← Акыда

Акыда · id 1274

إحياء الآثار دراسة عقدية

منيرة المقوشي

Полный текст (616 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقضاء حوائجهم بالنذر لها، وهي من بين عيون، وشجر، وحائط، وحجر (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (ت: ٧٢٨ هـ): كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ وسائر السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، يذهبون من المدينة إلى مكة حجاجًا وعمارًا ومسافرين، ولم ينقل عن أحد منهم أنه تحرى الصلاة في مصليات النبي ﷺ ، ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحبًّا لكانوا إليه أسبق، فإنهم أعلم بسُنَّته، وأتبع لها من غيرهم (٢). وقال ﵀: فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها، ولم يستحب الشارع قصدها، فهو من المنكرات، وبعضه أشد من بعض، سواء قصدها ليصلي عندها، أو ليدعوا عندها … (٣). وقال ﵀: وأصل دين المسلمين: أنه لا تختص بقعة بقصد العبادة فيها إلا المساجد خاصة، وما عليه المشركون وأهل الكتاب، من تعظيم بقاع للعبادة غير المساجد كما كانوا في الجاهلية يعظمون حراء، ونحوه من البقاع فهو مما جاء الإسلام بمحوه وإزالته ونسخه (٤). وقال ﵀: ولم يشرع الله تعالى للمسلمين مكانًا يقصد للصلاة إلا المسجد، ولا مكان يقصد للعبادة إلا المشاعر، فمشاعر الحج كعرفة ومزدلفة ومنى تقصد بالذكر والدعاء والتكبير لا الصلاة، بخلاف المساجد، فإنها هي التي تقصد للصلاة، وما ثم مكان يقصد بعينه إلا المساجد والمشاعر، وفيها الصلاة والنسك … وما سوى ذلك من البقاع فإنه لا يستحب قصد بقعة بعينها للصلاة ولا الدعاء ولا الذكر إذ لم يأت في شرع الله ورسوله قصدها لذلك، وإن كان مسكنًا لنبي أو منزلاً أو ممرًّا. فإن الدين أصله متابعة النبي ﷺ وموافقته بفعل ما أمرنا به وشرعه لنا

стр. 107

وسنَّه لنا، ونقتدي به في أفعاله التي شرع لنا الاقتداء به فيها (١). وقال ﵀: وأما زيارة المساجد التي بنيت بمكة غير المسجد الحرام؛ كالمسجد الذي تحت الصفا، وما في سفح أبي قبيس ونحو ذلك من المساجد التي بنيت على آثار النبي ﷺ وأصحابه كمسجد المولد وغيره، فليس قصد شيء من ذلك من السُّنَّة ولا استحبه أحد من الأئمة … ، وكذلك قصد الجبال والبقاع التي حول مكة غير المشاعر عرفة ومزدلفة ومنى مثل جبل حراء والجبل الذي عند منى الذي يقال: إنه كان فيه قبة الفداء ونحو ذلك، فإنه ليس من سُنَّة رسول الله ﷺ زيارة شيء من ذلك بل هو بدعة. وكذلك ما يوجد في الطرقات من المساجد المبنية على الآثار والبقاع التي يقال: إنها من الآثار؛ لم يشرع النبي ﷺ زيارة شيء من ذلك بخصوصه، ولا زيارة شيء من ذلك (٢). وقال ﵀: وأما صعود الجبل الذي هناك [عرفة] فليس من السُّنَّة ويسمى جبل الرحمة ويقال له: إلال على وزن هلال، وكذلك القبة التي فوقه التي يقال لها: قبة آدم لا يستحب دخولها ولا الصلاة فيها. والطواف بها من الكبائر، وكذلك المساجد التي عند الجمرات لا يستحب دخول شيء منها ولا الصلاة فيها. وأما الطواف بها أو بالصخرة أو بحجرة النبي ﷺ وما كان غير البيت العتيق فهو من أعظم البدع المحرمة (٣). وقال ﵀: ألا ترى أن متابعة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في أعمالهم، أنفع وأولى من متابعتهم في مساكنهم ورؤية آثارهم (٤). وقال الإمام ابن قيم الجوزية ﵀ (ت: ٧٥١ هـ): عمّى الصحابة ﵃ بأمر عمر بن الخطاب ﵁ قبرَ دانيال، وأخفاه عن

стр. 108

الناس، ولما بلغه أن الناس ينتابون الشجرة التي بايع تحتها رسول الله ﷺ أصحابه، أرسل فقطعها … ؛ لأن الناس كانوا يذهبون فيصلُّون تحتها، فخاف عليهم الفتنة. فإذا كان هذا فعل عمر ﵁ بالشجرة التي ذكرها الله في القرآن، وبايع تحتها الصحابةُ ﵃ رسول الله ﷺ فماذا حكمه فيما عداها (١). وقال الإمام الشاطبي ﵀ (ت: ٧٩٠ هـ): وقد كان مالك ﵀ يكره كل بدعة وإن كانت في خير. وجميع هذا ذريعة لئلا يتخذ سُنَّة ما ليس بسُنَّة، أو يعد مشروعًا ما ليس معروفًا. وقد كان مالك ﵀ يكره المجيء إلى بيت المقدس؛ خيفة أن يتخذ ذلك سُنَّة، وكان يكره مجيء قبور الشهداء، ويكره مجيء قباء؛ خوفًا من ذلك، مع ما جاء في الآثار من الترغيب فيه، ولكن؛ لما خاف العلماء عاقبة ذلك؛ تركوه … وسئل ابن كنانة ﵀ عن الآثار التي تركوا بالمدينة، فقال: أثبت ما في ذلك عندنا قباء، إلا أن مالكًا كان يكره مجيئها، خوفًا من أن يتخذ سُنَّة. فهذه أمور جائزة أو مندوب إليها، ولكنهم كرهوا فعلها خوفًا من البدعة؛ لأن اتخاذها سُنَّة إنما هو بأن يواظب الناس عليها مظهرين لها، وهذا شأن السُّنَّة، وإذا جرت مجرى السنن؛ صارت من البدع بلا شك (٢). وقال ولي الله الدهلوي ﵀ (ت: ١١٧٦ هـ): كان أهل الجاهلية يقصدون مواضع معظمة بزعمهم يزورونها، ويتبركون بها، وفيه من التحريف والفساد ما لا يخفى. فَسَدّ النبي ﷺ الفساد لئلا يلتحق غير الشعائر بالشعائر، ولئلا يصير ذريعة لعبادة غير الله، والحق عندي أن القبر، ومحل عبادة ولي من أولياء الله،

стр. 109

والطور، كل ذلك سواء في النهي والله أعلم (١). وقال العلامة سليمان بن عبد الله ﵀ (ت: ١٢٣٣ هـ): المنع من تتبع آثار الأنبياء والصالحين كقبورهم ومجالسهم، ومواضع صلاتهم للصلاة، والدعاء عندها، فإن ذلك من البدع، أنكره السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم (٢). وقال الأمير العالم محمد صديق خان القنوجي ﵀ (ت: ١٣٠٧ هـ): في معرض حديثه عن الجبال التي بمكة: ليست زيارة شيء من هذه الجبال بسُنَّة (٣). وقال المحدّث محمد ناصر الدين الألباني ﵀ (ت: ١٤٢٠ هـ): وما رجحناه من المنع إنما هو في المواضع التي صلى فيها رسول الله ﷺ اتفاقًا، وأما الأماكن التي كان ﷺ يقصدها للصلاة والدعاء عندها فقصدها من أجل ذلك سُنَّة اقتداء به ﷺ ، ثم إن ذلك المنع إذ لم يقترن به شد رحل، وأما إذا اقترن به ذلك فهو ممنوع قطعًا (٤). وقال العلامة صالح الفوزان حفظه الله: النبي ﷺ حرم كل الوسائل التي تُفضي إلى الشرك، من تعظيم الآثار التي تتمثل بتعظيم البيوت التي تنسب إليه ﷺ وأهل بيته وأصحابه ﵃ فلم يحافظ عليها، ولا أمر بالمحافظة عليها. ولما سئل عام الفتح: أتنزل في دارك غدًا قال: «وهل ترك لنا عقيل (٥) من رباع أو دور». لأنه باعها، ولم يأمر النبي ﷺ باسترجاعها والمحافظة عليها؛ بل تركها

стр. 110

تباع وتشترى ويُسكن فيها حسب الحاجة (١). وقال: الأمة ليست بحاجة إلى إحياء آثار ترابية، وإنما هي بحاجة إلى إحياء السُّنَّة النبوية (٢). تلك هي نماذج لنهي السلف الصالح ومنعهم بأقوالهم وأفعالهم عن إحياء آثار مقامات النبي ﷺ المكانية بالزيارة قصد التعبّد والتقرب إلى الله تعالى. أما عن حكمها من جهة إحياء المسلم آثار مقامات النبي ﷺ المكانية الثابتة بالزيارة على غير وجه التعبد؛ وإنما للاطلاع والمشاهدة: اختلف العلماء في حكم زيارة آثار مقامات النبي ﷺ المكانية الثابتة عنه ﷺ للاطلاع، أو المشاهدة، على غير وجه القربة والتعبد، وبدون شد الرحال إليها، على قولين: القول الأول: بالمنع، واستدلوا بما يلي: الدليل الأول: أن في زيارتها ذريعة للبدع، ووسيلة للشرك؛ لأن النفوس ضعيفة ومجبولة على التعلّق بما تظن أنه ينفعها. مناقشة الدليل: تكون الزيارة ذريعة للبدع، ووسيلة للشرك إذا قُصدت تلك المواضع للتعبد. الدليل الثاني: أنه لم يكن من عمل الصحابة ﵃ زيارة تلك الآثار، ومن هنا خفيت كثير من تلك المعالم بعد زمن يسير، وعلى ذلك سار علماء الأمة في عصورها الأُول. كما جاء عن الإمام مالك بن أنس، وعلماء المدينة، وسفيان الثوري ووكيع وغيرهم، أنهم كانوا يكرهون إتيان تلك المساجد، والمجيء إلى بيت المقدس، وإلى قبور الشهداء، وتلك الآثار للنبي ﷺ ما عدا قُباء، مع ما

стр. 111

جاء في الآثار من الترغيب فيه، ولكن لما خاف العلماء عاقبة ذلك؛ تركوه (١)، خشية أن يتخذ ذلك سُنَّة، وتكون زيارتها عيدًا (٢). وأيضًا كرهوا طلب موضع الشجرة التي بويع تحتها بيعة الرضوان، خشية التشبه باليهود والنصارى (٣). مناقشة الدليل: كراهة الزيارة هنا؛ خشية أن تكون سُنَّة، وتُتخذ عيدًا، فإذا لم يواظب المسلم على زيارتها بشكل مستمر على أوقات متكررة فإنه يخرج عن الكراهة. وأما التشبه بأهل الكتاب فلا يكون إلا إذا حصل تعظيم لذلك الأثر، وقربة له، فإذا لم يحصل التعظيم، ولا القربة، لم يحصل التشبه بأهل الكتاب. الدليل الثالث: إنكار الصحابة ﵃ على من قصد زيارة جبل الطور (٤): ١ فقد أنكر ابن عمر ﵄ على قزعة ﵀ عندما أراد الذهاب لجبل الطور، فقال له ابن عمر ﵄: أما علمت أن النبي ﷺ قال: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ النبي ﷺ ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى»، ودع عنك الطور فلا تأته (٥). ٢ وأنكر أبو بصرة ﵁ على أبي هريرة سفره إلى الطور، فلما لقيه وهو مقبل من الطور فقال: لو لقيتك قبل أن تأتيه لم تأته، إني سمعت

стр. 112

رسول الله ﷺ يقول: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هذا، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى» (١). ففهم أبو بصرة ﵁: أن النهي يشمل المواطن الفاضلة كالطور، ويستثني المساجد الثلاثة، وأقّره على ذلك أبو هريرة ﵁ (٢). مناقشة الدليل: ورد الإنكار؛ لأن فيه شدّ رحال، وقصد المكان بالسفر إلى المواضع المباركة. القول الثاني: بالإباحة، واستدلوا بما يلي: الدليل الأول: ورد عن النبي ﷺ أنه صعد أُحدًا هو وأبو بكر وعمر وعثمان ﵃ فرجف بهم فقال: «اثْبُتْ أُحُدُ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ، وَصِدِّيقٌ، وَشَهِيدَانِ» (٣). مناقشة الدليل: صعوده ﷺ للجبل ليس لكونه موضع من مواضع السيرة، وإنما أراد ﷺ النشاط والحركة، فصعد الجبل، بدلالة أنه ﷺ لم يزر غار ثور ولا شجرة البيعة مع كونهما مذكورين بالقرآن، فهما أولى بالزيارة من غيرهما، ومع ذلك لم يزرهما (٤). الدليل الثاني: ورد عن النبي ﷺ أنه نزل بالصحابة على الحجر، أرض ثمود، وقال ﷺ : «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلاَّ أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، لا يُصِيبُكُمْ ما أَصَابَهُمْ» (٥).

стр. 113

مناقشة الدليل: لم ينزل النبي ﷺ على ديار ثمود، وإنما جاءت في طريقه، وهو في غزوة تبوك، ولم يقصدها ﷺ بالزيارة، فمرّ عليها مسرعًا (١)، ونهى الصحابة ﵃ عن دخول ديار المعذبين إلا أن يكونوا باكين أو متباكين؛ خشية أن يصيب الزائرين ما أصاب المعذبين (٢). الدليل الثالث: أن زيارة هذه الأماكن على غير وجه العبادة لا يوجد دليل صحيح صريح في منعه. مناقشة الدليل: عدم وجود دليل يوجب المنع، ليس حجة على جوازه وإباحته، فقد يكون من السنن التركية، التي انتفى مانعها، مع توفر دواعيها ووسائلها (٣). الترجيح: الذي يظهر والله أعلم أن الراجح في حكم إحياء آثار مقامات النبي ﷺ المكانية الثابتة، بالزيارة؛ للاطلاع والمشاهدة: هو الجواز إلا أنه يُمنع إذا لم يتقيّد الزائر بشروط وضوابط تُجنبه وقوع المحذور (٤). إذ إن الأصل جواز الأفعال غير المُتعبد بها، بالإضافة إلى أنه لا توجد أدلة تمنع إحياءها بالزيارة، ولا أدلة ترغب بإحيائها؛ لكونها زيارة دنيوية لا دينية.

стр. 114

ولكن لارتباط هذه الأماكن بمواضع النبي ﷺ ، إلا أن زيارتها وإن كانت دنيوية، فقد ينحرف عن مقصود الزائر دون أن يشعر إلى اعتقاد فضل الأثر، واستشعار هيبة المكان، وكله لا شك من إغواء الشيطان. والقول بجواز هذه الزيارة مقيّد ببعض الشروط والضوابط فمن أهم الشروط والضوابط التي يجب على الزائر، التقيد بها: ١ أن لا يشد الرحال إليها (١). ٢ أن لا تُتخذ عيدًا، ولا يفرط ولا يكثر الزيارة بشكل مستمر ولا يواظب على أوقات متكررة (٢). ٣ أن لا يقصد زيارة المساجد والمواضع التي صلى فيها النبي ﷺ ، باستثناء المساجد الأربعة المشروعة (٣). ٤ أن لا يقصد ويحدد الزيارة في تواريخ معينة توافق تواريخ المعارك والحوادث الواقعة في ذلك المكان؛ لأنه بذلك أصبح ذريعة لاتخاذه عيدًا زمانيًّا ومكانيًّا (٤). ٥ أن لا ينوي الزائر بزيارة الآثار التقرب إلى الله (٥)، وأن لا يتعبّد بالقول أو بالفعل. ٦ أن لا يتعلق قلب الزائر بالأثر، ولا يستشعر عظمة ذات المكان (٦). ٧ أن لا يعتقد وجود أثر من آثار النبي ﷺ في المكان. ٨ أن تؤمَن الفتنة، بأن لا يكون هناك مظاهر شركية محرمة، أو تكون زيارته في أيام زيارات أهل البدع؛ فلا يجوز للزائر أن يشاركهم في هذا

стр. 115

الشر؛ لأنهم يظنون أنه معهم، ويكثّر سوادهم، إلا إذا كان يذهب قاصدًا نصحهم، وأما أن يذهب ولا ينصح، فهذا يأثم، وسلامة الدين مقدمة على هذا القصد (١). وقد أشار فضيلة الشيخ العلامة صالح الفوزان حفظه الله إلى قصد زيارة مقامات النبي ﷺ ؛ لأجل الاعتبار والاتعاظ بقوله: أما إذا كان النظر إليها لأجل الاعتبار والاتعاظ فقط من غير تبرك بها أو اعتقاد نفعها وضرّها، فهذا له وجه، ولكن دون أن يصبح ذلك عادة دائمة في أوقات محددة، ودون الاعتقاد بنفعها وضرّها وبالتالي تصبح مقدّسة، وذلك بأن يُجعل لهذه الأماكن حراسة ويُجعل لها مظاهر، هذا لا يجوز؛ لأنَّ هذا يؤول إلى تعظيمها والاعتقاد بنفعها وضرّها فما بقي من هذه الآثار فإنه يُترك على حاله، والنظر إليه يكون من باب الاتعاظ والاعتبار فقط: جائز، لا من باب التبرك، وطلب النفع من أصحابها، والاستغاثة بهم (٢). والأفضل للمسلم أن لا يقصدها بعينها وينشئ السير لها؛ بل تكون تلك المقامات في طريقه مع التقيد بالشروط السابق ذكرها. والواقع للأسف الشديد يحكي ما هو حاصل عند تلك الآثار الثابتة والمزيفة، من البدع والشركيات، فضلاً عن التقيّد بالشروط السابق ذكرها. حكم إحياء آثار مقامات النبي ﷺ بالعناية، والاهتمام، وتذليل الوصول إليها بالترميم والتحسين والتهيئة: لا يشرع إحياء آثار مقامات النبي ﷺ بالتهيئة، والتحسين والعناية، وتذليل الوصول إليها؛ لمخالفة هذا الفعل للسُّنَّة، وللتشبه بالكفار، وكذلك يمنع من باب سدّ الذريعة المفضية إلى الشرك، ولا شك أن من أصول الشريعة حماية جناب التوحيد، وسدّ الطرق المفضية إلى الشرك والبدع (٣).

стр. 116

فدعوى إحياء آثار مقامات النبي ﷺ بالعناية، والاهتمام، وتذليل الوصول إليها بالترميم والتحسين والتهيئة، دعوى مُحدثة، ومبادرة خبيثة. إذ إن أعظم الظلم الشرك بالله ﷻ وهو مقصد نهى عنه الشارع وعن ما يفضي إليه من وسائل؛ لأن الوسائل لها حكم المقاصد. وتهيئة الأثر وتذليل الوصول إليه، وسيلة تفضي إلى المحرمات من البدع والشركيات، فسد الذريعة يُعمل بها عند قوة إفضاء الذريعة إلى الممنوع شرعًا (١). حتى إذا فُرض وتقرر وجود المصلحة الاقتصادية، كرفع الدخل المادي الذي يعود نفعه على المسلمين، وأن الشرع حضّ على جلب المصالح؛ فقواعد المصالح كلها تقتضي المنع. فالممارسات الشركية والمخالفات البدعية من التعظيم والغلو عند تلك الآثار، حاصل ومُشاهد، بالرغم من أن أغلب الآثار لم تُهيأ ولم تلقَ أي اهتمام. فإذا حصلت الاستجابة لدعوى الاهتمام والتهيئة وتذليل الوصول إليها؛ فإنه ستزداد هذه الظاهرة سوءًا، وستقع الأجيال القادمة في أمور لا تُحمد عقباها. وفي قصة قوم نوح ﵇ وإحيائهم آثار رجال صالحين العظة البالغة، والعبرة الواضحة، والحجة الدامغة لمن طالب بإحياء أماكن وبقاع لم يثبت شرعًا إحياؤها.

стр. 117

وللتأكيد على عدم مشروعية إحياء آثار مقامات النبي ﷺ بالتهيئة وتذليل الوصول إليها، سأذكر أبرز أوجه التحريم فيما يلي: ١ ثبوت النهي استنادًا على أمر الخليفة الراشد، أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، بإزالة المعالم الدالة على تلك الآثار مع قرب العهد النبوي، فقد ثبت: أ أنه ﵁ أمر بقطع شجرة بيعة الرضوان؛ سدًّا للذريعة المفضية إلى الشرك (١)، وهو كما جاء في الأثر الثابت عن الإمام نافع ﵀: أن عمر ﵁ لما بلغه أن ناسًا يأتون الشجرة التي بويع تحتها، فأمر بها فقطعت (٢)، فإذا كان هذا فعل عمر ﵁ بالشجرة التي جاء ذكرها في القرآن، وبايع تحتها رسول الله ﷺ الصحابة ﵃ فماذا سيكون حكم ما عداها؟ (٣). ب أنه ﵁ أمر بتعمية قبر دانيال ﵇، وأن يُخفى عن الناس، وأن تدفن الرقعة التي وُجدت معه (٤). كما جاء في الأثر الصحيح ما رواه أبو خلدة خالد بن دينار، قال: حدثنا أبو العالية قال:

стр. 118

لما فتحنا تَسْتُر، وجدنا في بيت مال الهرمزان (١) سريرًا عليه رجل ميت، عند رأسه مصحف له، فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر بن الخطاب ﵁ … ، … قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرًا متفرقة، فلما كان الليل دفناه، وسوينا القبور كلها، لنعميّه على الناس، لا ينبشونه. قلت: وما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حُبستْ عليهم، برزوا بسريره فيُمْطَرُون. قلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له: دانيال. فقلت: منذ كم وجدتموه مات؟ قال: منذ ثلاثمائة سنة (٢). قلت: ما كان تغير بشيء؟ قال: لا، إلا شعيرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض، ولا تأكلها السباع (٣). فأمرُ أميرِ المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بقطع الشجرة، وتعمية قبر دانيال ﵇، دليل على وجوب إزالة الآثار التي يُخشى افتتان الناس بها أو قد يحصل الاغترار بها. فلما اجتمعت القرائن بفعله ﵁، ولم يخالفه الصحابة ﵃ في ذلك، ولم ينكروا عليه ﵁ (٤)، عُلم أن عدم إحيائها من باب أولى.

стр. 119

فسدّ الذريعة أصل عظيم، وموجبه قائم، ومنه انطلق الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ والأئمة بعده (١). ٢ أنه ليس من هدي السلف الصالح إحياء تلك الآثار بالتهيئة والعناية والاهتمام، فلو كان إحياؤها مما يحبه الله ﷻ ويرضاه لحث على إحيائها، ولأمر رسول الله ﷺ الصحابة بالعناية بها، وقام الصحابة بها حق قيام، امتثالاً لأوامر الله ﷻ ورسوله ﷺ ؛ لأنهم أعلم الناس بشريعة الله، وأحبهم لرسول الله ﷺ ؛ فلما لم يقع شيء من ذلك، بدليل خفاء كثير من المواضع، عُلم أنه أمر مبتدع، ليس من الدين بل هو من المحدثات، التي لا أصل لها في الشرع؛ بل إنها من أعظم الوسائل التي تفضي إلى الشرك الأصغر وسرعان ما يصل للأكبر. وقد حذّر رسول الله ﷺ أصحابه ﵃ من وسائل الشرك، فنهى عن البناء على القبور واتخاذ المساجد والسُرج (٢)؛ فالقبور داخلة من باب أولى بالآثار؛ بل هي من أعظم الآثار، فإذا فُتح الباب لإحياء الآثار دخل في ذلك إحياء القبور، والناس لا يقفون عند حدّ؛ بل هم أحرص على الغلو في القبور من الغلو في غيرها (٣). ٣ أن إحياء آثار مقامات النبي ﷺ بالتهيئة والعناية وتذليل الوصول إليها، يُعدّ من تعظيمها، وهذا يُفضي إلى اتخاذها أوثانًا تعبد من دون الله (٤)، ولو على المدى البعيد؛ لأنه بإحيائها تمهيدًا لذلك شئنا أم أبينا سيأتي جيل جاهل يزين لهم الشيطان عبادة تلك الآثار المهيأة كما حصل بقوم نوح ﵇ (٥). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فإنَّ تعظيم مكانٍ لم يعظِّمه الشَّرع

стр. 120

شرٌّ من تعظيم زمان لم يعظِّمْه؛ فإنَّ تعظيم الأجسام بالعبادة عندها أقْرب إلى عبادة الأوثان من تعظيم الزمان (١). ٤ أن فيه تشبهًا باليهود والنصارى في تعظيمهم لآثار أنبيائهم وعظمائهم، وتقديسهم واهتمامهم بالأماكن والآثار المتعلقة بهم، حتى أنهم من غلوهم اتخذوا آثارهم مساجد ومعابد ومزارات (٢). ٥ أن كثيرًا من تلك المواقع التي زعموا أنها من مقامات النبي ﷺ لم تثبت، ومن أبرزها مكان مولد النبي ﷺ (٣)؛ لأنهم يعتمدون على الظنون والأوهام، والتناقضات في المسميات، في تحديد وتعيين المعالم والجهات (٤). ٦ إذا فُرض أن بإحياء آثار المقامات بالتهيئة وتذليل الوصول إليها، وجود مصلحة اقتصادية، كرفع الدخل المادي الذي يعود نفعه على المسلمين، والشرع حضّ على جلب المصالح. فنقول: إن قواعد المصالح كلها تقتضي المنع، ودونك البيان: ١ إذا تزاحمت المصالح قُدّم أعلاها؛ فإن مصلحة حفظ الدين، أعلى من المصالح الدنيوية (٥). ٢ إذا تعارضت المصلحة والمفسدة، قُدّم أرجحهما، ولا شك أن الراجح هو تحقق المفسدة، فتُمنع المصلحة حتى لا تتحقق المفسدة (٦). ٣ درء المفسدة مقدّم على جلب المصلحة، وتهيئة الأثر مفسدة عليا، ورفع الدخل المادي مصلحة دنيا (٧).

стр. 121

فإذا تزاحمت المصالح قُدّمت المصلحة العليا، وإذا تعارضت المفسدة والمصلحة قُدّم درء المفسدة على جلب المصلحة. ٧ أيضًا لو تقرر أن في تهيئة آثار مقامات النبي ﷺ وتذليل الوصول إليها، خصوصًا الآثار الوعرة كالجبال، والغيران وغيرهما: حفظ للنفس من الأذى، والشريعة فرضت قواعد الحفظ ومنها النفس. أقول: لا شك أن حفظ النفس من مقاصد الشريعة، ولكن ضرورة حفظ الدين أولى وأعلى رتبة، وحفظها مقدّم ومعتبر على ضرورة حفظ النفس (١). يتلخص مما سبق ذكره من أوجه تحريم إحياء آثار مقامات النبي ﷺ بالتهيئة والعناية، ما يلي: ١ ليس من هدي السلف الصالح، وإنما هو بدعة محدثة. ٢ يمنع سدًّا للذريعة المفضية إلى الشرك. ٣ تشبه باليهود والنصارى. ٤ إذا تزاحمت المصالح، فمصلحة الدين مقدّمة على كل مصلحة. ٥ إذا تعارضت المصلحة والمفسدة، فدرء المفسدة العليا مقدّم على جلب المصلحة الدنيا. ٦ ضرورة حفظ الدين مقدّمة على كل شيء. ومما يؤكد عدم مشروعية إحياء آثار مقامات النبي ﷺ الردود العلمية للأئمة والعلماء، والجهود العملية في التصدي لتلك المبادرات التي تدعو إلى إحياء آثار مقامات النبي ﷺ المكانية بالتهيئة والترميم وتذليل الوصول إليها، فهناك جملة من العلماء المتأخرين الذين تصدوا لهذه الدعاوى وألفوا الرسائل وأفردوا المقالات لذلك (٢).

стр. 122

ومن جهود علماء التوحيد العملية في إزالة مظاهر الشرك وهدمها، كما حصل ببلاد إفريقية، عين تُسمى عين العافية، وكان العامة قد افتتنوا بها، يأتونها من الآفاق، فمن تعذّر عليه نكاحٌ أو ولد قال: امضُوا بي إلى العافية، فتعرف فيها الفتنة، فخرج بعض أهل العلم في السَّحَر فهدمها، وأذّن للصبح عليها، ثم قال: اللَّهُمَّ إني هدمتها لك، فلا ترفع لها رأسًا (١). قال الحافظ أبو شامة ﵀: فما رُفع لها رأس إلى الآن (٢). وقد كان بدمشق كثير من هذه الأنصاب، فيسّر الله سبحانه كسرها على يد شيخ الإسلام ابن تيمية وحزب الله الموحِّدين كالعامود المخَلّق، والنُّصْب الذي كان بمسجد النارنج عند المصلى يعبده الجهال، والنُّصْب الذي كان تحت الطاحون، الذي عند مقابر النصارى، ينتابه الناس للتبرك به، وكان صورة صنم في نهر القَلّوط ينذرون له ويتبركون به، وقطع الله سبحانه النُصْب الذي كان عند الرّحَبة يُسْرَج عنده، ويتبرك به المشركون، وكان عمودًا طويلاً

стр. 123

على رأسه حجر كالكُرة، وعند مسجد درب الحجر نُصْب قد بُني عليه مسجد صغير، يعبده المشركون، يسَّر الله كَسْرَهُ. فما أسرع أهل الشرك إلى اتخاذ الأوثان من دون الله، ولو كانت ما كانت! (١). وقد أقام الله في آخر القرن الثاني عشر من الهجرة النبوية، من جدد به دين الإسلام، وإخلاص العبادة لله وحده بعد اندراسه، وهو: الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ فنصر الله به الدين القويم، فأزال الله به الشرك، وعبادة الأوثان من أرض نجد، من الكفر والطغيان، ويسر الله كسر تلك الأوثان على يده، وأيدي أتباعه من الموحدين، وحزب الله المفلحين. وكان قبل ذلك في كل أرض وبلد من أرض نجد، أوثان وأشجار تعبد من دون الله، وينذر لها ويذبح لها القربان، ويعظمونها أعظم من تعظيم الله، كقبر زيد بن الخطاب ﵁ في الجبيلة وكشجرة في قريوة في بلد الدرعية، وشجرة أخرى لأهل الطرفية، وغار يقال له: غار بنت الأمير في أسفل بلد الدرعية، وقبر يقال له: قبر المغربي. وأعظم من ذلك: عبادتهم تاجًا، وشمسان (٢)، مع شهادتهم عليهم بالفجور، لكن يزعمون أنهم أولياء، لا تضرهم الذنوب، ويهابونهم أعظم مما يهابون الله؛ ومنهم من يدعو الجن ويذبح لهم، وفي كل بلد من ذلك شيء عظيم، فأزال الله ذلك كله، بشيخ الإسلام، وأقام الله به الحجة على أهل زمانه (٣). وكذلك ما كان في صحن المسجد النبوي من بئر ونخلة وشجيرات، حيث كان الجهال يسمونها: بستان فاطمة ويتبركون بالنخلة وتمرها

стр. 124

وبالشجيرات والبئر، ويعتقدون أن بئر زمزم تجري تحت الأرض حتى تصل بتلك البئر يوم عاشوراء من كل سنة! فيُقبل الناس في يوم عاشوراء على تلك البئر، ويأخذون منها ماء كثيرًا؛ للتبرك به، حتى أمر الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن طيّب الله ثراه، بإزالة البستان بعد بيان من العلماء بخصوص ما يحصل عند الشجيرات من تبرك وشرك، فردم البئر، وقلعت تلك الأشجار، وسُطحت الأرض؛ لأن المسجد كله وقف للصلاة، ولا يجوز أن يشغل بغيرها؛ ولأن الجهال افتتنوا بماء البئر والنخلة والشجيرات (١). وقد يسّر الله سبحانه في زماننا من يزيل مظاهر الشرك من هذه البلاد المباركة، وقيّض لها رجالها، فقد تم إزالة ما يتبرك به بعض المعتمرين، وما يتقربون إليه من الحجر التي يدّعون أن النبي ﷺ اِتكأ عليها، والشجر التي استظل ﷺ بها! وتمت ولله الحمد إزالتها من أربع مواضع في بني سعد (٢) بتوجيه من صاحب السمو الملكي الأمير: خالد الفيصل حفظه الله ورعاه وجعل الجنة مثواه (٣). هذه لمحة موجزة عن جهود أهل التوحيد العملية في القضاء على مظاهر الشرك. فإحياء الآثار هو مبدأ التقديس، والتعظيم، وأساسه، وبداية انطلاق الفتنة؛ لذلك حسم الدين هذه المادة بقاعدة سد الذرائع. ولا شك أن إحياء آثار مقامات النبي ﷺ المكانية بالترميم والتحسين مُشعر بتهيئة المكان للزيارة، حتى لو كان للاعتبار والاتعاظ والتذكر والاقتداء، فهذا سيكون ذريعة للتعظيم والتبرك، والغلو فيه، ومن ثم عبادة من دون الله . والواقع يحكي ذلك على مرأى ومسمع رواد تلك الأماكن والآثار التي لم

стр. 125

تُهيأ ولم يذلل الوصول إليها، ومع ذلك وقعت البدع والشركيات من التمسح والتبرك والدعاء، فإن لم تُزل، فنقول في أقل أحوالها أن تُهمل وتترك ولا يُعتنى بها، حتى تندرس، وتختفي معالمها؛ لأن العناية بها موصلٌ إلى تعظيمها، وتهيئتها، وتذليل الوصول إليها نوع من الإقرار بما يحصل عندها من شركيات. فإحياء الآثار بالعناية والاهتمام، وتذليل الوصول إليها جرثومة الشرك ووسيلة توصل إليه لا محاله، وإهمالها وعدم إحيائها سدًّا لذريعة الشرك ووسائله: هو أمرٌ مطلوبٌ شرعًا. وأما إحياء آثار المقامات المكانية بالعلم والدراسة، يختلف عن إحيائها بالعناية بها وترميمها وتهيئة الوصول إليها وزيارتها، فالفارق بينهما كبير، من جهة أن إحياءها بالعلم والمعرفة والدراسة لا يصحبها إبراز حسي مرئي، وإنما هو إبراز علمي مروي (١). حيث إن الآثار المروية وقعها وأثرها على النفوس الضعيفة أقل بكثير من وقع وأثر الآثار المُشاهدة المحسوسة؛ فجاء المنع من إبرازها؛ لأن تعلّق النفوس بها أكثر، والغلو بها وارد غالبًا من اعتقاد فضل المكان وبركته. كما قال الشيخ العلامة صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله: والآثار المطلوب إحياؤها في عرف أهل العلم هي ما ثبت عن الرسول ﷺ من أحاديثه الشريفة التي حثَّنا ﷺ على روايتها وحفظها والمحافظة عليها والعمل بها وتبليغها للناس. ولم يأمرنا ﷺ بتتبُّع البقاع والمباني التي سكنها أو جلس فيها وبنائها والعناية بها، وإنما حدث هذا بعد القرون المفضلة لما فشا في المسلمين الجهل والابتداع والتخلّف والتشبه بالأمم الأخرى. فالواجب على المسلمين أن يهتموا بإقامة دينهم والعناية بسنة رسولهم، وأن يبتعدوا عما يخالف ذلك، كما يجب عليهم الدفاع عن رسولهم وكتابهم ضد هجمات الكفار والمشركين.

стр. 126

وإن أعداءنا ليفرحون إذا رأوا فريقاً من المسلمين معنيين بالتنقيب عن الآثار وتعظيمها والعناية بها؛ فالكفار يحثون على ذلك لأنهم يعلمون آثاره السيئة على دين المسلمين وعقيدتهم. فالواجب التنبه لهذا الأمر، والابتعاد عن مثل هذه الأمور التي لا مصلحة للإسلام والمسلمين فيها، بل فيها مضرَّة عليهم وعلى دينهم (١). * * *

стр. 127

المبحث الثاني الآثار الدينية وفيه مطلبان: المطلب الأول: آثار المواسم الدينية الزمانية. المطلب الثاني: آثار المساجد وأماكن التعبد.

стр. 128

المبحث الثاني الآثار الدينية خصَّ الله تعالى بعض الأمكنة والأزمنة بفضائل دون ما سواها، وحضَّ على الطاعات فيها؛ مضاعفة للأجور وتكفيرًا للذنوب وغفرانًا للمعاصي. فمثال تفضيل الأزمنة: تفضيل ليلة القدر على سائر الليالي، وتفضيل شهر رمضان على سائر الشهور، وتخصيص يوم الجمعة بمزيد فضل على سائر الأيام، وغيرها من الأزمنة الفضيلة. وأما عن تفضيل الأمكنة: كفضل المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى على سائر بقاع الأرض. والشاهد أن الزمان والمكان لا يكتسبان مزية الفضيلة؛ إلا بما ثبت بالأدلة الشرعية من الحث على إحيائهما وتفضيلهما، وتخصيصهما بمزيد اهتمام وعناية كما سيأتي بيانه في مطالب هذا المبحث. ومن الجدير بالذكر أن كثيرًا من الأزمنة والأمكنة الفضيلة لها مزايا تخصها مما ليس لغيرها، فسأذكر فضائلها وما تختص به من مضاعفة الأجور والثواب، من باب الحث على إحيائها، والحض عليها، والترغيب فيها. إذ إن بيان فضيلة الزمان أو المكان، يولِّد في النفس الرغبة والشوق لآداء الصالحات، ويبعث النشاط في القلب والبدن، ويطرد العجز والكسل، ويحرك الجوارح بالطاعة والعبادة، ويُنطِق اللسان بالذكر والشكر، ويجمِّل القلوب والأبدان بالإيمان، والأخلاق، والأعمال الصالحة، وكما قيل: من

стр. 129

لم يعرف ثواب الأعمال ثَقُلت عليه في جميع الأحوال (١). وبسط هذا المبحث في المطلبين التاليين: المطلب الأول: آثار المواسم الدينية الزمانية. المطلب الثاني: آثار المساجد وأماكن التعبد. * * *

стр. 130

المطلب الأول آثار المواسم الدينية الزمانية (١) بسط هذا المطلب في المسائل التالية: المسألة الأولى: المراد بآثار المواسم الدينية الزمانية. المسألة الثانية: أقسام آثار المواسم الدينية الزمانية. المسألة الثالثة: حكم إحياء آثار المواسم الدينية الزمانية. المسألة الأولى: المراد بآثار المواسم الدينية الزمانية: هي أوقات متكررة يحييها المسلم بالتعبّد؛ تقربًا إلى الله . وهذه الأوقات المتكررة من المواسم لا تخرج عن كونها أشهر، أو أيام، أو ليالي، أو ساعات، وهذا ما سيتم بيانه بالتفصيل إن شاء الله تعالى في المسألة التالية. المسألة الثانية: أقسام آثار المواسم الدينية الزمانية: تقسّم آثار المواسم الزمانية التي يحييها المسلم من حيث أصلها إلى قسمين: ١ آثار المواسم الزمانية التي لها أصل شرعي. ٢ آثار المواسم الزمانية التي ليس لها أصل شرعي. وهذا القسم ينقسم من حيث تعلقه بالوقائع إلى نوعين: ١ آثار المواسم الزمانية المتعلقة بوقائع إسلامية. ٢ آثار المواسم الزمانية غير المتعلقة بوقائع إسلامية.

стр. 131

القسم الأول: آثار المواسم الزمانية التي لها أصل شرعي، من أمثلة هذا القسم: إحياء شهر محرم بالصيام، وله ثلاثة أحوال: ١ صيام أغلب الشهر: لقَول النبي ﷺ : «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ … » (١). ٢ صيام اليوم العاشر عاشوراء: لما قدم النبي ﷺ المدينة وجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء، فقال لهم ﷺ : «مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟». فقالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا، فنحن نصومه. فقال رسول الله ﷺ : «فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ» (٢)، فصامه رسول الله ﷺ وأمر بصيامه، فلما نزل فرض صيام رمضان قال ﷺ : «مَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ لا يَصُومُهُ» (٣)، ولما سئل رسول الله ﷺ عن صيام عاشوراء، قال: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ» (٤). ٣ صيام اليوم التاسع مع العاشر: حين صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء، وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى. فَقَالَ رسول الله ﷺ : «فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ». قَالَ ابن عباس ﵄: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ (٥).

стр. 132

قال بعض الأئمة الأعلام: يستحب صوم التاسع والعاشر جميعًا؛ لأن النبي ﷺ صام العاشر ونوى صيام التاسع؛ ولعل السبب في صوم التاسع مع العاشر أن لا يتشبه باليهود في إفراد العاشر (١). إحياء شهر رمضان بالطاعات: ورد في شهر رمضان كثير من الفضائل والمزايا التي تخصه دون غيره من الشهور، منها: ١ أن القرآن نزل فيه، قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ٢ تضاعف الأجور فيه، كما جاء في الحديث القدسي: قال الله : «كُلُّ عَمَلِ ابن آدَمَ لَهُ إِلاَّ الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ … » (٢)، وفي رواية: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كُلُّ عَمَلِ ابن آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ : إِلاَّ الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي» (٣). في هذا الحديث بيان عظم فضل الصوم والحث إليه … ؛ لعظم فضله وكثرة ثوابه؛ لأن الكريم إذا أخبر بأنه يتولى بنفسه الجزاء اقتضى عظم قدر الجزاء وسعة العطاء (٤). ٣ فيه تُصفّد الشياطين، وتغلق أبواب النار، وتُفتح أبواب الجنان، ولله فيه عتقاء كل ليلة، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ مَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَمُنَادٍ يُنَادِي: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ

стр. 133

مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ» (١). هذه لمحة عن بعض فضائل شهر رمضان، أوردتها على سبيل المثال لا الحصر. وقد ثبت في الشرع استحباب إحياء شهر رمضان بجمع من العبادات والطاعات، منها ما يلي: ١ الصلاة والقيام: كان رسول الله ﷺ يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، فيقول: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٢). فقام رسول الله ﷺ بأصحابه ﵃ ثلاث ليالي من رمضان ولم يخرج إليهم في الليلة الرابعة؛ خشية أن تُفرض عليهم (٣). ثم في عهد الخليفة الراشد الثاني أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ رأى أن يجمع الناس عليها في المسجد (٤). ٢ الإكثار من تلاوة القرآن: كان النبي ﷺ يعرض القرآن على جبريل ﵇ كل رمضان مرة (٥)، إلا عندما قرب أجله ﷺ عرضه مرتين (٦). ٣ الصدقة: كان رسول الله ﷺ أجود الناس بالخير من الريح

стр. 134

المرسلة، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان (١). ٤ أداء العمرة: قال النبي ﷺ للمرأة الأنصارية ﵂: «فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً أو حَجَّةً مَعِي» (٢). ٥ السحور: قال النبي ﷺ : «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً» (٣)، وقد نص العلماء الإجماع على أن السحور مندوب إليه (٤). ٦ إحياء ليالي العشر الأواخر بالإكثار من العبادات والتزود بالطاعات (٥): كان النبي ﷺ إذا دخل العشر أحيا ليله، وأيقظ أهله، وشد مئزره (٦). أحيا ليله: أي: بالسهر؛ لأن النوم أخو الموت (٧)، واشتغل بالقيام والصلاة والذكر والدعاء وتلاوة القرآن، وغيرها من الأعمال الصالحة. وأيقظ أهله: أي: أمر بإيقاظهم، (٨) فكان ﷺ لا يدع أحدًا من أَهله يُطيق الْقيام إلاَّ أَقَامَهُ (٩). وشد مئزره ﷺ ، كناية عن أمرين: (١٠) ١ الجد والتشمير في العبادة. ٢ ترك النساء واعتزالهن.

стр. 135

حيث كان ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره (١). وهذا يدل على أَنه ﷺ كَانَ يزِيد فِي الْعشْر الأَخير على عَادَته (٢)، ويُبالغ في طلب أنواع الخيرات ويخصها بالعبادة وأصناف المبرات والطاعات أكثرَ من غيرهن من الليالي (٣)؛ لأنها ختام الشهر فيختمها ﷺ بصالح الأعمال (٤). وكذلك من الأعمال المستحبة التي جاء الدليل بتخصيصها، والحث على إحيائها بالعشر الأواخر: أ الاعتكاف: كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان (٥). ب تحري ليلة القدر: قال النبي ﷺ : «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» (٦)، وفي رواية: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي الوِتْرِ» (٧). يحض الحديثان على التماس ليلة القدر وطلبها بصلاة الليل والاجتهاد بالدعاء (٨). ومن الأدعية الوارد إحياء ذكرها في هذه الليلة، ما جاء عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن وافقت ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (٩).

стр. 136

وكذلك من آثار المواسم الزمانية التي لها أصل في الشرع: إحياء أشهر الحج بأداء العمرة: قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، يتبين من الآية بأن أشهر الحج معلومة عند المخاطبين، مشهورة، بحيث لا تحتاج إلى تخصيص، كما احتاج الصيام إلى تعيين شهره، وكما بيَّن تعالى أوقات الصلوات الخمس، وأما الحج فقد كان من ملة إبراهيم ﵇، التي لم تزل مستمرة في ذريته معروفة بينهم (١). والمراد بالأشهر المعلومات عند جمهور العلماء: شوال، وذي القعدة، وعشر من ذي الحجة، وهي الشهور التي يقع فيها الإحرام بالحج غالبًا (٢). والنبي ﷺ أحرم بأربع عُمر منفردة في ذي القعدة (٣): ١ عمرة الحديبية حيث صدّه المشركون. ٢ عمرة القضاء من العام المقبل حيث صالحهم. ٣ عمرة الجُعرّانة. ٤ عمرة أحرم بها ﷺ في ذي القعدة، وقرنها وأدّاها مع حجته ﷺ . ونقل الحافظ ابن رجب ﵀ عن طائفة من السلف استحباب العمرة في أشهر الحج؛ لتكرار إحرام النبي ﷺ للعمرة في شهر ذي القعدة (٤).

стр. 137

فتكرار اعتمار النبي ﷺ في شهر ذي القعدة ليس لأجل الشهر بعينه؛ وإنما لأجل ترسيخ جواز العمرة في أشهر الحج. وكذلك بيّن الحافظ ابن حجر ﵀ سبب تكرار الاعتمار في أشهر الحج؛ لإبطال ما كان عليه أهل الجاهلية، حيث إنهم كانوا يمتنعون عن أداء العمرة فيها (١)، ويعتقدون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور. كما جاء عن ابن عباس ﵄ قال: كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض (٢)، فاستحباب العمرة في أشهر الحج وخصوصًا ذو القعدة؛ مخالفةً وإبطالاً لاعتقاد جاهلي (٣)، ليس إلاّ. إحياء شهر ذي الحجة بجمع من العبادات: ورد في شهر ذي الحجة فضائل ومزايا تخصه دون غيره من الشهور، فمن تلك الفضائل: أ أقسم الله ﷻ بليالي العشر الأُول من ذي الحجة (٤)، في كتابه العزيز فقال ﷻ : ﴿وَالْفَجْرِ *وَلَيَالٍ عَشْرٍ *﴾ [الفجر]، فإقسام الله ﷻ بالعشر، يكفيها شرفًا وفضلاً، إذ العظيم لا يقسم إلا بعظيم (٥). ب أفضل أيام الدنيا: قال رسول الله ﷺ : «لَيْسَ مِنْ أَيَّامٍ أَفْضَلُ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ؛ يَعْنِي: أَيَّامَ الْعَشْرِ … » (٦).

стр. 138

ج أعظم الأيام عند الله ﷻ ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ، وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعَمَلُ فِيهِنَّ مِنْ أَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ التَّسْبِيحَ، وَالتَّكْبِيرَ، وَالتَّهْلِيلَ» (١). أبرز ما يميز أيام العشر من ذي الحجة (٢) هو اجتماع أمهات العبادة فيها، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره (٣). ثبت في الشرع استحباب إحياء عشر ذي الحجة بجمع من العبادات والطاعات، منها ما يلي: ١ التزود بالطاعات والإكثار من الأعمال الصالحات: قال تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨]، قال ابن عباس ﵄: أي: أيام العشر (٤). ويقول النبي ﷺ : «مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ أَفْضَلَ مِنَ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ». قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ؟

стр. 139

قَالَ ﷺ : «وَلَا الْجِهَادُ، إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ» (١). يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀: وهذا الحديث نصَّ في أن العمل المفضول يصير فاضلاً إذا وقع في زمان فاضل، حتى يصير أفضل من غيره من الأعمال الفاضلة؛ لفضل زمانه. وفي أن العمل في عشر ذي الحجة أفضل من جميع الأعمال الفاضلة في غيره. ولا يستثنى من ذلك سوى أفضل أنواع الجهاد، وهو أن يخرج الرجل بنفسه وماله، ثم لا يرجع منهما بشيء (٢). فالعمل الصالح في العشر بأداء العبادات من صلاة، وصيام، وصدقة، واستغفار، ودعاء، وإعانة للمحتاج، وذكر لله … ، أعظم أجرًا، وأثقل في ميزان العبد من الجهاد في سبيل الله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فاستيعاب عشر ذي الحجة بالعبادة ليلاً ونهارًا، أفضل من جهاد لم يذهب فيه نفسه وماله (٣). فعلى المسلم الفطن أن يسارع بإحيائها ويكثر من الطاعات؛ حتى يفوز بالجنات. ٢ التكبير: (٤) كان ابن عمر وأبو هريرة ﵃ يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما (٥).

стр. 140

يقول ميمون بن مهران ﵀: أدركت الناس وإنهم ليكبرون في العشر، حتى كنت أشبهه بالأمواج من كثرتها (١). ٣ صيام اليوم التاسع من ذي الحجة «عرفة»: سئل رسول الله ﷺ عن صيام يوم عرفة، فقال: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ» (٢). ٤ الأضحية: يتقرب المسلمون إلى الله تعالى في اليوم العاشر من ذي الحجة بإقامة شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام وهي: ذبح الأضاحي من بهيمة الأنعام (٣). إحياء العيدين «الفطر والأضحى» بجمع من العبادات: يشرع إحياء العيدين بأنواع من العبادات التي دل الدليل الصحيح على ثبوتها، ومن جملة تلك العبادات: ١ التكبير: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: والتكبير في عيد الأضحى مشروع باتفاق، وكذا مشروع في عيد الفطر عند مالك، والشافعي، وأحمد (٤). ولكل منهما وقت يبدأ فيه التكبير وينتهي، فعيد الفطر يبدأ التكبير من ليلة العيد وغروب شمس رمضان، إلى حضور الإمام لصلاة العيد (٥). وأما عيد الأضحى التكبير المطلق: يبدأ من أول ليلة من شهر ذي الحجة إلى غروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق، واليوم الثالث عشر من ذي الحجة (٦).

стр. 141

وأما التكبير المقيد والذي يكون بعد الصلوات، فيبدأ من فجر يوم عرفة إلى غروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق (١). ٢ الاغتسال والتطيّب والتجمّل بأحسن الثياب، قبل الخروج للمصلى: أقرَّ النبي ﷺ عمر بن الخطاب ﵁، ولم ينكر عليه التجمّل للعيد حين رأى عمرُ جبة فقال: «يا رسول الله، ابتع هذه، تجمل بها للعيد والوفود» (٢). وقد بوّب الإمام البخاري ﵀ في صحيحه: «باب في العيدين والتجمل فيه»، مستندًا على تقرير النبي ﷺ لمقولة عمر ﵁ (٣)، وهو دليل على مشروعية أصل التجمل والتزين للعيد، وأنها سُنَّة على كل من يقدر عليها (٤). وثبت عن ابن عمر ﵄ أنه كان يغتسل في العيدين قبل أن يغدو إلى المصلى (٥)، ويلبس أحسن ثيابه (٦)، ويتطيب (٧). واستحب طائفة من أهل العلم الاغتسال للعيد، والتطيّب ولبس أجمل الثياب (٨)، ولو اقتصر على الوضوء، وعلى ثيابه العادية فلا حرج (٩).

стр. 142

أما النساء إذا خرجن لمصلى العيد، وللمساجد بالعموم لا يتطيبن، ولا يتبرجن، كما قال رسول الله ﷺ : « … لِيَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلَاتٌ (١)» (٢). ٣ أكل تمرات وترًا قبل صلاة عيد الفطر، والأكل من الأضحية بعد صلاة عيد الأضحى: كان رسول الله ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يَطْعَمَ، وكان لا يأكل يوم النحر شيئًا حتى يرجع فيأكل من أضحيته (٣). وقال أنس ﵁: ما خرج رسول الله ﷺ يوم فطر حتى يأكل تمرات ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا، أو أقل من ذلك، أو أكثر من ذلك وترًا (٤). ٤ صلاة العيد (٥): أجمع المسلمون على مشروعية صلاة العيد (٦)؛ لأن النبي ﷺ أمر بها، وواظب عليها، حتى أنه ﷺ أمر النساء العواتق، وذوات الخدور، والحيض بالخروج إلى الصلاة. ومن حرص النبي ﷺ لخروج الجميع للصلاة أوصى من لم يكن لديها

стр. 143

جلباب بأن تلبسها صاحبتها من جلبابها؛ ليشهدن الخير ودعوة المؤمنين (١). ٥ الفرح والسرور واللهو المباح: لما قدم النبي ﷺ المدينة، ولأهلها يومان يلعبون فيهما فقال ﷺ : «مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟» قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يَوْمَ الأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ» (٢). فهذا الحديث يدل على ما كان عليه أهل الجاهلية من اللعب في يومين كل سنة، ويعملون ما لا يرضى به الله تعالى، فلما ظهر الإسلام، أبدل الله منهما هذين اليومين اللذين يظهر فيهما تكبير الله تعالى وتحميده وتوحيده ظهورًا شائعًا يغيظ المشركين (٣). وقيل: إنهما يقعان شكرًا على ما أنعم به من أداء العبادات، فعيد الفطر يقع شكرًا لله تعالى على إتمام صوم رمضان، وعيد الأضحى يقع شكرًا لله تعالى على العبادات الواقعة في العشر، وأعظمها إقامة شعيرة الحج (٤). وأيضًا لما دخل رسول الله ﷺ على عائشة ﵂ وعندها جاريتان تغنيان بغناء بعاث (٥)، فاضطجع ﷺ على الفراش، وحوّل وجهه (٦)، وجاء أبو

стр. 144

بكر ﵁ فانتهرها وقال: مزمار الشيطان عند النبي ﷺ فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: «دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَإِنَّ عِيدَنَا هَذَا الْيَوْمُ» (١). وأيضًا في يوم العيد لعب الحبشة بالحراب والدرق بالمسجد، ورقصوا بها، قالت عائشة ﵂: سمعت لغطًا وصوت صبيان، فقام النبي ﷺ : فإذا حبشة تزفن؛ أي: ترقص والصبيان حولها فقال: «يا عائشة تعالي فانظري»، قالت: فأقامني وراءه، خدي على خده وهو يقول: «دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ»، حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ، قَالَ: «حَسْبُكِ». قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «فَاذْهَبِي» (٢). هذه الأحاديث تدل على مشروعية التوسعة في أيام الأعياد بأنواع اللهو المباح، وما يحصل به من بسط النفس، وترويح البدن، من كلف العبادة، وأن إظهار السرور في الأعياد من شعار الدين (٣). إحياء يوم الجمعة بجمع من العبادات: يُعدّ هذا اليوم العظيم عيدًا من أعياد المسلمين، كما قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ هَذَا يَوْمُ عِيدٍ جَعَلَهُ اللهُ لِلْمُسْلِمِينَ … » (٤). وهو خير أيام الاسبوع: قال رسول الله ﷺ : «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ. وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ. وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا» (٥). وكان من هديه ﷺ تعظيم هذا اليوم وتشريفه، وتخصيصه بعبادات

стр. 145

يختص بها عن غيره (١). فيختص هذا اليوم بفضائل ومزايا تخصه دون غيره من الأيام (٢)، ويشرع إحياء يوم الجمعة بأنواع من العبادات المشروعة التي دل الدليل الصحيح على ثبوتها، ومن جملة تلك العبادات ما يلي: ١ الاغتسال والتطيب ولبس أحسن الثياب والتسوّك: قال النبي ﷺ : «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَسِوَاكٌ، وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ ما قَدَرَ عَلَيْهِ» (٣). وكان النبي ﷺ يلبس يوم الجمعة أحسن ثيابه (٤)، كما حثّ على ذلك ﷺ بقوله: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ، وَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَلَمْ يَتَخَطَّ أَعْنَاقَ النَّاسِ، ثُمَّ صَلَّى ما كَتَبَ اللهُ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ إِمَامُهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ جُمُعَتِهِ الَّتِي قَبْلَهَا» (٥). ٢ الإكثار من الدعاء وتحري ساعة الإجابة: ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «فِيهِ سَاعَةٌ لا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى شَيْئًا، إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا (٦).
следующие страницы →