← Акыда

Акыда · id 1274

إحياء الآثار دراسة عقدية

منيرة المقوشي

Полный текст (616 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

* نهايتها ومآلها: قال الماوردي ﵀: وأما القضيب فهو من تركة رسول الله ﷺ التي هي صدقة وقد صار مع البردة من شعار الخلافة (١)، حتى سنة (٦٥٦ هـ) عندما سقطت الدولة العباسية على يد هولاكو، الذي قام بإحراق البردة والقضيب وذر رمادهما في دجلة (٢). ٣ السيف: (٣) * بيانه في حياة النبي ﷺ : عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ تنفل سيفه ذا الفقار يوم بدر (٤). * بيانه بعد وفاة النبي ﷺ : قال الحافظ ابن كثير ﵀: صار إلى آل علي ﵃ سيف من سيوف رسول الله ﷺ ، فلما قتل الحسين بن علي ﵄ بكربلاء كان معه، فأخذه علي بن الحسين بن زين العابدين فقدم معه دمشق حين دخل على يزيد بن معاوية ثم رجع معه إلى المدينة (٥). وحين قدموا المدينة، لَقِيَ المسور بن مخرمة علي بن الحسين، فقال له: هل لك إلي من حاجة تأمرني بها؟ فقال له علي: لا. فقال المسور: فهل أنت معطي سيف رسول الله ﷺ فإني أخاف أن يغلبك القوم عليه، وَايْم الله! لئن أعطيتنيه لا يخلص إليه أبدًا حتى تبلغ نفسي … (٦).

стр. 72

قال الحافظ ابن حجر ﵀: أراد المسور ﵁ بذلك صيانة سيف النبي ﷺ لئلا يأخذه من لا يعرف قدره، والذي يظهر أن المراد بالسيف المذكور ذو الفقار (١). ٤ القدح: (٢) * بيانه في حياة النبي ﷺ : عَنْ أبي حازم (٣) عن سَهْلِ بن سَعْدٍ ﵁ قال: … أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَئِذٍ حَتَّى جَلَسَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ. ثُمَّ قَالَ: «اسْقِنَا يَا سَهْلُ» فَخَرَجْتُ لَهُمْ بِهَذَا القَدَحِ فَأَسْقَيْتُهُمْ فِيهِ (٤). * بيانه بعد وفاة النبي ﷺ : أ قال أبو حازم ﵀: فَأَخْرَجَ لَنَا سَهْلٌ ذَلِكَ القَدَحَ فَشَرِبْنَا مِنْهُ قَالَ: ثُمَّ اسْتَوْهَبَهُ عُمَرُ بن عَبْدِ العَزِيزِ بَعْدَ ذَلِكَ فَوَهَبَهُ لَهُ (٥). و عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ ﵀ قَالَ: رَأَيْتُ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ أَنَسِ بن مَالِكٍ ﵁ وَكَانَ قَدْ انْصَدَعَ فَسَلْسَلَهُ بِفِضَّةٍ، قَالَ: وَهُوَ قَدَحٌ جَيِّدٌ عَرِيضٌ مِنْ نُضَارٍ (٦)، قَالَ أَنَسٌ ﵁: لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي هَذَا القَدَحِ أَكْثَرَ مِنْ

стр. 73

كَذَا وَكَذَا (١) ب قَالَ ابن سِيرِينَ ﵀: إِنَّهُ كَانَ فِيهِ حَلْقَةٌ مِنْ حَدِيدٍ، فَأَرَادَ أَنَسٌ ﵁ أَنْ يَجْعَلَ مَكَانَهَا حَلْقَةً مِنْ ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو طَلْحَةَ: لا تُغَيِّرَنَّ شَيْئًا صَنَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَتَرَكَهُ (٢). ج قال أَنَسُ بن مَالِكٍ ﵁: أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ انْكَسَرَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ، قَالَ عَاصِمٌ ﵀: رَأَيْتُ القَدَحَ وَشَرِبْتُ فِيهِ (٣). د روى عبد الله ابن الإمام أحمد أنه رأى أباه: أخذ قصعة النبي ﷺ فغسلها في حَبِّ الماء، ثم شرب فيها (٤). ٥ المكحلة: * بيانها في حياة النبي ﷺ : عن ابن عباس ﵄، قال: أن النبي ﷺ كانت له مكحلة يكتحل بها كل ليلة ثلاثة في هذه، وثلاثة في هذه (٥). * بيانها بعد وفاة النبي ﷺ : قال الحافظ ابن كثير ﵀: وقد بلغني أن بالديار المصرية مزارًا فيه أشياء كثيرة من آثار النبي ﷺ اعتنى بجمعها بعض الوزراء المتأخرين، فمن ذلك مكحلة وقيل: ومشط، وغير ذلك فالله أعلم (٦). ولم أجد في كتب التاريخ والسير من بعد القرون الأولى نهاية ومآل،

стр. 74

ولا بقاء للسيف والقدح والمكحلة والعمامة وبقية الدروع وغيرها من الآثار. وهذا يدل والله أعلم على اندثارها أو ضياعها؛ لانقطاع سندها وخبرها، ولو كانت موجودة لصرح بها ورثتها والذين وصلهم شيءٌ منها. ومن الجدير بالذكر أن درع النبي ﷺ وسيفه وقدحه والمكحلة وغيرها من الآثار الخاصة به ﷺ ، جاء ذكر وجود بعضها في كتب المتأخرين من أصحاب السير والتاريخ، مع انقطاع سندها قبل ذلك، فهذا يدل والله أعلم على عدم صحة ثبوتها كما سيأتي تحقيق ذلك في المسألة التالية. إذ إن كتب السيرة والتاريخ لا يمكن الاعتماد عليها؛ لما فيها من نقل الغثّ والسمين، والصالح والطالح. قال صاحب كتاب السيرة الحلبية: ولا يخفى أن السير تجمع الصحيح والسقيم والضعيف والبلاغ والمرسل والمنقطع والمعضل دون الموضوع. ومن ثم قال الحافظ الزين العراقي ﵀: وليعلم الطالب أن السيرا تجمع ما صح وما قد أنكرا (١). المسألة الثالثة: مدى صحة الآثار النبوية الشريفة المُشاهدة في المتاحف: تبيَّن في المسألة السابقة نهاية ومآل بعض الآثار المرئية النبوية من خلال ذكر ما جاء عنها من الآثار المروية، والتي يمكن تلخيصها كالتالي: ١ آثار انقطعت بوفاة النبي ﷺ وذهبت بذهابه ﷺ : كاليد، والريق، والبصاق، وفضل الوضوء (٢). ٢ آثار دفنت في القبور (٣): كالبردة، والعصا، والشعر.

стр. 75

٣ آثار احترقت (١): كالبردة، والعصا. ٤ آثار فُقدت وضاعت (٢): كالشعر، والبردة، النعلين، والدرع، والخاتم. ٥ آثار نسبتها غير صحيحة: كالقدح، والعصا (٣)، والعمامة، والنعل (٤). والواجب التحقق من مدى صحة بعض الآثار التي تُعرض في المتاحف، وتُعرف في بعض البلدان بالأمانات المباركة (٥): كأسنان نبوية، ونعلين نبويتين، وخرقة السعادة، السجادة النبوية، وقبضة سيف من السيوف النبوية، وقوس نبوي، ولواء نبوي، ماء من الغسل النبوي، وآثار أخرى لبعض الأنبياء ﵈، وآثار لبعض الصحابة ﵃. وأعجب هذه الآثار بقاء ماء من الغسل النبوي حتى هذا القرن الخامس عشر! صحيح أنه جاء في الأثر عن أم سُليم ﵂ أنها احتفظت بعرق النبي ﷺ بقوارير (٦) لكن لم يؤثر عن الصحابة ﵃ في الأحاديث الصحيحة، أن أحدًا منهم احتفظ بشيء من فضل وضوء النبي ﷺ بعد موته. ولو سلمنا ببقاء فضل وضوئه بعد وفاته ﷺ ، فلا يمكن بقاؤه لمدة طويلة؛ لأن طبيعة المواد السائلة كما ذكرتُ سابقًا (٧) تكون عُرضة للجفاف

стр. 76

والتبخر والانسكاب، وأيضًا للانتهاء بالاستخدام المستمر للذين توارثوها، خصوصًا وأن من يملك شيئًا من آثار الرسول ﷺ ضنين بها لنفسه، ولا يؤثر بها غيره. وأيضًا بقاء النعلين، وعرضها في بعض المتاحف، فقد جاء ذكر فقدانها في وقعة تيمورلنك، وليس لها ذكر بعد ذلك (١). والقول في بقية الآثار السابق ذكرها واحد وهو أن ما وصل منها إلى الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخلفاء والكبراء، حافظوا عليها واهتموا بها مدة من الزمن، لكن لما تعاقبت الفتن والمحن على المسلمين أدى ذلك إلى فقدانها، وانقطاع سند تداولها، وعدم مجيء خبرها من الزمن المتقدّم، وهذا دليل على فقدانها واندثار معالمها، فإن الباحث المحقق يكاد يجزم بأن دعوى بقاء شيء من آثار النبي ﷺ إلى زماننا دعوى غير صحيحة. ولقد أفاد المحدّث الفقيه حماد بن إسحاق الأزدي (ت: ٢٦٧ هـ) ﵀ في كتابه: تركة النبي ﷺ إلى قلة ما ترك النبي ﷺ من آثار مرئية وحسية، مستندًا على الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ﵀ عن عمرو بن الحارث ﵁ قال: «مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَةً وَلَا شَيْئًا إِلاَّ بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ وَسِلَاحَهُ وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً» (٢). فهذا دليل صريح صحيح يؤكد قلَّة ما ترك النبي ﷺ من آثار حسية (٣). ومن زاوية أخرى حتى لو أراد أصحاب المتاحف والمزارات إثبات الآثار المنسوبة إلى النبي ﷺ بالطرق التجريبية الحديثة فإن خبراء الآثار

стр. 77

لا يعتدّون بأي قطعة أثرية عضوية (١) كانت مكشوفة ومعرضة للهواء والتلوث، ولم تُحفظ من وقت اكتشافها بطريقة علمية صحيحة، ولم تُطبق عليها خطوات علمية يسلكها خبراء الآثار تجاه القطع الأثرية؛ لمعرفة وقياس عمر الأثر (٢). ومن المعلوم أن القطع الأثرية العضوية المكشوفة والمعرضة للهواء تتلوث، ولا يمكن بتاتًا معرفة عمرها الصحيح، ولا قياس زمن بقائها بالطرق الحديثة عند خبراء الآثار: كقياسها بواسطة النظائر المشعة: ١٤ C، ٢٣٨ U، ٢٣٢ Th، والمستخدم منها في تحليل العينات الأثرية العضوية هو الكربون المشع Radiocarbon Dating والذي يرمز له ب: ١٤ C (٣) . حيث يُعدّ هذا القياس عند خبراء الآثار من أحدث الطرق وأفضلها في تحديد التاريخ المطلق الرقمي لعمر الأثر، وهي أكثر طريقة يثقون بها؛ لدقة نتائجها، وقربها للصواب (٤) في ظنهم. بناءً على ذلك فإن الآثار المنسوبة للنبي ﷺ لا يعتدّ بها عند خبراء الآثار؛ لأنها لم تكن محفوظة عند من ورثها بطرق صحيحة؛ بل بالعكس كانت معرضة للهواء ومتاح للجميع لمسها وتقبيلها والتبرك بها. وهذا أمر ينفي وجود أي إثبات لها، لا بالطرق الشرعية ولا بالعلوم التجريبية الحديثة، وهذا يزيد الباحث عن حقيقتها يقينًا بزيفها وعدم صحة نسبتها للنبي ﷺ .

стр. 78

والذي عليه العلماء من المحدثين والمحققين وبعض المؤرخين والآثاريين: عدم صحة الآثار المنسوبة إلى النبي ﷺ في العصور المتأخرة وإنكارها؛ لعدم وجود أدلة تثبت صحتها بل الأدلة تؤكد عدم ذلك، أنقل لكم بعضًا مما ورد في ذلك: ١ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (ت: ٧٢٨ هـ): وما يذكره بعض الجهال فيها أي: في الصخرة من أن هناك أثر قدم النبي ﷺ (١) وأثر عمامته وغير ذلك فكله كذب (٢). ٢ يقول المحدّث ناصر الدين الألباني ﵀ (ت: ١٤٢٠ هـ): ونحن نعلم أن آثاره ﷺ من ثياب أو شعر أو فضلات قد فقدت، وليس بإمكان أحد إثبات وجود شيء منها على وجه القطع واليقين (٣). وقال أيضًا ﵀: وما يفعلونه اليوم في بعض البلاد من التبرك في بعض المناسبات بشعرة محفوظة في زجاجة فهو شيء لا أصل له في الشرع، ولا يثبت ذلك بطرق صحيحة (٤). ٣ يقول الشيخ العلامة أحمد النجمي ﵀ (ت: ١٤٢٩ هـ): التبرك المشروع في حق النبي ﷺ اختص به أهل عصره ومن بعدهم بقليل، الذين حصل لهم شيء من ثيابه أو شعره أو عرقه، وآخر من صح أنه كان عنده شيء من شعر النبي ﷺ هو الإمام أحمد بن حنبل ﵀. أما أهل الأزمنة المتأخرة فقد فاتهم ذلك، وإن كان قد فاتهم هذا فإن البركة كل البركة، والخير كل الخير في الاستقامة على هديه، واقتفاء سننه، واتباع طريقه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والتقرب إلى الله بتلاوة الكتاب الذي أُنزل عليه، ودراسة السُّنَّة التي نطق بها، والعمل بما دلت عليه فعلاً وتركًا، لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ *﴾ [آل عمران] (٥).

стр. 79

٤ يقول الشيخ العلامة عبد المحسن العباد حفظه الله: وقد ظفر بآثار النبي ﷺ الجسدية الصحابة ﵃ ومن وصله شيء منها من التابعين ومن بعدهم، وبعد ذلك انقرضت، ولم يكن لها وجود على الحقيقة، ولا مجال للتعلق بها (١). ٥ يقول الشيخ العلامة د. صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله: … وما يدعيه الآن بعض الخرافيين من وجود شيء من شعره ﷺ أو غير ذلك؛ فهي دعوى باطلة لا دليل عليها، … إذ لا وجود لهذه الآثار الآن لتطاول الزمن الذي تبلى معه هذه الآثار وتزول، ولعدم الدليل على ما يُدعى بقاؤه منها بالفعل (٢). ٦ يقول أ. د. ناصر الجديع حفظه الله: ثبوت فقدان الكثير من آثار الرسول ﷺ على مدى الأيام والقرون، بسبب الضياع، أو الحروب والفتن، وغير ذلك (٣)، … لا سيما مع مرور أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان على وجود تلك الآثار النبوية، ومع إمكان الكذب في ادعاء نسبتها إلى الرسول ﷺ للحصول على بعض الأغراض، كما وضعت الأحاديث، ونسبت إلى الرسول ﷺ كذبًا وزورًا (٤). ٧ يقول المؤرخ ابن طولون (ت: ٢٧٠ هـ) في معرض حديثه عن القدح والعصا التي وصلت من بيت ابن القلقشندي: ثم تبيّن أنهما ليسا من الأثر النبوي، وإنما هما من أثر الليث بن سعد (٥). ٨ يقول المؤرخ أحمد تيمور باشا ﵀ (ت: ١٣٨٤ هـ): لم نر أحدًا من الثقات ذكرها [الآثار النبوية] بإثبات أو نفي، فالله أعلم بها، وبعضها لا يسعنا أن نكتم ما يخامر النفس فيها من الريب، ويتنازعها من

стр. 80

الشكوك (١). وقال أيضًا على صحة الشعرات المنسُوبة إلى النبي ﷺ بقوله: غير أن الصعوبة في معرفة صحيحها من زائفها! (٢). ٩ يقول خبير الآثار أ. د. عفيف البهنسي ﵀ (ت: ١٤٣٩ هـ): إنه تمت دراسة الآثار التي يقال: إنها نبوية في متاحف إسطنبول والنتيجة: أنه لا يُمكن إثبات أي شيء منها تاريخيًّا، حتى ما يُنسب للصحابة الكرام ﵃. وغاية الأمر أن النادر منها يُمكن أن يرقى زمنيًّا للقرن الأول، دون أن يوجد أي إثبات أثري وتاريخي أنها لفلان من الناس دون غيره (٣). وبناء على ما تقدم من نهايات لتلك الآثار التي صح ثبوت بعضها برهة من الزمن، يتبين أنها اندثرت وزالت ولم تبق؛ إذ لا دليل ولا برهان صحيح يدل على وجود شيء من آثار النبي ﷺ ولكن العجيب وجود بعضها في أكثر من موضع ومتحف ومزار!. المسألة الرابعة: حكم إحياء الآثار النبوية المنفصلة عن جسد النبي ﷺ وما أُلحق بها: بناءً على ما سبق تبيَّن أن الآثار النبوية المنفصلة عن جسد النبي ﷺ لها حالتان: الأولى: ما كانت في عهد الصحابة ﵃ والتابعين ومن بعدهم (٤)، من الذين وصلهم شيء من الآثار الثابتة نسبتها إلى النبي ﷺ ، يقينًا، فهذه بيانها والمحافظة عليها جائزة؛ إذ هي موضع البركة (٥). إذ إن الآثار المنفصلة عن جسد النبي ﷺ لها من الخصوصية

стр. 81

التي خصّه الله ﷻ بها دون غيره من البركة الذاتية، والحسية. فإقرار النبي ﷺ على الصحابة بتبركهم بريقه (١)، ونخامته (٢)، ووضوئه (٣)، والاحتفاظ بما انفصل عنه ﷺ ، دليل على مشروعية فعل ذلك بما انفصل عنه ﷺ وبقي بعد وفاته، وهذا يعتبر نوع من الإحياء لآثاره ﷺ . ومن المهم التنبيه إلى أنه لا يُقاس إحياء آثار النبي ﷺ بغيره من الصالحين؛ لأن الصحابة ﵃ لم يتبركوا بأحد من فضلائهم، بعد رسول الله ﷺ فكان إجماعًا منهم على تخصيص الرسول ﷺ دون سواه (٤). كما أكّد على ذلك الحافظ ابن رجب ﵀ قائلاً: وكذلك التبرك بالآثار ولما كان يفعله الصحابة مع النبي ﷺ ولم يكونوا يفعلونه مع بعضهم بعضًا، ولا يفعله التابعون مع الصحابة مع علو قدرهم (٥)، كما سيأتي بيان حكمه بالتفصيل في الفصل الثاني (٦). الثانية: ما كانت في زماننا الحاضر من الآثار النبوية، فهذه لا يمكن إثبات صحتها؛ بل الدلائل تدل على كذب نسبتها للنبي ﷺ وتزييفها، وعليه فلا يجوز نسبتها إلى النبي ﷺ ، فضلاً عن إحيائها والمحافظة عليها. وإنما الواجب على المسلم أن يحيي الآثار النبوية من أقواله وأفعاله وسننه ويحافظ عليها ويلتزم بها في حياته.

стр. 82

وهذا هو الأولى والأحرى بالمسلم كما وجه بذلك رسول الله ﷺ أصحابه ﵃، حيث صرفهم ﷺ عن التبرك بآثاره الحسية إلى التبرك بآثاره الحديثية. وذلك لما دعا النبي ﷺ بوضوئه وتوضأ به، بادر الصحابة ﵃ إلى وضوئه فشربوا منه ومسحوا وجوههم ورؤوسهم وصدورهم، فلما رآهم يصنعون ذلك (١): قال رسول الله ﷺ : «إن كنتم تحبون أن يحبكم الله ورسوله فحافظوا على ثلاث خصال: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وحسن الجوار» (٢). علَّق الإمام الشاطبي ﵀ على هذا الحديث قائلاً: … هو مشعر بأن الأولى تركه [التبرك بالآثار النبوية الحسية]، وأن يتحرى ما هو الآكد والأحرى من وظائف التكليف (٣). وقال العلامة المحدّث ناصر الدين الألباني ﵀ معلقّا على هذا الحديث: انظر هذا اللطف في النقد من الأمر المفضول إلى الحكم الفاضل، لم يصدهم الرسول ﷺ صدًّا، وإنما مهد لهم تمهيدًا بأسلوب عظيم جدًّا: ما الذي يحملكم على هذا؟ قالوا: حب الله ورسوله وهم صادقون في ذلك، فقال لهم: هذا لا يدل [على] حبكم لله والرسول! الذي يدلكم على ذلك هو أن تعملوا بما جاء به الرسول ﷺ عن ربه (٤). هذا ولا بد من التنبيه إلى جواز التبرك بآثار النبي ﷺ وعدم إنكاره،

стр. 83

ولكن لهذا التبرك شروط، منها (١): ١ الإيمان الشرعي المقبول عند الله، فمن لم يكن مسلمًا صادق الإسلام فلن يحقق الله له أي خير بسبب تبركه هذا. ٢ الحصول يقينًا على أثر من آثار النبي ﷺ ، ومن المعلوم أن آثاره ﷺ من ثياب أو شعر وغيرها قد فقدت، وليس لأحد إثبات وجود شيء منها على وجه القطع واليقين. وإذا كان الأمر كذلك فإن التبرك بهذه الآثار أصبح أمرًا يستحيل في زماننا هذا. نخلص مما سبق إلى الموقف الشرعي للمسلم تجاه الآثار المرئية المحسوسة المنسوبة إلى النبي ﷺ : كالشعر، البردة، النعل، العمامة، القدح، العصا … وغيرها: أولاً: أن يعتقد المسلم قلّة ما خلّفه النبي ﷺ بعد وفاته، كما جاء في السُّنَّة الصحيحة (٢)، وأن يعلم أن الآثار القليلة التي خلفها النبي ﷺ خضعت، وتعرّضت لأمور، منها: ١ الاستهلاك والدفن؛ وذلك لأن من يمتلك أثرًا نبويًّا ضَنِين به لنفسه، فغالبها يستهلكها أصحابها، أو يوصوا بأن يكفنوا بها، أو تدفن معهم في القبر. ٢ الفقدان، والتلف، والضياع؛ بسبب ما عانته الأمة الإسلامية وتعرضت له من: حروب، ونكبات، وفتن، وكربات. ثانيًا: أن لا يقبل المسلم دعوى وجود الآثار النبوية المرئية المحسوسة في زماننا هذا؛ لأنها دعوى مجردة عن البرهان والدليل القاطع، إذ لا بد من إثبات الأثر المرئي المحسوس بأسانيد متصلة صحيحة تؤكد صحة نسبة هذا الأثر إلى النبي ﷺ كالأثر المروي تمامًا؛ لما يترتب عليه من أحكام شرعية، وقواعد مرعية.

стр. 84

فكما أن الآثار الحديثية المروية عن النبي ﷺ لا يُقبل منها إلا ما كان متصل السند عن الثقات العدول، كذلك الآثار المرئية! وهذا ما تميزت به هذه الأمة، بأنها: أمة إسناد. كما قال الإمام عبْد الله بن المبارك (ت: ١٨١ هـ) ﵀: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء، ما شاء (١). * * *

стр. 85

المطلب الثالث آثار مقامات النبي (ص) المكانية إن معرفة الأماكن التي سلكها النبي ﷺ في جميع أحواله ﷺ المنقولة عنه؛ حفاظًا على السُّنَّة، هو مسلك العلماء الذين ألفوا في السيرة النبوية، وجمعوا الأحاديث وكتبوها، وضبطوا العلم الموروث عن الصحابة ﵃، وكذلك ما يترتب عليها من مسائل شرعية وقواعد مرعية متعلقة بتلك الأماكن. كمسألة حدود الحرم، وما يتعلق بمضاعفة ثواب الصلاة فيه، وبئر بضاعة وعلاقتها بطهارة الماء، وحدود مشاعر الحج كمنى وعرفة ومزدلفة (١). وكذلك الاهتمام بمعرفة الأماكن التي تُقصد بالعبادة والقربة، من الصلاة والدعاء والوفاء بالنذر وما يترتب على تلك الأماكن من أحكام شرعية. كما جاء عن رجل في عهد النبي ﷺ أنه نذر أن ينحر إبلاً بِبُوَانَةَ (٢) فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فقال: إني نذرت أن أنحر إبلاً ببوانة، فقال النبي ﷺ : «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟» قالوا: لا. قال: «هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟» قالوا: لا. قال: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ لا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا فِيمَا لا يَمْلِكُ ابن آدَمَ» (٣).

стр. 86

فإحياء آثار المقامات المكانية التي قصدها النبي ﷺ ، ومواضع السيرة النبوية بالدراسة، والتعلّم، وفهم الوقائع الحادثة؛ لأغراض علمية تقوم وتبنى عليها الأحكام الشرعية، هو المطلوب إحياؤه شرعًا (١). وأما ما جاء عن بعض المتأخرين والمهتمين بالآثار من إحياء مقامات النبي ﷺ التي لم يقصدها، بالعناية والاهتمام، وتسمية بعض المواضع بأنها نبوية؛ لمرور النبي ﷺ عليها ولو لبرهة من الزمن، وبناء المساجد لا للحاجة إلى المسجد لكن لأجل صلاته ﷺ فيه (٢) وتسميته: مسجد نبوي (٣)، واعتقاد فضل الصلاة فيه، وكذلك إطلاق على بعض الآبار بأنها نبوية؛ لاستقاء النبي ﷺ أو وضوئه منها، أو جلوسه عليها، وغيرها من المواضع، كلها إطلاقات لا تصح؛ لعدم ورودها عن السلف الصالح (٤). وعندما أُدرج بعض الأمثلة من المواضع والبقاع التي أُثر أن النبي ﷺ مكث فيها، أو وطئها عرضًا (٥)، ضمن تقسيم المسألة الثانية، فهو من باب الحكاية عن القوم الذين سموها بذلك وحرصوا على التردد إليها، وليس من باب الإقرار والرضا بفضلها أو الحث والاهتمام بها؛ نزولاً للمخالف بهذه التسمية، وهو اصطلاح فُرض علينا ونحن نناقشه، كما أورد أهل العلم في كتبهم تلك المواضع لبيان حكم قصدها بالزيارة والتعبد، وليس لفضل كونها مقامات نبوية (٦).

стр. 87

وبسط هذا المطلب في المسائل التالية: المسألة الأولى: المراد بآثار مقامات النبي ﷺ المكانية. المسألة الثانية: أمثلة على آثار مقامات النبي ﷺ المكانية. المسألة الثالثة: حكم إحياء آثار مقامات النبي ﷺ المكانية. المسألة الأولى: المراد بآثار مقامات النبي ﷺ المكانية: المقام: هو الموضع الذي يُقام فيه (١)، وأقام في المكان؛ أي: لبث فيه. كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب: ١٣]؛ أي: لا موضع لكم تقيمون فيه (٢). والمقام يحمل أثر صاحبه، من غير أن يكون موضع دفنه، وتتعدد المقامات لانتقال صاحبه من مكان لآخر (٣). والمقام بشكل عام هو: كل مكان قام به الإنسان أو جلس به لأمر ما (٤). والمقصود بمقامات النبي ﷺ المكانية: المواضع التي أُثر أن النبي ﷺ مكث فيها، أو وطئها، عرضًا (٥)، لأي غرض كان (٦).

стр. 88

المسألة الثانية: أمثلة على آثار مقامات النبي ﷺ المكانية: آثار مقامات النبي ﷺ المكانية التي تقع في مكة، أو المدينة، أو خارجهما، لا تخلو عن أحد أمرين: ١ آثار مكانية ثابت ذكرها في القرآن أو في الآثار المروية الحديثية. ٢ آثار مكانية غير ثابت ذكرها، وإنما انقطعت أخبارها، وخفيت معالمها فترة من الزمن، ومن ثم أُحييت آثارها بعد قرون متطاولة من اندثارها، وأصبحت موجودة الآن. وهي من حيث نوعها: إما مساكن وبقاع، أو مساجد ومصليات، أو جبال وغيران، أو عيون وآبار وغيرها من المواضع التي جاء الخبر بمرور النبي ﷺ عليها. فمن الأمثلة عليها ما يلي: ١ آثار مكانية ثابت ذكرها في الآثار المروية منها: أ ما اندثر وزال. ب ما بقي حتى الآن. أ آثار مقامات النبي ﷺ المكانية الثابتة المندثرة: ١ المنبر: يقع منبر النبي ﷺ في مسجده شرقي محرابه، في موضع معروف، مشهور، لكنه في عام (٦٥٤ هـ) ذهب ضحية؛ بسبب الحريق الذي حصل في المسجد النبوي، فاحترق المنبر تمامًا، ولم يبق منه شيء، فوضِع مكانه منبر آخر، ثم جُدّد وبُدّل عدة مرات على مرّ العصور (١). ويعتبر منبره ﷺ من المعالم الأثرية، له فضله المذكور، وخبره المأثور، ومع ثبوت هذه الفضائل إلا أنه لا يجوز أن يُخص المنبر بالزيارة أو العبادة، لا سيما أن الموجود اليوم ليس هو المنبر نفسه الذي كان يخطب عليه النبي ﷺ (٢).

стр. 89

٢ بيت عتبان بن مالك الأنصاري ﵁ (١): من الدور التي صلى فيها النبي ﷺ بعدما طلب عتبان ﵁ من الرسول ﷺ الوقوف في بيته على جهة القبلة (٢). ٣ بئر حاء (٣): من آبار المدينة، كان النبي ﷺ يشرب من ماء فيها طيّب (٤)، وقد اندثر، ومحال أن يُعثر عليه (٥). ٤ بئر أريس الخاتم: جلس عليه النبي ﷺ وتوسط حافته (٦)، وسقط فيه خاتمه ﷺ من يد الخليفة عثمان بن عفان ﵁ (٧). ٥ بئر بضاعة: كان النبي ﷺ يتوضأ منها (٨)، وقد ردم البئر، واندثر وزال، وذهب رسمه (٩). ٦ دار الأرقم بن الأرقم (١٠) ومسجده: هي الدار التي عند الصفا

стр. 90

بمكة، اختبأ النبي ﷺ بها، ودعا فيها إلى الإسلام سرًّا، وفيها أسلم عمر بن الخطاب ﵁ (١). وفي عام (١٧١ هـ) اشترتها أم الخليفة هارون الرشيد، وأصبح الموضع يسمى باسمها دار الخيزران، وبنت فيها مسجدًا، وقد هدم في عام (١٣٧٥ هـ) (٢) وجعلت ضمن توسعة ساحة الحرم، ومواقفًا للسيارات، وطريقًا للمشاة (٣). ٧ غار المرسلات ومسجده (٤): عن يمين مسجد الخَيْف، في مكة، نزلت سورة المرسلات على النبي ﷺ وهو في الغار، وقد بني عنده مسجد، واندثر واندرس الغار والمسجد (٥). ب آثار مقامات النبي ﷺ المكانية الثابتة والباقية حتى الآن: ١ جبل أُحد: جبل شمال المدينة، ويعتبر من معالمها المشهورة (٦)، صعد عليه النبي ﷺ وقال: «هذا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» (٧). ٢ جبل ثور: يوجد جبلين بهذا الإسم، أحدهما: شمال المدينة (٨)،

стр. 91

والآخر: جنوب مكة، وفيه الغار الذي اختفى فيه النبي ﷺ وأبو بكر ﵁ في طريقهما للهجرة، وأنزل الله ذكره في القرآن (١) في قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]. ٣ جبل حراء (٢): شمال مكة، وهو غار كان النبي ﷺ يتحنث فيه قبل البعثة أيامًا، ونزل الوحي عليه ﷺ وهو فيه (٣). ٤ جبل الرماة: جبل في جنوب المدينة، ويسمى جبل عينين، أقام رسول الله ﷺ عليه الرماة يوم أُحد (٤). ٥ مسجد الخَيْف: مسجد مشهور موجود بمنى (٥)، صلى فيه النبي ﷺ في حجته، والأنبياء قبله (٦). ٦ مسجد مُزْدَلِفَة: بين مِنَى وعَرَفات، وهو المسجد الموجود بالمشعر الحرام، يقال: بُني في موضع صلَّى فيه النبي ﷺ (٧). ٧ مسجد الجُعرّانَة: بين مكة والمدينة، أحرم النبي ﷺ منه (٨)

стр. 92

عام حنين (١). ٨ عين تبوك: مرّ بها النبي ﷺ في غزوة تبوك، وغسل فيها وجهه ويده، ثم أعاد فيها (٢) ٢ آثار مكانية غير ثابت ذكرها، أو انقطعت أخبارها، وخفيت معالمها فترة من الزمن، ومن ثم أحييت بعد قرون متطاولة من اندثار آثارها، وادّعي وجودها الآن، مثل: ١ موضع مولد الرسول ﷺ : لا يُعرف له أساس صحيح يُعتمد عليه، وأول من حدده ابن إسحاق وتبعه بعد ذلك أصحاب السير واختلف بعده العلماء والمؤرخون في تعيينه؛ لعدم وجود أدلة قطعية تحدد هذا الموضع يقينًا (٣). والسبب يعود إلى أن ولادته ﷺ حدثت في زمن الجاهلية، وليس هناك من يعتني بحفظ الأماكن، لا سيما مع عدم وجود غرض يدفعهم للاهتمام به بعد مجيء الإسلام، وقد عُلم من حال الصحابة وتابعيهم ﵃ عدم الاعتناء بالأماكن التي لا يتعلق بها عمل شرعي، ولا يترتب عليها ثواب. فكان هذا هو السبب في خفاء كثير من الآثار في الإسلام، فما بالك بما وقع في الجاهلية (٤). ٢ مسجد البيعة: (٥) زُعم بأنه بُني على موضع بايع فيه النبي ﷺ

стр. 93

الأنصار ليلة العقبة، ومن المعلوم أن موضع البيعة قد خفي على الصحابة ﵃ (١)، فمن باب أولى خفاؤه على من بعدهم، وقد بني فترة ثم هُدم، ثم بُني في موضع آخر، وهو المسجد الموجود الآن والذي يقع قريبًا من جمرة العقبة، والصحيح أنه لا علاقة له بمسجد البيعة ولا وقعة الحديبية، وإنما هو بناء مُحدث (٢). ٣ المساجد السبعة (٣): هي عبارة عن مجموعة محاريب مساجد صغيرة، لا يكاد بعضها يسع صفين (٤)، تقع جنوب غرب سفح جبل سلع في المدينة النبوية، وهي جزء من امتداد واقعة غزوة الخندق (٥)، وهي الموسومة (٦) ب: أ مسجد الفتح (٧). ب مسجد سلمان الفارسي ﵁ (٨). ج مسجد علي بن أبي طالب ﵁ (٩). د مسجد أبي بكر الصديق ﵁ (١٠).

стр. 94

هـ مسجد عمر بن الخطاب ﵁ (١). و مسجد سعد بن معاذ ﵁ (٢). ز مسجد بني حرام ﵃ (٣). ٤ مسجد الكوع أو الموقف: يقع المسجد الآن على الطريق المؤدي لوادي وج بمحافظة الطائف، يعتقدون أن النبي ﷺ استراح عنده بعد مطاردة ثقيف إياه (٤)، ودعواهم خالية عن الدليل، وتحتاج إلى إثبات. ٥ جبل إلال (٥): ويسمى جبل عرفات (٦)، لم يقف عليه النبي ﷺ يوم عرفة، وإنما وقف تحته عند الصخرات الكبار ﷺ (٧). ٦ بئر غرس: كانت معروفة، ثم صارت بوارًا، وكأن لم تكن، ولم يرد ذكرها إلا في الأحاديث الموضوعة، والمنكرة، والواهية التي لا تقوم بها حجة، ولا تبنى عليها عقيدة، ومن عيّنها من المتأخرين، يعوزه الدليل، وقوة التعليل، ولو عُرف موضعها فإنه ليس لها، أو للاستقاء منها فضل شرعي مخصوص (٨).

стр. 95

٧ مبرك الناقة (١): هذا اسم لعدة مواضع: ١ بيت أبي أيوب الأنصاري ﵁ (٢). ٢ موضع في وسط مسجد قُباء (٣). ٣ موضع غزوة بدر (٤). مواضع بروك الناقة المذكورة، ليس لها أصل في الشريعة، حتى لو ثبت موضع فيها، فليس لها فضل؛ لعدم إحياء صحابة رسول الله ﷺ والسلف الصالح لها، حتى أنهم لم يعيروها أدنى اهتمام أو عناية (٥). ٨ أثر القدم المنسوبة للنبي ﷺ : في مصر، والقدس، والقسطنطينية، والطائف (٦). عدم صحة نسبة أثر القدم المنسوبة للنبي ﷺ ؛ إذ إن المعروف الآن من هذه الأحجار سبعة: أربعة منها بمصر، وواحد بقبة الصخرة في بيت المقدس، وواحد بالقسطنطينية، وواحد بالطائف وهي حجارة سوداء إلى الزرقة، في الغالب عليها آثار أقدام متباينة في الصورة والقدر، لا يشبه الواحد منها الآخر! (٧). وقد جاء نفي صحتها عند بعض العلماء منهما: ١ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (ت: ٧٢٨ هـ) يقول: وما يذكره بعض الجهال فيها أي: في الصخرة من أن هناك أثر قدم النبي ﷺ … وغير ذلك فكله كذب (٨).

стр. 96

٢ ابن قيم الجوزية ﵀ (ت: ٧٥١ هـ) يقول: وكل حديث في الصخرة فهو كذب مفترى والقدم الذي فيها كذب موضوع مما عملته أيدي المزورين الذين يروجون لها ليكثر سواد الزائرين (١). وبناء على الآثار السابق ذكرها فما كان غير ثابت، مكذوب مفترى، فلا يشمله الكلام الآتي؛ بل هو من قبيل التزييف التاريخي الذي يجب إزالته، وإبعاده. ويمكن تلخيص ما سبق ذكره من الآثار إلى أن: ١ المساجد: لم يثبت الفضل في الشرع إلا لأربعة مساجد: المسجد الحرام، المسجد النبوي، المسجد الأقصى، مسجد قباء، وما عداها لا يُشرع قصده بالصلاة ولا التعبّد فيه، وكذلك لا يشرع إحياء المساجد بالبناء على المواضع التي صلى فيها النبي ﷺ ؛ لأنها ليس لها خصيصة في الشرع، ولا فضل ولا ميزة، وإنما حكمها كحكم بقية المساجد (٢). وأن الهدف من بناء المساجد جمع الناس للصلاة والعبادة فيها، وهو اجتماع مقصود في الشريعة ووجود بعض المساجد المتقاربة في مكان واحد كالمساجد السبعة، لا يحقق هذا الهدف؛ بل هو مدعاة للافتراق المنافي لمقاصد الشريعة، والمساجد السبعة لم تبن للاجتماع وإنما للتبرك بالصلاة فيها والدعاء، وهذا ابتداع واضح (٣). ٢ الجبال والغيران: تعدّ من المعالم التي ما زال أثرها باقيًا في زماننا، وليس لها فضل، إلا جبل أحد ثبت ذكر فضله، مع ذلك ليس هناك دليل يحث على إحيائه بالزيارة الشرعية، وهذه المواضع لا يجوز تقديسها، ولا صعودها، قصد التعبد عندها، ولا التماس البركة منها، ولا تعلق لها

стр. 97

بالمناسك، وإنما هي علامات جغرافية ليس إلاّ (١). ٣ المساكن والبقاع والطرق: أن المواضع التي سلكها النبي ﷺ عرضًا، أو البقاع التي جلس فيها، أو مكث فيها مصادفة ولو لوهلة، ليس لها خصوصية، ولا أفضلية في الشرع، ولا يترتب على زيارتها ثواب، ولا ميزة لها على غيرها من الأماكن، ولا يجوز إحياؤها، ولا قصدها بالزيارة الشرعية، مثلها مثل بقية الأماكن (٢). ٤ الآبار والعيون: الآبار المذكورة آنفًا جاءت ثابتة في الآثار النبوية الحديثية ما عدا بئر غرس فهي مع ثبوتها ليس لها خصوصية شرعية، حتى وإن أحيوا أثر ما اندثر منها فليس للاستقاء منها فضل، ولا ميزة عن بقية الآبار (٣). فتحديد البقاع الأثرية المرتبطة بالنبي ﷺ تجد عناية خاصة من قِبل بعض المعنيين بالآثار، لما يرون من أنها تحتفظ بتاريخ عريق وأحداث ارتبطت بالماضي. كما أشار بعض المؤرخين في كتبهم إلى أماكن السيرة النبوية بمكة والمدينة، وما بينهما، برسم خرائط تُحدّد فيها المواقع التي مرّ عليها النبي ﷺ ؛ سعيًا منهم لإحيائها وتهيئتها للزيارة وتتبع حدودها على أرض الواقع، ومن ثم تحصل المبادرة بالتطبيق والتنفيذ إحياءً لها وتذليلاً للوصول إليها؛ لأسباب عاطفية يتخللها حسن نية وإرادة الخير، أو لأسباب اقتصادية ترفع من مستوى الدخل المادي، مع عدم تقدير الجانب العقدي والمنهج السلفي المتعلق بإحياء تلك الآثار.

стр. 98

ولأجل ذلك تم إيراد بعض الأمثلة على الآثار والأماكن الثابتة المندثرة، وبيان حال التي اختفت معالمها؛ من باب الاحتراز، والتحصين من الذين يطالبون بإحيائها، ويسعون إلى تتبع وتحديد معالمها بالبحث والتنقيب عن أماكنها، إذ إنها لا فضيلة تخصها ولا ميزة كما تقدّم بيانه. والمتأمل لكتب السيرة النبوية يجد أن أغلب الآثار فقيدة المعالم، عديمة الأسماء حتى جاء المؤرخون المتأخرون، ورغبوا في إعادة تلك المواضع، والاستفادة من تلك المراجع، وأن ينهلوا من تلك المراضع، ولكنهم وجدوها قليلة الكلام، مرّة الفطام، فلم يجدوا أمامهم إلا الظن فجعلوه إمامهم (١). ولعل من المناسب الإشارة إلى ما ينبني على ثبوت تلك الأماكن الباقية، وهي: ١ أنها كسائر مثيلاتها ولا ميزة لها على غيرها (٢). ٢ ما هو موجود منها الآن لا يشرع قصد الصلاة فيها لا للقربة ولا للتماس البركة (٣). ٣ لا يجوز إحياء عين الأثر بالترميم والعناية وتذليل الوصول إليه (٤). كما سيتم بيان الحكم بالتفصيل في المسألة التالية. المسألة الثالثة: حكم إحياء آثار مقامات النبي ﷺ المكانية: حكم إحياء آثار مقامات النبي ﷺ التي سلكها أو مكث فيها، أو صلى بها اتفاقًا من غير قصد، فيها تفصيل بحسب المراد بالإحياء، من ناحيتين: ١ إحياء المسلم لآثار مقامات النبي ﷺ بالزيارة. ٢ إحياء آثار مقامات النبي ﷺ المكانية بالعناية وتذليل الوصول إليها بالترميم والتحسين والتهيئة.

стр. 99

حكم إحياء المسلم لآثار مقامات النبي ﷺ المكانية بالزيارة يتفرع عنه مقصدان: أ تحري العبادة، والقربة إلى الله ﷻ . ب الاطلاع والمشاهدة والفرجة. سأتناول في هذه المسألة حكم إحياء آثار مقامات النبي ﷺ المكانية الثابتة سواء بالزيارة، أو إحيائها بالعناية والترميم وتذليل الوصول إليها. أما الآثار المكذوبة، والمنسوبة للنبي ﷺ زورًا وبهتانًا، فلا يشملها الحكم؛ وليست هي محل دراسة؛ إذ إنها تعتبر من التزييف التاريخي الذي يجب أن يُزال ويُبعد. حكم إحياء المسلم لآثار مقامات النبي (ص) المكانية بالزيارة بقصد تحري العبادة، والتقرّب إلى الله : حكى جماعة من أئمة السلف، من الصحابة (١) والتابعين (٢)، ومن بعدهم (٣)، عدم مشروعية إحياء آثار مقامات النبي ﷺ المكانية بالزيارة بقصد تحري العبادة، والتقرب إلى الله ﷻ .

стр. 100

وأول من تصدى لبدعة تتبع آثار مقامات النبي ﷺ المكانية وتحري العبادة عندها، الخليفة الراشد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ (١)، ثم بعد ذلك توالى أئمة السلف في كل قرن ينهون عن تحري العبادة عند الآثار، ويكرهون زيارتها. ولتوضيح ذلك سأذكر أوجه تحريم إحيائها بالزيارة قصد التعبّد والقربة، كالتالي: ١ ثبوت النهي المقتضي للتحريم؛ استنادًا على فعل الخليفة الراشد، أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ (٢)، وإقرار الصحابة ﵃ له عندما نهى ﵁ عن الصلاة في المواضع التي صلى بها النبي ﷺ عرضًا. كما جاء في الأثر الثابت عن المعرور بن سويد ﵀ قال: خرجنا مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ من مكة إلى المدينة، فلما أصبحنا صلى بنا الغداة، ثم رأى الناس يذهبون مذهبًا، فقال: أين يذهب هؤلاء؟ قيل يا أمير المؤمنين مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ هم يأتون يصلون فيه، فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، يتبعون آثار أنبيائهم فيتخذونها كنائس وبيعًا، من أدركته الصلاة في هذه المساجد فليصل، ومن لا، فليمض، ولا يتعمّدها (٣).

стр. 101

فهذه الحادثة حصلت في عهد الصحابة ﵃ عندما تتبعوا الآثار التي صلى بها النبي ﷺ ، وأحيوها بالصلاة متابعةً واقتداءً به ﷺ . وذلك لأن المتابعة أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا فعل فعلاً على وجه العبادة، شُرع لنا أن نفعله على وجه العبادة، وإذا قصد تخصيص مكان أو زمان بالعبادة، خصصناه بذلك … فلما كان النبي ﷺ لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه؛ بل صلى فيه لأنه موضع نزوله، رأى عمر ﵁ أن مشاركته في صورة الفعل من غير موافقة له في قصده ليس متابعة؛ بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب، التي هلكوا بها، ونهى المسلمين عن التشبه بهم في ذلك، ففاعل ذلك متشبه بالنبي ﷺ في الصورة، ومتشبه باليهود والنصارى في القصد الذي هو عمل القلب، وهذا هو الأصل، فإن المتابعة في النية أبلغ من المتابعة في صورة العمل (١). فالنبي ﷺ نزلها لكونها في طريقه، ولم يقصد الموضع أو البقعة بالعبادة، وإنما حصلت منه ﷺ اتفاقًا، وجلس ﷺ فيها مصادفة، وسلكها ﷺ عرضًا، ومن قصدها بالعبادة؛ فإنه يكون مخالفاً للنبي ﷺ في النية والقصد (٢). فلما أنكر عليهم أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين عن تتبع الآثار التي صلى فيها النبي ﷺ ، دل ذلك على عدم مشروعية التتبع فضلاً عن القربة والتبرك، ولو اقتصرنا على هذا الدليل في عدم مشروعية إحياء آثار مقامات النبي ﷺ وتتبُعها لكفى. ٢ جاء في الأثر الثابت عن الإمام نافع ﵀: أن عمر ﵁ لما بلغه أن ناسًا يأتون الشجرة التي بويع تحتها، فأمر بها فقطعت (٣)؛ أي: أنه ﵁

стр. 102

قطعها لما رأى مجرد تتبع موضعها فضلاً عن التعبّد عندها. ٣ أن زيارة آثار مقامات النبي ﷺ المكانية للتعبد بدعة محدثة؛ بدليل أن النبي ﷺ وصحابته الكرام ﵃ عاشوا سنوات عديدة قبل الهجرة وبعدها، في مكة والمدينة، ولم يقصدوا بقعة منها للعبادة، ولم يُنقل عن أحد منهم أنه زار جبل ثور أو حراء أو العقبة (١)، أو موضع المولد وغيرها من المواضع السابق ذكرها للتعبد والتقرب. ومعلوم أنه لو كان هذا مشروعًا مستحبًّا يثيب الله عليه؛ لكان النبي ﷺ أعلم الناس، وأحرصهم على تبليغ هذا الأمر للصحابة ﵃، ولكان الصحابة ﵃ أسبق الناس وأرغب فيها ممن بعدهم، فلما كانوا لا يلتفتون إلى شيء من ذلك عُلم أنه من البدع المحدثة (٢). فكل أمر لم يكن مشروعًا في عهده ﷺ وعهد أصحابه ﵃ لا يمكن أن يكون مشروعًا بعد ذلك، ولو فُتح هذا الباب لفسد أمر الدين، ودخل فيه ما ليس منه (٣). ٤ أن الأصل في العبادات الحظر (٤)، إلا ما ورد الدليل بمشروعيته، فيكون قصد التقرب إلى الله بزيارة آثار مقامات النبي ﷺ المكانية محرم شرعًا، ولا يجوز إحياؤها بأي شكل كان؛ لعدم ورود الدليل بمشروعيته (٥). ٥ أن قصد التقرّب لله تعالى عند آثار مقامات النبي ﷺ المكانية،

стр. 103

يؤدي إلى اعتقاد بركة ذات المكان، وهذا الاعتقاد يخل بتوحيد المسلم، والشريعة الإسلامية قد جاءت بسد ذرائع البدع والشرك (١). وقد نص علماء السلف على أن سد الذرائع أصل عظيم من أصول الدين الإسلامي، فها هو الإمام ابن قيم الجوزية ﵀ أثبت تسعة وتسعين دليلاً على اعتبار قاعدة سد الذرائع (٢)، وكما ساق الإمام الشاطبي ﵀ اتفاق السلف على أصل سد الذريعة (٣). ٦ تشبه بالكفار والمشركين من اليهود والنصارى؛ لأن الأصل في تتبع الآثار، وإحيائها بالقربة ليس من دين الإسلام؛ بل هو من دين المشركين، ولما جاء الإسلام أبطل ما كانوا عليه من تعظيم البقاع والأشجار (٤). وما يدل على ذلك حديث أبي واقد الليثي ﵁ قال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ وَكَانُوا أَسْلَمُوا يَوْمَ الْفَتْحِ قَالَ: فَمَرَرْنَا بِشَجَرَةٍ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله اجعل لنا ذات أنواط كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ وَكَانَ لِلْكُفَّارِ سِدْرَةٌ يَعْكِفُونَ حَوْلَهَا وَيُعَلِّقُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ يَدْعُونَهَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ فَلَمَّا قُلْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ *﴾ لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» (٥).

стр. 104

وأيضًا قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في الأثر السابق ذكره: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، يتبعون آثار أنبيائهم فيتخذونها كنائس وبيعًا، من أدركته الصلاة في هذه المساجد فليصل، ومن لا، فليمض، ولا يتعمدها (١). ٧ قول النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ … » (٢). علّق الحافظ ابن عبد البر ﵀ على هذا الحديث بقوله: التحذير أن يصلى إلى قبره، وأن يُتخذ مسجدًا، وفي ذلك أمر بأن لا يعبد إلا الله وحده، وإذا صنع من ذلك (٣) في قبره فسائر آثاره أحرى بذلك. وقد كره مالك ﵀ وغيره من أهل العلم طلب موضع الشجرة التي بويع تحتها بيعة الرضوان، وذلك والله أعلم مخالفة لما سلكه اليهود والنصارى في مثل ذلك (٤). فيؤخذ من الحديث المنع من تتبع آثار الأنبياء، والصالحين؛ كقبورهم، ومجالسهم، ومواضع صلاتهم؛ للصلاة، والدعاء عندها؛ فإن ذلك من البدع، أنكره السلف من الصحابة ﵃ والتابعين، وغيرهم (٥).

стр. 105

ومما يُثبت المنع ما قاله الأئمة الأعلام في تحريم إحياء الممنوع من الآثار: قال الإمام ابن وضاح ﵀ (ت: ٢٨٦ هـ): كان مالك بن أنس ﵀ وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار للنبي ﷺ ما عدا قباء وحده (١). وسمعتهم يذكرون أن سفيان الثوري دخل مسجد بيت المقدس فصلى فيه، ولم يتبع تلك الآثار ولا الصلاة فيها، وكذلك فعل غيره أيضًا ممن يقتدى به. وقدم وكيع أيضًا مسجد بيت المقدس فلم يعد فعل سفيان. وقال ﵀: فعليكم بالاتباع لأئمة الهدى المعروفين؛ فقد قال بعض من مضى: كم من أمر هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان منكرًا عند من مضى، ومتحبب إليه بما يبغضه عليه، ومتقرب إليه بما يبعده منه، وكل بدعة عليها زينة وبهجة (٢). وقال الإمام أبو بكر الطرطوشي ﵀ (ت: ٥٢٠ هـ): انظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمونها، ويرجون البُرْءَ والشفاء من قِبَلها، ويضربون بها المسامير والخِرَق؛ فهي ذات أنواط، فاقطعوها (٣). وقال الحافظ أبو شامة ﵀ (ت: ٦٦٥ هـ): ما قد عَمَّ به الابتلاء، من تزيين الشيطان للعامّة تخليق الحيطان والعُمُد، وسرج مواضع مخصوصة من كل بلد، يحكي لهم حاكٍ أنه رأى في منامه بها أحدًا ممن شُهِرَ بالصلاح والولاية، فيفعلون ذلك، ويحافظون عليه، مع تضييعهم فرائض الله وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك، ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم فيعظمونها، ويرجون الشفاء لمرضاهم،

стр. 106

وقضاء حوائجهم بالنذر لها، وهي من بين عيون، وشجر، وحائط، وحجر (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (ت: ٧٢٨ هـ): كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ وسائر السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، يذهبون من المدينة إلى مكة حجاجًا وعمارًا ومسافرين، ولم ينقل عن أحد منهم أنه تحرى الصلاة في مصليات النبي ﷺ ، ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحبًّا لكانوا إليه أسبق، فإنهم أعلم بسُنَّته، وأتبع لها من غيرهم (٢). وقال ﵀: فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها، ولم يستحب الشارع قصدها، فهو من المنكرات، وبعضه أشد من بعض، سواء قصدها ليصلي عندها، أو ليدعوا عندها … (٣). وقال ﵀: وأصل دين المسلمين: أنه لا تختص بقعة بقصد العبادة فيها إلا المساجد خاصة، وما عليه المشركون وأهل الكتاب، من تعظيم بقاع للعبادة غير المساجد كما كانوا في الجاهلية يعظمون حراء، ونحوه من البقاع فهو مما جاء الإسلام بمحوه وإزالته ونسخه (٤). وقال ﵀: ولم يشرع الله تعالى للمسلمين مكانًا يقصد للصلاة إلا المسجد، ولا مكان يقصد للعبادة إلا المشاعر، فمشاعر الحج كعرفة ومزدلفة ومنى تقصد بالذكر والدعاء والتكبير لا الصلاة، بخلاف المساجد، فإنها هي التي تقصد للصلاة، وما ثم مكان يقصد بعينه إلا المساجد والمشاعر، وفيها الصلاة والنسك … وما سوى ذلك من البقاع فإنه لا يستحب قصد بقعة بعينها للصلاة ولا الدعاء ولا الذكر إذ لم يأت في شرع الله ورسوله قصدها لذلك، وإن كان مسكنًا لنبي أو منزلاً أو ممرًّا. فإن الدين أصله متابعة النبي ﷺ وموافقته بفعل ما أمرنا به وشرعه لنا

стр. 107

وسنَّه لنا، ونقتدي به في أفعاله التي شرع لنا الاقتداء به فيها (١). وقال ﵀: وأما زيارة المساجد التي بنيت بمكة غير المسجد الحرام؛ كالمسجد الذي تحت الصفا، وما في سفح أبي قبيس ونحو ذلك من المساجد التي بنيت على آثار النبي ﷺ وأصحابه كمسجد المولد وغيره، فليس قصد شيء من ذلك من السُّنَّة ولا استحبه أحد من الأئمة … ، وكذلك قصد الجبال والبقاع التي حول مكة غير المشاعر عرفة ومزدلفة ومنى مثل جبل حراء والجبل الذي عند منى الذي يقال: إنه كان فيه قبة الفداء ونحو ذلك، فإنه ليس من سُنَّة رسول الله ﷺ زيارة شيء من ذلك بل هو بدعة. وكذلك ما يوجد في الطرقات من المساجد المبنية على الآثار والبقاع التي يقال: إنها من الآثار؛ لم يشرع النبي ﷺ زيارة شيء من ذلك بخصوصه، ولا زيارة شيء من ذلك (٢). وقال ﵀: وأما صعود الجبل الذي هناك [عرفة] فليس من السُّنَّة ويسمى جبل الرحمة ويقال له: إلال على وزن هلال، وكذلك القبة التي فوقه التي يقال لها: قبة آدم لا يستحب دخولها ولا الصلاة فيها. والطواف بها من الكبائر، وكذلك المساجد التي عند الجمرات لا يستحب دخول شيء منها ولا الصلاة فيها. وأما الطواف بها أو بالصخرة أو بحجرة النبي ﷺ وما كان غير البيت العتيق فهو من أعظم البدع المحرمة (٣). وقال ﵀: ألا ترى أن متابعة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في أعمالهم، أنفع وأولى من متابعتهم في مساكنهم ورؤية آثارهم (٤). وقال الإمام ابن قيم الجوزية ﵀ (ت: ٧٥١ هـ): عمّى الصحابة ﵃ بأمر عمر بن الخطاب ﵁ قبرَ دانيال، وأخفاه عن

стр. 108

الناس، ولما بلغه أن الناس ينتابون الشجرة التي بايع تحتها رسول الله ﷺ أصحابه، أرسل فقطعها … ؛ لأن الناس كانوا يذهبون فيصلُّون تحتها، فخاف عليهم الفتنة. فإذا كان هذا فعل عمر ﵁ بالشجرة التي ذكرها الله في القرآن، وبايع تحتها الصحابةُ ﵃ رسول الله ﷺ فماذا حكمه فيما عداها (١). وقال الإمام الشاطبي ﵀ (ت: ٧٩٠ هـ): وقد كان مالك ﵀ يكره كل بدعة وإن كانت في خير. وجميع هذا ذريعة لئلا يتخذ سُنَّة ما ليس بسُنَّة، أو يعد مشروعًا ما ليس معروفًا. وقد كان مالك ﵀ يكره المجيء إلى بيت المقدس؛ خيفة أن يتخذ ذلك سُنَّة، وكان يكره مجيء قبور الشهداء، ويكره مجيء قباء؛ خوفًا من ذلك، مع ما جاء في الآثار من الترغيب فيه، ولكن؛ لما خاف العلماء عاقبة ذلك؛ تركوه … وسئل ابن كنانة ﵀ عن الآثار التي تركوا بالمدينة، فقال: أثبت ما في ذلك عندنا قباء، إلا أن مالكًا كان يكره مجيئها، خوفًا من أن يتخذ سُنَّة. فهذه أمور جائزة أو مندوب إليها، ولكنهم كرهوا فعلها خوفًا من البدعة؛ لأن اتخاذها سُنَّة إنما هو بأن يواظب الناس عليها مظهرين لها، وهذا شأن السُّنَّة، وإذا جرت مجرى السنن؛ صارت من البدع بلا شك (٢). وقال ولي الله الدهلوي ﵀ (ت: ١١٧٦ هـ): كان أهل الجاهلية يقصدون مواضع معظمة بزعمهم يزورونها، ويتبركون بها، وفيه من التحريف والفساد ما لا يخفى. فَسَدّ النبي ﷺ الفساد لئلا يلتحق غير الشعائر بالشعائر، ولئلا يصير ذريعة لعبادة غير الله، والحق عندي أن القبر، ومحل عبادة ولي من أولياء الله،

стр. 109

والطور، كل ذلك سواء في النهي والله أعلم (١). وقال العلامة سليمان بن عبد الله ﵀ (ت: ١٢٣٣ هـ): المنع من تتبع آثار الأنبياء والصالحين كقبورهم ومجالسهم، ومواضع صلاتهم للصلاة، والدعاء عندها، فإن ذلك من البدع، أنكره السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم (٢). وقال الأمير العالم محمد صديق خان القنوجي ﵀ (ت: ١٣٠٧ هـ): في معرض حديثه عن الجبال التي بمكة: ليست زيارة شيء من هذه الجبال بسُنَّة (٣). وقال المحدّث محمد ناصر الدين الألباني ﵀ (ت: ١٤٢٠ هـ): وما رجحناه من المنع إنما هو في المواضع التي صلى فيها رسول الله ﷺ اتفاقًا، وأما الأماكن التي كان ﷺ يقصدها للصلاة والدعاء عندها فقصدها من أجل ذلك سُنَّة اقتداء به ﷺ ، ثم إن ذلك المنع إذ لم يقترن به شد رحل، وأما إذا اقترن به ذلك فهو ممنوع قطعًا (٤). وقال العلامة صالح الفوزان حفظه الله: النبي ﷺ حرم كل الوسائل التي تُفضي إلى الشرك، من تعظيم الآثار التي تتمثل بتعظيم البيوت التي تنسب إليه ﷺ وأهل بيته وأصحابه ﵃ فلم يحافظ عليها، ولا أمر بالمحافظة عليها. ولما سئل عام الفتح: أتنزل في دارك غدًا قال: «وهل ترك لنا عقيل (٥) من رباع أو دور». لأنه باعها، ولم يأمر النبي ﷺ باسترجاعها والمحافظة عليها؛ بل تركها

стр. 110

تباع وتشترى ويُسكن فيها حسب الحاجة (١). وقال: الأمة ليست بحاجة إلى إحياء آثار ترابية، وإنما هي بحاجة إلى إحياء السُّنَّة النبوية (٢). تلك هي نماذج لنهي السلف الصالح ومنعهم بأقوالهم وأفعالهم عن إحياء آثار مقامات النبي ﷺ المكانية بالزيارة قصد التعبّد والتقرب إلى الله تعالى. أما عن حكمها من جهة إحياء المسلم آثار مقامات النبي ﷺ المكانية الثابتة بالزيارة على غير وجه التعبد؛ وإنما للاطلاع والمشاهدة: اختلف العلماء في حكم زيارة آثار مقامات النبي ﷺ المكانية الثابتة عنه ﷺ للاطلاع، أو المشاهدة، على غير وجه القربة والتعبد، وبدون شد الرحال إليها، على قولين: القول الأول: بالمنع، واستدلوا بما يلي: الدليل الأول: أن في زيارتها ذريعة للبدع، ووسيلة للشرك؛ لأن النفوس ضعيفة ومجبولة على التعلّق بما تظن أنه ينفعها. مناقشة الدليل: تكون الزيارة ذريعة للبدع، ووسيلة للشرك إذا قُصدت تلك المواضع للتعبد. الدليل الثاني: أنه لم يكن من عمل الصحابة ﵃ زيارة تلك الآثار، ومن هنا خفيت كثير من تلك المعالم بعد زمن يسير، وعلى ذلك سار علماء الأمة في عصورها الأُول. كما جاء عن الإمام مالك بن أنس، وعلماء المدينة، وسفيان الثوري ووكيع وغيرهم، أنهم كانوا يكرهون إتيان تلك المساجد، والمجيء إلى بيت المقدس، وإلى قبور الشهداء، وتلك الآثار للنبي ﷺ ما عدا قُباء، مع ما
следующие страницы →