← Акыда

Акыда · id 1274

إحياء الآثار دراسة عقدية

منيرة المقوشي

Полный текст (616 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وأول الدول التي استُغلّت ووقع عليها الاختيار من قِبل المستشرقين هي الهند؛ لبُعد أكثر المسلمين عن الدين، وعدم المعرفة بالأحكام والحجج والبراهين، والجهل بقواعد اللغة العربية، فقاموا بدعم بعض الأفراد لإبراز آرائهم وإلباسها ثوب العلم والموضوعية، حتى انطلت حيلهم وأكاذيبهم على كثير من البسطاء والجهلة، ونجحوا في تحقيق خططهم، وعلى إثرهم ظهر القرآنيون (١). فهؤلاء المستشرقون المنكرون للآثار الحديثية النبوية المروية المشككون بها، هدفهم الأول هو هدم الإسلام برمته؛ إذ يعتقدون أنهم بهدمهم سيجردون المسلمين من أقوى الأسلحة التي بها بقاء الدين الإسلامي وظهوره على باقي الملل والنحل؛ إذ إن السُّنَّة النبوية هي المبينة لكتاب الله، الشارحة لمجمله، المفصلة لأحكامه، وكذلك فإنها مقيدة لمطلقه مخصصة لعمومه، كل هذا وغيره من ارتباط لازم لا ينفك بين السُّنَّة والقرآن (٢). وبالرغم من عدائهم وغياب روح الإنصاف وقصد الحقيقة، وسطوة الحقد والنوايا السيئة التي ينطلقون منها لدراسة العلوم الإسلامية وتشويهها، إلا أن الحق عليه نور، فإذا دخل القلب وشاء الله لصاحبه الهداية، لا يصده بعد ذلك ما كان في قلبه من قبل، ويتلاشى تلقائيًّا عنه كل العداء. ودليل ذلك ما حصل للمستشرق النمساوي ليوبولد فايس (٣) الذي قام بالتعليق على صحيح البخاري وفهرسته عام (١٩٣٥ م) ثم أعلن إسلامه، وغيّر اسمه إلى محمد أسد، وألّف كتاب الإسلام على مفترق الطرق وذكر فيه

стр. 352

قصة دخوله في الإسلام، وأشار فيه إلى أهمية السُّنَّة، مؤكدًا فيه ضرورة الاستقاء من معينها الصافي، والعودة إليها. يقول ﵀: لقد كانت السُّنَّة مفتاحًا لفهم النهضة الإسلامية منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنًا، فلماذا لا تكون مفتاحًا لفهم انحلالنا الحاضر؟ إن العمل بسُنَّة رسول الله ﷺ هو عمل على حفظ كيان الإسلام وعلى تقدمه، وإن ترك السُّنَّة هو انحلال الإسلام … لقد كانت السُّنَّة الهيكل الحديدي الذي قام عليه صرح الإسلام، وإنك إذا أزلت هيكل بناء ما، أفيدهشك أن يتقوض ذلك البناء كأنه بيت من ورق (١). اه. فالحاصل أن المتأمل لحال غالب خبراء الآثار من المستشرقين، والمتأثرين بهم من المسلمين يرى عجبًا، في تشكيكهم وردهم حجية الآثار المروية الصحيحة بدعوى ساقطة. بينما يرون دلالات الآثار المرئية قطعية؛ بل ويدّعي بعضهم أن التاريخ المبني على الآثار يرتقي إلى مصاف العلوم العلمية، مع أن دلالات الآثار المرئية غير قطعية واحتمالات الصدق فيها ضعيف، ورواتها مجهولون وجزء كبير من تحليلاتها قائم على خيالات وأوهام، أو مبنيٌ على قناعات مسبقة وتأثيرات بيئية أو دينية أو تمليه دوافع إفساد وتخريب مما يبرهن على أن لها دوافع استعمارية (٢). فعجبًا لمن أنكر الأثر المروي اليقيني، وشكك فيه، وأثبت الأثر المرئي الظني، ودعا إلى تعظيمه! ومن المهم التنبيه إلى أن بداية إطلاق مسمى التراث على الكتاب والسُّنَّة، ومحاولة إقراره وفرض إثباته على المسلمين كان من قِبل المستشرقين؛ وذلك لسريان المنهج النقدي على كل التراث الإنساني، وبالتالي يسري على

стр. 353

السُّنَّة، بحيث يتناولون الآثار النبوية المروية كوثيقة تاريخية أو نصوصٍ فكرية، أو نظريات وضعية، تقبل الرد والنقد ولا يسلّم لها مطلقًا؛ لعدم ثبوتها علميًّا؛ لزعزعة كثير من الثوابت الإسلامية، تحت هذا المسمى الذي تنبني عليه أمور غير مسلّم بها. وغني عن البيان ما تحمله هذه المحاولات من مخاطر على أصول الدين، وتشكيك في ثوابته، وطعن في أساس العقيدة الإسلامية (١). المسألة الثانية: موقف المستشرقين من آثار المواسم الزمانية: اهتم المستشرقون بإحياء آثار المواسم الزمانية المُحدثة، وحرصوا على حضور الاحتفالات الخاصة بها وشجعوا القائمين عليها، واعتنوا بها، ودعموها ماديًّا ومعنويًّا؛ لضمان انتظامها واستمراريتها. ومما يؤكد ذلك ما حدث إبان الحملة الصليبية الفرنسية على مصر عام (١٢١٣ هـ). حين سأل بونابرت نابليون عن سبب توقف إحياء الاحتفال بذكرى المولد النبوي في أحد المواسم، فاعتذروا له؛ بسبب تعطيل الأمور، وتوقف الأحوال. فلم يقبل عذرهم، وأوجب عليهم إحياءه، ودعمهم بالأموال معونة؛ لإقامة الاحتفال بالمولد، وأمر بتعليق الزينة، وإيقاد القناديل، وإرسال الطبول الكبيرة إلى موضع الاحتفال، واجتمع الفرنسيون في الميادين، وضربوا طبولهم، وعزفوا على مختلف الآلات والمزامير، ذات الأصوات المطربة، واستمروا يضربونها من أول النهار حتى آخر الليل، وأطلقوا ألعابًا نارية تصعد في الهواء، كما حكى ذلك بالتفصيل أحد المؤرخين (٢).

стр. 354

وكذلك في المولد الحسيني (١) حصل منهم موقف مشابه للموقف الآنف ذكره. فمبادرة المستشرقين لإحياء المواسم التي يقوم بها المبتدعة، ليست حفاظًا على الإسلام، وحبًّا للمسلمين؛ بل لعلمهم أنها تخالف أصول الدين الإسلامي، وأن في إحيائها هدمًا للسنن والدين، وما تظهر بدعة إلا اندثرت في المقابل سُنَّة. كما جاء عن السلف: ما أحدثت أمة في دينها بدعة إلا رفع بها عنهم سُنَّة (٢)، وكذلك: ما أحدث قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سُنَّتهم مثلها، ثم لم يعدها إليهم إلى يوم القيامة (٣)، ومن المعلوم أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع؛ أعرضت عن السنن (٤). المسألة الثالثة: موقف المستشرقين من الآثار المرئية: سبقت الإشارة إلى بيان موقف المستشرقين من الآثار المرئية وسعيهم في إحياء الآثار: الفرعونية والفينيقية والبابلية في الفصل الأول (٥). ولم يقتصروا على ذلك فحسب؛ بل بذلوا جهدهم في التنقيب عن كثير من الآثار الوثنية والجاهلية في أراضي المسلمين وما زالوا ينبشون الأراضي. ومن المعلوم أن علم الآثار والتنقيب عن المخلّفات القديمة وليد القرن الماضي، فهو يعتبر من العلوم التي نشأت وظهرت حديثًا؛ لأجل ذلك ابتكر خبراء الآثار الأوروبيين مصطلح علم الآثار (٦)، وصنفوا الكتب؛ للتعريف به، ووضعوا ضوابط وأسس وقواعد تخصه، وأقساماً عامة، وتقاسيم مفصلة للآثار

стр. 355

الموجودة على سطح الأرض، والتي هي مقياس الحضارة لديهم، واعتمدوا على ثمانية أنواع من الآثار فقط، كما هو مقرر في كتبهم، وهي (١): ١ آثار ما قبل التاريخ. ٢ آثار أوروبا الغربية. ٣ الآثار المصرية الفرعونية. ٤ الآثار الآشورية ما بين النهرين. ٥ الآثار الرومانية واليونانية. ٦ آثار العهد المسيحي القديم، والعصور الوسطى. ٧ آثار عصر النهضة. ٨ الآثار الشرقية الهند الصين فارس. فيتضح من خلال تقسيم الآثار السابق والمعتمد لدى المستشرقين أن تركيزهم في التنقيب مسلّط على الآثار الجاهلية والوثنية، وإهمالهم للآثار الإسلامية التي في الأندلس وفي الدول العربية وفي كل منطقة؛ لعدم توافقها مع أهدافهم! (٢). وكذلك حاولوا طمس الحقائق المتعلقة بآثار الأنبياء والأمم الهالكة، كسفينة نوح ﵇ ومصارع قوم صالح ﵇ وغيرهم من الأمم الهالكة؛ لزعزعة الحقيقة التي أخبر بها القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية الصحيحة، ولطمس أي معلم أثري من المعالم الأثرية الذي يدل على دعوة الأنبياء أو الإيمان بالله وتوحيده (٣).

стр. 356

ويتجلّى موقف المستشرقين من الآثار الوثنية والجاهلية من خلال التعظيم والتبجيل فضلاً عن الإحياء، إذ إن التنقيب عن الآثار يصحبه اهتمام وترميم، وإعادة تشكيل ما تضرر منه، ومحافظة على الموقع الذي وُجد فيه، وإذاعة نتائج اكتشافه ومن ثم إبرازه في موقعه إذا كان لا يُنقل، أو نقله للمتاحف التي أصبح لها نوع من القداسة المشابهة لقداسة دور العبادة، بحيث يجد الزائر للمتاحف أجواء غريبة داخل المتحف من قِبل الزوار الذين تعلموا منذ الصغر تعظيم التماثيل والصور القديمة المحفوظة في المتاحف، وأنها لا تقدّر بثمن. حيث تجد الزائر يقف أمام بعض القطع الأثرية منبهرًا وهذا مشاهد في الواقع، حيث تظهر على رواد المتحف علامات الإعجاب والانبهار والتعظيم والتبجيل. أضف إلى ذلك ما يفتعله المشرفون على المتحف من التعتيم المصطنع في بعض الزوايا، والإضاءة الخافتة في بعضها الآخر، ومن أسلوب العرض لبعض اللوحات، كأن تعرض لوحة واحدة بمفردها في قاعة كبيرة خاصة، وقد يخصص بناء كامل مستقل للوحة أثرية واحدة (١). إن موقف المستشرقين تجاه الآثار الوثنية صريح وظاهر من تعاملهم وسعيهم، ولا إشكال فيه، وتتجلى حقيقة موقفهم تجاه الآثار الوثنية والجاهلية، من الوسائل التي اتخذوها؛ لتحقيق أهدافهم، وبيان ذلك من خلال التفصيل في أمرين: أ الوسائل والطرق المستخدمة في إحياء الآثار الوثنية والجاهلية. ب الدوافع والأهداف في إحياء الآثار الوثنية والجاهلية.

стр. 357

أ الوسائل والطرق المستخدمة في إحياء الآثار الوثنية والجاهلية والتي يمكن تلخيصها كالتالي (١): ١ تأسيس مراكز ومعاهد في علم الآثار، والمطالبة برئاستها والإشراف عليها؛ لتدريب بعض أفراد المسلمين بناءً على قواعدهم وأسسهم، الموافقة لأهدافهم. ودليل ذلك ما أشرت إليه سابقًا (٢) من أن أول وأشهر بعثات الآثار في ديار المسلمين تلك الحملة الصليبية التي قادها نابليون على بلاد مصر والذي أصدر حينها أمرًا بإنشاء المجمع العلمي والمتحف الوطني المصري، وتولية أحد المستشرقين رئاسة هيئة الآثار المصرية. ٢ إلحاق إدارات علم الآثار بالجهات التعليمية، وتخطئة من ألحقها بمصالح السياحة، وفرض مقرر علم الآثار في المناهج الدراسية. ومما يؤكد ذلك ما حصل في مصر، من إلغاء دراسة التاريخ الإسلامي من المرحلتين الابتدائية والثانوية لحساب تاريخ الفراعنة والغرب. حيث كان التاريخ الفرعوني يدرَّس في (٧٥) صفحة، وفي المرحلة الإعدادية فقط، ثم أصبح يدرَّس في المراحل الثلاث وفي (٣١٧) صفحة! وهذا التوسع جاء على حساب التاريخ الإسلامي الذي كان يدرَّس في المراحل الثلاث في (٣٠٧) صفحة، فاختزل في مرحلة واحدة من الإعدادية إلى (٣٢) صفحة! (٣). ٣ إنشاء المتاحف الأثرية الوطنية لكل بلد، وتوفير الدعم المادي، واستخدام أساليب خاصة في عرض المقتنيات الأثرية. ومما يؤكد ذلك قول أحد المغترين بالآثار مفاخرًا بها: والمتاحف الشرقية ثمرة من ثمرات جهود مئات المستشرقين، الذين تفرقوا في بقاع الشرق تحت

стр. 358

حرارة الشمس اللافحة، بين رماله ووهاده وجباله؛ فكشفوا عما خلفه أسلافنا من حضارات: سومرية، وآكدية، وبابلية، وآشورية، ومصرية، وفينيقية، وقرطاجينية وغيرها، مطمورة تحت الأرض أو ملقاة عليها، أو مدونة في آجرها وصخورها، وقد مر بها ملايين الناس، طوال مئات الأجيال، دون أن يتنبه … متنبه حتى كشف عنها المستشرقون وهدوا البشرية إليها بحلِّهم حروف لغاتها المندثرة ووضعهم قواعدها ومعاجمها وتصنيفهم في فنونها وآدابها وعلومها، فبعثوها من مرقدها، في متاحف ومعاهد ومطابع ومجلات، لتبهر أبصار العالم … (١). ولعل ما يُجنى من تلك الثمرة المسمومة هو إحياء الوثنية في بلاد المسلمين، وإقعادها من مرقدها لتدمير الإسلام وتفكيكه. وأيضًا مما يؤكد دعمهم وحرصهم على إنشاء المتاحف ما أشرت إليه سابقًا (٢) حين دعم أحد المستشرقين اليهود (٣) من ماله الخاص أكثر من عشرة مليون دولار؛ لإنشاء متحف للآثار الفرعونية في مصر، وألحق به معهدًا لتخريج المختصين في هذا الفن، تحت إشراف لجنة مسؤولة عن إدارة المتحف والمعهد. ٤ استخدام آليات منظمة لتفعيل جميع وسائل التواصل الاجتماعية لإحياء الآثار؛ للسيطرة الفكرية والثقافية على العالم الإسلامي، مثل: أ إبراز أهمية الآثار الوهمية وأماكن تواجدها في الإعلام المرئي، والمسموع، وكذلك المكتوب ونشره بواسطة الكتب، والصحف والمجلات. ب عرض نماذج من الآثار المكتشفة في الميادين وأماكن تجمع الناس؛ مما يشد انتباه البسطاء، ويحثهم على زيارة أماكن تواجد الأثر الحقيقي. ج الحث على دراسة علم الآثار من خلال الإغراء المادي للدارسين والمقبلين على العمل، بتوفر وظائف ذات دخل عالٍ.

стр. 359

ومن الجدير بالذكر أن مهنة التنقيب عن الآثار والإرشاد السياحي من أخصب المهن وأكثرها قابلية للتلون والكذب، كما أشار لذلك أحد خبراء الآثار بقوله: أرى لزامًا علي أن أخبرك بهذه المناسبة بأنه ما من مهنة يمكن أن يندس فيها الدجالون أكثر من هذه المهنة، وعالم الآثار كما رسمته هو الرجل ذو الصفات المتعددة (١). د تصوير الشعارات الأثرية على كثير من المقتنيات، وطوابع البريد، وكذلك اتخادهم بعض الآثار شعارًا للكليات. هـ الحث على نظم الشعر والأدب في التمجيد الوثني والاعتزاز بالجاهلية، كما نظم أحد شعراء مصر أبياتًا يظهر فيها اعتزازه بالفراعنة، وغلوه الشديد في ذكر أحوالهم وتمجيدهم، وأن الأنبياء والرسل لجؤوا وعاشوا في ظلال الفراعنة، قائلاً: (٢) أين الفراعنة الأُلى استذرَى بهم عيسى ويوسف والكليم المُصْعقُ الموردون الناس منهل حكمة أفضى إليها الأنبياء ليستقوا الرافعون إلى الضحى آباءهم فالشمس أصلهم الوضيء المعرق وكأنما بين البلى وقبورهم عهدٌ على أن لا مساس وموثق فحجابهم تحت الثرى من هيبة كحجابهم فوق الثرى لا يُخرق بلغوا الحقيقة من حياة علمُها حُجب مكثّفة وسرٌّ مُغلق وتبينوا معنى الوجود فلم يروا دون الخلود سعادة تتحققُ ٥ القيام بعمل احتفالات سنوية؛ احتفاءً بالاكتشافات الأثرية، وإبرازًا بعض ما تم اكتشافه من باب التذكير ولفت انتباه الناس لأهميته في حياتهم، وإحياء ذكره في المهرجانات الشعبية وغيرها، مما يجعلهم ينصرفون عن كثير من القضايا المعاصرة التي تعانيها الشعوب إلى علم الآثار.

стр. 360

٦ ربط مدى التقدم والتحضر والرقي، بالحضارات والآثار السالفة التي تحيا الشعوب على أطلالها، والتهويل من شأن هذه الاكتشافات الأثرية وتفخيمها وإحاطتها بهالة من التمجيد والتبجيل مع إبراز سمو مرتبة الانتساب لها، مما يؤدي إلى وسم من لم يتقبلها ويرفضها بالتخلف والرجعية والتأخر. ٧ رصد الجوائز للاكتشافات الأثرية وإضفاء ألقاب التعظيم والتبجيل على المشتغلين بعلم الآثار، والبحث والتنقيب عنها، على خلاف موقفهم ممن يقدمون الخير الحقيقي للبشرية المستحقين للتعظيم والتقدير. وذلك يظهر من موقف أحد المتأثرين والمفتونين بالآثار الوثنية بعدما اكتشف أحد المستشرقين في سوريا إبلا الأثرية قائلاً: … باكتشاف إبلا الأثرية في أواسط السبعينيات من قرننا الحالي استرجعت سورية العربية صفحة من أنصع صفحات تاريخها ووقفت على قدم المساواة مع حضارتي وادي النيل وبلاد ما بين النهرين بعد أن كان ينظر إليها كمحطة للحضارة وليست صانعة لها وفاعلة فيها … باكتشافات إبلا تفتحت أمام الباحثين والمؤرخين والآثاريين آفاق لا تنتهي من العمل المتجدد للبحث عن أصول التمدن وبواكير الحضارة … أصبح بمقدور العلماء البحث في تفاصيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية والتنظيمية والإدارية والسياسية والتجارية والدولية … ومن خلال رؤية حديثة إلى تاريخنا العربي القديم وضمن إطار تاريخي موحد قادر على استيعاب هذا التاريخ بكامله بحيث تستوعب الوثائق الأثرية المستجدة وتدرج في سياقها المعقول خاصة وأن في اكتشافاتنا الآثارية المتلاحقة ما يدعو إلى الاعتزاز بتراثنا الحضاري واستلهام الماضي من أجل الحاضر والمستقبل المشرق (١). فانظروا إلى افتتان الكاتب كيف اعتبر الآثار الوثنية الجاهلية لسوريا

стр. 361

أنصع صفحاتها، وجعلها تقف على قدم المساواة مع مصر والعراق، وأن سوريا ليست أقل شأنًا منهما في هذه النصاعة التاريخية!! والعجيب في الأمر أن المستشرقين ينسبون أصولهم، ويلصقون انتماءهم، ويلحقون أنفسهم بأراضي المسلمين التي نقبوا فيها واكتشفوا بعض آثارها. فآثار إبلا مكتشفها مستشرق إيطالي فيصفها بأنها حضارة من حضارات إيطاليا القديمة في سوريا! فيقول: كل هذا يقدم الدليل الذي يثبت أهمية الموقع حضاريًّا وتاريخيًّا، لذلك قمنا بهذه الأعمال وكما ترى فإنها تهدف إلى توسيع معرفتنا بمملكة إبلا، ولا شيء سوى ذلك مع إيماننا الأكيد بأن إبلا ما زالت تحتاج إلى عشرات السنين من المواسم التنقيبية حتى نتمكن من إعطاء صورة كاملة عن حضارتنا الزاهية النادرة (١). وكذلك اغتياظ بعض الآثاريين اليهود من عدم وجود أي أثر مكتوب أو محفور بالعبرية في بلاد المسلمين، والتصريح بذلك، فيقول أحدهم بعدما وجد كثيرًا من الآثار العربية البحتة عند زيارته لخيبر: ومما غاظني بالفعل أنني تلقيت كيسًا مليئًا بالنقوش إلا أنني لم أجد بينها أي نقش عبري يحمل اسم أي يهودي أو يتحدث عن أي نشاط لليهود في خيبر (٢). وكذا خبراء الآثار في أمريكا لا تعنيهم آثار الهنود الحمر التي في بلدهم؛ لأنها لا تمثل شيئًا من ماضيهم الثقافي، ولكن انصبت عنايتهم هم وأمثالهم الأوروبيين بالآثار التي في بلاد المسلمين؛ وزعموا أنها تشكل شيئًا من ماضيهم وآثارهم! (٣)

стр. 362

ب الدوافع والأهداف في إحياء الآثار الوثنية والجاهلية: اتخاذ التنقيب عن الآثار الوثنية ذريعة للدخول إلى أراضي المسلمين، مما يمثل خطورة على المجتمع الإسلامي من أوجه متعددة، وتحقيقًا لأهداف الأعداء، وهذه الأهداف تتمثل فيما يلي: (١) ١ إحياء القوميات المندثرة؛ لتفكيك وحدة المسلمين، وذلك من خلال إقناع كل دولة مسلمة بأن لها كيانًا قائمًا بذاته منذ أقدم العصور، والعمل على جعل مناط الولاء والبراء هو الانتماء إلى التاريخ القديم الذي يُلحق به الاكتشاف الأثري الوثني والجاهلي؛ فعملوا جاهدين على تفرقة وحدة المسلمين وتقطيع أواصر العلاقات المبنية على الوحدة الدينية العقدية الإسلامية، والخلفية التاريخية، إلى التعددية الحضارية التابعة للبقاع المختلفة والثقافات التي كانت تنتمي إليها الدول الإسلامية قبل الفتوحات كالفرعونية والأشورية والبابلية والفارسية. وذلك يعدّ أكبر رافد ومغذٍّ للقوميات الوطنية في بلاد المسلمين وأكبر معول هدم لتمزيق وتفتيت القوى، وإضعاف الوحدة، وتفريق الأخوة ما يجعلهم فريسة سهلة للعدوان والغزو الثقافي والعسكري؛ وسبب ذلك كله أن ولاء المسلم وانتماءه اتجه للوجهة الخاطئة والمنحرفة عن مقاصد الدين الإسلامي وأصوله. كما قال المستشرق كويلر ينج: إننا في كل بلد إسلامي دخلناه نبشنا الأرض؛ لنستخرج حضارات ما قبل الإسلام، ولسنا نطمع بطبيعة الحال أن يرتد المسلم إلى ما قبل الإسلام، ولكن يكفينا تذبذبه بين الإسلام وبين تلك الحضارات (٢). ٢ إحياء الوثنيات القديمة؛ حتى يسهل صرف الأمة الإسلامية عن دينها، وذلك من خلال تسليط الضوء على التقدّم العلمي الذي أحرزته الأمم الكافرة والغابرة.

стр. 363

من خلال إبراز الأصنام والأوثان باسم إحياء الآثار، والحضارات القديمة، حيث إنهم يظهرون ضرورة الاهتمام بها، وتعظيم شأنها، وإبهار المُشاهد لها، وإغفال قبح هذا الفعل وخطورته على عقيدة المسلم، حتى تحوّل الحس لدى بعض المسلمين عند مشاهدتها من استهجانها والبراءة منها، إلى الولاء والانتماء لها. والتي هي في حقيقتها آثارٌ جاهلية وثنية؛ فبالتالي يعيدون المسلم للأحوال الوثنية التي كانوا عليها قبل الإسلام والتركيز على الأصنام التي كانت تعبد في الجاهلية؛ كتماثيل الفراعنة والفينيقيين والبابليين وغيرهم. ٣ إبعاد ما جاء عن تفسير آثار الأنبياء مع أقوامهم في القرآن الكريم؛ لتغيير النظرة تجاه آثار الأمم الهالكة من أنها أمم طغت وكفرت بالله إلى نظرة إعجاب بالحضارة والقوة ومهارة البناء، وإبداع الصنع وغيرها على حد زعمهم. حيث نجد سائر تاريخ البشرية وما يسمى بالصروح الحضارية، والمعالم الأثرية، لا تنشأ إلا في دول الظلم والطغيان، والبعد عن الله ﷻ . وأكبر دليل على ذلك آثار ديار قوم ثمود المعذبين، والفراعنة الهالكين، وغيرهم من الأمم الكافرة الغابرة. وكذلك الآثار التي خلفها المسلمون مثلاً في مصر خلال عهد الدولة العبيدية، وآثار المسلمين في الأندلس وكذلك الشام والعراق وغيرها، بدأت في عصور الضعف وانتشار المعاصي والظلم، وطغيان الأموال، وفي مرحلة الانحطاط العقدي والفكري لدى المسلمين. ولكن للأسف هذه الرؤية بدأت تنطمس عند المسلمين، إذ سيطرت عليهم الكتابات الغربية في تحويل مفهوم الآثار من الخوف والعظة والاعتبار إلى الدهشة والإعجاب والانبهار بفن الإبداع والإتقان! ٤ التجسس على الإسلام والمسلمين، والنظم الحاكمة، والخطوط الثقافية التي تموج بها المجتمعات، ونقل هذه الأخبار لعقول التفكير الخارجي لانتهاز الفرص؛ لتحصيل مصالحهم الخاصة.

стр. 364

ومما يؤكد ذلك ما جاء في مذكرات السلطان العثماني والتي ذكر فيها واحدة من تلك الوقائع تحت عنوان التجسس لاكتشاف البترول عن طريق الأبحاث الأثرية (١). وإن كانت هناك وسائل وأهداف كثيرة تظهرُ حينًا وتختفي حينًا آخر، لكن لعل ما أوردت أظهرها، وهي أبرز السهام القاتلة التي أُطلقت تجاه السُّنَّة لإضعاف العالم الإسلامي، بتوجيه من المستشرقين وأعداء الدين؛ للقضاء على الإسلام والمسلمين باسم إحياء الآثار والحفاظ على الحضارات التي سادت ثم بادت وبسعي من المستشرقين عادت! وبالرغم من اختلاف أصول المستشرقين وتباينهم إلا أن موقفهم مشترك تجاه الآثار الوثنية والجاهلية؛ بل متفق في استخدام وسائل إحياء الآثار، وكذلك سعيهم في تنفيذ الأهداف والدوافع. إلا أن المستشرقين اليهود تجاوزوا الحد وبالغوا في ذلك؛ وتجلّى ذلك من خلال موقفهم الخبيث الذي قام به المحتلون لأراضي المسلمين من خطوات دالة على سوء طويتهم المتسترة تحت مسمى إحياء الآثار؛ ويتضح ذلك بما يلي (٢): ١ التنقيب عن المخلفات القديمة واستخراجها من باطن الأرض، وتفسيرها بناءً على فرضيات مسبقة ذات تلازم بين البُعد اللاهوتي، والبُعد الاستعماري، فليس المقصود التعرّف على الأثر وهويته بعد اكتشافه؛ بل تنزيل النص التوراتي المحرّف على الأثر؛ لرفعه كمستند يربط بين الجوهر وأراضي المنطقة والكيان الاستعماري.

стр. 365

كما أكد على ذلك أحد المنقبين الإيرلنديين في كتابه قرن من التنقيب في فلسطين الذي نقد فيه علم الآثار التوراتي، قائلاً: ثمة نزعة غير علمية تسود مبحث التنقيب هنا، فالباحثون ينطلقون من فرضيات مسبقة، ويحاولون التفتيش عما يدعمها في المواقع الأثرية، ويهملون في سعيهم كل الآثار المكتشفة التي لا تدعم فرضياتهم، أو يختلقون قراءات للآثار المكتشفة تعزز ما في أذهانهم (١) ثم بدأ بضرب كثير من الأمثلة العلمية المختلقة. ٢ طمس الهوية الإسلامية التي تعود إلى مئات السنين، وذلك بمحاولة إعادة تركيب الأراضي الإسلامية، والمجتمعات العربية الشرقية بالعموم، تاريخيًّا وجغرافيًّا؛ لقطع المسلم المعاصر عن العمق التاريخي الإسلامي، للاستيلاء على الأرض بحجة عدم صلة آثارها بالمسلمين، كما هو الحاصل في فلسطين. ولو حاول أحد خبراء الآثار إبراز اكتشافات أثرية متعلقة بالمسلمين، أو أظهر ألواحًا كُتبت بالعربية، فإن مصيره الموت! وما يؤكد ذلك ما حصل لعالم الآثار الأمريكي، الذي كان رئيس قسم الآثار في جامعة بير زيت، ومؤسس معهد الآثار الفلسطيني الأول من نوعه في الوطن العربي. حينما كان يستعد لنشر نتائج أبحاثه القائمة على التنقيب الميداني في المواقع الفلسطينية، ولم يوافق خطاب الاستشراق التوراتي في نتائج المكتشفات الأثرية! وقد اختفى قبل أن ينشر أبحاثه، وبعد البحث والتحقيق وجدوا أنه اغتيل ورمي في البحر (٢).

стр. 366

٣ السعي بشتى الطرق والوسائل للتنقيب في الأراضي الإسلامية؛ لصناعة تاريخ جديد للمنطقة بإبادة سكانها الأصليين، ونسبة اللغة والفنون والعقائد المكتشفة إلى التوراة المحرّفة، بحيث يصنعون تاريخًا ذا خلفية مكانية وزمانية مختلفة، بأسلوب غريب على البحث العلمي. الذي هو عبارة عن مزج بين المعطيات الأثرية التي لا صلة بينها وبين الآثار، ولا علاقة حقيقية في الاستنتاجات المنطقية تجمعها، حيث إنها تخرجها إلى دائرة التصورات الموروثة بكل أخطائها؛ للوصول إلى فرضيات مسبقة، مستندة في مصادرها على روايات توراتية. ومما يؤيد ذلك ما طرحه أحد المستشرقين الألمان في مقدمة كتابه بابل والكتاب المقدس متسائلاً: ما الداعي لبذل كل هذا الجهد في تلك البلاد البعيدة والخطرة والوعرة؟ لماذا هذا التنقيب المكلف في التلال المتراكمة منذ آلاف السنين إلى عمق المياه الجوفية حيث لا ذهب ولا فضة؟ لماذا التنافس بين أمم على حجز حق التنقيب في البلاد المقفرة؟ ما الذي يدفع بالناس على كِلَا شاطئي المحيط إلى هذا الاهتمام المتزايد والاستعداد للتضحية في سبيل الحفريات في مناطق مملكة بابل وبلاد آشور؟. فأجاب باختصار: إن جوابًا واحدًا يشير ولو بشكل غير كاف إلى السبب والغرض .. إنه الكتاب المقدس (١).

стр. 367

فيظهر مما سبق خبث الطوية التي خلف نشأة علم الآثار والتنقيب عنها، وأنها ذريعة للقضاء على الإسلام والحد من انتشاره، ومحاولة للغزو الفكري والعسكري، والاقتصادي: وبيان ذلك فيما يلي: (١) أ الغزو الفكري؛ وذلك من خلال إحياء القومية والوثنية وتعظيمها والتي هي السبب الأول والرئيس في شرك السالفين من الأقوام كما جاء في الكتاب والسُّنَّة الصحيحة من قصص آثار الأمم الهالكة، من قوم نوح ﵇ وحتى مشركي العرب. وكذلك ما جاء في التاريخ من ذكر الآثار التي خلفتها الدول المعادية للإسلام كالآثار الفرعونية والفينيقية في العصور المتقدمة، وفي العصور المتأخرة آثار الدولة العبيدية الرافضية في مصر والصفوية في بلاد فارس، وغيرهم. ب الغزو العسكري: وذلك من خلال إرسال الحملات والبعثات الآثارية؛ لطمس الهوية الإسلامية، ومحاولة إعادة تركيب الأراضي الإسلامية تاريخيًّا وجغرافيًّا؛ وقطع المسلم المعاصر عن العمق التاريخي الإسلامي المتعلق بأرضه، والاستيلاء على وطنه بحجة عدم صلة آثارها بالمسلمين، كما فعل نابليون في مصر، وكذلك اليهود في فلسطين. ج التوهين الاقتصادي العام: وذلك من خلال رصد الأموال لحفظ هذه الآثار وإنشاء المعاهد والمؤسسات التي تُصرف لها الميزانيات الضخمة؛ فيكثر التوجه لها، وفي المقابل تُغفل الميزانيات الأخرى الأكثر أهمية، فينصرف النظر عن التعليم والصحة والزراعة والدفاع، وهو نوع من توهين الاقتصاد العام للدول الإسلامية، وإشغال أبنائها بما لا يفيد بل يضر. وأن الدول التي اعتمدت على الآثار كأحد مصادر الدخل الاقتصادي لها، لم تحقق الرخاء بل جعلها أكثر ضعفًا؛ لتعلقها بما يسهل الإضرار به، بخلاف مصادر الدخل الأخرى كالصناعة والزراعة وغيرها.

стр. 368

المبحث الثاني تفنيد شبهات الفرق والمستشرقين حول الآثار وفيه مطلبان: المطلب الأول: الشبهات حول الآثار المروية، وآثار المواسم الزمانية. المطلب الثاني: الشبهات حول الآثار المرئية.

стр. 369

المبحث الثاني تفنيد شبهات الفرق والمستشرقين حول الآثار إن المكر بالإسلام والكيد له، وتشويه معالمه ابتلي به المسلمون منذ القرون الأولى، ولقد تولى ترويج مكر المستشرقين وأعداء الإسلام، وتنفيذ كيدهم، وبث شبهاتهم داخل صفوف المسلمين، بعض الفرق المنحرفة، والحركات الهدامة المنتسبة للإسلام. وأغلب الشبهات إن لم تكن كلها تعتمد على ثلاثة أمور (١): ١ قياس فاسد. ٢ نقل كاذب. ٣ خطاب ألقي على العبد واعتقد أنه من الله ﷻ وكان من إلقاء الشيطان. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وهذه الثلاثة هي عمدة من يخالف السُّنَّة بما يراه حجة ودليلاً، إما أن يحتج بأدلة عقلية ويظنها برهانًا، وأدلة قطعية وتكون شبهات فاسدة مركبة من ألفاظ مجملة، ومعان متشابهة لم يميز بين حقها وباطلها، كما يوجد مثل ذلك في جميع ما يحتج به من خالف الكتاب والسُّنَّة إنما يركب حججه من ألفاظ متشابهة، فإذا وقع الاستفسار والتفصيل تبين الحق من الباطل وهذه هي الحجج العقلية. وإن تمسك المبطل بحجج سمعية فإما أن تكون كذبًا على الرسول أو تكون غير دالة على ما احتج بها أهل البطول، فالمنع إما في الإسناد وإما في المتن ودلالته على ما ذكر وهذه هي الحجة السمعية (٢).

стр. 370

ومن المهم التنبيه إلى أن تفنيد بعض الشبهات، وإطلاق بعض المسميات أو التسليم ببعض الفرضيات التي يحتج بها المخالف وبيان بطلان ما يلزم منها، ليس من باب الإقرار والرضى بقول المخالف؛ بل هو نزولاً للمخالف بما يصطلحه ويفرضه، ومن باب الحكاية عن القوم الذين احتجوا بتلك الاحتجاجات والدعاوى، وهو اصطلاح فُرض علينا ونحن نناقشه. وبسط هذا المبحث في المطلبين التاليين: المطلب الأول: أبرز الشبهات حول الآثار الحديثية المروية والمواسم الزمانية. المطلب الثاني: أبرز الشبهات حول الآثار المرئية. * * *

стр. 371

المطلب الأول أبرز الشبهات حول الآثار الحديثية المروية والمواسم الزمانية تعرضت الآثار النبوية الحديثية الشريفة لهجمات شرسة بعد زمن النبوة، حيث قام أعداء الملة والمناوئون للسنة بالتشكيك بها وانتقاصها. فلم يطِلّ القرن الثاني الهجري حتى ظهر من يُنكر حجيتها جزئيًا، وكليًا، نتيجة للشبهات التي خلفتها الروافض والخوارج ومن بعدهم كالمعتزلة (١). حيث سلكوا عدة طرق منها: عدم الاستدلال بالآثار النبوية الحديثية، ومحاولة إبطال حجيتها بإثارة شبه قد تروّج على بعض الجاهلين وذوي الأهواء المنحرفة. وإن ادّعت تلك الفرق والحركات أنها تؤمن بالقرآن الكريم. إذ القرآن الكريم بإعجازه سورٌ شامخٌ حال بين هؤلاء الحاقدين وبين ما يريدون. وقد سبق بيان أن الاحتجاج بالآثار النبوية الحديثية الصحيحة التي تلقتها الأمة بالقبول أمرٌ بديهي، لا يحتاج إلى إثبات (٢)؛ لأن الإسلام يقوم على أساسين هما: الكتاب والسُّنَّة، بفهم سلف الأمة. ومن الواجب على أهل الإسلام الرد على من أنكر حجيتها كليًّا أو جزئيًّا؛ ودحض شبهاتهم. من باب إحياء الآثار النبوية الحديثية، وتيمنًا بمنهج أهل السُّنَّة والجماعة في الرد على المخالفين، إذ يقول الإمام مسلم ﵀ في

стр. 372

مقدمة صحيحه عن غلط قول بعض المنتحلين لأهل الحديث في تصحيح الأسانيد وتضعيفها: لو ضربنا عن حكايته، وذكر فساده صفحًا لكان رأيًا متينًا، ومذهبًا صحيحًا، إذ الإعراض عن القول المطرح أحرى لإماتته، وإخمال ذكر قائله، وأجدر أن لا يكون ذلك تنبيهًا للجهال عليه، غير أنا لما تخوفنا من شرور العواقب، واغترار الجهلة بمحدثات الأمور، وإسراعهم إلى اعتقاد خطأ المخطئين، والأقوال الساقطة عند العلماء، رأينا الكشف عن فساد قوله ورد مقالته بقدر ما يليق بها من الرد، أجدى على الأنام، وأحمد للعاقبة إن شاء الله (١). وكذلك الصحابة والتابعون ﵃ قاموا بالذب عن السنة، وجهادهم معروف في حفظها. فالمتأمل لكتاب الله يجد الرد على من لم يقبل أمر الرسول ﷺ وحكمه، والمتتبع لهدي رسول الله ﷺ يرى بيان حكم من رد حديثه ﷺ ، وكذلك الصحابة والتابعون ﵃ قاموا بالذب عن السنّة، وجهادهم معروف في حفظها، والرد على أعدائها، ثم أتباع التابعين ومن بعدهم من الأئمة الأعلام كالإمام الشافعي ﵀ حيث تصدى للرد على منكري حجية السنة قديمًا كما تقدّمت الإشارة (٢) فقد جاء في كتابه «الأُم» وكتابه «جماع العلم» ردٌ على من أنكر السُّنَّة كلها، ودحض لأباطيلهم وشبهاتهم بردود قوية، وحجج دامغة (٣). كما عَقَدَ ﵀ فصلاً طويلاً في كتابه «الرسالة» لحجية خبر الآحاد والرد على من أنكرها (٤). وكذلك تصدى للرد عليهم الإمام أحمد، وابن قتيبة، والدارمي، وغيرهم من الأئمة، بيد أن الإمام ابن قتيبة ﵀ أطال النفس في تصديه لهم،

стр. 373

ونصّ على عدد من رؤوس أهل الضلال، وفنّد مطاعنهم، في كتابه: تأويل مختلف الحديث (١). والشبهات المعنية في هذا المطلب، هي تلك الشبهات المصبوغة بالصبغة الإسلامية زورًا، إذا خطورتها أعظم، والافتتان بها أشد مما سواها. وأما عن الشبهات المتعلقة بآثار المواسم الزمانية، فلقد لاقت رواجًا عند كثير من الناس لا سيما أهل البدع؛ لأنها ظهرت بصبغة دينية، وقالب شرعي، ودعوى محبة الرسول ﷺ بإحياء ذكرى مولده، وليلة أُسري به ﷺ ، كما سيأتي بيانه في موضعه. فبسط هذا المطلب في المسألتين التاليتين: المسألة الأولى: الشبهات المتعلقة بإنكار الآثار الحديثية المروية. المسألة الثانية: الشبهات المتعلقة بآثار المواسم الدينية الزمانية. المسألة الأولى: الشبهات المتعلقة بإنكار الآثار الحديثية المروية: من يتأمل مجموع الشبهات المتعلقة بالآثار النبوية الحديثية يظهر له أنها مهما تعددت فهي لا تخلو عن أحد قسمين: القسم الأول: الشبهات المتعلقة بالإنكار الكلي للآثار النبوية الحديثية: وهو الأصل الذي يبدؤون به في إثارة شبهاتهم. القسم الثاني: الشبهات المتعلقة بالإنكار الجزئي للآثار النبوية الحديثية: وهو الفرع الذي يُعدّ بديلاً يلجؤون إليه إذا فشلوا في تمرير القسم الأول. وهذا التقسيم ناشئ باعتبار الادّعاءات التي أثاروها؛ بناءً على تأويلهم المنحرف للأدلة، والاستدلالات الباطلة، وكِلَا القسمين يهدف إلى ردّ السُّنَّة.

стр. 374

ومن الشبهات المتعلقة بالإنكار الكلي للآثار الحديثية المروية، ما يلي (١): * الشبهة الأولى: الاكتفاء بالقرآن الكريم ونبذ السُّنَّة، واحتجوا لإثبات هذه الشُّبه بعدة دعاوى منها: (٢) أ أن القرآن قد حوى الدين كله، بجملته وتفصيله، بكلياته وجزئياته، وأنه يحتوي على جميع الأحكام التشريعية، ولهذا كان القرآن كافيًا، ولم يكن ثمّة حاجة لمصدر ثانٍ للتشريع، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ *﴾ [الأنعام]، وغيرها من الآيات (٣). الرد على هذه الشبهة يقوم على محورين (٤): الأول: بيان خطأ الاستدلال بالآية. الثاني: دلالة الواقع العملي لحياة المسلم. أما المحور الأول بيان خطأ الاستدلال بالآية: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ *﴾ [الأنعام]، قالوا إن المراد بالكتاب هو القرآن، وهذا مخالف من وجهين:

стр. 375

١ تأويل واستدلال باطل؛ لأن المراد من الكتاب في الآية هو: اللوح المحفوظ (١)؛ يدل على ذلك: أ دلالة السياق، وأنه المعنى الذي لا يحتاج إلى تأويل ولا تقييد، والدليل على ذلك أن سياق الآية والذي يظهر بأدنى تأمل يدل على أن المعنى المراد بالكتاب: هو اللوح المحفوظ لقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] (٢). ب تفسير الكتاب باللوح المحفوظ هو الثابت عن غير واحد من السلف، ولم يثبت مخالفته. فاللوح المحفوظ هو الذي حوى كل شيء، واشتمل على جميع أحوال المخلوقات، كبيرها وصغيرها، جليلها ودقيقها، ماضيها وحاضرها ومستقبلها، على التفصيل التام. ٢ لو سلمنا أنَّ المقصود بالكتاب في هذه الآية: القرآن؛ فلا يصح الاستدلال بالآية على الاستغناء عن السُّنَّة، من وجهين: أولاً: يكون المعنى: أن القرآن يحتوي على كل أمور الدين، إما بالنص الصريح، وإما ببيان السُّنَّة له. ثانيًا: أن القرآن لم يُفصّل إلا قليلاً من الأحكام، فلا يمكن الاستغناء به عن السُّنَّة، كما سيأتي بيانه في المحور الثاني.

стр. 376

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هؤلاء المنكرين للسُّنَّة بدعوى الاستغناء بالقرآن الكريم عنها، ويستدلون على ذلك بالآيات نجد أنهم باستدلالاتهم لا يكتفون بإنكار حجية السُّنَّة فحسب؛ بل يتأولون القرآن ويفسرونه بأهوائهم، ويحمّلون الآيات ما لا تحتمل، ويوجهون معناها الوجهات الخاطئة، إذ إنهم لم يحاولوا فهم القرآن من كل جوانبه؛ بل يأخذون بعض الآيات التي توافق أهوائهم الضالة، ويبنون عليها مذهبهم الفاسد (١). فالخطأ الذي وقعوا فيه، يؤدي إلى محظورين: ١ عدم الفهم الصحيح للمراد بالآيات. ٢ ضرب القرآن بعضه ببعض. المحور الثاني: الواقع العملي للأمة منذ صدر الإسلام، حتى يومنا هذا! الأمة مجمعة على أن القرآن العظيم قد اشتمل على أصول الدين وقواعد الأحكام العامة، في كثير من جوانبه، ومفصلاً في جوانب أخرى. والله ﷻ أرسل محمدًا ﷺ هاديًا للناس، ومبينًا لهم أحكام دينهم، وبيانه للأحكام الدينية التشريعية بيان لآيات القرآن، إما نصًّا وإما دلالةً. فلا يمكننا معرفة الناسخ والمنسوخ من آيات القرآن إلا بالسُّنَّة، ولا معرفة أحكام الدين التفصيلية كذلك إلا بالسُّنَّة! فإن تعطيلها تعطيل لأركان الإسلام العملية: كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج! فليس في القرآن من أحكام الصلاة سوى تقرير وجوبها وحسن أدائها. وليس في القرآن عن الزكاة إلا الأمر بأدائها، وبيان الجهات الثمانية المستفيدة منها.

стр. 377

وليس في القرآن عن الصيام إلا تقرير وجوبه، وبعض أحكامه، وليس في القرآن عن الحج إلا بعض أحكامه. فإذا كان أصحاب هذه الشبهة يزعمون أن القرآن المجيد قد فصل كل شيء! فلنحتكم وإياهم إلى عماد الدين الصلاة!! أين في القرآن عدد الصلوات؟ ووقت كل صلاة؟ وهيئتها وأركانها وواجباتها وسننها ونواقضها؟ وكذلك بقية الأركان من الزكاة والصيام والحج. فالسُّنَّة النبوية هي البيان القولي والتطبيق العملي، فالسُّنَّة تؤصل وتفسر، وتفصل، وتبين آيات القرآن الكريم، وتحوّل القرآن إلى حياة تطبيقية، كحياة النبي ﷺ . دفع مرفوض: دفع منكرو السُّنَّة الرد الذي سبق إيراده وهو: تعطّل وتوقف حياة الأمة عن تطبيق أركان الإسلام العملية التي جاء القرآن آمرًا بها، باعتراض وهو: هذه الأركان العملية يكفينا فيها محاكاة النبي ﷺ في كيفية أدائها، وهي سنن عملية منقولة إلينا بالتواتر. فالصلاة مثلاً فيها هذا الأمر بمحاكاة تأدية رسول الله ﷺ لها: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١)، والحج قال ﷺ فيه: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (٢). والجيل الذي عاصر الرسول ﷺ حاكى الرسول كما رآه يصلي ويحج، وهكذا دواليك حتى وصلت المحاكاة إلى جيلنا، ويأخذها كل جيل عن الجيل الذي قبله حتى قيام الساعة؟

стр. 378

تفنيد هذا الدفع الباطل ونقضه: وهذا الدفع غير مقبول وفاسد؛ لعدة أسباب: أولها: أن السُّنَّة القولية أصل للسُّنَّة العملية؛ إذ إن السنن العملية لم تبلغنا إلا عن طريق السنن القولية، فالسنن العملية لا تُدرك من مجرد رؤية النبي ﷺ يصلي ويحج ويصوم ويزكي؛ بل لا بد من قوله ﷺ وأمره بالعمل والاقتداء به. فكيف يُستغنى عن أصل ثبتت به السُّنَّة العملية؟! وذلك بدليل أنهم احتجوا بالحديثين السابق ذكرهما، وهما قوله ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، وقوله: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»، هذان الحديثان الأصل أنهما من السُّنَّة القولية لا من السُّنَّة العملية. وأن الرسول ﷺ لو لم يقل: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ما ثبت شرعًا وجوب محاكاة صلاة الرسول ﷺ . ولو لم يقل: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ما علمنا أن الأمة يجب أن تتأسى بأفعال النبي ﷺ وأقواله في الحج، وإلا وقع الحج باطلاً لمخالفته كيفية حج النبي ﷺ . ثانيًا: على فرضية مشاهدة النبي ﷺ يصلي صلاة العشاء من تكبيرة الإحرام إلى الخروج منها بالسلام. فهل مجرد المشاهدة يميز لنا أركان الصلاة وشروطها وسننها، وما تبطل الصلاة بتركه وما لا تبطل. وما يدرينا أنه ﷺ كان يقول في ركوعه: «سبحان ربي العظيم» ثلاثًا، ويقول في سجوده: «سبحان ربي الأعلى» ثلاثًا، وأن لكل السنن العملية سننًا قولية، ليس في الصلاة وحدها بل في كل التكاليف، وبهذا يُرفض هذا الدفع الباطل (١).

стр. 379

* الشبهة الثانية (١): زعمهم أن السُّنَّة ليست وحيًا، والتشكيك في مصدرها؛ بحجة أن النبي ﷺ أهمل تدوينها، ونهى عن كتابتها، وتكذيب ما نُسب إليه ﷺ من أحاديث، وأنه لم ينزل عليه شيء من الوحي سوى ما حواه القرآن. واحتجوا بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تَكْتُبُوا عَنِّي وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلا حَرَجَ … » (٢). تفنيد هذه الشبهة (٣): ١ قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى *﴾ [النجم]، هذا دليل صريح من القرآن يدل على أن السُّنَّة وحي من الله ﷻ على رسول الله ﷺ (٤). وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقوله ﷻ : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقوله: ﴿إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ *﴾ [الشعراء]، وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ *﴾ [النور]، وغيرها من الآيات التي تدل على حجية السنة وأنها وحي من الله ﷻ . ٢ دعوى نهي النبي ﷺ عن كتابة السُّنَّة والتهوين من شأن تدوينها، لا يدل بوجه من الوجوه على عدم حُجِيَّتِهَا، إذ إن المصلحة كانت تقتضي ذلك، وتضافر الصحابة ﵃ مع قِلَّتِهِمْ على كتابة القرآن والسنة وتدوينهما،

стр. 380

وكذلك تضافر المسلمون على حِفظ كتاب الله خشية الضياع واختلاط شيء به. ٣ ليست الحُجِّيَّةُ مقصورة على الكتابة حتى يُقَالَ: لو كانت حُجِّيَّةُ السُّنَّةِ مقصودة، لأمر النبي ﷺ بكتابتها، فإن الحُجِّيَّةَ تثبت بأمور غير الكتابة؛ كالتواتر اللفظي، ونقل العُدُول الثقات. والقرآن نفسه في عهد أبي بكر ﵁ لم يكن جَمْعُهُ بِنَاءً على الرقاع المكتوبة فحسب؛ بل بتواتر حفظ الصحابة ﵃ لكل آية منه، وليس النقل عن طريق الحفظ بأقل صحة وضبطًا من الكتابة، خصوصًا من قوم كالعرب عُرفوا بقوة الحافظة واختصوا بذلك. فقد كان الرجل منهم يحفظ القصيدة كلها من مرة واحدة، حتى إنه ورد عن بعضهم كراهة الكتابة حتى لا تذهب عنهم ملكة الحفظ أو تضعف (١). ٤ أما ما ورد من النهي عن كتابة السُّنَّة واحتجاجهم بحديث: «لا تَكْتُبُوا عَنِّي وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلا حَرَجَ … » (٢). فقد اجتهد أهل العلم في الجمع بين هذا الحديث (٣) في المنع وأحاديث الإذن بالكتابة الكثيرة (٤) إلى عدة أقوال أهمها (٥): أ أن يكون من منسوخ السُّنَّة بالسُّنَّة؛ أي: إنه نُهِيَ عن كتابة الحديث في أول الأمر؛ خشية التباس القرآن بغيره (٦). ب أن النهي لم يكن مطلقًا، وإنما كان عن كتابة القرآن مع غيره في

стр. 381

صحيفةٍ واحدة (١). ج أن النهي خاص بمن خُشي منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن لمن أمن منه ذلك (٢)، وهناك أقوالٌ أخرى لكن ما ذُكر أشهرها وأوجهها. * الشبهة الثالثة (٣): زعمهم بأن الله ﷻ تكفل بحفظ القرآن دون السُّنَّة: واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *﴾ [الحجر]. تفنيد هذه الشبهة: ١ إن وعد الله بحفظ الذكر لا يقتصر على القرآن وحده؛ بل المراد به دين الله وشرعه، الذي بعث به رسوله ﷺ ؛ فالذكر هنا يشمل الكتاب والسُّنَّة، وليس كما يظنه أصحاب هذه الدعوى بأنه القرآن وحده (٤). ٢ حفظ الله ﷻ السُّنَّة بأن هيأ لها من أئمة العلم من يحفظها وينقلها ويميز صحيحها من دخيلها، لأجل ذلك بقيت سُنَّة رسولنا الكريم ﷺ محفوظة مدونة في مصادرها، ولم يذهب منها شيء؛ لأن السُّنَّة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالقرآن، فحفظ السُّنَّة من حفظ القرآن (٥). ٣ لو فرضنا أن المحفوظ هو القرآن فقط كما ادّعوا، فإن الله تعالى قد حفظ أشياء كثيرة غير القرآن؛ كحفظ النبي ﷺ من الكيد والقتل، وحفظه ﷻ العرش والسماوات والأرض من الزوال إلى أن تقوم الساعة، فلا يُفهم من الحفظ الحصر وعدم حفظ ما عداه (٦).

стр. 382

* الشبهة الرابعة: قابليتها للتحريف والتغيير بحجة أن السُّنَّة تأخر تدوينها فزال اليقين بضبطها، وأصبحت مجالاً للظن (١). تفنيد هذه الشبهة: هذا قول من لم يقف على جهود الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة الأعلام في حفظ الحديث وضبطه، ومكافحة التحريف والوضع؛ فالسُّنَّة نُقلت بالضبط والحفظ غالبًا، والكتابة أحيانًا، من عصر الصحابة إلى نهاية القرن الأول، حيث إن السُّنَّة قد دُون جزء منها في حياة الرسول ﷺ ؛ كالمعاهدات والكتب المرسلة إلى الملوك والرؤساء، وأنصبة الزكاة، إضافة إلى ما كتبه بعض الصحابة ﵃ مثل (٢): ١ صحيفة أبي بكر الصديق ﵁ (ت: ١٣ هـ) فرائض الصدقة. ٢ صحيفة علي بن أبي طالب ﵁ (ت: ٤٠ هـ) (٣) التي كانت معلقة في سيفه (٤). ٣ صحيفة سعد بن عبادة ﵁ (ت: ١٥ هـ) (٥). ٤ صحيفة سمُرة بن جندب ﵁ (ت: ٥٩ هـ) التي أرسلها لابنه (٦). ٥ صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ (ت: ٦٨ هـ) التي تسمى: الصادقة (٧).

стр. 383

هذه صحائف بعض الصحابة ﵃، وكذلك التابعين كانت لهم صحائف كثيرة، ومن صحائف التابعين (١): ١ صحيفة سعيد بن جبير ﵀ (ت: ٩٥ هـ). ٢ صحف مجاهد بن جبر ﵀ (ت: ١٠٣ هـ). ٣ صحيفة أبي عدي الزبير بن عدي الهمداني ﵀ (ت: ١٣١ هـ). ٤ الصحيفة الصحيحة لهمام بن منبه ﵀ (ت: ١٣١ هـ). ٥ صحيفة أيوب بن أبي تميمة السختياني ﵀ (ت: ١٣١ هـ). حتى أمر الخليفة عمر بن عبد العزيز (ت: ١٠٢ هـ) ابن شهاب الزهريّ (ت: ١٢٤ هـ) في نهاية القرن الأول بتدوين أكثر السُّنَّة، فكانت سلسلة الحفظ والصيانة متصلة لم يتطرق لها الانقطاع، وأما ما دُّس على السُّنَّة من كذب فقد تصدى له الأئمة الحفاظ وبينوه بما لا يترك مجالاً للشك (٢). وفيما يلي سأذكر أبرز الشبهات التي أثارها المنكرون جزئيًّا للآثار النبوية المروية الحديثية. أبرز الشبهات المتعلقة بالإنكار الجزئي للآثار الحديثية المروية، والناتجة عن التشكيك، والطعن في السند والمتن، ما يلي: * الشبهة الأولى (٣): الطعن في بعض الصحابة ﵃ وتكفيرهم، ونفي العدالة

стр. 384

عنهم ﵃، والتشكيك في صدق بعضهم؛ وينبني عليه ردّ أكثر الأحاديث (١). تفنيد هذه الشبهة: ١ الصحابة ﵃ كلهم عدول بدليل: أ شهادة الله ﷻ لهم في قول الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ *﴾ [التوبة]. وقال ﷻ : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا *﴾ [الفتح]. ب شهادة رسول الله ﷺ لهم ﵃ في قوله ﷺ : «خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» (٢). وقال ﷺ : « … وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لأمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي ما يُوعَدُونَ» (٣). وقال ﷺ : «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، ما بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» (٤).

стр. 385

فأي تعديل للصحابة ﵃ أعظم وأجلّ من تعديل وثناء علاّم الغيوب سبحانه، وتعديل رسول الله ﷺ (١). وعلى هذا يتبين أن الشبهة مناقضة لما دلّ عليه الدليل من الكتاب والسُّنَّة الصحيحة. ٢ إن هذه الشبهة مخالفة لإجماع سلف الأمة، وجماهير خلفها على عدالة جميع الصحابة ﵃ بما فيهم من لابس الفتنة (٢)، وأن انتقاصهم آية من آيات الزندقة. كما قال الإمام أبو زرعة الرازي ﵀ (ت: ٢٦٤ هـ): إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى ذلك كله إلينا الصحابة ﵃، وهؤلاء الزنادقة يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسُّنَّة، فالجرح بهم أولى، وهم زنادقة (٣). وكما نقل الإمام أبو القاسم هبة الله اللالكائي ﵀ (ت: ٤١٨ هـ) عن أحد السلف أنه قال: علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر (٤). قال الحافظ ابن كثير ﵀ (ت: ٧٧٤ هـ) في من طعن في الصحابة ﵃ وتنقصهم بأن فعله: من الهذيان بلا دليل، إلا مجرد الرأي الفاسد، عن ذهن بارد، وهوى متبع، وهو أقل من أن يرد، والبرهان على خلافه أظهر وأشهر، مما علم من امتثالهم أوامره بعده ﷺ ، وفتحهم الأقاليم والآفاق، وتبليغهم عنه الكتاب والسُّنَّة، وهدايتهم الناس إلى طريق الجنة، ومواظبتهم على الصلوات، والزكوات وأنوع القربات، في سائر الأحيان والأوقات، مع الشجاعة والبراعة، والكرم والإيثار، والأخلاق الجميلة التي لم تكن في أمة من الأمم المتقدمة، ولا يكون أحد بعدهم مثلهم في ذلك، فرضي الله عنهم أجمعين (٥).

стр. 386

وقال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ (ت: ١٢٠٦ هـ): ومن نسب جمهور أصحابه ﷺ إلى الفسق والظلم، وجعل اجتماعهم على الباطل فقد ازدرى بالنبي ﷺ ، وازدراؤه كفر (١). ٣ يترتب على تكفير الصحابة ﵃ والطعن فيهم، إسقاط جميع مروياتهم ﵃، فلما أسقطوها وردوها لم يبقَ لهم من السُّنَّة ما يكفي للعبادة، وفهم مقاصد الشرع الحنيف، ففقدوا بذلك مرجعية السُّنَّة في معظم مسائل الدين، وانغمسوا في رذيلة الكذب على النبي ﷺ ؛ لتعويض ذلك النقص، فعبدوا الله على غير ما شرع فضلوا وأضلّوا! (٢). ٤ الصحابة ﵃ هم حملة لواء السُّنَّة، وهم الطبقة المعاصرة لرسول الله ﷺ في الزمان، المطلعة على أحواله قولاً وفعلاً، الأمينة في وصف أحواله ﷺ صغيرها وكبيرها، الحريصة على أن تحفظ وتنقل الدين كاملاً عن رسول الله ﷺ . فما وصلت إلينا سُنَّة رسول الله ﷺ إلا من خلال الصحابة ﵃؛ بل إن الدين كله وصل إلينا من خلالهم ﵃. حتى صار المسلمون بفضل الله ثم بفضلهم يعيشون في أحواله ﷺ كافة، وكأنهم يرون هيئاته ﷺ ، جزاهم الله عن الأمة خيرًا. فالمتشبث بهذه الشبهة ممن يرفض الأخذ عن الصحابة ﵃ بحجة أنهم ليسوا عدولاً؛ نسأله: من هم العدول الذين يأخذ عنهم دينه، وأنى له معرفة شرائع الإسلام؟ ومن أين سيأخذ أحكام الدين، ويعرف ما يحل وما يحرم، وما يأخذ أو يدع في شؤون الحياة جميعها. فمن رفضهم ﵃ فقد رفض آثار رسول الله ﷺ النبوية المروية، وكان لهذا الرفض الأثر الوخيم عليهم في ابتداعهم في الدين، واعتناقهم عقائد

стр. 387

منحرفة، ومزاولتهم شرائع باطلة لا تمت إلى الإسلام بصلة؛ بل تُناقض الإسلام وتعارضه. وقد انتهى بهم الأمر إلى أن نقضوا عرى الإسلام، وكفّروا الأمة المسلمة، وما كفرت الأمة ولكن الظالمين كفروا، يهدمون الدين بحجة الحرص عليه، ويكفرون بالقرآن وهم يزعمون الاستمساك به والاعتماد عليه (١). * الشبهة الثانية (٢): دعوى معارضة العقل للنقل، وأنّ العقل مقدّم على النّقل عند التّعارض؛ بحجة أن الآثار النبوية الحديثية المروية نقلية ظنية لا تفيد اليقين (٣)؛ لاحتمالها الخطأ، والمجاز، والتخصيص، والنسخ، وأن دلالة المعقولات قطعية، وعليه فتُقدّم المعقولات على نصوص الشرع وكذلك المحسوسات (٤)؛ لأن العقل بزعمهم هو الأصل والعمدة في الشرع وفي كل الأمور. تفنيد هذه الشبهة: ١ الإسلام وسط بين الملل، وأهل السُّنَّة وسط بين النحل، فالوسطية شأنهما في جميع الأمور، لا إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا إجحاف، ومن بينها العقل، الذي كانوا يأخذون ويأمرون به. فأهل السُّنَّة لا يغلون في العقل، ولا ينكرونه، ولا يحجرون عليه؛ بل يعتقدون أن للعقل مكانة سامية، وأن الإسلام يقدّر العقل، ويتيح له مجالات النظر والتفكّر، وفي الوقت نفسه لا يغلون فيه، ولا يجعلونه حاكمًا على نصوص الشرع؛ بل يرون أن للعقل حدًّا يجب أن يقف عنده؛ حتى لا يكون وبالاً على صاحبه.

стр. 388

فالعقل عند أهل السُّنَّة له مكانته اللائقة به، وهم في ذلك وسط بين طرفين (١): الطرف الأول: من جعل العقل أصلاً كليًّا أوليًّا، يستغني بنفسه عن الشرع. الطرف الثاني: من أعرض عن العقل، وذمه وعابه، وخالف صريحه، وقدح في الدلائل العقلية مطلقًا. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مبينًا وموضحًا مكانة العقل عند أهل السُّنَّة: … العقل شرط في معرفة العلوم وكمال وصلاح الأعمال وبه يكمل العلم والعمل؛ لكنه ليس مستقلًّا بذلك؛ بل هو غريزة في النفس وقوة فيها بمنزلة قوة البصر التي في العين؛ فإن اتصل به نور الإيمان والقرآن كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس والنار. وإن انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز وحده عن إدراكها وإن عُزل بالكلية: كانت الأقوال والأفعال مع عدمه، أمورًا حيوانية قد يكون فيها محبةٌ ووجدٌ وذوقٌ كما قد يحصل للبهيمة، فالأحوال الحاصلة مع عدم العقل ناقصة والأقوال المخالفة للعقل باطلة … لكن المسرفون فيه قضوا بوجوب أشياء وجوازها وامتناعها لحجج عقلية بزعمهم، اعتقدوها حقًّا وهي باطل، وعارضوا بها النبوات وما جاءت به، والمعرضون عنه صدَّقوا بأشياء باطلة ودخلوا في أحوال وأعمال فاسدة وخرجوا عن التمييز الذي فضل الله به بني آدم على غيرهم (٢) ٢ أن الله خلق العقول، وأعطاها قوة الفكر، وجعل لها حدًا تقف عنده من حيث إنها مفكرة، لا من حيث إنها مُشرّعة، فإذا استعملت العقول أفكارها فيما هو في طورها وحدّها ووفت النظر حقه، أصابت بإذن الله، وإذا سلطت الأفكار على ما هو خارج عن طورها ووراء حدها الذي حده الله

стр. 389

لها، ركبت متن عمياء، وخبطت خبط عشواء، فلم يثبت لها قدم، ولم ترتكن على أمر تطمئن إليه (١). فإدراك العقل له حد ينتهي إليه لا يتعداه، ولم يجعل الله ﷻ له سبيلاً إلى الإدراك في كل مطلوب، ولو كان كذلك لاستوت مع الباري في إدراك جميع ما كان وما يكون وما لا يكون، إذ لو كان كيف كان يكون؟ فعلم الله ﷻ لا يتناهى، وعلم العبد متناهٍ، والمتناهي لا يساوي ما لا يتناهى (٢). ٣ من المعلوم قطعًا و يقينًا أن كل ما جاءت به الشريعة لا يُعارض العقل، لكن أي عقل هو؟ العقل الصريح؛ أي: السالم من الشبهات، والشهوات، وليس العقل المشوب بشبهة التبست عليه وخلطت الحق بالباطل، أو شهوة ظهرت له فاتبع هواه، فكل ما جاءت به الشريعة فإنه لا شك موافق لصريح المعقول ولا يمكن أبدًا أن يخالفه (٣). ٤ يستند العقل في أحكامه إلى معطيات الحس، التي تأتيه عبر رسله؛ كالسمع والبصر، وغيرهما من الحواس، وهذه تنقل بدورها إدراك أشياء موجودة مشهودة، تقع على الحواس مجتمعة أو منفردة، فيقوم العقل بعملية التركيب والتحليل، والتجميع والتفريق، وقياس الأشباه والنظائر، ثم استنباط القواعد، واستخراج النتائج، وإصدار الأحكام، وهو في كل هذا العمل إنما يعتمد على معطيات حسية، لها وجود مشهود، ولو تعدى هذا المجال لنطق بغير علم، وحكم من غير هدى (٤). ٥ لن يهتدي العقل إلا بالشرع، والشرع لا يتبين إلا بالعقل، فالعقل

стр. 390

كالأُس، والشرع كالبناء، ولن يغني أسٌّ ما لم يكن له بناء، ولن يثبت بناءٌ ما لم يكن له أسٌ. وأيضًا العقل كالبصر والشرع كالنور ولن يغني البصر ما لم يكن نور من خارج، ولن يغني النور ما لم يكن له بصر. كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ *يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ *﴾ [المائدة]. وأيضًا العقل كالسراج والشرع كالزيت الذي يمده، فإن لم يكن زيت لم يحصل السراج، وما لم يكن سراج، ولم يضئ الزيت. كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقَيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥]، والله هو الهادي. وأيضًا الشرع عقل من خارج، والعقل شرع من داخل، وهما متعاضدان بل متحدان، ولكون الشرع عقلاً من خارج سلب الله تعالى اسم العقل من الكافر في غير موضع من القرآن (١). وجاء في موضعين من القرآن الإشارة إلى أن الهداية بالشرع، لا بالعقل، كما في قوله تعالى في سورة الأنبياء آية [٧٣]، وسورة السجدة ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ آية [٢٤]. وقد أخبر تعالى بأن هدايتهم بما أمر به على لسان رسوله ﷺ لا بمقتضى عقولهم، وآرائهم وسياساتهم وأذواقهم وتقليد أسلافهم بغير برهان من الله؛ لأنه ﷻ قال: ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣] (٢).
следующие страницы →