← Акыда

Акыда · id 1274

إحياء الآثار دراسة عقدية

منيرة المقوشي

Полный текст (616 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وأما التكبير المقيد والذي يكون بعد الصلوات، فيبدأ من فجر يوم عرفة إلى غروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق (١). ٢ الاغتسال والتطيّب والتجمّل بأحسن الثياب، قبل الخروج للمصلى: أقرَّ النبي ﷺ عمر بن الخطاب ﵁، ولم ينكر عليه التجمّل للعيد حين رأى عمرُ جبة فقال: «يا رسول الله، ابتع هذه، تجمل بها للعيد والوفود» (٢). وقد بوّب الإمام البخاري ﵀ في صحيحه: «باب في العيدين والتجمل فيه»، مستندًا على تقرير النبي ﷺ لمقولة عمر ﵁ (٣)، وهو دليل على مشروعية أصل التجمل والتزين للعيد، وأنها سُنَّة على كل من يقدر عليها (٤). وثبت عن ابن عمر ﵄ أنه كان يغتسل في العيدين قبل أن يغدو إلى المصلى (٥)، ويلبس أحسن ثيابه (٦)، ويتطيب (٧). واستحب طائفة من أهل العلم الاغتسال للعيد، والتطيّب ولبس أجمل الثياب (٨)، ولو اقتصر على الوضوء، وعلى ثيابه العادية فلا حرج (٩).

стр. 142

أما النساء إذا خرجن لمصلى العيد، وللمساجد بالعموم لا يتطيبن، ولا يتبرجن، كما قال رسول الله ﷺ : « … لِيَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلَاتٌ (١)» (٢). ٣ أكل تمرات وترًا قبل صلاة عيد الفطر، والأكل من الأضحية بعد صلاة عيد الأضحى: كان رسول الله ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يَطْعَمَ، وكان لا يأكل يوم النحر شيئًا حتى يرجع فيأكل من أضحيته (٣). وقال أنس ﵁: ما خرج رسول الله ﷺ يوم فطر حتى يأكل تمرات ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا، أو أقل من ذلك، أو أكثر من ذلك وترًا (٤). ٤ صلاة العيد (٥): أجمع المسلمون على مشروعية صلاة العيد (٦)؛ لأن النبي ﷺ أمر بها، وواظب عليها، حتى أنه ﷺ أمر النساء العواتق، وذوات الخدور، والحيض بالخروج إلى الصلاة. ومن حرص النبي ﷺ لخروج الجميع للصلاة أوصى من لم يكن لديها

стр. 143

جلباب بأن تلبسها صاحبتها من جلبابها؛ ليشهدن الخير ودعوة المؤمنين (١). ٥ الفرح والسرور واللهو المباح: لما قدم النبي ﷺ المدينة، ولأهلها يومان يلعبون فيهما فقال ﷺ : «مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟» قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يَوْمَ الأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ» (٢). فهذا الحديث يدل على ما كان عليه أهل الجاهلية من اللعب في يومين كل سنة، ويعملون ما لا يرضى به الله تعالى، فلما ظهر الإسلام، أبدل الله منهما هذين اليومين اللذين يظهر فيهما تكبير الله تعالى وتحميده وتوحيده ظهورًا شائعًا يغيظ المشركين (٣). وقيل: إنهما يقعان شكرًا على ما أنعم به من أداء العبادات، فعيد الفطر يقع شكرًا لله تعالى على إتمام صوم رمضان، وعيد الأضحى يقع شكرًا لله تعالى على العبادات الواقعة في العشر، وأعظمها إقامة شعيرة الحج (٤). وأيضًا لما دخل رسول الله ﷺ على عائشة ﵂ وعندها جاريتان تغنيان بغناء بعاث (٥)، فاضطجع ﷺ على الفراش، وحوّل وجهه (٦)، وجاء أبو

стр. 144

بكر ﵁ فانتهرها وقال: مزمار الشيطان عند النبي ﷺ فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: «دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَإِنَّ عِيدَنَا هَذَا الْيَوْمُ» (١). وأيضًا في يوم العيد لعب الحبشة بالحراب والدرق بالمسجد، ورقصوا بها، قالت عائشة ﵂: سمعت لغطًا وصوت صبيان، فقام النبي ﷺ : فإذا حبشة تزفن؛ أي: ترقص والصبيان حولها فقال: «يا عائشة تعالي فانظري»، قالت: فأقامني وراءه، خدي على خده وهو يقول: «دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ»، حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ، قَالَ: «حَسْبُكِ». قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «فَاذْهَبِي» (٢). هذه الأحاديث تدل على مشروعية التوسعة في أيام الأعياد بأنواع اللهو المباح، وما يحصل به من بسط النفس، وترويح البدن، من كلف العبادة، وأن إظهار السرور في الأعياد من شعار الدين (٣). إحياء يوم الجمعة بجمع من العبادات: يُعدّ هذا اليوم العظيم عيدًا من أعياد المسلمين، كما قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ هَذَا يَوْمُ عِيدٍ جَعَلَهُ اللهُ لِلْمُسْلِمِينَ … » (٤). وهو خير أيام الاسبوع: قال رسول الله ﷺ : «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ. وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ. وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا» (٥). وكان من هديه ﷺ تعظيم هذا اليوم وتشريفه، وتخصيصه بعبادات

стр. 145

يختص بها عن غيره (١). فيختص هذا اليوم بفضائل ومزايا تخصه دون غيره من الأيام (٢)، ويشرع إحياء يوم الجمعة بأنواع من العبادات المشروعة التي دل الدليل الصحيح على ثبوتها، ومن جملة تلك العبادات ما يلي: ١ الاغتسال والتطيب ولبس أحسن الثياب والتسوّك: قال النبي ﷺ : «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَسِوَاكٌ، وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ ما قَدَرَ عَلَيْهِ» (٣). وكان النبي ﷺ يلبس يوم الجمعة أحسن ثيابه (٤)، كما حثّ على ذلك ﷺ بقوله: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ، وَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَلَمْ يَتَخَطَّ أَعْنَاقَ النَّاسِ، ثُمَّ صَلَّى ما كَتَبَ اللهُ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ إِمَامُهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ جُمُعَتِهِ الَّتِي قَبْلَهَا» (٥). ٢ الإكثار من الدعاء وتحري ساعة الإجابة: ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «فِيهِ سَاعَةٌ لا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى شَيْئًا، إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا (٦).

стр. 146

٣ قراءة سورة الكهف: قال النبي ﷺ : «إِنَّ مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ ما بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ» (١). ٤ الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ (٢): قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *﴾ [الأحزاب]. وقال رسول الله ﷺ : «إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ». قَالُوا: وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ؟ فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ» (٣). وفي رواية: «إِذَا كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَيَّ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تُعْرَضُ عَلَيَّ» (٤).

стр. 147

فالصلاة على النبي ﷺ في كل وقت، والإكثار منها في يوم الجمعة خصوصًا قربة من أجلِّ القربات، ومن أعظم الطاعات التي أمر الله تعالى بها، وندبَ إليها، وأثنى على أهلها؛ لأنها مِنْ أنفَع الأدعية التي تكون للمسلم في الدُّنيا والآخرة، حيث إنها سببٌ لمغفرة الذنوب، وقضاء الحاجات، وكذلك في الصلاة عليه ﷺ تحقيق لازم من لوازم وتمام محبَّته ﷺ وتعظيمه وتوقيره وأداء حقِّه (١)؛ الذي هو أعظم الخلق حقًّا على المسلم، فحقه أعظم من حق الوالدين (٢). ومن الفوائد والثمرات التي يجنيها المسلم عند الصلاة على النبي ﷺ (٣): ١ امتثال أمر الله ، وموافقة الله في أمر أخبر سبحانه أنه فعله لنبيه ﷺ . ٢ موافقة الملائكة فيها. ٣ حصول عشر صلوات من الله ﷻ على المصلي مرة. ٤ يرجى إجابة دعائه إذا قدمها أمامه فهي تصاعد الدعاء إلى الرب ﷻ . ٥ يرفع الله العبد بها عشر درجات. ٦ ويكتب له عشر حسنات، ويُمحى عنه عشر سيئات. ٧ سبب لغفران الذنوب. ٨ سبب لشفاعته ﷺ ، وقرب العبد منه ﷺ يوم القيامة. ٩ سبب لقضاء العبد حوائجه، وكفايته ما أهمه. والثمرات المجنية كثيرة لا سبيل إلى حصرها هنا، وقد ذكر ابن القيّم ﵀ ما يزيد على ثلاثين ثمرة وفائدة تحصل للمسلم عندما يصلي على النبي ﷺ (٤).

стр. 148

قال الإمام ابن قيم الجوزية ﵀ عن فضل يوم الجمعة: إنه اليوم الذي يُستحب أن يتفرغ فيه للعبادة، وله على سائر الأيام مزية بأنواع من العبادات واجبة ومستحبة. فالله سبحانه جعل لأهل كل ملة يومًا يتفرغون فيه للعبادة، ويتخلون فيه عن أشغال الدنيا، فيوم الجمعة يوم عبادة، وهو في الأيام كشهر رمضان في الشهور، وساعة الإجابة فيه كليلة القدر في رمضان. ولهذا من صح له يوم جمعته وسلم، سلمت له سائر جمعته، ومن صح له رمضان وسلم، سلمت له سائر سنته، ومن صحت له حجته وسلمت له صح له سائر عمره، فيوم الجمعة ميزان الأسبوع، ورمضان ميزان العام، والحج ميزان العمر، وبالله التوفيق (١). فحريّ بالمسلم اغتنام هذا اليوم بالذكر والدعاء والصلاة على النبي ﷺ … ، ولا يجعله موضع النزهة واللعب والتفريط (٢). القسم الثاني: آثار المواسم الزمانية التي ليس لها أصل شرعي، وهذا القسم ينقسم من حيث تعلقه بالوقائع إلى نوعين: ١ آثار المواسم الزمانية المتعلقة بوقائع إسلامية. ٢ آثار المواسم الزمانية غير المتعلقة بوقائع إسلامية. النوع الأول: آثار المواسم الزمانية المتعلقة بوقائع إسلامية: بدعية إحياء ذكرى المولد النبوي (٣): من جملة ما أُحدث في الدين الاجتماع في اليوم الثاني عشر من ربيع

стр. 149

الأول؛ للاحتفال بذكرى مولد النبي ﷺ ، وذلك بإحياء سيرته وإلقاء الخطب والقصائد والأشعار فيه، حيث يشتمل الاجتماع على بدع وشركيات كالاستغاثة والنداء وطلب المدد، وإنشاد القصائد التي فيها غلو في وصفه وتجاوز في إطرائه. وكذلك يتخلله أمورٌ من المحرمات كالاختلاط والمعازف والرقص وإضاعة الأموال الطائلة فيما يُغضب الله ﷻ . ومما لا شك فيه أن ذكرى رسول الله ﷺ تتجدد مع المسلم كل حين، ولا تحتاج إلى إحياء؛ لأنها هي في أصلها حيّة وحاضرة ومرتبطة بالمسلم في كل تفاصيل حياته، وفي جميع أحواله، وأوقاته، ولم يمت ذكره ﷺ حتى يُلجأ إلى إحيائه. والمتأمل لأصل إحياء ذكرى مولد الرسول ﷺ نجد أنه تقليد للنصارى في إحيائهم ذكرى مولد عيسى ﵇، والرسول ﷺ حذرنا من التشبه بأهل الكتاب، قائلاً ﷺ : «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ» (١). فلما تسللت إلينا الفكرة من الخارج، وكان التنفيذ من الداخل، والتقليد هو الدافع، تشبهًا بالمجتمع النصراني الذي أصابه التخلّف الأخلاقي، والتمزق والتفرق، مما اضطرهم إلى إحياء كثير من الأعياد في مجتمعاتهم؛ حتى يبقى شيءٌ من قيمهم ومبادئهم التي انحدرت في الهاوية، وانسلخت عنها الفضيلة، أتى من المغترين بهم من ينفذ كل ما يرى عندهم بدون أن يعرض على الشرع هذا الأمر المُحدث. ولا شك أن تعظيم النبي ﷺ واحترامه ومحبته تكون بالإيمان بكل ما

стр. 150

جاء به من عند الله وباتباع شريعته عقيدةً وقولاً، وعملاً، وخلقًا، وبترك الابتداع في الدين. إذ إن إحياء ذكرى المولد النبوي لا أصل له لا من الناحية الشرعية ولا من الناحية التاريخية، كما سيأتي التفصيل في تفنيد الشبهات المتعلقة بالمولد (١). بدعية إحياء ليلة الإسراء والمعراج في السابع والعشرين من رجب: مما لا شك ولا امتراء فيه أن حادثة الإسراء والمعراج حق، ومن آيات الله العظيمة، الدالة على صدق رسوله ﷺ ، وعلى عظم منزلته عند الله ، كما أنها من الدلائل الباهرة على قدرة الله ﷻ ، وعلى علوه على جميع خلقه (٢). ومع ما حصل في هذه الليلة من الآيات العظيمة، والمعجزات الباهرة، لم يثبت أصل في إحياء هذه الليلة من ناحيتين: ١ الناحية الشرعية: لم يأتِ دليل صحيح يخصص هذه الليلة بشيء، ولا يميّزها بالعبادة أو الاحتفال، ولم يكن معروفًا عند الصحابة ﵃ والتابعين إحياء ليلة الإسراء والمعراج، بدليل أنهم لم يحفظوا تاريخ حصولها. ٢ الناحية التاريخية: لم يأت في الأحاديث الصحيحة تعيين الشهر الذي حصلت فيه الحادثة، فضلاً عن اليوم، وكل ما ورد في تعيينها غير ثابت عن النبي ﷺ ، ولله الحكمة البالغة في نسيان الناس لها (٣). وجاء عن كثير من العلماء المتقدمين والمتأخرين: أن تعيين ليلة الإسراء في رجب عين الكذب (٤)؛ وذلك للاختلاف الحاصل في تحديد السنة والشهر،

стр. 151

فضلاً عن تعيين اليوم (١). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: لم يقم دليل معلوم لا على شهرها، ولا على عشرها، ولا على عينها؛ بل النقول منقطعة مختلفة، ليس فيها ما يُقطع به، ولا شرع للمسلمين تخصيص الليلة التي يظن أنها ليلة الإسراء بقيام ولا غيره (٢). والعجيب إن من أهل البدع من يحتفل بليلة الإسراء والمعراج وهم في الأصل ينكرون صفة العلو للرب ﷻ !! بدعية إحياء يوم عاشوراء بإظهار الفرح أو الترح: تقدّم بيان استحباب صيام يوم عاشوراء، وهي العبادة الوحيدة التي جاء الدليل الصحيح بإحيائها في هذا اليوم. وأما إحياء النواصب له بالفرح والسرور، واتخاذه موسمًا كمواسم الأعياد والأفراح، وفي المقابل الرافضة تحييه بإقامة المآتم؛ لإظهار الأحزان والأتراح، كلاهم انحرفوا عن السُّنَّة، وجانبوا الصواب، وضلوا عن الصراط (٣). يقول الشيخ العلامة محمد العثيمين ﵀: وإظهار الحزن أو الفرح في هذا اليوم كلاهما خلاف السُّنَّة، ولم يرد عن النبي ﷺ في هذا اليوم إلا صيامه (٤). الأيام التي جرت فيها حادثة متعلقة بالسيرة النبوية وانتصارات المسلمين: لا شك أن السيرة النبوية حافلة بالأحداث الجليلة، والوقائع العظيمة،

стр. 152

وحصول المعارك والغزوات الكبيرة، التي جعلها الله سببًا لنصرة الإسلام، وإعلاء كلمته. ومن أعظمها وأجلّها هجرته ﷺ من مكة للمدينة، والتي ابتدأ تدوين التاريخ الهجري من حينها. وأقيمت بعد هجرة النبي ﷺ دولة الإسلام في المدينة النبوية، وانتشرت الدعوة إلى الله ﷻ وعمّت أرجاء الأرض. وكذلك الفتوحات والغزوات التي حقق الله فيها النصر للمسلمين: كيوم بدر، ويوم الخندق، ويوم فتح مكة، ويوم حنين، وحطين، وعين جالوت، وغيرها من الوقائع الشريفة، والأحداث العظيمة التي تكللت بانتصارات باهرة للإسلام والمسلمين، وحُفظ تاريخ حدوث بعضها. ومع ما في هذه الوقائع من أحداث عظيمة إلا أنها لم تخصص بمزيد فضل، ولا تميّز بشيء عن بقية الأيام. وإنما يُتعظ بالسيرة النبوية، وينتفع بالدروس والعبر التي حدثت فيها، طوال أيام السنة ولياليها على الوجه الشرعي، ولا يخصص شيء لم يخصصه الشرع (١). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الأعياد شريعة من الشرائع فيجب فيها الاتباع لا الابتداع وللنبي ﷺ خطب وعهود ووقائع في أيام متعددة مثل: يوم بدر وحنين والخندق وفتح مكة ووقت هجرته ودخول المدينة، وخطب له متعددة يذكر فيها قواعد الدين ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ مثال تلك الأيام أعيادًا وإنما يفعل مثل هذا النصارى الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى ﵇ أعيادًا أو اليهود وإنما العيد شريعة فما شرعه الله اتبع، وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه (٢).

стр. 153

النوع الثاني: آثار المواسم الزمانية غير المتعلقة بوقائع إسلامية: شهر رجب: من المعلوم أن شهر رجب لا فضيلة ولا ميزة له إلا أنه من الأشهر الحرم الذي تعظّم فيه الأجور، وتغلّظ فيه الذنوب والآثام، وما عدا ذلك فلم يثبت فيه شيء (١). وقد كان كفار قريش يعظمونه، ويمتنعون عن القتال فيه، ويعتقدون بأن الرحمة تصب فيه صبًّا، والشياطين تطرد (٢). ومن الأمور المحدثة التي تحصل في هذا الشهر (٣): ١ إحياء العتيرة الرجبية: وهي شاة تذبح في العشر الأول من رجب (٤)، كان أهل الجاهلية يتقربون بها للأصنام، ويصبون دم الذبيحة على رأس الصنم (٥)، وكان الذبح في رجب من الأمور الجاهلية التي كانوا يواظبون عليها فيما بينهم، ولا شك أنها شرك (٦)، كما أفتى بذلك العلامة محمد بن إبراهيم ﵀. ٢ إحياء نهار بعض أيامه بالصيام: كتخصيص صيام أول خميس من شهر رجب، والمبادرة إلى صيام الشهر كاملاً استنادًا على أحاديث ضعيفة (٧). وقد صح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يضرب أيدي الذين كانوا يصومونه؛ ليضعوا أيديهم في الطعام في رجب، ويقول: لا تشبهوه

стр. 154

برمضان (١)، وكان ابن عباس ﵄ يكره صيامه، وينهى عنه لئلا يُتخذ عيدًا (٢). ٣ إحياء ليله بالقيام والاعتكاف (٣): يخصص فيه «صلاة الرغائب» (٤)، و «صلاة أم داود» (٥)، فهاتان الصلاتان وردت فيهما أحاديث موضوعة على النبي ﷺ (٦)، وجاء في صفتيهما مخالفة منكرة تردها أصول الشريعة (٧). ٤ أداء العمرة فيه، والزيارة الرجبية: تخصيص رجب بالعمرة وزيارة المدينة، ليس له أصل في الشرع. والثابت عن النبي ﷺ أنه لم يعتمر في رجب قط (٨)، ولم يأمر أو يحث على الاعتمار فيه، وأما ما حصل عن بعض السلف، من أنهم كانوا يعتمرون فيه، فليس في ذلك دليل على تخصيصه بالعمرة؛ وإنما القصد والله أعلم هو الإتيان بالحج في سفرة والعمرة في سفرة أخرى، رغبة في إتمام الحج والعمرة المأمور بها (٩). فتخصيص هذه الأعمال في شهر رجب من البدع المُحدثة التي ليس لها أصلٌ في الشرع، كما نص على ذلك كثير من العلماء (١٠).

стр. 155

فليجتنب المسلم جميع البدع في كل الأوقات وخصوصًا في الأشهر الحُرم، التي إثمها أشد وآكد من بقية الشهور. إحياء ليلة النصف من شعبان بالصلاة: تخصيص صلاة مائة ركعة في هذه الليلة، ويُطلق عليها: «صلاة الألفية»؛ لأنه يُقرأ فيها سورة الإخلاص، ألف مرة، في كل ركعة يقرأ الفاتحة مرة، وبعدها سورة الإخلاص عشر مرات، وهي صلاة طويلة مستثقلة لم يأت فيها خبر ولا أثر إلا ضعيف أو موضوع، وللعوام بها افتتان عظيم (١). ذكرى الأموات: إحياء ذكرى الموتى، وخاصة العلماء والعظماء، بعد موته بسنة أو أكثر؛ لتجديد الأحزان والإعلان عن ذلك بإقامة مأتم، واجتماع على ختم القرآن، وإهداء ثوابه للميت، ثم يتناولون ما لذ وطاب من الطعام والشراب، أو يقتصرون بإقامة برامج في شتى وسائل التواصل يحيون فيها سيرة الميت وشخصيته، ونشر كتبه، ومؤلفاته إحياءً لذكراه في التاريخ الموافق لتاريخ وفاته (٢). وفي بعض البلدان يلتزمون بإحياء ذكرى الميت بعد مرور أربعين يومًا، وتسمى بالذكرى الأربعينية، ويفتتحون الاحتفال بالوقوف دقيقة مع الصمت تحية وحدادًا على الميت تشريفًا وتكريمًا لروحه (٣)، وهذا لا شك تشبه بالكفار في عاداتهم القبيحة، ومن المنكرات، والبدع المحدثة التي ما أنزل الله بها من سلطان (٤).

стр. 156

وأصل إقامة المآتم تعود إلى معتقدات المصريين القدماء «الفراعنة» ومخترعاتهم، الذين كانوا إذا مات فيهم أحدٌ دفنوه ثم يعودون إليه بعد أربعين يومًا لينظروا حال جسده فإن كانت الأرض قد أثرت في جسده فأبلته، ظنوا أن روحه قد حلت في شيء حقير وذلك لسوء عمله! وإذا لم تؤثر الأرض في جسده ظنوا أن روحه قد حلت في شيء عظيم، فيصنعون عنده الطعام والشراب اعتقادًا منهم بعودته إلى الحياة مرة أخرى ومما لا شك فيه أن هذا المعتقد باطل من جهة الشرع والعقل (١). وقد أجاب الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز ﵀ عندما سئل عن أصل الذكرى الأربعينية بقوله: الأصل فيها أنها عادة فرعونية، كانت لدى الفراعنة قبل الإسلام، ثم انتشرت عنهم وسرت في غيرهم، وهي بدعة منكرة لا أصل لها في الإسلام (٢). وهذه المآتم وللأسف الشديد لا زالت تقام في بعض المواضع؛ للمفاخرة والمجاملة، ودفعًا لنقد بعض الجهال. المسألة الثالثة: حكم إحياء آثار المواسم الدينية الزمانية: تقدّم في المسألة السابقة أقسام المواسم الزمانية، فمن خلال تقسيمها يتبين أن حكم إحيائها ينقسم إلى قسمين: أ مواسم مستحبة: وهي الأوقات التي حث الشرع على إحيائها وخصها بمزيد فضل: كصيام عرفة، وعاشوراء، وإحياء رمضان وعشر من ذي الحجة بكثرة الصلاة والذكر، والاستغفار، والدعاء، وتلاوة القرآن، والتزود بالطاعات، والتعبد والتقرب لله كما هو مقيّد بالأدلة السابق إيرادها. ب مواسم محرمة: وهي الأوقات التي ليس لها أصل في الشرع؛

стр. 157

كالاحتفال بذكرى المولد النبوي، والاحتفال بليلة النصف من شعبان، وتخصيص شهر رجب بجملة من العبادات، … وغيرها من الأزمنة المُحدثة، التي يحرم إحياؤها ويمنع من عدة أوجه. سأذكر بعضًا من الأدلة التي تؤكد تحريمها وأوجه منعها، منها: ١ أن الله ﷻ أكمل الدين لهذه الأمة، وأتمّ النعمة، وأن الرسول ﷺ بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة (١)، فمن أحدث في هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفها؛ فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِيناً﴾ [المائدة: ٣]، فما لم يكن يومئذ دينًا؛ فلا يكون اليوم دينًا (٢). ٢ الأصل أن العبادات توقيفية، ومبناها على المنع والحظر، وهذا الأصل من القواعد المقررة في الشريعة الإسلامية (٣)، فلا يُعبد الله إلا بما شرع، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ *﴾ [الجاثية]. فالعبادات لا تثبت بآراء الناس وأهوائهم، وإنما تثبت بدليل من الكتاب والسُّنَّة الصحيحة؛ أي: أن المسلم لا يقوم بأي عبادة إلا إذا وقف على دليل شرعي صحيح يستند عليه. فعدم ورود دليل يخصص تلك الأزمنة بالعبادة، يدل لزومًا على أنها من البدع المحدثة، وكل بدعة في الدين فهي محرمة وضلالة (٤)؛ لقوله ﷺ : «وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (٥)،

стр. 158

وقوله ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا ما لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ» (١)، وفي رواية: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٢)، فدلت هذه الأحاديث على أن كل محدث في الدين فهو بدعة، وكل بدعة ضلالة مردودة (٣). ٣ لم يثبت عن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ أنهم احتفلوا بآثار المواسم الزمانية المُحدثة، ولم يخصصوها بشيء، ولو احتفل بها رسول الله ﷺ لعُرف ذلك واشتهر، ولنقله الصحابة ﵃ إلينا فقد نقلوا عن النبي ﷺ كل شيء تحتاجه الأمة، ولم يفرطوا في شيء من الدين؛ بل هم السابقون إلى كل خير ﵃ (٤). ٤ الاحتفال بآثار المواسم الزمانية المُحدثة، واتخاذها عيدًا فيه تشبه بأهل الكتاب من اليهود والنصارى وقد جاء النهي الصريح عن التشبه بهم (٥)، كما قال النبي ﷺ : «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ

стр. 159

سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ» (١). ٥ أغلب آثار المواسم الزمانية المُحدثة التي يحييها أهل البدع، لم تثبت من الناحية التاريخية، فإذا كان تحديد تاريخ الحادثة التي يحتفلون بها لم يثبت، فكيف تُحيا على غير مستند تاريخي فضلاً أن يكون شرعيًّا، فعدم ثبوته يدل على بطلانه، والمبني على الباطل باطل (٢). وكذلك عدم ثبوتها تاريخيًّا يدل على عدم اهتمام السلف بها، إذ لو كان من الأهمية بمكان لكان تاريخها محفوظ عند السلف. ٦ ظهرت أغلب آثار المواسم الزمانية المُحدثة في القرن الرابع، في زمن الدولة العبيدية الرافضية الذين يُسَمّون أنفسهم بالفاطميين وهم من أكفر الناس وأفسقهم، وانتسابهم إلى آل البيت كذب ومحض افتراء؛ بل أصلهم مخلوط بين المجوس واليهود، وهم من مؤسسي الدعوة الباطنية (٣). يقول مؤرخ الديار المصرية أبو العباس المقريزي ﵀ (ت: ٨٤٥ هـ): وكان للخلفاء الفاطميين في طول السنة أعياد ومواسم، وهي: موسم رأس السنة، وموسم أوّل العام، ويوم عاشوراء، ومولد النبيّ ﷺ ، ومولد عليّ بن أبي طالب، ومولد الحسن، ومولد الحسين، ومولد فاطمة ﵃، ومولد الخليفة الحاضر، وليلة أوّل رجب، وليلة نصفه، وليلة أوّل شعبان، وليلة نصفه، وموسم ليلة رمضان، وغرّة رمضان … (٤)، فكانوا هم أول من أظهروا وأحيوا البدع في بلاد المسلمين فعليهم وزرها ووزر كل من عمِل بها إلى يوم القيامة (٥).

стр. 160

ومن جملة ما قاله الأئمة الأعلام حول تحريم إحياء آثار المواسم الزمانية المحدثة، والذي يؤكد ما تقدم من أوجه منعه وتقرير تحريمه ما يلي: قال الحافظ أبو شامة ﵀ (ت: ٦٦٥ هـ): ولا ينبغي تخصيص العبادات بأوقات لم يخصصها الشرع؛ بل يكون جميع أفعال البر مرسلة في جميع الأزمان، ليس لبعضها على بعض فضل، إلا ما فضله الشرع، وخصه بنوع من العبادة، فإن كان ذلك؛ اختص بتلك الفضيلة تلك العبادة دون غيرها، كصوم يوم عرفة وعاشوراء، والصلاة في جوف الليل، والعمرة في رمضان. ومن الأزمان ما جعله الشرع مفضلاً فيه جميع أعمال البر كعشر ذي الحجة، وليلة القدر التي هي خير من ألف شهر؛ أي: العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، فمثل ذلك يكون أي عمل من أعمال البر حصل فيها كان له الفضل على نظيره في زمن آخر. فالحاصل: أن المكلف ليس له منصب التخصيص؛ بل ذلك إلى الشارع، وهذه كانت صفة عبادة رسول الله ﷺ (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (ت: ٧٢٨ هـ): فمن البدع في العبادات: إحداث أعياد واحتفالات لم يشرعها الله ولا رسوله ﷺ ، إنما فعلتها الأمم الأخرى كاليهود والنصارى، أو فارس والروم، ونحوهم؛ كالاحتفال بيوم عاشوراء، وبالمولد النبوي، وبليلة الإسراء والمعراج، وليلة النصف من شعبان، وإحداث صلوات لم يشرعها الله؛ كصلاة الرغائب، وتخصيص ليالٍ وأيام بعينها بعبادة معتادة؛ كأول خميس من رجب، وليلة أول جمعة وليلة النصف منه، وكالرهبنة، والسياحة لغير قصد مشروع أو مباح، والغلو في الدين (٢).

стр. 161

وقال ﵀: وأما اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيع الأول التي يقال: إنها ليلة المولد، أو بعض ليالي رجب، أو ثامن عشر ذي الحجة، أو أول جمعة من رجب، أو ثامن شوال الذي يسميه الجهال عيد الأبرار؛ فإنها من البدع التي لم يستحبها السلف ولم يفعلوها (١). قال ابن الحاج ﵀ (ت: ٧٣٧ هـ) (٢): في معرض حديثه عن حكم المولد: إذ إن ذلك زيادة في الدين، وليس من عمل السلف الماضين، واتباع السلف أولى بل أوجب من أن يزيد نية مخالفة لما كانوا عليه؛ لأنهم أشد الناس اتباعًا لسُنَّة رسول الله ﷺ وتعظيمًا له ولسُنَّته ﷺ ولهم قدم السبق في المبادرة إلى ذلك ولم ينقل عن أحد منهم أنه نوى المولد، ونحن لهم تبع فيسعنا ما وسعهم، وقد عُلم أن اتباعهم في المصادر والموارد (٣). قال الإمام الشاطبي ﵀ (ت: ٧٩٠ هـ): إذا ندب الشرع مثلاً إلى ذكر الله فالتزم قوم الاجتماع عليه على لسان واحد، وبصوت، أو في وقت معلوم مخصوص عن سائر الأوقات، لم يكن في ندب الشرع ما يدل على هذا التخصيص الملتزم؛ بل فيه ما يدل على خلافه … ، فالذكر قد ندب إليه الشرع ندبًا في مواضع كثيرة … ، ومع ذلك؛ فلم يلتزموا فيه كيفيات، ولا قيدوه بأوقات مخصوصة، بحيث تشعر باختصاص التعبد بتلك الأوقات، إلا ما عينه الدليل؛ كالغداة والعشي، ولا أظهروا منه إلا ما نص الشارع على إظهاره (٤).

стр. 162

قال طائفة من العلماء في معرض حديثهم عن إحياء بعض آثار المواسم الزمانية المحدثة: وتقرر في الشريعة المطهرة: أنه لا يسوغ تعظيم زمان أو مكان بنوع من أنواع التعظيم، إلا زمان أو مكان جاء تعظيمه في الشرع؛ فكما أن تعظيم القبور، أو بقعة لم يجئ تعظيمها في الشرع من أعظم البدع، فكذلك تعظيم زمان من الأزمنة، ولا فرق. فلو ساغ تعظيم زمان من الأزمنة التي لم يدل على تعظيمها الشرع وجعله عيدًا، لساغ تعظيم ليلة الإسراء، ويوم بدر، ويوم الفتح، وجعلها أعيادًا، لما حصل في تلك الأزمنة من الخير الكثير وإعلاء كلمة الله تعالى، وتشريف رسول الله ﷺ (١). وقال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀ (ت: ١٤٢١ هـ): فلا يمكن للمرء أن يخصص وقتًا من الأوقات وعبادة من العبادات إلا بدليل من الشرع؛ لأن العبادة تتوقف على الشرع في سببها وفي جنسها وفي قدرها وفي هيئتها وفي زمانها وفي مكانها، لا بد أن يكون الشرع قد جاء في كل هذه الأشياء، فإذا خصصنا عبادة من العبادات في زمن معين بدون دليل كان ذلك من البدع (٢). كما لخص أحد العلماء جملة من البدع الزمانية التي أُحدثت في العبادات والتي تمارس الآن ولا دليل عليها: منها: الاحتفال بالمناسبات الدينية؛ كمناسبة الإسراء والمعراج، ومناسبة الهجرة النبوية، والاحتفال بتلك المناسبات لا أصل له من الشرع. ومن ذلك: ما يفعل في شهر رجب؛ كالعمرة الرجبية، وما يفعل فيه من العبادات الخاصة به؛ كالتطوع بالصلاة والصيام فيه؛ فإنه لا ميزة له على

стр. 163

غيره من الشهور؛ لا في العمرة والصيام والصلاة والذبح للنسك فيه ولا غير ذلك. ومن ذلك: تخصيص النصف من شعبان بقيام ليله، وصيام نهاره؛ فإنه لم يثبت ذلك عن النبي ﷺ . ومن ذلك: إقامة المآتم على الأموات وصناعة الأطعمة واستئجار المقرئين؛ يزعمون أن ذلك من باب العزاء، أو أن ذلك ينفع الميت، وكل ذلك بدعة لا أصل له، وآصار وأغلال ما أنزل الله بها من سلطان (١). * * *

стр. 164

المطلب الثاني آثار المساجد وأماكن التعبّد سبق في التمهيد بيان المعنى المراد من الآثار عند خبراء الآثار (١)، حيث إنهم يركزون على العمر التاريخي للأثر وأن قيمته تُكتسب من خلال تقادم الزمن وتراكمه عليه وتباعده (٢)، هذا من حيث اصطلاح المختصين بالآثار. فالآثار المكانية: الدينية والتاريخية، من حيث اصطلاح خبراء الآثار، كل منهما يعد أثرًا مكانيًّا، لكن لا نسلّم لهم من حيث اكتساب القيمة والأهمية، ولا حتى بالتسمية المطلقة بكون المساجد وأماكن التعبد آثارًا؛ لأن المساجد وأماكن التعبد اصطبغت بالصبغة الدينية، واتصفت بالصفة الشرعية، واتسمت بكونها أماكن تعبد لا كونها آثارًا تاريخية (٣). وحيث إنه لا يجري ولا ينطبق اصطلاح خبراء الآثار على آثار المساجد

стр. 165

وأماكن التعبد؛ لأنها لم تكتسب قيمتها الدينية لدى المسلمين من تقادم الزمن وتراكمه، وإنما بورود النص الشرعي في بيان فضلها وقدرها، والأمر بتعظيمها وإحيائها. فالآثار التاريخية اكتسبت قيمتها عند الآثاريين من تباعد التاريخ، وتقادم الزمن كما ذكرت آنفًا بينما المساجد وأماكن التعبد الإسلامية اكتسبت قيمتها الدينية من خلال ورود الأدلة الشرعية في فضلها، والأمر الإلهي بتعظيمها، وليس من مضي السنين وتقادم الزمن. فالعمر التاريخي للمساجد وأماكن التعبد وإن زادت أهميتها لدى خبراء الآثار غير المسلمين، إلا أنها لدى المسلمين ليست كذلك؛ بل إن فضلها ثابت ولا يختلف عند من عاصر بناها أو من جاء بعده إلى أن تقوم عليه الساعة (١). فنخلص إلى أن قيمة المساجد وأماكن التعبد ومكانتها بحسب ما ورد بالشرع من تفضيل، وبيان أن بعضها أعظم مكانة من بعض، بغض النظر عن عمرها الزمني. كما هو حال المساجد الثلاثة، فالمسجد الأقصى أقدم من المسجد النبوي، ومع ذلك جاء الشرع بتفضيل المسجد النبوي على المسجد الأقصى في ثواب الصلاة فيه كما سيأتي بيانه في موضعه. وبسط هذا المطلب في المسائل التالية: المسألة الأولى: المراد بالمساجد وأماكن التعبّد. المسألة الثانية: أمثلة على المساجد وأماكن التعبّد. المسألة الثالثة: حكم إحياء المساجد وأماكن التعبّد. المسألة الأولى: المراد بآثار المساجد وأماكن التعبّد: هي المواضع التي يحييها المسلم بالتعبد؛ تقربًا إلى الله تعالى، وامتثالاً لأمره ﷻ ، وتأسيًا برسوله ﷺ صورةً وقصدًا.

стр. 166

المسألة الثانية: أمثلة على آثار المساجد وأماكن التعبّد: إن مما ينبغي أن يُعلم أن للمسجد في المجتمع الإسلامي رسالة عظمى، ألزم ما يكون على المسلمين إحياؤها: وهي أن المسجد لهم هو بيت الأمة فيهم؛ لجميع مصالحهم العامة والخاصة تقريبًا (١). فتعتبر المساجد بوجه عام من المواضع الدينية الثابت إحياؤها، وتقصد بالعبادة، وباستقراء أنواع المساجد نجد أنها لا تخرج عن ثلاثة أنواع: (٢) النوع الأول: مساجد المسلمين العامة، فهذه لها ما لعموم المساجد، ولا يثبت لها فضل يخصها، ولا ميزة في قصدها عن بقية المساجد، وإنما حكمها عام. النوع الثاني: مساجد بدعية محدثة، وهي على نوعين: أ مساجد بُنيت على مقامات النبي ﷺ التي صلى فيها. ب مساجد نُسبت إلى العهد النبوي، وعهد الخلفاء الراشدين ﵃، واتخذت مزارًا، كالمساجد السبعة، ومسجد في جبل أُحد، وغيرها. فهذه المساجد لم يثبت لها فضيلة تخصها، ولم يرد الترغيب في قصدها، وليس لها أصل في الشرع المطهر، ولا يجوز قصدها لعبادة ولا لغيرها؛ بل هي بدعة ظاهرة كما سبق بيان ذلك في موضعه (٣). النوع الثالث: مساجد ثبت فضلها في الشرع، وخصّت عن بقية المساجد بمزايا، وهي أربعة مساجد: ١ المسجد الحرام: قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، خلق الله ﷻ موضع البيت قبل أن تُخلق الأرض بألفي عام فمحي الموضع واندرس، فأطلع الله ﷻ الخليل وابنه إسماعيل ﵉ على الموضع، فرفعا

стр. 167

قواعد البيت على تلك الأركان (١). ومن المناسب قبل أن أعرض بعضًا من صور إحياء المسلم للمسجد الحرام، سأذكر خصائصه وفضائله، فمن ذلك: ١ أول مسجد وُضع في الأرض وأقدم موضع متعبد فيه (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ *﴾ [آل عمران] … وقد سئل النبي ﷺ عن أول مسجد وضع في الأرض؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ». قيل: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الأَقْصَى». قيل: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ عَامًا» (٣). جاء في التفسير الوسيط: أن أولوية المسجد الحرام في الزمان تستلزم أولويته في الشرف والمكانة (٤). ٢ فضل الصلاة فيه، ومضاعفة الثواب؛ لقول النبي ﷺ : «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ» (٥) وهذا صريح بأنه أفضل بقاع

стр. 168

الأرض على الإطلاق (١). ٣ فيه الكعبة قبلة لأهل الأرض كلهم، فليس على وجه الأرض قبلة غيرها (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]. ٤ تشد الرحال إليه؛ لقوله ﷺ : «لَا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى» (٣). ٥ جعله الله حرمًا آمنًا يُمنع فيه القتال، قال تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران: ٩٧]، يأمن الناس فيه على أنفسهم وأموالهم، فهو الأمان التام لكل خلق الله (٤). ٦ اختصاصه بانجذاب أفئدة المؤمنين إليه، حيث جعله الله ﷻ محلًّا تشتاق إليه القلوب وتحن إليه، ولا تقضي منه وطرًا، ولو ترددت إليه كل عام، استجابة من الله تعالى لدعاء خليله إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧] (٥). يقول الإمام ابن القيم ﵀ في معرض حديثه عن المسجد الحرام وانجذاب الأفئدة إليه: وقد ظهر سر هذا التفضيل، والاختصاص في انجذاب الأفئدة، وهوى القلوب، وانعطافها ومحبتها لهذا البلد الأمين، فجذبه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد …

стр. 169

ولهذا أخبر سبحانه أنه مثابة للناس؛ أي: يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار، ولا يقضون منه وطرًا؛ بل كلما ازدادوا له زيارة، ازدادوا له اشتياقًا (١). ٧ احتواؤه على مشاعر دينية وأماكن تعبدية، يرتادها المسلمون لأداء المناسك؛ كمقام إبراهيم، والحجر الأسود، والركن اليماني، والصفا والمروة. وقد اختص المسجد الحرام لإحيائه وعمارته بعبادات لا تشرع في غيره، ومن جملة تلك العبادات: أ الطواف حول الكعبة (٢): الطواف حول الكعبة طاعة لله ، وامتثالاً لأمر رب الكعبة بالتعبّد والتقرّب، قال تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ *﴾ [الحج]، فليس على وجه الأرض بقعة يجب على كل قادر السعي إليها والطواف بالبيت الذي فيها غيرها (٣). ب الصلاة خلف مقام إبراهيم ﵇ (٤): الصلاة ركعتا الطواف خلف مقام إبراهيم ﵇ كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [البقرة: ١٢٥].

стр. 170

ج تقبيل الحجر الأسود (١)، واستلام الركنين اليمانيين (٢): الكعبة المشرفة لها أربعة أركان: ركنان يمانيان، وركنان شاميان، فالركنان اليمانيان هما: ١ ركن الحجر الأسود (٣): يستحب للمسلم عند الطواف حول الكعبة تقبيل الحجر الأسود واستلامه: والدليل: لما جَاءَ عُمَر ﵁ إِلَى الحَجَرِ الأَسْوَدِ وقَبَّلَهُ، قَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، لا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُقَبِّلُكَ ما قَبَّلْتُكَ (٤).

стр. 171

قال المحدِّث أبو القاسم الطبراني ﵀: إنما قال ذلك عمر ﵁؛ لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام، فخشي عمر ﵁ أن يظن الجهال أن استلام الحجر من باب تعظيم الأحجار، كما كانت العرب تفعل في الجاهلية (١). فتقبيل الحجر الأسود ليس لأجل ذات الحجر؛ بل هي عبادة محضة لله امتثالاً لأمره (٢)، وتأسيًا بالنبي ﷺ صورةً وقصدًا؛ لحصول بركة الثواب، خلافًا لمن يظنُّ أن به بركة حسية؛ فيقبّله ويستلمه، ثم يمسح على سائر بدنه تبركًا بذلك (٣). ٢ الركن اليماني: يستحب للمسلم عند الطواف حول الكعبة استلام الركن اليماني: والدليل: كَانَ النبي ﷺ لا يَسْتَلِمُ إِلاَّ الْحَجَرَ، وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَ (٤). ولهذا اتفق العلماء على أنه لا يشرع تقبيل شيء من الأحجار إلا الحجر الأسود، ولا استلام إلا الركنان اليمانيان (٥). فالحجر الأسود يقبّل ويستلم، والركن اليماني يستلم فقط. يقول صاحب كتاب ذخيرة العقبى في شرح المجتبى: اعلم أن للبيت أربعة أركان: الركن الأسود، والركن اليماني، ويقال لهما: اليمانيان، وأما الركنان الآخران، فيقال لهما: الشاميّان.

стр. 172

فالركن الأسود فيه فضيلتان: إحداهما: أنه على قواعد إبراهيم ﵇. والثانية: أن فيه الحجر الأسود. وأما اليمانيّ: ففيه فضيلة واحدة، وهي كونه على قواعد إبراهيم ﵇. وأما الركنان الآخران فليس فيهما شيء من هاتين الفضيلتين، فلهذا خصّ الحجر الأسود بشيئين: الاستلام، والتقبيل؛ للفضيلتين. وأما اليمانيّ، فيستلمه (١)، ولا يقبّله؛ لأن فيه فضيلة واحدة. وأما الركنان الآخران، فلا يقبلان، ولا يستلمان. والله أعلم (٢). فليس على وجه الأرض موضع يشرع استلامه، وتحط الخطايا والأوزار فيه غير الركنين اليمانيين (٣)؛ لقول النبي ﷺ : «إِنَّ مَسْحَ الرُّكْنِ الْيَمَانِي وَالرُّكْنِ الأَسْوَدِ يَحُطُّ الْخَطَايَا حَطًّا» (٤). د السعي بين الصفا والمروة (٥): الصفا والمروة يقصدان بالسعي بينهما في الحج والعمرة؛ لقوله تعالى:

стр. 173

﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]. والدليل من السُّنَّة على تخصيص الكعبة بالطواف، والمقام بالصلاة خلفه، والصفا والمروة بالسعي بينهما المذكورة آنفًا فعل النَّبِيُّ ﷺ : «أنه طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ» (١). فيستحب إحياء المسجد الحرام بتلك العبادات التي جاء الشرع بتخصيصها؛ امتثالاً لأمر الله ﷻ ، وتأسيًا برسول الله ﷺ واقتداءً به ﷺ صورةً وقصدًا. ٢ المسجد النبوي: ذكر الله ﷻ المسجد النبوي في القرآن الكريم عند قوله: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨] (٢). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: دخلت على رسول الله ﷺ في بيت بعض نسائه، فقلت: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ الْمَسْجِدَيْنِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؟ قَالَ: فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصْبَاءَ، فَضَرَبَ بِهِ الأَرْضَ، ثُمَّ قَالَ: «هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا» (٣).

стр. 174

من خصائص المسجد النبوي وفضائله: ١ أنه أُسس على التقوى؛ لقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨]. ٢ فضل الصلاة فيه ومضاعفة الثواب؛ لقول النبي ﷺ : «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ … » (١). ٣ اختصاصه بشد الرحال إليه مع المسجد الحرام والأقصى؛ لقول النبي ﷺ : «لا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى» (٢). ٤ فضل ما يحويه من الروضة الشريفة والتي هي روضة من رياض الجنة (٣)؛ لقول النبي ﷺ : «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي» (٤). ٣ المسجد الأقصى: ذكر الله ﷻ المسجد الأقصى في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١]. وقال رسول الله ﷺ : «أَنَّ سُلَيْمَانَ بن دَاوُدَ ﵉ لَمَّا بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ، سَأَلَ اللهَ خِلَالاً ثَلَاثَةً، سَأَلَ اللهَ : حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ فَأُوتِيَهُ، وَسَأَلَ اللهَ : مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَأُوتِيَهُ، وَسَأَلَ اللهَ حِينَ فَرَغَ

стр. 175

مِنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ: أَنْ لا يَأْتِيَهُ أَحَدٌ لا يَنْهَزُهُ إِلاَّ الصَّلَاةُ فِيهِ، أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ خَطِيئَتِهِ، كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (١). من خصائص المسجد الأقصى وفضائله: ١ أنه أول قبلة للمسلمين قبل أن يتحولوا عنها إلى الكعبة، بأمر من الله سبحانه ﷻ ، أَوَّلَ ما قَدِمَ النبي ﷺ المَدِينَةَ … ، صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أو سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلاَّهَا صَلَاةَ العَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ البَيْتِ … (٢). ٢ أنه ثاني بيت وضع في الأرض بعد المسجد الحرام: لحديث أبي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أي مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوَّلَ؟ قَالَ: «المَسْجِدُ الحَرَامُ»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «المَسْجِدُ الأَقْصَى»، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ، فَإِنَّ الفَضْلَ فِيهِ» (٣). ٣ اختصاصه بشد الرحال إليه مع المسجد الحرام والنبوي؛ لقول النبي ﷺ : «لَا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى» (٤).

стр. 176

٤ أنه أُسري برسول الله ﷺ إليه، وعُرج به ﷺ منه إلى السماء، لقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]. ٥ أنه فضل الصلاة فيه، ومضاعفة ثوابها لقول النبي ﷺ : «فَضْلُ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى غَيْرِهِ مِائَةُ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَفِي مَسْجِدِي أَلْفُ صَلَاةٍ، وَفِي مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَمْسُمِائَةِ صَلَاةٍ» (١). ٦ مبارك ما حوله: لقول الله تعالى: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١]، وقوله: ﴿الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ *﴾ [الأنبياء]؛ أي: أن البركة جُعلت لسكانه في معايشهم، وأقواتهم، وحروثهم، وغروسهم (٢). ٤ مسجد قُباء: قال تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨] (٣). وهو أول مسجد بُني في المدينة بعد هجرة النبي ﷺ ، قبل بناء المسجد النبوي، وقد شارك النبي ﷺ في تأسيسه، وكان يقصده ﷺ بين الحين والآخر (٤).

стр. 177

من خصائص مسجد قُباء وفضائله: ١ أنه أول مسجد بُني في المدينة، يقول عروة بن الزبير ﵁ عندما نزل الرسول ﷺ في بني عمرو بن عوف ولبث فيهم بضع عشرة ليلة: « … وَأُسِّسَ الْمَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَسَارَ يَمْشِي مَعَهُ النَّاسُ حَتَّى بَرَكَتْ عِنْدَ مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ … » (١). ٢ أن فضل الصلاة في مسجد قباء وأجره كعمرة، لمن تطهر في بيته وخرج إليه، والدليل: قول النبي ﷺ : «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاءَ فَصَلَّى فِيهِ صَلَاةً كَانَ لَهُ كَأَجْرِ عُمْرَةٍ» (٢). ٣ تسن زيارته يوماً من كل أسبوع، ودليله أن النبي ﷺ كان: « … يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ مَاشِيًا وَرَاكِبًا» (٣)، وفي رواية: «فيصلي فيه ركعتين» (٤).

стр. 178

ومعنى أنه ﷺ كان يأتي قباء كل سبت؛ أي: يزوره مرة في كل أسبوع، وعُبر بالسبت عن الأسبوع كما يعبر عن الأسبوع بالجمعة (١). ولا يشرع قصد مسجد قباء بشد الرحال إليه؛ لخصوصية ذلك بالمساجد الثلاثة السابق ذكرها، وإنما يقصده من بيته كما يقصد الرجل مسجد مصره الذي يأتيه من القرب، فمسجد قباء يُختص بإحيائه بالزيارة أسبوعيًّا دون السفر (٢). وقد اشتركت تلك المساجد الأربعة بأمور تربط بينها، واختصت بها دون بقية المساجد، أهمها أمران (٣): ١ جاء تحديد مكانها بوحي من الله ﷻ . ٢ كلها بناها رسل الله ﵈. وأن المساجد الثلاثة: النبوي والأقصى، وقباء، يتم إحياؤها بالعبادات المشروعة كالصلاة والدعاء والذكر والقراءة والاعتكاف. فكل ما يشرع فيها من العبادات، يشرع في سائر المساجد، ولم يشرع فيهم عبادات خاصة كالمسجد الحرام.

стр. 179

كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: المساجد جميعها تشترك في العبادات، فكل ما يفعل في مسجد يفعل في سائر المساجد، إلا ما خص به المسجد الحرام، من الطواف ونحوه، فإن خصائص المسجد الحرام لا يشاركه فيها شيء من المساجد، كما أنه لا يصلى إلى غيره. وأما مسجد النبي ﷺ ، والمسجد الأقصى، فكل ما يشرع فيهما من العبادات، يشرع في سائر المساجد: كالصلاة والدعاء والذكر والقراءة والاعتكاف، ولا يشرع فيهما جنس لا يشرع في غيرهما: لا تقبيل شيء، ولا استلامه، ولا الطواف به ونحو ذلك، لكنهما أفضل من غيرهما، فالصلاة فيهما تضاعف على الصلاة في غيرهما (١). وقال أيضًا ﵀: وقد اتَّفق المسلمون على أنَّه لا يُشرَعُ الطوافُ إلاَّ بالبيتِ المعمور، فلا يَجوزُ الطوافُ بصَخرَةِ بيت المقدس، ولا بِحُجرَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، ولا بالقُبَّةِ الَّتِي في جبَلِ عرفات ولا غير ذلك، وكذلك اتفق المسلمون على أنه لا يشرع الاستلام ولا التقبيل إلا للركنين اليمانيين؛ فالحجر الأسود يستلم ويقبل واليماني يستلم، … وأما غير ذلك فلا يشرع استلامه ولا تقبيله؛ كجوانب البيت والركنين الشاميين؛ ومقام إبراهيم والصخرة والحجرة النبوية وسائر قبور الأنبياء والصالحين (٢). يتبين مما سبق أن المسجد الحرام تميز بصور من الإحياء، وأنواع من العبادات الخاصة، وأن المساجد الثلاثة (النبوي الأقصى قُباء)، تميزت واختصت بالفضل ومضاعفة الأجر، وكذلك اختصت المساجد الثلاثة دون قباء بشدّ الرحال إليها.

стр. 180

المسألة الثالثة: حكم إحياء آثار المساجد وأماكن التعبّد: إحياء آثار المساجد وأماكن التعبّد لها جانبان: الجانب الأول: إحياؤها بالعبادات والطاعات تقربًا لله تعالى. الجانب الثاني: إحياؤها بالاهتمام والترميم والتجديد والبناء وتذليل الوصول إليها. الجانب الأول: إحياؤها بالعبادات والطاعات تقربًا لله تعالى: يجب على المسلم أن يُحيي المساجد، ويعظمها على الوجه الصحيح الوارد في الكتاب والسُّنَّة وعن سلف الأمة، وتحقيق ذلك بالالتزام بالعبادات الشرعية المتعلقة بالمساجد، والإتيان بما كان يفعله النبي ﷺ وأصحابه ﵃ فيها من العبادات (١). ولا يزيد عن ذلك ويبتدع عبادات لم تشرع، وإن كان على وجه التعظيم، والتقرب لله وزيادة الطاعات، ولا يخصص مسجدًا بعبادة دون غيره من المساجد إلا ما ثبت تخصيصه. فلا يشرع للمسلم التمسّح بحيطان الكعبة، ولا التعلّق بأستارها، ولا تقبيل مقام إبراهيم، ولا التمسَّح به، ولا التبرك بأي شيء في المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى وغيرها من المساجد، كل ذلك من البدع والشركيات التي ما أنزل الله بها من سلطان (٢). ولم يخصص ﷺ مسجدًا بعبادة خاصة دون غيره من المساجد إلا المسجد الحرام خُص ببعض العبادات، ولذلك ما يشرع إتيانه في عامة المساجد هو الذي يشرع إتيانه في المسجد الأقصى والمسجد النبوي وقباء (٣).
следующие страницы →