← Акыда

Акыда · id 1274

إحياء الآثار دراسة عقدية

منيرة المقوشي

Полный текст (616 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل، وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما رسول الله ﷺ في الحديث المتفق على صحته عن عائشة ﵂: أن أمّ سَلَمَة ﵂ ذكرت لرسول الله ﷺ كَنِيسة رأتها بأرضِ الحبشة يقال لها: ماريةُ، فذكرتْ له ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله ﷺ : «أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح؛ بَنَوْا على قَبره مسْجدًا، وصوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله» (١) … فجمع في هذا الحديث بين التماثيل والقبور (٢). وقال ﵀: ولا تحسبْ أيّهُا المُنْعَمُ عليه باتباع صراط الله المستقيم، صراط أهل نعمته ورحمته وكرامته أن النهي عن اتخاذ القبور أوثانًا وأعيادًا وأنصابًا، والنهي عن اتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها، وإيقاد السُّرج عليها، والسفر إليها، والنذر إليها، واستلامها، وتقبيلها، وتعْفِير الجِباه في عَرَصاتها: غَضٌّ من أصحابها، ولا تنقيصٌ لهم، كما يحسبه أهل الإشراك والضلال؛ بل ذلك من إكرامهم، وتعظيمهم، واحترامهم، ومتابعتهم فيما يُحبونه، وتجنُّب ما يكرهونه، فأنت والله وليُّهم ومُحِبّهم، وناصر طريقتهم وسُنَّتهم، وعلى هَدْيهم ومنهاجهم، وهؤلاء المشركون أعصَى الناس لهم، وأبعدهم من هَدْيهم ومتابعتهم، كالنصارى مع المسيح ﵇، واليهود مع موسى ﵇، والرافضة مع علي ﵁. فأهل الحق أوْلىَ بأهل الحق من أهل الباطل، فالمؤمنون بعضهم أولياء بعض، والمنافقون بعضهم من بعض. فاعلم أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن، فتجد أكثر هؤلاء العاكفين على القبور معرضين عن طريقة من فيها وهديه وسُنَّته، مشتغلين بقبره عما أمر به ودعا إليه! وتعظيم الأنبياء والصالحين ومحبتهم إنما هو باتباع ما دعوا إليه من العلم النافع والعمل الصالح، واقتفاء آثارهم، وسلوك طريقتهم، دون عبادة قبورهم، والعكوف عليها، واتخاذها أعيادًا.

стр. 317

فإن من اقتفى آثارهم كان متسببًا إلى تكثير أجورهم؛ باتباعه لهم، ودعوته الناس إلى اتباعهم، فإذا أعرض عما دعوا إليه، واشتغل بضده، حرم نفسه وحرمهم ذلك الأجر، فأي تعظيم لهم واحترام في هذا (١). ١٠ وردّ الأمير الصنعاني (ت: ١١٨٢ هـ) ﵀ على من يحتج بفعل الكثرة في إحياء الشرك ووسائله عند القبور والمشاهد قائلاً: فإن قلتَ: هذا أمرٌ عَمَّ البلادَ، واجتمعت عليه سكان الأغوار والأنجاد، وطبَّق الأرض شرقًا وغربًا، ويَمنًا وشامًا، وجنوبًا وعَدَنًا، بحيث لا تجدُ بلدةً من بلاد الإسلام إلاَّ وفيها قبور ومشاهد وأحياء، يعتقدون فيها ويعظِّمونها وينذرون لها، ويهتفون بأسمائها ويحلفون بها، ويطوفون بفناء القبور، ويُسرجونها ويلقون عليها الأوراد والرياحين، ويُلبسونها الثياب، ويصنعون كلَّ أمر يقدرون عليه من العبادة لها، وما في معناها من التعظيم والخضوع والخشوع والتذلُّل والافتقار إليها. بل هذه مساجد المسلمين غالبُها لا يخلو عن قبر أو قريب منه، أو مَشهد يقصده المصلُّون في أوقات الصلاة، يَصنعون فيه ما ذكِر أو بعض ما ذكر، ولا يَسَعُ عقلُ عاقل أنَّ هذا منكرٌ يبلُغُ إلى ما ذكرتَ مِنْ الشناعة، ويَسكتُ عليه علماءُ الإسلام الذين ثبَتت لهم الوَطأة في جميع جهات الدنيا. قلتُ: إن أردتَ العدلَ والإنصافَ، وتركتَ متابعة الأسلاف، وعرفتَ أنَّ الحقَّ ما قام عليه الدليلُ، لا ما اتَّفق عليه العوالِم جيلاً بعد جيل، وقَبيلاً بعد قبيل، فاعلم أنَّ هذه الأمور التي ندَندِنُ حولَ إنكارِها، ونسعى في هَدم منارها، صادرةٌ عن العامة الذين إسلامهم تقليدُ الآباء بلا دليل، ومتابعتهم لهم من غير فرق بين دبير وقبيل، ينشأ الواحدُ فيهم فيجِدُ أهلَ قريته وأصحاب بلدته يُلَقِّنُونه في الطفولية أن يَهتِفَ باسم مَنْ يعتقدون فيه، ويراهم يَنذرون عليه، ويعظِّمونه، ويرحلون به إلى مَحلِّ قبره، ويلطخونه بترابه، ويجعلونه طائفًا على قبره، فيَنشأ وقد قَرَّ في قلبه عظمةُ ما يعظِّمونه، وقد صار أعظم الأشياء عنده مَنْ يعتقدونه. فنشأ على هذا الصغير، وشاخَ عليه الكبيرُ، ولا يسمعون مِنْ أحد عليهم من نكير؛ بل تَرَى مِمَّنْ يتَّسِم بالعلمِ، ويَدَّعِي الفضلَ، وينتصب للقضاء والفتيا

стр. 318

والتدريس، أو الولاية أو المعرفة أو الإمارة والحكومة، معظِّمًا لِمَا يعظِّمونه، مُكرمًا لِما يكرمونه، قابضًا للنذور، آكلاً ما يُنحر على القبور، فيَظنُّ العامَّة أنَّ هذا دينُ الإسلام، وأنَّه رأسُ الدِّين والسَّنَام. ولا يَخفى على أحد يتأهَّل للنظر، ويعرفُ بارِقَةً مِنْ عِلم الكتاب والسُّنَّة والأثر، أنَّ سكوتَ العالِم أو العالم على وقوع مُنكر ليس دليلاً على جواز ذلك المنكر (١). ١١ وقال العلامة محمد بن علي الشوكاني ﵀ (ت: ١٢٥٠ هـ): وقد يجعل الشيطان طائفة من إخوانه من بني آدم يقفون على ذلك القبر، يخادعون من يأتي إليه من الزائرين، يهولون عليهم الأمر، ويصنعون أمورًا من أنفسهم، وينسبونها إلى الميت على وجه لا يفطن له من كان من المغفلين. وقد يصنعون أكاذيب مشتملة على أشياء يسمونها كرامات لذلك الميت، ويبثونها في الناس، ويكررون ذكرها في مجالسهم، وعند اجتماعهم بالناس، فتشيع وتستفيض، ويتلقاها من يحسن الظن بالأموات، ويقبل عقله ما يروى عنهم من أكاذيب، فيرويها كما سمعها، ويتحدث بها في مجالسه، فيقع الجهال في بلية عظيمة من الاعتقاد الشركي، وينذرون على ذلك الميت كرائم أموالهم، ويحبسون على قبره من أملاكهم ما هو أحبها إلى قلوبهم، لاعتقادهم أنهم ينالون بجاه ذلك الميت خيرًا عظيمًا وأجرًا كبيرًا، ويعتقدون أن ذلك قربة عظيمة، وطاعة نافعة، وحسنة متقبلة، فيحصل بذلك مقصود أولئك الذين جعلهم الشيطان من إخوانه من بني آدم على ذلك القبر. فإنهم إنما فعلوا تلك الأفاعيل وهولوا على الناس بتلك التهاويل، وكذبوا تلك الأكاذيب، لينالوا جانبًا من الحطام من أموال الطغام الأغتام وبهذه الذريعة الملعونة، والوسيلة الإبليسية تكاثرت الأوقاف على القبور، وبلغت مبلغًا عظيمًا، حتى بلغت غلات ما يوقف على المشهورين منهم ما لو اجتمعت أوقافه لبلغ ما يقتاته أهل قرية كبيرة من قرى المسلمين.

стр. 319

ولو بيعت تلك الحبائس الباطلة لأغنى الله بها طائفة عظيمة من الفقراء (١). وقال ﵀: والظاهر أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرم، وقد صرح بذلك أصحاب أحمد وجماعة من أصحاب الشافعي ومالك، … ومن رفع القبور: الداخل تحت الحديث دخولاً أوليًّا القبب والمشاهد المعمورة على القبور، وأيضًا هو من اتخاذ القبور مساجد، وقد لعن النبي ﷺ فاعل ذلك .... وكم قد سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام، منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام، وعظم ذلك؛ فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر فجعلوها مقصدًا لطلب قضاء الحوائج وملجأ لنجاح المطالب وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم، وشدوا إليها الرحال وتمسحوا بها واستغاثوا. وبالجملة إنهم لم يدعوا شيئًا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا لله وإنا إليه راجعون (٢). ١٢ قال المفسّر محمود الألوسي ﵀ (ت: ١٢٧٠ هـ): وقد رأينا كثيرًا من الناس على نحو هذه الصفة، التي وصف الله تعالى بها المشركين، يهشون لذكر أموات يستغيثون بهم، ويطلبون منهم، ويطربون من سماع حكايات كاذبة عنهم، توافق هواهم واعتقادهم فيهم، ويعظمون من يحكي لهم ذلك، وينقبضون من ذكر الله تعالى وحده (٣)، ونسبة الاستقلال بالتصرف إليه وسرد ما يدل على مزيد عظمته وجلاله، وينفرون ممن يفعل ذلك كل النفرة، وينسبونه إلى ما يكره. وقد قلت يومًا لرجل يستغيث في شدة ببعض الأموات وينادي يا فلان أغثني فقلت له: قل يا الله فقد قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، فغضب وبلغني أنه قال: فلان منكر على الأولياء!

стр. 320

وسمعت عن بعضهم أنه قال: الولي أسرع إجابة من الله وهذا من الكفر بمكان نسأل الله تعالى أن يعصمنا من الزيغ والطغيان (١). ١٣ قال شيخ الأزهر محمود شلتوت ﵀ (ت: ١٣٨٣ هـ): شرعت الصلاة في الإسلام لتكون رباطًا بين العبد وربه، يقضي فيها بين يديه خاشعًا ضارعًا يناجيه، مستشعرًا عظمته، مستحضرًا جلاله، ملتمسًا عفوه ورضاه؛ فتسمو نفسه، وتزكو روحه، وترتفع همته عن ذل العبودية والخضوع لغير مولاه ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *﴾ [الفاتحة]. وكان من لوازم ذلك الموقف، والمحافظة فيه على قلب المصلى، أن يخلص قلبه في الاتجاه إليه سبحانه، وأن يحال بينه وبين مشاهد من شأنها أن تبعث في نفسه شيئًا من تعظيم غير الله، فيصرف عن تعظيمه إلى تعظيم غيره، أو إلى إشراك غيره معه في التعظيم ولذلك كان من أحكام الإسلام فيما يختص بأماكن العبادة تطهيرها من هذه المشاهد … ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا *﴾ [الجن]. وما زلّ العقل الإنساني وخرج عن فطرة التوحيد الخالص فعبد غير الله، أو أشرك معه غيره في العبادة والتقديس إلا عن طريق هذه المشاهد التي اعتقد أن لأربابها والثاوين فيها صلة خاصة بالله، بها يقتربون إليه، وبها يشفعون عنده؛ فعظمها واتجه إليها واستغاث بها، وأخيرًا طاف وتعلق، وفعل بين يديها كل ما يفعله أمام الله من عبادة وتقديس … والإسلام من قواعده الإصلاحية أن يسد بين أهله ذرائع الفساد. وإذا كان الافتتان بالأنبياء والصالحين، كما نراه ونعلمه شأن كثير من الناس في كل زمان ومكان، فإنه يجب محافظة على عقيدة المسلم إخفاء الأضرحة من المساجد، وألا تتخذ لها أبواب ونوافذ فيها، وبخاصة إذا كانت في جهة القبلة، فيجب أن تفصل عنها فصلاً تامًّا بحيث لا تقع أبصار المصلين عليها، ولا يتمكنون من استقبالها وهم بين يدي الله.

стр. 321

ومن باب أولى يجب منع الصلاة في نفس الضريح، وإزالة المحاريب من الأضرحة (١). ١٤ وأجاب وزير الأوقاف في مصر ومدير جامعة الأزهر الأستاذ أحمد حسن الباقوري ﵀ (ت: ١٤٠٥ هـ) على سؤال وجه إليه من بعض الهيئات الدينية الإسلامية في الهند عن ما يتعلق بتزيين القبور وإقامة الأضرحة عليها فاستهلّ قائلاً: هذا العمل ضرب من الوثنية، وعبادة الأشخاص، وقد منعه الإسلام، ونهى عنه النبي ﷺ وحث على تركه … وإذا كان المسلمون اليوم يتخذون من تزيين القبور مجالاً للتفاخر والتظاهر، ويمضي بعضهم في الشطط حتى يقيم الضريح على القبر، إظهارًا للميت بأنه من أولياء الله، أو بأنه من سلالة فلان أو فلان، استغلالاً لهذه الرابطة على حساب الدين، فإن ذلك حرام في حرام (٢). وكذلك من المؤرخين من كتب في تحريم إحياء آثار القبور حيث قال عبد الرحمن بن حسن الجبرتي ﵀ (ت: ١٢٣٧ هـ): وأما ما حدث من سؤال الأنبياء والأولياء من الشفاعة بعد موتهم وتعظيم قبورهم ببناء القباب عليها وإسراجها والصلاة عندها واتخاذها أعيادا وجعل السدنة والنذور لها فكل ذلك من حوادث الأمور التي أخبر بها النبي ﷺ أمته وحذر منها … وهو ﷺ حمى جناب التوحيد أعظم حماية وسد كل طريق يؤدي إلى الشرك، فنهى أن يجصص القبر وأن يبني عليه … ولهذا قال غير واحد من العلماء يجب هدم القباب المبنية على القبور لأنها أسست على معصية الرسول ﷺ فهذا هو الذى أوجب الاختلاف بيننا وبين الناس حتى آل بهم الأمر إلى أن كفرونا وقاتلونا واستحلوا دماءنا وأموالنا حتى نصرنا الله عليهم وظفرنا بهم وهو الذى ندعو الناس إليه ونقاتلهم عليه بعدما نقيم عليهم الحجة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع السلف الصالح من الأمة ممتثلين لقوله : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] فمن

стр. 322

لم يجب الدعوة بالحجة والبيان قاتلناه بالسيف والسنان (١). وقال المؤرخ رفيق بك العظم ﵀ (ت: ١٣٤٣ هـ) في خاتمة ترجمة أبي عبيدة ﵁ كلمة قيّمة في القبور مُفَادُها (٢): أ أن الصحابة ﵃ والتابعين ﵃ لم يكن في عصرهم تشييد قبور الأموات، وتعظيم الرفات؛ لتحققهم النهي الصريح عن ذلك من صاحب الشريعة الغرّاء. ب لو جاء أثر في صدر الإسلام في تعظيم القبور، والاحتفاظ بأماكن الأموات بتشييد القباب والمساجد عليها، لما غابت عنا إلى الآن قبور الصحابة الكرام ﵃. ج البناء على القبور وتشييدها تعيد سيرة الوثنية بأقبح أنواعها، وأبعد منازعها عن الحق، وأقربها إلى الشرك. د لو اعتبر المسلمون باختفاء قبور الصحابة ﵃ الذين عنهم أخذوا هذا الدين، وبهم نصر الله الإسلام، لما اجترؤوا على إقامة القباب على القبور وتعظيم الأموات تعظيمًا يأباه العقل والدين، وخالفوا في هذا كله الصحابة ﵃ والتابعين الذين أدوا إلينا أمانة نبيّهم فأضعناها، وأسرار الشريعة فعبثنا بها. يتبين من الأقوال السابقة شدّة نكير أهل العلم من الأئمة والعلماء والمؤرخين على من أحيا القبور بالأبنية بجميع أشكالها، وأنهم متفقون على تحريم كل ما بُني على القبور بالعموم، ووجوب هدمها وتسويتها بالأرض؛ لما يؤدي إليه ذلك من الوقوع في الشرك والفتنة والضلال البعيد. وممن يستأنس بأقوالهم ولا يحتج بها، ما حكاه أحد المستشرقين (٣) في وصفه لعبّاد القبور ومخالفتهم لصريح القرآن والسُّنَّة، بقوله: بقي كثير من عناصر الديانات السابقة للإسلام واستأنفت حياتها في

стр. 323

المظاهر العديدة الخاصة بتقديس الأولياء، وفي الحق ليس من شيء أشد خروجًا على السُّنَّة القديمة من هذا التقديس المبتدع المفسد لجوهر الإسلام والماسخ لحقيقته وإن السني الصادق الحريص على اتباع السُّنَّة لا بد أن يعده من قبيل الشرك … وأضرحة الأولياء والأماكن المقدسة الأخرى هي موضع عبادتهم التي يرتبط بها أحيانًا ما يظهره العامة من تقديس وثني غليظ لبعض الآثار والمخلفات؛ بل إن العامة تخص الأضرحة ذاتها بما لا يقل عن العبادة المحضة (١). ويقول مستشرق آخر: بالرغم من التوحيد المصرح به في القرآن فإن الأمم الإسلامية لا زالت تحتفظ بكثير من العادات الوثنية، فإن من أهم الصفحات في الحياة الدينية للعوام في جميع الأمم الإسلامية هو تقديسهم لقبور الصالحين … وقد أصبح لكل قوم أئمة محليون يزورون قبورهم وآثارهم … (٢). فإحياء آثار القبور والمشاهد، هو السبب الرئيس لضعف المسلمين وهوانهم، وللأسف الواقع المرير يشهد بذلك. فلا يكاد المسلم ينزل في بلد من بلاد العالم الإسلامي إلا ويقابله قبر مشرف أو قبة مرفوعة على رفات مقبور، أو مسجد مبني على قبر ولي معظّم والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ومن الجدير بالتنويه الإشارة إلى ما أنعم الله به على المسلمين في المملكة العربية السعودية، بأن طهّر أرضها وأهلها من رفع القبور، والبناء عليها وسد كل وسيلة شركية تقام حولها، بفضل الله أولاً ثم بفضل دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ الذي نشر التوحيد والعقيدة الصحيحة؛ بقوة الحجة، وقوة السلطان: الإمام محمد بن سعود رحمهما الله وأيّد من عقبهما ومن سار على نهجهما وهذه من أجل النعم الباقية، وأعظمها علينا وعلى المسلمين جميعًا، فواجبنا تجاه هذه النعمة رعايتها والمحافظة عليها، وشكرها؛ لتقرّ وتزيد.

стр. 324

الفصل الثاني موقف الفرق والمستشرقين من الآثار وتفنيد شبهاتهم وفيه تمهيد، ومبحثان: المبحث الأول: موقف الفرق والمستشرقين من الآثار. المبحث الثاني: تفنيد شبهات الفرق والمستشرقين حول الآثار.

стр. 325

تمهيد قبل الخوض في مباحث هذا الفصل ومطالبه سأقوم بتعريف ألفاظ عنوان الفصل: «موقف الفرق والمستشرقين من الآثار وتفنيد شبهاتهم» وبيان المعنى المراد منها. حيث إن كل كلمة من كلمات عنوان هذا الفصل لها أكثر من معنًى مختلف ولكن يتحدد المعنى المراد بحسب موضع الكلمة، وما يضاف إليها من كلمات تسبقها أو تليها؛ لذلك سأقتصر على ذكر المعنى المراد الذي يخص هذا الفصل: ١ موقف: الموقف لغة: الواو والقاف والفاء، أصل واحد يدل على تمكّث في شيء، … وموقف الإنسان وغيره: حيث يقف (١). اصطلاحًا: رأي يتخذه المرء تجاه قضية ما (٢). ٢ الفِرق: الفِرق لغة: الفاء والراء والقاف أصَلٌ صحيحٌ يدلُّ على تمييز وتزييل بين شيئين (٣). اصطلاحًا: مفارقة أهل السُّنَّة والجماعة في أصل من أصول الدين

стр. 326

الاعتقادية، ومخالفة إجماعهم، أو الشذوذ عنهم في المنهج، أو الخروج على أئمتهم، أو استحلال السيف (١). ٣ المستشرقون: المستشرق لغة: الشين والراء والقاف أصل واحد يدل على إضاءة وفتح، من ذلك: شرقت الشمس؛ أي: طلعت، وأشرقت إذا أضاءت، والشرق: الجهة التي تشرق منها الشمس، والتشريق: الأخذ من ناحية المشرق (٢). والمراد بالمستشرقين اصطلاحًا: طائفة من الباحثين العجم غير المسلمين يقومون بدراسة كل ما يتعلق بالشرق من لغات وآداب، ومعتقدات، وعلوم وفنون وما شبهها؛ لتحقيق دوافع وأهداف مختلفة في بلاد المسلمين (٣). ويراد بالمستشرق أيضًا: اهتمام الباحث الغربي بالعالم العربي والإسلامي؛ لتحقيق أهداف معينة (٤). ٤ الآثار: سبق التفصيل في تحديد المعنى المراد بالآثار في التمهيد (٥)، وكذلك تم تحديد المراد من كل نوع في بداية كل مطلب في الفصل الأول. ٥ تفنيد: التفنيد لغة: الفاء والنون والدال أصلٌ صحيح يدلُّ على ثِقَل وشدة،

стр. 327

وممَّا يقاس عليه التفنيد، وهو اللوم؛ لأنَّه كلام يثقل على سامعه ويشتدّ (١). ويقال: فنّد رأيه: أي: أضعفه وأبطله، وخطّأه بالحجة والدليل، ولامه عليه (٢). اصطلاحًا: معارضة قضيّة ما بذكر الحجج التي تؤيّد عدم الأخذ بها بطريقة منهجيّة منظمة (٣). ٦ شبهاتهم: الشبهات لغة: الشين والباء والهاء أصلٌ واحدٌ يدلُّ على تشابُه الشّيء وتشاكُلِهِ لونًا وَوَصْفًا، … والمُشَبِّهَات من الأمور: المشكلات. واشتبه الأمرانِ، إذا أَشْكَلَا (٤). اصطلاحًا: ما التبس أمره على بعض الناس، فلا يدرى أحلال هو أم حرام وحق هو أم باطل (٥). * * *

стр. 328

المبحث الأول موقف الفرق والمستشرقين من الآثار وفيه مطلبان: المطلب الأول: موقف الفرق المخالفة لأهل السُّنَّة من الآثار. المطلب الثاني: موقف المستشرقين من الآثار.

стр. 329

المبحث الأول موقف الفرق والمستشرقين من الآثار سأتناول في هذا المبحث موقف الفرق المخالفة لأهل السُّنَّة وكذلك موقف المستشرقين، من الآثار المروية والزمانية والمكانية المرئية. ابتداءً بالآثار الحديثية المروية التي تعرضت لهجمات وانتقاصات منذ زمن بعيد، يتلقفها في كل فترة أفرادٌ من المسلمين، وجماعات من المستشرقين، بإيراد الشبهات والمقالات، وما يخمد أحدهما إلا ويظهر من يكمل المسيرة الشيطانية. والتي بدأت مسيرتها على هيئة فردية في حياة النبي ﷺ بصورة لا اعتبار لها (١)، حيث إنها ظهرت واختفت ولم تُذكر في معرض التاريخ لمنكري السُّنَّة؛ لشذوذها وندرتها، ثم لعودة أصحابها إلى الحق، وانقضاء أثرها. أما عن إنكار السُّنَّة على هيئة مؤثرة، وعلى أيدي طوائف لها ذكرها في التاريخ؛ فقد بدأت كأول ظهور لها: نهاية خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ على أيدي الخوارج والرافضة، ثم انضمت إليهم المعتزلة وغيرهم من المتكلمين (٢). والمتأمل لهجمة المخالفين لأهل السُّنَّة على الآثار الحديثية المروية

стр. 330

النبوية يرى أنها ناتجة عن اعتقادات باطلة، وأفكار منحرفة، سيطرت على عقولهم فأفسدتها، وتولّد عنها عدم قبول للآثار الحديثية المروية النبوية وإنكارها فضلاً عن إحيائها. كإنكار الرافضة والخوارج للآثار الحديثية؛ لطعنهم في الصحابة ﵃، وكذلك المعتزلة ردّوها؛ لتقديم العقل على النقل، وغيرها من الأسباب الواهية، والاعتقادات الباطلة، التي يترتب عليها انحراف في الدين ومخالفة في أصول الشرع. وغيرها من الفرق والطوائف التي نحت نحوهم، وضلّت في هذا الجانب كما سيأتي إن شاء الله بيانه في موضعه. أما موقف المخالفين لأهل السُّنَّة من آثار المواسم الزمانية فقد أتوا بالعجائب وأثبتوا تناقضهم، وانحرافهم، واتباع أهوائهم؛ كاحتفال بعضهم بليلة الإسراء والمعراج مع إنكارهم لصفة العلو للرب ﷻ !! وكذلك احتفالهم بموالد آل البيت وليلة النصف من شعبان، وغيرها من المواسم والاحتفالات التي ما أنزل الله بها من سلطان. وكان للمستشرقين دعم واضح لبعض احتفالات المواسم المحدثة والتشجيع على القيام بها كما سيأتي بيانه في موضعه. وكان لهم أيضًا يدٌ طولى خبيثة في إحياء الآثار الوثنية والجاهلية التي يدّعون أنها حضارات. فقد ساهموا في إخراج الآثار الجاهلية من أراضي المسلمين وإبرازها في الأماكن والمتاحف، وفرضوا إحياءها والاهتمام بها كما سبق بيان ذلك في موضعه. أما عن موقف المخالفين لأهل السُّنَّة تجاه الآثار المرئية فقد بالغوا في إحيائها وتعظيمها وغلوا فيها، وخصوصًا المشاهد والأضرحة فقد لاقت تعظيمًا، وتقديسًا، وإحياءً وعنايةً ما لقيتها اللات والعزى، ولا ظفرت بها مناة الثالثة الأخرى، ولا تمتع بها هبل في الجاهلية!!

стр. 331

فما بال بعض المسلمين يشركون؟ ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ *﴾ [يوسف]. وبسط هذا المبحث في المطلبين التاليين: المطلب الأول: موقف الفرق المخالفة لأهل السُّنَّة من الآثار. المطلب الثاني: موقف المستشرقين من الآثار. * * *

стр. 332

المطلب الأول موقف الفرق المخالفة لأهل السُّنَّة من الآثار خالفت كثيرٌ من الفرق أهل السُّنَّة والجماعة في مسائل متنوعة، ومن تلك المسائل: الآثار الحديثية المروية، وآثار المواسم الزمانية، والآثار المرئية، فكانت لهم آراء مخالفة للاعتقاد الصحيح، ومنحرفة عن المنهج القويم تجاه الآثار بأنواعها. فبسط هذا المطلب في المسائل التالية: المسألة الأولى: موقف الفرق من الآثار الحديثية المروية. المسألة الثانية: موقف الفرق من آثار المواسم الزمانية. المسألة الثالثة: موقف الفرق من الآثار المرئية. المسألة الأولى: موقف الفرق من الآثار الحديثية المروية: الكتاب والسُّنَّة الصحيحة هما مصدرا التشريع في الإسلام، وأهل السُّنَّة والجماعة لا يستقلون بفهم القرآن عن السُّنَّة، ولا عن فهم السلف الصالح للكتاب والسُّنَّة؛ لأنهم مقرون بما قال الله ﷻ وقال الرسول ﷺ بفهم السلف الصالح، وعلى هذا سار أصحاب القرون المفضلة الأولى (١). وقد أخبر النبي ﷺ أنها ستظهر طوائف تنكر الآثار النبوية الحديثية المروية، وهذا من معجزاته ﷺ وذلك في قوله: «لا ألْفِيَنَّ أحدَكُم متَّكئًا على أريكته، يأتيه أمري: ممَّا أمرتُ به، أو نَهيتُ عنه، فيقولُ: لا أدْرِي، ما وجدْنا في كتاب الله اتَّبعْناهُ» (٢).

стр. 333

وحقًّا ظهرت الخوارج والرافضة، ثم انضمت إليهما المعتزلة وطوائف من المتكلمين. فالرافضة رفضوا كثيرًا من السُّنَّة، ولم يقبلوا إلا القدر الضئيل؛ بسبب طعنهم في الصحابة ﵃. وكذلك الخوارج طعنوا في الصحابة ﵃ بعد وقعة صفين، فمن الخوارج مَنْ فَسَّقهم، وهم قلة لا تذكر، والأكثرون من طوائف الخوارج كفَّروا الصحابة نسأل الله السلامة والعافية، وقد دفعهم ذلك إلى ردّ كثير من السُّنَّة، ورغبتهم السيئة الملحة في مخالفة جماعة المسلمين وتكفيرهم (١). وأما المعتزلة فقد هجروا السُّنَّة، وشرعوا لأنفسهم أصولاً عقلية (٢)، لا تعارضها آية إلا أوّلوها، ولا حديث إلا أنكروه؛ لذلك موقفهم من الحديث تارة التشكيك، وتارة الإنكار (٣). وإن كان حزبهم اندثر كفرقة قائمة بذاتها ومسماها، إلا أن أفكارهم ومعتقداتهم ذابت في طوائف متعددة بحيث أخذوا بعض ما عند المعتزلة من اعتقادات وطرحوا ما قد تورط فيه دعاة الاعتزال الضُلاّل من تطرّف وإفراط (٤). ونشأ أفراخ هذه الفرقة الذين انتشروا في وقتنا الحاضر تحت

стр. 334

مسميات مختلفة كالعقلانيين الذين يتشدقون بالرأي ويخالفون الكتاب والسُّنَّة (١). والحاصل هو تطاول تلك الفرق على الشريعة، وتحاكم كل فرقة بموجب أصولها المحدثة، المبنية على اعتقادات منحرفة في كثير من مسائل العقيدة؛ بدعوى حجية العقل وتقديمه على النقل وادّعاء التعارض بينهما (٢)، ولا شك غلطهم في ذلك؛ لأن العقل الصريح لا يعارض النص الصحيح (٣) كما سيأتي تفصيل ذلك في المبحث التالي (٤). وهكذا بدأت مسيرة إنكار سُنَّة رسول الله ﷺ والشغب عليها ورفض اعتبارها مصدرًا تشريعيًّا والاكتفاء بالقرآن، والخروج عن طاعة الله ﷻ ورسول الله ﷺ . واستمرت على أيدي الخوارج والرافضة، ثم تلقفها منهم وسار على ضلالهم طوائف من المتكلمين وأشهرهم المعتزلة، ثم يأخذها ويسلمها ضال إلى ضال. وقد ظلّت مسيرة الضلال تنتقل عبر التاريخ بطوائفها المختلفة وعلى مستوى الأمة المسلمة شرقًا وغربًا، حتى نشأت في بلاد الهند طائفة القرآنيين وذلك في نهاية القرن (١٩ م) وبداية القرن (٢٠ م)، زعمت الاعتماد على القرآن وحده، وطرح السُّنَّة النبوية المطهرة، وأخذت تدعو إلى نحلتها بهمّة ونشاط تحت رعاية الاستعمار الإنجليزي، ثم انتقلت من الهند إلى باكستان تحت مسمى البرويزيين (٥)، ثم في مصر تحت مسمى الفرماوية. فالمخالفون افترقوا في ضلالهم إلى مذاهب وطوائف، فطائفة تنكر السُّنَّة

стр. 335

النبوية بأكملها صراحةً كالقرآنيين، وأخرى تنكرها كلها تلويحًا، وتنكر بعضها تصريحًا كالخوارج والرافضة، والمعتزلة، وثالثة أخرى فرّقت بين الأحاديث المتواترة وبين الآحاد في حجية خبرهما، وفي إفادتهما علمًا يقينيًّا قطعيًّا أو ظنيًّا كالأشاعرة وغيرهم من أصحاب الكلام (١). وغالب المنكرين للآثار النبوية الحديثية يزعمون أنهم يأخذون أحكامهم وقضايا دينهم من القرآن، وما علموا أنهم نابذوا القرآن بنبذهم للسُّنَّة واتخذوها ظهريًّا، يهدمون الدين بحجة الحرص عليه، ويكفرون بالقرآن وهم يزعمون الاستمساك به، والاعتماد عليه. وقد قال المُحدّث جلال الدين السيوطي ﵀: اعلموا رحمكم الله أَنْ من أنكر كَون حَدِيث النَّبِي ﷺ قولاً كَانَ أَوْ فعلاً بِشَرْطِهِ الْمَعْرُوف فِي الأصُول حجَّة، كفر وَخرج عَنْ دَائِرَة الإِسْلَام وَحشر مَعَ الْيَهُود وَالنَّصَارَى، أَوْ مَعَ من شَاءَ الله من فرق الْكَفَرَة (٢). ويمكن إيجاز موقف بعض الفرق التي خالفت أهل السُّنَّة في إحياء الآثار النبوية الحديثية المروية، بما يلي: موقف الرافضة من الآثار النبوية الحديثية المروية: ١ موقفهم من الآثار الحديثية المروية مرتبط بموقفهم من الصحابة ﵃، فقد ردّوا السُّنَّة، وطعنوا في رواتها؛ بدعوى وقوع التحريف من الصحابة ﵃، وتكفيرهم ﵃ إلا بضعة من الصحابة (٣)، وانتقاصهم، وادّعاء ردتهم، وعدم عدالتهم (٤).

стр. 336

٢ مدار الصحة والتوثيق عندهم في الآثار المروية النقلية مبني على الحب والبغض، فمن كان أكثر بغضًا لصحابة رسول الله ﷺ تكون مروياته عندهم أوثق من غيره، فهم أكذب الناس في النقليات، وأجهلهم في العقليات؛ لذلك هم أجهل الطوائف وأكذبها، كما قال ذلك عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١). ٣ وضعهم في الحديث وكذبهم، ولم يكتفوا بإنكار الحديث ورفض السُّنَّة، وإنما لجأوا إلى وَضع أحاديث، كذبًا وزورًا وبهتانًا، فألَّفوا كلامًا على هيئة أحاديث في تعظيم أئمتهم، وتأكيد نحلتهم، وتأصيل معتقدهم وأصولهم المخترعة (٢)، وأيضًا في ذم مخالفيهم وعقائدهم، فشرّعوا لأنفسهم دينًا بأسانيد نسبوها إلى أهل البيت، وقد كان لهذه الأحاديث المزعومة الموضوعة على رسول الله ﷺ دور في حجية التشريع وأصول الدين لديهم (٣)، ومنهم بدأ الكذب والوضع في السُّنَّة النبوية (٤). موقف الخوارج من الآثار النبوية الحديثية المروية: موقف الخوارج من الآثار الحديثية المروية مرتبط بموقفهم من الصحابة ﵃، فقد أبطلوا السند وطعنوا في المتن، وأعرضوا عن السُّنَّة وقالوا بظاهر القرآن؛ لتكفيرهم الصحابة ﵃ بعد وقعة صفين، لما رفعوا المصاحف لعلي ﵁ على أسنّة الرماح، وحكموا القرآن (٥).

стр. 337

فهاتان الفرقتان الرافضة والخوارج اتفقتا على ردّ النصوص والطعن فيها، وتقديم الهوى والنزعة العقلية على الثابت من الوحي، وكان ذلك بعد مقتل الخليفة عثمان ﵁ (١)، حيث إن الخوارج كانوا يُعدّلون جميع الصحابة ﵃ قبل الفتنة، وكفروهم بعدها (٢). موقف المعتزلة من الآثار النبوية الحديثية المروية: ١ ينفون العدالة عن بعض الصحابة ﵃ حملة لواء السُّنَّة النبوية، ويسيئون الأدب معهم، ولا يتورعون عن إلصاق التُهم بهم وانتقادهم ﵃ (٣). ٢ يُحكّمون العقل على الحديث، فيقبلون ما وافق عقولهم وإن كان ضعيفًا، ويردون ما خالف عقولهم القاصرة وإن كان صحيحًا (٤)، فهم يستدلون بالنصوص للاعتضاد لا للاعتماد: فيعتقدونَ الاعتقاد ثم يشرعون في الاستدلالِ عليه وهذا المنهج في الاستدلال غاية الفسادِ كما لا يخفى (٥). ولا شك أنهم خالفوا الأصول المتفق عليها بين الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان في تقديم الشرع على العقل والهوى (٦)، مع أن العقل السليم لا يعارض النقل الصحيح.

стр. 338

٣ يجوِّزون وقوع الكذب في الحديث المتواتر، إلا إذا كان أحد رواته من أهل الجنة، ولا شك أنهم خالفوا إجماع الأمة في إفادة المتواتر القطع (١). ٤ إنكارهم حجية خبر الآحاد؛ مشترطين التعدد، وهو أن يرويها أربعة عن أربعة! ولا شك أنهم خالفوا جمهور العلماء في رد خبر الواحد (٢). ٥ ردّهم وتشكيكهم في صحة كثير من الأحاديث التي تعارض أصولهم (٣). ٦ كذبهم في الحديث؛ لما عُرف عنهم من ارتكاب المحرمات، وعدم التورع عن المنكرات، فجعلوا الكذب في الحديث هي الوسيلة التي يبررون بها أفعالهم القبيحة (٤). موقف الصوفية من الآثار النبوية الحديثية المروية: ١ ردّ الأحاديث الصحيحة؛ بحجة أنها ظنية، لا تفيد اليقين (٥). وعند الاستدلال ببعض الأحاديث يلجؤون إلى التأويل الفاسد؛ الناتج عن سوء فهمهم، وجهلهم بالنصوص، حيث إن هذا التأويل يُخرجها عن مرادها الشرعي؛ لإثبات أقوالهم وأفعالهم (٦).

стр. 339

٢ وضعهم للأحاديث التي تؤيد مذهبهم (١)؛ وحجة الوضّاعين للأحاديث: حدثني قلبي عن ربي (٢). ٣ احتجاجهم بالأحاديث الضعيفة، والروايات المكذوبة الموضوعة (٣). ٤ الزهد عن تعلّم الحديث والسُّنَّة النبوية، والصدّ عن ذلك، وتنفيرهم من طلب الحديث، والمنع من قراءته؛ لاعتمادهم على مجرد الرأي والذوق دون استناد إلى دليل شرعي (٤). موقف متكلمي الأشاعرة من الآثار النبوية الحديثية المروية: ١ قدموا المعقول على المنقول من السُّنَّة؛ لاعتقادهم أن متواتر النص ظني الدلالة فلا يحتجون إلا بما وافق العقل (٥). ٢ عدم استدلالهم بأحاديث الآحاد في المسائل العقدية (٦). موقف القرآنيين (٧) من الآثار النبوية الحديثية المروية: ١ إنكار الاحتجاج بالآثار النبوية الحديثية المروية كليًا، والاكتفاء بالقرآن الكريم ونبذ السُّنَّة؛ بحجة تعارضها مع القرآن الذي يزعمون

стр. 340

بأنه المصدر الوحيد للتشريع الإسلامي (١). ٢ اعتقاد أن السُّنَّة ليست وحيًا، والتشكيك في مصدريتها، بحجة أن النبي ﷺ أهمل تدوينها، ونهى عن كتابتها، وأن ما نُسب إليه من أقوال زورٌ وتزييفٌ، وأنه لم ينزل عليه شيء من الوحي سوى ما حواه القرآن (٢). ٣ ادّعاء أن السُّنَّة تأخر تدوينها وأنها قابلة للتحريف والتغيير، وأن الله ﷻ لم يتكفل بحفظها كالقرآن (٣). المسألة الثانية: موقف الفرق المخالفة لأهل السنة من آثار المواسم الزمانية: ومن عرض المسألة السابقة يتضح تعطيل بعض الفرق المخالفة لأهل السُّنَّة للآثار النبوية الحديثية المروية، والتشكيك بها، ووضع الأحاديث المكذوبة، والاحتجاج بما يوافق عقولهم القاصرة، وأهواءهم الضالة. وعلى هذا يتبين ارتباط موقف جميع الفرق المخالفة من آثار المواسم الزمانية، بموقفهم من الآثار النبوية الحديثية المروية.

стр. 341

وكذلك الفرق المخالفة لأهل السُّنَّة تتشابه طوائفها بشكل عام في الأصول، ولا يعني تشابه أهل البدع في المحدثات انضمام فرقة إلى أخرى، ولكن حصل التشابه بينهم لاعتمادهم على أهوائهم وعقولهم القاصرة وعلى ما يوافق أصولهم المبتدعة؛ لأن أهل البدع ليس لهم منهج ثابت، وإنما منهجهم مبني على أهوائهم (١). فمخالفتهم لم تقتصر على إحياء آثار المواسم الزمانية المحدثة والمبتدعة؛ بل حتى المواسم المشروعة خالفوا في إحيائها أهل السُّنَّة، مثال ذلك: ما يفعله الرافضة يوم عاشوراء من إقامة المآتم؛ لإظهار الأحزان والأتراح، والنواصب يحيونه بالسرور والأفراح، واتخاذه موسمًا كمواسم الأعياد (٢). وأما عن ظهور المواسم الزمانية المُحدثة، فقد ظهرت أغلبها في القرن الرابع، في زمن الدولة العبيدية (٣) الرافضية الذين هم من أكفر الفرق وأفسقهم، كما أشرت إلى ذلك سابقًا (٤). ومما يؤكد ذلك ما قاله مؤرخ الديار المصرية أبو العباس المقريزي ﵀: وكان للخلفاء العبيديين في طول السنة أعياد ومواسم، وهي: موسم رأس السنة، وموسم أوّل العام، ويوم عاشوراء، ومولد النبيّ ﷺ ، ومولد عليّ بن أبي طالب، ومولد الحسن، ومولد الحسين، ومولد فاطمة ﵃، ومولد الخليفة الحاضر، وليلة أوّل رجب، وليلة نصفه، وليلة أوّل شعبان،

стр. 342

وليلة نصفه، وموسم ليلة رمضان، وغرّة رمضان، وسماط رمضان، وليلة الختم، وموسم عيد الفطر، وموسم عيد النحر، وعيد الغدير، وكسوة الشتاء، وكسوة الصيف، وموسم فتح الخليج، ويوم النيروز، ويوم الغطاس، ويوم الميلاد، وخميس العدس، وأيام الركوبات (١). ثم فشت تلك المحدثات الزمانية بين الفرق والطوائف وأصبح الاحتفال بها طابعًا غالبًا على أكثر الفرق المخالفة لأهل السُّنَّة إن لم تكن كلها، وكذلك أصبح المقلدون الجاهلون من أهل السُّنَّة يحذون حذوهم. فكان أغلب ظهور بدع المواسم الزمانية في زمن الدولة العبيدية، فهم الذين أحدثوها وأحيوها، وبقي أثرها في بلاد المسلمين إلى اليوم، فعليهم وزر ما ابتدعوه ووزر كل من عمِل به إلى يوم القيامة (٢). فأحدثوا بدعًا ما أنزل الله بها من سلطان، من الأعياد الزمانية التي تزداد يومًا بعد يوم بين المسلمين والتي هي من الأغلال والآصار التي ابتليت بها الأمة الإسلامية (٣). المسألة الثالثة: موقف الفرق المخالفة لأهل السنة من الآثار المرئية (٤): أول الفرق افتتانًا بالآثار المرئية القبورية (٥) وعلى رأسهم الرافضة وما تفرع عنها من الفرق الباطنية، ثم تبعتها الصوفية بطرقها وزواياها، ثم بعد

стр. 343

ذلك تبعتهم الفرق الضالة المخالفة لأهل السُّنَّة (١) والمقلدون الجهلة من أهل السُّنَّة. وقد كان موقف الفرق المخالفة لأهل السنة متشابه تجاه الآثار المرئية بل قد يكون متماثلاً؛ لذا يمكن إجمال القول في موقفهم تجاه الآثار من حيث نوعها بما يلي: ١ الآثار المنفصلة عن جسد النبي ﷺ وما أُلحق بها: أ الكذب في نسبة كثير من الآثار إلى النبي ﷺ وادّعاء أنها بحوزتهم؛ كالشعر، والنعال والجبة والعمامة (٢)، وغيرها من الآثار المنسوبة للنبي ﷺ إفكًا وافتراءً، بأسانيد واهية، ورؤى منامية خاوية. ب الغلو بالآثار المنفصلة عن جسد النبي ﷺ مع أنها لم تثبت بسند صحيح، وإظهار الذل والخضوع لها، وتقديسها والتبرك بها والتمسح بها وتقبيلها (٣)؛ اعتقادًا منهم بأنها تجلب النفع وتدفع الضر، وفيها النجاة من المهالك، والشفاء من الأوجاع والأمراض، والحرز من الشيطان، والنفع للمضطر، والأمان من البغاة، والبركة وغيرها (٤). ج الاعتماد على المكاشفات والرؤى والمنامات في معرفة آثار النبي ﷺ ، وتصويرها، ومن ثم التبرك بالصورة! (٥).

стр. 344

٢ من مواقف الفرق المخالفة لأهل السنة تجاه آثار مقامات النبي ﷺ : أ تتبع آثار مقامات النبي ﷺ والعناية بها، واعتقاد فضلها، وتعظيمها، والمواظبة على زيارتها، والتعبّد عندها ولها. ب الحرص على تحديد مواضع مقامات النبي ﷺ ، والسعي لإحيائها، والدعوة إلى ذلك من خلال بناء المساجد والقباب عليها (١)؛ كموضع ولادة النبي ﷺ أو الأماكن التي صلى بها، وسار عليها كطريق الهجرتين، والمطالبة بإحيائها وجعلها مزارًا سياحيًّا. ج ربط الخرق وعقد الخيوط ونحوها، وتعليقهما على الأشجار والأحجار وغيرها، من الآثار التي مر بها النبي ﷺ اعتقاد بركتها، وأنها تجلب النفع، وتدفع الضر، وتحقق الحاجات كما هو مُشاهد في جبل حراء وغيره. د كتابة الأدعية الشركية وطلب المدد على صخور الجبال، والأحجار، والأشجار وغيرها من الآثار التي مر بها النبي ﷺ . ٣ من مواقف الفرق المخالفة لأهل السنة في شأن المساجد وأماكن التعبد: أ الغلو في تعظيم أماكن التعبد، والتمسح والتبرك ببعض المساجد وما يلحق بها، من أماكن التعبّد كالكعبة والحجر الأسود، والمقام. ب تعظيم قبة بيت المقدس، والطواف حولها (٢). ٤ من مواقف الفرق المخالفة لأهل السنة تجاه آثار القبور والمشاهد: أ تعظيم وتقديس آثار القبور والمشاهد والمزارات، وتنشيطها، ودعمها

стр. 345

ماديًّا ومعنويًّا (١). ب اتخاذ قبور الأولياء والصالحين مساجد ومزارات، وتقديسها فضلاً عن إحيائها (٢). ج تشييد القباب وبناء الأضرحة والهياكل على قبور أئمتهم وأوليائهم، وإيقاد السرج والمصابيح (٣). د إحياء آثار الأضرحة المدروسة، وحرص أئمة الفرق على دعوة الناس إلى الزيارات الشركية والبدعية للأضرحة والقبور وتشجيعهم؛ بحجة القيام بحق الأولياء، وتعظيمهم (٤). هـ صرف أنواع من العبادات عند المشاهد؛ اعتقادًا منهم أنها ليست شركًا بالله تعالى، ومن تلك الصور (٥): ١ شد الرحال للحج إليها، والقيام بالمناسك (٦). ٢ الطواف حول القبور والبكاء والابتهالات وسؤال الحاجات، والتمسح بسياجها، وأستارها (٧). ٣ تقديم القربان والنذور لأصحاب القبور؛ اعتقادًا منهم أنه يصل للأموات كما يصل إلى الأحياء (٨).

стр. 346

٤ الاستغاثة بالأموات ودعاؤهم؛ لتفريج الكربات، وغفران الزلات، والنصر على الأعداء، ودفع المصائب (١). وتجاوز الحال بهم إلى أن اتخذوها أوثانًا تعبد من دون الله ﷻ . ومن المعلوم أن كل ما يُعبد من دون الله يسمى وثنًا، ويُعدّ من الشرك الأكبر (٢). كما حكى الإمام ابن القيم ﵀ حالهم قائلاً: ومن أعظم مكايده [الشيطان] التي كاد بها أكثر الناس، وما نجا منها إلا من لم يُرد الله فتنته: ما أوحاه قديمًا وحديثًا إلى حزبه وأوليائه من الفتنة بالقبور، حتى آل الأمر فيها إلى أن عبد أربابُها من دون الله، وعُبِدتْ قبورهم، واتُّخِذت أوثانًا، وبُنيت عليها الهياكل، وصُوّرت صورُ أربابها فيها، ثم جعلت تلك الصور أجسادًا لها ظلٌّ، ثم جُعلت أصنامًا، وعُبدت مع الله (٣). فأشهر الفرق التي غلت في جانب آثار القبور وعظمتها وأظهرت التقديس والتأليه عندها بالبناء، عليها، والصلاة عندها والطواف والذبح وغيرها، هم الرافضة بطوائفها والصوفية بطرقها، والقبورية تشملهم كلهم. حيث إن حديثهم عن الموتى أكثر من حديثهم عن الأحياء، وتعاملهم مع أصحاب القبور أكثر من تعاملهم مع الأحياء في ميادين الحياة، ووجوه العمل؛ لعكوفهم على القبور، واتخاذهم الأضرحة والقباب مأوى لهم يحركون شفاههم، ويرقصون مسابحهم، ويمدون أيديهم للتبرك بالمقبور، وغيرها من الأعمال (٤).

стр. 347

فإحياء آثار القبور والمشاهد عند القبورية من الرافضة والصوفية ومن نحا نحوهم من الفرق والطوائف أثمر الشرك والوثنية، فقد بدأت بالتساهل وترويج ذرائع الشرك ووسائله على أنها مخالفات يسيرة، ثم زادت وتضاعفت إلى أن أصبحت عواقبها وخيمة؛ لا تُحمد عقباها. * * *

стр. 348

المطلب الثاني موقف المستشرقين من الآثار من أساليب المستشرقين في الغزو الفكري، إدخال الشبه في دين المسلمين، وسعيهم في كل أمر يهدمه، وإشغال المسلمين عن دينهم، ومحاولة إغرائهم بشتى الوسائل؛ لتحقيق أهدافهم الخبيثة. قال الله : ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]. وقال ﷻ : ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢]. حيث إن إثارة الشبهات في الآثار المروية والتشكيك في الثوابت الدينية، والحث على إحياء الآثار الزمانية المحدثة ودعمهم لها، وكذلك السعي الحثيث بالتنقيب عن الآثار المرئية والتفتيش عنها تحت أراضي المسلمين؛ لاستخراجها وصناعة تاريخ مخترع للأراضي الإسلامية، كل ذلك من الوسائل والطرق التي تسلل بها المستشرقون إلى بلاد المسلمين. وبسط هذا المطلب في المسائل التالية: المسألة الأولى: موقف المستشرقين من الآثار الحديثية المروية. المسألة الثانية: موقف المستشرقين من آثار المواسم الزمانية. المسألة الثالثة: موقف المستشرقين من الآثار المرئية.

стр. 349

المسألة الأولى: موقف المستشرقين من الآثار الحديثية المروية: ابتلي المسلمون بالمستشرقين في نهاية القرن (١٦ م) تزامنًا مع بداية اتصال الغرب النصراني بالشرق الإسلامي (١). وعلى اختلاف أصول المستشرقين وجنسياتهم وتباينهم، إلا أن موقفهم من الآثار الحديثية النبوية المروية يصبّ في مصب واحد وهو إنكارها كليًّا (٢) وذلك من خلال (٣): ١ الطعن في مصدريتها. ٢ التشكيك في ثبوتها. ٣ اتهام رواتها، والطعن في أساليب تحملهم لرواية الأحاديث. ويرجع سبب إنكار المستشرقين للآثار النبوية المروية إلى إنكارهم للنبوة والرسالة (٤)، وعدائهم للدين الإسلامي، ورغبتهم في إبعاد المسلمين عن دينهم بزعزعة ثوابته، والتشكيك في مسلماته من خلال إسقاط الآثار النبوية المروية التي بذهابها يذهب الدين بالكلية، ويصبح المسلم جاهلاً، لا يستطيع تطبيق أوامر الشرع ولا اجتناب نواهيه، إن لم يعادِها؛ لأن الإنسان عدو ما يجهل (٥). وهذه الأهداف والدوافع الخبيثة معلنة وواضحة لدى كثير من المستشرقين المجاهرين بعدائهم للإسلام والمسلمين، وعلى رأسهم: جولدتسهير (٦) الذي

стр. 350

نشر نتائج بحثه عن الدين الإسلامي في كتابه المعنون: دراسات إسلامية عام (١٨٩٠ م)، حيث إنه دس فيه سموم وشبهات في الدين الإسلامي بشكل عام وفي السُّنَّة والتشكيك بها بشكل خاص، حيث أصبح كتابه في دائرة الاستشراق إنجيلاً مقدسًا لدى الغربيين من ذلك الوقت حتى الآن (١). وبعد مضي ستين عامًا على نشر ذلك الكتاب جاء دور المستشرق جوزيف شاخت (٢)، حيث قضى عشرة أعوام في البحث والتنقيب في معادن الأحاديث الفقهية، فنشر نتائج بحوثه في كتابه أصول الشريعة المحمدية وقد فاق جوزيف سلفه جولدتسهير فغيّر النظرة التشكيكية إلى الإنكار الكلي ونفي الصحة، وأصبح كتابه للمستشرقين إنجيلاً ثانيًا يعتمدون عليه في استقاء المعلومات عن الإسلام والمسلمين (٣). ومن ذلك الوقت وبعد هذين الكتابين لم يُنشر عن الحديث النبوي بأقلام المستشرقين في غضون ثلاثة أرباع قرن، إلا عدة مقالات أو كتب عالجت موضوع الحديث من بعيد، وتكرار لكلام الهالكين السابقين لهم (٤). منها: كتاب أحاديث الإسلام للمستشرق ألفريد جيّوم (٥)، اعتمد اعتمادًا كليًّا على كتاب جولدتسهير، وهو مجرد ناعق وناقل لمن سبقه.

стр. 351

وأول الدول التي استُغلّت ووقع عليها الاختيار من قِبل المستشرقين هي الهند؛ لبُعد أكثر المسلمين عن الدين، وعدم المعرفة بالأحكام والحجج والبراهين، والجهل بقواعد اللغة العربية، فقاموا بدعم بعض الأفراد لإبراز آرائهم وإلباسها ثوب العلم والموضوعية، حتى انطلت حيلهم وأكاذيبهم على كثير من البسطاء والجهلة، ونجحوا في تحقيق خططهم، وعلى إثرهم ظهر القرآنيون (١). فهؤلاء المستشرقون المنكرون للآثار الحديثية النبوية المروية المشككون بها، هدفهم الأول هو هدم الإسلام برمته؛ إذ يعتقدون أنهم بهدمهم سيجردون المسلمين من أقوى الأسلحة التي بها بقاء الدين الإسلامي وظهوره على باقي الملل والنحل؛ إذ إن السُّنَّة النبوية هي المبينة لكتاب الله، الشارحة لمجمله، المفصلة لأحكامه، وكذلك فإنها مقيدة لمطلقه مخصصة لعمومه، كل هذا وغيره من ارتباط لازم لا ينفك بين السُّنَّة والقرآن (٢). وبالرغم من عدائهم وغياب روح الإنصاف وقصد الحقيقة، وسطوة الحقد والنوايا السيئة التي ينطلقون منها لدراسة العلوم الإسلامية وتشويهها، إلا أن الحق عليه نور، فإذا دخل القلب وشاء الله لصاحبه الهداية، لا يصده بعد ذلك ما كان في قلبه من قبل، ويتلاشى تلقائيًّا عنه كل العداء. ودليل ذلك ما حصل للمستشرق النمساوي ليوبولد فايس (٣) الذي قام بالتعليق على صحيح البخاري وفهرسته عام (١٩٣٥ م) ثم أعلن إسلامه، وغيّر اسمه إلى محمد أسد، وألّف كتاب الإسلام على مفترق الطرق وذكر فيه

стр. 352

قصة دخوله في الإسلام، وأشار فيه إلى أهمية السُّنَّة، مؤكدًا فيه ضرورة الاستقاء من معينها الصافي، والعودة إليها. يقول ﵀: لقد كانت السُّنَّة مفتاحًا لفهم النهضة الإسلامية منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنًا، فلماذا لا تكون مفتاحًا لفهم انحلالنا الحاضر؟ إن العمل بسُنَّة رسول الله ﷺ هو عمل على حفظ كيان الإسلام وعلى تقدمه، وإن ترك السُّنَّة هو انحلال الإسلام … لقد كانت السُّنَّة الهيكل الحديدي الذي قام عليه صرح الإسلام، وإنك إذا أزلت هيكل بناء ما، أفيدهشك أن يتقوض ذلك البناء كأنه بيت من ورق (١). اه. فالحاصل أن المتأمل لحال غالب خبراء الآثار من المستشرقين، والمتأثرين بهم من المسلمين يرى عجبًا، في تشكيكهم وردهم حجية الآثار المروية الصحيحة بدعوى ساقطة. بينما يرون دلالات الآثار المرئية قطعية؛ بل ويدّعي بعضهم أن التاريخ المبني على الآثار يرتقي إلى مصاف العلوم العلمية، مع أن دلالات الآثار المرئية غير قطعية واحتمالات الصدق فيها ضعيف، ورواتها مجهولون وجزء كبير من تحليلاتها قائم على خيالات وأوهام، أو مبنيٌ على قناعات مسبقة وتأثيرات بيئية أو دينية أو تمليه دوافع إفساد وتخريب مما يبرهن على أن لها دوافع استعمارية (٢). فعجبًا لمن أنكر الأثر المروي اليقيني، وشكك فيه، وأثبت الأثر المرئي الظني، ودعا إلى تعظيمه! ومن المهم التنبيه إلى أن بداية إطلاق مسمى التراث على الكتاب والسُّنَّة، ومحاولة إقراره وفرض إثباته على المسلمين كان من قِبل المستشرقين؛ وذلك لسريان المنهج النقدي على كل التراث الإنساني، وبالتالي يسري على

стр. 353

السُّنَّة، بحيث يتناولون الآثار النبوية المروية كوثيقة تاريخية أو نصوصٍ فكرية، أو نظريات وضعية، تقبل الرد والنقد ولا يسلّم لها مطلقًا؛ لعدم ثبوتها علميًّا؛ لزعزعة كثير من الثوابت الإسلامية، تحت هذا المسمى الذي تنبني عليه أمور غير مسلّم بها. وغني عن البيان ما تحمله هذه المحاولات من مخاطر على أصول الدين، وتشكيك في ثوابته، وطعن في أساس العقيدة الإسلامية (١). المسألة الثانية: موقف المستشرقين من آثار المواسم الزمانية: اهتم المستشرقون بإحياء آثار المواسم الزمانية المُحدثة، وحرصوا على حضور الاحتفالات الخاصة بها وشجعوا القائمين عليها، واعتنوا بها، ودعموها ماديًّا ومعنويًّا؛ لضمان انتظامها واستمراريتها. ومما يؤكد ذلك ما حدث إبان الحملة الصليبية الفرنسية على مصر عام (١٢١٣ هـ). حين سأل بونابرت نابليون عن سبب توقف إحياء الاحتفال بذكرى المولد النبوي في أحد المواسم، فاعتذروا له؛ بسبب تعطيل الأمور، وتوقف الأحوال. فلم يقبل عذرهم، وأوجب عليهم إحياءه، ودعمهم بالأموال معونة؛ لإقامة الاحتفال بالمولد، وأمر بتعليق الزينة، وإيقاد القناديل، وإرسال الطبول الكبيرة إلى موضع الاحتفال، واجتمع الفرنسيون في الميادين، وضربوا طبولهم، وعزفوا على مختلف الآلات والمزامير، ذات الأصوات المطربة، واستمروا يضربونها من أول النهار حتى آخر الليل، وأطلقوا ألعابًا نارية تصعد في الهواء، كما حكى ذلك بالتفصيل أحد المؤرخين (٢).

стр. 354

وكذلك في المولد الحسيني (١) حصل منهم موقف مشابه للموقف الآنف ذكره. فمبادرة المستشرقين لإحياء المواسم التي يقوم بها المبتدعة، ليست حفاظًا على الإسلام، وحبًّا للمسلمين؛ بل لعلمهم أنها تخالف أصول الدين الإسلامي، وأن في إحيائها هدمًا للسنن والدين، وما تظهر بدعة إلا اندثرت في المقابل سُنَّة. كما جاء عن السلف: ما أحدثت أمة في دينها بدعة إلا رفع بها عنهم سُنَّة (٢)، وكذلك: ما أحدث قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سُنَّتهم مثلها، ثم لم يعدها إليهم إلى يوم القيامة (٣)، ومن المعلوم أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع؛ أعرضت عن السنن (٤). المسألة الثالثة: موقف المستشرقين من الآثار المرئية: سبقت الإشارة إلى بيان موقف المستشرقين من الآثار المرئية وسعيهم في إحياء الآثار: الفرعونية والفينيقية والبابلية في الفصل الأول (٥). ولم يقتصروا على ذلك فحسب؛ بل بذلوا جهدهم في التنقيب عن كثير من الآثار الوثنية والجاهلية في أراضي المسلمين وما زالوا ينبشون الأراضي. ومن المعلوم أن علم الآثار والتنقيب عن المخلّفات القديمة وليد القرن الماضي، فهو يعتبر من العلوم التي نشأت وظهرت حديثًا؛ لأجل ذلك ابتكر خبراء الآثار الأوروبيين مصطلح علم الآثار (٦)، وصنفوا الكتب؛ للتعريف به، ووضعوا ضوابط وأسس وقواعد تخصه، وأقساماً عامة، وتقاسيم مفصلة للآثار

стр. 355

الموجودة على سطح الأرض، والتي هي مقياس الحضارة لديهم، واعتمدوا على ثمانية أنواع من الآثار فقط، كما هو مقرر في كتبهم، وهي (١): ١ آثار ما قبل التاريخ. ٢ آثار أوروبا الغربية. ٣ الآثار المصرية الفرعونية. ٤ الآثار الآشورية ما بين النهرين. ٥ الآثار الرومانية واليونانية. ٦ آثار العهد المسيحي القديم، والعصور الوسطى. ٧ آثار عصر النهضة. ٨ الآثار الشرقية الهند الصين فارس. فيتضح من خلال تقسيم الآثار السابق والمعتمد لدى المستشرقين أن تركيزهم في التنقيب مسلّط على الآثار الجاهلية والوثنية، وإهمالهم للآثار الإسلامية التي في الأندلس وفي الدول العربية وفي كل منطقة؛ لعدم توافقها مع أهدافهم! (٢). وكذلك حاولوا طمس الحقائق المتعلقة بآثار الأنبياء والأمم الهالكة، كسفينة نوح ﵇ ومصارع قوم صالح ﵇ وغيرهم من الأمم الهالكة؛ لزعزعة الحقيقة التي أخبر بها القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية الصحيحة، ولطمس أي معلم أثري من المعالم الأثرية الذي يدل على دعوة الأنبياء أو الإيمان بالله وتوحيده (٣).
следующие страницы →