← Акыда

Акыда · id 1274

إحياء الآثار دراسة عقدية

منيرة المقوشي

Полный текст (616 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

٤ أنه أُسري برسول الله ﷺ إليه، وعُرج به ﷺ منه إلى السماء، لقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]. ٥ أنه فضل الصلاة فيه، ومضاعفة ثوابها لقول النبي ﷺ : «فَضْلُ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى غَيْرِهِ مِائَةُ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَفِي مَسْجِدِي أَلْفُ صَلَاةٍ، وَفِي مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَمْسُمِائَةِ صَلَاةٍ» (١). ٦ مبارك ما حوله: لقول الله تعالى: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١]، وقوله: ﴿الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ *﴾ [الأنبياء]؛ أي: أن البركة جُعلت لسكانه في معايشهم، وأقواتهم، وحروثهم، وغروسهم (٢). ٤ مسجد قُباء: قال تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨] (٣). وهو أول مسجد بُني في المدينة بعد هجرة النبي ﷺ ، قبل بناء المسجد النبوي، وقد شارك النبي ﷺ في تأسيسه، وكان يقصده ﷺ بين الحين والآخر (٤).

стр. 177

من خصائص مسجد قُباء وفضائله: ١ أنه أول مسجد بُني في المدينة، يقول عروة بن الزبير ﵁ عندما نزل الرسول ﷺ في بني عمرو بن عوف ولبث فيهم بضع عشرة ليلة: « … وَأُسِّسَ الْمَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَسَارَ يَمْشِي مَعَهُ النَّاسُ حَتَّى بَرَكَتْ عِنْدَ مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ … » (١). ٢ أن فضل الصلاة في مسجد قباء وأجره كعمرة، لمن تطهر في بيته وخرج إليه، والدليل: قول النبي ﷺ : «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاءَ فَصَلَّى فِيهِ صَلَاةً كَانَ لَهُ كَأَجْرِ عُمْرَةٍ» (٢). ٣ تسن زيارته يوماً من كل أسبوع، ودليله أن النبي ﷺ كان: « … يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ مَاشِيًا وَرَاكِبًا» (٣)، وفي رواية: «فيصلي فيه ركعتين» (٤).

стр. 178

ومعنى أنه ﷺ كان يأتي قباء كل سبت؛ أي: يزوره مرة في كل أسبوع، وعُبر بالسبت عن الأسبوع كما يعبر عن الأسبوع بالجمعة (١). ولا يشرع قصد مسجد قباء بشد الرحال إليه؛ لخصوصية ذلك بالمساجد الثلاثة السابق ذكرها، وإنما يقصده من بيته كما يقصد الرجل مسجد مصره الذي يأتيه من القرب، فمسجد قباء يُختص بإحيائه بالزيارة أسبوعيًّا دون السفر (٢). وقد اشتركت تلك المساجد الأربعة بأمور تربط بينها، واختصت بها دون بقية المساجد، أهمها أمران (٣): ١ جاء تحديد مكانها بوحي من الله ﷻ . ٢ كلها بناها رسل الله ﵈. وأن المساجد الثلاثة: النبوي والأقصى، وقباء، يتم إحياؤها بالعبادات المشروعة كالصلاة والدعاء والذكر والقراءة والاعتكاف. فكل ما يشرع فيها من العبادات، يشرع في سائر المساجد، ولم يشرع فيهم عبادات خاصة كالمسجد الحرام.

стр. 179

كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: المساجد جميعها تشترك في العبادات، فكل ما يفعل في مسجد يفعل في سائر المساجد، إلا ما خص به المسجد الحرام، من الطواف ونحوه، فإن خصائص المسجد الحرام لا يشاركه فيها شيء من المساجد، كما أنه لا يصلى إلى غيره. وأما مسجد النبي ﷺ ، والمسجد الأقصى، فكل ما يشرع فيهما من العبادات، يشرع في سائر المساجد: كالصلاة والدعاء والذكر والقراءة والاعتكاف، ولا يشرع فيهما جنس لا يشرع في غيرهما: لا تقبيل شيء، ولا استلامه، ولا الطواف به ونحو ذلك، لكنهما أفضل من غيرهما، فالصلاة فيهما تضاعف على الصلاة في غيرهما (١). وقال أيضًا ﵀: وقد اتَّفق المسلمون على أنَّه لا يُشرَعُ الطوافُ إلاَّ بالبيتِ المعمور، فلا يَجوزُ الطوافُ بصَخرَةِ بيت المقدس، ولا بِحُجرَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، ولا بالقُبَّةِ الَّتِي في جبَلِ عرفات ولا غير ذلك، وكذلك اتفق المسلمون على أنه لا يشرع الاستلام ولا التقبيل إلا للركنين اليمانيين؛ فالحجر الأسود يستلم ويقبل واليماني يستلم، … وأما غير ذلك فلا يشرع استلامه ولا تقبيله؛ كجوانب البيت والركنين الشاميين؛ ومقام إبراهيم والصخرة والحجرة النبوية وسائر قبور الأنبياء والصالحين (٢). يتبين مما سبق أن المسجد الحرام تميز بصور من الإحياء، وأنواع من العبادات الخاصة، وأن المساجد الثلاثة (النبوي الأقصى قُباء)، تميزت واختصت بالفضل ومضاعفة الأجر، وكذلك اختصت المساجد الثلاثة دون قباء بشدّ الرحال إليها.

стр. 180

المسألة الثالثة: حكم إحياء آثار المساجد وأماكن التعبّد: إحياء آثار المساجد وأماكن التعبّد لها جانبان: الجانب الأول: إحياؤها بالعبادات والطاعات تقربًا لله تعالى. الجانب الثاني: إحياؤها بالاهتمام والترميم والتجديد والبناء وتذليل الوصول إليها. الجانب الأول: إحياؤها بالعبادات والطاعات تقربًا لله تعالى: يجب على المسلم أن يُحيي المساجد، ويعظمها على الوجه الصحيح الوارد في الكتاب والسُّنَّة وعن سلف الأمة، وتحقيق ذلك بالالتزام بالعبادات الشرعية المتعلقة بالمساجد، والإتيان بما كان يفعله النبي ﷺ وأصحابه ﵃ فيها من العبادات (١). ولا يزيد عن ذلك ويبتدع عبادات لم تشرع، وإن كان على وجه التعظيم، والتقرب لله وزيادة الطاعات، ولا يخصص مسجدًا بعبادة دون غيره من المساجد إلا ما ثبت تخصيصه. فلا يشرع للمسلم التمسّح بحيطان الكعبة، ولا التعلّق بأستارها، ولا تقبيل مقام إبراهيم، ولا التمسَّح به، ولا التبرك بأي شيء في المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى وغيرها من المساجد، كل ذلك من البدع والشركيات التي ما أنزل الله بها من سلطان (٢). ولم يخصص ﷺ مسجدًا بعبادة خاصة دون غيره من المساجد إلا المسجد الحرام خُص ببعض العبادات، ولذلك ما يشرع إتيانه في عامة المساجد هو الذي يشرع إتيانه في المسجد الأقصى والمسجد النبوي وقباء (٣).

стр. 181

فتعظيم أمر الله ﷻ بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وتنفيذ ما شرع بالإخلاص والاتباع، وعدم الابتداع، وأما الزيادة في التعظيم بحجة التعبد والحب، فهذا تجاوز وغلو. وأما المساجد البدعية المحدثة التي نسبت إلى عصر النبي ﷺ وعصر الخلفاء الراشدين، واتُخذت مزارًا كالمساجد السبعة، ومسجد في جبل أُحد وغيرها، فهذه مساجد لا أصل لها في الشرع المطهر، ولا يجوز قصدها لعبادة ولا لغيرها؛ بل هو بدعة ظاهرة. والأصل الشرعي: أن لا نعبد إلا الله، وألا نعبد الله إلا بما شرع على لسان نبيّه ورسوله محمد ﷺ ، وأنه بالرجوع إلى كتاب الله وسُنَّة رسوله محمد ﷺ وكلام سلف الأمة الذين تلقوا هذا الدين عن رسول الله ﷺ ، وبلغوه لنا عنه، وحذرونا من البدع امتثالاً لأمر البشير النذير ﷺ (١). هذا من جهة إحياء المسلم المساجد وأماكن التعبد وتعظيمها تعبدًا وتقربًا إلى الله ﷻ . وأما الجانب الثاني: إحياؤها بالاهتمام والترميم والتجديد والبناء وتذليل الوصول إليها: إحياء المساجد وأماكن التعبد بالاهتمام والترميم والتجديد والبناء وتذليل الوصول إليها من الأمور المشروعة؛ بل هو من الأمور الضرورية على المسلمين (٢)، لتحقق العبودية وامتثالاً للأوامر الشرعية، وما يترتب عليه من الأجر والفضل العظيم، والثواب الجزيل لمن بنى المسجد خالصًا لوجه الله (٣). ومعلوم أن الهدف من بناء المساجد وعمارتها جمع الناس فيها للعبادة، وهو اجتماع مقصود في الشريعة، أما عن وجود مجموعة مساجد في مكان واحد لا يحقق هذا الغرض؛ بل هو مدعاة للافتراق المنافي لمقاصد الشريعة،

стр. 182

وبعض المساجد لم تبن للاجتماع؛ لأنها متقاربة جدًّا، وإنما بنيت للتبرك بالصلاة فيها والدعاء، وهذا ابتداع واضح (١). ومن المعلوم أيضًا أن بناء المساجد من حيث الشكل ليس توقيفيًّا؛ بل هو متطور مع التطور العمراني، ويختلف شكله من جهة إلى أخرى، ومن بلد إلى بلد (٢) ولكن هناك أمورٌ لا بد أن تكون في الحسبان عند عمارة المساجد وإحيائها، من أهمها: ١ تجنّب بناء المسجد على القبر، أو دفن الميت في المسجد؛ لورود النهي عن ذلك، واتفاق الأئمة على تحريمه (٣). فإذا كان المسجد قديم والقبر أحدث فيه، فإنه يزال وينبش وينقل الرفات إلى المقبرة العامة في حفرة خاصة، ويسوى ظاهرها كسائر القبور، ويبقى المسجد على حاله يصلى فيه؛ لزوال المحذور. وأما إذا كان المسجد هو الأخير الذي بني على القبور وجب هدمه، وأن لا يبقى؛ لأنه أسس على الباطل. فيُعلم أنه في الصورة الأولى: إذا كان المسجد الأول والقبر هو الحادث ينبش القبر ويزال من المسجد. وفي الصورة الثانية: إذا كان القبر الأول يبقى القبر ويهدم المسجد. ولا يجوز للمسلمين أن يصلوا في المساجد التي فيها قبور، والصلاة فيها غير صحيحة؛ لثبوت النهي عن ذلك في الأحاديث الصحيحة (٤). كما سيأتي التفصيل في بيان تحريم البناء على القبور في موضعه (٥). ٢ تجنّب وضع ستائر على زوايا المسجد؛ لأجل مقام رجل صالح أو

стр. 183

ولي من أولياء الشيطان كما قال صاحب كتاب إصلاح المساجد من البدع والعوائد: أن بعض المساجد في غير هذه البلاد يوجد بها ستائر على زوايا المسجد، أو على جانب حائط، أو على عمود، ويزعمون أنها لمقام فلان، أو أنه كان يحضر حيًّا في هذا المكان، فيقدسونه لأجل ذلك، وربما تمسحوا به، وربما زعموا أنه قبره، وربما عبدوه من دون الله، نعوذ بالله من الشرك (١). ثم ذكر حوادث تؤيد قوله، وذكر غيره: أن هذه الستائر تحوي كلمات فيها شرك كالاستغاثة بغير الله، وهذا والله من ألاعيب الشيطان ومن انتشار الجهل بالدين، نسأل الله السلامة والعافية (٢). فإذا كان يُتبرك بالمقام الذي في المسجد، أو يعتقدون فيه أنه يشفي مرضاهم، ويتمسحون بما أخذوا من ترابه، أو ما أشبه ذلك، فإنه يُهدم؛ لأنه من قواعد الشرك ومن أساسات الشرك التي يجب أن تُزال (٣). ٣ تجنّب زخرفة حوائط المساجد وأرضه وسقفه ونحوها؛ لورود النهي عن ذلك، كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ»، علّق ابن عباس ﵄ بقوله: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى (٤). وقال ﷺ : «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ» (٥).

стр. 184

وكما جاء في الأثر عن أبي ذرّ ﵁ قال: إِذَا زَوَّقْتُمْ (١) مَسَاجِدَكُمْ، وَحَلَّيْتُمْ مَصَاحِفَكُمْ، فَالدَّبَارُ (٢) عَلَيْكُمْ (٣)؛ لأن زخرفة المساجد وتزيينها وتحلية المصاحف تُشغل القلوب وتُلهي عن الخشوع والحضور مع الله تعالى الذي هو روح العبادة (٤). وغيرها من الآثار كثير والتي تدل في مجملها على كراهة السلف الصالح للزخرفة؛ لكونها مشابهة للمشركين من اليهود والنصارى ونحوهم، وقد جاء الأمر بمخالفتهم، والنهي عن مشابهتهم. وكذلك فيها مخالفة للغرض الأساسي الذي من أجله بنيت المساجد، وهي عبادة الله تعالى، ولما فيها كذلك من الإسراف (٥). فيتبين من ذلك أن زخرفة المساجد مكروهة كراهة شديدة (٦) قد تصل إلى التحريم، وأما عن تزويقها بالذهب أو الفضة حتى ولو كانت الكعبة: فحرام مطلقًا، وبغيرهما مكروه (٧). ومما يستأنس بذكره ما جاء عن أبان بن عثمان ﵀ لما سأله الخليفة عن المسجد النبوي بعدما فرغ من بنائه بالحجارة المنقوشة، وعمله بالفسيفساء والمرمر، وعمل سقفه بالسَّاج وماء الذهب، واعتنى بتحسينه وتزينه.

стр. 185

قائلاً: أين هذا من بنيانكم؟ فقال أبان ﵀: بنيناه بناء المساجد، وبنيتموه بناء الكنائس! (١). ٤ النهي عن الإكثار من بناء المساجد في المحلة الواحدة؛ وذلك لما فيه من تفريق الجمع وتشتيت شمل المصلين، وتعديد الكلمة، وحل عروة الانضمام في العبادة، وذهاب رونق وفرة المتعبدين واختلاف المشارب ومضادة حكمة مشروعية الجماعات (٢). وجاء في «الإقناع»: ويحرم أن يبنى مسجد إلى جنب مسجد إلا لحاجة كضيق الأول ونحوه (٣). وبحمد الله وفضله قامت دولتنا الرشيدة المملكة العربية السعودية على خدمة المساجد عمومًا وعلى خدمة الحرمين الشريفين المسجد الحرام، والمسجد النبوي، حق القيام بالمحافظة والاهتمام البالغ، والعناية الفائقة. فتعد جهودها درة الأعمال الجليلة التي ميّزها الله ﷻ بها؛ لخدمة الإسلام والمسلمين بالمحافظة على المساجد والمشاعر الدينية. ولا يمكن لأحد أن يزايد مطلقًا على عناية المملكة ببيت الله الحرام، والمشاعر المقدسة، والمسجد النبوي الشريف، والاهتمام بها، والحرص على تشييدها وتوسعتها وصيانتها وإعمارها وتهيئتها للعبادة، لا شك أن ذلك كله يعد من صميم رسالة ملوك هذا البلد المعطاء (٤). ابتداءً من عهد المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود

стр. 186

طيب الله ثراه وحتى الآن في عهد الملك سلمان حفظه الله ورعاه والتي تعدّ جهودهم عقد من اللآلئ التي ترصع التاريخ الإسلامي على مر العصور، وسيبقى التاريخ خير شاهد (١). ومن الجدير بالذكر أن المسجد الحرام والمشاعر المقدسة في سنة: (٣١٦ هـ)، تعرضت لحوادث وكوارث من قِبل القرامطة، الذين كانوا قبل هذه السنة يقطعون على الحجاج طريقهم وينهبونهم لكن في هذا العام (٣١٦ هـ) تمادوا وهجموا بهجوم عنيف على مكة، وقاموا بأعمال شنيعة في موسم الحج، اشتملت على القتل والنهب والسرقة والتخريب (٢). فقد استحلوا حرمة البيت الحرام، فخلعوا الميزاب وباب الكعبة، وسلبوا كسوتها الشريفة، ونهبوا جميع ما كان من البيت من المحاريب والمصابيح ومما يزين به البيت من ذهب وفضة، فجرّدوا البيت مما كان عليه، وحملوا ذلك على خمسين جملاً، وأرادوا الاستيلاء على مقام إبراهيم، ولكن سدنة المسجد غيبوه عنهم في بعض شعاب مكة، فلم يجدوه إذ كانوا جشعين في طلبه لنهبه، فعادوا عند ذلك إلى الحجر الأسود، واقتلعوه من مكانه، واحتملوه إلى بلادهم. وقتلوا زهاء ثلاثين ألفًا من أهل البلد ومن الحجاج ورموهم في بئر زمزم، وسبوا النساء والذراري ما يقارب عشرين ألف رأس، فجمعوا شيئًا عظيمًا من الذهب والفضة، والجواهر والورق التي سلبوها من الحجاج القادمين من بلدان الإسلام كلها، وحملوا منها مقدار مائة ألف جمل وأحرقوا الباقي، وانقلبوا إلى بلادهم يحملون الحجر الأسود حيث أبقوه عندهم ثم استرد إلى مكة بعد (٢٢ سنة) (٣).

стр. 187

ولعل هذه أول حادثة في القرن الرابع تعطّل الحج فيها؛ بسبب القرامطة كما قال الحافظ الذهبي ﵀: ولم يحجّ أحدٌ في هذه السنة (١) خوفًا من القرامطة (٢)، وربما حج من كان في مكة أو من وصل إليها من المسلمين، والله أعلم. ومن المهم التنبيه إلى ما ظهر مؤخرًا من الكذب والتزييف التاريخي في نسبة بعض آثار المساجد للعهد النبوي، أو عهد الخلفاء الراشدين، وإن كان الأصل عدم التفضيل إلا ما جاء الشرع بتفضيله وتعظيمه كما قررت ذلك سابقًا، وأن التراكم التاريخي الذي ينسبونه للمساجد لا يزيدها قيمة ولا فضلاً فهي كبقية المساجد، مثال ذلك: ما روجته بعض الجهات بإعلانها لأول مئذنة في الإسلام في دومة الجندل (٣)، والتي أمر ببنائها مع المسجد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ عندما كان متجهًا إلى بيت المقدس، عام (١٦ هـ)، وسُمِّي المسجد باسمه ﵁، ولا تزال المئذنة محافظة على شكلها المعماري لأكثر من (١٤ قرنًا) على حد قولهم. والحقيقة أن الفاحص لكتب التاريخ المتقدّمة والمتأخرة وكذلك المعاصرة لا يجدُ ذكرًا للمآذن في عهد الخليفة عمر بن الخطاب ﵁. بل إن أول مئذنة عُرفت في الإسلام في عهد الدولة الأموية (٤)، والتي قيل بأنها بنيت في عام: (٤٥ هـ) (٥)، وقيل في عام: (٥٣ هـ) (٦)، ولم

стр. 188

تكن قبل ذلك (١). ومع أنه ليس هناك دليل صحيح على إثبات نسبة المئذنة للخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁، فليس في نسبتها مزيد فضل، ولا ميزة تميزها عن بقية المآذن. والمقرر عند خبراء الآثار هو أن علم التاريخ هو العمود الفقري للدراسات الأثرية (٢)، فكيف ينسب خبراء الآثار المئذنة إلى عهد الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ وليس لها ذكر في كتب التاريخ! وكما أشار أحد المهتمين بالمساجد وعمارتها قائلاً إن: أقدم ما بقي لدينا رغم عوادي الزمن من المنارات منارة جامع عقبة في القيروان … وهي التي بناها عامل بني أمية على القيروان … ما بين سنة (١٠٥ هـ ١٠٩ هـ) وتليها في القدم منارة قصر الحير الشرقي في الشام ويرجع إنشاؤها إلى حوالي سنة (١١٠ هـ) (٣). والعجيب بقاء بنائها من الحجر والطين صامدًا بقوامه لمدة (١٤ ق) ولم يسقط! والأعجب من ذلك ما صرّح به أحد أهالي المنطقة الشمالية أن تلك المئذنة التي في دومة الجندل والتي نسبوها للخليفة الراشد ﵁ أنها في حقيقتها منارة قديمة بنيت مع كنيسة!! وهُدمت الكنيسة وبقيت المنارة بجوار مسجد عمر ﵁ (٤). ومن المعلوم أن الإذاعة عن الآثار ومهنة الإرشاد السياحي من أخصب المهن وأكثرها قبولاً للتلون والكذب.

стр. 189

كما أكّد على ذلك أحد كبار خبراء الآثار بقوله: أرى لزامًا علي أن أخبرك بهذه المناسبة بأنه: ما من مهنة يمكن أن يندس فيها الدجالون أكثر من هذه المهنة، وعالم الآثار كما رسمته هو الرجل ذو الصفات المتعددة (١). * * *

стр. 190

المبحث الثالث آثار الأمم الهالكة وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: سفينة نوح ﵇ بجبل الجودي. المطلب الثاني: ديار عاد بالأحقاف. المطلب الثالث: ديار ثمود بالحجر. المطلب الرابع: ديار قوم لوط ﵇ بالسدوم. المطلب الخامس: ديار أصحاب مدين بالبدع. المطلب السادس: حكم إحياء آثار الأمم الهالكة.

стр. 191

المبحث الثالث آثار الأمم الهالكة كان الناس أمة واحدة على التوحيد الخالص من آدم إلى نوح ﵉؛ لقوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] (١). ثم طرأ عليهم الشرك، بعد مرور عشرة قرون، كما قال النبي ﷺ : «كان بين آدمَ ونوحٍ ﵉ عَشَرَةُ قُرُونٍ» (٢)، وزاد في رواية: «كُلُّهُمْ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْحَقِّ، فَلَمَّا اخْتَلَفُوا، بَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، وَأَنْزَلَ كِتَابَهُ، فَكَانُوا أُمَّةً وَاحِدَةً» (٣). فبعث الله الأنبياء ﵈ مبشرين ومنذرين، يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وينهون عن عبادة ما سواه، وما من نبي يُبعث إلا ويقول: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، اعبدُوا: أي: وحِّدُوا (٤). وقد جاء في القرآن الكريم الإخبار عن أحوال الأمم السابقة مع أنبيائهم، حيث أنجى الله ﷻ رسله وأتباعهم المؤمنين، وأهلك المكذبين (٥). وهذه سُنَّة الله في بعض الأمم التي كفرت، وكذّبت الرسل ﵈، وتحدّت آيات الأنبياء، أن يهلكهم ويستأصلهم، ولا يبقي لهم عقب.

стр. 192

وقد قال الله تعالى في هلاك الأمم السابقة واستحقاقهم للعذاب: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ *وَثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُولَئِكَ الأَحْزَابُ *إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ *﴾ [ص]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ *﴾ [التوبة]. ومن الأمم من تستجيب لدعوة نبيّها فتنجو من العذاب كما قال الله تعالى في قوم يونس ﵇: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ *﴾ [يونس]. ومن الأمم من تكذّب دعوة نبيّها فتكون عاقبتها الاستئصال والهلاك. وأول الأمم التي أهلكها الله تعالى قوم نوح ﵇، ثم عاد قوم هود ﵇، ثم ثمود قوم صالح ﵇، ثم قوم لوط ﵇، ثم أصحاب مدين قوم شعيب ﵇، وهكذا من بعدهم (١)، فهؤلاء بعض الأمم المعذبة بالاستئصال (٢)، المتتابعة على الهلاك، الذين عتوا عن أمر ربهم، وكذبوا رسلهم ﵈ (٣). فعجّل الله لهم العذاب في الدنيا، وما يدّخر لهم في الآخرة أشد وأعظم مما أصابهم قبل مماتهم (٤) نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 193

ومضمون ما جرى للأنبياء ﵈ مع أقوامهم نجده مستوفيًا في القرآن الكريم، والسُّنَّة النبوية الصحيحة. فالقرآن يحكي صورًا من الأمم الهالكة ومصارعهم الغابرة، من أولهم حتى آخرهم؛ للاتعاظ والاعتبار واجتناب الأسباب التي أدت إلى هلاكهم وتعذيبهم (١). وما هلكت الأمم الغابرة، وأُعدّت لهم النيران في الآخرة إلا بالشرك والإباء عن التوحيد (٢)، والكفر بالله ﷻ والتكذيب برسله ﵈ والتمادي في المعاصي، والجرائم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فكان في قوم لوط مع الشرك إتيان الفواحش التي لم يسبقوا إليها؛ وفي عاد مع الشرك التجبر والتكبر والتوسع في الدنيا وشدة البطش وقولهم: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] وفي أصحاب مدين مع الشرك الظلم في الأموال … وكان عذاب كل أمة بحسب ذنوبهم وجرائمهم، فعذب قوم عاد بالريح الشديدة العاتية التي لا يقوم لها شيء. وعذب قوم لوط بأنواع من العذاب لم يعذب بها أمة غيرهم، فجمع لهم بين الهلاك والرجم بالحجارة من السماء، وطمس الأبصار، وقلب ديارهم عليهم بأن جعل عاليها سافلها، والخسف بهم إلى أسفل سافلين. وعذب قوم شعيب بالنار التي أحرقتهم وأحرقت تلك الأموال التي اكتسبوها بالظلم والعدوان. وأما ثمود فأهلكهم بالصيحة فماتوا في الحال، فإذا كان هذا عذابه لهؤلاء وذنبهم مع الشرك عقر الناقة التي جعلها الله آية لهم، فمن انتهك محارم الله واستخف بأوامره ونواهيه وعقر عباده وسفك دماءهم كان أشد عذابًا.

стр. 194

ومن اعتبر أحوال العالم قديمًا وحديثًا وما يعاقب به من يسعى في الأرض بالفساد وسفك الدماء بغير حق وأقام الفتن واستهان بحرمات الله: علم أن النجاة في الدنيا والآخرة للذين آمنوا وكانوا يتقون (١). والآثار المعنية في هذا المبحث: هي المعالم المرئية الباقية من الأمم السابقة. وهذه الآثار يمكن القول بأنها على نوعين: أحدهما: ظاهرة، والأخرى: مطمورة. فأما النوع الأول فهي كآثار ديار: عاد، وثمود، ومدين. وأما النوع الآخر الآثار المطمورة فهي كأثر: سفينة نوح ﵇، وخسف ديار قوم لوط ﵇ تحت الأرض. وبسط هذا المبحث في المطالب التالية: المطلب الأول: سفينة نوح ﵇ بجبل الجودي. المطلب الثاني: ديار عاد بالأحقاف. المطلب الثالث: ديار ثمود بالحجر. المطلب الرابع: ديار قوم لوط ﵇ بالسدوم. المطلب الخامس: ديار أصحاب مدين بالبدع. المطلب السادس: حكم إحياء آثار الأمم الهالكة. * * *

стр. 195

المطلب الأول سفينة نوح ﵇ بجبل الجودي أول الأمم التي أهلكها الله تعالى قوم نوح ﵇ أهلكهم الله ﷻ بالطوفان؛ لشركهم، الذي كان بدايته إحياء لآثار الصالحين ومن ثم غلوا فيهم، ومن ثم عبدوهم، وهو أول شرك حصل على وجه الأرض. وبسط هذا المطلب في المسائل التالية: المسألة الأولى: لمحة عن دعوة نبي الله نوح ﵇ لقومه. المسألة الثانية: هلاك قوم نوح ﵇. المسألة الثالثة: سفينة نوح ﵇ وأثرها. المسألة الأولى: لمحة عن دعوة نبي الله نوح ﵇ لقومه: أول رسول أرسله الله ﷻ إلى أهل الأرض: نوح ﵇ وهو أحد أولي العزم من الرسل، لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا *﴾ [الأحزاب]. وأثنى الله عليه في القرآن بقوله ﷻ : ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا *﴾ [الإسراء]، وأيضًا استجاب الله دعوته ونجاه من الكرب، وجعل في ذريته النبوة والكتاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ *وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ *وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ *﴾ [الصافات]. وما صَبَرَ أحدٌ في طول مدة دعوته إلى الله صَبْرَ نوح ﵇ وثَبَتَ ثباتُه، فقد مكث ﵇ يدعوا قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وما آمن معه إلا قليل، يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وينهاهم عن الشرك به ، ويبدي فيهم ويعيد، يدعوهم سرًّا وجهارًا، ليلاً ونهارًا، وهم لا يزدادون إلا

стр. 196

عتوًّا ونفورًا (١). فخلّد الله ﷻ ذكره في القرآن الكريم، وذُكرت قصته في كثير من السور (٢)، وسميت سورة من المفصل باسمه ﵇ «سورة نوح»، وذُكر أيضًا ﵇ بآيات مع ذكر الأنبياء، وذكر قومه مع مجمل الأمم في سور أُخر (٣). رُوي عن جماعة من السلف أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون (٤) كلهم على ملة الحق، وأن الكفر بالله إنما حدث في القرن الذين بُعث إليهم نوح ﵇ (٥). حيث كان قبل بعثة نبي الله نوح ﵇ رجالٌ صالحون لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا، زيّن الشيطان لأتباعهم الذين كانوا يقتدون بهم، أن يحيوا آثارهم ويصوروا صورهم، ثم نصبوا في مجالسهم التي يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم: ودًّا وسواعًا ويغوثَ ويعوقَ ونسرًا؛ لتُذكرهم بهم وينشطوا على الطاعة إذا رأوها بزعمهم، وتكون عونًا لهم على عبادة الله، ففعلوا ولم تعبد في أول الأمر، لكن لما مات أتباعهم، ثم طال الأمد، ونُسي العلم، وقلّ التوحيد، وجاء آخرون، دب إليهم إبليس وقال لهم: إن أسلافكم إنما كانوا يعبدونهم، ويتوسلون إليهم، وبهم يسقون المطر، فأطاعوه

стр. 197

وألهوهم، وعُبدت الأصنام، فوقع الشرك (١). فكان هدفهم الأول في إحياء آثارهم أن يتذكروهم؛ فينشطوا ويزدادوا من الطاعات، وفعل الخيرات، لكن سرعان ما تحوّل إحياء آثارهم، والاهتمام بهم إلى تعظيم وتقديس، حتى غلوا وجاوزوا الحد في العناية، ووصلوا إلى التأليه والعبادة نسأل الله السلامة والعافية حتى حصلت النتيجة الوخيمة وهي الوقوع في الشرك؛ الذي كان سببه التدرج بالانحراف، والتهاون بوسائل الشرك وذرائعه. فلما انتشر في الأرض الفساد، وعمّ البلاء بعبادة الأصنام، وشرع الناس بالضلال والغي، أرسل الله عبده ورسوله نوح ﵇ يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وينهى عن عبادة ما سواه، وكان ﵇ أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض (٢). فكان نبي الله نوح ﵇ أول رسول أرسله الله ﷻ لإبطال الشرك، وإقامة الحجة على المشركين؛ لتذكيرهم بنعم الله ووجوب شكرها، ودلالتهم على سوء مغبة الشرك ولزوم التبري منه، ولكن القوم غلب عليهم هوى الشرك، ففقدوا رشدهم، ولم يفقهوا دعوة نبيّهم، واجتهدوا في الدفاع عن وثنيتهم بما هو خارج عن موضوع النزاع (٣). كما قال الله حكاية عن قوم نوح ﵇: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ *أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ *فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ *﴾ [هود]، فكانوا يردون دعوته بحجة أنه بشر، وأنه ما آمن به

стр. 198

منهم إلا الأراذل والسفلة بزعمهم، وأنه ليس بأفضل منهم حتى ينقادوا لأمره ﵇ (١)، ورموه بالكذب (٢)، واتهموه بالجنون (٣)، والضلال المبين (٤)، ولا شك أن زعمهم باطل، وقولهم فاسد. قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ معلقًا على زعمهم الباطل لأتباع نبي الله نوح ﵇: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾: وهم في الحقيقة الأشراف، وأهل العقول، الذين انقادوا للحق ولم يكونوا كالأراذل، الذين يقال لهم: الملأ الذين اتبعوا كل شيطان مريد، واتخذوا آلهة من الحجر والشجر، يتقربون إليها ويسجدون لها، فهل ترى أرذل من هؤلاء وأخس؟ (٥). وكان فعلهم أعجب من قولهم فقد كانوا يرفعون ثيابهم ويغطون بها رؤوسهم، ويضعون أصابعهم في آذانهم إذا سمعوه يدعوهم إلى الله ﷻ ؛ لئلا ينفذ إليهم كلام الحق؛ ولئلا ينظروا إلى الرسول الكريم ﵇، كما قال تعالى: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا *﴾ [نوح]. واستمروا على هذا الضلال حتى فشا فيهم الكفر والطغيان، وأشركوا بالله، وأصبح السابق يوصي اللاحق بالتمسك بآلهتهم، وعدم ترك عبادة الأوثان، قائلين لهم: ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا *﴾ [نوح]، فتمسكوا بضلالهم وتواصوا به، فلم يستجيبوا لدعوة نبي الله نوح ﵇ مع قوة حجته، وطول مدته (٦). فدعوة نبي الله نوح ﵇ لاقت قلوبًا غلفًا، وآذانًا صمًّا، وأعينًا عميًا،

стр. 199

فكان كلما طال عليهم الأمد ازدادوا كفرًا (١). فقد كانت سجاياهم تأبى الإيمان، واتباع الحق، ولهذا قال ﷻ : ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا *﴾ [نوح] (٢). ثم انتهى بهم الأمر إلى استعجال نزول العذاب، وقطعوا رجاءه ﵇ في إيمانهم، فقالوا: ﴿قَالُوا يانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ *قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ *﴾ [هود] (٣). المسألة الثانية: هلاك قوم نوح ﵇: إحياء آثار الصالحين هو المدخل الذي أغوى الشيطان به قوم نوح ﵇ حتى غلوا فيهم، وعظموهم وألهوهم، وبه وقع أول شرك على وجه الأرض، فهم أول الأمم التي أهلكها الله ﷻ (٤). فلما كذبوا نوحًا ﵇ واستكبروا وعصوا أمر ربهم، أمر الله تعالى نوح ﵇ بصناعة الفلك. وقد جاء وصف هلاكهم في القرآن الكريم وصفًا دقيقًا، كما قال الله تعالى مخبرًا عنهم: ﴿وَأُوْحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ *وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ *وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ *فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ *حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ *وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ *وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِل يابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا

стр. 200

وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ *قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ *وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ *وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ *قَال يانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ *قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ *قِيل يانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ *﴾ [هود]. فكان هلاكهم بالطوفان (١)، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ *﴾ [العنكبوت]. والطوفان الذي أهلك الله به قوم نوح ﵇ لم يكن من قبيل الفيضانات التي تحدث بين الحين والآخر في مختلف بقاع الأرض؛ بل كان عذابًا عامًّا أعده الله ﷻ ؛ لاستئصال المشركين المستكبرين، وتطهير الأرض من دنسهم وطغيانهم، وقد وصف الله هول العذاب وشدّته في قوله: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ *وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ *وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ *تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ *﴾ [القمر] (٢). المسألة الثالثة: سفينة نوح ﵇ وأثرها: حكى المؤرخون وبعض المفسرين هيئة السفينة التي أمر الله ﷻ نوحًا ﵇، بأن يصنعها، حيث جاء في وصفها أن مقدمتها مثل صدر الطائر، وطولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعًا (٣)، وارتفاعها ثلاثون ذراعًا،

стр. 201

ومكونة من ثلاث طبقات، كل طبقة عشرة أذرع؛ فالطبقة السفلى فيها الدواب والوحوش، وفي الطبقة الوسطى الناس، وفي الطبقة العليا الطيور، ولها غطاء من فوقها مطبق عليها، وكان بابها في عرضها (١). ورُوي أن قوم نوح كانوا يسألونه ﵇ عما يصنع فيجيبهم أنه يصنع بيتًا يجري على الماء، ولم يكن هذا معروفًا ولا متصورًا من قبل (٢). فهذه السفينة العظيمة لم يكن لها نظير قبلها، ولن يكون بعدها مثلها؛ لأنها معجزة نبي، فهي حُفظت فترة من البلى؛ لتكون آية تشهدها الأمم التي كذبت الرسل، وتكون لهم عبرة وتخويفًا (٣). وبعدما أهلك الله تعالى قوم نوح ﵇ قال ﷻ : ﴿يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤]، فرست السفينة واستقرت على جبل بجزيرة قرب الموصل (٤)، يسمى الجودي (٥). قال الله تعالى عن بقاء أثر السفينة: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ *﴾ [القمر]. وجاء في الصحيح عن قتادة ﵀ (ت: ١١٨ هـ) قال: أبقى الله سفينة نوح حتى أدركها أوائل هذه الأمة (٦).

стр. 202

وقال أيضًا ﵀: فأبقى الله السفينة … عبرة وآية حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة نظرًا، وكم من سفينة كانت بعدها فصارت رمادًا (١). وعلّق المحدّث شمس الدين الكِرماني ﵀ (ت: ٧٨٦ هـ) على ما جاء عن قتادة ﵀: أبقى الله: أي نشأ من أجزائها إلى زمان بعثة رسول الله ﷺ وهذا هو تفسير لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً﴾ (٢). ورُوي عن ابن جريج ﵀ (ت: ١٤٩ هـ) أنه قال: كانت السفينة تذكرة للأمم، وكم من سفينة قد هلكت وأثرها قد ذهب، إلا سفينة نوح ﵇ أدركها بعض من أمة محمد ﷺ فرأوا ألواحها على الجوديّ (٣). وقال ابن عاشور ﵀ (ت: ١٣٩٣ هـ) في تفسيره للآية المذكورة آنفًا: أي: أبقينا سفينة نوح ﵇ محفوظة من البلى؛ لتكون آية يشهدها الأمم الذين أرسلت إليهم الرسل، متى أراد واحد من الناس رؤيتها ممن هو بجوار مكانها، تأييدًا للرسل وتخويفًا بأول عذاب عذبت به الأمم، أمة كذبت رسولها فكانت حجة دائمة مثل ديار ثمود. ثم أخذت تتناقص حتى بقي منها أخشاب شهدها صدر الأمة الإسلامية فلم تضمحل حتى رآها جماعة من الأمم بعد نوح ﵇ فتواتر خبرها بالمشاهدة تأييدًا لتواتر خبر الطوفان وقد ذكر القرآن أنها استقرت على جبل الجودي فمنه نزل نوح ﵇ ومن معه وبقيت السفينة هنالك لا ينالها أحد (٤). وقد قال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ *ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ *إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ *﴾ [الشعراء]. وقال : ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ *﴾ [العنكبوت].

стр. 203

وقال ﷻ : ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ *لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ *﴾ [الحاقة]، وقال ﷻ : ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ *﴾ [القمر]، فالضمير في قوله تعالى: ﴿تَرَكْنَاهَا﴾ يعود إلى السفينة وجنسها (١). فجنس السفينة وصنعها أبقاه الله ﷻ ؛ ليدل ذلك على رحمته بخلقه وعنايته، وكمال قدرته، وبديع صنعته ﷻ (٢). فجعل الله جنس السفينة آية للعالمين، يعتبرون بها رحمة من ربهم، الذي قيض لهم أسبابها، ويسر لهم أمرها، وجعلها تحملهم وتحمل متاعهم من محل إلى محل ومن قُطرٍ إلى قُطر (٣). فهذا دليل من القرآن دلل بعض المفسرين به على بقاء السفينة؛ عبرة وآية للاتعاظ وأن أثرها كان موجودًا وأدركه الأوائل والسابقون، وجنسها ما زال موجودًا حتى الآن. وما زال خبراء الآثار ينقبون عن آثار السفينة في أماكن مختلفة بشتى الطرق، وتنوّع الوسائل وضروب من التقنيات العالية والدقيقة؛ للعثور عليها. وادّعّى بعض الباحثين والمنقبين عن الآثار، من أهل الكتاب (٤) على أنهم اكتشفوا بقايا سفينة قديمة فوق جبل «أرارات»، وقالوا بأنها سفينة

стр. 204

نوح ﵇، استنادًا إلى الكتاب المقدس (١) المحرّف، ولكن جميع ما توصلوا له مجرد توقعات، خالية عن الأدلة والإثباتات، بدليل فشلهم على العثور عليها. ولا شك أن سفينة نوح ﵇ استوت على جبل الجودي كما جاء في القرآن الكريم، وسواء كان أثر السفينة ظاهرًا أو غير ظاهر، فنحن مؤمنون مصدقون موقنون بأن الله ﷻ أهلك قوم نوح بالطوفان، ونجى نوحًا ﵇ والذين آمنوا معه بالسفينة التي استوت على الجودي، والتي أدركها السابقون، فكانت قصته ﵇ مع قومه عظة وذكرى للمعتبرين. وبالتمعّن والنظر إلى قصة نوح ﵇ يستخلص منها: أن بداية الانحراف للشرك، وعبادة الأصنام والأوثان، هو إحياء آثار الصالحين بنية حسنة، وبقصد الذكرى والتذكر؛ جهلاً واتباعًا للأهواء. وهذا القصد يجعل المسلم على شفا جرف هارٍ، ومزلق يؤدي به إلى هوة سحيقة من المهالك في الدنيا والآخرة. وأن إبليس وأتباعه من شياطين الإنس والجن يستغلون لحظات ضعف المسلم، بحب الذكرى والتذكّر، من خلال التقاط الصور التذكارية والاحتفاظ بها، وتعليقها ونصبها بطرق احترافية، بدايةً من صورة كبيرة معلقة في أماكن بارزة، ومن ثم مع الوقت تصبح كالتماثيل التذكارية، كلما رأوها تذكروا صاحبها وزرعوا في نفوس من حولها كبارًا وصغارًا حبها وتعظيمها، ومن ثم تقديسها، والتتيم بها، ومخاطبتها بأحوالهم وما حصل لهم وكأن صاحب الصورة يسمعهم وتصله أخبارهم، ودعاءها، وطلب البركة منها، بالتقرّب منها، ومن ثم التقريب لها، وصرف ما لا يجوز صرفه لغير الله ﷻ ، ومعلوم أن النار من مستصغر الشرر (٢). فلينتبه المسلم الفطن من وسائل الشرك ولا يتهاون بها.

стр. 205

المطلب الثاني ديار عاد بالأحقاف عاد قبيلة من العرب العاربة البائدة، سكنت الأحقاف، ومساكنهم مشهورة معلومة عند العرب قبل الإسلام (١)، وحتى وقتنا هذا. وبسط هذا المطلب في المسائل التالية: المسألة الأولى: موضع ديار عاد. المسألة الثانية: لمحة عن دعوة نبي الله هود ﵇ لقومه. المسألة الثالثة: هلاك عاد. المسألة الأولى: موضع ديار عاد: قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف: ٢١]، والأحقاف جمع حقف، وهو ما استطال من الرمل الكثير العظيم واعوج ولم يبلغ جبلاً (٢). ولم يأتِ في القرآن موقع الأحقاف من جزيرة العرب، ولكن جاءت الإشارة إلى أن مساكنهم كانت معلومة لدى العرب، كما قال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣٨]. وقد اختلف أهل العلم قديمًا وحديثًا في تحديد تلك المنطقة، بيد أن معظم المفسرين (٣) والمؤرخين (٤)، حددوا موقع الأحقاف في أرض اليمن، بين حضرموت وعمان.

стр. 206

حيث جاء في وصفهم أنهم كانوا يسكنون الخيام ذوات الأعمدة الضخام (١)، وقد أشار بعضهم إلى أن آثار مساكنهم معروفة، وما زالت معالمها موجودة حتى الآن في جنوب المملكة العربية السعودية، وشمال حضرموت (٢). ومن الجدير بالتنبيه ما ينسبه بعض أهالي منطقة حضرموت للآثار القديمة التي في قرية «سنا» من أنها آثار عاد قوم هود ﵇، بينما يرى خبراء الآثار أنها بقايا مدينة حميرية (٣)، والله أعلم بالصواب. يقول إمام المفسرين والمؤرخين ابن جرير الطبري ﵀ فيما يرويه عن المحدثين في تحديد موقع الأحقاف: أولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله ﵎ أخبر أن عادًا أنذرهم أخوهم هود بالأحقاف، والأحقاف ما وصفت من الرمال المستطيلة المشرفة … الذي يكون كهيئة الجبل تدعوه العرب الحقف، ولا يكون أحقافًا إلا من الرمل. وجائز أن يكون ذلك جبلاً بالشام، وجائز أن يكون واديًا بين عمان وحضرموت، وجائز أن يكون الشحر، وليس في العلم به أداء فرض، ولا في الجهل به تضييع واجب، وأين كان فصفته ما وصفنا من أنهم كانوا قومًا منازلهم الرمال المستعلية المستطيلة (٤). المسألة الثانية: لمحة عن دعوة نبي الله هود ﵇ لقومه: وقع الشرك مرة أخرى بعد الطوفان في عاد، فبعث الله فيهم أخاهم هودًا ﵇ يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه. فكانوا خلفاء لقوم نوح ﵇؛ لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ

стр. 207

مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *﴾ [الأعراف]. كانت أجسامهم على قدر كبير من القوة والشدّة، والمهارة في العمران، والبناء، وأمدهم الله بأنعام وبنين وجنات وعيون، وبسط عليهم في المعاش، وسائر ضروب الحياة، وبدل الاستعانة بهذه النعم على طاعة الله استعانوا بها على الكفر والتجبر، والعتو، والطغيان فأرسل الله إليهم هودًا ﵇ يدعوهم إلى توحيد الله، ويذكرهم بتلك النعم التي أنعم الله بها عليهم؛ لتلين قلوبهم، ويشكروا منعمهم، ويخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له (١). فكشف لهم حقيقة الأوثان التي سموها آلهة، كما قال تعالى: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [الأعراف: ٧١]، ومع ذلك أعرضوا وصدوا، وقالوا: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ *﴾ [الشعراء]. فكان من آيات نبي الله هود ﵇ الخاصة أنه متفرد في دعوته، وهم أهل البطش والقوة، والجبروت، وقد خوفوه بآلهتهم إن لم ينته، أن تمسه بجنون، أو سوء، فتحداهم علنًا، وقال لهم جهارًا (٢): ﴿إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ *مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ *إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ *﴾ [هود]. وقد تضمن هذا المقام حجة بالغة، ودلالة قاطعة على صدق ما جاءهم به، وبطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضر؛ بل هي جماد لا تسمع ولا تبصر، ولا توالي ولا تعادي (٣). فأي آية أعظم من هذا التحدي، لهؤلاء المشركين الحريصين على إبطال

стр. 208

دعوته (١)، المتمردين، العتاة، الجبارين، الخارجين عن طاعته، المكذبين لرسله، الجاحدين لكتبه فذكر تعالى كيف أهلكهم ودمرهم وجعلهم أحاديثًا وعبرًا (٢). فخلّد الله ﷻ ذكر نبي الله هود ﵇ وقومه في القرآن الكريم، فذُكرت قصته في كثير من السور (٣)، وسميت سورة من المفصل سورة هود (٤) وجرى ذِكر قومه عاد مع مجمل الأمم المعذبة في سور أُخر (٥). المسألة الثالثة: هلاك عاد: كانت عاد أمة مشركة على شاكلة قوم نوح ﵇، يعبدون أصنامًا اتخذوها آلهة من دون الله، وفشا فيهم الشرك والضلال، وصار التوحيد أمرًا منكرًا وغريبًا عندهم. ودليل ذلك جوابهم على نبيِّهم هود ﵇ عندما دعاهم إلى عبادة الله وحده، قالوا: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ *﴾ [الأعراف]، وفي موضع آخر قالوا: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ *﴾ [الأحقاف]، فقد جعلوا الدعوة إلى عبادة الله وحده ونبذ الأوثان أمرًا يُتعجب منه، ولا تستسيغه عقولهم! (٦). فأهلك الله ﷻ هذه الأمة المتجبرة المستكبرة، التي بارزت الجبار بالعداوة، وجحدت آياته وعصت رسوله، وهي عاد التي اعتدت بقوتها وشدتها، وقالت مقالتها الشنيعة (٧): ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ

стр. 209

الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ *﴾ [فصلت]. رُوي عن بعض المفسرين في وصف هلاك عاد قوم هود ﵇ أن عذابهم كان من جنس فعلهم وقولهم وتجبرهم، فسلّط الله عليهم ريحًا هي أشد منهم قوة، فمن شدّتها وقوتها، وهولها تثير الهلع في القلوب، والفزع في النفوس، فكانت تدخل في أفواههم، فتخرج ما في أجوافهم من أدبارهم، ثم تحمل الواحد منهم على ضخامته وقوته إلى عنان السماء وتقذف به على رأسه ظاهر الأرض فتكسره، فيصير بدنه كأنه جذع نخلة، فلما نظر بعضهم إلى المعذبين منهم تطير بهم الريح بين السماء والأرض، هربوا وصاروا يختبؤون في البيوت والشعاب والحفر إلا أن الريح تنزعهم منها فتصرعهم (١). كما قال تعالى عنهم: ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ *﴾ [القمر]، وقال ﷻ في موضع آخر: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ *سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ *﴾ [الحاقة] (٢)، واستمر هبوب الرياح عليهم سبع ليالٍ حتى صرعهم وجعلهم كأعجاز النخل الخاوية؛ فكان هذا جزاء كِبرهم وقوة بطشهم. وزيادة في التنكيل بهم فإن الريح أتتهم من حيث كانوا ينتظرون المطر؛ لما أصابهم القحط (٣) فقال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ *﴾ [الأحقاف].

стр. 210

فلما أهلكهم الله، أرسل إليهم طيرًا سودًا، فنقلتهم إلى البحر فألقتهم فيه، فذلك قوله: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ *﴾ [الأحقاف] (١). المطلب الثالث ديار ثمود بالحجر بعد هلاك عاد بالريح ظهرت من بين الأمم ثمود، وهي قبيلة من العرب العاربة البائدة، ومساكنهم مشهورة معلومة عند العرب قبل الإسلام، وحتى وقتنا هذا. وقد جاء ذكرهم في القرآن (٢): تارة بقوم صالح ﵇؛ نسبة للنبي الذي بعثه الله إليهم. وتارة بثمود؛ نسبة للقبيلة التي تنتسب لها. وتارة بأصحاب الحجر؛ نسبة للمكان الذي كانت تسكن فيه. وبسط هذا المطلب في المسائل التالية: المسألة الأولى: موضع ديار ثمود. المسألة الثانية: لمحة عن دعوة نبي الله صالح ﵇ لقومه. المسألة الثالثة: هلاك ثمود. المسألة الأولى: موضع ديار ثمود: كانت ثمود تسكن الحجر في وادي القرى بين الحجاز وتبوك (٣)، ومساكنهم مشهورة معلومة عند العرب قبل الإسلام (٤). وما زالت موجودة في وقتنا هذا وتُعرف بالحجر، الكائن بالتحديد في

стр. 211

رأس وادي القرى (١) شمال مدينة العلا (٢). ووصف المؤرخون وعلماء البلدان للمنطقة وبنائها كله يشير إلى ما هو معروف اليوم بمدائن صالح (٣). قال الله ﷻ في وصف مساكنهم: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ *﴾ [النمل]، خاوية: أي: خالية ليس فيها أحد من السكان، وأوحشت من ساكنيها، وعطلت من نازليها؛ لتكون عظة وعبرة (٤). ومما يؤكد موقع ديار ثمود، ما جاء في الآثار المروية الصحيحة عن النبي ﷺ لما كان في طريقه لغزوة تبوك مرّ بالحجر (٥)، كما سيأتي بيانه في موضعه (٦). المسألة الثانية: لمحة عن دعوة نبي الله صالح ﵇ لقومه: أرسل الله ﷻ نبي الله صالحًا ﵇ إلى ثمود، وكان مشهودًا له عند قومه بالصدق، والأمانة، والفضل، والحسب والنسب، والكمال (٧).

стр. 212

ولكن لما دعاهم إلى عبادة الله وحده: ﴿قَالُوا ياصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ *قَال ياقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ *﴾ [هود]، وهذا تلطف منه ﵇ لهم بالعبارة، ولين الجانب، وحسن تأتٍّ في الدعوة لهم إلى الخير (١). واشترطوا حتى يؤمنوا أن يخرج لهم ناقة نعتوها وتعنتوا فيها، فأجابهم وسأل الله الآية التي طلبوها، ومع ذلك لم يؤمنوا بل رموه ﵇ بالكذب والبطر (٢)، والسحر (٣)، حتى صار ﵇ من أبغض الناس إليهم؛ لما يدعوهم إليه من الحق (٤). قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ *وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ *﴾ [الأعراف]. حيث كانت ثمود تعيش حياة طيبة رغدة، يملكون مواش كثيرة، وحرثًا وزرعًا، وأوتوا حظًّا من العلم والمعرفة بفنون البناء والعمارة، فجعلوا من الجبال بيوتًا لهم منحوتة متقنة، واتخذوا السهول قصورًا مزخرفة (٥)، أشرًا وبطرًا وعبثًا من غير حاجة إلى سكناها (٦). فعُرفت ثمود بأنها أمة باغية، طاغية، مستكبرة (٧)، بطرت، وأشركت

стр. 213

بالله، وكفرت بالنعم (١). وخلّد الله ﷻ ذكر نبي الله صالح ﵇ وهلاك قومه في سورة الحجر (٢)، وذُكرت قصته ﵇ مع قومه في كثير من السور (٣)، وجرى ذِكر قومه ثمود مع مجمل الأمم المعذبة في عدة سور (٤). المسألة الثالثة: هلاك ثمود: أورد الحافظ ابن كثير ﵀ عدة روايات في هلاك ثمود قوم صالح ﵇، أحدها: أن ثمودًا اجتمعوا يومًا في ناديهم فجاءهم نبي الله صالح ﵇ فدعاهم إلى الله، وذكرهم ووعظهم وأمرهم وحذرهم. فقالوا له: أخرج لنا ناقة من هذه الصخرة وأشاروا إلى صخرة، من صفتها كيت وكيت (٥). فقال لهم نبي الله صالح ﵇: أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم على الوجه الذي طلبتم، أتؤمنون بما جئتكم به وتصدقوني فيما أرسلت به؟ قالوا: نعم، فأخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك. ثم قام إلى مصلاه فصلى لله ما قدر له، ثم دعا ربه أن يجيبهم إلى ما طلبوا. فأمر الله تلك الصخرة أن تنفطر عن ناقة عظيمة عشراء، على الصفة التي نعتوا. فلما عاينوها كذلك رأوا أمرًا ومنظرًا هائلاً، وقدرة باهرة ودليلاً قاطعًا

стр. 214

وبرهانًا ساطعًا، فآمن جماعة منهم، واستمر أكثرهم على كفرهم وعنادهم. فقال لهم نبي الله صالح ﵇: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [هود: ٦٤] (١). فلما خرجت الناقة بهذه الكيفية العجيبة، الخارقة للعادة؛ تلبية لطلبهم بأن يُخرج لهم آية بصفات معينة، لزمهم تجاه ظهور هذه الآية لوازم، وأمرهم نبي الله صالح ﵇ بعدة أمور: (٢) ١ الإيمان بالله ﷻ وحده، وترك عبادة ما سواه، لقوله: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣]. ٢ تقسيم الماء بينهم وبين الناقة، فلهم يوم وللناقة يوم؛ لقوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ *﴾ [الشعراء]. ٣ عدم المساس بالناقة بأي سوء، منذرًا لهم بأن أي مساس للناقة بسوء يستدعي العذاب القريب العظيم الأليم، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ *﴾ [هود]، وفي موضع: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ *﴾ [الشعراء]، وفي موضع آخر: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ *﴾ [الأعراف]. فبقيت هذه الناقة بين أظهرهم، ترعى حيث شاءت من أرضهم، وترد الماء يومًا بعد يوم، وكانت إذا وردت الماء تشرب ماء البئر يومها ذلك، فكانوا يرفعون حاجتهم من الماء في يومهم لغدهم (٣). ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ واصْطَبِرْ *﴾ [القمر]؛ أي: اختبارًا لهم أيؤمنون بها أم يكفرون؟ … فلما طال عليهم هذا الحال اجتمع ملأهم، واتفقوا على أن يعقروا هذه الناقة، ليستريحوا منها ويتوفر عليهم ماؤهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم (٤).

стр. 215

فقال الله تعالى حكاية عن فعلهم: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ *﴾ [الأعراف]، وقال ﷻ : ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ *﴾ [هود]، عقر الناقة أشقاهم بموافقتهم جميعًا؛ لأجل ذلك نُسب الفعل إليهم كلهم (١). ولم يقفوا إلى هذا الحد من الطغيان والعتو؛ بل تجاوز الأمر إلى أشنع من ذلك. ففي أثناء مدّة الثلاثة أيام، اجتمع الرهط التسعة الذين قال الله فيهم: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ *﴾ [النمل]، وتآمروا على قتل نبيّهم وكتموا أمرهم؛ خشية أن يمنعهم أهل بيت نبي الله صالح ﵇؛ لأنه كان ﵇ في بيت عز وشرف (٢). كما قال تعالى عن مؤامرتهم: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ *وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ *فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ *﴾ [النمل]، فدبروا هذا المكر العظيم، فحين كمنوا في أصل جبل؛ لينظروا الفرصة في قتل نبي الله صالح ﵇، أنزل الله العقوبة بهم؛ ليكون هلاكهم سلفًا مقدمًا لقومهم إلى نار جهنم، فأرسل الله ﷻ صخرة من أعلى الجبل فرضختهم وشدختهم، وقتلوا أشنع قتلة (٣). ثم لما تمت الثلاثة أيام، جاءتهم الصيحة (٤) من فوقهم، والرجفة (٥) من تحتهم، وصعقوا، ففاضت الأرواح، وزهقت النفوس، وأصبحوا في ديارهم
следующие страницы →