← Акыда

Акыда · id 1274

إحياء الآثار دراسة عقدية

منيرة المقوشي

Полный текст (616 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

رأس وادي القرى (١) شمال مدينة العلا (٢). ووصف المؤرخون وعلماء البلدان للمنطقة وبنائها كله يشير إلى ما هو معروف اليوم بمدائن صالح (٣). قال الله ﷻ في وصف مساكنهم: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ *﴾ [النمل]، خاوية: أي: خالية ليس فيها أحد من السكان، وأوحشت من ساكنيها، وعطلت من نازليها؛ لتكون عظة وعبرة (٤). ومما يؤكد موقع ديار ثمود، ما جاء في الآثار المروية الصحيحة عن النبي ﷺ لما كان في طريقه لغزوة تبوك مرّ بالحجر (٥)، كما سيأتي بيانه في موضعه (٦). المسألة الثانية: لمحة عن دعوة نبي الله صالح ﵇ لقومه: أرسل الله ﷻ نبي الله صالحًا ﵇ إلى ثمود، وكان مشهودًا له عند قومه بالصدق، والأمانة، والفضل، والحسب والنسب، والكمال (٧).

стр. 212

ولكن لما دعاهم إلى عبادة الله وحده: ﴿قَالُوا ياصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ *قَال ياقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ *﴾ [هود]، وهذا تلطف منه ﵇ لهم بالعبارة، ولين الجانب، وحسن تأتٍّ في الدعوة لهم إلى الخير (١). واشترطوا حتى يؤمنوا أن يخرج لهم ناقة نعتوها وتعنتوا فيها، فأجابهم وسأل الله الآية التي طلبوها، ومع ذلك لم يؤمنوا بل رموه ﵇ بالكذب والبطر (٢)، والسحر (٣)، حتى صار ﵇ من أبغض الناس إليهم؛ لما يدعوهم إليه من الحق (٤). قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ *وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ *﴾ [الأعراف]. حيث كانت ثمود تعيش حياة طيبة رغدة، يملكون مواش كثيرة، وحرثًا وزرعًا، وأوتوا حظًّا من العلم والمعرفة بفنون البناء والعمارة، فجعلوا من الجبال بيوتًا لهم منحوتة متقنة، واتخذوا السهول قصورًا مزخرفة (٥)، أشرًا وبطرًا وعبثًا من غير حاجة إلى سكناها (٦). فعُرفت ثمود بأنها أمة باغية، طاغية، مستكبرة (٧)، بطرت، وأشركت

стр. 213

بالله، وكفرت بالنعم (١). وخلّد الله ﷻ ذكر نبي الله صالح ﵇ وهلاك قومه في سورة الحجر (٢)، وذُكرت قصته ﵇ مع قومه في كثير من السور (٣)، وجرى ذِكر قومه ثمود مع مجمل الأمم المعذبة في عدة سور (٤). المسألة الثالثة: هلاك ثمود: أورد الحافظ ابن كثير ﵀ عدة روايات في هلاك ثمود قوم صالح ﵇، أحدها: أن ثمودًا اجتمعوا يومًا في ناديهم فجاءهم نبي الله صالح ﵇ فدعاهم إلى الله، وذكرهم ووعظهم وأمرهم وحذرهم. فقالوا له: أخرج لنا ناقة من هذه الصخرة وأشاروا إلى صخرة، من صفتها كيت وكيت (٥). فقال لهم نبي الله صالح ﵇: أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم على الوجه الذي طلبتم، أتؤمنون بما جئتكم به وتصدقوني فيما أرسلت به؟ قالوا: نعم، فأخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك. ثم قام إلى مصلاه فصلى لله ما قدر له، ثم دعا ربه أن يجيبهم إلى ما طلبوا. فأمر الله تلك الصخرة أن تنفطر عن ناقة عظيمة عشراء، على الصفة التي نعتوا. فلما عاينوها كذلك رأوا أمرًا ومنظرًا هائلاً، وقدرة باهرة ودليلاً قاطعًا

стр. 214

وبرهانًا ساطعًا، فآمن جماعة منهم، واستمر أكثرهم على كفرهم وعنادهم. فقال لهم نبي الله صالح ﵇: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [هود: ٦٤] (١). فلما خرجت الناقة بهذه الكيفية العجيبة، الخارقة للعادة؛ تلبية لطلبهم بأن يُخرج لهم آية بصفات معينة، لزمهم تجاه ظهور هذه الآية لوازم، وأمرهم نبي الله صالح ﵇ بعدة أمور: (٢) ١ الإيمان بالله ﷻ وحده، وترك عبادة ما سواه، لقوله: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣]. ٢ تقسيم الماء بينهم وبين الناقة، فلهم يوم وللناقة يوم؛ لقوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ *﴾ [الشعراء]. ٣ عدم المساس بالناقة بأي سوء، منذرًا لهم بأن أي مساس للناقة بسوء يستدعي العذاب القريب العظيم الأليم، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ *﴾ [هود]، وفي موضع: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ *﴾ [الشعراء]، وفي موضع آخر: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ *﴾ [الأعراف]. فبقيت هذه الناقة بين أظهرهم، ترعى حيث شاءت من أرضهم، وترد الماء يومًا بعد يوم، وكانت إذا وردت الماء تشرب ماء البئر يومها ذلك، فكانوا يرفعون حاجتهم من الماء في يومهم لغدهم (٣). ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ واصْطَبِرْ *﴾ [القمر]؛ أي: اختبارًا لهم أيؤمنون بها أم يكفرون؟ … فلما طال عليهم هذا الحال اجتمع ملأهم، واتفقوا على أن يعقروا هذه الناقة، ليستريحوا منها ويتوفر عليهم ماؤهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم (٤).

стр. 215

فقال الله تعالى حكاية عن فعلهم: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ *﴾ [الأعراف]، وقال ﷻ : ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ *﴾ [هود]، عقر الناقة أشقاهم بموافقتهم جميعًا؛ لأجل ذلك نُسب الفعل إليهم كلهم (١). ولم يقفوا إلى هذا الحد من الطغيان والعتو؛ بل تجاوز الأمر إلى أشنع من ذلك. ففي أثناء مدّة الثلاثة أيام، اجتمع الرهط التسعة الذين قال الله فيهم: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ *﴾ [النمل]، وتآمروا على قتل نبيّهم وكتموا أمرهم؛ خشية أن يمنعهم أهل بيت نبي الله صالح ﵇؛ لأنه كان ﵇ في بيت عز وشرف (٢). كما قال تعالى عن مؤامرتهم: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ *وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ *فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ *﴾ [النمل]، فدبروا هذا المكر العظيم، فحين كمنوا في أصل جبل؛ لينظروا الفرصة في قتل نبي الله صالح ﵇، أنزل الله العقوبة بهم؛ ليكون هلاكهم سلفًا مقدمًا لقومهم إلى نار جهنم، فأرسل الله ﷻ صخرة من أعلى الجبل فرضختهم وشدختهم، وقتلوا أشنع قتلة (٣). ثم لما تمت الثلاثة أيام، جاءتهم الصيحة (٤) من فوقهم، والرجفة (٥) من تحتهم، وصعقوا، ففاضت الأرواح، وزهقت النفوس، وأصبحوا في ديارهم

стр. 216

جاثمين خامدين، جثثًا لا أرواح فيها ولا حراك بها (١). كما قال تعالى في وصف العذاب الذي أصابهم: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ *﴾ [فصلت]، وقال ﷻ : ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ *﴾ [هود]، وفي موضع أخر قال ﷻ : ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ *﴾ [الأعراف]. وبعد هلاكهم تولى عنهم نبي الله صالح ﵇ ناعيًا كفرهم، كما جاء في قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ *﴾ [الأعراف]. فاستحبوا العمى والطغيان، على الهدى والإيمان، فوقع عليهم العذاب والخسران. * * *

стр. 217

المطلب الرابع ديار قوم لوط ﵇ بالسدوم أخبر الله تعالى أن لوطًا ﵇ كان ممن آمن بالخليل إبراهيم (١) ﵇ في قوله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وقد بُعث لوط ﵇ إلى قرى السدوم في حياة الخليل ﵇، وقد جاء ذكره في القرآن: تارة بقوم لوط ﵇ نسبة إلى نبيِّهم. وتارة بالمؤتفكات؛ لأجل ائتفاك وانقلاب أرضهم بهم (٢)، وقيل: المقصود بالمؤتفكات: المكذبات، وهي القرى الخمسة المكذبة بدعوة نبي الله لوط ﵇ (٣). وبسط هذا المطلب في المسائل التالية: المسألة الأولى: موضع ديار قوم لوط ﵇. المسألة الثانية: لمحة عن دعوة نبي الله لوط ﵇ لقومه. المسألة الثالثة: هلاك قوم لوط ﵇.

стр. 218

المسألة الأولى: موضع ديار قوم لوط ﵇: قال الله تعالى في وصف ديار قوم لوط، وآثار تدمير الله لها: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ *﴾ [الحجر]؛ أي: بطريق ثابت يسلكه الناس حتى اليوم لم يندرس بعد، يمر به أهل الحجاز في ذهابهم إلى الشام، فيرون آثار تدمير الله لهم، ويشاهدونها على حقيقتها، وفي ذلك عبرة ومزدجر يوجب عليهم الحذر أن يفعلوا كفعلتهم، فيصيبهم ما أصابهم (١). فكان قوم لوط ﵇ يسكنون في المنطقة الواقعة بين المدينة والشام (٢)، وبين الأردن وفلسطين، في خمس قرى أكبرها السدوم (٣). وذكر بعض المفسرين والمؤرخين أن أطلال قرى قوم لوط ﵇ تقع تحت مياه البحيرة المنتنة التي لا يُنتفع بمائها، ولا بما حولها من الأرض المتاخمة لفنائها، ورداءتها ودناءتها (٤)، وهي المعروفة حاليًّا بالبحر الميت، الواقع بين الأردن وفلسطين، وهي أخفض منطقة على وجه الأرض (٥). المسألة الثانية: لمحة عن دعوة نبي الله لوط ﵇ لقومه: أرسل الله ﷻ نبيَّه لوطًا ﵇ إلى قوم من أفجر الناس، وأكفرهم، وأسوئهم طوية، وأرداهم سريرة وسيرة، يقطعون السبيل ويأتون في ناديهم المنكر، ولا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون. ابتدعوا فاحشة لم يسبقهم إليها أحد من بني آدم، وهي إتيان الذكران من العالمين، وترك ما خلق الله من النسوان لعباده الصالحين. فدعاهم لوط ﵇ إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، ونهاهم عن تعاطي هذه المحرمات والفواحش المنكرات، والأفعال المستقبحات فتمادوا

стр. 219

على ضلالهم وطغيانهم، واستمروا على فجورهم وكفرانهم، فأحل الله بهم من البأس الذي لا يرد ما لم يكن في خلدهم وحسبانهم، وجعلهم مثلة في العالمين، وعبرة يتعظ بها الألباء من العالمين (١). فخلّد الله ﷻ ذكر لوط ﵇ مع قومه في القرآن الكريم، فذُكرت قصته في كثير من السور (٢)، وذُكر ﵇ بآيات مع ذكر الأنبياء، وذُكر قومه في سور أُخر مع مجمل الأمم المكذبة، والغابرة (٣). المسألة الثالثة: هلاك قوم لوط ﵇: دعا لوط ﵇ قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وحذرهم من فعل الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين، فاجتمع شركهم مع سوء طويتهم، وفعلتهم الشنعاء. ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ بأن لوطًا ﵇ لم يؤمن به أحد من قومه ولا من أهل بيته إلا ابنتاه (٤)، أما امرأته فقد آثرت البقاء على دين قومها فأصابها ما أصابهم (٥). فلم يستجيبوا لدعوة نبيهم وكذبوا ولم يؤمنوا به، واستمروا على حالهم في غيهم وضلالهم، وهموا بإخراج رسولهم، كما قال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ *﴾ [النمل]، ولم يزدادوا إلا عتوًّا وتماديًا فيما هم فيه من غيّ وضلال (٦).

стр. 220

فطلبوا من لوط ﵇ الإتيان بالعذاب إن كان صادقًا في رسالته، ومصيبًا في إنكاره عليهم فعل الفاحشة (١). كما قال تعالى: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ *قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ *﴾ [العنكبوت]. فلما أراد الله ﷻ أن ينصر رسوله ﵇، ويهلكهم أرسل الملائكة إلى لوط ﵇ بصورة أضياف آدميين شباب، فساء لوطًا ﵇ ذلك؛ لعلمه بما عليه قومه من جرأة شنيعة، فوقع ما خاف منه (٢). فقال الله تعالى في وصف حاله ﵇: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ *وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَال ياقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ *قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ *﴾ [هود]. ويُروى أن لوطًا ﵇ أغلق الباب حتى لا يصل قومه إلى أضيافه، وهو يعظهم وينهاهم من وراء الباب، وهم يرومون فتحه، وولوجه في إلحاح وإلعاج (٣)، كما ذكر ذلك الحافظ ابن كثير ﵀ (٤). فلما ضاق الأمر وعسر الحال قال لوط ﵇ لهم: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ *قَالُوا يالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمْ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ *﴾ [هود]. وقال تعالى في موضع آخر عن العذاب المعجل لمن باشروا مراودة أضياف لوط ﵇: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ *﴾ [القمر].

стр. 221

قال الحافظ ابن كثير ﵀: فخرج إليهم جبريل ﵇ فضرب وجوههم خفقة، فطمس أعينهم، فرجعوا يتحسسون الحيطان، ويتوعدون رسول الرحمن (١). وبعدما خرج لوط ﵇ بأهله ليلاً باستثناء امرأته، وخلصوا من بلادهم، وجاء الصبح، وطلعت الشمس، وحان موعد العذاب، جاءهم من أمر الله ما لا يُرد، ومن البأس الشديد ما لا يمكن أن يُصد (٢). قال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ *﴾ [الحجر]، وقال تعالى في موضع آخر: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ *مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ *﴾ [هود]. اقتلع جبريل ﵇ بطرف جناحه أراضي تلك المنطقة من أصولها بمن فيها من القوم المعذبين، ومن معهم من حيوانات، فرفع الجميع إلى عنان السماء، حتى سمعت الملائكة التي في السماء أصوات ديكتهم، ونباح كلابهم، ثم قلبها عليهم، فجعل عاليها سافلها (٣). وبعد قلب ديارهم أتبعهم بحجارة صلبة شديدة قوية، متتابعة، مرقومة على كل حجر اسم صاحبه الذي تسقط عليه فتدمغه (٤). فعذبوا بأنواع من أشدّ العذاب لم يعذب بها أمة غيرهم، فجمع لهم بين الهلاك بطمس الأبصار، والصيحة، وقلب ديارهم عليهم بأن جعل عاليها سافلها، والرجم بالحجارة من السماء، والخسف بهم إلى أسفل سافلين (٥) نسأل الله السلامة والعافية. فالعذاب عمّ الجميع: الفاعلين للفاحشة، والراضين عن المنكر، والساكتين عنه (٦)، فأبيدوا عن آخرهم، وبقيت قصتهم عبرة للمعتبرين.

стр. 222

المطلب الخامس ديار أصحاب مدين بالبدع بعد هلاك قوم لوط ﵇ بمكان ومدة ليست بعيدة، ظهرت مدين وهي قبيلة عربية، يعود نسبها للخليل إبراهيم ﵇، وقد جاء ذكرهم في القرآن (١): تارة بأصحاب مدين؛ نسبة إلى جدهم. وتارة بأصحاب الأيكة؛ نسبة إلى أيكة، وهو الشجر الملتف الذي كانوا يعبدونه. وبسط هذا المطلب في المسائل التالية: المسألة الأولى: موضع ديار أصحاب مدين. المسألة الثانية: لمحة عن دعوة نبي الله شعيب ﵇ لقومه. المسألة الثالثة: هلاك أصحاب مدين. المسألة الأولى: موضع ديار أصحاب مدين: تمتد ديار مدين من خليج العقبة إلى مُوْآب (٢) وطور سيناء (٣)، وهي قريبة من أرض معان، من أطراف الشام، مما يلي الحجاز، وقريبًا من بحيرة قوم لوط ﵇ (٤). وأرض مدين تعرف اليوم باسم: البدع، ومغاير شعيب، وهي قرية بين تبوك (٥) والساحل، وهي في واد بين الجبال، وواديها يسمى عفال (٦).

стр. 223

ويظهر أنها كانت ممتدة في أصقاع واسعة، قد تصل إلى عمان شرقي الأردن، وإلى بئر السبع في جنوب فلسطين. وقال بعضهم: إن مدين هي «كفر مندا» من قرى فلسطين، في قضاء الناصرة، وكانت قديما من أعمال طبرية، وعندها البئر والصخرة، ولكن الأول أقوى (١). المسألة الثانية: لمحة عن دعوة نبي الله شعيب ﵇ لقومه (٢): أرسل الله ﷻ إلى أصحاب مدين شعيبًا ﵇ رسولاً منهم يدعوهم بدعوة جميع الأنبياء والرسل قبله إلى توحيد الله ونبذ الشرك، ثم نبههم على ما هم عليه من ظلم وجور، ومنكرات من التطفيف في المكيال والميزان (٣). وقد تلطّف في دعوته ﵇ بالترغيب والترهيب، وأحسن مراجعتهم، وتذكيرهم بالبعث والنشور واليوم الآخر، ثم توعدهم وحذّرهم من مصير من قبلهم، فاستجاب له رهط من قومه وآمنوا به. ولكن على الرغم من الجهود التي بذلها نبي الله شعيب ﵇ في دعوتهم، ومعالجة هذه الانحرافات، لم يلق منهم غير العناد والتكذيب، والصدّ والإعراض، والسخرية، والأذية، والتهديد بالرجم، كما جاء وصفهم في القرآن: ﴿قَالُوا ياشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ *﴾ [هود].

стр. 224

ومن مظاهر استكبارهم واستعلائهم، تهديد الملأ المستكبرين من قومه بإخراجه ﵇ هو ومن معه، كما قال الله ﷻ عنهم: ﴿قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ *﴾ [الأعراف]. فخلّد الله ﷻ ذكره في القرآن الكريم، فذُكرت قصته في كثير من السور (١)، وذكر قومه مع مجمل الأمم في سور أخر (٢). المسألة الثالثة: هلاك أصحاب مدين: السبب الرئيس لهلاك أصحاب مدين هو الشرك، ثم تطفيفهم بالمكاييل، وسبب تطفيفهم أنهم كانوا حلقة وصل بين تجارة شمال الجزيرة وجنوبها، وبين مصر والشام والعراق، فكانوا في موقعهم يتحكمون في مسيرة التجارة والتّجار بفرض ما شاءوا من المعاملات التجارية الجائرة؛ سعيًا إلى جني الربح الفاحش، دون مراعاة ما يقع على غيرهم من الظلم والغبن، وقد شاعت فيهم هذه المعاملات حتى صار أمرًا متعارفًا عليه عندهم (٣). ومع شركهم وتكذيبهم واستكبارهم، وبخسهم بالمكاييل والموازين، وغشهم في المعاملات، وأذيتهم لنبي الله شعيب ﵇ الذي أرسله الله ﷻ إليهم، وتحديهم له بأن يُنزل العذاب بهم، لم يكتفوا بذلك فحسب بل حددوا نوع العذاب، كما جاء نبأهم في القرآن: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ *قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ *فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ *﴾ [الشعراء]. وفي بيان هلاكهم في موضع آخر من القرآن: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ *﴾ [الأعراف]، وقال تعالى: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ *﴾ [هود].

стр. 225

جاء وصف هلاكهم في القرآن الكريم في آيات متفرقة بألوان وأصناف من العذاب مغايرة، تارة بالصيحة وتارة بالرجفة وتارة بعذاب يوم الظلة، ولا تعارض في وقوع أصناف العذاب وألوانه بوقت واحد، ولا يُفهم من ذلك أن المغايرة في أنواع العذاب تقتضي المغايرة في المعذبين. كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ بقوله: أن المغايرة في أنواع العذاب إن كانت تقتضي المغايرة في المعذبين فليكن الذين عذبوا بالرجفة غير الذين عذبوا بالصيحة، والحق أنهم أصابهم جميع ذلك، فإنهم أصابهم حر شديد فخرجوا من البيوت فأظلتهم سحابة فاجتمعوا تحتها فرجفت (١) بهم الأرض من تحتهم وأخذتهم الصيحة (٢) من فوقهم (٣) فزهقت الأرواح، وفاضت النفوس، وخمدت الأجسام (٤). * * *

стр. 226

المطلب السادس حكم إحياء آثار الأمم الهالكة يتبيَّن مما سبق أنه مع وضوح الحجة وظهور البرهان، خسرت الأمم الهالكة الامتحان، واستحبوا العمى والطغيان على الهدى والإيمان، فوقع عليهم العذاب والخسران. وإنّ هذه العجائب والآيات التي أهلك الله بها الأقوام الغابرة، تارةً تُعلم بمجرّد الأخبار المتواترة، وإن لم نشاهد شيئًا من آثارها، وتارةً مع الخبر نُشَاهد بالعيان آثارها الدالّة على ما حدث؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣٨]، وقال ﷻ : ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ *﴾ [الحجر] (١). فالواجب على المسلم الإيمان والتصديق بما جاء في الكتاب والسُّنَّة الصحيحة من أخبار السابقين، وما حصل لهم من عذاب ونكال، وإن لم تبقَ لهم آثارٌ مُشاهدة، وما كان له أثرٌ باقٍ من مواضع، ومساكن، وديار، فالواجب سلوك المنهج النبوي القويم تجاهه. و من خلال موقف السلف تجاه آثار الأمم الهالكة، يمكننا تفصيل حكم إحيائها من خلال مسألتين: المسألة الأولى: إحياء المسلم لآثار ديار المعذبين بالزيارة، وإنشاء السير لها بالأبدان. المسألة الثانية: إحياء آثار ديار المعذبين؛ للسياحة، بالتهيئة، وتذليل الوصول إليها.

стр. 227

المسألة الأولى: حكم إحياء المسلم لآثار الأمم الهالكة بزيارة ديارهم ودخول مواضع هلاكهم، وإنشاء السير لها بالأبدان، يتفرع عنه مقصدان: ١ قصد الاتعاظ والاعتبار من غير حاجة. ٢ قصد الاطلاع والمشاهدة. حكم الزيارة وإنشاء السير لديار المعذبين بالأبدان؛ لقصد الاتعاظ والاعتبار من غير حاجة: دلَّت الأحاديث الصحيحة على أن آثار الأمم الهالكة ومواضع العذاب لا يمكث فيها، ولا تُدخل إلا أن تكون في طريق، وأن الدخول لديار المعذبين، والمكث فيها منهي عنه لغير حاجة، ولو لقصد الاعتبار (١)، ومن الأدلة الدالة على النهي ما يلي: ١ عن ابن عمر ﵄ قال: لما كان النبي ﷺ في طريقه لغزوة تبوك، مرّ بالحجر، واستقى الصحابة ﵃ من بئرها واعتجنوا به، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهرقوا ما استقوا من بئرها، وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة. وقال ﷺ : «لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلاَّ أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، حَذَرًا أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْل ما أَصَابَهُمْ» (٢)، ثُمَّ زَجَرَ فَأَسْرَعَ حَتَّى خَلَّفَهَا (٣)، وفي رواية: «فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ» (٤)، وفي رواية: ثم ارتحل حتى نزل في الموضع الذي كانت تشرب منه الناقة (٥).

стр. 228

فنهى ﷺ عن عبور ديارهم إلا على وجه الخوف المانع من العذاب (١)، وكذلك وجود الحاجة للمرور وقد ورد به النص. وفي روايات أخرى: قال ﷺ : «إِنِّي أَخْشَى أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْل ما أَصَابَهُمْ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ» (٢)، وقال ﷺ : «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ عُذِّبُوا فَيُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصَابَهُمْ» (٣)، وجاء في بعض الروايات أنه ﷺ قنع رأسه، وأسرع السير، حتى اجتاز الوادي (٤)، فالروايات تفسر بعضها بعضًا. فدل الحديث والروايات السابقة على منع قصدها بالدخول لورود النهي (٥)، والنهي يقتضي التحريم (٦)، ومما يدل على أن المنع للتحريم لا للكراهة؛ نهي النبي ﷺ والتشديد على المارين من غير خوف وحذر، والتغليظ عليهم بأن يصيبهم ما أصاب القوم (٧). يقول الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: وليس المراد أن يصيبكم العذاب الرجز الحسي، فقد يراد به العذاب والرجز المعنوي، وهو أن يقسو قلب الإنسان، فيكذب بالخبر، ويتولى عن الأمر (٨). وقد يقع الرجز والعذاب الحسي كما هو ظاهر الحديث وكما فسَّره بعض

стр. 229

العلماء (١)، ولا تعارض في الجمع بين العذاب الحسي والمعنوي إذ الإصابة بالعذاب المعنوي يتبعه العذاب الحسي، سواء في الدنيا أو في الآخرة نسأل الله السلامة والعافية. وأما من مرّ بهم غير قاصدٍ ديار المعذبين، فله أن يسلك طريقه بالعبور مسرعًا؛ باكيًا أو متباكيًا، خاشعًا خائفًا معتبرًا متعظًا، متذكرًا حالة الدنيا، وتقلبها بأهلها، وينظر عاقبة الأمم السابقة رُغم قوتهم إلا أنهم أُهلكوا بعذاب شديد قضى عليهم؛ وذلك بسبب كفرهم، وتكذيبهم، وطغيانهم (٢). ٢ جاء في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ : «أَمَرَهُمْ أَنْ يُهَرِيقُوا ما اسْتَقَوْا، وَيَعْلِفُوا الإِبِلَ الْعَجِينَ، وأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنَ الْبِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ» (٣)، وجاء في رواية: «ثُمَّ ارْتَحَلَ حَتَّى نَزَلَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَتْ تَشْرَبُ مِنْهُ النَّاقَةُ … » (٤). قول ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : «ثم ارتحل» يدل على أنه ﷺ نزل قريبًا من ديار المعذبين ومساكنهم، فلما رآهم يستقون من آبارها، نهاهم عن ذلك، ثم ارتحل إلى بئر الناقة، فالنبي ﷺ كان على الطريق بجوارها (٥)،

стр. 230

ولم ينزل في ديار ثمود ألبته (١). ومن جملة ما قاله العلماء تعليقًا على حديث رسول الله ﷺ لما مرّ بديار ثمود، ونهيه ﷺ للصحابة ﵃ من دخول ديار المعذبين، منها ما يلي: قال النووي ﵀ (ت: ٦٧٦ هـ): فينبغي للمارّ في مثل هذه المواضع المراقبة والخوف والبكاء، والاعتبار بهم وبمصارعهم، وأن يستعيذ بالله من ذلك (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (ت: ٧٢٨ هـ): نهى النبي ﷺ عن الدخول إلى مساكن المعذبين عمومًا، فإذا كان رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة في الأماكن الملعونة خصوصًا، ونهى عن الدخول إليها خصوصًا، وعمل بذلك خلفاؤه الراشدون وأصحابه ﵃ مع أن الأصل في النهي التحريم والفساد، لم يبق للعدول عن ذلك بغير موجب وجه. لا سيما والنهي هنا كان مؤكدًا، ولهذا لما عجنوا دقيقهم بماء آل ثمود أمرهم أن يعلفوه النواضح، ولا يطعموه، فأي تحريم أبين من هذا! قوم مجاهدون في سبيل الله، في غزوة العسرة التي غلب عليهم فيها الحاجة، وهي غزوة تبوك، التي لم يكن يحصي عددهم فيها ديوان حافظ، وخرجوا في شدة من العيش، وقلة من المال، ومع هذا يأمرهم أن لا يأكلوا عجينهم الذي أعز أطعمتهم عندهم، فلو كان إلى الإباحة سبيل، لكان أولئك القوم أحق الناس بالإباحة فعُلم أن النهي عن الدخول والاستقاء كان نهي تحريم (٣). وقال أيضًا ﵀: فإذا كان المكث في مواقع العذاب والدخول إليها لغير حاجة منهي عنه، فالصلاة بها أولى، ولا يقال فقد استثنى ما إذ كان الرجل باكيًا؛ لأن هذا الاستثناء من نفس الدخول فقط فأما المكث بها، والمقام والصلاة، فلم يُؤذن فيه، بدليل حديث علي ﵁ (٤) ولأن مواضع السخط

стр. 231

والعذاب قد اكتسبت السخط بما نزل ساكنيها وصارت الأرض ملعونة (١). قال ابن قيّم الجوزية ﵀ (ت: ٧٥١ هـ): أن من مرّ بديار المغضوب عليهم والمعذبين لم ينبغ له أن يدخلها ولا يقيم بها؛ بل يسرع السير ويتقنع بثوبه حتى يجاوزها (٢). قال ابن حجر العسقلاني ﵀ (ت: ٨٥٢ هـ): وفي الحديث الحث على المراقبة والزجر عن السكنى في ديار المعذبين والإسراع عند المرور بها (٣). فإذا وافق المسلم في طريق سفره ديار المعذبين ولم يُنشاء السير إليها، ودون أن يقصدها، فتجاوزها بسرعة وخوف ووجل، وعظة وعبرة وبكاء، ففي هذه الحالة فإن فعله موافق لما جاء عن النبي ﷺ صورةً وقصدًا، ولا يعتبر ممن أحيا آثار الأمم الهالكة. وأما الذي يقصد آثار المعذبين وديارهم بالزيارة، وينشاء السير أو يشد الرحال إليها، أو يدعو إلى تهيئتها للسياحة هو الذي يعدّ صورة من صور الإحياء الممنوعة شرعًا. ومن الجدير بالتنبيه أن مواقع العذاب كلها داخلة في هذا التوجيه النبوي، كما علّق الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ على حديث مرور النبي من الحِجْر وهو في طريقه لغزوة تبوك قائلاً: وهذا يتناول مساكن ثمود وغيرهم ممن هو كصفتهم وإن كان السبب ورد فيهم (٤).

стр. 232

وعلى هذا فإن آثار الأمم الهالكة ومواضع العذاب لا تُدخل زيارة، ولا يُنشاء السير إليها بالأبدان إلا أن تكون في طريق، وإن قصد ديار المعذبين لغير حاجة، منهي عنه، حتى لو كان الزائر يقصدها ويُنشاء السير لها للاعتبار والاتعاظ، ولو كان ذلك مشروعًا لأمر به النبي ﷺ كما أمر بزيارة القبور؛ للتذكير بالآخرة، ولم يقل يومًا لأمته زوروا مواضع هلاك عاد وثمود وغيرهم من المعذبين. حكم إنشاء السير بالأبدان لديار المعذبين لقصد الاطلاع والمشاهدة: الفاحص لأقوال الأئمة يجدهم متفقين على تحريم دخول ديار المعذبين وقصدها بالزيارة للاطلاع والمشاهدة (١)؛ لثبوت الأحاديث الصحيحة المذكورة آنفًا فيمن صادف ديار المعذبين في طريقه مارًا بها ولم يقصدها، فضلاً عن زيارتها وإنشاء السير لها؛ لقصد المشاهدة والاطلاع، فهو داخلٌ في النهي من باب أولى، وكذلك من جملة تلك الأدلة الدالة على النهي: ١ قال ﷺ : «عَلَامَ تَدْخُلُونَ عَلَى قَوْمٍ قَدْ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ؟!» فَنَادَاهُ رَجُلٌ: نَعْجَبُ مِنْهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ ﷺ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَنَا أُخْبِرُكُمْ بِأَعْجَبَ مِنْ ذَلِكَ، رَجُلٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ يُخْبِرُكُمْ بِمَا كَانَ قَبْلَكُمْ وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكُمْ، فَاسْتَقِيمُوا، وَسَدِّدُوا، فَإِنَّ اللهَ لا يَعْبَأُ بِعَذَابِكُمْ شَيْئًا، ثُمَّ يَأْتِي قَوْمٌ لا يَدْفَعُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ شَيْئًا» (٢).

стр. 233

وهذا يدل على أن أناسًا يأتون بعد النبي ﷺ لا يدفعون عن أنفسهم العذاب؛ لمخالفتهم الصفة التي أرشد الله إليها الرسول ﷺ عند المرور من مساكن المعذبين، حيث جعلوا مساكنهم ساحات للهو والغفلة والمتعة والأكل والشرب، ولم يتعظوا من حال أهل الديار التي هم فيها يسيحون (١). ٢ قال النبي ﷺ : «أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللهِ ثَلَاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ» (٢). الشاهد من الحديث «ومبتغ في الإسلام سُنَّة الجاهلية»: والمقصود بها: كل جاهلية مطلقة كانت أو مقيدة (٣). وجه الاستدلال: أن إحياء ديار الأمم المعذبة بالزيارة، والإشادة بآثارها وتعظيمها، كل ذلك إن لم يكن القصد منه عبادتها، كان من ابتغاء سُنَّة جاهلية في الإسلام، فكان صاحبه من أبغض الناس عند الله تعالى (٤). والزائرون لمواضع الهلاك على خطر عظيم؛ لأن الزائر إذا دخل على ديار المعذبين؛ للمشاهدة والسياحة والنزهة قلبه يكون قاسيًا غير خاشع أثناء مشاهدته لآثار العذاب، وحينئذٍ يصيبه دون أن يشعر ما أصابهم من التكذيب والتولي (٥). وإن الذين يذهبون إلى ديار المعذبين ويقصدونها؛ للفرجة، والتنزه، ويبقون فيها أوقاتًا طويلة ينظرون في آثارهم القديمة، مخالفون لهدي

стр. 234

رسول الله ﷺ وسُنَّته، وفعلهم معصية؛ لأن النبي ﷺ لما مرّ بهذه الديار أسرع وقنع رأسه ﷺ حتى جاوز الوادي وقطع، وخرج من ذلك الموضع، تحذيرًا من أن يدخل المسلم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم والذين أهلكهم الله في هذه الأرض خوفًا أن يصيب الإنسان ما أصابهم من عذاب الله إما بكفره بالله حتى يستحق هذا العذاب، وإما بعقوبة يعاقب بها، وإن لم يكفر (١). وأما الآيات التي جاء فيها الأمر بالنظر في آثار الأمم الهالكة والتفكّر في مآلها؛ كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ *﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ *﴾ [الروم]. فليس المراد منها إنشاء السير بالأبدان إلى ديار المعذبين؛ لأن هذا المراد معارض لقول النبي ﷺ : «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُول ﷺ ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى» (٢). فالاستدلال الصحيح المراد به في هذه الآيات أنّ: ١ الخطاب في الآيات موجه للمكذبين من كفار قريش الذين سبق وأن رأوا من قبل ديار المعذبين، الذين أهلكهم الله ﷻ ، في سفر سابق، كما جاء في تفسير إمام المفسرين ابن جرير الطبري ﵀ على قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٣): أ قال في تفسير الآية التي في سورة فاطر: أولم يسر يا محمد هؤلاء المشركون بالله في الأرض التي أهلكنا أهلها بكفرهم بنا وتكذيبهم

стр. 235

رسلنا، فإنهم تجار يسلكون طريق الشام ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩] (١). ب وقال في تفسير الآية التي في سورة الروم: أولم يسير هؤلاء المكذبون بالله، الغافلون عن الآخرة من قريش في البلاد التي يسلكونها تُجّارًا، فينظروا إلى آثار الله فيمن كان قبلهم من الأمم المكذبة، كيف كان عاقبة أمرها في تكذيبها رسلها (٢). ج وقال في تفسير الآية التي في سورة غافر: أفلم يسر يا محمد هؤلاء المجادلون في آيات الله من مشركي قومك في البلاد، فإنهم أهل سفر إلى الشأم واليمن رحلتهم في الشتاء والصيف فينظروا فيما وطئوا من البلاد إلى وقائعنا بمن أوقعنا به من الأمم قبلهم، ويروا ما أحللنا بهم من بأسنا بتكذيبهم رسلنا، وجحودهم آياتنا، كيف كان عقبى تكذيبهم (٣). ٢ الأمر في الآيات موجه للكفار والمشركين، بدلالة قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّىً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ *أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ *﴾ [الروم]. ومما يثبت أن الخطاب موجه للكفار، أن النبي ﷺ أمر المسلمين بالسرعة في تجاوز المساكن؛ إذ لو كان الخطاب للمسلمين لم ينههم ﷺ عن دخولها (٤). ٣ على تقدير أن المخاطب بالسير في الأرض، والنظر إليها، هم

стр. 236

المسلمون فيكون معناه: السير بالعقول والأذهان، لا بالأبدان، وبهما تتحقق الغاية والمطلوب، كما قال الإمام القرطبي ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ [الروم: ٩]، ببصائرهم وقلوبهم (١). وقال الحافظ ابن كثير ﵀: بأفهامهم وعقولهم ونظرهم وسماعهم أخبار الماضين (٢). فقرر الحافظ ابن كثير ﵀ أن عاقبة الأمم السابقة تُرى بعين البصيرة لا عين البصر. والذي يؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ *﴾ [الحج]. ومما ينبغي على النساء التنبه له، إضافةً إلى التحريم العام السابق، أن زيارة ديار المعذبين التي يوجد فيها قبور، تحرم عليهن؛ للأحاديث الثابتة الواردة في لعن النبي ﷺ لزائرات القبور (٣)، وهو تحريم مطلق لزيارة النساء للقبور (٤)، وغيرها من الأمور المحرمة المتعلقة بهن مما يؤكد المنع في حقهن. * خلاصة ما سبق: لا يجوز قصد زيارة مواضع الهلاك، ولا إنشاء السير لها بالأبدان. وأن قصد زيارتها والدخول لها بحجة الاتعاظ والاعتبار غير مشروع؛ لأن الصورة الموافقة لفعل رسولنا الكريم ﷺ وقصده، أنه عندما خرج لغزوة تبوك ومرّ بديار ثمود، تقنّع وأمر بالإسراع، والمرور، فقصده ﷺ كان متجهًا لغزوة تبوك.

стр. 237

وكذلك لم يأمر ﷺ بزيارتها لقصد الاتعاظ أو الدخول إليها للاعتبار وإنما نهى ﷺ عن دخولها وحذّر، فالاتعاظ والاعتبار هو المنهج النبوي لمن جاءت في طريقه كما سبق بيان ذلك بالتفصيل. المسألة الثانية: حكم إحياء عين الآثار؛ للسياحة، بالتهيئة والتحسين، وتذليل الوصول إليها: يتبيَّن من حكم المسألة السابقة عدم جواز دخول ديار المعذبين وقصدها للاعتبار أو إنشاء السير لها من غير حاجة؛ فضلاً عن فتح باب السياحة إليها، والتشجيع لشدّ الرحال لها. وقد قامت هيئة كبار العلماء بدراسة حول ديار ثمود وتحديد موضعها، وإصدار قرار على المعاملة (١) المتعلقة بحكم إحياء أرض ديار ثمود. وبعد دراسة مجلس الهيئة، وتداول الرأي قررت الاتفاق على أنه لا يجوز إحياء أراضي ديار ثمود، للأحاديث الصحيحة (٢). وقد تم بعد ذلك تحديد المحظور إحياؤه من أرض ديار ثمود وذلك ببيان ما جاء في نصوص الكتاب والسُّنَّة، وما يتعلق بتحديد ديار ثمود عند أئمة اللغة، والتفسير، وشراح الحديث، وعلماء التاريخ، وبتحري سؤال أهل الخبرة (٣).

стр. 238

ثم بعد ذلك أصدرت اللجنة العلمية قرار تحريم إحياء ديار ثمود (١) مع تحديد الموضع المحرم إحياؤه (٢). حيث قامت الدولة وفقها الله آنذاك بتخطيط الأماكن، وعمل سياج حول الأراضي التي صدر القرار بعدم جواز إحيائها (٣). قال الشيخ العلامة د. صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله: ولا تجوز الإقامة فيها [ديار المعذبين]، ولا فتح مشاريع استثمارية فيها، من مطاعم ومقاه، وفنادق، مما يُرغب في زيارتها ويجلب الكفار السيّاح إلى بلاد المسلمين (٤). وقال حفظه الله: نحن لا ننظر إليها [ديار المعذبين] نظر إعجاب ونفتخر بها، أو ننظر إليها اقتصاديًّا، كما تفعل الدول غير المسلمة، أو المسلمة المقلّدة لها؛ لأن هذا يخالف ما جاء به ديننا نحوها، من عدم العناية بها وحمايتها فضلاً عن استثمارها (٥). إذ إن تنظيم البرامج السياحية، وإعداد جولات النزهة، لديار المعذبين يُخشى منها؛ عدم تحقق الشرط المبيح للدخول والمكث (٦)، هذا على تقدير جواز قصدها بالزيارة لغير حاجة! (٧) إذ لم تغن عنهم قوتهم، ولم تردّ عنهم العذاب الذي حاق بهم، وبقيت تلك المساكن بعدهم عبرة وعظة للقرون اللاحقة، كما قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً

стр. 239

وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ *﴾ [القصص] (١). قال ابن عباس ﵄ في تفسير هذه الآية: لم يسكنها إلا المسافر، ومارُّ الطريق يومًا أو ساعة (٢)؛ لشؤم ما وقع فيها من معاصيهم (٣). وعلى هذا التقدير: لم تسكن من بعد هلاك أهلها إلا قليلاً؛ لأن منازل المهلَكين لم تسكن بعد هلاكهم ألبته، ولم يخلفهم فيها أحد، فبقيت خرابًا غير مسكونة (٤). ومعلوم أن العقيدة الإسلامية لا تقف ضد الدراسات التاريخية (٥) من حيث كونها دراسات، ولكن تهمها المقاصد والغايات، فإن كان المقصد التذكير بمآل ومصير الأمم الهالكة فنعم (٦)، فبالآيات القرآنية التي تقرع القلوب، وبالآثار المروية الصحيحة، التي وصفت لنا حالهم ومآلهم. وقد قال أحد السلف: مَنْ لم يردعه القرآن والموت، ثم تناطحت الجبال بين يديه لم يرتدع (٧). أما الالتزام بربط المسموع بالحس للتعليم والتذكير، فهذا قد يؤثر في مسألة عدم الإيمان وتصديق الخبر إلا إذا كان مرئيًا ماديًا محسوسًا، وهو السبب الرئيس الذي دفع المشركين لتجسيد الآلهة والمعبودات، والمؤدي غالبًا إلى عبادة الأصنام والأوثان (٨).

стр. 240

وختامًا فالصفة الجائزة في هذا المطلب واحدة وهي مماثلة النبي ﷺ في الصورة والقصد عند المرور بديار المعذبين؛ كمروره ﷺ وأصحابه ﵃، عرضًا من غير قصدها، مع الالتزام في حال المرور بالاعتبار والتفكر والبكاء، والاتعاظ بعاقبة أمر المعذبين، مجانبًا الإعجاب بأبنيتهم حتى مغادرة موضع العذاب (١)؛ لأنه لم يؤثر فيما أعلم عن أحد من السلف أنه كان يقصدها بالزيارة دون حاجة. فإن قصد به التقرب إلى الله والتعبد فهو من الابتداع في الدين، وإن قُصد به الإعجاب والفخر والتكسّب وراء ذلك فهو من مشابهة المشركين والكفار والملاحدة، نسأل الله تعالى الهداية والتوفيق للجميع. * * *

стр. 241

المبحث الرابع الآثار الوثنية والجاهلية وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: الآثار الفرعونية. المطلب الثاني: الآثار الفينيقية. المطلب الثالث: الآثار البابلية. المطلب الرابع: الآثار الجاهلية. المطلب الخامس: حكم إحياء الآثار الوثنية والجاهلية.

стр. 242

المبحث الرابع الآثار الوثنية والجاهلية عاش المسلمون قرونًا طويلة لا يرفعون رأسًا لأمور الجاهلية، ولا يعيرون لآثارها اهتمامًا، ولا يكترثون لها، وإن ذكروها فإنما يتحدثون عنها لأجل بيان ما كانوا عليه من الضلال، وكيف هداهم الله ﷻ ، وأنعم عليهم بالإسلام. فكان الناس في إسلامهم، والآثار تحت أرضهم، لا يثير الحديث التاريخي عنهم شيئًا من الانتماء أو التعصب أو الحماس (١). حتى غزا الكفار بعض بلاد المسلمين تحت اسم الاستعمار، وانتقلت أفكارهم وعقائدهم، واتجهت أطماعهم إلى بلاد المسلمين؛ للتنقيب عن كنوز الأرض بزعمهم، وإحياء الآثار الجاهلية؛ بدعوى معرفة التاريخ القديم، وما يخبئه الماضي من أخبار مجهولة (٢). كما قال المستشرق كويلرينج: إننا في كل بلد إسلامي دخلناه نبشنا الأرض؛ لنستخرج حضارات ما قبل الإسلام، ولسنا نطمع بطبيعة الحال أن يرتد المسلم إلى ما قبل الإسلام، ولكن يكفينا تذبذبه بين الإسلام وبين تلك الحضارات (٣). ولم تتوانى الحملات الآثارية عن ذلك، فأرسلوا بعثات متوالية؛ لبدء التنقيب في أراضي المسلمين، وإحياء الآثار الوثنية والجاهلية القديمة، حيث يزودون كل بلد الانتماء المناسب لأرضه؛ لذبذبة الولاء للإسلام، وتفكيك وحدة المسلمين، وإشعال النعرات القومية والوطنية، فتكون العراق بابلية،

стр. 243

ومصر فرعونية، ولبنان فينيقية، ونحو ذلك (١). حتى انجرف ولاء بعض المسلمين لها شيئًا فشيئًا، وأصبح من الشعوب المسلمة من يفتخر بانتمائه الجاهلي أكثر من اعتزازه بالإسلام، ثم يتحول ذلك إلى صراع وعصبية بين القوميات، فهذه قومية فرعونية، وتلك بابلية والأخرى فينيقية وغيرها من القوميات الجاهلية (٢). فصار إحياء الآثار القديمة في أرض الإسلام وبلاد المسلمين تحقيقًا لخطط الأعداء، الذين يسعون جاهدين لإقناع كل دولة مسلمة بأن لها كيانًا قائمًا بذاته منذ أقدم العصور، والعمل على جعل مناط الولاء والبراء هو الانتماء إلى الثقافات التي يُلحق بها الاكتشاف الأثري (٣)، الذي به يتحقق إحياء القوميات الوثنية والجاهلية بين المسلمين. فظاهر دعواهم إحياء الآثار، والمحافظة عليها؛ لمعرفة التاريخ القديم لكل إقليم، وإبراز الحضارات العريقة له، والتقدّم والتطور العلمي الذي كانوا يتحلون به، ومن ثم عرضها في المتاحف، واستثمارها ماديًّا واقتصاديًّا. وباطنها إحياء الشرك والوثنية التي يعيشها الكفار ليل نهار، وتحقيق أهداف خفية خبيثة من الاستيلاء على الأراضي، أو إحياء النعرة العرقية بين المسلمين؛ حتى يتفرقوا فتنشأ بينهم العصبيات القومية، والجاهلية، والعداوات، والحروب، وتتحقق مطامعهم في الشرق الإسلامي. وللأسف تحقق قدر كبير من أهدافهم بنبش عمق الأراضي؛ لاستخراج الآثار، والنظر في تاريخ الأقاليم، فأصبح كلٌّ منهم يفخر بتاريخه الجاهلي الوثني متناسيًا انتماءه للإسلام الذي ينافي الوثنية والجاهلية وينقضها. كفخر بعض المصريين بأنهم أحفاد الفراعنة، وبعض اللبنانيين بأنهم أحفاد الفينيقيين، وبعض العراقيين بأنهم أحفاد البابليين وغيرهم (٤).

стр. 244

فإحياء تلك الآثار مثل إحياء قوم نوح ﵇ للأوثان. ولا شك أن الأصل في سعيهم الحثيث لنبش الآثار هو عبادة غير الله ؛ لأنهم يأنفون من توحيد رب العالمين، وإخلاص العبادة له ﷻ ، لهذا تجدهم يبحثون عما بحث عنه الشيطان من الأصنام، لما أخرجها لعمرو بن لحي من تحت رمال شاطئ جدة؛ حتى عبدها من عبد من مشركو العرب، فهؤلاء الكفار الذين احتلوا بعض بلاد المسلمين، هم أولياء الشيطان وأعوانه، فلا غرْو أن يستخدمهم لهذا الغرض. وفي ظل تلك المؤشرات نجد أن مخلفات الأمم التي مضت، والتحريات الحديثة لها، بعيدة كل البعد عن التطوّر المادي، أو التقدّم العلمي، وما ينادونها به من حضارة؛ بل هي رجعية يحيطها ظلام الجهل. وأكبر دليل على تخلّفها وجهلها وضلالها: الانحطاط العقدي، والطقوس الوثنية التي كانوا متمسكين بها؛ كخضوعهم للصخور، وعبادتهم للحيوانات، والأشجار، وغيرها من الأشياء التي يستحيل على العاقل الموفّق التصديق على أنها آلهة. كما نفى بعض السلف عن المشركين أن يكون لهم عقول! يقول الإمام حرب الكرماني ﵀: قلتُ لإسحاق ﵀: فالرجل يقول للمشرك إنه رجل عاقل؟ قال: لا ينبغي أن يقال؛ لأنه ليست لهم عقول (١). والآثار المعنية في هذا المبحث: هي المعالم المرئية الباقية من الأمم الوثنية السابقة. ففي هذا المبحث سأتناول إن شاء الله بعضًا من الآثار الوثنية والجاهلية، الموجودة في بعض بلاد المسلمين، والتي قد يفخر وينتسب إليها بعض المسلمين.

стр. 245

ويظنون أن حضارة أي أمة من الأمم بما تخبئه أرضها من قلاع وحصون وصور ونصب وتماثيل، وغير ذلك من آثار الأمم التي سبقتهم والتي جعلوها مقياسًا للحضارة. متناسين عبودية المخلوقات التي كانت سائدة آنذاك؛ وما تشير إليه القرائن من علو طبقة على أخرى، الذي جاء الإسلام بهدمه ونقضه، وتحرير الإنسان من عبودية المخلوق إلى عبودية الخالق، وهذه الحرية الحقيقية التي كفلها الإسلام للإنسان (١). فلأجل ذلك نجد أن الآثار الوثنية والجاهلية القديمة اشتملت على أشكال وألوان من الانحرافات العقدية التي أصابت البشرية في حقبة من الزمن، والتي فيها فشا الجهل وبرز التخلّف وساد الضلال وعمّ. ولست أقصد في هذا المبحث استقصاء جميع الآثار الوثنية، والجاهلية التي كانت من قبل، ولكن سأشير إلى أبرزها، والتي سيكون بسطها في المطالب التالية: المطلب الأول: الآثار الفرعونية. المطلب الثاني: الآثار الفينيقية. المطلب الثالث: الآثار البابلية. المطلب الرابع: الآثار الجاهلية. المطلب الخامس: حكم إحياء الآثار الوثنية والجاهلية. * * *

стр. 246

المطلب الأول الآثار الفرعونية بسط هذا المطلب في المسائل التالية: المسألة الأولى: التعريف بالفراعنة ومعتقداتهم. المسألة الثانية: من سعى في إحياء الآثار الفرعونية وتسبب في إخراجها. المسألة الثالثة: أمثلة على الآثار الفرعونية الموجودة حاليًّا. المسألة الأولى: التعريف بالفراعنة ومعتقداتهم: الفراعنة هو لقب لحكَّام مصر القدامى، الذين يرجع تاريخهم إلى أكثر من ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد (١)، القاطنين على ضفاف نهر النيل، في الشمال الشرقي لأفريقيا (٢)، والمعروفة الآن بجمهورية مصر العربية. أما عن أبرز المعتقدات الوثنية، والخرافات الجاهلية التي كانت سائدة عند الفراعنة، ما يلي: ١ خلود الروح، والحياة الأبدية، فيما وراء هذا العالم، وهذا ما كان يشغلهم، حيث دفعهم إلى الابتكار والبناء، والعمارة، والهندسة، والتشييد للأهرامات، وعلوم الطب للتحنيط (٣)، وغيرها من العلوم التي برزوا فيها

стр. 247

لتحقيق هدف مستحيل، وفشلوا في تحقيقه وهو: الخلود والبقاء. ولا شك أن المخلوقات كلها فانية، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ *وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ *﴾ [الرحمن]. فلما رأوا ملوكهم يموتون وتخرج أرواحهم دون جدوى من محاولاتهم، قالوا بأن الأرواح بعد الموت تحتاج إلى ما يحتاج إليه الحي، فمن هنا كان النداء إلى القرابين الغذائية، التي ترافقها الطقوس الشركية (١). فوضعوا بجوار الموتى في قبورهم أدوات الصيد؛ كالسكين، والمكشط، وما إلى ذلك؛ ظنًّا منهم بأن الأموات يصطادون، ويذبحون طرائدهم، ويقاتلون أعداءهم (٢). ٢ عقيدة تناسخ الأرواح، وذلك بأن الروح تعود بعد الموت، فتقيم في المومياء وفي التماثيل، وتظل تتردد من مكان إلى مكان ولا تعود إلى الإنسان في قبره إلا بعد أن يجتاز الحساب (٣). ٣ تعدد المعبودات الوثنية وتنوعها؛ لتأثر أهل مصر القدامى بالظواهر الطبيعية، والكائنات المحلية (٤)، فاتخاذهم للآلهة يرجع إلى شعورهم اتجاه الشيء بالحب والولاء، والخوف والرهبة، فيقدسونه ويعبدونه جهلاً وظنًّا منهم بأنه يرضى عنهم فيجنبهم أذاه، وينفعهم ويحميهم، ويعطيهم ويأخذ منهم (٥). فكانوا يؤلهون كل من له قوة أو صفة؛ بحجة أن له القدرة على إكسابهم القوة والصفة التي يمتلكها إذا تقربوا إليه وطلبوها منه، ولم يكن لديهم ما يمنع

стр. 248

من تقديس الظواهر الطبيعية إلى جانب الكائنات المحلية، فيرون تقديس كلًّا من الشجر لاتصافه بالثبات والدوام والاستمرار، والثور لقدرته على الإنتاج والذرية، واللبوة؛ لأنها تمثل البطش والقوة، وكذلك الإنسان يرون أن له قوة جسمانية فيكون له نصيب من التأليه، حيث إنهم ينحتون على الصخور جسم إنسان برأس حيوان، كالصنم «خنوم» رأس كبش بهيئة جسم إنسان، الذي يعتبرونه الآلهة التي تصور الأجنة، وغيرها من الأصنام والتماثيل التي يعتقدون أن لها القدرة على القيام بمهام التصرّف والتدبير فيعبدونها، ويطلبون منها حاجتهم (١). وكذلك من الظواهر الطبيعية أنهم عبدوا الشمس؛ لاعتقادهم أنها طائر بازيٌّ (٢) في عرض السماء، فنحتوا قرص شمس مجنحًا، ونصبوه على الهرم الكبير كرمز مقدس له، وعبدوه، وكذلك كانوا يعبدون النيل ويقربون له القرابين والهدايا! (٣). ومن الملاحظ أن الديانة المصرية القديمة ظلت تتنقل في الشرك والانحراف من آلهة إلى أخرى، فكانت تعبد وتألّه شيئًا واحدًا، ثم ثلاثة، ثم تسعة، ثم ضُوعف حتى بلغ عددهم المائة وتجاوزوها! (٤) فلما تعددت التماثيل وُزِّعت على المدن، فأصبحت تختلف معبودات كل مدينة عن الأخرى، وتنوعت أسماؤهم ما بين اسم لملك، أو صفة لكوكب، أو تعظيم لظاهرة طبيعية، أو تقديس لحيوان أو طير، حتى آل الأمر لبعض سكان المدن إلى عبادة ملوكهم بعد وفاتهم معتقدين بأن أرواحهم صعدت إلى السماء وأصبحوا آلهة تتصرف في أهل الأرض (٥).

стр. 249

كما هو الحاصل في معبد «سيتي الأول» فإلى جانب هياكل الآلهة السبعة أضافوا هيكلاً ثامنًا لعبادة الملك «سيتي»؛ أي: بعد أن مات أصبح إلهًا (١). وقد علّل أحد الدارسين للأديان القديمة أن الآثار تدله إلى أن الفراعنة لم يقدسوا الحيوانات لذاتها، وإنما قدسوها لحلول أرواح الآلهة فيها (٢). ولا شك أن اعتقاداتهم كلها باطلة، وفساد ما كانوا عليه يلوح للمسلم البصير بأدنى نظر. المسألة الثانية: من سعى في إحياء الآثار الفرعونية وتسبب في إخراجها: لم يستمر حكم الفراعنة في مصر إلا حقبة من الزمن، ثم بعد ذلك هجم عليهم الروم، وأغاروا عليهم، وأبطلوا ديانة مصر القديمة، فحكموا مصر في القرن الأول الميلادي، وعمموا الديانة النصرانية (٣). حتى وصلت الفتوحات الإسلامية في عهد عمر بن الخطاب ﵁ إلى مصر، وأصبحت من بلاد المسلمين عام (٢٠ هـ) على يد عمرو بن العاص ﵁ واعتنق أهلها الإسلام، وما زالت ولله الحمد حتى وقتنا الحالي (٤). فعاش المسلمون قرونًا طويلة (٥) لا يعيرون التاريخ القديم وآثار الفراعنة اهتمامًا، ولا يكترثون لها، وذلك يرجع إلى عدم اهتمام المسلمين بما ليس له ارتباط في الدين، ولا أهمية، فكان الغموض يحيط بتاريخ الفراعنة لمرورها

стр. 250

بفترتين من التحوّل: بالنصرانية، ثم لنور الإسلام (١)، الذي انتشل الناس من أوحال الوثنية والشرك، وقطع الصلة بينه وبين الجاهلية، التي تعمّ أرجاء بلاد مصر آنذاك. ولم يُذكر في كتب التاريخ فيما أعلم أن الآثار الفرعونية كانت موجودة عندما فتح المسلمون مصر، أو أنهم رأوها. كما أشار أحد المؤرخين إلى عدم وجود بعض الآثار آنذاك بقوله: كان أكثرها مغمورًا بالرمال ولا سيما أبا الهول (٢). ومما يؤكد ذلك أنّ أبا الهول في القرن التاسع الهجري لم يظهر منه إلا الرأس والعنق فقط كما أشار إلى ذلك مؤرخ الديار المصرية أبو العباس المقريزي ﵀ (٣). حتى بدأت رحلات الغرب الاستكشافية للتنقيب عن الآثار، وإحياء التاريخ القديم على أيدي الفرنسيين في القرن التاسع عشر الميلادي (٤). فكان الإسهام الكبير في إحياء آثار الفراعنة على يد المستشرقين الذين كان همهم الأكبر هو إحياء القومية الوثنية والجاهلية في بلاد المسلمين؛ لتحقيق مطامعهم (٥). فأول وأشهر بعثات الآثار في ديار المسلمين هي تلك الحملة الصليبية التي قادها نابليون (٦) على بلاد مصر المسلمة عام (١٧٩٨ م)، تجاوز عدد أعضاء الحملة المائة من أهل الاختصاص، وتنوعت تخصصاتهم ما بين علماء الطب، والهندسة، ومنقبي الآثار، وعلماء التاريخ والجغرافيا، وخبراء علم
следующие страницы →