← Акыда

Акыда · id 1274

إحياء الآثار دراسة عقدية

منيرة المقوشي

Полный текст (616 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

المطلب الأول الآثار الفرعونية بسط هذا المطلب في المسائل التالية: المسألة الأولى: التعريف بالفراعنة ومعتقداتهم. المسألة الثانية: من سعى في إحياء الآثار الفرعونية وتسبب في إخراجها. المسألة الثالثة: أمثلة على الآثار الفرعونية الموجودة حاليًّا. المسألة الأولى: التعريف بالفراعنة ومعتقداتهم: الفراعنة هو لقب لحكَّام مصر القدامى، الذين يرجع تاريخهم إلى أكثر من ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد (١)، القاطنين على ضفاف نهر النيل، في الشمال الشرقي لأفريقيا (٢)، والمعروفة الآن بجمهورية مصر العربية. أما عن أبرز المعتقدات الوثنية، والخرافات الجاهلية التي كانت سائدة عند الفراعنة، ما يلي: ١ خلود الروح، والحياة الأبدية، فيما وراء هذا العالم، وهذا ما كان يشغلهم، حيث دفعهم إلى الابتكار والبناء، والعمارة، والهندسة، والتشييد للأهرامات، وعلوم الطب للتحنيط (٣)، وغيرها من العلوم التي برزوا فيها

стр. 247

لتحقيق هدف مستحيل، وفشلوا في تحقيقه وهو: الخلود والبقاء. ولا شك أن المخلوقات كلها فانية، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ *وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ *﴾ [الرحمن]. فلما رأوا ملوكهم يموتون وتخرج أرواحهم دون جدوى من محاولاتهم، قالوا بأن الأرواح بعد الموت تحتاج إلى ما يحتاج إليه الحي، فمن هنا كان النداء إلى القرابين الغذائية، التي ترافقها الطقوس الشركية (١). فوضعوا بجوار الموتى في قبورهم أدوات الصيد؛ كالسكين، والمكشط، وما إلى ذلك؛ ظنًّا منهم بأن الأموات يصطادون، ويذبحون طرائدهم، ويقاتلون أعداءهم (٢). ٢ عقيدة تناسخ الأرواح، وذلك بأن الروح تعود بعد الموت، فتقيم في المومياء وفي التماثيل، وتظل تتردد من مكان إلى مكان ولا تعود إلى الإنسان في قبره إلا بعد أن يجتاز الحساب (٣). ٣ تعدد المعبودات الوثنية وتنوعها؛ لتأثر أهل مصر القدامى بالظواهر الطبيعية، والكائنات المحلية (٤)، فاتخاذهم للآلهة يرجع إلى شعورهم اتجاه الشيء بالحب والولاء، والخوف والرهبة، فيقدسونه ويعبدونه جهلاً وظنًّا منهم بأنه يرضى عنهم فيجنبهم أذاه، وينفعهم ويحميهم، ويعطيهم ويأخذ منهم (٥). فكانوا يؤلهون كل من له قوة أو صفة؛ بحجة أن له القدرة على إكسابهم القوة والصفة التي يمتلكها إذا تقربوا إليه وطلبوها منه، ولم يكن لديهم ما يمنع

стр. 248

من تقديس الظواهر الطبيعية إلى جانب الكائنات المحلية، فيرون تقديس كلًّا من الشجر لاتصافه بالثبات والدوام والاستمرار، والثور لقدرته على الإنتاج والذرية، واللبوة؛ لأنها تمثل البطش والقوة، وكذلك الإنسان يرون أن له قوة جسمانية فيكون له نصيب من التأليه، حيث إنهم ينحتون على الصخور جسم إنسان برأس حيوان، كالصنم «خنوم» رأس كبش بهيئة جسم إنسان، الذي يعتبرونه الآلهة التي تصور الأجنة، وغيرها من الأصنام والتماثيل التي يعتقدون أن لها القدرة على القيام بمهام التصرّف والتدبير فيعبدونها، ويطلبون منها حاجتهم (١). وكذلك من الظواهر الطبيعية أنهم عبدوا الشمس؛ لاعتقادهم أنها طائر بازيٌّ (٢) في عرض السماء، فنحتوا قرص شمس مجنحًا، ونصبوه على الهرم الكبير كرمز مقدس له، وعبدوه، وكذلك كانوا يعبدون النيل ويقربون له القرابين والهدايا! (٣). ومن الملاحظ أن الديانة المصرية القديمة ظلت تتنقل في الشرك والانحراف من آلهة إلى أخرى، فكانت تعبد وتألّه شيئًا واحدًا، ثم ثلاثة، ثم تسعة، ثم ضُوعف حتى بلغ عددهم المائة وتجاوزوها! (٤) فلما تعددت التماثيل وُزِّعت على المدن، فأصبحت تختلف معبودات كل مدينة عن الأخرى، وتنوعت أسماؤهم ما بين اسم لملك، أو صفة لكوكب، أو تعظيم لظاهرة طبيعية، أو تقديس لحيوان أو طير، حتى آل الأمر لبعض سكان المدن إلى عبادة ملوكهم بعد وفاتهم معتقدين بأن أرواحهم صعدت إلى السماء وأصبحوا آلهة تتصرف في أهل الأرض (٥).

стр. 249

كما هو الحاصل في معبد «سيتي الأول» فإلى جانب هياكل الآلهة السبعة أضافوا هيكلاً ثامنًا لعبادة الملك «سيتي»؛ أي: بعد أن مات أصبح إلهًا (١). وقد علّل أحد الدارسين للأديان القديمة أن الآثار تدله إلى أن الفراعنة لم يقدسوا الحيوانات لذاتها، وإنما قدسوها لحلول أرواح الآلهة فيها (٢). ولا شك أن اعتقاداتهم كلها باطلة، وفساد ما كانوا عليه يلوح للمسلم البصير بأدنى نظر. المسألة الثانية: من سعى في إحياء الآثار الفرعونية وتسبب في إخراجها: لم يستمر حكم الفراعنة في مصر إلا حقبة من الزمن، ثم بعد ذلك هجم عليهم الروم، وأغاروا عليهم، وأبطلوا ديانة مصر القديمة، فحكموا مصر في القرن الأول الميلادي، وعمموا الديانة النصرانية (٣). حتى وصلت الفتوحات الإسلامية في عهد عمر بن الخطاب ﵁ إلى مصر، وأصبحت من بلاد المسلمين عام (٢٠ هـ) على يد عمرو بن العاص ﵁ واعتنق أهلها الإسلام، وما زالت ولله الحمد حتى وقتنا الحالي (٤). فعاش المسلمون قرونًا طويلة (٥) لا يعيرون التاريخ القديم وآثار الفراعنة اهتمامًا، ولا يكترثون لها، وذلك يرجع إلى عدم اهتمام المسلمين بما ليس له ارتباط في الدين، ولا أهمية، فكان الغموض يحيط بتاريخ الفراعنة لمرورها

стр. 250

بفترتين من التحوّل: بالنصرانية، ثم لنور الإسلام (١)، الذي انتشل الناس من أوحال الوثنية والشرك، وقطع الصلة بينه وبين الجاهلية، التي تعمّ أرجاء بلاد مصر آنذاك. ولم يُذكر في كتب التاريخ فيما أعلم أن الآثار الفرعونية كانت موجودة عندما فتح المسلمون مصر، أو أنهم رأوها. كما أشار أحد المؤرخين إلى عدم وجود بعض الآثار آنذاك بقوله: كان أكثرها مغمورًا بالرمال ولا سيما أبا الهول (٢). ومما يؤكد ذلك أنّ أبا الهول في القرن التاسع الهجري لم يظهر منه إلا الرأس والعنق فقط كما أشار إلى ذلك مؤرخ الديار المصرية أبو العباس المقريزي ﵀ (٣). حتى بدأت رحلات الغرب الاستكشافية للتنقيب عن الآثار، وإحياء التاريخ القديم على أيدي الفرنسيين في القرن التاسع عشر الميلادي (٤). فكان الإسهام الكبير في إحياء آثار الفراعنة على يد المستشرقين الذين كان همهم الأكبر هو إحياء القومية الوثنية والجاهلية في بلاد المسلمين؛ لتحقيق مطامعهم (٥). فأول وأشهر بعثات الآثار في ديار المسلمين هي تلك الحملة الصليبية التي قادها نابليون (٦) على بلاد مصر المسلمة عام (١٧٩٨ م)، تجاوز عدد أعضاء الحملة المائة من أهل الاختصاص، وتنوعت تخصصاتهم ما بين علماء الطب، والهندسة، ومنقبي الآثار، وعلماء التاريخ والجغرافيا، وخبراء علم

стр. 251

الأرض، ومختصين في شتى العلوم؛ لاستخراج الآثار، وقراءة ما كُتب عليها (١). فأمر نابليون بإنشاء المجمع العلمي المصري، وكذلك المتحف الوطني المصري، حيث تولى أحد المستشرقين هيئة الآثار المصرية (٢). ويُذكر أن أحد أثرياء اليهود (٣)، تبرع بعشرة ملايين دولار؛ لإنشاء متحف للآثار الفرعونية في مصر، وألحق به معهدًا لتخريج المختصين في هذا الفن، تحت إشراف لجنة مسؤولة عن إدارة المتحف والمعهد، يهدف إلى إنشاء جيل من المتعصبين للفراعنة (٤)، وهذا إن دل على شيء فهو يدل على ما في هذا الاتجاه من مصلحة صهيونية (٥). ثم توالت بعد ذلك البعثات الأجنبية الآثارية؛ لمعرفة المزيد من الآثار الفرعونية، ومن القرن (١٩ م) وحتى القرن الحالي ما زال المستشرقون من أوروبا يفدون إلى مصر مظهرين انبهارهم بالآثار الفرعونية الوثنية مشيدين بها (٦). وعلل أحد الباحثين سبب بدء المستشرقين بالتنقيب عن الفراعنة في مصر؛ لملائمة البيئة المصرية الدينية في نشر التماثيل حيث كانت تنتشر الأضرحة والقبور والمشاهد والمزارات، وأيضًا لقرب مصر من أوروبا، الذين كان لهم العناية الكبيرة بالآثار الرومانية واليونانية، التي لها امتداد للأراضي المصرية (٧).

стр. 252

المسألة الثالثة: أمثلة على الآثار الفرعونية الموجودة حاليًّا: لما تراكمت الآثار التي اكتشفها المستشرقون وقاموا بجمعها والتنقيب عنها، أنشأوا لها المتاحف والأماكن الخاصة؛ للحفاظ عليها؛ كمتحف الآثار المصرية في القاهرة الذي يضم الآن أكثر من (١٣٦ ألف) قطعة أثرية (١)، وتبعه كثير من المتاحف (٢). وما زالت عمليات التنقيب والحفريات في تزايد حتى وقتنا الحاضر، والاهتمام بالهياكل والمعابد قائم؛ كالتماثيل والأصنام التي شيدوا لها القصور، وأحيوها ولم يتوانوا من إظهارها وإبرازها. وتلك الآثار ماثلة للعيان وباقية ومُشاهدة في وقتنا الحالي، وتلقى وللأسف اهتمامًا بالغًا من قِبل بعض المهتمين بالآثار. وهي لا تخلو عن أحد أمرين: إما آثار ثابتة في الأرض، وإما منقولة ومتحركة. وهي من حيث نوعها: إما معابد وهياكل، أو أهرامات وقبور وتوابيت، أو تماثيل وأصنام، أو ألواح صخرية أو طينية عليها كتابات قديمة، وغيرها. فمن الأمثلة على الآثار الموجودة حاليًّا ما يلي: ١ المعابد مثل: أ معبد أبو سنبل، وهو عبارة عن معبدين متجاورين منحوتين في الصخر، من أيام الملك الفرعوني رمسيس الثاني، يقع المعبدان في جنوب أسوان على الضفة الغربية لشاطئ نهر النيل، وفي واجهة المعبد الكبير أربعة أصنام ضخمة منحوتة على الصخر، وبداخل المعبد تمثال بتاح، وشمال المعبد الكبير معبد آخر بداخله تمثال حتحور وفي واجهة

стр. 253

المعبد تماثيل منحوتة في الصخر ل رمسيس الثاني وزوجته نفرتاري (١). ب معبد الكرنك ومعبد الأقصر بطيبة (٢). ج معبد حتشبسوت في الدير البحري (٣). د معبد سيتي الأول المسمى بمعبد القرنة في جبانة طيبة وهو يعتبر من المعابد الجنازية (٤)، وغيرهم كثير. ٢ الأهرامات، مثل: أ الهرم الأكبر (٥) المنسوب لملكهم خوفو وما حوله من الأهرامات بالجيزة (٦). ب أهرام اوناس، بيبي الثاني، تيتي في سقارة (٧)، وغيرهم. ٣ القبور، مثل: أ قبر توت عنخ أمون بالبر الغربي بالأقصر (٨).

стр. 254

ب قبور العجول المقدسة في جنوب القاهرة، المعروفة باسم: ايبس (١). ج المقابر الملكية التي يزيد عددها عن (٦٢ قبرًا) في وادي الملوك (٢)، وغيرهم كثير. ٤ التوابيت، مثل: أ تابوت سيتي الأول الموجود الآن في متحف سوان في لندن (٣). ب مجموعة ملوك في توابيتهم في الدير البحري بالأقصر بلغ عددهم (٣٤) تابوتًا (٤)، وغيرها من التوابيت كثير. ٥ التماثيل والأصنام، مثل: أ تمثال خفرع في سقارة (٥). ب تمثال أبو الهول في الجيزة (٦). ج وعدة تماثيل ل بتاح، رمسيس الثاني، حتحور التي في معبد أبو سنبل (٧)، وغيرها كثير.

стр. 255

٦ ألواح صخرية أو طينية عليها كتابات قديمة، مثل: أ حجر رشيد (١)، وهو موجود الآن في المتحف البريطاني (٢). ب النقوش والكتابات على الصخور الجرانيتية في أسوان منها في المدينة نفسها، وبعضها على الصخور التي في وسط النيل، وبعضها في المحاجر التي خلف المدينة (٣). ج ألواح تل العمارنة الطينية (٤) التي تجاوز عددها (٣٥٠) لوحًا، حيث إن (٨١) منها في المتحف البريطاني، و (٢٠) في أكسفورد، و (١٦٠) في متحف برلين، و (٦٠) في متحف القاهرة، وحوالي (٢٠) لوحًا أو أكثر في متاحف أخرى (٥). وبعد هذه اللمحة الموجزة عن الفراعنة من الناحية العقدية والتاريخية، يتضح من خلالها أن السمة الغالبة على الآثار التي اكتشفها الغرب واستخرجوها من باطن الأرض أنها أصنام وتماثيل جاهلية وثنية شركية، وأن الجهل والشرك كان يعم أرجاء مملكتهم.

стр. 256

المطلب الثاني الآثار الفينيقية بسط هذا المطلب في المسائل التالية: المسألة الأولى: التعريف بالفينيقية ومعتقداتهم. المسألة الثانية: من سعى في إحياء الآثار الفينيقية وتسبب في إخراجها. المسألة الثالثة: أمثلة على الآثار الفينيقية الموجودة حاليًّا. المسألة الأولى: التعريف بالفينيقية ومعتقداتهم: الفينيقيون اسم أطلقه اليونانيون على سكان ساحل البحر الأبيض المتوسط الذين كانوا يشتهرون بالملاحة، وصناعة السفن والأرجوان (١)، والذين يرجع تاريخهم تقريبًا إلى أكثر من ألفي سنة قبل الميلاد (٢). لم تكن فينيقيا دولة سياسية تحتلّ مكانًا معيّنًا، وإنما كانت مجموعة من المدن على ساحل البحر الأبيض المتوسط، كل مدينة مستقلة بذاتها لها ملك وإله مختلف عن بقية المدن، ويقال: بأنها كانت مجموعة دويلات مستقلة سياسيًّا، مجتمعة اقتصاديًّا، وليست على النمط الفرعوني أو البابلي (٣). فنشأت المدن الفينيقية على الساحل والتي من أهمها: صيدا، وصور، وعكا، وبيروت، وجبيل، وطرابلس، وأرواد، وأغاريت، وقرطاجة (٤).

стр. 257

وكان لهم متاجر ومرافئ على كثير من الشواطئ للإقامة فيها: كقبرص، واليونان، ومالطة، وإسبانيا وغيرها (١). فلم يكن لهم موضع واحد، بل كانوا متفرقين وموزعين على الساحل، مختلفي الأماكن؛ وليس هذا محل تحديد زمن انهيارهم واختفائهم، ولا ذكر تفاصيل الهجوم والتدمير الذي تعرضت له أراضيهم من أطماع قوى الشعوب المجاورة لهم (٢). ومع تفرقها إلا أنها تتفق بالطقوس الدينية والبقايا الأثرية، كما سيتم بيان ذلك إن شاء الله. أبرز المعتقدات الوثنية، والخرافات الجاهلية التي كانت سائدة لدى الفينيقيين، ما يلي: ١ تمجيد العناصر والظواهر الطبيعية، متجسدة في آلهة متعددة، منظمة داخل مجلس الآلهة لكل منها رتبته ووظائفه، وفق طقوس دينية خرافية (٣). إذ إن لكل مدينة إلهًا باستثناء إيل الذي كان إلهًا لفينيقيا كلها، ويزعمون أنه الإله الأعظم، وكانت فكرة الثالوث المقدّس مسيطرة عليهم، فكان بعل إله الجبال والعواصف والصواعق، و عشتروت إله الحب والجمال (٤)، هؤلاء أبرز ثلاثة كانوا يعبدونهم، وغيرها كثير. ٢ تأثر الفينيقيون بعقيدة الفراعنة في مسألة خلود الروح، والحياة الأبدية، فأصبحوا يهتمون بقبور موتاهم، وبتحنيط أجسادهم، وبناء المقابر العالية، وأحاطوها بمظاهر التقديس والاحترام؛ لاعتبارها البيوت الأبدية (٥).

стр. 258

لأجل ذلك تجد كثيرًا من آثار قبورهم الباقية محفورة في الصخر كالمقابر الحجرية، والغرف المأتمية، والمغازل، مثالها: المقابر الموجودة الآن في عمريت (١). ووُجد على الشاطئ السوري توابيت ومقابر من الرصاص، والطين، والخشب، مزخرفة على شكل مقدمة أنف أسد، ومنحوتة بمادة البرونز المعدنية (٢). وكذلك التوابيت الحجرية ذات الغطاء المحدّب، المنحوت عليه رأس الميت، والمكتوب عليه اسمه، ومآثره بالحروف الفينيقية (٣)، كما هو مُشاهد بعضها في متحف اللوفر في فرنسا (٤). المسألة الثانية: من سعى في إحياء الآثار الفينيقية وتسبب في إخراجها: لم يكن للفينيقيين تاريخ يُذكر، سوى ما ورد في الكتابات القديمة عند اليونان والرومان. حيث بدأت بالظهور بعد حملة التنقيب الفرنسية التي كانت بقيادة نابليون على مصر لاستخراج الآثار الفرعونية، فوجدوا آثار صخور وألواح منحوت عليها رسائل تدل على التواصل بين الفينيقيين وبين الفراعنة في ذلك الوقت، وكتابات محفورة تصف الفينيقيين وتحدد مواقعهم (٥) على حد قولهم. وفي ظل تلك المؤشرات الآثارية رحل أحد المستشرقين الفرنسيين إلى مدن الساحل؛ للتنقيب عن الآثار، فقام بحفريات واسعة، واستخراج كثير من

стр. 259

الآثار (١)، ولم يكن لأعماله أي اعتبار من أهل المنطقة، فعاد إلى بلده فرنسا محملاً ما وجد خلال تنقيبه (٢). ثم بعد ذلك تواردت البعثات الآثارية من فرنسا وألمانيا في القرنين (١٩ - ٢٠) (٣)، فأحيوا الآثار الثابتة وأبرزوها كالقبور وغرف المآتم، والهياكل والمعابد والتماثيل، الموجودة الآن في: عمريت، وجبيل، وصيدا وقرطاجة (٤). ونقلوا بعض الآثار المتحركة كالتوابيت والتماثيل والأواني الفخارية إلى متحف اللوفر في فرنسا (٥). وحيث لم يكن ثمة اهتمام من أهل المنطقة بالآثار، تولّد لديهم بعد الحملات الأوروبية شغف باستخراج ما هو مطمور تحت الرمال، وإحياء ما دُفن من الآثار. فافتتن أهل تلك المناطق بالبحث والتنقيب، وإنشاء المتاحف الخاصة بالآثار الوثنية والجاهلية القديمة التي كانت مدفونة بالرمال قرونًا من الزمان وإبرازها بعد اندثارها. المسألة الثالثة: أمثلة على الآثار الفينيقية الموجودة حاليًّا: كثير من معالم الآثار الفينيقية زالت ولله الحمد ولم يبقَ لها أثر، كما أشار إلى ذلك بعض خبراء الآثار (٦). ولكن بعضها ما زال موجودًا في قليل من الأماكن والمتاحف، كما أن بعضها الآخر نقله المستشرقون إلى متاحف بلادهم.

стр. 260

والآثار كما ذُكر سابقًا أنها لا تخلو عن أحد أمرين: إما آثار ثابتة في الأرض، وإما منقولة. وهي من حيث نوعها: إما معابد وهياكل، أو قبور وتوابيت، أو تماثيل ونصب، وغيرها. فمن الأمثلة على الآثار الموجودة حاليًّا ما يلي: ١ المعابد والهياكل، مثل: أ معبد عمريت، وجد فيه هيكل مصغّر على غرار الهياكل المصرية (١). ب معبد أشمون في شمال صيدا، يعتقدون بأنه الإلهة الفينيقي (٢). ج هيكل أريحا وهيكل مجدو، وكان في كل هيكل عامود مقدّس يرمز إلى إله الهيكل، ونصب من الحجر، أو يُستعاض عن الحجر بشجرة، ويُقال بأنهما من أقدم الهياكل التي بناها الفينيقيون (٣). ٢ القبور، لم تقتصر مقابر الفينيقيين على الحفر؛ بل اتخذت أشكالاً مختلفة، منها: أ مقابر على شكل كهوف، ذات فتحة واحدة، يدخل منها الميت، وتُغلق المقبرة بحجر كبير مستدير الشكل، كما وُجدت بعض القبور من هذا النوع بالقرب من مدينتي صيدا وصور (٤). ب قبر بارز فوق الأرض، ومبني فوقه برج أو غرف مرتفعة، كقبور مدينة أوغاريت. ج قبر مستوٍ على سفح الصخر، محفور تحته، ويُنزل إليه بواسطة البئر أو السلّم، كقبر مرث عمريت (٥)، وكبقية قبور مدينة جبيل وصيدا الأثرية.

стр. 261

وفي كل أشكال القبور الآنف ذكرها توضع مع الميت ممتلكاته وبعضها تتكون من غرف، وتؤثث بأثاث مأتمي على حسب ثروة الميت وأدواته، وتوضع له تعويذات شركية، وتماثيل، وقناديل، وآنية (١). ٣ التوابيت، مثل: أ تابوت حجري محفور على أحد جوانب التابوت (١٠) كلمات، بالحروف الفينيقية، وحوض التابوت مرتكز على أربعة تماثيل، يُقال أنه لملك جبيل أحيرام، وهو موجود الآن في متحف بيروت الوطني (٢). ب تابوت يُمثّل غطاؤه إنسانًا، نُحت عليه رأس الميت وذراعه، وهو موجود الآن في متحف اللوفر في فرنسا (٣). ج مجموعة توابيت وُجدت في بئر بالقرب من قرية الهلالية شرق صيدا، بلغ عددهم (١٧) تابوتًا (٤). د تابوت عليه غطاء منقوش بالفينيقي، يقال أنه لأحد ملوك صيدا (٥)، وغيرها. ٤ التماثيل والأصنام: استُخرجت بعض التماثيل من سرداب بجوار معبد عمريت (٦)، وبعضها من أوغاريت رأس الشمرة، ومن أماكن أخرى، مثل: أ الرأس العاجي، الموجود الآن في المتحف الوطني بدمشق (٧). ب وعدة تماثيل ل عشتروت و فتاح حيث يُعدّان إلهين فينيقيين، ونحت

стр. 262

رأس من تابوت، وهما موجودان الآن في متحف اللوفر في فرنسا (١). ج مجموعة تماثيل فينيقية منحوتة على عدة عناصر: الحجر والرخام والذهب والفضة والبرونز، وهي موجودة الآن في متحف بيروت (٢)، وغيرها. * * *

стр. 263

المطلب الثالث الآثار البابلية بسط هذا المطلب في المسائل التالية: المسألة الأولى: التعريف بالبابلية ومعتقداتهم. المسألة الثانية: من سعى في إحياء الآثار البابلية وتسبب في إخراجها. المسألة الثالثة: أمثلة على الآثار البابلية الموجودة حاليًّا. المسألة الأولى: التعريف بالبابلية ومعتقداتهم: تقع بابل (١) في العراق جنوب بغداد، أسفل ملتقى النهرين على ضفة الفرات اليسرى (٢)، الذين يرجع تاريخهم إلى أكثر من ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد (٣). وجاء ذكر بابل في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]؛ أي: أن الله امتحن الناس آنذاك بالملكين الكائنين بأرض بابل في العراق، بتعلّم السحر منهما فمن نجاه الله منهما سعِد بالإيمان ونجا من الكفر، ومن انقاد لهما وانفتن بتعلّم السحر شقي بالكفر، فيزداد المعلمان بالتعليم عذابًا، حيث فيه ابتلاء المعلم والمتعلّم (٤).

стр. 264

وأيضًا جاء عن بعض المفسرين أن بابل هي الأرض التي خسف الله بها النمرود (١)، وسميت بابل؛ لتبلبل الألسنة بها عند سقوط صرح النمرود؛ أي: تفرقها مِنَ الفزع (٢). فدلّ ما سبق على أن بابل كانت أرض: السحر، والخسف. أبرز المعتقدات الوثنية، والخرافات الجاهلية التي كانت سائدة عند البابلية، ما يلي: ١ يعتقدون ارتباط الظواهر الطبيعية بالقوى الإلهية (٣)، مما أدى إلى ظهور جملة من الطقوس الدينية الخرافية التي سيطرت عليهم، من تعدد الآلهة التي تجاوزت الألفي إله (٤). فتعلقوا بعبادة الأجرام السماوية، وخاصة الشمس، والقمر والكواكب، ومظاهر الطبيعة؛ كالماء والهواء والنور والظلام وغيرها، ولكل إله اسم معيّن، ومهام ووظائف يقوم بها بزعمهم (٥). مثل: مردوك ويقال: مردوخ وهو الإله الأعظم لبابل، الذي يزعمون أنه يحيي الموتى (٦)، و عشتار التي يقولون بأنها أم مردوك،

стр. 265

ويعتقدون بأنها آلهة التناقض الحرب والحب ويرمزون لها بشعار النجمة الثُمانيّة (١)، وإله الشمس الذي يزعمون أنه القاضي الأعظم الذي أملى قوانين العدالة على الملوك، وإله القمر الذي يزعمون أنه يقيس الزمن، ويعاقب المذنبين من الملوك بقضاء حياتهم في التأوهات والدموع (٢)، وغيرها كثير من التماثيل والأصنام التي كانوا يعبدونها. حيث كان لكل مدينة عراقية إله يختص لها يُرمز لها (٣)، وأيضًا كان لكل أسرة آلهتها المنزلية التي تقام إليها الصلاة في المناسبات، وتقدّم لها القرابين (٤). وقد قيل: ليس في الوثنيات القديمة أغنى في الخرافة من البابلية (٥). ٢ يعتقدون قدرتهم على التأثير في مظاهر الطبيعة، وتسخيرها بالسحر، والتي تعتبر من أصول عبادتهم، إذ إن رجل الدين الأول: هو الساحر، والثاني: المنجم والعرّاف (٦). ويقول كثير من المؤرخين أن البابليين هم الذين أسسوا وأنشأوا علم الفلك والتأثير التنجيم (٧)، فكانوا لا يجرؤن على البتّ في أمر من الأمور، أو الإقدام على مشروع، إلا إذا استعان بكاهن أو عرّاف؛ ليقرأ طالعه بطريقة من طرق الشعوذة السحرية الخفية (٨). فاهتموا بتدوين الملاحظات على الأجرام السماوية اعتقادًا منهم أن لها تأثيرًا على طبائع البشر، والتكهن بمصائرهم (٩).

стр. 266

ويعتقدون أن الأمراض تسببها الأرواح الشيطانية الشريرة، فيلجؤون إلى آلهة الطب، والتي رمزوا لها بعصا ملتفٌ حولها حية أو حيتان، حيث تعتبر الحية باعتقادهم قادرة على تجديد شبابها؛ لأنها تخلع جلدها فيعود إليها الشباب. كما أنهم يلجؤون إلى الأطباء الذين كانوا غالبًا من الكهنة، ويدّعون علاجهم بالطلاسم، والتمائم (١) كوضع قلادة من حجارة صغيرة تُسلك في خيط وتعلق على العنق، وما إليها من الرقى والتعاويذ؛ لاسترضاء الآلهة على حد زعمهم والحصول على مساعدتها في شفاء المرضى (٢). لأجل ذلك نجد أن أكثر الألواح التي عثروا عليها في أرض بابل مكتوب عليها بحروف مسمارية (٣) طلاسم وصيغ سحرية؛ بحجة طرد الشياطين، وتكهنات وتنبؤات بالغيب، وقوائم في الفأل السماوي منه والأرضي (٤). المسألة الثانية: من سعى في إحياء الآثار البابلية وتسبب في إخراجها: لم يستمر حكم البابليون إلا حقبة من الزمن، تلاه هجوم الفرس في عام (٥٣٩ ق. م.)، فسقطت الدولة البابلية (٥). ثم بعد ذلك بزمن وصلت الفتوحات الإسلامية إلى العراق، وأصبحت

стр. 267

من بلاد المسلمين، واعتنق أهلها الإسلام (١)، وما زالت ولله الحمد حتى وقتنا الحالي. فعاش المسلمون قرونًا طويلة لا يعبئون بأمور الجاهلية ومنها الآثار البابلية ولا يعيرونها اهتمامًا، ولا يكترثون لها. ثم بدأت تتوافد إلى العراق بعثات التنقيب الألمانية، مساهمة في الحفريات الأثرية على أطلال بابل خلال السنوات (١٨٩٩ م ١٩١٧ م)، فعثروا على شظايا ذات ألوان زاهية من الأحجار المصقولة التي كان يتشكل منها جدار المدينة، والتي من خلالها أعادوا بوابة عشتار التي تعدّ أحد آلهة بابل، واستمرت البعثات تنقّب وتستخرج ما تحت الرمال من الآثار والأوثان (٢). وكذلك توافدت بعثات التنقيب من فرنسا، وبريطانيا، والدانمارك، وغيرها من الدول (٣)، وما زالت البعثات قائمة في العراق حتى الآن (٤)؛ تسعى لإخراج وإحياء الآثار الوثنية الجاهلية؛ لتحقيق مطامعها في الشرق الإسلامي (٥). المسألة الثالثة: الآثار البابلية الموجودة حاليًّا: ما زالت آثار قصور بابل، وهياكلها ومعابدها وشوارعها وزواياها القائمة، ماثلة للعيان، فمن أشهر آثارها الباقية حتى الآن:

стр. 268

١ من المعابد: أ معبد بابل الرئيس ايساكيلا للآلهة مردوك يقع جنوب ايتيمينانكي (١). ب معبد إيماخ للآلهة ننماخ يقع في الجنوب الشرقي للقصر الرئيس لبابل، وبالقرب من بوابة عشتار (٢). ج معبد كولا للآلهة نينورتا، يقع في جنوب الجنوب الشرقي لمعبد ايساكيلا (٣). ٢ بوابة عشتار، المكسوة بالنقوش المزخرفة بالأحجار المصقولة الشبيهة بالسيراميك، وكانت النقوش عبارة عن صور تحمل قرابة (٥٧٥) تنينًا وثورًا (٤)، وهذه البوابة موجودة الآن ومُشاهدة في متحف برغامون في برلين (٥). ٣ الصور الوحشية المنحوتة على الحوائط (٦)، كما هو مُشاهد على حائط شارع الموكب وعلى حائط الملك نبوخذ نصر. ٤ تمثال أسد بابل المعروض على إحدى ساحات البصرة، وغيره كثير من التماثيل المعروضة في المتاحف، كما هو ماثل للعيان في متاحف بابل في الحلة، و المتحف العراقي في بغداد (٧)، ومتحف برلين بألمانيا، ومتحف اللوفر في فرنسا، و المتحف البريطاني، وغيرها من المتاحف التي نقلوا إليها تماثيل بابل وآثارها (٨). ٥ الكتابات المسمارية التي على أكثر الصخور والألواح والتي ترمز

стр. 269

إلى طلاسم وصيغ سحرية، وتكهنات وتنبؤات غيبية، وتنجيم وقوائم في الفأل السماوي منه والأرضي (١) كما ذكرت آنفًا. وما يُحكى عن حدائق بابل المعلقة، والمُحاطة بخندق مائي، والتي يُقال بأنها من عجائب الدنيا السبع، فلا أثر لها في الواقع، وإنما هي مجرد نسج من الخيال (٢)، وقيل بأنها مجرد أشجار نمت على شرفات القصر كما جاء في وصفها، وليست معلقة فعليًّا. * * *

стр. 270

المطلب الرابع الآثار الجاهلية لدى كفار العرب قبل الإسلام وبسط هذا المطلب في المسائل التالية: المسألة الأولى: المقصود بالجاهلية، ومعتقدات أهلها. المسألة الثانية: من سعى في إحياء الآثار الجاهلية وتسبب في إخراجها. المسألة الثالثة: أمثلة على الآثار الجاهلية. المسألة الأولى: المقصود بالجاهلية، ومعتقدات أهلها: أ المقصود بالجاهلية: هي الحال التي كان عليها الناس قبل بعثة النبي ﷺ (١). ولا شك أن الآثار الفرعونية، والبابلية، والفينيقية السابق ذكرها تعتبر من الآثار الجاهلية المخالفة للهدي الرباني، فكل ضلال وكفر وإلحاد حصل قبل بعثة النبي ﷺ يدخل تحت مسمى الجاهلية (٢). فالجاهلية نوعان: ١ جاهلية مطلقة (٣). ٢ جاهلية مقيّدة بمكان أو زمان أو أشخاص (٤). وعليه يكون المراد بالجاهلية في هذا المطلب: هي حالة الجهل

стр. 271

والضلال، التي مرّ بها مشركو العرب في شبه الجزيرة، بعد ما غُيّر دين إبراهيم ﵇، وقبل بعثة النبي محمد ﷺ . ب وأما عن أبرز معتقدات أهل الجاهلية: اعتقادهم أن ما يدعون من دون الله تقربهم إلى الله وتشفع لهم (١)، حيث إنهم كانوا يعبدون الله ويشركون معه ما يَنحِتون من الهياكل والتماثيل. وقد كان المشركون الأولون إذا اشتد عليهم الكرب دعوا الله مخلصين له الدين، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ *﴾ [العنكبوت]. وأما مشركو زماننا فهم أغلظ شركًا من الأولين؛ لأن الأولين يشركون في الرّخاء ويخلصون في الشدة، ومشركو زماننا شركهم دائم في الرّخاء والشدة (٢). وكلهم مشركون، الأولون مشركون، والآخرون مشركون، لكن الأولين شركهم أخف، والمتأخرون شركهم أغلظ وأشد. فالشرك يتضاعف، وكما أن الموحدين يتفاوتون في التوحيد والإيمان، بعضهم أقوى إيمانًا وتوحيدًا من بعض، فكذلك المشركون بعضهم أشد وأغلظ شركًا من بعض (٣). المسألة الثانية: من سعى في إحياء الآثار الجاهلية وتسبب في إخراجها (٤): العرب في شبه الجزيرة كانوا على قسمين (٥): ١ قسم اتبع أهل الكتاب: اليهود والنصارى. ٢ قسم كان على الحنيفية: دين إبراهيم وإسماعيل ﵉.

стр. 272

واستمروا على ذلك حتى ظهر الشقي عمرو بن لحي الخزاعي، الذي كان ملكًا على الحجاز، وسيدًا مُطاعًا لا يُعصى، يُطعم الطعام، ويحمل المغرم، ويُظهر التنسك، والعبادة والصلاح (١). روي أنه مرض وذهب إلى الشام؛ للعلاج، وشاهد أهلها يعبدون الأصنام، فاستحسن ذلك، وعاد ومعه أصنام من الشام. فجاءه الشيطان فأغواه ودلّه على أماكن أصنام قوم نوح ﵇ ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر والتي طمسها الطوفان ودفنها (٢). ثم أخذ يبحث وينقّب عنها، فنبشها وأخرجها، ووزعها على قبائل العرب وأمر بعبادتها؛ وقبلوا منه ذلك (٣). فاتخذت قبيلة هذيل بن مدركة بأرض ينبع «سواعا»، واتخذت قبيلة كلب بدومة الجندل ودا (٤)، واتخذت قبيلة مذحج وأهل جرش «يغوث»، واتخذت قبيلة همدان بالقرب من صنعاء «يعوق»، واتخذت قبيلة حمير «نسرا»، فكان هو الساعي في إحياء آثار الأصنام الخمسة التي كان يعبدها قوم نوح ﵇، وإخراجها للناس، وإعادة الشرك في جزيرة العرب (٥). وأيضًا جعل هبل (٦) الذي أتى به من الشام في جوف الكعبة (٧)،

стр. 273

ونصب مناة (١) على ساحل البحر الأحمر بين المدينة ومكة، واللات (٢) بالطائف، والعزى (٣) بوادي نخلة بين مكة والطائف، فعمّ الشرك أرجاء البلاد، وكثرت الأصنام والأوثان في كل بقعة من الحجاز (٤). فكان من تلك الأصنام ذو الخلصة (٥) بتبالة، بين مكة واليمن (٦). ورُوي أنه أمر الناس بعبادة وثنيّ: إساف ونائلة (٧) والتمسح بهما، بعد

стр. 274

أن نقلهما إلى الكعبة ونصبهما (١). فكان الشقي عمرو بن لحي هو أول من أحيا آثار الأصنام والأوثان في جزيرة العرب، وأخرجها من تحت الرمال، وغيّر دين الحنيفية، وسيب السائبة (٢)، ووصل الوصيلة (٣)، وبحر البحيرة (٤)، وحمى الحامية (٥)؛ (٦) ولذلك رآه النبي ﷺ : «يجرُّ قُصْبَهُ (٧) في النار» (٨). فكانت حالة العالم آنذاك في ضلال وظلام حالك. حتى أرسل الله ﷻ خاتم المرسلين نبيّنا محمد ﷺ ؛ ليقضي على مظاهر الوثنية والجاهلية، فكسر الأصنام والأوثان، وطهر الله ﷻ به ﷺ الجزيرة العربية بأسرها من رجس الأوثان، وعادت غالب العرب بفضل الله إلى التوحيد. المسألة الثالثة: أمثلة على الآثار الجاهلية: من الآثار الجاهلية الكعبة اليمانية التي أخبر نبيُّنا الكريم ﷺ بظهورها آخر الزمان وافتتان الناس بها، فقال ﷺ : «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ

стр. 275

أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ حَوْلَ ذِي الْخَلَصَةِ»، وَكَانَتْ صَنَمًا تَعْبُدُهَا دَوْسٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِتَبَالَةَ (١)، وذو الخلصة (٢): وثن كان يسمى ب الكعبة اليمانية (٣). وقد وقع ما أخبر به النبي ﷺ ، وعظم افتتان أهل تبالة ومن حولهم من القبائل بذي الخلصة، وأعادوا سيرتها الأولى التي كانوا عليها في الجاهلية. حتى ظهرت دعوة الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، فدعا إلى التوحيد، وقضى على الشرك ووسائله، وجدد ما اندرس من معالم الدين. حيث أرسل الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود ﵀، حملة لهدم ذي الخلصة، فأتلفوها، وهدموا بعض بنائها، وبقي بعضه قائمًا. وزال الافتتان بها فترة من الزمن، ثم عاد الجهال إلى ما كانوا عليه من الافتتان بها، حتى عهد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ﵀، حيث أمر جماعة من المسلمين، فهدموا ما بقي من بنائها، ورموا بأنقاضها في الوادي، فعُفي بعد ذلك رسمها، وانقطع أثرها، ولله الحمد والمنة (٤). فالجاهلية المطلقة قد زالت ولله الحمد من بعد بعثة نبيّنا محمد ﷺ ، ولا أثر فيما أعلم للأوثان والأصنام الجاهلية، ووجه إيرادها في هذا المطلب

стр. 276

من باب الاحتراز والحذر والتحذير منها، فإذا عرفها المسلمون؛ أصبح لديهم منعة وحصانة؛ لتجنبها، وأما إذا جهلوها يُخشى عليهم من العودة إلى الشرك والافتتان به (١). كما قال بعض السلف: يوشك أن تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية (٢). وأيضًا كما قيل: عَرَفتُ الشَرَّ لا لِلشَّر لَكِن لِتَوَقّيهِ وَمَنْ لَم يَعرِفِ الشَّرَّ مِنَ الخَيرِ يَقَع فيهِ (٣) ومن جهة أخرى إذا عُرفت الجاهلية، عُرف في المقابل فضل الإسلام (٤)، وكما قيل: الضِّدُّ يُظهِرُ حُسنَهُ الضِّدُّ وبِضِدِّها تتبيّنُ الأشياءُ (٥) ولكن قد يظن بعض الناس أن الشرك قد زال وأنه لا رجعة له بسبب انتشار العلوم واستنارة العقول بها، وأن جناب التوحيد محمي ولا تضره وسائل الشرك! وهذا ظن باطل، إذ إن الواقع يخالفه، والشرك على اختلاف أنواعه ومظاهره لا يزال ضاربًا أطنابه في أكثر بقاع الأرض، ولا سيما في بلاد الغرب عقر دار الكفر، ومن أبرز ما يظهر للعيان انتشار التماثيل بينهم، وإن مما يُؤسَفُ له أن هذه الظاهرة قد أخذت تنتشر رويدًا في بعض البلاد

стр. 277

الإسلامية! (١). ومما أخبر به رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم من آثار مروية تدل على ظهور الشرك آخر الزمان، ما يلي: ١ قال رسول الله ﷺ : «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ حَوْلَ ذِي الْخَلَصَةِ» (٢)، المذكور آنفًا. ٢ قال رسول الله ﷺ : «لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللاَّتُ وَالْعُزَّى. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ حِينَ أَنْزَلَ اللهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ *﴾ [التوبة]، أَنَّ ذَلِكَ تَامًّا. قَالَ: إِنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ ما شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَوَفَّى كُلَّ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَيَبْقَى مَنْ لا خَيْرَ فِيهِ، فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِينِ آبَائِهِمْ» (٣). ٣ قال رسول الله ﷺ : « … وَلَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى تَعْبُدَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي الأَوْثَانَ … » (٤). ٤ قال رسول الله ﷺ : «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لا يُقَالَ فِي الأَرْضِ: اللهُ اللهُ» (٥).

стр. 278

وهناك آثار نبوية حديثية مروية كثيرة تدل دلالة قاطعة على أن الشرك واقع في هذه الأمة، ولعل ما أوردته هنا يكفي لإثبات عودة الشرك آخر الزمان كما سيأتي تفصيل ذلك (١). قال الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز ﵀: أن هذه الأمة ستبتلى بما ابتليت به الجاهلية من عبادة القبور والأحجار، والتبرك بها وهذا حصل، وقاله ﵇ إخبارًا بأنه سيقع، فحذر منه. وأن الواجب هو الثبات على عبادة الله وحده كما فعل الأنبياء ﵈ (٢). فإذا كان الأمر كذلك فيجب على المسلمين أن يبتعدوا عن كل الوسائل والأسباب التي قد تؤدي بهم إلى الشرك (٣). * * *

стр. 279

المطلب الخامس حكم إحياء الآثار الوثنية والجاهلية من خلال موقف السلف تجاه الآثار الوثنية والجاهلية، يمكننا تفصيل حكم إحيائها من خلال مسألتين: ١ إحياء المسلم للآثار الوثنية والجاهلية بقصد الزيارة؛ للاطلاع، والنزهة والسياحة. ٢ إحياء عين الآثار، بالتنقيب عنها، وإخراجها وتهيئتها، وتسهيل الوصول إليها. المسألة الأولى: حكم إحياء المسلم للآثار الوثنية والجاهلية بقصد الزيارة؛ للاطلاع، والنزهة والسياحة: يحرم قصد المواضع التي تحتوي على الأصنام والتماثيل، وجاء النهي عن دخولها؛ استنادًا على الأدلة منها: ١ أن النبي ﷺ لما قدِم إلى الكعبة، بعد أن نصره الله ﷻ بفتح مكة، أبى أن يدخل البيت وفيها آلهتهم فأمر بها فأخرجت، فأخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيل ﵉ في أيديهما الأزلام كما يدّعون فقال ﷺ : «قَاتَلَهُمُ اللهُ، أَمَا وَاللهِ قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا قَطُّ». فدخل البيت، فكبَّر في نواحيه ولم يصل فيه (١). وأيضًا لم يدخل ﷺ البيت الذي فيه صور، وتوعّد أصحاب الصور بأنهم سيعذبون يوم القيامة، وقال ﷺ : «إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لا تَدْخُلُهُ

стр. 280

الْمَلَائِكَةُ» (١). فامتناع النبي ﷺ من دخول المكان حتى تزال ما به من صور وتماثيل، دليل على أنها من المنكرات التي لا يجوز قصدها، ولا الرضى بها؛ لعدم إقرار النبي ﷺ على وجودها؛ بل أمر بإزالتها (٢). وهذا دليل على عدم جواز قصد الأماكن التي بها تماثيل وأصنام حتى لو للفرجة، خصوصًا وإن أغلب المتاحف تعرض التماثيل التي كانوا يعتبرونها في الجاهلية آلهة تعبد، أو ملكًا يُعظم! ٢ قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصور (٣)، فامتناع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ عن الدخول للكنائس؛ لوجود التماثيل دليل على عدم إباحة الدخول إلى الأماكن التي بها تماثيل وأصنام. ٣ إقرار الأئمة الفقهاء على حرمة النظر إلى المحرم (٤)؛ لوجهين:

стр. 281

أ أن ما حرُم فعله واتخاذه، حرم النظر إليه، والفرجة عليه؛ لأنه يتعارض بُغض المنكر مع الاستمتاع بالنظر والفرجة عليه، والإعجاب به (١). كما أن الفرجة عليها هي من الإعانة على بقائها، والعناية بها (٢)، لا سيما وإن بعض المتاحف قد أُعدّت لعرض التماثيل، وللدخول لها لا بد من دفع عوض مالي، ولا شك أن المبالغ المدفوعة هي إحدى مقومات حفظ تلك الآثار الوثنية، ورعايتها والاهتمام بها، والإعانة على بقائها ودوامها (٣). ب أن رؤية المنكر كسماعه، فكما يحرم سماع المنكر فكذلك رؤيته (٤). يتبين مما السابق حرمة النظر إلى محرم فكيف بمن يقصده ويذهب إليه. ٤ قصد المسلم للأماكن التي تحوي آثار وثنية من تماثيل وأصنام، قد يؤثر على عقيدته، ويغترّ ويتعلق بها، ويحصل في قلبه إعظام لها ولصانعيها، فسدًّا للذريعة المفضية إلى الحرام، يبتعد عن هذه الأماكن، ولا يقصدها بالزيارة (٥). فحكم إحياء الآثار الوثنية والجاهلية، بالزيارة سياحة ونزهةً محرمٌ شرعًا، وحكمها واحد كما سبق بيانه، سواء كانت آثار الأصنام والأوثان في مكانها الذي وجدت به، أو كانت داخلة في المتاحف أو المعابد أو أي مكان تعرض فيه.

стр. 282

المسألة الثانية: حكم إحياء عين الآثار الوثنية الجاهلية؛ بالتنقيب عنها، وتهيئتها، وتسهيل الوصول إليها: لا يجوز الاحتفاظ بالآثار الوثنية والجاهلية من: الأصنام، والأوثان أو بأجزائها أو التنقيب عنها (١)، للأحاديث الصحيحة الواردة عن النبي ﷺ التي جاء فيها الأمر بتكسير الأصنام، وطمس الصور، وإزالتها، والنهي عن التعلّق بآثار الجاهلية وأمورها، منها: ١ الحديث السابق ذكره بعد أن نصر الله ﷻ نبيّه ﷺ بفتح مكة، وعند قدومه ﷺ إلى الكعبة، أبى أن يدخل البيت؛ لأن فيها الأصنام، وأمر بإخراجها، وتكسيرها (٢). ٢ نهي النبي ﷺ من التعلّق بالأمور الجاهلية، ومن أمور الجاهلية إحياء آثارها، كما قال ﷺ : «أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللهِ ثَلَاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ» (٣). ومن أمور الجاهلية المنتشرة في بلاد المسلمين، إحياء الآثار التاريخية، وإبرازها، والفخر بها، مما يؤدي إلى المبالغة في الاحتفاء بها، وتعظيمها، وذلك من أكبر ذرائع الشرك ووسائله (٤). ٣ أوصى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أحد التابعين، قائلاً: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى ما بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ لا تَدَعَ تِمْثَالاً إِلاَّ طَمَسْتَهُ (٥). ٤ احترازه ﷺ من التشبّه بأهل الجاهلية في أفعالهم (٦)، ونهيه ﷺ أن يصرف أي نوع من أنواع العبادة في الأماكن الجاهلية التي كان يُتعبّد عندها؛

стр. 283

لأجل ذلك حرِص النبي ﷺ على سؤال الرجل الذي نذر أن ينحر إبلاً ببوانة (١): «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟». قالوا: لا، قال: «هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟». قالوا: لا، قال: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ لا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا فِيمَا لا يَمْلِكُ ابن آدَمَ» (٢)، هذا أمر منه ﷺ بمخالفتهم بقوله. ٥ أما بفعله ﷺ فقد روي عنه ﷺ أنه لما كان في الحج وأتى بطن محسّر (٣) أسرع وحرّك راحلته (٤)، وقد علّل بعض العلماء إسراع النبي ﷺ في عبور وادي محسر؛ بأن أهل الجاهلية كانوا يقفون على هذا الوادي، ويذكرون أمجاد آبائهم (٥). ٦ تحذير النبي ﷺ ونهيه عن التشبه باليهود والنصارى، كما جاء في الحديث عن أبي واقد الليثي ﵁ يقول: خرجنا مع رسول الله ﷺ بِحُنَيْنٍ وَنَحْنُ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ، فَمَرَرْنَا عَلَى شَجَرَةٍ يَضَعُ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ! فَقَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ، قُلْتُمْ كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ لِمُوسَى ﵇: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّكُمْ سَتَرْكَبُونَ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» (٦). وأيضًا يدل الحديث على أن الاعتبار في الأحكام بالمعاني لا بالأسماء، ولهذا جعل النبي ﷺ طلبتهم كطلبة بني إسرائيل، ولم يلتفت إلى

стр. 284

كونهم سموها ذات أنواط. فالمشرك مشرك وإن سمى شركه ما سماه، كمن يسمي دعاء الأموات والذبح والنذر لهم ونحو ذلك تعظيمًا ومحبة، فإن ذلك هو الشرك وإن سماه ما سماه. وقس على ذلك (١). ونقيس على ذلك إحياء الآثار الوثنية والجاهلية، حتى وإن سموها بإحياء آثار الحضارات، وبتاريخ مجد الأمم فسيبقى أصلها الجاهلي الوثني. فالعبرة بالمعاني والحقائق، كما هو معلوم عند كل عاقل: أن حقائق الأشياء لا تتغير بتغير أسمائها، فالشرك إنما حرم لقبحه في نفسه، وكونه متضمنًا مسبة الرب وتنقصه، وتشبيهه بالمخلوقين؛ فلا تزول هذه المفاسد بتغيير اسمه (٢). وللتفصيل في إطلاق الحكم فإن الآثار الوثنية والجاهلية، لها حالات، منها (٣): ١ ثابتة كالمعابد وغيرها من أماكن التعبّد في الجاهلية فقد جاء الأمر بطمسها وإتلاف معالمها حفاظًا على العقيدة من الموروث الجاهلي الذي يجرّ إلى الشرك. كما قال ابن القيم ﵀: لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها، وإبطالها يومًا واحدًا؛ فإنها شعائر الكفر والشرك، وهي أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة ألبته، … لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض، مع القدرة على إزالته، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، أو أعظم شركًا عندها وبها، والله المستعان (٤). ٢ متحركة ومنقولة: كالأوثان والأصنام والنصب، فقد جاء الأمر بإتلافها، وتكسيرها وإزالة معالمها (٥).

стр. 285

ولا يجوز إحياؤها ومشابهة أهلها، والاحتفاظ بها أو بأجزائها أو التنقيب عنها أو جلبها من بلاد الكفار. كما فعل عمرو بن لحي لما جلب الأصنام من بلاد الشام إلى أرض الحجاز وغيّر دين إبراهيم ﵇ وأمر بعبادتها من دون الله. ٣ مساكن ومرابع ليست من أعلام دين المشركين فإنها تترك، ولا يُعتنى بها ولا ترمم حتى تندرس وتذهب كسائر الخربات. وقد عقّب الشيخ العلامة صالح الفوزان حفظه الله على من يقول: أن الآثار التي تُقصد للسياحة والنزهة؛ بقصد الاستثمار، ليست داخلة في الآثار التي تفضي إلى الشرك. قائلاً: إن إحيائها للزائرين والسائحين وسيلة لتعظيمها، والتبرك بها من قِبل الخرافيين. فقد نشطوا لما فُتح هذا الباب، وفرحوا بالفكرة، واتخذوها حجة لهم في إحياء الآثار الشركية، والممارسات البدعية، فيجب سدّ هذا الباب من أصله (١). فالآثار الوثنية المستخرجة من تحت الرمال ماثلة للعيان تهيئتها وعرضها بشكل يوحي بالاهتمام، والاحترام، سواء كانت في المتاحف أو القصور أو حتى في الطرقات. ولو وقع التعاون في إحيائها، فسيؤول ذلك إلى عبادتها ولو على المدى البعيد؛ لأن إحياءها تمهيدًا لتعظيمها، ومن ثم عبادتها شئنا أم أبينا إذ إن كل جيل أجهل من الذي قبله، فقد يأتي جيل جاهل ويزين لهم الشيطان عبادة تلك الآثار كما فعل بقوم نوح ﵇ (٢). وكما اغترّ مشركو العرب بإساف ونائلة الذين نصبوهم في بداية الأمر؛ للعظة والعبرة، ومع كونهما معذبين وممسوخين إلى حجرين، إلا أن الأمر آل إلى عبادتهم!
следующие страницы →