوله: بَين سماطي شفق مرعبل السماط بِالْكَسْرِ: الصَّفّ والجانب والسماطان من النَّاس وَالنَّخْل: الجانبان يُقَال: مَشى بَين السماطين وَأنْشد القصيدة بَين السماطين. والمرعبل: المقطع.
وَرُوِيَ بدله مهول. وصغواء بالغين الْمُعْجَمَة من صغت النُّجُوم إِذا مَالَتْ للغروب. وَقَوله: قد كَادَت أَي: قاربت الشَّمْس أَن تغيب وَلم تغب بِالْفِعْلِ.
روى صَاحب الأغاني: أَن أَبَا النَّجْم لما بلغ ذكر الشَّمْس فَقَالَ: وَهِي على الْأُفق كعين. . وَأَرَادَ أَن يَقُول: الْأَحول فَذكر حول هِشَام فَلم يتم الْبَيْت وأرتج عَلَيْهِ. فَقَالَ هِشَام: أجز. فَقَالَ: كعين الْأَحول. فَأمر هِشَام بِإِخْرَاجِهِ من الرصافة وَيُقَال: لَهَا رصافة هِشَام وَهِي مَدِينَة فِي غربي
стр. 870
الرقة بَينهمَا أَرْبَعَة
فراسخ على طرف الْبَريَّة بناها هِشَام لما وَقع الطَّاعُون بِالشَّام وَكَانَ يسكنهَا فِي الصَّيف وَكَانَت قبل من بِنَاء الْمُلُوك الغسانيين ثمَّ قَالَ لصَاحب شرطته: إياك وَأَن أرى هَذَا فَكلم وُجُوه النَّاس صَاحب الشرطة أَن يقره. فَفعل. فَكَانَ يُصِيب من فضول أَطْعِمَة النَّاس ويأوي بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسَاجِد. .
قَالَ أَبُو النَّجْم: وَلم يكن فِي الرصافة أحدٌ يضيف إِلَّا سليم بن كيسَان الْكَلْبِيّ وَعَمْرو بن بسطَام الثَّعْلَبِيّ فَكنت أتغدى عِنْد سليم وأتعشى عِنْد عَمْرو وَآتِي الْمَسْجِد فأبيت فِيهِ. فأغتم هشامٌ لَيْلَة وَأَرَادَ مُحدثا يحدثه فَقَالَ لخادمٍ لَهُ: أبغني مُحدثا أَعْرَابِيًا أهوج شَاعِرًا يروي الشّعْر. فَخرج)
الْحَاجِب إِلَى الْمَسْجِد فَإِذا هُوَ بِأبي النَّجْم فَضَربهُ بِرجلِهِ وَقَالَ لَهُ: قُم أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَقَالَ: أَنا أَعْرَابِي غَرِيب. قَالَ: إياك أبغي فها تروي الشّعْر قَالَ: نعم وأقوله.
فَأقبل بِهِ حَتَّى أدخلهُ الْقصر وأغلق الْبَاب فأيقن بِالشَّرِّ ثمَّ مضى فَأدْخلهُ على هِشَام فِي بَيت صَغِير بَينه وَبَين أَهله ستر رَقِيق والشمع بَين يَدَيْهِ يزهر. قَالَ: فَلَمَّا دخلت قَالَ لي: أَبُو النَّجْم قلت: نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ طريدك. قَالَ: اجْلِسْ. فَسَأَلَنِي وَقَالَ: أَيْن كنت تأوي فَأَخْبَرته الْخَبَر. قَالَ: وَمَالك من الْوَلَد وَالْمَال قلت: أما المَال فَلَا مَال لي وَأما الْوَلَد فلي ثَلَاث بَنَات وَبني يُقَال لَهُ: شيان بِفَتْح الشين وَتَشْديد الْيَاء الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة قَالَ: هَل أخرجت من بناتك قلت: نعم زوجت اثْنَتَيْنِ وَبقيت وَاحِدَة تجمز
стр. 871
فِي أَبْيَاتنَا كَأَنَّهَا نعَامَة قَالَ: وَمَا وصيت بِهِ الأولى وَكَانَت تسمى برة قَالَ:
(أوصيت من برة قلباً حرا ... بالكلب خيرا والحماة شرا)
(لَا تسأمي ضربا لَهَا وجراً ... حَتَّى ترى حُلْو الْحَيَاة مرا)
(وَإِن كستك ذَهَبا ودرا ... والحي عميهم بشر طرا)
فَضَحِك هِشَام وَقَالَ: فَمَا قلت فِي الْأُخْرَى قَالَ: قلت:
(سبي الحماة وابهتي عَلَيْهَا ... وَإِن دنت فازلفي إِلَيْهَا)
(وقعدي كفيك فِي صدغيها ... لَا تُخْبِرِي الدَّهْر بِذَاكَ ابنيها)
فَضَحِك هِشَام حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه وَسقط على قَفاهُ وَقَالَ: وَيحك مَا هَذِه وَصِيَّة يَعْقُوب لوَلَده قَالَ: وَلَا أَنا كيعقوب يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ: فَمَا قلت فِي الثَّالِثَة قَالَ: قلت:
(أوصيك يَا بِنْتي فَإِنِّي ذَاهِب ... أوصيك أَن يحمدك الْأَقَارِب)
(وَالْجَار والضيف الْكَرِيم الساغب ... وَيرجع الْمِسْكِين وَهُوَ خائب)
(وَلَا تني أظفارك السلاهب ... لَهُنَّ فِي وَجه الحماة كَاتب)
وَالزَّوْج إِن الزَّوْج بئس الصاحب قَالَ: فَأَي شَيْء قلت فِي تَأْخِير تَزْوِيجهَا قَالَ: قلت: ...
стр. 872
(كَأَن ظلامة أُخْت شيان ... يتيمةٌ ووالدها حَيَّان)
(الْجيد مِنْهَا عطلٌ والآذان ... وَلَيْسَ للرجلين إِلَّا خيطان)
(وقصةٌ قد شيطتها النيرَان ... تِلْكَ الَّتِي يضْحك مِنْهَا الشَّيْطَان))
فَضَحِك هِشَام وضحكت النِّسَاء لضحكه وَقَالَ للخصي: كم بَقِي من نَفَقَتك قَالَ: ثلثمِائة دِينَار. قَالَ: أعْطه إِيَّاهَا يَجْعَلهَا فِي رجْلي ظلامة مَكَان الْخَيْطَيْنِ.
وَتَقَدَّمت تَرْجَمَة أبي النَّجْم فِي الشَّاهِد السَّابِع فِي أَوَائِل الْكتاب. الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَة)
(أَطُوف مَا أَطُوف ثمَّ آوي ... إِلَى بَيت قعيدته لكاع)
على أَن لكاع مِمَّا يخْتَص بالنداء وَقد اسْتعْمل فِي غير النداء ضَرُورَة.
قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: يُقَال فِي النداء للئيم يَا لكع وللأنثى يَا لكاع لِأَنَّهُ مَوضِع معرفَة. فَإِن لم ترد أَن تعدله عَن جِهَته قلت للرجل: يَا ألكع وللأنثى يَا لكعاء. وَهَذَا مَوضِع لَا تقع فِي النكرَة.
وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث:
стр. 873
لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى يَلِي أُمُور النَّاس لكع بن لكع. فَهَذَا كِنَايَة عَن اللَّئِيم ابْن اللَّئِيم. وَهَذَا بِمَنْزِلَة عمر ينْصَرف فِي النكرَة وَلَا ينْصَرف فِي الْمعرفَة. ولكاع مَبْنِيّ على الْكسر. وَقد اضْطر الحطيئة فَذكر لكاع فِي غير النداء فَقَالَ يهجو امْرَأَته: أَطُوف مَا أَطُوف. ثمَّ آوي. . الْبَيْت وقعيدة الْبَيْت: ربة الْبَيْت وصاحبته. وَإِنَّمَا قيل: قعيدة لقعودها وملازمتها.
قَالَ الْمَدَائِنِي فِي كتاب النِّسَاء الفوارك إِن امْرَأَة الحطيئة نشزت عَلَيْهِ وَسَأَلته الْفرْقَة فَقَالَ: أجول مَا أجول ثمَّ آوي. . الْبَيْت قَالَ المرزوقي فِي شرح فصيح ثَعْلَب: هَذَا الْبناء يُرَاد بِهِ الْمُبَالغَة. وَمعنى لكاع:
المتناهية فِي اللؤم. وَالْفِعْل مِنْهُ لكعت لكعاً ولكاعا وَهِي لكعاء وملكعانة. وَالْأَصْل فِي اللكع: الْوَسخ. ومَا مَعَ مَا بعْدهَا فِي تَأْوِيل الْمصدر الَّذِي يُرَاد بِهِ الزَّمَان وَالتَّقْدِير: أَطُوف مُدَّة تطويفي.
وَأورد ابْن عقيل فِي شرح الألفية هَذَا الْبَيْت شَاهدا على وصل المصدرية بالمضارع الْمُثبت وَهُوَ قَلِيل وَالْكثير وَصلهَا بالمضارع الْمَنْفِيّ أَو الْمَاضِي.
وَمعنى الْبَيْت: أَطُوف نهاري كُله فِي طلب الرزق فَإِذا أويت عِنْد اللَّيْل فَإِنَّمَا آوي إِلَى بيتٍ قِيمَته الْقَاعِدَة فِيهِ لئيمة.
والمصراع الأول مَأْخُوذ من قَول قيس بن زُهَيْر بن جذيمة: ...
стр. 874
(وأطوف مَا أَطُوف ثمَّ آوي ... إِلَى جارٍ كجار أبي دواد)
وَأَبُو دواد هُوَ أَبُو دواد الْإِيَادِي الشَّاعِر الْمَشْهُور. وجاره: كَعْب بن مامة الْإِيَادِي الْجواد)
الْمَشْهُور. وَقيل بل هُوَ الْحَارِث بن همام بن مرّة وَكَانَ أسر أَبَا دوادٍ وناساً من قومه فَأَطْلَقَهُمْ وَأكْرم أَبَا دواد وَأَجَارَهُ فمدحه أَبُو دواد وَأَعْطَاهُ وَحلف أَن لَا يذهب لَهُ شَيْء إِلَّا أخلفه لَهُ.
وَيُقَال: إِن ولد أبي دواد لعب مَعَ صبيان فِي غَدِير فغمسوه فَمَاتَ فَقَالَ الْحَارِث: لَا يبْقى صبيٌ فِي الْحَيّ إِلَّا غرق فودى ابْنه بديات كَثِيرَة. وآوي: مضارع آوى إِلَى منزله من بَاب ضرب أوياً: إِذا أَقَامَ بِهِ وانضم ولجأ إِلَيْهِ. وَمعنى وَهَذَا بَيت مفردٌ هجا بِهِ امْرَأَته كَمَا ذكرنَا.
والحطيئة اسْمه: جَرْوَل بن أَوْس بن مَالك بن جؤية بن مَخْزُوم بن مَالك ابْن غَالب بن قطيعة بِالتَّصْغِيرِ بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد ابْن قيس بن عيلان بن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان وكنيته أَبُو مليكَة بِالتَّصْغِيرِ. وَاخْتلف فِي تلقيبه بالحطيئة بِضَم الْحَاء وَفتح الطَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة وَبعدهَا همزَة فَقيل: لقب بذلك لقصره وقربه من الأَرْض فِي الصِّحَاح: والحطيئة: الرجل الْقصير قَالَ ثَعْلَب: وَسمي الحطيئة لدمامته. وَقيل: لِأَنَّهُ ضرط بَين قوم فَقيل لَهُ: هَذَا فَقَالَ حطيئة يُقَال حطأ: إِذا ضرط. وَقيل: لِأَنَّهُ كَانَ محطوء الرجل وَالرجل المحطوءة: الَّتِي لَا أَخْمص لَهَا.
стр. 875
وَهُوَ أحد فحول الشُّعَرَاء متصرف فِي فنون الشّعْر: من المديح والهجاء وَالْفَخْر والنسيب.
وَكَانَ سَفِيها شريراً. ينتسب إِلَى الْقَبَائِل وَكَانَ إِذا غضب على قَبيلَة انْتَمَى إِلَى أُخْرَى.
قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: كَانَ الحطيئة مغموز النّسَب وَكَانَ من أَوْلَاد الزِّنَى الَّذين شرفوا. وَكَانَ أَوْس بن مَالك الْعَبْسِي تزوج بنت رَبَاح بن عَوْف الشَّيْبَانِيّ وَكَانَت لَهَا أمة يُقَال لَهَا: الصراء فأعقلها أَوْس. وَكَانَ لبِنْت رَبَاح أخٌ يُقَال لَهُ: الأفقم فَلَمَّا ولدت الصراء جَاءَت بِهِ شَبِيها بالأفقم. فَقَالَت مولاتها: من أَيْن لَك هَذَا الصَّبِي قَالَت: من أَخِيك وهابت أَن تَقول: من زَوجك ثمَّ مَاتَ الأفقم وَترك ابْنَيْنِ من حرَّة وَتزَوج الصراء رجلٌ من عبس فَولدت لَهُ ابْنَيْنِ فَكَانَا أخوي الحطيئة من أمه. وأعتقت بنت رَبَاح الحطيئة وربته فَكَانَ كَأَنَّهُ أحدهم ثمَّ اعْترفت أمه بِأَنَّهُ من أَوْس.
وَترك الأفقم نخيلاً بِالْيَمَامَةِ فَأتى الحطيئة أَخَوَيْهِ من أَوْس فَقَالَ لَهُم: أفردوا لي من مالكم قِطْعَة.
فَقَالَا: لَا وَلَكِن أقِم مَعنا نواسك. فهجاهما. وَسَأَلَ أمه: من أَبوهُ فخلطت عَلَيْهِ فَغَضب عَلَيْهَا وهجاها وَلحق
بإخوته. من بني الأفقم وَنزل عَلَيْهِم فِي الْقرْيَة وَقَالَ يمدحهم:
(إِن الْقرْيَة خير ساكنها ... أهل الْقرْيَة من بني ذهل))
стр. 876
(الضامنون لمَال جارهم ... حَتَّى يتم نواهض البقل)
(قومٌ إِذا انتسبوا ففرعهم ... فرعي وَأثبت أصلهم أُصَلِّي)
وسألهم مِيرَاثه من الأفقم فَأَعْطوهُ نخيلات فَلم تقنعه. فَسَأَلَهُمْ مِيرَاثه كَامِلا فَلم يعطوه شَيْئا.
فَغَضب عَلَيْهِم وهجاهم ثمَّ عَاد إِلَى بني عبس وانتسب إِلَى أَوْس بن مَالك.
قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَكَانَ الحطيئة راوية زُهَيْر. وَكَانَ جاهلياً إسلامياً. وَلَا أرَاهُ أسلم إِلَّا بعد وَفَاة رَسُول الله ﷺ َ لِأَنِّي لم أجد لَهُ ذكرا فِيمَن وَفد عَلَيْهِ من وُفُود الْعَرَب غير أَنِّي وجدته فِي خلَافَة أبي بكر ﵁ يَقُول:
(أَطعْنَا رَسُول الله إِذْ كَانَ حَاضرا ... فيا لهفتي مَا بَال دين أبي بكر)
وَقَالَ ابْن حجر فِي الْإِصَابَة: كَانَ أسلم فِي عهد النَّبِي ﷺ َ ثمَّ ارْتَدَّ ثمَّ أسر وَعَاد إِلَى الْإِسْلَام.
وروى ابْن أخي الْأَصْمَعِي عَن عَمه قَالَ: كَانَ الحطيئة جشعاً سؤولاً ملحفاً دنيء النَّفس كثير الشَّرّ بَخِيلًا قَبِيح المنظر رث الْهَيْئَة مغموز النّسَب فَاسد الدَّين وَمَا تشَاء أَن تَقول فِي شعر شَاعِر عَيْبا إِلَّا وجدته وقلما تَجِد ذَلِك فِي شعره.
стр. 877
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: التمس الحطيئة ذَات يَوْم إنْسَانا يهجوه فَلم يجده وضاق ذَلِك
عَلَيْهِ فَجعل يَقُول:
(أَبَت شفتاي الْيَوْم إِلَّا تكلما ... بسوءٍ فَمَا ادري لمن أَنا قَائِله)
وَجعل يهدر بذا الْبَيْت فِي أشداقه وَلَا يرى إنْسَانا إِذْ اطلع فِي حَوْض فَرَأى وَجهه فَقَالَ:
(أرى لي وَجها شوه الله وَجهه ... فقبح من وجهٍ وقبح حامله)
وَكَانَ الْكَلْب بن كنيس تزوج الصراء أم الحطيئة فهجاه وهجا أمه فَقَالَ:
(وَلَقَد رَأَيْتُك فِي النِّسَاء فسؤتني ... وَأَبا بنيك فساءني فِي الْمجْلس)
فِي أَبْيَات.
وَقَالَ يهجو أمه:
(فقد ملكت أَمر بنيك حَتَّى ... تَركتهم أدق من الطحين)
(لسَانك مبردٌ لَا عيب فِيهِ ... ودرك در جاذبةٍ دَهِين)
وَقَالَ يهجوها أَيْضا:)
(تنحي فاجلسي مني بَعيدا ... أراح الله مِنْك العالمينا)
(أغربالاً إِذا اسْتوْدعت سرا ... وكانوناً على المتحدثينا)
(حياتك مَا علمت حَيَاة سوءٍ ... وموتك قد يسر الصالحينا)
стр. 878
. وَقَالَ فِي هجاء أَبِيه وَعَمه وخاله:
(لحاك الله ثمَّ لحاك حَقًا ... أَبَا ولحاك من عَم وخال)
(فَنعم الشَّيْخ أَنْت لَدَى المخازي ... وَبئسَ الشَّيْخ أَنْت لَدَى الْمَعَالِي)
(جمعت اللؤم لَا حياك رَبِّي ... وأبواب السفاهة والضلال)
قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَدخل الحطيئة على عتيبة بن النهاس الْعجلِيّ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: مَا أَنا فِي عمل فأعطيك من غدده وَمَا فِي مَالِي فضلٌ عَن قومِي. فَلَمَّا خرج قَالَ لَهُ رجل من قومه: أتعرفه قَالَ: لَا قَالَ: هَذَا الحطيئة فَأمر برده فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: إِنَّك لم تسلم تَسْلِيم الْإِسْلَام وَلَا استأنست استئناس الْجَار وَلَا رَحبَتْ ترحيب ابْن الْعم. قَالَ: هُوَ ذَلِك. قَالَ: اجْلِسْ فلك
(وَمن يَجْعَل الْمَعْرُوف من دون عرضه ... يفره وَمن لايتق الشتم يشْتم)
قَالَ: ثمَّ من قَالَ: أَنا فَقَالَ عتيبة لغلامه: اذْهَبْ بِهِ إِلَى السُّوق فَلَا يشيرن إِلَى شَيْء إِلَّا اشْتَرَيْته لَهُ. فَانْطَلق بِهِ الْغُلَام فَجعل يعرض عَلَيْهِ الْحبرَة واليمنة وَبَيَاض مصر وَهُوَ يُشِير إِلَى الكرابيس والأكسية الْغِلَاظ. فَاشْترى لَهُ بِمِائَتي دِرْهَم وأوقر رَاحِلَته برا وَتَمْرًا فَقَالَ لَهُ الْغُلَام: هَل من حاجةٍ غير هَذَا قَالَ: لَا حسبي قَالَ: إِنَّه قد أَمرنِي أَن لَا أجعَل لَك عِلّة
стр. 879
فِيمَا تُرِيدُ.
قَالَ: لَا حَاجَة بِي أَن يكون لهَذَا يدٌ على قومِي أَكثر من هَذِه. . ثمَّ ذهب فَقَالَ:
(سُئِلت فَلم تبخل وَلم تعط طائلاً ... فسيان لَا ذمٌ عَلَيْك وَلَا حمد)
(وَأَنت امرؤٌ لَا الْجُود مِنْك سجيةٌ ... فنعطي وَقد يعدي على النائل الوجد)
وأتى الحطيئة كَعْب بن زُهَيْر فَقَالَ لَهُ: قد علمت روايتي لكم وانقطاعي إِلَيْكُم وَقد ذهب الفحول غَيْرِي وَغَيْرك فَلَو قلت شعرًا تبدأ فِيهِ بِنَفْسِك ثمَّ تثني بِي فَإِن النَّاس لأشعاركم أروى.
فَقَالَ كَعْب:
(فَمن للقوافي شانها من يحوكها ... إِذا مَا ثوى كعبٌ وَفَوْز جَرْوَل)
(نقُول وَلَا نعيا بِشَيْء نقُوله ... وَمن قائليها من يسيء وَيعْمل))
وَفِي الأغاني عَن جمَاعَة: أَن الحطيئة لما حَضرته الْوَفَاة اجْتمع إِلَيْهِ قومه فَقَالُوا: أوص يَا أَبَا مليكَة. قَالَ: ويلٌ للشعر من راوية السوء قَالُوا: أوص يَرْحَمك الله قَالَ: من الَّذِي يَقُول:
(إِذا نبض الرامون عَنْهَا ترنمت ... ترنم ثَكْلَى أوجعتها الْجَنَائِز)
قَالُوا: الشماخ. قَالَ: أبلغوا غطفان أَنه أشعر الْعَرَب قَالُوا: وَيحك أهذه وَصِيَّة أوص بِمَا ينفعك قَالَ: أبلغوا أهل ضابئ أَنه شَاعِر حَيْثُ يَقُول:
(لكل جديدٍ لذةٌ غير أنني ... وجدت جَدِيد الْمَوْت غير لذيذ)
стр. 880
قَالُوا: أوص وَيحك بِغَيْر ذَا. قَالَ: أبلغوا أهل امْرِئ الْقَيْس أَنه أشعر
الْعَرَب حَيْثُ يَقُول:
(فيا لَك من ليلٍ كَأَن نجومه ... بِكُل مغار الفتل شدت بيذبل)
قَالُوا: اتَّقِ الله ودع عَنْك هَذَا قَالَ: أبلغوا الْأَنْصَار أَن صَاحبهمْ أشعر الْعَرَب حَيْثُ يَقُول:
(يغشون حَتَّى مَا تهر كلابهم ... لَا يسْأَلُون عَن السوَاد الْمقبل)
قَالُوا: إِن هَذَا لَا يُغني عَنْك شَيْئا فَقل غير مَا أَنْت فِيهِ. فَقَالَ:
(الشّعْر صعبٌ وطويلٌ سلمه ... إِذا ارْتقى فِيهِ الَّذِي لَا يُعلمهُ)
(زلت بِهِ إِلَى الحضيض قدمه ... يُرِيد أَن يعربه فيعجمه)
قَالُوا: هَذَا مثل الَّذِي أَنْت فِيهِ. فَقَالَ: فوردت نَفسِي وَمَا كَادَت ترد
قَالُوا: يَا أَبَا مليكَة أَلَك حَاجَة قَالَ: لَا وَالله وَلَكِن أجزع على المديح الْجيد يمدح بِهِ من لَيْسَ لَهُ أَهلا. قَالُوا: فَمن أشعر النَّاس فَأَوْمأ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ وَقَالَ: هَذَا اللِّسَان إِذا طمع فِي خير. واستعبر باكياً. قَالُوا لَهُ: قل: لَا إِلَه إِلَّا الله. فَقَالَ:
следующие страницы →