← Акыда

Акыда · id 1274

إحياء الآثار دراسة عقدية

منيرة المقوشي

Полный текст (616 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

أ أن ما حرُم فعله واتخاذه، حرم النظر إليه، والفرجة عليه؛ لأنه يتعارض بُغض المنكر مع الاستمتاع بالنظر والفرجة عليه، والإعجاب به (١). كما أن الفرجة عليها هي من الإعانة على بقائها، والعناية بها (٢)، لا سيما وإن بعض المتاحف قد أُعدّت لعرض التماثيل، وللدخول لها لا بد من دفع عوض مالي، ولا شك أن المبالغ المدفوعة هي إحدى مقومات حفظ تلك الآثار الوثنية، ورعايتها والاهتمام بها، والإعانة على بقائها ودوامها (٣). ب أن رؤية المنكر كسماعه، فكما يحرم سماع المنكر فكذلك رؤيته (٤). يتبين مما السابق حرمة النظر إلى محرم فكيف بمن يقصده ويذهب إليه. ٤ قصد المسلم للأماكن التي تحوي آثار وثنية من تماثيل وأصنام، قد يؤثر على عقيدته، ويغترّ ويتعلق بها، ويحصل في قلبه إعظام لها ولصانعيها، فسدًّا للذريعة المفضية إلى الحرام، يبتعد عن هذه الأماكن، ولا يقصدها بالزيارة (٥). فحكم إحياء الآثار الوثنية والجاهلية، بالزيارة سياحة ونزهةً محرمٌ شرعًا، وحكمها واحد كما سبق بيانه، سواء كانت آثار الأصنام والأوثان في مكانها الذي وجدت به، أو كانت داخلة في المتاحف أو المعابد أو أي مكان تعرض فيه.

стр. 282

المسألة الثانية: حكم إحياء عين الآثار الوثنية الجاهلية؛ بالتنقيب عنها، وتهيئتها، وتسهيل الوصول إليها: لا يجوز الاحتفاظ بالآثار الوثنية والجاهلية من: الأصنام، والأوثان أو بأجزائها أو التنقيب عنها (١)، للأحاديث الصحيحة الواردة عن النبي ﷺ التي جاء فيها الأمر بتكسير الأصنام، وطمس الصور، وإزالتها، والنهي عن التعلّق بآثار الجاهلية وأمورها، منها: ١ الحديث السابق ذكره بعد أن نصر الله ﷻ نبيّه ﷺ بفتح مكة، وعند قدومه ﷺ إلى الكعبة، أبى أن يدخل البيت؛ لأن فيها الأصنام، وأمر بإخراجها، وتكسيرها (٢). ٢ نهي النبي ﷺ من التعلّق بالأمور الجاهلية، ومن أمور الجاهلية إحياء آثارها، كما قال ﷺ : «أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللهِ ثَلَاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ» (٣). ومن أمور الجاهلية المنتشرة في بلاد المسلمين، إحياء الآثار التاريخية، وإبرازها، والفخر بها، مما يؤدي إلى المبالغة في الاحتفاء بها، وتعظيمها، وذلك من أكبر ذرائع الشرك ووسائله (٤). ٣ أوصى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أحد التابعين، قائلاً: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى ما بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ لا تَدَعَ تِمْثَالاً إِلاَّ طَمَسْتَهُ (٥). ٤ احترازه ﷺ من التشبّه بأهل الجاهلية في أفعالهم (٦)، ونهيه ﷺ أن يصرف أي نوع من أنواع العبادة في الأماكن الجاهلية التي كان يُتعبّد عندها؛

стр. 283

لأجل ذلك حرِص النبي ﷺ على سؤال الرجل الذي نذر أن ينحر إبلاً ببوانة (١): «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟». قالوا: لا، قال: «هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟». قالوا: لا، قال: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ لا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا فِيمَا لا يَمْلِكُ ابن آدَمَ» (٢)، هذا أمر منه ﷺ بمخالفتهم بقوله. ٥ أما بفعله ﷺ فقد روي عنه ﷺ أنه لما كان في الحج وأتى بطن محسّر (٣) أسرع وحرّك راحلته (٤)، وقد علّل بعض العلماء إسراع النبي ﷺ في عبور وادي محسر؛ بأن أهل الجاهلية كانوا يقفون على هذا الوادي، ويذكرون أمجاد آبائهم (٥). ٦ تحذير النبي ﷺ ونهيه عن التشبه باليهود والنصارى، كما جاء في الحديث عن أبي واقد الليثي ﵁ يقول: خرجنا مع رسول الله ﷺ بِحُنَيْنٍ وَنَحْنُ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ، فَمَرَرْنَا عَلَى شَجَرَةٍ يَضَعُ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ! فَقَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ، قُلْتُمْ كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ لِمُوسَى ﵇: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّكُمْ سَتَرْكَبُونَ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» (٦). وأيضًا يدل الحديث على أن الاعتبار في الأحكام بالمعاني لا بالأسماء، ولهذا جعل النبي ﷺ طلبتهم كطلبة بني إسرائيل، ولم يلتفت إلى

стр. 284

كونهم سموها ذات أنواط. فالمشرك مشرك وإن سمى شركه ما سماه، كمن يسمي دعاء الأموات والذبح والنذر لهم ونحو ذلك تعظيمًا ومحبة، فإن ذلك هو الشرك وإن سماه ما سماه. وقس على ذلك (١). ونقيس على ذلك إحياء الآثار الوثنية والجاهلية، حتى وإن سموها بإحياء آثار الحضارات، وبتاريخ مجد الأمم فسيبقى أصلها الجاهلي الوثني. فالعبرة بالمعاني والحقائق، كما هو معلوم عند كل عاقل: أن حقائق الأشياء لا تتغير بتغير أسمائها، فالشرك إنما حرم لقبحه في نفسه، وكونه متضمنًا مسبة الرب وتنقصه، وتشبيهه بالمخلوقين؛ فلا تزول هذه المفاسد بتغيير اسمه (٢). وللتفصيل في إطلاق الحكم فإن الآثار الوثنية والجاهلية، لها حالات، منها (٣): ١ ثابتة كالمعابد وغيرها من أماكن التعبّد في الجاهلية فقد جاء الأمر بطمسها وإتلاف معالمها حفاظًا على العقيدة من الموروث الجاهلي الذي يجرّ إلى الشرك. كما قال ابن القيم ﵀: لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها، وإبطالها يومًا واحدًا؛ فإنها شعائر الكفر والشرك، وهي أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة ألبته، … لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض، مع القدرة على إزالته، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، أو أعظم شركًا عندها وبها، والله المستعان (٤). ٢ متحركة ومنقولة: كالأوثان والأصنام والنصب، فقد جاء الأمر بإتلافها، وتكسيرها وإزالة معالمها (٥).

стр. 285

ولا يجوز إحياؤها ومشابهة أهلها، والاحتفاظ بها أو بأجزائها أو التنقيب عنها أو جلبها من بلاد الكفار. كما فعل عمرو بن لحي لما جلب الأصنام من بلاد الشام إلى أرض الحجاز وغيّر دين إبراهيم ﵇ وأمر بعبادتها من دون الله. ٣ مساكن ومرابع ليست من أعلام دين المشركين فإنها تترك، ولا يُعتنى بها ولا ترمم حتى تندرس وتذهب كسائر الخربات. وقد عقّب الشيخ العلامة صالح الفوزان حفظه الله على من يقول: أن الآثار التي تُقصد للسياحة والنزهة؛ بقصد الاستثمار، ليست داخلة في الآثار التي تفضي إلى الشرك. قائلاً: إن إحيائها للزائرين والسائحين وسيلة لتعظيمها، والتبرك بها من قِبل الخرافيين. فقد نشطوا لما فُتح هذا الباب، وفرحوا بالفكرة، واتخذوها حجة لهم في إحياء الآثار الشركية، والممارسات البدعية، فيجب سدّ هذا الباب من أصله (١). فالآثار الوثنية المستخرجة من تحت الرمال ماثلة للعيان تهيئتها وعرضها بشكل يوحي بالاهتمام، والاحترام، سواء كانت في المتاحف أو القصور أو حتى في الطرقات. ولو وقع التعاون في إحيائها، فسيؤول ذلك إلى عبادتها ولو على المدى البعيد؛ لأن إحياءها تمهيدًا لتعظيمها، ومن ثم عبادتها شئنا أم أبينا إذ إن كل جيل أجهل من الذي قبله، فقد يأتي جيل جاهل ويزين لهم الشيطان عبادة تلك الآثار كما فعل بقوم نوح ﵇ (٢). وكما اغترّ مشركو العرب بإساف ونائلة الذين نصبوهم في بداية الأمر؛ للعظة والعبرة، ومع كونهما معذبين وممسوخين إلى حجرين، إلا أن الأمر آل إلى عبادتهم!

стр. 286

والحاصل الآن وللأسف أن بعضًا من المسلمين يضاهون الغرب الكفار لمباهتهم وانتمائهم لأصول وثنية وشركية، كما انتمت اليونان إلى اللاتينية القديمة واعتزّت بها. وقد نهانا رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم عن ذلك في قوله ﷺ : «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ ﷺ : فَمَنْ» (١). وكذلك جاء في الحديث الثابت الصحيح عن أبي بن كعب ﵁ قال: انْتَسَبَ رَجُلَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بْنِ فُلَانٍ، فَمَنْ أَنْتَ لَا أُمَّ لَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «انْتَسَبَ رَجُلَانِ عَلَى عَهْدِ مُوسَى ﵇، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ حَتَّى عَدَّ تِسْعَةً فَمَنْ أَنْتَ لَا أُمَّ لَكَ؟ قَالَ: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ ابْنُ الإِسْلَامِ. قَالَ: فَأَوْحَى اللهُ إِلَى مُوسَى ﵇: إِنَّ هَذَيْنِ الْمُنْتَسِبَيْنِ، أَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْمُنْتَمِي، أَوِ الْمُنْتَسِبُ إِلَى تِسْعَةٍ فِي النَّارِ فَأَنْتَ عَاشِرُهُمْ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا هَذَا الْمُنْتَسِبُ إِلَى اثْنَيْنِ فِي الْجَنَّةِ، فَأَنْتَ ثَالِثُهُمَا فِي الْجَنَّةِ» (٢). ونظيرهم في الواقع كثير، كما تقدّم سابقًا كمباهاة بعض أهل مصر بالفراعنة، واعتزاز بعض أهل العراق بالبابلية أو الآشورية أو الكلدانية، وبعض أهل الشام يفخرون بالفينيقية، وبعض أهل اليمن يعتزون بالسبئية

стр. 287

والحميرية، ونحو ذلك من الأصول الوثنية القديمة التي يفخرون ويفاخرون بها ويعتزون بها كاعتزاز الكفار ومباهاتهم بأوثانهم وشركهم، متناسين اعتزازهم الحقيقي بالإسلام الذي انتشلهم من أوحال الوثنية. وكما حذّر أيضًا فضيلته من بعثات خبراء الآثار الغربية قائلاً: ومن دسائس هذه المنظمات الكفرية دعوتها إلى إحياء الآثار القديمة والفنون الشعبية المندثرة؛ حتى يشغلوا المسلمين عن العمل المثمر بإحياء الحضارات القديمة والعودة إلى الوراء وتجاهل حضارة الإسلام، وإلا فما فائدة المسلمين من البحث عن أطلال الديار البائدة، والرسوم البالية الدارسة! وما فائدة المسلمين من إحياء عادات وتقاليد أو ألعاب قد فنيت وبادت! في وقت هم في أمس الحاجة إلى العمل الجاد المثمر، وقد أحاط بهم أعداؤهم من كل جانب، واحتلوا كثيرًا من بلادهم، وبعض مقدساتهم! إنهم في مثل هذه الظروف بحاجة إلى العودة إلى دينهم، وإحياء سُنَّة نبيّهم، والاقتداء بسلفهم الصالح، حتى يعود لهم عزهم وسلطانهم، وحتى يستطيعوا الوقوف على أقدامهم لرد أعدائهم، وأن يعتزوا برصيدهم العلمي من الكتاب والسُّنَّة والفقه، ويستمدوا من ذلك خطة سيرهم في الحياة، ويقرؤوا تاريخ أسلافهم؛ لأخذ القدوة الصالحة من سيرهم، أما أن ينشغلوا بالبحث عن آثار الديار، وإحياء الفنون الشعبية بالأغاني والأسمار، وإقامة مشاهد تحاكي العادات القديمة، فكل ذلك مما لا جدوى فيه، وإنما هو استهلاك للوقت والمال في غير طائل؛ بل ربما يعود بهم إلى الوثنية، والعوائد الجاهلية (١). فالحاصل أن الانتماء والاعتزاز بغير الإسلام من أمور الجاهلية؛ والدليل على ذلك لما نهى النبي ﷺ من سمعه يقول: يا للأنصار ومن يقول: يا للمهاجرين.

стр. 288

قال ﷺ : «مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟» … ثم قال: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ» (١). فالاعتزاز بالوثنيات السابق ذكرها أو حتى بالقبيلة أو بالقومية أو بالعروبة أو بالإنسانية كلها تعتبر اعتزاز وانتماء بأمور الجاهلية (٢). فالجاهلية وأهلها مذمومون بل كل ما نسب إلى الجاهلية فهو مذموم: كحمية الجاهلية، وظن الجاهلية، وتبرج الجاهلية، وعزاء الجاهلية، ودعوى الجاهلية، وحكم الجاهلية. فلا يجوز للمسلمين أن يتركوا الاعتزاز بالإسلام، ويفخروا بالجاهلية وأهلها، ولا يليق بهم ذلك؛ لأن هذا إحياء للجاهلية التي أذهبها الله بالإسلام وأبدل المسلمين بخير منها (٣). وأختم هذا المطلب بمقولة الخليفة الراشد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: نحن أمة أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العز بغيره أذلنا الله (٤). * * *

стр. 289

المبحث الخامس آثار القبور والمشاهد وفيه مطالبان: المطلب الأول: المراد بالقبور والمشاهد. المطلب الثاني: حكم إحياء آثار القبور والمشاهد.

стр. 290

المطلب الأول المراد بالقبور والمشاهد القبور: جمع قبر. وموضعه: مقبرة (١). والمراد بالقبر: هو مدفن الميت في الأرض من الشقِّ أو اللحد (٢). ومن الأسماء التي تُطلق على القبر: الضريح، الرمس، الكُدى، اللحد، الجدث (٣)، الأصواء (٤). المشاهد: جمع مَشهَد، والمشهد: البناء على قبور الأنبياء والأولياء والصالحين (٥). وقيل: هو الضريح، ومكان استشهاد الشهيد (٦). والشاهد: هو كل ما يوضع من علامة، وشارة على أثر؛ لأجل أن يُعرف ويُتخذ دليلاً (٧). والشاهدة: هما العمودان المستقيمان من الحجر أو الخشب ينصبان شارة للقبر على شكل مستطيل، أعلى زواياه نصف مربع أو نصف دائرة،

стр. 291

يوضع أحدهما عموديًّا عند رأس الميت والآخر عند رجله (١). والمراد بالمشاهد في هذا المبحث: كل ما نُصب على قبور المعظمين، سواء كانت بناية أو قبة أو شاهدًا، مزينًا بالذهب والفضة والرخام والستور وغيرها (٢). ومن الإطلاقات والمسميات التي لها صلة بمعنى المشاهد: ١ الأضرحة: مفرده ضريح، وهو قبر بلا لحد، سمي ضريحًا؛ لأنه يشق في الأرض شقًّا (٣). ٢ المقامات: مفرده مقام، وهو المكان الذي قام فيه الأنبياء والصالحين، أو أقاموا، أو عبدوا الله سبحانه، لكنهم لم يتخذوه مسجدًا (٤). وقد عرّف قانون أوقاف أحد البلدان العربية المراد بالمقام بأنه: المكان الذي دفن فيه، أو أقام، أو مرّ منه أحد الأنبياء، أو الصحابة، أو التابعون، أو السلف الصالح، وبني عليه ما يدل على ذلك (٥). ٣ المزارات: مفرده مَزَار، وهو ما يُزَارُ من مقابر الأَولياء؛ إحياءً وتعظيمًا لذكراهم (٦). ٤ الزوايا: مفرده زاوية، وهو ركن من أركان المسجد يعقد فيها دعاة الطرق الصوفية حلقات الذكر، وقد يضاف إلى تلك الزاوية ضريح مؤسسها التي تسمى باسمه غالبًا، أو من له قرابة به، أو له علاقة بالطريقة الصوفية، ويطلق عليها الزاوية ذات الولي (٧).

стр. 292

المطلب الثاني حكم إحياء القبور والمشاهد وبسط هذا المطلب في المسائل التالية: ١ إحياء القبور، بالبناء عليها، وتجصيصها، وتسريجها. ٢ إحياء القبور والمشاهد باتخاذها معلمًا أثريًّا، ومزارًا سياحيًّا. ٣ إحياء القبور والمشاهد بالزيارة. المسألة الأولى: إحياء القبور، بالبناء عليها، وتجصيصها، وتسريجها: اتفق أئمة الإسلام على تحريم البناء على القبور، والنهي عن اتخاذها مساجد (١)؛ استنادًا على النصوص الشرعية الصريحة الدالة على المنع والنهي عن البناء على القبور وتجصيصها. والأدلة الواردة في تحريم البناء على القبور وتجصيصها، وتسريجها، على قسمين: القسم الأول: أدلة جاء النهي فيها بتحريم البناء على القبور وتجصيصها، وتسريجها.

стр. 293

القسم الثاني: أدلة جاء الأمر فيها بوجوب هدم ما بُني على القبور، وتسويتها بالأرض. القسم الأول: من الأدلة التي جاء النهي فيها بتحريم البناء على القبور وتجصيصها، ما يلي: ١ حديث جابر ﵁ قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ» (١). يؤخذ من هذا الحديث عدة أحكام، منها: أ نهيُ النبي ﷺ عن البناء على القبور وتجصيصها، والأصل في النهي التحريم، الذي يؤثم فاعله (٢). ب عموم التحريم من جانبين: الجانب الأول: جميع المقبورين سواءً كانت قبور الأنبياء أو الأولياء أو الصالحين؛ لأنها ذريعة إلى الشرك (٣). الجانب الثاني: جميع ما يُبنى على القبور كبناء: المساجد، والقباب، والزوايا، والمقامات، والشواهد، ويشمل كل شيء يرتفع فوق القبر وينصب عليه (٤). ٢ حديث جابر ﵁ قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ أو يُزَادَ عَلَيْهِ … » (٥)، جاء النهي عن الزيادة من غير ترابه، وأن لا يزيد ارتفاعه على وجه الأرض شبرًا (٦)، أو شبرين؛ حتى يُعرف فيُصان ولا يُهان، ولا مخالفة بين النهي عن البناء على القبور والأمر بتسويتها، إذ المراد تسوية ما رفع عليه من البناء الزائد عن الحد المشروع (٧)، كما سيأتي لاحقًا التفصيل في بيان تسوية القبور.

стр. 294

٣ قال رسول الله ﷺ : « … أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» (١). وقوله ﷺ عن الكنيسة التي وُصفت له بأرض الحبشة: «أُولَئِكِ إِذَا مَاتَ مِنْهُمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّورَةَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ» (٢)، فهؤلاء جمعوا بين فتنتين: القبور، والتماثيل (٣). الحديثان يدلان على تحريم الصلاة مستقبلاً القبر، وعلى السجود عليه، وبناء المساجد على القبور، وأنه كبيرة من الكبائر، ومن فعل ذلك فهو من شرار الخلق عند الله يوم القيامة (٤). والمعنى المراد من اتخاذ القبور مساجد ثلاثة معانٍ: أ الصلاة على القبور، بمعنى السجود عليها (٥). ب قصد الصلاة إلى القبور، واستقبالها بالصلاة والدعاء (٦). ج بناء المساجد عليها (٧)، وقصد الصلاة إليها وعليها (٨).

стр. 295

فبناء المساجد على القبور أو اتخاذ القبور مساجد بلا بناء، كِلَا الأمرين محرمٌ شرعًا، ومن كبائر الذنوب، آثم فاعلها بالمستفيض من السُّنَّة (١). ٤ حديث ابن عباس وعائشة ﵃ قالا: لما نزل برسول الله ﷺ الموت، طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال ﷺ وهو كذلك: «لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، يحذر ما صنعوا (٢). قالت ﵂: فَلَوْلَا ذَاكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا (٣). فهذا تحذير من النبي ﷺ لأمته لئلا يفعلوا كفعل اليهود والنصارى، وأن هذا الفعل موجب للعنة الله عليهم، وكذلك على من فعل مثلهم من هذه الأمة (٤). ٥ جاء اللعن على من اتخذ السرج على القبور، استنادًا على حديث: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ، وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ» (٥). وإيقاد السرج على المقابر موجب للعنة الله ﷻ لأسباب: (٦) أ أن في إسراج القبور تعظيمًا لها، وتعظيمها ذريعة قوية إلى الغلو والافتتان بها. ب أنه كبيرة من كبائر الذنوب، بدليل لعن النبي ﷺ لهذا الفعل. ج أن فيه تشبهًا بالمجوس (٧). د أن فيه إضاعة للمال من غير فائدة (٨)؛ بل حصول مضرّة.

стр. 296

القسم الثاني: من الأدلة التي جاء الأمر فيها بوجوب هدم ما بُني على القبر وتسويته بالأرض: ١ أوصى أمير المؤمنين علي ﵁ أحد التابعين، قائلاً: «أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى ما بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ لا تَدَعَ تِمْثَالاً إِلاَّ طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلاَّ سَوَّيْتَهُ» (١)، والبناء على القبور يدخل في عموم إشراف القبر، الذي أمر النبي ﷺ بتسويته، وعدم إقراره يدل على تحريمه (٢). ٢ جاء في الصحيح: أن ثمامة بن شفي ﵀ قال: كنا مع فضالة بن عبيد ﵀ بأرض الروم برودس، فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بن عبيد بقبره فسوي، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها (٣). ٣ هدم الرسول ﷺ لمسجد الضرار، دليل على هدم ما هو أعظم فسادًا منه؛ كالمساجد المبنية على القبور والقباب؛ لأنها أُسست على معصية رسول الله ﷺ ومخالفة لأمره ﷺ ، وحكم الإسلام فيها أن تهدم وتسوى بالأرض، وهي أولى بالهدم من بناء الغاصب قطعًا (٤). ٤ أمر أمير المؤمنين عثمان ﵁ (٥) بتسوية القبور فسويت إلا قبر أم عمرو ابنة عثمان، فقال: ما هذا القبر؟ فقالوا: قبر أم عمرو، فأمر به فسوّي (٦).

стр. 297

٥ إنكار ابن عمر ﵄ لما رأى فسطاطًا على قبر عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ فقال: انزعه يا غلام فإنما يظله عمله (١). ٦ جاء في الصحيح عن أحد التابعين لما مات، ضربت امرأته على قبره قبة لمدة (سنة) ثم رفعت، فسمعوا صائحًا يقول: ألا هل وجدوا ما فقدوا؟ فأجابه الآخر: بل يئسوا فانقلبوا (٢). فتلك الآثار المروية صريحة جلية، واضحة وضوح الشمس في رائعة النهار (٣) في تحريم البناء على القبور، واتخاذها مساجد. وفي دواوين السُّنَّة أحاديث كثيرة في معنى ما أوردت سابقًا، ولعل ما اقتصرت عليه يكفي في بيان الحكم، ومقنع لمن أراد الحق، ورزقه الله البصيرة. ومن المهم الإشارة إلى بعض فوائد الآثار المروية السابقة، وأوجه تحريمها، بما يلي: ١ أن البناء على القبور من فعل اليهود والنصارى، وأن فعلهم موجب للعنة عليهم، وعلى من فعل مثلهم من هذه الأمة (٤). والمتأمل لذلك يجد أن البناء على القبور فيه شبه بأهل الكتاب، وتعظيم الموتى فيه شبه بعبدة الأصنام (٥). ٢ أن البناء على القبور وسيلة للغلو في المقبور، وذريعة للوقوع في البدع والشركيات، كما هو مُشاهد وواقع عند بعض المشاهد والمقابر (٦). ٣ أن القباب التي أُحدثت في أول الأمر كان المقصود منها نفع الميت، لا الانتفاع منه، وكانت تبنى مؤقتة، لا مستديمة، بخلاف ما حصل بعد ذلك،

стр. 298

من البناء المستديم، من المساجد والقباب والزوايا والمقامات، واعتقاد الانتفاع من الميت والتوسل به، والاستغاثة، وطلب ما لا يطلب إلا من الله ﷻ (١)، كما ورد عن تقبيح الهاتفين لفعل المرأة المذكور آنفًا عن أحد التابعين لما مات، ضربت امرأته (٢) على قبره قبة لمدة (سنة) ثم رفعت، فسمعوا صائحًا يقول: ألا هل وجدوا ما فقدوا؟ فأجابه الأخر: بل يئسوا فانقلبوا (٣). قال الحافظ ابن حجر ﵀: جاءت الموعظة على لسان الهاتفين بتقبيح ما صنعوا، وكأنهما من الملائكة، أو من مؤمني الجن (٤)، كما نبّه ﵀ إلى أن مناسبة ذكر هذا الأثر: لموافقته للأدلة الشرعية، لا لأنه دليل برأسه (٥). ٤ أن البناء على القبور بدعة منكرة، من البدع التي أُحدثت في آخر عهد الصحابة ﵃، مع إنكار الصحابة على من فعل ذلك من العامة (٦). كما أنكر ابن عمر ﵄ لما رأى فسطاطًا على قبر عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ فقال: انزعه يا غلام فإنما يظله عمله (٧). ٥ وجوب هدم كل قبر مشرف، وكل مشهد مرفوع، وكل أثر مقدّس؛ يفضي إلى التعظيم والغلو (٨). ٦ لما كان منشأ عبادة الأصنام من فتنة القبور، نهى النبي ﷺ أمته عن الافتتان بها؛ حماية لجناب التوحيد (٩)، وحسم مادة الشرك، وسدًّا للذرائع المفضية إليه، فإن التهاون في هذه الوسائل يفضي إلى الشرك الأكبر، والخروج من الملة (١٠).

стр. 299

٧ لا يظنّ الظان أن النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها، أن هذا تنقّص لأصحابها؛ بل هذا من إكرامهم واحترامهم، وسلوك المنهج القويم تجاههم (١). حيث إن القصد من الزيارة كما سيأتي بيانه السلام على الميت، والدعاء له، والاعتبار والاتعاظ بالموت وتذكر الآخرة. ٨ أن الاهتمام بالقبور كما جاء في الشرع بعدم الجلوس والمشي عليها، وعدم رمي النفايات، وليس بإحيائها بالبدع، كالبناء عليها واتخاذها مساجد. المسألة الثانية: إحياء القبور والمشاهد باتخاذها معلمًا أثريًّا، ومزارًا سياحيًّا: حكم هذه المسألة مترتب على حكم المسألة السابقة، إذ إن في إحياء القبور والمشاهد باتخاذها معلمًا أثريًّا، ومزارًا سياحيًّا يستلزم البناء عليها (٢) وتسريجها هذا في أقل الأحوال، وقد بيّنت في المسألة السابقة بالأدلة ما يدل على تحريم البناء على القبور وتسريجها وغيرها من الوسائل الشركية التي تُفعل عند القبور، فاتخاذ القبور معلمًا أثريًّا فيه محذوران: الأول: البناء على القبر وقد تقدم بيانه. الثاني: إحياؤه بمخالفات شرعية كما سيأتي بيانه. حيث إن إحياء القبور والمشاهد باتخاذها معلمًا أثريًّا، ومزارًا سياحيًّا مناقض لمقاصد الشريعة من جانبين: ١ أن فيه نوعًا من المباهاة والسمعة والفخر، والمقابر ليست موضعًا لذلك؛ لأن زينة الدنيا قد ارتفعت بالموت، والقبور من منازل الآخرة، ولا محل للمباهاة فيها (٣). ٢ أن فيه مخالفة للصفة الشرعية الخاصة بزيارة قبور المسلمين؛ لأن زيارة المقبرة بغير قصد الاتعاظ داخل في النهي، وهو أمر محدث، غير مطلوب شرعًا (٤). ومن أوجه تحريم اتخاذ القبور من المعالم الأثرية، والمزارات السياحية (٥): ١ أن الشريعة جاءت بمنع تعظيم القبور، وسد الذرائع المفضية لكل ما يحصل به تعظيمها، والبناء عليها وتجصيصها وإبرازها، وإيقاد السرج، لا ريب أن كل ذلك مفضٍ إلى تعظيمها.

стр. 300

٢ مناقض لمقاصد الشريعة في زيارة القبور من جانبين، كما ذكرت آنفًا. ٣ لن يسلم القبر لكونه مزارًا أثريًّا من البناء عليه وتزيينه، ورفعه وإبرازه، وتسريجه، والكتابة عليه، وهذا يناقض الصفة الشرعية للقبر. ٤ أنه وسيلة للغلو في المقبور، وذريعة للوقوع في البدع والشركيات، كما هو مُشاهد وماثل للعيان عند كثير من القبور والمشاهد. ٥ أنه يفضي إلى اتخاذها عيدًا، بالاجتماع إليها، أو تكرار الزيارة لها (١). ٦ أنه تشبه بالمشركين من أهل الجاهلية، وبالكفار من أهل الكتاب (٢). ٧ أنه يفضي إلى الإسراف وإضاعة المال؛ بلا مبرر له، ولا مصلحة (٣).

стр. 301

وبهذا يتبين حرمة اتخاذ القبر معلمًا أثريًّا، وأبرز أوجه التحريم في ذلك: مخالفة القبر للصفة الشرعية، ومخالفة الزيارة لمقاصد الشريعة. وأما بالنسبة لزيارة الرجال للقبور، في حال انتفاء الصفة الشرعية للقبور بالبناء عليها، وحصول المنكرات التي يصل بعضها إلى الشرك بالله، فتُمنع الزيارة شرعًا لا لتحريم أصل الزيارة؛ وإنما الحرمة عارضة لما صحب القبر من مظاهر شركية وتصرفات بدعية، ويستثنى من ذلك من يزورها؛ مُنكرًا ولديه القدرة الشرعية على تغيير المنكر أو إزالته كما سياتي آنفًا بيانه بالتفصيل. المسألة الثالثة: حكم إحياء القبور والمشاهد بالزيارة: يختلف حكم زيارة القبور والمشاهد باختلاف هيئة المكان الذي لا يخرج عن حالين: أ القبور الشرعية، التي لا بناء عليها، ولا يزيد فيها ارتفاع القبر عن الأرض نحو شبرين. ب المشاهد البدعية، المبني عليها المسجد أو القبة أو الفسطاط (١) أو الخباء (٢)، وغيرها من الأبنية (٣). أ حكم زيارة القبور الشرعية: ورد النهي عن زيارة القبور في أول الإسلام ثم أُذن بالزيارة؛ وقد علل بعض العلماء ذلك بأنه من باب سد ذريعة الشرك؛ لكون المسلمين حديثي عهد بالكفر، ثم لما تمكّن التوحيد في قلوبهم، أُذن لهم بالزيارة مع التحلي بآدابها، والتقيّد بضوابطها حتى لا تتعلق القلوب بالقبور وأهلها؛ فيقع الغلو

стр. 302

والشرك بالله تعالى (١). فالنهي جاء أولاً عن زيارة الرجال والنساء جميعًا، ثم جاءت الرخصة لهم في الزيارة رجالاً ونساء، ثم استقر المنع للنساء وبقي الإذن للرجال؛ لأن النساء لا يصبرن عند زيارة القبور وقد يجزعن بتذكرهن للميت، فكان من حكمة الله أن منعهن من زيارة القبور لئلا يَفتتنّ بالجزع أو يُفتتن بهن (٢). فزيارة القبور في حق النساء محرم مطلقًا على الراجح؛ لأن المنع في حقهن ثابت تحريمه بالأدلة (٣). لما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «لَعَنَ اللهُ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ» (٤)، وفي رواية:

стр. 303

«لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ» (١)، واللعن على الفعل من أدّل الأدلة على تحريمه (٢). وأما الرجال يستحب لهم زيارة القبور على قول جمهور الفقهاء (٣)، والدليل على ذلك: ١ قول النبي ﷺ : «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا … » (٤). ٢ فعل النبي ﷺ لما زار: قبر أمه (٥)، وشهداء أُحد (٦)، ومقبرة

стр. 304

بقيع الغرقد (١). والزيارة الشرعية للمقابر يقصد بها أمران: أ أمر يتعلق بالميت؛ بالسلام عليه، والدعاء له، كما كان النبي ﷺ يعلّم أصحابه ﵃ عند زيارة القبور، أن يقولوا: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَلَاحِقُونَ، أَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ» (٢). ب أمر يتعلق بالحي الزائر؛ باتباع السُّنَّة، وامتثال قول النبي ﷺ : «فَزُورُوا الْقُبُورَ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ» (٣)، فزيارتها؛ للاتعاظ والاعتبار، وتذكّر الموت والآخرة، وللتنبيه على أنه لا بقاء لأحد من المخلوقين، ولو كان نبيًّا أو وليًّا. وهذا سرّ الترغيب في زيارة القبور لا غير، فمن اعتقد غير ذلك فقد خالف الله ﷻ ورسوله ﷺ (٤). وأما عن حكم زيارة المسلم للقبور، وبيان ما يحصل فيها من أمور، فالزيارة على ثلاثة أحوال: (٥) ١ شرعية. ٢ بدعية. ٣ شركية. الحالة الأولى: الزيارة الشرعية: هي الزيارة التي أذن فيها النبي ﷺ للمسلم بأن يزور فيها القبور، مع الالتزام بالضوابط الشرعية؛ حسمًا لذرائع الشرك، وحفاظًا على جناب التوحيد، والتحلي بالآداب المرعية؛ لأن لقبور المسلمين حرمة، إذ هي بيت الميت (٦)؛ لأجل ذلك فرض الشرع آداب لا بد من التحلي بها أثناء الزيارة، وضوابط يجب الالتزام بها قبل الزيارة.

стр. 305

ومن الضوابط الشرعية التي يجب على المسلم الالتزام بها قبل الزيارة، ما يلي: ١ أن لا يُتخذ القبر عيدًا سواء بالاجتماع إليه، أو اعتياد المجيء إليه بتكرار الزيارة (١)، كما قال النبي ﷺ : «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا … » (٢)، وفي رواية: «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا» (٣). فاتخاذ القبر مسجدًا وموسمًا، وعيدًا من الأعياد، تُشدّ الرحال إليه، كما تشد الرحال للمساجد الثلاثة من أشدّ البدع الموصلة إلى الشرك (٤). ٢ أن لا يشد الرحال لزيارة القبور (٥)؛ لعدم جواز شد الرحال إلا للمساجد الثلاثة، كما قال النبي ﷺ : «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى» (٦). ومن المهم التنبيه إلى ما يفعله بعض الناس من شد الرحال إلى قبور بعض الأنبياء على حد زعمهم في أيام معلومة، فهو خطأ ظاهر من وجهين: ١ أن كل القبور المضافة إلى الأنبياء ﵈ لا يصح منها شيء، إلا قبر نبيّنا محمد ﷺ في المدينة النبوية، والخلاف قائم في قبر إبراهيم ﵇، إذ لم يرد في تحديده خبر صحيح (٧).

стр. 306

وغاية ما روي في ذلك آثار معضلات، بأسانيد واهيات، … فلا يلتفت إليها، وإن ساقها بعض المبتدعة مساق المسلمات (١). إذ إن ليس في معرفة قبور الأنبياء ﵈ بأعيانها فائدة شرعية، وليس حفظ ذلك من الدين ولو كان من الدين لحفظه الله كما حفظ سائر الدين وذلك أن عامة من يسأل عن ذلك إنما قصده الصلاة عندها والدعاء بها ونحو ذلك من البدع المنهي عنها (٢). ٢ أنه لا يجوز شد الرحال لأي قبر كان، استنادًا على الدليل المذكور آنفًا ومن المعلوم أن قبر النبي ﷺ أشرف القبور بلا ارتياب، إذ هو ﷺ أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، وأفضل بني البشر على الإطلاق، ومع ذلك يُزار قبره كما تُزار بقية القبور؛ للسلام، وللاتعاظ والاعتبار، وتذكر الموت (٣). فإذا كان هذا ما يفعله المسلم عند قبر النبي ﷺ فقبر غيره من الصالحين أولى وأحرى. ومن المنهيات التي يجتنبها الزائر للقبور، ما يلي: (٤) أ الجلوس أو الاتكاء على القبر. ب المشي عليه أو وطئه. ج الحديث في أمر الدنيا. د رفع الصوت، أو أذيتهم بالأقوال القبيحة، والأفعال الخبيثة. هـ رمي النفايات، أو شيء من النجاسات.

стр. 307

وما ورد من المنهيات يدل على تمام محاسن الشريعة الإسلامية ومظاهر كمالها، في (١): ١ إكرام منازل الموتى. ٢ احترام الميت المسلم في قبره بمنزلة احترامه في داره التي يسكنها في الدنيا؛ لأن القبور هي ديار الموتى ومنازلهم. فليس في الزيارة الشرعية تعظيم للمقبور، ولا حاجة الزائر للميت، ولا سؤاله، ولا توسله به؛ بل فيها منفعة الحي للميت بالدعاء له، والترحّم عليه (٢)، وهذا عكس ما يحصل في الزيارة الشركية والبدعية. الحالة الثانية: الزيارة البدعية: هي قصد القبور والمشاهد؛ لأجل الصلاة والدعاء لله عندها، رجاء الإجابة والقربة لله وهي: بدعة باتفاق الأئمة، … ويحرم بلا نزاع (٣)، وكذلك التقبيل والتمسح بها، والتوسل إلى الله بجاه الميت، وغيرها من الأمور التي تحرم وتخل بآداب وضوابط الزيارة الشرعية السابق ذكرها (٤). الحالة الثالثة: الزيارة الشركية: هي قصد القبور والمشاهد؛ لأجل التقرّب إلى أصحابها المقبورين بأنواع العبادات؛ كالطواف حولها، والالتجاء إلى الميت، والاستغاثة والاستعانة به؛ لقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وغير ذلك من الأمور التي كان عُبّاد الأوثان يطلبونها من أوثانهم (٥)، وهذه الزيارة الشركية نتيجة الغلو الذي حذّر منه رسول الله ﷺ أمته (٦).

стр. 308

أما عن زيارة القبور للفرجة، والاطلاع، والتنزه فأمر مُحدثٌ غير مطلوب شرعًا (١)، ودليل ذلك أن النبي ﷺ لما أراد زيارة قبر أمه قال ﷺ : «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ» (٢). فالتذكر والاتعاظ بالموت هو المقصد الشرعي من زيارة المقابر، وأما قصد زيارة القبور؛ للفرجة والتنزّه، فهي زيارة تناقض وتعارض المقصد الشرعي لزيارة القبور وتنافيه. ب حكم زيارة المشاهد البدعية: تقدّم تقرير استحباب زيارة الرجال للقبور، ولكن إذا انتفت الصفة الشرعية للقبور بالبناء عليها، وحصلت المنكرات التي يصل بعضها إلى الشرك بالله، تمنع الزيارة شرعًا ليس لتحريم أصل الزيارة؛ وإنما لأجل الحرمة العارضة لما يصحب القبر من مظاهر شركية وتصرفات بدعية، ويستثنى من ذلك من يزورها مُنكرًا؛ وتكون لديه القدرة الشرعية على تغيير المنكر أو إزالته. ومن أوجه تحريم زيارة المشاهد البدعية، ما يلي: ١ أن البناء على القبور محرمٌ شرعًا باتفاق الأئمة كما سبق بيانه، وما كان محرمٌ في نفسه حرم النظر إليه كما قرر ذلك الفقهاء (٣).

стр. 309

وأيضًا رؤية المنكر كسماعه، فكما يحرم سماع المنكر فكذلك رؤيته (١)، وعليه يحرم حضور المكان الذي فيه منكر وهذا من أشنع المنكرات المتعلقة بالشرك ووسائله (٢). ٢ تحرم زيارة المشاهد؛ لما يصاحبها من رؤية المنكرات التي قد يصل بعضها إلى الشرك الأكبر، وحرمة الزيارة ليس لذاتها؛ وإنما عارضة (٣) لما تخلل المكان من وجود وسائل شركية، وكذلك ما يصدر من الزوار من تصرفات بدعية. ٣ زيارة المشاهد فيه تكثير لسواد عبّاد القبور المشركين، وما يميز أهل الحق عن أهل الباطل اختلاف السبل، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ *﴾ [يوسف]. ومن زار المشاهد من غير حاجة إلا لتكثير سواد أهله ولم يفعل ما يوجب الشرك فهو عاصٍ (٤). ٤ يُخشى من زيارة المشاهد الفتنة من جهتين: ١ افتتان غيره بزيارته خصوصًا إذا كان قدوة؛ لتأسي الجهال به، وجعل فعله عرضه لفسادهم (٥). ٢ فتنة للزائر نفسه لما يرى، وقد يستنكر في بداية الرؤية ثم مع الوقت يصبح لا يتمعر قلبه من المنكرات؛ لأن القلب إذا كان نقيًّا ضج لحدوث المنكر، فإذا تكرر مر عليه ولم ينكر، فيصبح بليد الطبع لا ينفر (٦).

стр. 310

كما نبه المحدّث ابن النحاس ﵀ إلى ذلك بقوله: قد تقوم كثرة رؤية المنكرات مقام ارتكابها في سلب القلب نور التمييز والإنكار؛ لأن المنكرات إذا كثر على القلب ورودها، وتكرر في العين شهودها، ذهبت عظمتها من القلوب شيئًا فشيئًا، إلى أن يراها الإنسان فلا يخطر بباله أنها منكرات، ولا يميز بفكره أنها معاصٍ؛ لما أحدث تكرارها من تأليف القلب لها (١). ٥ يحرم زيارة المشهد الذي فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد، أو عيد من أعيادها قطعًا، والدليل على ذلك: لما نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلاً بِبُوَانَةَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ إِبِلاً بِبُوَانَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟» قَالُوا: لَا. قَالَ: «هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟» قَالُوا: لَا. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ لا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا فِيمَا لا يَمْلِكُ ابن آدَمَ» (٢). تلخيص أحكام الزيارة: من العرض السابق يتبين أن أحكام زيارة الرجال للقبور لا تخرج عن ثلاثة أحوال، وهي (٣): ١ زيارة القبور الشرعية؛ للاتعاظ والاعتبار، وللسلام على الموتى، والدعاء لهم؛ اتباعًا للسُّنَّة النبوية، وهي الزّيارة الشرعيّة للقبر فاعلها مثاب، إذا كانت زيارته خالصةً صوابًا (٤). ٢ زيارة القبور والمشاهد؛ للتقرب إلى الله بالموتى، واتخاذهم أسبابًا، والدعاء بهم؛ وهي الزّيارة البدعية، فاعلها فاسق مستحق للمقت والعقوبة من الله تعالى، ولكن لا يخرج عن دائرة الإسلام، وفعله ذريعة إلى الشرك (٥).

стр. 311

٣ زيارة القبور والمشاهد؛ للتقرّب إلى الموتى، ودعائهم والاستغاثة بهم؛ لقضاء الحوائج، والتوسل إلى المقبور بطلب ما لا يقدر عليه إلا الله ﷻ ، وهي الزّيارة الشركية، فاعلها خارج عن الإسلام؛ لنقضه توحيد الألوهية والربوبيّة، وارتكابه الشرك الأكبر الذي يكفر صاحبه (١). ومن جملة ما قاله الأئمة الأعلام حول تحريم إحياء آثار القبور بالبناء والتجصيص أو الكتابة أو إيقاد السرج، وتعظيمها بالزيارة والإفراط في ذلك، والذي يؤكد ما تقدم من أوجه التحريم وتقرير المنع ما يلي: ١ نقل الحافظ محمد بن الحسن ﵀ (ت: ١٨٩ هـ) عن الإمام أبو حنيفة ﵀ (ت: ١٥٠ هـ) قال: لا نرى أن يزاد على ما خرج من القبر، ونكره أن يجصص أو يطين أو يجعل عنده مسجد، أو عَلَمٌ، أو يكتب عليه، ونكره الآجر أن يبنى به أو يدخل القبر … ، وهو قول أبو حنيفة ﵀ (٢). ٢ قال الإمام مالك ﵀ (ت: ١٧٩ هـ): أكره تجصيص القبور التي هي من أعظم الوسائل إلى الشرك (٣). ٣ قال الإمام الشافعي ﵀ (ت: ٢٠٤ هـ): أحب أن لا يبنى [القبر] ولا يجصص، فإن ذلك يشبه الزينة والخيلاء، وليس الموت موضع واحد منهما، ولمْ أرَ قبور المهاجرين والأنصار مجصصة … وقد رأيت من الولاة من يهدم بمكة ما يبنى فيها، فلم أر الفقهاء يعيبون ذلك … (٤). ٤ قال الحافظ النووي ﵀ (ت: ٦٧٦ هـ): واتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على كراهة بناء مسجد على القبر سواء كان الميت مشهورًا بالصلاح أو غيره لعموم الأحاديث، قال الشافعي والأصحاب: وتكره الصلاة إلى القبور سواء كان الميت صالحًا أو غيره (٥).

стр. 312

٥ ونقل مذهب الإمام أحمد ﵀ (ت: ٢٤١ هـ) العلامة الفقيه ابن قدامة المقدسي ﵀ (ت: ٦٢٠ هـ) قال: ولا يجوز اتخاذ السرج على القبور … ولو أبيح لم يلعن النبي ﷺ من فعله؛ ولأن فيه تضييعًا للمال في غير فائدة، وإفراطًا في تعظيم القبور أشبه تعظيم الأصنام، ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور، … ولأن تخصيص القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرب إليها وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام تعظيم الأموات باتخاذ صورهم ومسحها والصلاة عندها (١). ٦ علّق شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (ت: ٧٢٨ هـ) على إطلاق لفظ الكراهة في أقوال الأئمة بقوله: فأما بناء المساجد على القبور فقد صرح عامة علماء الطوائف بالنهي عنه، متابعة للأحاديث، وصرح أصحابنا وغيرهم، من أصحاب مالك والشافعي وغيرهما، بتحريمه، ومن العلماء من أطلق فيه لفظ الكراهة. فما أدري عنى به التحريم، أو التنزيه؟ ولا ريب في القطع بتحريمه (٢) ثم ساق الأدلة ﵀. وقال ﵀ مستنكرًا ما يُبنى على القبور: وما أحدث في الإسلام من المساجد والمشاهد على القبور والآثار، فهو من البدع المحدثة في الإسلام من فعل من لم يعرف شريعة الإسلام، وما بعث الله به محمدًا ﷺ من كمال التوحيد وإخلاص الدين لله وسد أبواب الشرك التي يفتحها الشيطان لبني آدم؛ ولهذا يوجد من كان أبعد عن التوحيد وإخلاص الدين لله ومعرفة دين الإسلام هم أكثر تعظيمًا لمواضع الشرك فالعارفون بسُنَّة رسول الله ﷺ وحديثه أولى بالتوحيد وإخلاص الدين لله، وأهل الجهل بذلك أقرب إلى الشرك والبدع (٣). وقال ﵀: ولم يكن على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم من ذلك [تعظيم المشاهد] شيء في بلاد الإسلام لا في الحجاز ولا اليمن ولا الشام ولا العراق ولا مصر ولا خراسان ولا المغرب ولم يكن قد أحدث مشهد لا

стр. 313

على قبر نبي ولا صاحب ولا أحد من أهل البيت ولا صالح أصلاً؛ بل عامة هذه المشاهد محدثة بعد ذلك. وكان ظهورها وانتشارها حين ضعفت خلافة بني العباس وتفرقت الأمة، وكثر فيهم الزنادقة الملبسون على المسلمين وفشت فيهم كلمة أهل البدع، وذلك من دولة المقتدر في أواخر المائة الثالثة. فإنه إذ ذاك ظهرت القرامطة العبيدية القداحية بأرض المغرب، ثم جاءوا بعد ذلك إلى أرض مصر. ويقال: إنه حدث قريبًا من ذلك: المكوس في الإسلام. وقريبًا من ذلك ظهر بنو بويه. وكان في كثير منهم زندقة وبدع قوية. وفي دولتهم قوي بنو عبيد القداح بأرض مصر وفي دولتهم أظهر المشهد المنسوب إلى علي ﵁ بناحية النجف وإلا فقبل ذلك لم يكن أحد يقول: إن قبر علي ﵁ هناك! (١). وقال ﵀: الرسول ﷺ أمر الناس بالقيام بحقوق الله وحقوق عباده، بأن يعبدوا الله لا يشركوا به شيئًا. ومن عبادته الإحسان إلى الناس حيث أمرهم الله سبحانه به كالصلاة على الجنائز وكزيارة قبور المؤمنين. فاستحوذ الشيطان على أتباعه فجعل قصدهم بذلك الشرك بالخالق وإيذاء المخلوق، فإنهم إذا كانوا إنما يقصدون بزيارة قبور الأنبياء والصالحين سؤالهم أو السؤال عندهم أو بهم، لا يقصدون السلام عليهم ولا الدعاء لهم كما يقصد بالصلاة على الجنائز كانوا بذلك مشركين، وكانوا مؤذين ظالمين لمن يسألونه، وكانوا ظالمين لأنفسهم. فجمعوا بين أنواع الظلم الثلاثة (٢). وقال أيضًا ﵀ واصفًا حال من افتتن بالقبور والمشاهد: وأقل ما صار شعارًا لهم تعطيل المساجد، وتعظيم المشاهد، فإنهم يأتون من تعظيم المشاهد، وحجها والإشراك بها ما لم يأمر الله به ولا رسوله، ولا أحد من

стр. 314

أئمة الدين؛ بل نهى الله عنه ورسوله: عباده المؤمنين. وأما المساجد التي أمر الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه فيخربونها … ولا يصلون جمعة ولا جماعة (١). وقال ﵀: وكل ما عُظّم بالباطل من مكان أو زمان أو شجر أو بنية؛ يجب قصد إهانته، كما تهان الأوثان المعبودة (٢). وعلّق ﵀ على ما يعتقده عبّاد القبور من غلوهم في المقبورين قائلاً: منهم من ينسب إلى أحد هؤلاء ما لا تجوز نسبته إلى أحد من البشر مثل دعوى بعضهم أن الغوث، أو القطب هو الذي يمد أهل الأرض في هداهم، ونصرهم، ورزقهم، فإن هذا لا يصل إلى أحد من أهل الأرض إلا بواسطة نزوله على ذلك الشخص، وهذا باطل بإجماع المسلمين، وهو من جنس قول النصارى في الباب. وكذلك ما يدعيه بعضهم من أن الواحد من هؤلاء قد يعلم كل ولي لله كان، ويكون، واسمه، واسم أبيه، ومنزلته من الله، ونحو ذلك من المقالات الباطلة، التي تتضمن أن الواحد من البشر يشارك الله في بعض خصائصه مثل أنه بكل شيء عليم، أو على كل شيء قدير، ونحو ذلك. كما يقول بعضهم في النبي ﷺ ، وفي شيوخه: إن علم أحدهم ينطبق على علم الله، وقدرته منطبقة على قدرة الله، فيعلم ما يعلمه الله، ويقدر على ما يقدر الله عليه! (٣). ٧ إنكار الحافظ الذهبي ﵀ (ت: ٧٤٨ هـ) على الحاصل من الأعمال الشركية عند قبر نفيسة في مصر بقوله: ولجهلة المصريين فيها اعتقاد يتجاوز الوصف، ولا يجوز مما فيه من الشرك، ويسجدون لها، ويلتمسون منها المغفرة، وكان ذلك من دسائس دعاة العبيدية (٤). ٨ وكذلك أنكر الحافظ ابن كثير ﵀ (ت: ٧٧٤ هـ) على غلو العوام في

стр. 315

قبر نفيسة لما ترجم لها قال ﵀: بالغ العامة في اعتقادهم فيها، وفي غيرها كثيرًا جدًّا، ولا سيما عوام مصر، فإنهم يطلقون فيها عبارات بشعة فيها مجازفة تؤدي إلى الكفر والشرك، وألفاظًا كثيرة ينبغي أن يعرفوا أنها لا تجوز إطلاقها في مثل أمرها … والذي ينبغي أن يعتقد فيها ما يليق بمثلها من النساء الصالحات. وأصل عبادة الأصنام من المغالاة في القبور وأصحابها، وقد أمر النبي ﷺ بتسوية القبور وطمسها، والمغالاة في البشر حرام، ومن زعم أنها تفك من الخشب أو أنها تنفع أو تضر بغير مشيئة الله فهو مشرك (١). ٩ وقال الإمام ابن قيم الجوزية ﵀ (ت: ٧٥١ هـ): حكمُ المشاهد التي بُنيت على القبور التي اتُّخِذَت أوثانًا وطواغيت تُعبد من دون الله، والأحجار التي تُقصد للتعظيم والتبرك، والنذر والتقبيل، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القُدرة على إزالته، وكثير منها بمنزلة اللات والعُزَّى، ومناة الثالثة الأخرى، أو أعظم شركًا عندها، وبها، والله المستعان (٢). وقال ﵀: ومن أعظم مكايده [إبليس] التي كاد بها أكثر الناس، وما نجا منها إلا من لم يُرد الله فتنته: ما أوحاه قديمًا وحديثًا إلى حزبه وأوليائه من الفتنة بالقبور، حتى آل الأمر فيها إلى أن عبد أربابهُا من دون الله، وعُبِدتْ قبورهم، واتُّخِذت أوثانًا، وبُنيت عليها الهياكل، وصُوّرت صورُ أربابها فيها، ثم جعلت تلك الصور أجسادًا لها ظلٌّ، ثم جُعلت أصنامًا، وعُبدت مع الله. وكان أول هذا الداء العظيم في قوم نوح ﵇ كما أخبر سبحانه عنهم في كتابه، حيث يقول: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَارًا *وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا *وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا *وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلَالاً *﴾ [نوح] … قال غير واحد من السلف: كان هؤلاء قومًا صالحين في قوم نوح ﵇، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوّروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمَدُ فعبدوهم (٣).

стр. 316

فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل، وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما رسول الله ﷺ في الحديث المتفق على صحته عن عائشة ﵂: أن أمّ سَلَمَة ﵂ ذكرت لرسول الله ﷺ كَنِيسة رأتها بأرضِ الحبشة يقال لها: ماريةُ، فذكرتْ له ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله ﷺ : «أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح؛ بَنَوْا على قَبره مسْجدًا، وصوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله» (١) … فجمع في هذا الحديث بين التماثيل والقبور (٢). وقال ﵀: ولا تحسبْ أيّهُا المُنْعَمُ عليه باتباع صراط الله المستقيم، صراط أهل نعمته ورحمته وكرامته أن النهي عن اتخاذ القبور أوثانًا وأعيادًا وأنصابًا، والنهي عن اتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها، وإيقاد السُّرج عليها، والسفر إليها، والنذر إليها، واستلامها، وتقبيلها، وتعْفِير الجِباه في عَرَصاتها: غَضٌّ من أصحابها، ولا تنقيصٌ لهم، كما يحسبه أهل الإشراك والضلال؛ بل ذلك من إكرامهم، وتعظيمهم، واحترامهم، ومتابعتهم فيما يُحبونه، وتجنُّب ما يكرهونه، فأنت والله وليُّهم ومُحِبّهم، وناصر طريقتهم وسُنَّتهم، وعلى هَدْيهم ومنهاجهم، وهؤلاء المشركون أعصَى الناس لهم، وأبعدهم من هَدْيهم ومتابعتهم، كالنصارى مع المسيح ﵇، واليهود مع موسى ﵇، والرافضة مع علي ﵁. فأهل الحق أوْلىَ بأهل الحق من أهل الباطل، فالمؤمنون بعضهم أولياء بعض، والمنافقون بعضهم من بعض. فاعلم أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن، فتجد أكثر هؤلاء العاكفين على القبور معرضين عن طريقة من فيها وهديه وسُنَّته، مشتغلين بقبره عما أمر به ودعا إليه! وتعظيم الأنبياء والصالحين ومحبتهم إنما هو باتباع ما دعوا إليه من العلم النافع والعمل الصالح، واقتفاء آثارهم، وسلوك طريقتهم، دون عبادة قبورهم، والعكوف عليها، واتخاذها أعيادًا.

стр. 317

فإن من اقتفى آثارهم كان متسببًا إلى تكثير أجورهم؛ باتباعه لهم، ودعوته الناس إلى اتباعهم، فإذا أعرض عما دعوا إليه، واشتغل بضده، حرم نفسه وحرمهم ذلك الأجر، فأي تعظيم لهم واحترام في هذا (١). ١٠ وردّ الأمير الصنعاني (ت: ١١٨٢ هـ) ﵀ على من يحتج بفعل الكثرة في إحياء الشرك ووسائله عند القبور والمشاهد قائلاً: فإن قلتَ: هذا أمرٌ عَمَّ البلادَ، واجتمعت عليه سكان الأغوار والأنجاد، وطبَّق الأرض شرقًا وغربًا، ويَمنًا وشامًا، وجنوبًا وعَدَنًا، بحيث لا تجدُ بلدةً من بلاد الإسلام إلاَّ وفيها قبور ومشاهد وأحياء، يعتقدون فيها ويعظِّمونها وينذرون لها، ويهتفون بأسمائها ويحلفون بها، ويطوفون بفناء القبور، ويُسرجونها ويلقون عليها الأوراد والرياحين، ويُلبسونها الثياب، ويصنعون كلَّ أمر يقدرون عليه من العبادة لها، وما في معناها من التعظيم والخضوع والخشوع والتذلُّل والافتقار إليها. بل هذه مساجد المسلمين غالبُها لا يخلو عن قبر أو قريب منه، أو مَشهد يقصده المصلُّون في أوقات الصلاة، يَصنعون فيه ما ذكِر أو بعض ما ذكر، ولا يَسَعُ عقلُ عاقل أنَّ هذا منكرٌ يبلُغُ إلى ما ذكرتَ مِنْ الشناعة، ويَسكتُ عليه علماءُ الإسلام الذين ثبَتت لهم الوَطأة في جميع جهات الدنيا. قلتُ: إن أردتَ العدلَ والإنصافَ، وتركتَ متابعة الأسلاف، وعرفتَ أنَّ الحقَّ ما قام عليه الدليلُ، لا ما اتَّفق عليه العوالِم جيلاً بعد جيل، وقَبيلاً بعد قبيل، فاعلم أنَّ هذه الأمور التي ندَندِنُ حولَ إنكارِها، ونسعى في هَدم منارها، صادرةٌ عن العامة الذين إسلامهم تقليدُ الآباء بلا دليل، ومتابعتهم لهم من غير فرق بين دبير وقبيل، ينشأ الواحدُ فيهم فيجِدُ أهلَ قريته وأصحاب بلدته يُلَقِّنُونه في الطفولية أن يَهتِفَ باسم مَنْ يعتقدون فيه، ويراهم يَنذرون عليه، ويعظِّمونه، ويرحلون به إلى مَحلِّ قبره، ويلطخونه بترابه، ويجعلونه طائفًا على قبره، فيَنشأ وقد قَرَّ في قلبه عظمةُ ما يعظِّمونه، وقد صار أعظم الأشياء عنده مَنْ يعتقدونه. فنشأ على هذا الصغير، وشاخَ عليه الكبيرُ، ولا يسمعون مِنْ أحد عليهم من نكير؛ بل تَرَى مِمَّنْ يتَّسِم بالعلمِ، ويَدَّعِي الفضلَ، وينتصب للقضاء والفتيا

стр. 318

والتدريس، أو الولاية أو المعرفة أو الإمارة والحكومة، معظِّمًا لِمَا يعظِّمونه، مُكرمًا لِما يكرمونه، قابضًا للنذور، آكلاً ما يُنحر على القبور، فيَظنُّ العامَّة أنَّ هذا دينُ الإسلام، وأنَّه رأسُ الدِّين والسَّنَام. ولا يَخفى على أحد يتأهَّل للنظر، ويعرفُ بارِقَةً مِنْ عِلم الكتاب والسُّنَّة والأثر، أنَّ سكوتَ العالِم أو العالم على وقوع مُنكر ليس دليلاً على جواز ذلك المنكر (١). ١١ وقال العلامة محمد بن علي الشوكاني ﵀ (ت: ١٢٥٠ هـ): وقد يجعل الشيطان طائفة من إخوانه من بني آدم يقفون على ذلك القبر، يخادعون من يأتي إليه من الزائرين، يهولون عليهم الأمر، ويصنعون أمورًا من أنفسهم، وينسبونها إلى الميت على وجه لا يفطن له من كان من المغفلين. وقد يصنعون أكاذيب مشتملة على أشياء يسمونها كرامات لذلك الميت، ويبثونها في الناس، ويكررون ذكرها في مجالسهم، وعند اجتماعهم بالناس، فتشيع وتستفيض، ويتلقاها من يحسن الظن بالأموات، ويقبل عقله ما يروى عنهم من أكاذيب، فيرويها كما سمعها، ويتحدث بها في مجالسه، فيقع الجهال في بلية عظيمة من الاعتقاد الشركي، وينذرون على ذلك الميت كرائم أموالهم، ويحبسون على قبره من أملاكهم ما هو أحبها إلى قلوبهم، لاعتقادهم أنهم ينالون بجاه ذلك الميت خيرًا عظيمًا وأجرًا كبيرًا، ويعتقدون أن ذلك قربة عظيمة، وطاعة نافعة، وحسنة متقبلة، فيحصل بذلك مقصود أولئك الذين جعلهم الشيطان من إخوانه من بني آدم على ذلك القبر. فإنهم إنما فعلوا تلك الأفاعيل وهولوا على الناس بتلك التهاويل، وكذبوا تلك الأكاذيب، لينالوا جانبًا من الحطام من أموال الطغام الأغتام وبهذه الذريعة الملعونة، والوسيلة الإبليسية تكاثرت الأوقاف على القبور، وبلغت مبلغًا عظيمًا، حتى بلغت غلات ما يوقف على المشهورين منهم ما لو اجتمعت أوقافه لبلغ ما يقتاته أهل قرية كبيرة من قرى المسلمين.

стр. 319

ولو بيعت تلك الحبائس الباطلة لأغنى الله بها طائفة عظيمة من الفقراء (١). وقال ﵀: والظاهر أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرم، وقد صرح بذلك أصحاب أحمد وجماعة من أصحاب الشافعي ومالك، … ومن رفع القبور: الداخل تحت الحديث دخولاً أوليًّا القبب والمشاهد المعمورة على القبور، وأيضًا هو من اتخاذ القبور مساجد، وقد لعن النبي ﷺ فاعل ذلك .... وكم قد سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام، منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام، وعظم ذلك؛ فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر فجعلوها مقصدًا لطلب قضاء الحوائج وملجأ لنجاح المطالب وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم، وشدوا إليها الرحال وتمسحوا بها واستغاثوا. وبالجملة إنهم لم يدعوا شيئًا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا لله وإنا إليه راجعون (٢). ١٢ قال المفسّر محمود الألوسي ﵀ (ت: ١٢٧٠ هـ): وقد رأينا كثيرًا من الناس على نحو هذه الصفة، التي وصف الله تعالى بها المشركين، يهشون لذكر أموات يستغيثون بهم، ويطلبون منهم، ويطربون من سماع حكايات كاذبة عنهم، توافق هواهم واعتقادهم فيهم، ويعظمون من يحكي لهم ذلك، وينقبضون من ذكر الله تعالى وحده (٣)، ونسبة الاستقلال بالتصرف إليه وسرد ما يدل على مزيد عظمته وجلاله، وينفرون ممن يفعل ذلك كل النفرة، وينسبونه إلى ما يكره. وقد قلت يومًا لرجل يستغيث في شدة ببعض الأموات وينادي يا فلان أغثني فقلت له: قل يا الله فقد قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، فغضب وبلغني أنه قال: فلان منكر على الأولياء!

стр. 320

وسمعت عن بعضهم أنه قال: الولي أسرع إجابة من الله وهذا من الكفر بمكان نسأل الله تعالى أن يعصمنا من الزيغ والطغيان (١). ١٣ قال شيخ الأزهر محمود شلتوت ﵀ (ت: ١٣٨٣ هـ): شرعت الصلاة في الإسلام لتكون رباطًا بين العبد وربه، يقضي فيها بين يديه خاشعًا ضارعًا يناجيه، مستشعرًا عظمته، مستحضرًا جلاله، ملتمسًا عفوه ورضاه؛ فتسمو نفسه، وتزكو روحه، وترتفع همته عن ذل العبودية والخضوع لغير مولاه ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *﴾ [الفاتحة]. وكان من لوازم ذلك الموقف، والمحافظة فيه على قلب المصلى، أن يخلص قلبه في الاتجاه إليه سبحانه، وأن يحال بينه وبين مشاهد من شأنها أن تبعث في نفسه شيئًا من تعظيم غير الله، فيصرف عن تعظيمه إلى تعظيم غيره، أو إلى إشراك غيره معه في التعظيم ولذلك كان من أحكام الإسلام فيما يختص بأماكن العبادة تطهيرها من هذه المشاهد … ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا *﴾ [الجن]. وما زلّ العقل الإنساني وخرج عن فطرة التوحيد الخالص فعبد غير الله، أو أشرك معه غيره في العبادة والتقديس إلا عن طريق هذه المشاهد التي اعتقد أن لأربابها والثاوين فيها صلة خاصة بالله، بها يقتربون إليه، وبها يشفعون عنده؛ فعظمها واتجه إليها واستغاث بها، وأخيرًا طاف وتعلق، وفعل بين يديها كل ما يفعله أمام الله من عبادة وتقديس … والإسلام من قواعده الإصلاحية أن يسد بين أهله ذرائع الفساد. وإذا كان الافتتان بالأنبياء والصالحين، كما نراه ونعلمه شأن كثير من الناس في كل زمان ومكان، فإنه يجب محافظة على عقيدة المسلم إخفاء الأضرحة من المساجد، وألا تتخذ لها أبواب ونوافذ فيها، وبخاصة إذا كانت في جهة القبلة، فيجب أن تفصل عنها فصلاً تامًّا بحيث لا تقع أبصار المصلين عليها، ولا يتمكنون من استقبالها وهم بين يدي الله.
следующие страницы →